Полный текст (277 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
فهكذا كانت عطاياه، وهكذا كان تدبيره فيما نقلت العلماء وروت الفقهاء، ولا يشك في ذلك صاحب خبر، ولا يدفعه صاحب أثر.
فأما ما ذكروا من تهجينه أمر العجم، وتعظيمه أمر العرب، فإنما كان ذلك لأنه لما ندب الناس إلى قتال كسرى والأساورة تثاقلت عن ذلك العرب والأعراب وجميع المهاجرين والأنصار، هيبة لناحية كسرى والفرس، وخفوا لغزو الروم ونشطوا له، حتى انتدب أبو عبيد الثقفي أول من انتدب، فلذلك عقد على كبار المهاجرين الأولين والأنصار والبدريين، فلم يكن له هم إلا تصغير أمرهم وتهجين شأنهم والحط من أقدارهم ليرد ذلك من نفوس العرب.
وهكذا ينبغي أن يكون تدبير المدبر.
أوما علمت أن المغيرة بن شعبة لما سمع قيس بن مكشوح يقول حين عاين الفرس: وما رأيت كاليوم حديدا ولا عديدا! وهذا يوم القادسية، وقد كان قيس شهد قبل القادسية حروب الروم، وقيس يومئذ على الخيل، والمغيرة على الرجالة، فأقبل عليه المغيرة منتهرا له وهو يقول: إنما هذا زبد من زبد الشيطان!
وقد كان المغيرة قد عاين مثل الذي عاين قيس، ولكن التدبير كان غير الذي ذهب إليه قيس.
ومن الدليل على ما وصفنا من تدبير عمر، تركه الاستخفاف بأقدار العجم وإظهار احتقارهم والإزراء بهم، بعد جلولاء.
стр. 212
فمن ذلك أنه لما أتي بسيف كسرى وقبائه ومنطقته ألبسه سراقة بن مالك بن جعشم، ثم قال له: أدبر، ثم قال له: أقبل، فلما أقبل عليه عمر وعنده الناس، فقال: أما والله لرب يوم لو كان هذا من كسرى وآل كسرى لكان شرفا لك ولقومك. في أمور كثيرة من هذا الضرب لم يكن عمر لينطق بحرف منها وحربهم مخوفة ونفوس العرب لهم هائبة.
وهكذا تدبير الخلفاء ولكن أكثر الناس لا يعلمون، ولو كانوا إذا لم يفهموا عن الأئمة لم يعترضوا عليهم ولم يخطئوهم ولم يجهلوهم كان أيسر.
ولا أعلم في الأرض جيلا أجهل بهذا وشبهه ممن ينتحل اسم الكلام وينصب نفسه للخصومات، ثم الروافض خاصة، ليس يعرفون من أمر الإمام إلا أنه يعلم ما يكون قبل أن يكون.
ومن الدليل على ما وصفنا به عمر، قوله لسعد بن أبي وقاص حيث وجهه إلى القادسية وأوصاه، قال: يا سعد سعد بن وهيب، إن الله إذا أحب عبدا حببه إلى الناس، فاعتبر منزلتك من الله بمنزلتك أن يقال خال رسول الله - صلى الله عليه -، فإن الناس في ذات الله سواء.
فأي قول أجمع وأدل، وأي فعل أشبه بالذي حكينا عنه من التسوية، من هذه الأقاويل والأفاعيل.
стр. 213
وكان سعد خال النبي، ولذلك قال النبي - صلى الله عليه - وقد أخذ بيده: "هذا خالي أباهي به فليأت كل امرئ بخاله".
وفي قول عمر في المناكح: "ليس شئ من خصال الجاهلية إلا وقد تركته، ألا إني لست أبالي إلى من نكحت، وإلى من أنكحت" فإن شئت أن نقول: وأي أمر هو أوجب على العاقل المسلم الحر من ألا يبالي إلى من نكح وأنكح؟
قلت: وإن قلت إن هذا الكلام من عمر يدل على بقية عصبية فيه، فما تبرأ إليك منه حين جعله من خصال الجاهلية إلا وهو آب له وناه عنه، وزار عليه. وفي قوله هذا دليل على أنه قد اكترث لبقية عادة الجاهلية، وأنه راغب عنهما كما رغب عن أكبر منهما.
وفي قوله لعبد الله بن عمر حين فرض له في ألفين وفرض لأسامة في ألفين وخمسمائة، وابنه قرشي وأسامة مولى، حين قال له عبد الله: أتفضل علي أسامة في العطاء وأنا وهو سيان؟ قال: إن أسامة كان أحب إلى رسول الله منك، وكان أبوه أحب إلى رسول الله من أبيك.
ألا ترى أنه يدور مع الدين حيثما دار؟
وفي قول عبد الله بن عمر لأبيه:" تفضل على أسامة في العطاء وأنا وهو سيان" دليل على أن القوم كانوا لا يعرفون إلا الدين والسابقة، والغناء عن المسلمين.
وفي وصيته عند وفاته أن يصلي عليه صهيب، وفي أمره إياه بالصلاة
стр. 214
بالناس في مقامه إلى أن يختار المسلمون رجلا، دليل على ما قلنا.
وصهيب مولى لعبد الله بن جدعان.
والدليل على أن صهيبا رجل من العجم قول رسول الله - صلى الله عليه -: "بلال سابق الحبشة، وسلمان سابق فارس، وصهيب سابق الروم". وهذا حديث لم يختلف فيه فقيهان.
وفي خروج آذنه وحاجبه يوما إلى الناس، وقريش والعرب جلوس ببابه ينتظرون إذنه، فيهم أبو سفيان بن حرب وسهيل بن عمرو وحكيم بن حزام والأقرع بن حابس وعيينة بن حصن، فنادى بأعلى صوته: أين عمار؟ أين بلال؟ أين صهيب؟ أين سلمان؟ فينهضون مكرمين ومفضلين، وعلى الناس مقدمين، وتلك الجلة وتلك السادة جلوس لا ينطقون ولا ينكرون، فلما كثر ذلك عليهم تمعرت وجوههم وامتقعت ألوانهم، فأبصرهم سهيل فعرف ما قد أصابهم ونزل بهم، وكان حليما خطيبا فقال: لم تتمعر وجوهكم وتتغير ألوانكم، ولا ترجعون باللائمة على أنفسكم؟ دعينا ودعوا، فأبطأنا وأسرعوا، ولئن حسدتموهم على باب عمر للذي أعد الله لهم في الجنة أفضل!
ثم الدليل الذي ليس فوقه دليل، قوله وعنده أصحاب الشورى وكبار المهاجرين وجلة الأنصار وعلية العرب، وهو موف على قبره ينتظر خروج نفسه: "لو كان سالم حيا ما تخالجني فيه الشك". وسالم مولى امرأة من الأنصار، وكان حليفا لأبي حذيفة بن عتبة بمكة. فلذلك كان يقال: مولى أبي حذيفة، لأن حليف الرجل مولاه.
стр. 215
فإن كان هذا لا يدل على التباعد من الحمية والأعرابية والعصبية، ولا يدل على التسوية. فما عندنا ولا عند أحد شئ يدل على شئ! وإذا كان هذا مذهبه وقوله في الخلافة فما ظنك به فيما دون الخلافة؟
وهذا باب إن استقصيناه كثر وشغل الكتاب. وفيما قلنا مقنع لمن كان الحق له مقنعا، والصواب له مألفا.
فهل يقدر أحد أن يحكي عن علي مثل الذي حكينا عن عمر في التسوية أو شطره؟
إن أكبر ما رأينا في أيديكم عنه قوله: "إنني قرأت ما بين دفتي المصحف فلم أجد فيه لبني إسماعيل على بني إسحاق فضلا".
فهذا قول إن قاله علي فليس فيه دليل أنه أراد به الطعن على عمر وإظهار خلافه، لأن عليا قد ملك أكثر الأرض خمس حجج، فلو كان رأيه في خلاف عمر على ما تصفون، وكان عمر عنده لا يرى التسوية في العطاء، لقد كان غير دواوين عمر، وبدل أعطيته وفروضه وحولها إلى الحق عنده، أو نطق فيها بحرف، أو أظهر ذلك في هيئته إن لم ينطق به خطيبا ومحتجا.
