← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 96338

العثمانية

الجاحظ

Полный текст (277 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

فإذا كان من أنفق وقاتل قبل الفتح أعظم درجة، لأن النبي ﷺ قال: "لا هجرة بعد الفتح" فما ظنك بمن قاتل وأنفق قبل الهجرة، ومن لدن مبعث النبي - صلى الله عليه - إلى الهجرة أعظم من القيام بأمر الإسلام بعد الهجرة [و] أفضل من القيام بأمر الإسلام بعد الفتح. فإن قالوا: قد عرفنا أن أبا بكر قد أنفق قبل الهجرة ولا نعرفه قاتل قبل الهجرة. فقتال علي بعد الهجرة أفضل من إنفاق أبي بكر قبل الهجرة. قلنا: إن أبا بكر وإن لم يقاتل قبل الهجرة فقد قتل مرارا وإن لم يمت قبل الهجرة. ولأنه لو جمع جميع المكروه الذي لقي أبو بكر ثلاث عشرة سنة لكان أكثر من عشرين قتلة. ولو كان في ذلك الزمان القتال ممكنا والوثوب مطمعا لقاتل أبو بكر ونهض كما نهض في الردة. وإنما قاتل علي في الزمان الذي [قد] أقرن [فيه] أهل الإسلام لأهل الشرك، فطمعوا أن تكون الحرب

стр. 37

سجالا، وقد أعلمهم الله أن العاقبة للمتقين، وأبو بكر مفتون مفرد [ومطرود مشرد، ومضروب معذب] في الزمان الذي ليس بالإسلام وأهله نهوض ولا حركة، ولذلك قال أبو بكر بعد أن استفاض الإسلام وضرب بجرانه وظهر أمره: "طوبى لمن مات في نأنأة الإسلام" يقول: في أيام ضعفه وقلته، حيث كانت الطاعة أعظم، لفرط الاحتمال، والبلاء أغلظ، لشدة الجهد، لأن الاحتمال كلما كان أشد وأدوم كانت الطاعة أفضل، والعزم فيه أقوى. ولا سواء مفتون مشرد لا حيلة عنده، ومضروب معذب لا انتصار به ولا دفع عنده، ومباطش مقرن [يشفى غيظه ويرون غليله، وله مقدم يكنفه ويشجعه. ولا سواء مقهور] لا يغاث، ولم ينزل القرآن بعد بظفره،

стр. 38

وقد هتك اليأس لطول ما لقي حجاب قلبه. ونقض قوى طمعه حتى بقي وليس معه إلا احتسابه. ومقاتل في عسكر معه عز الرجاء وقوة الطمع، وطيب نفس الآمل. فليس لعلي موقف من المواقف إلا ولأبي بكر أفضل منه إما في ذلك الموقف وإما في غيره. ولأبي بكر مواقف لا يشركه فيها علي ولا غيره. وإنما محص علي وامتحن من لدن يوم بدر إلى آخر غزوات النبي ﷺ وبين المحنة في الدهر الذي كان أصحاب النبي ﷺ فيه مقرنين لأهل مكة ومشركي العرب ومعهم أهل يثرب أصحاب النخيل والآطام، والإرب والإقدام، والصبر والمواساة، والإيثار والمحاماة، والعدد الدثر والفعل الجزل، وبين الدهر الذي كانوا فيه بمكة يفتنون ويشتمون ويضربون ويشردون، ويجوعون ويعطشون، مقهورين لا حراك بهم، وأذلاء لا دفع عندهم، وفقراء لا مال لهم، ومغيظين ولا يمكنهم السفهاء، ومستخفين لا يمكنهم اللقاء - فرق بين. ولقد كانوا في حال أخرجت لوطا - وهو نبي، والنبي خير من جميع الناس - إلى أن قال لقومه حين لقي منهم ما لقي: ﴿لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد﴾. [وقال النبي صلى الله عليه وآله: "عجبت من أخي لوط كيف قال: ﴿أو آوي إلى ركن شديد﴾ وهو يأوي إلى الله سبحانه!

