← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 96338

العثمانية

الجاحظ

Полный текст (277 стр.). Показаны 246–277 · переход к 251.

стр. 246

والعجب كيف رأوا تفضيل علي على أبي بكر وعمر مديحا له. وإنما كان يكون علي عاليا رفيعا متقدما زاهدا عالما سائسا أن لو كان أفضل من فضلاء، وأعلم من علماء، وأعقل من عقلاء، وأزهد من زهاد، وأسوس من ساسة، فأما أن يكون أفضل من أنقص الناس، وأزهد من أرغب الناس، وخيرا من شر الناس، وأعلم من أجهل الناس، فليس في هذا التفضيل درك فيتكلفه متكلف، ويقوم به قائم. والعجب من رجلين بينهما هذا التفاوت والتباين ثم شهد المتكلمين من سمعهما يتنازعان فيهما، فيحسب الحاضر أن شرهما خيرهما، وهو الأريب الأديب الذاهب مع التعارف عن التناكر. وكيف التبس الأمر وأشكل أن لم يكن الأمر مشكلا ملتبسا. وكيف يجوز أن يكون أبو بكر لم يزل كافرا، أو يكون كفر بجحده إمامة علي وكفر معه المهاجرون والأنصار، وقد أجمع أصحاب الأخبار وحمال الآثار أن النبي - صلى الله عليه - قال: "إن من أمتي سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب" فقام عكاشة بن محصن فقال: يا رسول الله، ادع الله يجعلني منهم. قال: أنت منهم. فقتل مع خالد بن الوليد يوم بزاخة في إمرة أبي بكر وطاعته والإقرار بخلافته، قتله طليحة بن خويلد الأسدي. فكيف يجوز أن تكون إمامة أبي بكر معصية فضلا على أن تكون كفرا والمقتول في طاعته والمنقاد لأمره من أهل الجنة. ثم تزعم الروافض أن من الدليل على أن عليا كان المحق دون طلحة والزبير، أن النبي - صلى الله عليه -[قال] وذكر زيد بن صوحان: "زيد.

стр. 247

وما زيد! يسبقه عضو منه إلى الجنة" فقتل يوم الجمل. فجعلوا الدليل على صواب علي في قتاله أن زيدا قتل في طاعته. قيل لهم: ففي قول النبي: "يسبقه عضو منه إلى الجنة" دليل أن ذلك العضو لم يسبق إلى الجنة إلا وقد قطع في طاعة الله. وقد أجمعوا أن يده قطعت يوم نهاوند، في طاعة عمر. وهذا باب كبير إن تتبعه متتبع. ولكنا أردنا أن ندل على جميع الأبواب في تفضيل الشيخين، ونفي التنقص عنهما. وإن سأل سائل فقال: هل على الناس أن يتخذوا إماما وأن يقيموا خليفة؟ قيل لهم: إن قولكم "الناس" يحتمل الخاصة والعامة، فإن كنتم قصدتم إليهما، ولم تفصلوا بين حاليهما، فإنا نزعم أن العامة لا تعرف معنى الإمامة وتأويل الخلافة. ولا تفصل بين فضل وجودها ونقص عدمها، ولأي شئ ارتدت ولأي أمر أملت، وكيف مأتاها والسبيل إليها، بل هي مع كل ريح تهب، وناشئة تنجم، ولعلها بالمبطلين أقر عينا [منها] بالمحقين. وإنما العامة أداة للخاصة، تبتذلها للمهن، وتزجي بها الأمور، وتطول بها على العدو، وتسد بها الثغور. ومقام العامة من الخاصة مقام جوارح الإنسان من الإنسان، فإن الإنسان إذا فكر أبصر، وإذا أبصر عزم،

стр. 248

وإذا عزم تحرك أو سكن وهدأ بالجوارح [دون القلب. وكما أن الجوارح] لا تعرف قصد النفس ولا تروى في الأمور، ولم يخرجها ذاك من الطاعة للعزم، فكذلك العامة لا تعرف قصد القادة ولا تدبير الخاصة، ولا تروى معها، وليس يخرجها ذلك من طاعة عزمها، وما أبرمت من تدبيرها. والجوارح والعوام وإن كانت مسخرة ومدبرة فقد تمتنع لعلل تدخلها، وأمور تصرفها، وأسباب تنقضها، كاليد يعرض لها الفالج، واللسان يعتريه الخرس، فلا تقدر النفس على تسديدهما وتقويمهما، ولو اشتد عزمها وحسن تأتيها ورفقها. وكذلك العامة عند نفورها وتهييجها وغلبة الهوى والسخف عليها، وإن حسن تدبير الخاصة وتعهد الساسة. غير أن معصية الجارحة أيسر ضررا وأهون أمرا، لأن العامة إذا انكفت بالخاصة وتنكرت للقادة، وتشزنت على الراضة، كان البوار الذي لا حيلة له، والفناء الذي لا بقاء معه. وصلاح الدنيا وتمام النعمة، في تدبير الخاصة وطاعة العامة، كما أن كمال المنفعة وتمام درك الحاجة بصواب قصد النفس وطاعة الجارحة،

стр. 249

لأن النفس لو أدركت كل بغية، وأوفت على كل غاية، وفتحت كل مستغلق، واستثارت كل دفين، ثم لم يطعها اللسان بحسن العبارة، واليد بحسن الكتابة، كان وجود ذلك المستنبط - وإن جل قدره وعظم خطره -[وعدمه] سواء. فالخاصة تحتاج إلى العامة كحاجة العامة إلى الخاصة. وكذلك القلب والجارحة. وإنما العامة جنة للدفع، وسلاح للقطع، وكالترس للرامي، والفأس للنجار. وليس مضى سيف صارم بكف امرئ صارم بأمضى من شجاع أطاع أميره وقلد إمامه. وما كلب أشلاه ربه وأحمشه كلابه بأفرط تنزقا ولا أسرع تقدما ولا أشد تهورا من جندي أغراه طمعه وصاح به قائده. وليس في الأعمال أقل من الاختيار، ولا في الاختيار أقل من الصواب، فلباب كل عمل اختياره، وصفوة كل اختيار صوابه، ومع كثرة الاختيار يكثر الصواب. فأكثر الناس اختيارا أكثرهم صوابا، وأكثرهم أسبابا موجبة أقلهم اختيارا، وأقلهم اختيارا أقلهم صوابا. فإن قالوا: فقد ينبغي للعوام ألا يكونوا مأمورين ولا منهيين، ولا عاصين ولا مطيعين. قيل لهم: أما فيما يعرفون فقد يطيعون ويعصون. فإن قالوا: فما الأمر الذي يعرفون من الأمر الذي يجهلون؟