وكيف يكون ذلك ولا أحد أعلم بصواب ما دبر عمر في ذلك من علي؟
وكيف يكون عمر لا يرى التسوية وقد صنع صنيعا لو قام مقامه أشد الناس سعيا - ما لم يجر عن الحق ويعدل عن السداد - ما كان عنده ولا في طاقته أكثر منه.
والعجب أنكم تزعمون أن عليا كان يرى التسوية، وأن عمر صاحب
стр. 216
حمية، فأنتم تروون أن أكثر احتجاجه إنما كان بذكر قرابته وأمتن أسبابه ومصاهرته، مع أن القرابة هي التي أخرجتكم إلى هذا الإفراط كله، فأنتم تحبون بني هاشم وتفضلونهم للقرابة، وتوجبون لهم الإمامة للقرابة، ثم تزعمون أن عليا كان يرى أن ولد إسماعيل وإسحاق سواء، وكان يرى أن العرب والعجم سواء.
وكيف غضبتم على عمر لأنه فضل قريشا على العرب، والعرب على العجم، ولم تغضبوا على أنفسكم حين فضلتم بني عبد المطلب على بني هاشم، وفضلتم بني هاشم على بني عبد شمس؟
ففضلوا أيضا بني عبد شمس على سائر قصي، وسائر قصي على سائر كعب، وسائر كعب على سائر قريش، وكذلك سائر قريش على سائر مضر، وكذلك سائر مضر على ربيعة، وربيعة على ولد إسحاق، وولد إسحاق على ولد قحطان.
وإن شئتم ففضلوا ربيعة على اليمن، واليمن على العجم. وإذا أنتم قد دخلتم في كل ما عبتم.
فأما أن تفضلوا من شئتم على من شئتم - وإن كان من لم تفضلوا في القياس كمن فضلتم - فليس ذلك لكم، لأن القياس قد اعترض دون مشيئتكم وقضى عليكم.
ولو أن قائلا قال: أنا أزعم أن الناس كلهم بعد بني عبد المطلب لصلبه سواء، كما قلتم إن الناس كلهم بعد بني هاشم سواء، ما كان الذي قال أمس بالرسول وأولى بالحكم. فإن قلتم: فمن أين كان له أن يقف على
стр. 217
جد عبد المطلب وليس بينه وبين هاشم إلا أب؟ فيقال لكم: وكيف كان لكم أن تقفوا على جد هاشم وبين هاشم وعبد مناف أب واحد؟ وكيف كان لكم أن تقطعوا التفضيل وحق القرابة من لدن هاشم، وهاشم وعبد شمس أخوان لأم وأب؟ ولذلك قال الشاعر:
عبد شمس كان يتلو هاشما * وهما بعد لأم وأب
فاجعلوه يتلو هاشما في حق القرابة واستحقاق الإمامة. وإذ جاز عندكم أن تتخطى الإمامة العم إلى ابن العم كان [ذلك] في الأخ للأم وللأب.
ثم زعمتم أن الدليل على أن عمر صاحب عصبية وحمية، رده لسلمان حين خطب إليه ابنته، وسلمان كان أعقل من أن يخطب إلى أبي بكر وعمر وعثمان وعلي.
قلنا: جوابنا في هذا في خطبته إلى علي، وإن كان علي أشرف موضعا. مع أن القائم عن سلمان أنه كان يقول: قال لي النبي - صلى الله عليه -: "يا سلمان لا تبغض العرب فتبغضني". وكان يقول: "أمرنا أن نأتم بكم ولا نؤمكم، وأمرنا أن نزوجكم ولا نتزوج منكم".
فليس في الأرض متعرب وصاحب عصبية إلا وأكبر ما يحتج به في المناكح حديث سلمان.
وقد تمنع الأشراف عقائل نسائها لأسباب غير التحريم، لا يكون ذلك عيبا عليهم في آدابهم، ولا نقصا في أديانهم.
وفي قول علي يوم الجمل حين رأى عبد الرحمن بن عتاب صريعا: "شفيت نفسي وجدعت أنفي، قتلت الصناديد من بني عبد مناف
стр. 218
[وأفلتني الأعيار] من بني جمح! " فقال له رجل: لشد ما جزعت عليه يا أمير المؤمنين! قال: "إنه قد قامت عني وعنه نسوة لم يقمن عنك" دليل أنه قد كان يرى للأمهات قدرا كثيرا، وللمناكح خطرا عظيما.
وفي كراهته أن يتزوج المقداد ضباعة بنت الزبير، حتى كان من النبي إليه الذي كان، دليل على شدة تدبيره.
وإنما ينبغي أن يقضي بين أصحاب محمد من قد عرف أمورهم في جميع متقلبهم، لأنه غير مأمون على المتكلم إذا قل سماعه أن يخرجه الجهل [إلى] استصغار بعضهم أو تضليله والبراءة منه، فيهلك هلاك الدنيا والآخرة.
وإن أغنى الناس أن يكون أصحاب محمد خصومه لأنتم معشر أصحاب النظر والمتكلمين.
والذين نحلوا عمر العصبية رجلان: رافضي أحب أن يمقّته إلى العجم والموالي، ومتعرب عرف أن عمر عند الناس قدوة، فنحله ذلك ليكون له حجة. فاعرف ذلك.
وأما ما ذكروا من أن الزبير خرج شادا بسيفه يوم السقيفة، فإن كانوا صادقين فإن هذا لهو الطيش والتسرع إلى الفتنة. وتهييج الناس على إظهار السلاح.
стр. 219
وإنما أتى أبو بكر الأنصار واعظا ومحتجا، ومسكنا ومصلحا بألين الكلام وأحسن الهدي، لم يحمل سوطا ولا سيفا، ولم يظهر معازة ولا أراد المغالبة. فما وجه خروج الزبير بسيفه شادا نحوه؟ بل كان أشبه الأمور بالزبير وأولاها به، والذي يجب علينا أن نظنه به، أن يقوم محتجا ومصلحا. فإذا أبان عن حجته وأعذر في موعظته فلم ير ذلك ناجعا ولا مقبولا، ورأى شيئا يجوز به حمل السيف والشد به، كان من وراء ذلك.
وكيف علمتم أن الزبير إنما سل سيفه ليؤكد لعلي إمامته أو ليوطئ له خلافته؟ ولعله إنما أراد الأمر لنفسه دون غيره. ولعله إنما غضب لصرف الأمر من خاله وكبيره وشيخه العباس بن عبد المطلب. فكيف علمتم أنه إنما أراد صرفها عن أبي بكر خاصة؟ وكيف يشد على رجل لم يقل بايعوني ولا أظهر الحرص عليها، وإنما كره أن يبقى الناس نشرا، وعلم أن على الأنصار أن يسمعوا للمهاجرين. وقد قال للناس: "بايعوا أي هذين شئتم" يعني أبا عبيدة وعمر. إلا أن يكون الزبير قال: ولم كنت أنت المحتج على الأنصار والمعرف لهم فضل المهاجرين عليهم دون علي!
ويقال لهم عند ذلك: أما بادي الرأي والذي لا نشك فيه نحن ولا أحد ممن خالفنا، فالذي كان من مناصبة الزبير لعلي ومحاربته له دون الإمامة، وزعمه أنه أفضل منه وأولى بها منه، ولو جعلها شورى لفرعه وبرز عليه.
стр. 220
ثم الذي لا يشك الناس فيه من طاعته لعمر، وإنما عمر شعبة من شعب أبي بكر. ولقد بلغ من تعظيمه لعمر وطاعته له وإكباره لقدره، أنه محا نفسه من الديوان لما قتل عمر تسلبا عليه ورفعا لقدره أن يلي منه من الإعطاء والمنع أحد كما كان يليه منه عمر. كما محا نفسه من الديوان حكيم بن حزام لما توفى النبي - صلى الله عليه -. وكذلك محا نفسه من الديوان عبد الله بن الزبير حين قتل عثمان.
ولقد بلغ من طاعته لعمر أنه بعثه مددا لعمرو بن العاص، فجعل عمرا الأمير عليه ينفذ لأمره ويصلي بصلاته.
والذي يدلك على انبتاته في هوى أبي بكر، وانقطاعه إليه بمودته الخاصة التي كانت بين أبي بكر وبينه، وذلك أن عبد الله بن مسعود أوصى إليه حين مات. وعبد الله عمري محض، وهو القائل في عثمان حين برز على الشورى: "ما ألونا أن جعلناها [في أعلا] نا ذا فوق". فإذا كان هذا قوله في عثمان وعلي، فما ظنك به في أبي بكر وعمر.