стр. 39

ثم لم يكن ذلك يوما ولا يومين، ولا شهرا ولا شهرين، ولا عاما ولا عامين، ولكن السنين بعد السنين. وكان أغلظ القوم محنة وأشدهم احتمالا بعد رسول الله - صلى الله عليه - أبو بكر الصديق، لأنه أقام ما أقام رسول الله ﷺ بمكة، وذلك ثلاث عشرة سنة. وإنما قلنا ذلك من أجل أن الناس اختلفوا في مقدار مبعث النبي ﷺ إلى هجرته. فقال قائل: خمس عشرة سنة، وقال آخرون: ثلاث عشرة سنة، وقال قوم: عشر سنين، فكان أعدل الأمور وأقسطها طرح الطرفين، والأخذ بأوسط الروايات، كما صنعنا في عمر علي بن أبي طالب، حيث وجدنا ولده جعفر بن محمد [و] هو دونه، يخبر أن عليا استشهد وهو ابن سبع وخمسين، وقالت علماء الرافضة: نحن أعلم به من ولده إلا الأئمة منهم. ولم يقل هذا القول إمام منهم قط، ولكن علي استشهد وهو ابن ثمان وخمسين سنة، ثم روى الناس بعد أنه استشهد وهو ابن ستين وابن ثلاث وستين وابن أربع وستين، أخذنا بأوسط ما قالوا فطرحنا سنيه وسني عمر وعثمان وأبي بكر والهجرة ومقام النبي - صلى الله عليه - بمكة، فحصل العدد الذي أثبتناه في صدر ذكرنا القضية. فإن قالوا: قد صنع علي بن أبي طالب ﵁ بمكة أفضل من جميع ما ذكرتم، ولقي أشد مما لقي أفضلهم، وذلك أن النبي ﷺ أباته في مضجعه وعلى فراشه والمشركون يرصدونه، وقد سقط إليهم أن النبي ﷺ يريد المدينة، فقد تحزموا واجتمعوا وقلبوا

стр. 40

الرأي، فرأوا أن يبيتوه على فراشه إن لم يظهر لهم. فقال لعلي: "نم على فراشي وتغش ببردي الحضرمي، فإنهم إن رأوا حجمك فوق الفراش ودون البرد لم يستريبوا، وخفي لهم أمري، ولم يتبعوا أثري". فنام علي على فراشه ينتظر وقع السيوف، ويتوقع رضخ الحجارة، باذلا نفسه مصطبرا. وليس فوق بذل النفس درجة يلتمسها صابر، ولا يبلغها طالب. وإن كان أبو بكر قد أحسن في خروجه وهجرته وصحبته، وهربه مع النبي ﷺ ، واستخفائه في الغار. فإن ذلك لن يبلغ من الاحتمال والخطار والخوف، قدر ما كان فيه علي ﵁، لأن طمع النجاة في أحدهما أقوى، والنفس له أرجى. قيل لهم: لو كان الأمر كما تقولون في هذين الخوفين لم يقم صرف ما بينهما بقدر عشر ما لقي أبو بكر من جميع ما وصفنا وما صنع أبو بكر في ثلاثة عشر سنة، من كثرة الإنفاق، وإيثار الفقر على الغنى، والوحدة على الأنسة، والهوان بعد الكرامة، والخوف بعد الامن، والضرب والافتتان بعد الاكرام والتعظيم، مع عتق المعذبين وكثرة المستجيبين، ومع صرف وزن ما بين الطاعتين، لأن طاعة الشاب الغرير أو الحدث الصغير، الذي في عز صاحبه عزه، ليس كطاعة الحكيم المحتنك الأريب، الذي لا يرجع تسويده لمن سوده [و] إلى رهطه.

стр. 41

وفرق آخر: أن أمر الغار وقصة أبي بكر وصحبته مع النبي ﷺ وكونه معه فيه، نطق [به] القرآن وصح به الإجماع، كالصلوات الخمس، والزكاة المفروضة، والغسل من الجنابة، حتى إن من أنكر ذلك عند الأمة مجنون أو كافر، وأمر علي ونومه على الفراش إنما جاء مجئ الحديث، وكما تجئ روايات السير وأشعارها. وهذا لا يوازن ذا ولا يكايله. وأول مراتب العالم أن يعرف المعارضة والمقابلة، والمنقوص والمتساوي، ولو أن رجلا من أوساط الناس أظهر شكا في قصة علي ومبيته، وقال: قد سمعت ذلك ولعله، ولكني مشفق للذي أعرف من أكاذيب الشيع، وتوليد حمال السير، لم يكن عليه بأس من الإمام. ولو قال رجل لك، وهو رجل من أوسط الناس: والله ما أدري والله، لعل الله إنما عنى بقوله: ﴿ثاني اثنين إذ هما في الغار﴾ علي بن أبي طالب، لوجد عند الإمام غاية النكير. وفرق آخر: أنه لو كان مبيت علي على فراش النبي ﷺ جاء مجئ كون أبي بكر في الغار مع النبي، لم يكن في ذلك كبير طاعة، فضلا عن أن يساوي أبا بكر أو يبرز عليه، لأن الذين نقلوا - كاذبين كانوا أو صادقين - أن النبي ﷺ أبات عليا على فراشه، هم الذين نقلوا أن النبي ﵇ قال: "تغش ببردي،