стр. 250

قيل: أما الذي يعرفون فالتنزيل المجرد بغير تأويله، وجملة الشريعة بغير تفسيرها، وما جل من الخبر واستفاض، وكثر ترداده على الأسماع، وكروره على الافهام. وأما الذي يجهلون فتأويل المنزل، وتفسير المجمل، وغامض السنن التي حملتها الخواص عن الخواص من حملة الأثر وطلاب الخبر، مما يتكلف معرفته ويتتبع في مواضعه، ولا يهجم على طالبه، ولا يقهر سمع القاعد عنه. والخبر خبران: خبر للخاصة فيه فضل على العامة، كالصلوات الخمس، وصوم رمضان، وغسل الجنابة، وفي المائتين خمسة. وخبر تفضل فيه الخاصة العامة، وهو كما سن الرسول في الحلال والحرام وأبواب القضاء والطلاق والمناسك والبيوع والأشربة والكفارات، وأشباه ذلك. وباب آخر يجهله العوام ويخبط فيه الحشو، ولا تشعر بعجزها و [لا] موضع دائها. ومتى جرى سببه أو ظهر شئ منه تسنمت أعلاه، وركبت حومته، كالكلام في القدر والتشبيه، والوعد والوعيد.

стр. 251

لأنها قد تحجم [عن] دعوى الفتيا، ولا تتهافت فيها، [ولا] تتسكع فيما لا يعرف منها، ولا تستوحش من الكلام في [التعديل والتجوير، ولا تفرغ من الكلام في] الاختيار والطباع، ومجئ الأخبار وكل ما جرى سببه من دقيق الكلام وجليله في الله وفي غيره. ولو برز عالم على جادة منهج وقارعة طريق، فنازع في النحو واحتج في العروض، وخاض في الفتيا، وذكر النجوم والحساب والطب والهندسة وأبواب الصناعات، لم يعرض له ولم يفاتحه إلا أهل هذه الطبقات. ولو نطق بحرف في القدر حتى يذكر العلم والمشيئة والاستطاعة والتكليف، وهل خلق الله الكفر وقدره أو لم يخلقه ولم يقدره، لم يبق حمال أغثر ولا نطاف غث، ولا خامل غفل، ولا غبي كهام، ولا جاهل سفيه، إلا وقف عليه ولاحاه، وصوبه وخطاه، ثم لم يرض حتى يتولى من أرضاه، ويكفر من يخالف هواه. فإن جاراه محق، أو أغلظ له واعظ، واتفق أن يكون بحضرته أشكاله، استعوى أمثاله، فأشعلوها فتنة، وأضرموها نارا.

стр. 252

فليس لمن كانت هذه صفته أن يتحيز مع الخاصة، مع أنه لو حسنت نيته لم تحتمل فطرته معرفة الفصول وتمييز الأمور. فإن قالوا: ولعلهم لا يعرفون الله ورسوله كما لا يعرفون عدله من جوره، وتشبيهه بخلقه من نفي ذلك عنه، وكما لا يعرفون [القرآن و] تفسير جمله وتأويل منزله. قيل لهم: إن قلوب البالغين مسخرة لمعرفة رب العالمين، ومحمولة على تصديق المرسلين، بالتنبيه على [مواضع] الأدلة، وقصر النفوس على الروية، ومنعها [عن] الجولان والتصرف، وكل ما ربث عن التفكير، وشغل عن التحصيل، من وسوسة أو نزاع شهوة، لأن الإنسان ما لم يكن معتوها أو طفلا فمحجوج على ألسنة المرسلين عند جميع المسلمين، ولا يكون محجوجا حتى يكون عالما بما أمر به، عارفا بما نهي عنه. لأن من لم يعلم في أي الضربين سخط الله وفي أي النوعين رضاه، ثم ركب السخط أو أتى الرضا، لم يكن ذلك منه إلا على الاتفاق. وإنما الاستحقاق مع القصد. والله يتعالى أن يعاقب من لم يرد خلافه ولم يعرف رضاه، أو يحمد من لم يعتمد رضاه ولم يقصد إليه. ولم يكن الله ليعدل صنعته ويسوي أداته، ويفرق بينه وبين المنقوص في بنيته وتركيبه، إلا ليفرق بين حاله وحال الطفل والمعتوه.

стр. 253

وليس للمعرفة وجه إلا لتبصيره وتخييره، ولولا ذاك لم يكن للذي خص به من الإبانة، وتعديل الصنعة، وإحكام البنية معنى. والله يتعالى عن فعل ما لا معنى له. وفي قول الله: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ دليل على ما قلنا. وليس لأحد أن يخرج بعض الجن والإنس من أن يكون خلق للعبادة إلا بحجة. ولا حجة إلا في عقل، أو كتاب، أو خبر. فإن قالوا: فإن كان الله إنما أبانهم بالتعديل والتسوية للعبادة والاختيار مع الأمة فحكمهم حكم المسلمين المتعبدين، وإنما الإمام إمام المسلمين والمتعبدين. قلنا: إنما يلزم الناس الأمر فيما عرفوا سبيله، وليس للعوام خاصة معرفة بسبيل إقامة الأئمة فيلزمها أمر، أو يجرى عليها نهي. والعامة وإن كانت تعرف جمل الدين بقدر ما معها من العقول فإنه لم يبلغ من قوة عقولها وكثرة خواطرها أن ترتفع إلى معرفة العلماء، ولم تبلغ من ضعف عقولها أن تنحط إلى طبقة المجانين والأطفال. وأقدار طبائع العوام والخواص ليست مجهولة فنحتاج إلى الإخبار عنها بأكثر من التنبيه عليها، لأنكم تعلمون أن طبائع الرسل فوق طبائع