ثم أوصى إليه عثمان بن عفان [و] هو أصل العمرية والعثمانية، والمباينة لعلي وشيعته عندهم. وأوصى إليه عبد الرحمن بن عوف، وهو المختار
стр. 221
لعثمان على علي، وصاحب أبي بكر، والدافع بالموسم في خلافة أبي بكر من بين جميع المهاجرين.
هذا مع أسباب الزبير الواشجة بأبي بكر: فمن ذلك إسلامه على يديه، واحتماله مؤونته في مصاهرته، حيث رغب إليه في تزويج ابنته أسماء ذات النطاقين، فولدت عبد الله - وعبد الله كنيته أبو خبيب - وعروة وغيرهما. وكان عبد الله أول مولود ولد في الهجرة، فسماه الزبير باسم جده أبي بكر، لأن اسم أبي بكر عبد الله ولقبه عتيق، وإنما لقب بعتيق لعتق وجهه ودقة محاسنه. ثم كني [ابن] الزبير بأبي بكر بكنية جده. فكان عبد الله بن الزبير يكنى أبا بكر تيمنا منهم بكنيته وتبركا باسمه.
وقالت عائشة ﵂: ألا تكنيني يا رسول الله؟ قال: "بلى، اكتني بابنك" يعني عبد الله بن الزبير. فكانت عائشة تكنى بأم عبد الله. ولذلك كانت تقول: قال ابني، وفعل ابني، وكادوا يوم الجمل أن يقتلوا ابني.
فيقال للرافضة: أما العيان والوجود فهو الذي خبرناكم به. وأما ما ادعيتم من [أن] الزبير سل سيفا ليؤكد إمامة علي فقد ينبغي أن تأتوا على ذلك ببرهان. فأما معاداة الزبير له ومحاربته إياه وفخره عليه، فهذا ما لا يدفع عنه، ولقد فخر عليه حين دعاه إلى الشورى وأبى ذلك علي فقال: أسلمت بالغا مدركا وأسلمت ناشئا طفلا، وكنت أول من سل سيفا في الإسلام ببطن مكة وأنت مستخف في الشعب يكفلك الرجال ويمونك الأقارب من هاشم، وكنت فارسا وكنت راجلا، وكنت شجاعا وكنت
стр. 222
بطلا. ولئن كنت تزعم [أنك ابن عمه] إني لابن عمته. وأنا عابر البحر يوم الحبشة، وفي هيئتي نزلت الملائكة. وأنا حواري رسول الله - صلى الله عليه - وفارسه.
خبرني بهذا الكلام أبو زفر، عن ضراب أن الزبير كان احتج به.
وخبرني جماعة من العثمانية عن محمد بن عائشة، أن الزبير كان احتج به، وقد سقط عني بعضه لطول العهد بسماعه.
وقالت العثمانية: العجب أن الروافض ربما احتجت علينا بأن الزبير سل سيفه ومضى قدما في تأكيد بيعة علي وخلع سواه، ونقص من أبي بكر.
فيقال لهم: فما منعكم أن تقولوا لما مات النبي - صلى الله عليه - وجحد السلف إمامة علي: كفر الناس خلا خمسة نفر أولهم الزبير في نفسه وفضيلته على غيره، وأكبر ما كان منه من سل السيف والشد به، وهذا موقف لم يقفه بلال ولا أبو ذر. وأنتم على ثقة أن
стр. 223
ذلك كان، وأن السيف لم يحمل إلا لنصرة علي دون العباس وجميع بني عبد مناف وما ولد قصي.
وكيف لم يكن أدنى منازل الزبير أن يكون قد كان مؤمنا وليا إلى أن جحد إمامة علي بعد مقتل عثمان، فيكون سبيله شبيها بسبيل حذيفة وعمار، لأنهما كانا عندكم كافرين حتى تابا في زمن عثمان، فكان يكون الزبير مؤمنا إلى أن كفر عند مقتل عثمان.
وإنما صار حذيفة وعمار عند الرافضة وليين لأنهما قالا بزعمهم: والله ما دخل عثمان حفرته إلا كافرا، وإنه لحيفة على الصراط يوم القيامة، يتأذى به أهل الجمع.
فإن كانوا إنما صاروا إلى توليهما بعد إكفارهما من أجل تصديق هذا الحديث فإن الذين رووه هم الذي رووا أنهما قالا: والله ما دخل عثمان حفرته إلا كافرا، وإنه لجيفة على الصراط يتأذى به أهل الجمع؛ وإنه لا يلي هذا الأمر بعد عمر إلا كل أصفر أبتر. فإن كانا قد تابا بقولهما الأول لقد ارتدا بقولهما الثاني حين قالا: وإنه لا يلي هذا الأمر من بعد عمر إلا كل أصفر أبتر.
ولو لم يكن ذلك كذلك بل كانا مرتدين فتابا فتوليتموهما عند توبتهما وعاديتموهما قبل ذلك على طاعتهما لعمر، فما بالكم لم تقولوا مثل ذلك في الزبير أنه لم يزل مؤمنا حتى جحد إمامة علي بعد؟ مع أن سل الزبير سيفه، وعدوه نحو أبي بكر وأصحابه، وقول عمر: "دونكم الكلب" حتى أخذ سيفه وخطر، إنما هو حديث وجدناه في بعض السيرة، وليس من الأخبار المستفيضة، وليس مما يحققه أصحاب الحديث.
стр. 224
وإن قالوا: فما قول أبي بكر في خطبته التي خطب بها في أول خلافته: "وليتكم ولست بخيركم"؟ وهل يخلو هذا القول من الصدق والكذب. فإن كان صدقا فهو خلاف قولكم في تفضيله على جميع أئمتكم، والرجل كان أعلم بنفسه وبأهل دهره، وإن كان كاذبا فأي كذب أقبح من كذب إمام على منبر جماعة؟ ومن أحق بألا يليهم ويحمل إمامة دينهم ودنياهم ممن يكذب على منبر الرسول من غير أن يكرهه أحد أو يريده عليه، أو يكون في تقية كخائف السوط والسيف؟ بل ما يدعوه إلى الكذب، والكذب مقبح في العقل مقبح في الدين، ولم يكن هناك رهبة تسوقه ولا رغبة تقوده؟ على أن كذب الرعية أسخف وأقبح، وهو لا يخلو من أن يكون صادقا فلا يسعه أن يتقدم من هو خير منه وقد مكنه تقديمه، أو يكون كاذبا فالقول فيه على ما قلنا.
قلنا: إن العثمانية تذكر لذلك وجوها:
فمنها: أن الحسن كان يقول: "والله أعلم أنه كان خيرهم، ولكن المؤمن يهضم نفسه". فزعم الحسن أنه إنما تهضم نفسه ووضع منها لأن الخلف المشفق كثيرا ما يزرى على نفسه ويعيب عليها ويستبطئها، ويظهر المقت لها والخوف عليها. فهذا كان مذهب الحسن.
وأما قتادة فزعم أنه قوله: "وليتكم ولست بخيركم" إنما أراد في الحسب، ليعلمهم أنه إذ يليهم بالحسب فإنما وليهم بالسابقة. لأنهم
стр. 225
قد كانوا أكثروا من قولهم: أرضيتم معشر بني عبد مناف أن تلي عليكم تيم؟ وأراد في أول مقام قامه أن يعلمهم [أن] ذلك المقام لا ينال بأن يكون صاحبه خير الناس حسبا ومركبا، إنما ينال بأن يكون خير الناس علما وعملا.
وأما غيرهما فزعم أن من عادة الخائفين الوجلين المشفقين أن يقول الرجل منهم: كل أحد خير مني؟ ثم يبكي على تضييعه، ويستعظم صغير ذنوبه كأنه ليس في الأرض مذنب سواه، وأكثر ما يقول ذلك عند ذكر بعض ذنوبه أو عند بعض ما يعارضه به الشيطان والإنسان، من تزكيته وتقريظه وإظهار تفضيله لنفسه وإحسانه، والعجب بحاله. لأنه ليس بعد أن يرى العبد أن ذنبه من قبل ربه مذهب هو أعظم من استكبار الطاعة واستصغار المعصية. فعند ذلك يعارضه المؤمن بتقريع نفسه وتأنيبها، وتوقيفها على ما فرط منها، وتذكيرها مساويها، واستعظام كل ما كان من تقصيرها وإساءتها، واستصغار كل ما كان من عظيم إحسانها وطاعتها، فيقول: كل أحد خير مني. وما أشبه من الكلام.