стр. 42

ونم في مضجعي، فإنه لن يخلص إليك شئ تكرهه" وهكذا لفظ هذا الحديث، لا يشك في ذلك أحد. ولم ينقل إلينا أن النبي - صلى الله عليه - قال لأبي بكر: أنفق واحتمل، ولن تعطب ولن يصل إليك مكروه. فإن قالوا: إن عليا وإن كان حدثا - كما تزعمون - أيام مكة، فإنه قد لحق السابق له ثم برز عليه بصنيعه يوم بدر وأحد والخندق، ويوم خيبر، وفي حروب النبي ﷺ ، إلى أن قبضه الله سبحانه إلى جنبه، فجمع أمرين: كثرة التعرض للمنايا، وعظم الغناء بقتل الأقران والفرسان، والقادة والسادة، لأن من له من قتل الأنجاد والأمجاد ما ليس لغيره، فله من التعرض والاحتمال والصبر والاحتساب ما ليس لغيره. قلنا: إن كثرة القتل وكثرة المشي بالسيف لو كان أشد المحن وأعظم الغناء وأدل على الرياسة، كان ينبغي أن يكون لعلي والزبير وأبي دجانة ومحمد بن مسلمة وابن عفراء والبراء بن مالك من عظم الغناء واحتمال المكروه بالقدر العظيم ما ليس للنبي ﷺ ،

стр. 43

لأن النبي لم يقتل بيده إلا رجلا واحدا. وقد علمنا أنه ليس أحد أشد احتمالا ولا أعظم غناء، ولا أظهر فضلا منه - صلى الله عليه -. وقد تجد الرجل يقتل الأقران والفرسان وهو لا يستطيع أن يرفع طرفه في ذلك العسكر إلى رجل آخر ليس فيه من قتل الأقران قليل ولا كثير، لمعان هي عندهم أكثر من مشي ذلك المقاتل بسيفه، وقتله لقرنه. وإذا ثبت أن رئيس العسكر وأشباهه قد ثبتت لهم الرياسة واستحقوا التقديم بغير التقدم والمباشرة، ثبت أن قتل الأقران ليس بدليل على الفضيلة والرياسة. أوما تعلم أن مع الرئيس من الاكتراث والاهتمام وشغل البال والعناية والتفقد، ما ليس لغيره، لأنه المخصوص بالمطالبة، وعليه مدار الامر، وبه يستنصر المقاتل، وباسمه ينهزم العدو، وبتعبيته ورايته ومعرفته يفل الحد، ولأن اختيار الحكيم دليل على احتمال طبيعته واستقلال نفسه، ولأن فرته أو عردته أعظم من المأثم والعار من عردة غيره وفرة غيره. [و] لو لم يكن من بليته وشدة ما محص به إلا أن القوم لو ضيعوا

стр. 44

جميعا وحفظ ما أضيفت الهزيمة إلا إليه، ولا كان المطلوب غيره، ولا كان الذليل المهان غيره. ولهذا وأشباهه يكون الرئيس أعظم غناء، وأشد احتمالا، لأنك [لو] قذفت فضل صبر المقاتل الواحد في خصاله لم تجد له أثرا ولم تحس له حسا. واعلم أن المشي إلى القرن بالسيف ليس هو على ما يتوهمه الغمر من الشدة والفضل، وإن كان شديدا فاضلا. ولو كان كما يظنون ويتوهمون ما انقادت النفس ولا استصحبت للقتال، لأن النفس المستطيعة المختارة التي قتالها طاعة وفرارها معصية قد عدلت كالميزان في استقامة لسانه وكفتيه، فإذا لم يكن بحذاء سيفه إلى السيف ومكروه ما يأتي به، ما يعادله ويوازنه لم يكن النفس أن تختار الإقدام على الكف، ولكن معه في وقت مشيه إلى القرن أمور تنفحه مشجعة، وإن لم يبصرها الناس وقضوا على ظاهر ما أبصروا من إقدام. والسبب المشجع ربما كان الغضب، وربما كان الشراب، وربما كان الغرارة والحداثة، وربما كان الإحراج، وربما كان الغيرة، وربما كان الحمية وحب الأحدوثة، وربما كان طباعا كطباع القاسي والرحيم، والسخي والبخيل، والجزوع من وقع السوط