стр. 254

الخلفاء، وطبائع الخلفاء فوق طبائع الوزراء، وكذلك الناس على منازلهم من الفضل، وطبقاتهم من التركيب في البخل والسخاء، والبلدة والذكاء، والغدر والوفاء، والجبن والنجدة، والجزع [والصبر] والطيش والحلم، والكبر والتيه، والحفظ والنسيان، والعي والبيان. ولو كانت العامة تعرف من الدين والدنيا ما تعرف الخاصة، كانت العامة خاصة، وذهب التفاضل في المعرفة، والتباين في البنية. ولو لم يخالف بين طبائعهم لسقط الامتحان وبطل الاختبار، ولم يكن في الأرض اختيار. وإنما خولف بينهم في الغريزة ليصبر صابر، ويشكر شاكر، وليتفقوا على الطاعة. ولذلك كان الاختلاف هو سبب الائتلاف. ويقال لهم عند ذلك: إنكم قد أكثرتم في أمر العوام، وخلطتم في الحكم عليهم. فمرة تزعمون أنا نكذب عليهم حين نزعم أنهم غير محجوجين، لأنهم بزعمكم لا يفصلون بين الأمور، ولا يفرقون بين الكاذب المحتال وبين الصادق المحق. وجعلتم الدليل على ذلك أنكم اعترضتموهم بزعمكم فسألتموهم عن الدليل والحجة، والفرق والعلة، فلم تجدوهم يشعرون بما يلزم فيها ولا يعرفون بابها، وكيف الكلام فيها.

стр. 255

وإنا معشر أصحاب المعرفة قد تعمدنا الكذب عليهم، حين زعمنا أنهم يعرفون ذلك، ويفرقون بين معانيه، ومرة تزعمون أنهم يعرفون ما يعرفه الخواص والعلماء، ويعلمون ما يعلمه المتكلمون والفقهاء، من إقامة الأئمة وعقد الخلافة. فمرة تخرجونهم من جميع المعرفة، ومرة تجعلونهم في غاية المعرفة. وأعدل الأمور في ذلك وأقسطها أن تزعموا أنهم يعرفون جمل الشرائع الظاهرة الجلية وجمل السنن الواضحة المستفيضة، ويجهلون تفسير جملها وتأويل منزلها، وكل منصوص لم يظهر كظهور الحج، ولم يشهر كشهرة صوم رمضان، وغسل الجنابة، وتحريم الخمر والخنزير والميتة والدم. ولكن دعونا جانبا، واضربوا عما نقول صفحا، وقربوا جميع القولين لنتعاون عليهما، فأيهما كان أثبت على الامتحان، وأنفى للقذى، وأحسن مغزى، وأجد على الأيام، وأصح على التقليب، دِنّا به، وحامينا عليه، وتقربنا به، وآثرناه على ما سواه. على أنا لا نستملي حق ذلك وصدقه إلا منكم، ولا نحتج عليكم إلا بما تقرون به على أنفسكم. خبرونا عن العوام: هل يخلو أمرهم من أن يكونوا محجوجين أو غير محجوجين؟ فإن كانوا غير محجوجين فقد دخلوا في أكثر مما عابوا. وإن كانوا محجوجين فهل تخلو الحجة الذي بها قطع الرسول عذرهم من ضربين: إما أن تكون المعرفة بصدق الرسول وفصل ما بينه وبين

стр. 256

المتنبي كما نقول. وإما أن تكون الحجة في الدليل على المعرفة، وليست بالمعرفة. فإن زعموا أن الحجة هي المعرفة فقد وافقوا وأصابوا، وإن زعموا أنها الدليل على المعرفة فليخبرونا عن ذلك الدليل ما هو؟ فإن قالوا: هو كلام الذئب، وحنين العود، وإظلال الغمامة، وقصة الميضأة، وخد الشجرة، وكلام الذراع، وعجز الشعراء عن تأليف القرآن، والبشارات برسالته في الكتب. قلنا: قد صدقتم فيما ذكرتم من هذه الآيات والأعاجيب، ولكن

стр. 257

[لا] تخلو عقول العوام من أن تكون قد عرفت هذا كله وأقرت به، أو لم تعرفه ولم تقر به، ولم تودع العلم بصحة مجيئه. فإن زعموا أنها لم تعرف ذلك ولم تقرر به، قيل لهم: فمن أين زعمتم أن الحجة لهم قاطعة، والفريضة لهم لازمة، ولا يعرفوا الحق ولا الدليل عليه. وإذا كانت المعرفة لا تستطاع إلا بالدليل، والدليل معدوم، والتكليف لازم، فقد كلفوا ما لا يستطاع، ولم يضع الكلام بيننا وبين الجبرية. وإن كان الله قد قرر عقولهم بالآيات، وعرفهم صدقها وصحة مجيئها، فإنما الفرق بيننا وبينهم أنا نزعم أن العاقل إذا كان قد جرب بعض التجربة أنه لا يمتنع من تصديق من أحيا الموتى، وأبرأ الأكمه، وفلق البحر، وأنطق السباع. وأنتم تزعمون أنه يمتنع، ويجوز أن يعتقد أنه أكذب العالمين وأبطل المبطلين، مع ما أراه من عظيم البرهان وعجيب الآيات. ولعل قوم موسى كلما زادهم موسى آية وأردفها بعلامة، ازدادوا جهلا بصدقه واستبصارا في تكذيبه. وكيف يستطيع ذلك من صحت فطرته، وقد جرب من أمور الدنيا بعض التجربة، وعرف ما يحدث في العادة وغير العادة. وإن كانت العامة قد قررت بأعلام الأنبياء، وعرفت الآيات كما زعمتم، فقد كان ينبغي لنا إذا سألناهم عن صدقها وصحة مجيئها وإن لم نفصل بينها وبين جبلة المبطل، أن يخبرونا عنها وينزلوا لنا أمرها. فما بالنا

стр. 258

إذا سألناهم لم نرهم يعرفونها. ولا يحصلون مجيئها، ولا يخبرونا عن صدقها. فإن كان لكم أن تقضوا على العامة بالجهل بين النبي والمتنبي. لأنهم لم تروهم يحسنون الفروق، ويفصلون بين الأمور، فقد ينبغي لنا أيضا أن نقضي عليهم بالجهل، وأنهم لم يعرفوا الدلالة، ولم يقرروا بشئ من الآيات والأعاجيب. فإذا كان القوم عندكم محجوجين قد قرروا وعرفوا، ونحن لا نجد عندهم على المسألة من ذلك شيئا، وجاز لكم أن تزعموا ما زعمتم، فلم لا يجوز لنا أن نزعم أنهم [كانوا] عارفين وإن لم نجد ذلك عندهم على المسألة. ولولا أني قد ذكرت هذا الباب مفسرا في "كتاب المعرفة" لأخبرت من أي وجهة جاز أن يكون بعض العارفين لا يخبر عن كل ما في نفسه ومن أين امتنع ذلك عليه. فإن قالوا: قد فهمنا قولكم في العامة، فما تقولون في الخاصة؟ فهل كلفها الله ذلك أم لم يكلفها كما لم يكلف العامة؟ وفي ذلك سقوط التكليف عن الجميع. قلنا: بل نقول: إن على الناس إقامة الإمام، نريد الخاصة. ولا نقول أيضا إن على الخاصة إقامة الإمام إلا على الإمكان. فإن قالوا: وما سبب عجز الخاصة وإمكانها؟ قلنا: من ذلك أن تكون العامة عليها مع جند الباغي المتغلب.