وهذا الضرب من اللفظ، إذا كان على هذا الوجه فليس في مجرى الكذب وقول الزور، وإن كان القائل: "كل أحد خير مني" خيرا من كل أحد.
فكأن أبا بكر لما خطب الناس وقام مقام رسول الله - صلى الله عليه -، وسلم عليه المهاجرون والأنصار وعلية قريش وسادة العرب قياما على أقدامهم، وصفوفا على مراتبهم، يقولون: السلام عليك يا خليفة رسول الله،
стр. 226
وألقيت إليه أزمة الأمور، وأعطوه المقادة، وأسمحت نفوسهم له بالطاعة وقد صرفوها عن القرابة وعن أهل الشرف، رأى بسطة عيشه من عز الخلافة وبأو الإمامة، ما لا يعرف قدره غيره، ولا تأتي الصفة على كنهه، وللشيطان هناك مداخل ومخاتل، ودس وتحريك وطمع، ليس يقوى بشري على دفع تلك الفتنة، وتسكين تلك الحركة، والنهوض بتلك المحنة، إلا بغاية الزري على النفس والهضم لها، والبخس والتخون منها، وتناسي ذكر جميع محاسنها، واجتلاب ذكر جميع مساويها. فبالحري إذا صنع ذلك أن يرد من غربه وطوائع نفسه، وحركة همته، وانتشار عزمه، وانتقاض مرته.
وهذه حال لا يمتحن بها إلا الخلفاء، ولا يختبر بها إلا الأئمة الهدّى، لأن معهم من قوة المنن ومن فضول الأحلام، وشدة الورع وكثرة العلم، وثبات النفس، والمعرفة بما أداه الطائع، وإماتة الشهوات، وقمع ... ما يقام به موريه مكايد الشيطان وتعظيم الإنسان، وعز السلطان. والنفس لا تسمح بإعطاء ما عليها حتى تمنعها ما لها.
وإن كان قول أبي بكر: "وليتكم ولست بخيركم" إنما أراد به مداواة قلبه والزري على نفسه، فليس بكذب وإن كان خيرهم، إذ كان إنما أراد إصلاح قلبه، وعلاج دائه، والبعد من تقرير القوم بنقصهم عن فضله، والفخر عليهم بتبريزه. فإنما أراد أن يكون سبيله سبيل من يظهر التعلم إذا علم، وسبيل من يتواضع إذا عظم. فجمع بذلك حسن الأدب، والبعد
стр. 227
من التزكية. والتحبب إلى المستمع، والتواضع لربه، والمداواة لقلبه، والظفر بعدوه، وإحراز دينه.
وقد يكون إخلاص ظاهر لفظه على شئ ومعناه غيره، فلا يكون ذلك كذبا، لمعرفة القائل بفهم المستمع عنه. وهذا باب كثيرا ما يستعمله العرب.
يقول الرجل لامرأته: ألقيت حبلك على غاربك! وهو يعني طلاقها وليس هناك حبل ألقي على غارب.
ويقول: ما لي في هذا الأمر ناقة ولا جمل! وليس ذلك يريد. ولست منها في عير ولا نفير! وليس ذلك يريد.
وقال عمر في الصداق ما بلغكم، فلما احتجت عليه المرأة بقول الله: ﴿وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا﴾ قال: كل أحد أفقه من عمر.
وهذا القول ينبغي أن يكون على قياسكم هذا كذبا. ولا نعلم أحدا رواه عن عمر إلا على التفضيل له. ووجهه قائم معروف.
فإن قالوا: ما معنى قول أبي بكر: "بايعوا أي هذين شئتم"، يعني عمرو وأبا عبيدة.
قيل لهم: إن أبا بكر إنما قال هذا الكلام للأنصار ومن حضر بعد أن قرر الأنصار بفضل المهاجرين عليهم، وأن الأمراء منهم. فعلم عند ذلك أنه بائن عند الأنصار من جميع المهاجرين كما بان عند المهاجرين،
стр. 228
ولكنه كان سائسا رفيقا، فكره أن يقول بايعوني، ليكونوا هم الذين يطلبون منه ذلك ويريدونه عليه، ويظهرون حب تقديمه، لتكون النفوس بطاعته أسمح، وفيها أرغب، ولمذهبه أحمد، ولأن ذلك عندهم أبعد من الاستبداد عليهم، والافتيات بالأمر دونهم، والحرص على التأمر عليهم. ولذلك مشى في الناس بعد بيعته ثلاثا يقول: هل من مستقيل فيقال؟
وقد قال في خطبته بعد البيعة:
وقد كانت بيعتي فلتة، وخشيت الفتنة، وايم الله ما حرصت عليها يوما ولا ليلة، ولا سألتها الله في سر ولا علانية، وما لي فيها راحة، وقد قلدت أمرا عظيما ما لي به طاقة، ولوددت أن أقوى الناس عليها مكاني.
ألا ترى زهده فيها، وقلة حرصه عليها، وكيف يخبر أنه لو لم يخش الفتنة ما قبلها، ولود أن أقوى الناس عليها مكانه؟
وقوله: "لوددت أن أقوى الناس عليها مكاني" يقول: وددت أنه لو كان في الناس من هو أقوى عليها مني. ليس أنه يرى أن في الأرض يومئذ رجلا هو أقوى عليها منه.
ومثل هذا في كلام العرب كثير.
وقال الراجز وذكر إبله فقال، إذا كانت عليها مغارضها:
стр. 229
• يشربن حتى تنقض المغارض *
يقول: يشربن حتى لو [كانت عليها مغارضها] سمعت لها نقيضا. والبعير لا يورد وعليه غرضه وبطانة.
ثم رجعنا إلى الحديث الأول.
فكأن أبا بكر حين قال: "بايعوا أي هذين شئتم" علم أن عمر وأبا عبيدة لا يستجيزان تقدمه والتأمر عليه، كما بلغنا من قول عمر في أبي بكر، يوم جمع المهاجرين والأنصار يستشيرهم في غزو الروم حيث خالفوه وأبى أبو بكر إلا إنفاذ ذلك الجيش والتعريف لهم بالحجة فيه، حين يقول: "الحمد لله الذي يخص بالخير من يشاء من خلقه. والله ما استبقنا إلى شئ من الخير إلا سبقنا إليه، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم".
وقال أيضا يوم السقيفة حين قال أبو بكر: بايعوا أي هذين شئتم: "والله لأن أقدم فتضرب عنقي أحب إلى من أن أتقدم أبا بكر".
وقال: "والله لأن أضجع فأذبح كما يذبح الجمل أحب إلى من أن أتقدم أبا بكر".
ولقد بلغ من تعظيمه له وتقديمه إياه أنه قال حين سئل عن الكلالة: "والله إني لأستحي الله أن أرى خلاف رأي أبي بكر".
وأنت لم تجد أبا عبيدة تقدمه في موقف قط، وقد وجدت أبا بكر قد تقدم أبا عبيدة في مواقف كثيرة، في حياة رسول الله
стр. 230
- صلى الله عليه - وبعد وفاته، كما حكينا لك قبل هذا. ولم نجد ذكر أبي بكر وعمر في موضع قط إلا وأبو بكر المقدم عليه، مع مقامات لأبي بكر شريفة ليس لعمر فيها ذكر.
فبين أن يكون أبو بكر يأمرهم بذلك أمرا أو يطلب إليهم طلبا، وبين أن يجعله إليهم فيكونوا الطالبين له والراغبين إليه، وليكون ذلك من تلقائهم وطيب أنفسهم، فرق عظيم.
وأية بيعة أثبت من بيعة عقدها عمر والنبي يقول: "ضرب بالحق على لسانه" و "الشيطان يفرق من حسه" و "اللهم أعز الإسلام بعمر"؟ وأية بيعة أثبت من بيعة عقدها أبو عبيدة والنبي يقول: "لكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح".