стр. 45

والصبور، وربما كان السبب الدين، ولكن لا يبلغ الرجل بقوة الدين في قلبه ما لم يشيعه بعض ما ذكرناه أن يمشي إلى السيف، لأن الدين مكتسب مجتلب، وليس بأصلي ولا طبيعي، ولأن ثوابه مؤجل، والخصال التي ذكرناها طبيعية أصلية. وثوابها معجل. وقد يكون مع الإنسان أسباب محذرة مجبنة، فيكون ركونه وجلوسه طباعا لا يمتنع منه. وربما كانت الأسباب من المشجعات والمجبنات سواء، فيكون جلوسه عن الحرب وقتاله فيها اختيارا، وربما فضلت قوى مشجعاته حتى يكون إقدامه أشرا ومرحا، واهتزازا وطباعا، ولا يكون ذلك طاعة وإن كان في الحكم طاعة. وكذلك الجبن إذا أفرط على صاحبه حتى يكون فراره طباعا لا يكون معصية وإن كان في الحكم معصية. ولم نرد بهذا الكلام تنقص علي ﵀ ولا إخراجه من الغناء واحتمال المكروه. كما لم نرد تنقص الزبير وأبي دجانة وابن عفراء ومحمد بن مسلمة، ولكن هكذا صفة المستطيع المكلف، والمطيع والعاصي. وإذا كان مع صاحب الإقدام من الأمور المشجعة أمور فاضلة على أسباب جبنه وجلوسه، كان عند الله غير مأجور وإن كان في الحكم الظاهر مأجورا.

стр. 46

وإن كانت الأسباب المشجعة في وزن الأسباب المجبنة كان مطيعا ولم يكن حيث وضعه القوم، لأنهم توهموا مع مشيه بالسيف إلى القرن احتمال المكروه كله، ورفعوا من أوهامهم الأسباب التي لولاها لم يمكنه المشي إلى القرن بالسيف. ووجه آخر: أن عليا لو كان كما يقول شيعته، ما كان له بكثرة المشي إلى القرن بالسيف وبقتله له كثير طاعة، ولا احتمال مشقة، لأن الشيعة [تزعم] أن رسول الله - صلى الله عليه - قال لعلي: "إنك ستقاتل من بعدي الناكثين والقاسطين والمارقين". والناكثون طلحة والزبير وأصحابهما، والقاسطون معاوية وأصحابه، والمارقون عبد الله بن وهب وأصحابه. فإن كانوا قد [صدقوا وما] كذبوا، فما عسى أن يبلغ من احتمال من هو من البقاء والسلامة على ثقة. فالزبير وطلحة وأبو دجانة وابن عفراء ومحمد بن مسلمة أعظم طاعة منه، لأنهم أشد احتمالا منه، لأنهم يقدمون والمنايا شارعة وهم يرجون ويخافون، وعلي على ثقة من أمره، ويقين من بقائه وسلامته، إلا أن النبي ﷺ لم يقل هذا القول إلا قبيل وفاته. ولا سبيل لهم إلى علم ذلك. فيقال لهم: فكذلك خصومكم يمكنهم أن يقولوا لكم: إن النبي ﷺ قال هذه الكلمة بعيد إسلامه، وإذا لم يكن في قولكم إن النبي ﷺ قالها له قبيل وفاته دليل، ولا في قول خصومكم إن