стр. 259

فإن قالوا: فهل يلزمها فرض الإقامة إذا كانت العامة كافة عن العون عليها. قلنا: قد يلزمها في ذلك ولا يلزمها في أخرى. وإن قالوا: ففي أية الحالين يلزمها؟ قلنا: إذا كان المستحق للإمامة والمستوجب للخلافة معروف الموضع، مكشوف الأمر، وكانت التقية عنها زائلة. فإن قالوا: وكيف لا تكون التقية عنها زائلة، وهي على حال أكثر عددا من جند المتغلب والباغي، والعامة كافة ممسكة لا لها ولا عليها. قلنا: إنه ليس في حال أكثر عددا. فإذا كانوا أكثر عددا وكانت التقية زائلة، فعليهم إقامته. فإن قالوا: فلم جعلتم لهم التقية، وأسقطتم عنهم الفرض في الحال التي هم فيها أكثر عددا؟ قلنا: لأسباب، منها أن العدو إذا كان معدا ذا سلاح وعتاد وكراع، وكانوا على هيئة وأمرهم جميع، فقليل مجتمع أكثر من كثير نشر. مع أن معهم أنفذ السلاحين، وأوفر العتادين: الضَّرا والدُّربة، وحسن التدبير والمعرفة، بطول الممارسة وكثرة الحاجة. ومنها أن الخاصة، وإن عرفت موضع المستحق، وظهر لها المستوجب، وكانوا أكثر جماحا، فكل واحد منهم على ثقة من محل صاحبه به وخذلانه له. ولا بد، ما دامت التقية، من التواكل والتخاذل، وإن

стр. 260

اتفق رأي الجميع في المغيب على النصرة. وليس ينتفع باتفاق أهوائهم ما لم يتشاعروا. فإن قالوا: إن كان الأمر كما تصفون وجب ألا يقيموا إماما أبدا، لأنهم كما لا ينفكون من التقية، كذلك لا ينفكون من التخاذل. قلنا: ليس الأمر كما تقولون، لأن تقية بعض الخاصة لبعض قد تزول بأسباب كثيرة: منها أن تسوء سيرة المتسلط الباغي فيهم ويفحش جوره، ويكثر تعضيله واستئثاره وقهره، حتى يكون ذلك إحراجا لهم وسببا للكلام والشكاية والتلاقي، لأنهم قد عموا بالإحراج معا ليكون كل واحد من المحرجين يتكل على رأي صاحبه. لعلمه بالذي لقي من المكروه الذي هو فيه، من ثوران النفس وتهييج الطبيعة، فلا يزال بهم ذلك حتى يتفقوا في الظاهر كاتفاقهم في الباطن، إذ كان الإحراج قد شملهم وعمهم، وبلغ أقصاهم بعد أدناهم. وعند التلاقي تزداد النفوس حمية وغضبا وبصيرة. فإذا تباثوا وتكاشفوا وشاع ذلك من شأنهم، وشهر من أمرهم، علموا أن ذلك قد ظهر لعدوهم، والمتسلط عليهم. فإذا علموا ذلك علموا أنهم قد لحجوا في الحرب، ونشبوا في المناصبة. فإذا علموا ذلك لم يجدوا بدا من بذل المال، وإعطاء الجهد. وإنما هي أسباب ترامى، وعلل تداعى، وأمور تهيج أمورا، وأسباب توجب أفعالا، فعند ذلك تمكن الشدة، ويجب الفرض.

стр. 261

ومدار الأمر على الإمكان، فمتى بطل بطل الفرض، ومتى وجد وجد الفرض. وربما كان سبب تكاشفهم ما يعرفون من ضعف جند الباغي عليهم، والمستبد عليهم بأمرهم. ولضعفهم أسباب: فربما كان لاختلاف يقع بينهم. وربما كان لعدو يدهمهم وينازعهم ملكهم، وربما كان للخلل يدخل عليهم. والرقة تصيبهم، من موت أعلامهم أو قتل قوادهم، وربما كان لضعف رأي مدبرهم وسياسة سائسهم، أو موت قيمهم. فبهذا وأشباهه تتكاشف الناس، وتظهر على ألسنتهم ضمائرهم، وتبدو أسرارهم ونفوسهم من قبل ذلك حنقة عليهم، متدينة بخلعهم والاستبدال بهم، وإنما أمسكت عن الإنكار وأظهرت التسليم ريثما تجد فرصة وترى خلة، ويستجمع الأمر، وتزول التقية. مع أنا نعلم أن العامة أسخف أحلاما وأخف حركة وأشد طيشا، أن تؤثر الكف والعزلة والتسليم والمجانبة، عند حرب المحقين المتسلطين. ولو كانت تطيق ذلك ويجوز عليها ما كانت العامة بعامة، ولكانت العامة خاصة. ولكنا أجبنا على قدر مجرى المسألة. وإنما البلية العظمى والداهية الكبرى، أن تنماز العامة حتى يصير بعضها مع الخاصة، وبعضها مع البغاة والظلمة.