وأية بيعة أثبت من بيعة عقدها عبد الرحمن بن عوف وقد سماه رسول الله ﷺ "الأمين". فإذا كان أمين رسول الله - صلى الله عليه - في أمته، والفاروق الذي فرق الله به بين الحق والباطل، حيث قال: "لا يعبد الله سرا بعد اليوم" قد عقدا بيعته وأكدا أمره، فما عسى أن يبلغ قول قائل؟ ولو كان ذلك عن مواطأة من
стр. 231
أبي بكر لأبي عبيدة كما واطأ معاوية عمرو بن العاص، ما استعمل عليه خالد بن الوليد أميرا أيام حياته حتى عزله عمر بن الخطاب، ولكان كما صنع معاوية بعمرو حين أطعمه مصر.
وأية بيعة أثبت من بيعة عقدها عبد الله بن مسعود، والنبي - صلى الله عليه - يقول: "رضيت لأمتي ما رضي لها ابن أم عبد، وكرهت لها ما كره ابن أم عبد". فإذا رضي ابن أم عبد بيعة رجل فقد رضيها النبي ﵇، إذ كان النبي قد قال: "رضيت لأمتي ما رضي لها ابن أم عبد، وكرهت لها ما كره ابن أم عبد".
ولقد بلغ من تقديمه لأبي بكر وعمر وعثمان أنه قال عند اختيار الناس لعثمان: "ما ألونا أن جعلناها في أعلانا ذا فوق".
ولقد بلغ من تعظيمه لعمر وتقديمه له، أنه قال: "لقد خشيت الله في حب عمر". وقال: "ما صلينا ظاهرين حتى أسلم عمر". وقال بعد موت عمر: "إن عمر كان للإسلام حصنا حصينا يدخل الناس فيه ولا يخرجون منه، فلما مات انثلم ذلك الحصن فصار الناس يخرجون منه ولا يدخلون فيه". وقال: "إذا ذكر الصالحون فحي هلا بعمر".
فإذا كان عمر وعثمان من أتباع أبي بكر وشيعته وأوليائه، وهذا قوله فيهما وتفضيله لهما، فما ظنك به في أبي بكر؟
стр. 232
ولو أن رجلا واحدا من نحو من ذكرنا عقد لعلي إمامة، أو نطق فيه بكلمة، لأكلت الشيع والروافض هذه الأمة فضلا عن أن تحتج يرضاه واختياره. فهذا هذا.
ثم الذي نقلوا إلينا من تثبيت علي بيعة أبي بكر. وذلك أنهم قالوا: لما بويع أبو بكر وبايعه علي وبنو هاشم، قام أبو بكر فطاف في الناس ثلاثا يقول: "أيها الناس، قد أقلتكم بيعتي"! قالوا: يقول علي من بين الناس: "والله لا نقيلك ولا نستقيلك، قدمك رسول الله - صلى الله عليه - تصلى بالناس فمن ذا يؤخرك؟ ".
ثم الذي نقله الناس عن علي حين قال على منبره: "ألا إن خير هذه الأمة أبو بكر، والثاني عمر، ولو شئت أن أخبركم بالثالث فعلت".
ونقلوا جميعا أن عليا قال: بينا أنا يوما عند رسول الله - صلى الله عليه - إذ أقبل أبو بكر وعمر فقال النبي: "هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين، ما خلا النبيين والمرسلين، لا تخبرهما بالذي قلت يا علي". قالوا: قال علي: لولا أنهما قد ماتا ما حدثتكم.
قال الشعبي: قال علي: "إن أبا بكر كان أواها منيبا، وإن عمر ناصح الله فنصحه الله".
ونقلوا أن عليا قال - ودخل على عمر وقد مات وهو مسجى -
стр. 233
فقال: رحمك الله يا عمر! والله ما أحد أحب إلى أن ألقى الله بمثل صحيفته من هذا المسجى صاحب السرير!
وبلغه أن رجلا تناول أبا بكر وعمر، فقال للرجل: لو سمعت منك الذي بلغني لألقيت أكثرك شعرا.
وقال: لو أتيت برجل يشتمهما لجلدته حد المفتري.
ثم الذي نقله جميع أصحاب الآثار أنه قال: كنت إذا سمعت من النبي - صلى الله عليه - حديثا نفعني الله بما شاء منه، فإذا حدثني غيره عنه استحلفته، فإذا حلف لي صدقته، وإن أبا بكر حدثني - وصدق أبو بكر - حدثني أن النبي - صلى الله عليه - قال: "ما من رجل يذنب ذنبا فيتوضأ فيحسن الوضوء ثم يصلي ركعتين ويستغفر الله إلا غفر له".
ألا ترى كيف أورده بالتصديق وقلة التهمة، وأقامه مقام التقليد ورفع الاسترابة.
فهذا مذهب علي فيهما وتعظيمه لهما.
ثم الذي كان من تزويجه أم كلثوم بنت فاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه -، من عمر بن الخطاب، طائعا راغبا، وعمر يقول: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنه ليس سبب ولا نسب إلا منقطع إلا نسبي". قال علي: إنها والله ما بلغت يا أمير المؤمنين. قال: إني والله ما أريدها لذاك! فأرسلها إليه فنظر إليها قبل أن يتزوجها،
стр. 234
ثم زوجها إياه، فولدت منه زيد بن عمر، وهو قتيل سودان مروان، فلما أتى النعي أم كلثوم كمدت عليه حزنا حتى ماتت، وقالت: واحربها! قتل أبوها علي بن أبي طالب، وقتل زوجها عمر بن الخطاب، وقتل ولدها زيد بن عمر.
ثم تسمية علي أولاده بأسمائهم، كما يتبرك الرجل بأسماء أئمته وقادته، حين سمى بعمر وعثمان وأبي بكر، فأعقب عمر ولم يعقب أبو بكر وعثمان.
ثم الذي كان من قبوله ولاية عمر حين استخلفه على المدينة، ومضى عمر معسكرا يريد جيش مهران بعد وقعة قس الناطف، فأتاه علي إلى معسكره فأشار عليه فيمن أشار بأن الرأي أن يرجع إلى المدينة ولا يلقاهم بنفسه وحده، بل يكون للمسلمين فيئة. فرجع عمر.
وإنما أراد عمر بذلك تحريك الناس ليجدوا ويعزموا.
فإن قالوا: هذا كله باطل، أو قالوا: إن هذا الذي حكيتموه وإن كان حقا فإنما كان على التقية. فقد قلنا في ذلك أجمع بالذي يكتفى به.
والعجب أنهم يوجبون على الناس تصديقهم أن سلمان قال: "كرداذ
стр. 235
ونكرداذ" وأن الزبير خرج شادا بسيفه ليؤكد إمامة علي، وأن الأنصار إنما خالفت على المهاجرين نقضا من استبداد أبي بكر، وأن أبا سفيان بن حرب وخالد بن سعيد إنما قالا: "أرضيتم معشر بني عبد مناف أن يلي عليكم تيم"، نصرة لعلي دون جميع بني عبد مناف، فإن الله رد عليه الشمس، وإن النبي قال: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى"، وجعل إليه طلاق نسائه، وأنه قسم النار، وصاحب العرض، والقائم على الحوض. فيوجبون علينا أن نصدقهم في هذا، ولا يوجبون على أنفسهم لحمال الآثار أن عليا قال في الخلية والبرية، والبائنة، والبتة، وطلاق الحرج، وأمرك بيدك، والحرام، أنها كثلاث تطليقات، ويوجبون على طلاب الحديث أن عليا كان لا يرى الطلاق إلا طلاق السنة.
وهذا أمر ما سمعنا به قط عن علي إلا منهم.
وليس بأعجب من استشهاد خصومهم العيان والاجماع وما عليه الوجود، واستشهادهم القصد والضمير والغيب، وجعلهم له يوازن الظاهر والشائع.
وذلك أن القائل إذا قال: أسلم أبو بكر كهلا وأسلم علي طفلا.
стр. 236
قالوا: كان علي وهو ابن سبع سنين أرجح عقلا من أبي بكر وهو ابن إحدى وأربعين سنة. فتركوا العيان وعارضوا الشاهد بالغائب.
وإن قال قائل: إن أبا بكر كان مع النبي في الغار وقد نطق به القرآن وثبته الاجماع. قالوا: فإن عليا أباته النبي على فراشه.
وإن قلت: إن النبي سمى أبا بكر بالصديق تفضيلا له ولم يجعل له اسما يفضله به. قالوا: بلى، قد كان النبي سماه الصديق الأكبر، ولكن الناس منعوه ذلك وظلموه، حين لم يسيروه ويشيعوه.