стр. 47

النبي قالها بعيد إسلامه دليل، فأعدل الأمور وأنصفها بينكم وبينهم أن تجعلوا الخبر في النصف مما بين إسلامه إلى وفاة النبي - صلى الله عليه -. فإذا كان ذلك كذلك فقد صار الزبير وطلحة وأبو دجانة ومحمد بن مسلمة وابن عفراء أفضل منه، لأن الفضل في احتمال المكروه. وقد لزمكم أن تزعموا أن النبي - صلى الله عليه - قال هذا الكلام لعلي قبل وقعة بدر، وأنتم إنما تفخرون بوقعة بدر وقتاله بعد ذلك. فما عسى يبلغ من قتال رجل قد وثق بالسلامة والبقاء إلى أن يقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين بعد وفاة رسول الله ﷺ بدهر. فإذا كان رئيس الجيش أعظم غناء وأشد احتمالا، للذي وصفنا، فأشبه القوم حالا به أعظم غناء وأشدهم احتمالا، على قياس في الرئيس والكثير المشي بالسيف، ولا أحد أشبه بالرئيس ممن اختاره الرئيس وزيرا وصاحبا، ومكانفا ومعينا، لأن الرجل إذا كان في رأي العين صاحب أمر الرئيس والمتولى على الخاصة والقربة منه في ظعنه ومقامه، وخلواته، وهربه واستخفائه، وكان هو المبتدئ بالكلام عنده، والمفزع في الحوائج بعده، والثاني في الدعاء إلى الله ودينه، ولا نعلم هذه الخصال اجتمعت في غير أبي بكر الصديق ﵁، لأنه صاحبه في كتاب الله سبحانه،

стр. 48

قال الله : "إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا". فسماه الله صاحبا في كتابه ثم سماه النبي - صلى الله عليه - صديقه من بين خلق الله، حتى غلب على اسمه واسم أبيه ولقبه ونسبه، حتى كان الناس أيام رسول الله وبعد وفاته يقولون: قال علي وفعل علي، وقال عثمان وفعل عثمان، وقال عمر وفعل عمر، وقال طلحة وفعل طلحة، وقال الزبير وفعل، وجميع العشرة الذين هم في الجنة، حتى إذا صاروا إليه قالوا: قال الصديق وقال أبو بكر الصديق، وفعل أبو بكر الصديق. ثم قول النبي ﷺ فيه، وهو القول الذي كان يعيده في كل دار ومنزل: "ما أحد أمنّ علينا بصحبته وماله من أبي بكر" وفي قوله: "ما أحد أمن علينا بصحبته وماله من أبي بكر" معان كثيرة، فهمه الناس أم ذهبوا عنه. فهذا هذا. ثم كان النبي ﵇ بمكة ثلاث عشرة سنة، في كل يوم ذر شارقه يأتي منزل أبي بكر إما صباحا وإما مساء. حتى كان اليوم الذي أذن الله سبحانه له في الهجرة، وإنه أتاه مهجرا فقال له أبو بكر: بأبي أنت وأمي، كيف جئت اليوم في هذا الوقت؟ ونزل عن سريره وجلس النبي ﷺ وجلس أبو بكر بين يديه، قال النبي: هل عندك أحد؟ قال: لا يا رسول الله، إلا أسماء وعائشة. قال: "فإن ربي قد أذن لي في الهجرة". فصان صحبته من خلق الله غيره. ثم لم يعلم بخروجه غير ابنتيه أسماء وعائشة، وغير ابنه عبد الله بن أبي بكر قتيل يوم الطائف، وكان هو الذي يتجسس لهما الأخبار ويأتي بها إليهما في الغار، لأنهما استخفيا في الغار ثلاثا ولم يطلعا على

стр. 49

أمرهما غير عامر بن فهيرة مولى أبي بكر، بدري استشهد يوم بئر معونة، فإنه كان يؤنسهما ويحدثها ويخدمهما في تلك السفرة كلها. وكانت أسماء هي التي تأتيهم بأقواتهم في الغار، فكان صاحبه في الغار، وبمكة في طريقه إلى المدينة، وعلى ظهره ركب النبي ﷺ ، والنفاثي أجيره وعامر بن فهيرة خادم النبي - صلى الله عليه - ومؤنسه عتيقه ثلاث مرات ومولاه، والظهر ظهره، والمؤونة مؤونته، وصحبة النبي ﷺ مقصورة عليه، محبوسة له، مصونة عن سواه، يطلبان معا، وتجعل فيهما قريش شيئا سواء. وقالت الأنصار: لما سمعنا بمخرج النبي ﷺ وقدومه كنا نخرج إلى ظاهر حرتنا ننتظره، حتى إذا لم نجد ظلا دخلنا، وذلك في أيام حارة، حتى إذا كان في اليوم الذي قدم فيه النبي ﷺ فعلنا ذلك ثم دخلنا منازلنا، فكان أول من أبصره رجل من يهود، فصاح: يا بني قيلة! فخرجنا إلى النبي ﷺ -