стр. 262

والجملة أنهم متى أقرنوا لعدوهم وأمكنهم منعهم، والرجل المستحق ظاهر لهم معروف عندهم، فعليهم إقامته والدفع عنه. فإن قالوا: ومن لهم بمعرفة الرجل الذي لا بعده؟ قيل: إنه ليس على الناس أن يصنعوا المعرفة، وإنما عليهم إذا عرفوه واستطاعوا إقامته أن يقيموه، ولا بد للناس أن يقوم فيهم - إذ فرض ذلك عليهم - رجل يصلح لجباية خراجهم، وإقامة صلاتهم، وسد ثغورهم، وتنفيذ أحكامهم. فإن قالوا: فكيف تعرفون فضله ولم تقابلوا بينه وبين غيره، وأهل الفضل كثير، والفضل ممنون مستفيض؟ قيل: كما بان عند المعتزلة عمرو بن عبيد، وكما بان الحسن بن حي عند الزيدية من بينها، وكما بان مرداس بن أدية عند جميع الخوارج من بينهم، وكما علمتم من حال غيلان بدمشق، وحال عبد الله بن المبارك بخراسان. وليس أن المعتزلة اجتمعت من أقطار الأرض فقالت نعم جميعها، ولا وضعت فيه شورى، ولا تساوى منهم نفر فاحتاجوا إلى القرعة. وكذلك الزيدية في الحسن بن حي، والخوارج في مرداس بن أدية. ولكن

стр. 263

الأمور ترد على القلوب، وتهجم على العقول على طول الأيام، [إما] بالخبر الذي يشفي من الشك ويبرئ السقم، وإما بالعيان الذي يثلج الصدور ويضطر العقول. وقد علمنا نحن على حداثة أسناننا وتقادم الناس قبلنا، أن جالينوس قد كان بائنا في طبه، وأن الارسطاطاليس كان البائن في المنطق. وكذلك علمنا أن قيس بن زهير كان داهية قيس في الجاهلية، وأن الحارث بن ظالم كان فاتكها، وأن هرم بن سنان كان جوادها، وأن النابغة كان شاعرها، وأن الحارث بن كلدة كان أطبها، وأن عامر ابن الطفيل كان أفرسها. ولم نضع قط في هذا شورى، ولا وضعه من كان قبلنا، ولا استجمعت قيس فقابلت بين خصال هؤلاء وبين جميع قيس، لتعرف الفضيلة بالموازنة والمقابلة، ولا احتاجوا في ذلك إلى الإقراع والمساهمة. وإذا كنا مع تقادم الأخبار نعرف البائن في كل عصر، والمقدم في كل أمر، فعلى شبيه ما وصفنا يعرف الناس فضيلة المستوجب. والخير لا يستطاع كتمانه، والشر لا بد من ظهوره. واعلم أنه لا يمكن أن يكون رجل أعلم الناس بالدين والدنيا ثم لا يسمع به، لأنه لا يصير كذلك إلا بالاختلاف إلى العلماء، وبطول

стр. 264

مجاثاة الفقهاء، وكثرة درس كتب الله وكتب الناس، ومنازعة الخصم ومقاولة الأكفاء. وهذا كله مما يظهر أمره، ويشهر مكانه. ثم الذي يدخل العالم من خيلاء العلم وعز الحق، وسرور الظفر بما أعيا الناس معرفته، حتى لا يستطيع أن يكتمه وإن اشتد عزمه، وقل رياؤه ونفجه، لأن للعلم سورة، ولانفتاحه بعد استغلاقه فرحة، لا يضبطها بشرى، وإن اشتدت حنكته، وقويت منته، وفضلت قوته. وإنك لتجد كثيرا من العقلاء يخاطرون بأعناقهم، لبعض العظمة يجدونها في أنفسهم على خصومهم وأكفائهم، حتى لا يمتنعون من إظهارها والفخر بها، فما ظنك بالعالم إذا كان بائنا بنفسه، وكان في دولته، وتعظيم الناس موكل بصاحبه، كيف يستطيع كتمانه وإماتته، مع ما أخذ الله على العالم من حسن الإرشاد واحتمال المؤونة، واستنقاذ الناس من الجهالة، ومن القيام بحق العلم تعليم الجاهل. فهذا كله يغني عن لقاء الكل للكل. ولو أشكل أمره ولم يبن من أمثاله، وهو للناس أصلح من غيره، فقد أمكن البأس إذ لو كان ظاهرا لهم إقامته لنبه الله على مواضع فضله، ولأذكر الناس ما سقط عنهم من تدبيره، ولبعث الهمم على حبه وطلب محاسنه.

стр. 265

وكيف يجوز أن يكون أكمل الناس خفي العلم ومغيب العمل، وهو لا يكون كذلك حتى تكثر تجربته ويكثر صوابه، ويشتد حلمه، ويحسن تدبيره، ولا بد من كثرة حج وغزو، وصلاة وصوم وصدقة، وذكر وقراءة قرآن، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، وحدب على الأولياء وغلظة على الأعداء، إن دام فقره دامت قناعته وقل إسفافه، وإن دام غناه دام بذله وقل طغيانه. وليس من هذا شئ إلا وهو يشهر صاحبه ويظهر للناس مكانه، ويدعو إلى محبته وتعظيمه. وإن زعموا أنه يجوز أن يكون خير الناس أو أعلم الناس، وإن لم يعرف بشئ مما ذكرنا، فقد صار خير الناس من لم يعمل خيرا قط. فإن قالوا: فما تقولون إن وجدوا عشرة سواء؟ قلنا: قد يكون أن تجدوا عشرة متقاربين، فإذا صاروا إلى الموازنة بان الأفضل من الأنقص. وقليلا ما يكون ذلك، كما وجدنا الستة الشورى الذين اختارهم عمر والمهاجرون والأنصار معه، فقد كانوا في طبقة واحدة. ولكن أهل الطبقة قد يتفاضلون بأمر بين لا خفاء به، كما نظروا فاختاروا عثمان غير مكرهين ولا محمولين. ولكن لا يجوز بوجه من الوجوه أن يتفق عشرة سواء في الحقيقة، وعند الموازنة الصحيحة، لأن في اتفاق ذلك بطلان الإمامة. ولو جاز أن يتفق عشرة سواء لجاز أن يكون الرقباء والشهود عليهم سواء. ولو جاز أن تستوي حالاتهم وأفعالهم جاز أن يقولوا لما ينبغي أن يقولوا فيه نعم: "لا" معا، ولما ينبغي لهم أن يقولوا فيه لا: "نعم" معا.