وإن قلت: إن النبي اشتكى أياما وليالي، كل ذلك يأمر أبا بكر بالصلاة، وهو حاضر ولا يأمره، قالوا: لأن عليا كان مشغولا بتمريضه.
وإن قلت: إن الناس لما افتتنوا بعد موت النبي وعظموا شأنه حتى دعاهم الإفراط إلى أن قالوا: لم يمت، ولكنه يغيب مثل ما غاب موسى عن قومه. فكان أبو بكر هو المتكلم والمحتج والمحامي حتى عرفهم الحق وتنبهوا من الوسنة. قالوا: لأن عليا قد كان اشتد حزنه حتى قطعه عن الاحتجاج والتعريف.
فإن قلت: حين أظهروا الفرقة والدار دارهم، لو تركهم أبو بكر ولم يعرفهم فضل المهاجرين عليهم، لكان في ذلك أشد الفتنة وأكبر الفساد، فعاجلهم وتجرد للاحتجاج عليهم، حين كان كل إنسان همه هم نفسه، وعلي بمعزل حتى كأنه كان غائبا. قالوا: لأن عليا قد كان عرف حسد قريش وبغيها عليه، وطاعتها وحبها لأبي بكر، فلم يكن ليقدح في غير مقدح، أو ينفخ في غير فحم.
стр. 237
فإن قلنا: إن إظهار علي الرضا بالشورى دليل على طاعة عمر. قالوا: إنما ذلك للتقية.
فإن قيل: فلم رضي بعبد الرحمن مختارا وعبد الرحمن عنده من عدوه، وأدنى منازله أن يكون كان مخوفا عنده، وأدنى من ذلك أن يكون الغلط غير مأمون عليه.
قلنا: وهلا أظهر من الخلاف شيئا يسير إلينا، وهلا نطق بحرف واحد بقدر ما يتخذه الناس بعد حجة، ولم يكن بلغ أقصى خلافهم فيرى وعيدا أو إيقاعا.
فإن قلت: إن عليا قال لأسماء بنت عميس - وهي يومئذ امرأته - حين تفاخر ولدها من أبي بكر وجعفر وعلي عندها: اقضي بين ولدك. فقالت: ما رأيت شابا كان أطهر من جعفر، ولا رأيت شيخا كان أفضل من أبي بكر، وإن ثلاثة أنت أخسهم لفضلاء! فلم ينكر ولم يحتج، ولم يفرق ولم يتعجب، والكلام يؤثر والقضية تظهر.
قالوا: إن فضله أظهر في الناس من أن يحتاج إلى الاحتجاج، وإنما قالت ذلك مازحة، كما تمزح المرأة مع زوجها وتحرش به.
فإن قلت: إن عليا قد بايع أبا بكر وأعطاه صفقته طائعا غير مكره، والحكم السابق من الله ورسوله أن المدعى عليه إذا أقر ولم ينكر، ولم ير الوالي أثر جنون ولا إكراها، أن إقراره جائز عليه، فكذلك
стр. 238
علي إذا كان قد بايع وليس على رأسه سيف ولا سوط، فحكمه حكم الراضي المسلم.
قالوا: قد كان هناك إكراه ظاهر، ولكن الناس تكاتموه وأخفوه فيما بيننا وبينهم، إذ كان الجمهور الأكبر معهم.
فإن قلت: قد صدقناكم في قولكم إنه قد كان في تقية من أبي بكر وعمر وعثمان، رأيتم أيام سلطان نفسه ومعه مائة ألف سيف تطيعه وأهل الأرض كلهم رعيته ما خلا الشام، لم كان يظهر تزكية أبي بكر وعمر على منبره وفي مجلسه؟
قالوا: للتقية من رعيته، إذ كان أكثرهم على هواهم وطاعتهم.
قلنا: قد عرفنا أن تركه لعنهم والبراءة منهم والإخبار عن استبدادهم وظلمهم على التقية، فما حمله على تزكيتهم والأخبار عن محاسنهم، والرواية الحسنة فيهم، وقد كان له في السكوت سعة، وعن الكلام مندوحة؟ ولقد تعدى في مديح أبي بكر وعمر حتى قال لابن طلحة: "إني لأرجو أن أكون أنا وأبوك ممن قال الله: ﴿إخوانا على سرر متقابلين﴾ ".
وإن قلنا: إن في تسميته بنيه بأسمائهم دليل على تعظيمه لهم.
قالوا: لأنه قد كان علم أن شيعته سيحتاجون في آخر الزمان إلى الترحم على أبي بكر وعمر وعثمان، تقية من شيعتهم، فسمى بنيه بأسمائهم، حتى يكون ذلك الترحم واقعا عليهم. ولأن ينصب لهم من إذا قصدوا إليه بالترحم أصابوا الحق ولم يحتاجوا إلى الإلطاط.
стр. 239
وإن قلنا: إنه زوج عمر غير مكره، ولا شئ أدل على الخاصة والصفاء من المشاركة والمصاهرة.
قالوا: قد كان هناك توعد وتخوف، وقد قال بعضهم: إن هذا باطل وإن عليا لم يزوج عمر قط. ونبئت عن بعضهم أنه قال: قد كان ذلك على التقية، ولكن الله صانها فأخفاها ورفعها.
فقيل له: فخبرنا عن التي رأوها في منزل عمر وعلى فراشه، وولدت منه زيدا، ما هي، وأي شئ كانت؟
قال: شيطانة في صورة امرأة.
وإن قلت لهم: كيف زعمتم أنه كان أشد أهل الأرض قلبا، وأنتم تزعمون أنه كان يتقي كل شئ، حتى ليسلم حرمته إلى كافر من غير أن يشهر عليه سيف أو يضرب بسوط. وقد رأينا من هو في دون حاله في النجدة والشجاعة، والحمية والبصيرة، يمتنع حتى يقتل في دون هذا. وقد تعلمون أنه لم يُكْلم ولم يخدش، فضلا على أن يجرح ويقتل، في جميع المقامات التي زعمتم أنه إنما استجاز واستحل من التقية.
وأعجب من جميع هذا أنا رأيناكم تزعمون أن أبا بكر وعثمان كانا من أجبن البرية وأبعده من حمية، وقد رأينا صنيع أبي بكر في الردة كيف نهض بالقليل في محاربة الكثير، وكيف أشاروا عليه بأن يستعين بجيش أسامة حتى إذا رد الردة أعاد الجيش إلى حاله. وكيف قال لهم حين قالوا له: إنا قد أمنا غزو الروم إيانا في يومنا هذا، ولسنا نأمن مع ارتداد جميع العرب أن نغزى في عقر دارنا! قال: لو بقيت حتى يأكلني
стр. 240
الكلاب وحدي ما أخرت جيشا أمر رسول الله ﷺ بإنفاذه.
ثم رأينا عثمان، وهو عندكم أضعف من أبي بكر وأجبن، قد كان محاصرا معطشا مخذولا قد قهره عدوه، والسيوف تلمع على بابه، وقد أفضوا إلى داره، وتسلقوا عليه من خوختة، وهم يريدون نفسه أو خلع الخلافة من عنقه، فصبر حتى قتل كريما محتسبا وهو يقول: "لا أنزع قميصا قمصنيه الله! " وهو يرى الجد وليس معه أمان من قبله.
وقد يزعمون أن عليا قد كان يعلم أنه لا يقتل ولا يموت حتى يقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين، ومع ذا يزعمون أن الله قد كان أسر إليه علم كل ما يحدث في هذه الأمة من الفتن والهيج. وهذا لا يشبه اتخاذه أبا موسى حكما عليه وله، مع غباء أبي موسى وعداوته كانت له، ولا سيما إذا قرنه بعمرو بن العاص. وما ظنك برأي عمرو، وقد كان فيه معونة.
ففي جميع ما قلنا دليل على أن القوم إما أن يكونوا مالكين لأهوائهم.
فإن قالوا: ما الدليل على إسلام أبي بكر فضلا على تقديمه وتفضيله ومباينته؟ ومن أين لكم أن تزعموا أنه قد كان مسلما وأنتم وخصومكم مجمعون على أنه قد كان كافرا، ثم ادعيتم أنه قد أسلم بعد كفره وأنكر ذلك خصومكم، فليس لكم أن ترجعوا عما اجتمعتم عليه إلا بإجماع منكم
стр. 241
يوازنه. وقد ينبغي أن تطرحوا موضع الفرقة وتقضوا بموضع الجماعة، وقد جامعتمونا أن عليا لم يزل مؤمنا.