стр. 50

وهو في ظل نخلة، ومعه أبو بكر، في مثل سنه وهيئته، وأكثرنا لم يكن رآه، وركبه الناس وما نعرفه من أبي بكر حتى زال الظل عن النبي ﵇، فقام أبو بكر فأظله بردائه، فعرفناه عند ذلك. فهذا هذا. ثم لما كان بعد ذلك في يوم بدر. ودلك أن النبي ﷺ لما عزم على محاربة قريش قال له سعد: يا نبي الله، لنبني لك عريشا فتكون فيه ونقاتل بين يديك، فأذن لهم فبنوه له، فعدل إليه بعد أن عبأهم وأقامهم على مصافهم وعلى مراتبهم. فدخله وأدخل معه أبا بكر وحده، فلما استقر في العريش قال له أبو بكر: بعض مناشدتك يا رسول الله فإن الله منجز لك ما وعدك. فخفق النبي - صلى الله عليه - خفقة في العريش فانتبه وهو يقول: أبشر يا أبا بكر، أتاك نصر الله، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده على ثناياه النقع! فكان النبي ﷺ وأبو بكر من بين يديه خلق الله في العريش، والناس موقوفون على مراتبهم، فكانت هذه مرتبة أبي بكر. ورتب لسعد بن معاذ بعد أن كان قائما على رأسه على باب العريش متوشحا السيف في نفر من الأنصار يحرسون العريش ومن فيه مخافة كر العدو والجولة. فإذا كان النبي - صلى الله عليه - في ذلك اليوم في العريش، وغير ماش

стр. 51

إلى السيف ومعه صاحبه وصديقه، وسيد الأنصار وأفضلهم على باب العريش، عرف أن عظم الغناء وشدة الاحتمال والسبب الدال على الرياسة غير الذي خصه القوم وجعلوه دليلا. فمن أولى أن يكون أشبههم برسول الله ﷺ في عظم الغناء واحتمال المكروه، والحال الرفيعة، ممن كان ثاني اثنين في التقدم في الإسلام، وثاني اثنين في الدعاء إلى الله ورسوله، وثاني اثنين في كثرة المستجيبين والاتباع، وثاني اثنين في الغار، وثاني اثنين في الهجرة، وثاني اثنين في العريش، وفي أشباه لهذا كثيرة. وأما ما ذكرتم من يوم بدر وقتل على الأقران وفضله على من سواه بذلك، فقد قلنا في ذلك بما قد سمعتم. ونحن ذاكرون وجها آخر ليزيد في الحجة ويكشف من الدلالة. نزعم أنه لم يشهد بدرا بعد رسول الله ﷺ [من له] مثل غناء أبي بكر ونباهته وكرم موضعه، لأن من شهد بدرا مثل الزبير وطلحة وسعد وعبد الرحمن وعثمان، وبلال ومسطح بن أثاثة وعامر بن فهيرة، وكان في العريش، فلا أحد يعدله في النباهة، ولا في الغناء والرفعة، والاحتمال لقدر الخلافة، لأن الذين عددنا على ثلاثة أصناف: رجل أسلم على يده وبدعائه وشرحه فهو سبب حضوره وحسن بلائه، ورجل أسلم على يده وأعتقه بعد ذلك من رق العذاب ورق العبودية وشهد بدرا وقبل ذلك بمؤونته وكلفته. وإما ربيب

стр. 52

ونسيب وابن خالة كمسطح بن أثاثة، فقد كان ربيبه وابن خالته وعلى يده أسلم، وبه استبصر، ولم يزل في مؤونته قبل بدر وبعد ذلك وفي أيامه، إلا ما كان من يمينه أيام حلف ألا يقربه ولا ينفق عليه ولا يطأ رحله، للذي كان كبر على عائشة مع حسان بن ثابت، حتى أنزل الله سبحانه على رسوله براءة عائشة، وأمر أبا بكر بالإنفاق على مسطح وعياله، وبالعفو عنه، وأن يعيده إلى رحله وتحت جناحه، فأنزل الله في محكم كتابه على نبيه يريد أبا بكر - وبين أن يفرد الله الآي ويخصه بمخاطبته وبين أن يريده في الجمهور فرق عظيم، كما أثنى على جملة المهاجرين والأنصار - فقال الله وهو يريد أبا بكر: ﴿ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا ليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم﴾. قال أبو بكر: بلى يا رب. فرده إلى رحله وعفا عنه كما أمره الله، وأجرى عليه وعلى عياله مثل الذي كان يجريه. وإنما ذكر الله في هذه الآية القربى لأنه كان ابن خالته، وجعل أهله وعياله مساكين أبي بكر، وهو أحد بني المطلب بن عبد مناف، وشأنه عظيم.