стр. 266

وفي هذا فساد الاختيار والإقراع، فإذا فسد الاختيار والإقراع ولم يكن الرجل بائنا فلا سبيل إلى إقامته، ولم يكن الله ليفرض أمرا ولا يجعل إليه سبيلا، ولم يكن الله ليكلف الناس أمرا إلا وذلك الأمر مصلحة لهم. فكيف يمنعهم مصلحتهم، بل كيف يظهر لهم فرض الإمامة وقد أمكنتهم الشدة، والمعلوم عنده أن العالم سيتهيأ فيه ويتفق ما لا يمكن معه أداء الفرض، ولا بلوغ المصلحة. ولو جاز أن يتفق عشرة سواء في الحقيقة وعند الموازنة في جميع الخصال، ما كان إحياء الموتى وإبراء الأكمه أعجب منه، ولا أخرج من العادة، وإنما جعل الله ذلك لرسله فقط. ولو جاز أن يتفق في العالم شئ يكون جاعلا من الرسالة جاز ذلك في أمور كثيرة. ولو جاز ذلك اختلط الكاذب بالصادق، والحجة بالشبهة، وهذا ما لا يجوز على الله تبارك اسمه، وتعالى جده. ولو عرفوا موضع الإمام بعينه ثم قال الشامي: لا يكون إلا منا، وقال العراقي: لا يكون إلا منا، وقال الحجازي: لا يكون إلا منا، وكذلك التهامي والجزري، وكذلك إذا قال القرشي: لا يكون إلا منا، وقال الحسيني: لا يكون إلا منا، وقال الحسني: لا يكون إلا منا، وكذلك الفلاني والفلاني. وكذلك أن لو قال الأباضي: لا يكون إلا منا، وكذلك لو قال الصفري والأزرقي والنجدي والزيدي،

стр. 267

والفلاني والفلاني - لما وصل أهل الحق إلى إقامته إلا بأن يكونوا في عدد الجميع وفي عتادهم. والإمام يقام من ثلاثة أوجه: فوجه كالذي حكينا ووصفنا. ووجه آخر مثل ما أقام المسلمون عثمان بن عفان حين اختار عمر ستة متقاربين فاختاروا منهم رجلا، فلولا أن الستة كانوا بائنين عند الجميع لم يطبقوا ذلك الإطباق، لأنه لم يقل واحد: كان ينبغي أن يكون منا، ولم يقل واحد من الرقباء ولا من الفقهاء والخاصة: فينا واحد كان ينبغي أن يكون معهم، ولا قالوا: فيهم واحد كان ينبغي أن يكون معنا. فهذا دليل أن الستة كما كانوا بائنين عند عمر كانوا بائنين عند الخاصة. ووجه آخر، وهو مثل إقامة الناس لأبي بكر، ليس على أن النبي ﷺ جعل شورى كما وضعها عمر، ولا على جهة ما حكينا من أمر الخاصة والعامة بإقامة الإمام والنص عليه، لأن ذلك أسلم وأخف في المؤونة وأبعد من الغلط والفتنة، وقد وجدتم ما هو أغمض معنى وأدق مسلكا، وأغوص مستخرجا، وأفحش مأثما، غير مفسر ولا منصوص عليه، كالكلام في التعديل والتجوير، وفصل ما بين الطباع والاختيار، والكلام في التشبيه ونفيه، وفي مجئ الأخبار وحجج العقول. ونحن لم نر أحدا قط ألحد ولا تزندق من قبل الغلط في كلام

стр. 268

الإمامة والاختلاف فيها. ومن وجدناه قد ارتد زنديقا أو دهريا من قبل هذه الأبواب أكثر من أن نحصي لهم عددا، أو نقف منهم على حد. فإذ جاز أن يتركنا وأشد الاأمرين لنكون نحن الذين نستنبطه ونتكلف معرفته، ليكون عاجل سروره وريثه وآجل ثوابه وعظيم جزائه، كان الذي هو أظهر للعقول، وأسهل على الطالب، وألين كنفا للواطئ، وأقرب مأخذا للمسترشد، أولى بذلك. ولا بد لهم من أن يقولوا أحد أمرين: إما أن يقولوا: إنا إذ وجدنا نصب الإمام والنص عليه أسلم لنا من الخطأ، فالواجب علينا أن نزعم أن الله قد فعل ذلك، وإن لم نجد خبرا نضطر إليه، ولا قرآنا ينص عليه، والإمامة مختلفة في ذلك، فإنما أوجبنا ذلك من قبل حسن الظن بالله، وإن لم يكن في القرآن آية تدل على أن الله لم ينصب إماما، ولا في الخبر. وإما أن تقولوا إن ذلك قد كان وقع منه، وإنما عرفناه بالأخبار والآثار والكتاب. فإن كانوا إنما حكموا على الله بفعل ذلك لأنه أسلم لهم من الخطأ، وأبعد لهم من الغلط، إلا أنهم قد وجدوا بذلك خبرا قائما، وكتابا دالا، فإن كان ذلك كذلك فلم أوجبوا على الله فعل ما هو أيسر

стр. 269

وأظهر، وقد وجدوا الله لم يصنع ذلك فيما هو أغمض وأشكل، كالذي وصفنا قبل هذا من الكلام في التعديل والتجوير والتشبيه ومجئ الأخبار. وقد علموا مع ذلك أن أكثر الناس لم يؤتوا في هلكتهم إلا من قبل سرف شهواتهم، وغلبة طبائعهم. وكيف لم يحكموا على الله بغير ما وجدوا من رفع مؤونتها، وقمع دواعيها، حتى لا يلحج الناس طبائعهم، ولا تورطهم شهواتهم، وإنما يحكم بهذا وأشباهه على الله من لا علم له بالله وتدبيره، لأن الله لو أسقط عن الناس كل ما أثقل ظهورهم، واستبشعته نفوسهم، وخالف أهواءهم، لسقط الامتحان، وبطل الاختبار، إذ لم يكن هناك حلاوة تجتنب، ومرارة تركب، ولذيذ يؤخر، وكريه يقدم. وإن ذهب السائل إلى غير هذا الوجه، وزعم أنه إنما قال إن الله قد نص على إمامة علي لأن الخبر به جاء المجئ الذي لا يكذب مثله. ولولا أن الخبر صحيح جاز عنده أن يكون الله يطوقهم النظر، ويضع لهم الدلالة، ولا ينصهم على شئ ولا يفسره لهم، كفعله فيما هو أدق وأخفى، وأعظم إثما وأشد خطرا. قيل لهم: إنكم وإن سمعتم فلستم بأعلم بالأخبار من غيركم. ولئن كنتم مجيبين بخبر قد سمعناه معكم فلم يحجنا كما حجكم، إنه لعجب. وإن كان الخبر قد حج جميع من خالفكم مع كثرتهم وأطبقوا على كتمانه وجحده واتفقوا عليه، إن هذا لأعجب.