قيل لهم: إنا لو كنا عرفنا أنه قد كان مرة كافرا من قبل خبر أصحابنا ومجامعة خصومهم لهم، وكان علم ذلك لا يصاب إلا بمجامعتهم لأصحابنا، لقد كان الذي قلتم واجبا وقياسا صحيحا. ولكنا عرفنا أنه قد كان كافرا بقدر من الخبر قد يكذب مثله، وبه ثبت عندنا أنه قد كان في الدنيا، فضلا على أن يكون كان له فعل يسمى كفرا وإيمانا. وإنما الحجة في المجئ الذي لا يكذب مثله، ثم لا نلتفت بعد ذلك إلى موافق ولا إلى مخالف، ولا إلى عقل ولا إلى نظر. ثم نظرنا فإذا الوجه الذي منه علمنا أنه قد كان في الدنيا، منه علمنا أنه قد كان مرة كافرا، و [هو] الوجه الذي منه علمنا أنه قد أسلم بعد كفره. ولو أنا عرفنا كفره بنا وبخصومنا، لما عرفنا إيمانه إلا بنا وبهم.
ووجه آخر من الجواب: أنكم قد جامعتمونا على أنه قد كان يشهد الشهادة، ويأكل الذبيحة، ويظهر الإسلام، في حيث النفاق مستخف وثوب الإسلام داج، والكفر ذليل والإسلام عزيز، [ثم] ادعيتم بعد أن أقررتم أنه قد كان يظهر الإسلام في دار الإسلام، أنه كان مستسرا بالكفر، وأنه كان من المؤلفة قلوبهم.
فالواجب بالقياس أن يحكم له بالإسلام على ظاهر ما اجتمعنا عليه من جملته. ولا ندع موضع الإجماع إلى قولكم وحدكم: إنه قد كان إسلامه
стр. 242
على نفاق، لأن الجماعة لا تنزل إلى فرقة، ولأن الحجة لا تترك إلا بحجة.
فإن قالوا: فإن أبا بكر لم يشهد قط الشهادة، ولا صلى [إلى] القبلة.
قلنا: ما تقولون في رجل رأيناه كافرا في دار الكفر، ثم رأيناه بعد ذلك في دار الإسلام وفي زي أهله، وحكم الإسلام غال، ومعلوم أن من عادة أهله قتل من كفر، كيف يكون حكم ذلك الرجل؟
فإن قالوا: ولكنا نقف في مغيبه.
قلنا: اجعلوا أبا بكر ذلك الرجل.
فإن قالوا: فإن أبا بكر لم يزل يظهر الكفر في دار الإسلام، كما كان يظهر الكفر في دار الكفر.
قلنا: لا بد لكفره من وجهين: إما أن يكون كان يظهره على عهد وذمة فلذلك لم تقتلوه، أو يكون كان على غير عهد وذمة.
فإن ادعوا أن كفره كان على عهد وذمة كما جعل الله ورسوله للنصارى ولليهود، خرجوا إلى ما لا نحتاج مع فحشه إلى الكلام فيه. وإن زعموا أنه كان على غير عهد وذمة وحكم الإسلام ظاهر، فما أشبه هذا القول بالقول الأول.
ويقال لهم: خبرونا عن أبي بكر، هل يخلو من أن يكون لم يقل قط في دار الإسلام: لا إله إلا الله محمد رسول الله، أو يكون قد قال ذلك مرة واحدة؟
فإن زعموا أنه قد قالها مرة واحدة ثم تركها، قيل لهم: فقد أقررتم وجامعتم خصومكم على أنه قد شهد الشهادة، فليس لكم أن
стр. 243
تخرجوه إلى نفاق أو إلى ترك، إلا لمجامعة خصومكم لكم، إذ كانت الفرقة لا تنقض الجماعة.
فإن قالوا: فإنه لم يقل لا إله إلا الله محمد رسول الله مرة قط من دهره، لا على نفاق ولا على غيره، بل كان يظهر عبادة الأصنام، ثم مع ذلك سلم على حكم الكتاب والسنة، وعلى حكم الدار. فليس عندنا في ذلك إلا إسقاطه وتحريم كلامه وإمضاء حكم مثله فيه.
بل قد ثبت إسلامه بعد الوجوه التي ذكرتها بوجوه:
منها أن الله أثنى على عباده الصالحين، فخص بتفضيله السابقين والمهاجرين الأولين. وقد اجتمعت الأمة أنه من المهاجرين الأولين مع فضيلة هجرته، إذ كانت هجرته وهجرة رسول الله - صلى الله عليه - معا. فهذا وجه.
ثم الذي رأينا من ذكر الله وثنائه على أهل بدر. وقد أجمع المسلمون أنه كان ممن شهد بدرا، مع ما فضل من الكون في العريش، ولا موضع أدل على الخاصة من ذلك الموضع في ذلك الموقف، مع ما شهد به من مستجيبيه وعتقائه ومواليه، ولقد بلغ من قدر من شهد بدرا أن عامة الفقهاء تحدث: "أن الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم" فلذلك كان الحسن يقول: إن طلحة والزبير وعليا في الجنة معا وإن لم يكونوا كانوا في الدنيا، لأنهم عتقاء الله من النار، ولم يكن الله ليعتق عبدا ثم يعيده في رقه. ولذلك كان الحسن وحوشب وهاشم الأوقص وبكر ابن أخت عبد الواحد يقولون إذا ذكروا يوم الجمل: "هلكت الأتباع ونجت القادة". فهذا هذا.
стр. 244
ثم الذي كان من ذكر الله وحسن ثنائه على من بايع تحت الشجرة.
وأي شئ أعجب من اجتماع السلف مهاجريها وأنصاريها خلا أربعة نفر على تقديم رجل في مقام رسول الله ﷺ ليقضي في أبشارهم وأشعارهم، وفروجهم وأموالهم، ويحمل أماناتهم، ويدعونه خليفة رسول الله، حتى تترك الشريف المطاع ذا السابقة والقدم وتولي مكانه الخامل القليل المقصر، فلا يراد ولا يدافع، ولا يراجع ولا يستفهم، وهو المعروف عندهم بجحد الرسول وعبادة الأوثان، وليس بذي عشيرة منيعة.
ولا يستطيع أحد أن يزعم أنه قد كان واطأ العشائر ليصرفوا إليه عونهم على أن يؤثرهم ويفضلهم، ولو كان ذلك لظهر علمه ولم يخف أثره. ومثل هذا لا يستطاع كتمانه وستره وتزميله.
وكيف وقد سوى بين الرفيع والوضيع، والذليل [و] المنيع؟ فلم يؤثر قريبا ولم يول نسيبا.
ولو استعان بطلحة وولاه وفضله لقد كان لذلك موضعا، وللولاية والتقديم أهلا، بل صنع ضد ما يصنعه أصحاب الميل والأثرة، والعصبية والمواطأة.
ولو كان قريب القرابة لجاز لقائل أن يقول: إنما قدم لقرابته.
ولو كان عصبية لقالوا: إنما استحق بوراثته.
ولو كان منيع الرهط لقالوا: إنما قدم لكثرة قبيلته.
стр. 245
ولو كان استعان بقوم على مواطأة وشريطة، كصنيع معاوية بذي الكلاع وعمرو بن العاص، لقالوا: إنما قدم رهبة ممن واطأه، ورغبة فيمن أكد هواه.
[و] ولى بني مخزوم أعناق العرب وقتال أهل الردة، وحرب مسيلمة ومحاربة طليحة، دون رهطه. ولو ولى ذلك طلحة لكان لذلك أهلا، ولكن الطاعن قد كان يجد سببا.
وكذلك عمر بن الخطاب لو كان أدخل في الشورى سعيد بن زيد كما كلم في ذلك، وأدخل في الرقباء عبد الله بن عمر كما كلم في ذلك، لكان لذلك أهلا، ولكن الطاعن قد كان يجد متعلقا.
وولى خالد بن الوليد حرب مسيلمة وطليحة وبني تميم وأهل البادية، وولى عكرمة ردة عمان، وولى المهاجر بن أبي أمية ردة أهل نجير واليمن. وما زال عمر يعاتبه في خالد فيقول أبو بكر: "لا أشيم سيفا سله الله على الكفار". فهذا هذا.