стр. 270

وكيف تحُجون بخبر لا تستطيعون أن تقيموا حجته على من خالفكم. فإن كنتم إنما حجكم سلفكم فحجوا أهل عصركم ومن معكم، كما حجكم من قبلكم من أسلافكم. وقد نفضنا القرآن من أوله إلى آخره فلم نجد فيه آية تنص على إمامة، ولا أنها إذ لم تنص كانت دالة عند النظر والتفكير، ولا أنها إذ لم تدل بالنظر والتفكير وكان ظاهر لفظها غير ذلك على ما قلتم كان أصحاب التأويل والتفسير مطبقين على أن الله أراد بها إمامة فلان. فهذا باب لا تقدرون من قبله على حجة. وليس لكم في باب الخبر والإجماع متعلق ولا سبب، مع قول الأنصار: منا أمير ومنكم أمير. وقول المهاجرين: بل منا الأمراء ومنكم الوزراء. ثم وجدنا أبا بكر وهو متكلم قريش وصاحب أمر المهاجرين، والمنازع عنهم يوم السقيفة، يقول للناس بعد سكون الأنصار وارتداعهم: بايعوا أي هذين شئتم - يعنى عمر وأبا عبيدة - فلم نجده ادعاها لنفسه، ولا أبى أن تكون لغيره. ولم يقل إنسان من الأنصار ولا من المهاجرين، ولا من أفناء الناس: إن النبي ﷺ قد كان جعلها لفلان وحض عليها له. ولا أنهم إذا لم يدعوا النص قال قائل إن النبي - صلى الله عليه - قد كان قال قولا يوم كذا وكذا يدل على أنها لفلان، ولم ينطق بذلك أحد بعد تلك الأيام كما لم ينطق أحد فيها.

стр. 271

ثم وجدنا أبا بكر حين أراد أن يجعلها إلى عمر من بعده كيف يمشي إليه رجال المهاجرين وعلية السابقين، ليصرفها إلى من هو ألين جانبا وأخفض جناحا وأقل هيبة، ويقولون: يا خليفة رسول الله، إن الحاجة للأرمل والأرملة، والضعيف والضعيفة، وعمر رجل مهيب في صدور الناس، والله ما نريد صرفها عنه ألا يكون سبقَ إلى كل يوم خير! قال أبو بكر: أبربي تهددوني، أما إذا لقيته فقال لي: من استخلفت على عبادي؟ قلت: استخلفت عليهم خير أهلك عندي. فلم يجر بينهم مما يقولون حرف واحد. ثم أن عمر بعد ذلك جعلها شورى بين ستة وجعل إليهم الخيار، وسلم ذلك جميع المسلمين، فيهم الزهري والتيمي والهاشمي والأموي والأسدي، على أنها إن وقعت للأسدي لم يكن منكرا عند الجميع، وكذلك الزهري والأموي. وأعجب من هذا أجمع وأدل على الاختلاف، وأبعد من النص والاجماع، قول عمر في شكاته وهو موف على قبره وعنده المهاجرون الأولون: "لو أدركت سالما مولى أبي حذيفة ما تخالجني فيه الشك". حين ذكر دعابة علي وبخل الزبير وبأو طلحة وحب عثمان لرهطه.

стр. 272

ثم الذي كان من منازعة سعد بن أبي وقاص لعلي، وتركه بيعته ودعائه له إلى وضع الشورى، والتخاير بالأعمال والجزء، فلم تجدوا أحدا من الناس يقول من وراء سعد أو في وجهه: ولم يخايرك وقد اختاره الرسول دونك. وقد كان ينبغي لأصحاب علي ومن معه من المهاجرين والبدريين وسائر الصحابة والتابعين، ألا يمسكوا عن ذكر هذه الحجة، وإن أمسك عنها الناس وأضاعوها، وعاندوا أو غلطوا فيها. ولم نعلم هذا وأشباهه إلا دليلا قاطعا لمن لم يمنع قلبه معرفة الحق ولسانه الإقرار به، في محاربة طلحة والزبير وعائشة وعلي، وما أراقوا من الدماء. ولم يقل واحد من الناس: ولم تقاتلون رجلا أو تطلبون مخايرته وقد نصبه النبي - صلى الله عليه - وفسر أمره وبين شأنه. [وهذا] دليل على ما قلنا، وبرهان لما ادعينا. ولقد قال رجل لعمر بن علي: خبرني عن وصية رسول الله - صلى الله عليه - إلى أبيك، قال: والله إن هذا الكلام ما سمعت به قط إلا الساعة. وقد تعلمون أن الأمة كلها مع اختلاف أهوائها ونحلها، لا تعرف مما تدعون من أمر النص والوصية قليلا ولا كثيرا، وإنما هذه دعوى مقصورة فيكم، لا يعرفها سواكم. وإن أشد الناس عليكم في الوصية

стр. 273

والنص لَلزيدية مع تشيعها وإفراطها وشدة إقدامها على عثمان، وسوء قولها وشدة عداوتها للزبير وطلحة. فلو كان النبي ﷺ نصبه للناس وبين أمره واحتج له، لم يكن هناك اختلاف ولا ارتياب ولا تحير، ولا احتج بذلك المحجوجون على شاذ إن شذ ومفارق. [وفي] هذا وأقل منه ما يردع ذا اللب، ويكف ذا الحجا. وزعمت الرافضة أن النبي - صلى الله عليه - أوصى إلى رجل بعينه، وأمر أمته بالوصية في تركاتهم، لأن ذلك أجمع للشمل، وأدعى إلى الألفة، وأمنع للفساد، وأقطع للشغب، وأذهب للضغائن، وأبعد من الغلط؛ إلا أن الله قد كان يعلم أن النبي - صلى الله عليه - متى أوصى إلى ذلك المستحق تكفر أمة محمد - صلى الله عليه - إلا ثلاثة أنفس، وأن الوصي سيضعف عن القيام بالحق، وسيترك مع القيام بيديه إظهاره بلسانه، وأنه لا يرضى بالكف عن شتمه الكافرين حتى يزكيهم على منبره. فسبحان الله ما أعجب هذا القول! وإن تركوا الكتاب وأضربوا عن الإجماع واحتجوا بالرواية، فما أحد أجحد لها ولا أرد لمعرفتها منهم. مع أن رواية غيرهم أكثر، وعلى ألسنة أصحاب الحديث أظهر. ولو كانت روايتهم ورواية خصومهم سواء ما كان تأويلهم بأقطع لتأويل خصومهم من تأويل خصومهم لتأويلهم. مع أن الحديث إن كان يحتمل ضروب التأويل فغلط في حق ذلك من باطله رجلٌ فليس بكافر

стр. 274

ولا مكابر، لأن ذلك الحديث لو كان صحيحا لم يكن بأبين من القرآن ولا أوضح. وقد يختلف الناس في تأويله ولا يكفرون ولا يكابرون، فكيف يكفر من غلط في تأويل حديث لو كان رده لم يكن عاصيا. وإن كانت إمامة علي لا تثبت عندهم إلا من قبل الرواية، فقد أفلح خصم الرافضة واستراح من كد المنازعة. وقد زعم ناس من العثمانية أن الله قد اختار للناس إماما، ونصب لهم قيما، على معنى الدلالة والإيضاح عنه بالعلامة، لا على النص والتسمية، لأن الله إذا قال: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ - وقد عرفنا صفة العدالة - فمتى رأيناها في إنسان علمنا أنه الذي كان عنى الله بالآية وإن لم يسمه فيها. وكذلك قول الرسول: "ليؤمكم خياركم" فقد عرفنا الله الخيار من الشرار، والفضل من النقص، فمتى وجدنا الفضيلة في رجل فهو الذي عناه النبي - صلى الله عليه - وإن لم يذكره باسمه. ولا يهمل الناس ويتركهم سدى من وضع لهم الأدلة ونبههم على موضع البرهان وعرفهم أبواب الصلاة. ولو قلنا إن النبي - صلى الله عليه - قد اختار للناس إماما على معنى أنه إذ أمر أبا بكر بأن يتقدم المسلمين في مصلاه ومقامه ومنبره فقد استخلفه، جاز ذلك في الكلام. وباب الجواب في هذه المسائل كثير.

стр. 275

لأنه لا يجوز أن يكونوا لم يعلموا ذلك وقد علموا ما هو أخفى وأدق وأيسر خطبا وأقل نفعا، وهم القوم الذين لا يؤتون من نصيحة وحسن معرفة. وكيف يؤتون منهما وبهم عرفنا النصيحة والمعرفة. فإن قالوا: فإنما كان خيرا للناس أن يختاروا لأنفسهم أو يختار النبي لهم. قلنا: لو كان النبي قد اختاره لهم لقد كان ذلك خيرا لهم من اختيارهم لأنفسهم. فإذ لم يختره لهم فترك اختياره خير لهم، لأنه إذا كان أن لو كان اختاره لهم فقد دل تركه الاختيار أن تركه الاختيار لهم خير لهم، إذ كان قد كان اختار الترك دون الاختيار، وترك الاختيار ربما كان اختيارا. وهو في هذه المواضع اختيار، لأن النبي ﷺ لم يكن ليختار لهم ترك النص والتسمية إلا وترك النص والتسمية خير من النص والتسمية. وإنما هذا مثل قائل لو قال لنا: أرأيتم التأويل الذي قد ضل من أجله عالم، والتشبيه، والوعد والوعيد، والقدر، والأسماء، والأحكام التي قد كفر من أجلها بشر، وبسببها تناحر الناس، وإنما كان خيرا لهم أن يعرفوه بأسره، وينصوا على حقيقته، ويكفوا المؤونة فيه، حتى كان لا يقع خلاف، ولا يوجد خطأ، ولا يشيع فساد، ولا يتفانى الناس أو يتركوا ونظرهم، ويخلوا واختيارهم. قلنا: الخيرة فيما صنع الله. فلو كان الله بيّن ذلك بالنص والتفسير

стр. 276

دون الدلالة ووضع العلامة، كان ذلك خيرة، لأنا نعلم أن الله لا يصنع إلا ما هو خير. فلو لم يفعل ذلك ولم ينص عليه فتركه الأمر على ما نحن عليه خير لنا وأفضل. فكيف أوجبتم على الله وحكمتم عليه. هذا جمل جوابات العثمانية بجمل مسائل الرافضة والزيدية. ولولا أن فيما قدمنا غنى عما أخرنا لقد فسرنا كما أجملنا. وإنما ملاك وضع الكتاب إحكام أصله، وألا يشذ عنه شئ من أركانه، فأما استقصاؤه حتى لا يجري بين الخصمين منه إلا شئ قد وضع بعينه، فهذا ما لا يمكن الواضع ولا يحتمل الكتاب. ولو أمكن الواضع واحتمله الكتاب لكان طوله قاطعا لنشاط القارئ، ومجلبة لنعاس المستمع، إلا لمن صحت إرادته، وأفرطت شهوته، وقوي طبعه، وحسن احتسابه. وقد أعيتنا هذه الصفة في المعلمين، فكيف [في] المتعلمين. وعلى أن للنحل صورا كصور الناس، فكما أن بعض الصور أشد مشاكلة لطبعك، وآنق في عينك، وأخف على نفسك، فكذلك النحل في مقابلة الأهواء، ومشاكلة الشهوات، والخفة على النفوس. فاحذر حوادث الشهوات، واتصال المشاكلة، فإنه أخفى من الدقيق، وأدق من الخفي. هذا إذا كان المعنى مجردا والمذهب عاريا، فكيف إذا موهه صاحبه، وزخرفه واضعه، بأعذب الألفاظ وأشهاها، وأحسن المخارج وأعفاها،

стр. 277

فشفى كل واحد منهما صاحبه، وحببه إلى سامعه. فإن وافق ذلك منه تعظيم لسلفه، وهوى في قائله، فقد أسمحت نفسه بالتقليد، واستسلمت للاعتقاد. فاحذر في هذه الصفة، ولا تستخفن بهذه الوصية. واعلم أن واضع الكتاب لا يكون بين الخصوم عدلا، ولأهل النظر مألفا، حتى يبلغ من شدة الاستقصاء لخصمه مثل الذي يبلغ لنفسه، حتى لو لم يقرأ القارئ من كتابه إلا مقالة خصمه لخيل له أنه الذي اجتباه لنفسه، واختاره لدينه. ولولا اتكالي على انقطاع الباطل عن مدى الحق وإن استقصيته وبلغت غايته، ما استجزت حكايته وقمت مقام صاحبه. ونحن مبتدئون في كتاب المسائل وبالله ذي المن والطول نستعين، وعليه نتوكل. هذه جمل أقوال العثمانية. والحمد لله كثيرا دائما، وصلى الله على سيدنا محمد نبيه، وآله الطاهرين وصحبه، وسلم تسليما.