والعجب لهذه الأمة كيف اختلفت في رجلين أحدهما خير خلق الله، والآخر شر خلق الله، وكيف اختلفت في رجلين أحدهما لم يزل مؤمنا والآخر لم يزل كافرا، ثم كان المقدم الخسيس الكافر على الرفيع المسلم!
[وهم] أصحاب القرآن وخاصة الرسول من الصحابة والبدريين والأنصار والمهاجرين، وهم الذين قال فيهم التابعون: خير هذه الأمة أصحاب محمد - صلى الله عليه -، ابتلوا فصبروا، وأنعم عليهم فشكروا.
стр. 246
والعجب كيف رأوا تفضيل علي على أبي بكر وعمر مديحا له. وإنما كان يكون علي عاليا رفيعا متقدما زاهدا عالما سائسا أن لو كان أفضل من فضلاء، وأعلم من علماء، وأعقل من عقلاء، وأزهد من زهاد، وأسوس من ساسة، فأما أن يكون أفضل من أنقص الناس، وأزهد من أرغب الناس، وخيرا من شر الناس، وأعلم من أجهل الناس، فليس في هذا التفضيل درك فيتكلفه متكلف، ويقوم به قائم.
والعجب من رجلين بينهما هذا التفاوت والتباين ثم شهد المتكلمين من سمعهما يتنازعان فيهما، فيحسب الحاضر أن شرهما خيرهما، وهو الأريب الأديب الذاهب مع التعارف عن التناكر. وكيف التبس الأمر وأشكل أن لم يكن الأمر مشكلا ملتبسا.
وكيف يجوز أن يكون أبو بكر لم يزل كافرا، أو يكون كفر بجحده إمامة علي وكفر معه المهاجرون والأنصار، وقد أجمع أصحاب الأخبار وحمال الآثار أن النبي - صلى الله عليه - قال: "إن من أمتي سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب" فقام عكاشة بن محصن فقال: يا رسول الله، ادع الله يجعلني منهم. قال: أنت منهم. فقتل مع خالد بن الوليد يوم بزاخة في إمرة أبي بكر وطاعته والإقرار بخلافته، قتله طليحة بن خويلد الأسدي. فكيف يجوز أن تكون إمامة أبي بكر معصية فضلا على أن تكون كفرا والمقتول في طاعته والمنقاد لأمره من أهل الجنة.
ثم تزعم الروافض أن من الدليل على أن عليا كان المحق دون طلحة والزبير، أن النبي - صلى الله عليه -[قال] وذكر زيد بن صوحان: "زيد.
стр. 247
وما زيد! يسبقه عضو منه إلى الجنة" فقتل يوم الجمل. فجعلوا الدليل على صواب علي في قتاله أن زيدا قتل في طاعته.
قيل لهم: ففي قول النبي: "يسبقه عضو منه إلى الجنة" دليل أن ذلك العضو لم يسبق إلى الجنة إلا وقد قطع في طاعة الله. وقد أجمعوا أن يده قطعت يوم نهاوند، في طاعة عمر.
وهذا باب كبير إن تتبعه متتبع. ولكنا أردنا أن ندل على جميع الأبواب في تفضيل الشيخين، ونفي التنقص عنهما.
وإن سأل سائل فقال: هل على الناس أن يتخذوا إماما وأن يقيموا خليفة؟
قيل لهم: إن قولكم "الناس" يحتمل الخاصة والعامة، فإن كنتم قصدتم إليهما، ولم تفصلوا بين حاليهما، فإنا نزعم أن العامة لا تعرف معنى الإمامة وتأويل الخلافة. ولا تفصل بين فضل وجودها ونقص عدمها، ولأي شئ ارتدت ولأي أمر أملت، وكيف مأتاها والسبيل إليها، بل هي مع كل ريح تهب، وناشئة تنجم، ولعلها بالمبطلين أقر عينا [منها] بالمحقين.
وإنما العامة أداة للخاصة، تبتذلها للمهن، وتزجي بها الأمور، وتطول بها على العدو، وتسد بها الثغور. ومقام العامة من الخاصة مقام جوارح الإنسان من الإنسان، فإن الإنسان إذا فكر أبصر، وإذا أبصر عزم،
стр. 248
وإذا عزم تحرك أو سكن وهدأ بالجوارح [دون القلب. وكما أن الجوارح] لا تعرف قصد النفس ولا تروى في الأمور، ولم يخرجها ذاك من الطاعة للعزم، فكذلك العامة لا تعرف قصد القادة ولا تدبير الخاصة، ولا تروى معها، وليس يخرجها ذلك من طاعة عزمها، وما أبرمت من تدبيرها.
والجوارح والعوام وإن كانت مسخرة ومدبرة فقد تمتنع لعلل تدخلها، وأمور تصرفها، وأسباب تنقضها، كاليد يعرض لها الفالج، واللسان يعتريه الخرس، فلا تقدر النفس على تسديدهما وتقويمهما، ولو اشتد عزمها وحسن تأتيها ورفقها. وكذلك العامة عند نفورها وتهييجها وغلبة الهوى والسخف عليها، وإن حسن تدبير الخاصة وتعهد الساسة. غير أن معصية الجارحة أيسر ضررا وأهون أمرا، لأن العامة إذا انكفت بالخاصة وتنكرت للقادة، وتشزنت على الراضة، كان البوار الذي لا حيلة له، والفناء الذي لا بقاء معه.
وصلاح الدنيا وتمام النعمة، في تدبير الخاصة وطاعة العامة، كما أن كمال المنفعة وتمام درك الحاجة بصواب قصد النفس وطاعة الجارحة،
стр. 249
لأن النفس لو أدركت كل بغية، وأوفت على كل غاية، وفتحت كل مستغلق، واستثارت كل دفين، ثم لم يطعها اللسان بحسن العبارة، واليد بحسن الكتابة، كان وجود ذلك المستنبط - وإن جل قدره وعظم خطره -[وعدمه] سواء.
فالخاصة تحتاج إلى العامة كحاجة العامة إلى الخاصة. وكذلك القلب والجارحة. وإنما العامة جنة للدفع، وسلاح للقطع، وكالترس للرامي، والفأس للنجار. وليس مضى سيف صارم بكف امرئ صارم بأمضى من شجاع أطاع أميره وقلد إمامه. وما كلب أشلاه ربه وأحمشه كلابه بأفرط تنزقا ولا أسرع تقدما ولا أشد تهورا من جندي أغراه طمعه وصاح به قائده.
وليس في الأعمال أقل من الاختيار، ولا في الاختيار أقل من الصواب، فلباب كل عمل اختياره، وصفوة كل اختيار صوابه، ومع كثرة الاختيار يكثر الصواب. فأكثر الناس اختيارا أكثرهم صوابا، وأكثرهم أسبابا موجبة أقلهم اختيارا، وأقلهم اختيارا أقلهم صوابا.
فإن قالوا: فقد ينبغي للعوام ألا يكونوا مأمورين ولا منهيين، ولا عاصين ولا مطيعين.
قيل لهم: أما فيما يعرفون فقد يطيعون ويعصون.
فإن قالوا: فما الأمر الذي يعرفون من الأمر الذي يجهلون؟
стр. 250
قيل: أما الذي يعرفون فالتنزيل المجرد بغير تأويله، وجملة الشريعة بغير تفسيرها، وما جل من الخبر واستفاض، وكثر ترداده على الأسماع، وكروره على الافهام. وأما الذي يجهلون فتأويل المنزل، وتفسير المجمل، وغامض السنن التي حملتها الخواص عن الخواص من حملة الأثر وطلاب الخبر، مما يتكلف معرفته ويتتبع في مواضعه، ولا يهجم على طالبه، ولا يقهر سمع القاعد عنه.
والخبر خبران: خبر للخاصة فيه فضل على العامة، كالصلوات الخمس، وصوم رمضان، وغسل الجنابة، وفي المائتين خمسة. وخبر تفضل فيه الخاصة العامة، وهو كما سن الرسول في الحلال والحرام وأبواب القضاء والطلاق والمناسك والبيوع والأشربة والكفارات، وأشباه ذلك.
وباب آخر يجهله العوام ويخبط فيه الحشو، ولا تشعر بعجزها و [لا] موضع دائها. ومتى جرى سببه أو ظهر شئ منه تسنمت أعلاه، وركبت حومته، كالكلام في القدر والتشبيه، والوعد والوعيد.
следующие страницы →