стр. 53

وكان أول من حث على قتال المشركين ببدر وتكلم فيه عند رسول الله ﷺ أبو بكر. فإذا شهد بنفسه ورأيه وماله ومستجيبيه وأتباعه الذين هم أكفاء ضده عندكم، مع أن بعضهم قد اختير عليه وهو عثمان، والباقون لم يخايرهم ويواز [نهم] فيعرف موضع أفضلهم، وقد فخر عليه سعد فلم يعارضه. فأين مبلغ ما ذكرتم مما ذكرنا، إذا كان مثل سعد من مستجيبيه - وهو المستجاب الدعوة، وأول من أراق دما في الإسلام، وأول من رمى بسهم يوم بدر، وله يقول النبي ﷺ : "ارم فداك أبي وأمي"، فجمع له أبويه ولم يجمعهما لأحد قبله. وفيه يقول النبي - صلى الله عليه -: "هذا خالي أباهي فيه، فليأت كل امرئ بخاله" وهو أزال كسرى عن قصره وملكه وعن مستقره. ومثل حواري رسول الله - صلى الله عليه - وابن عمته، مع فروسيته وشدة بأسه، والذي عظم الله من شأنه ببدر حين نزلت الملائكة في زيه، عليها عمائم صفر. ثم الذي كان منه ببدر حين أتى الخبر النبي - صلى الله عليه - عن قريش بمسيرهم، فاستشار النبي - صلى الله عليه -، فكان أول من قام أبو بكر،

стр. 54

فتكلم وحث على الجهاد والنصرة، ثم قام عمر، ثم قام المقداد فقال: يا رسول الله، امض لما أراك الله، فوالله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون﴾ ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون. فوالذي بعثك بالحق أن لو سرت بنا إلى برك ذات الغماد لجالدنا من دونه حتى نبلغه. فإن قالوا: إن أبا بكر لم يشهد [له] احتمال كاحتمال علي، لأن عليا كان يمشي إلى السيف وأبو بكر وادع رافه في العريش، ودونه الحرس سعد بن معاذ وأصحابه، والركاب له مناخة. قلنا: قد طعنتم على النبي - صلى الله عليه -، لأن الشأن لو كان كما تقولون لكان النبي - صلى الله عليه - وادعا وكان علي محتملا صابرا. وهذا كلام قد فرغنا منه مرة. أوما علمت أن صاحب اللواء وإن كان لا يبارز ولا يمشي بالسيف أنه يحتاج من المعرفة بالحرب وعورتها، وإقبال أمرها وإدباره، ويحتاج مع اجتماع القلب واليقظة وقلة الحيرة، والثبات عند الجولة، والعلم

стр. 55

بموضع الشدة والانحياز إلى أكثر مما يحتاج إليه المبارز، لأن حفظ الجميع أشد من حفظ الواحد، ولأن كل العدو يطالبه ويريد ختله، وكل ذلك بعلمه وعينه، لأن خطأه وضعفه أقرب إلى هلكة الجميع من ضعف المبارز وخطئه. ولو كان الأمر كما تقولون ما كان أحد أسقط في الحرب ولا أصغر حظا ولا أقل أجرا ومكانا من الإمام الأكبر والرئيس الأعظم لبعد ما بين بلاد عدوه من بلاده، ولكان عامله أفضل منه. مع أنكم تزيدون في كثرة القتلى وتعظمون شأنهم لتعظموا به من شأن علي، كصنيعكم في أمر علي ومرحب. حيث فخمتموه بالأشعار ونفختموه بالبلاغات، وسكتم عن قتيل الزبير في ذلك اليوم. ومرحب وياسر أخوان شهدا الوقعة، والنباهة لياسر. فقصدتم إلى الأخمل فرفعتموه وشهرتموه إذ كان قتيل علي، وقصدتم إلى الارفع فأخملتموه وأخفيتموه إذ كان قتيل الزبير. أوما علمت أن الزبير وياسرا التقيا فاضطربا بأسيافهما فلم يغنيا شيئا مرارا، حتى لحجا في موضع واعترضت

стр. 56

بينهما شجرة، فجذباها ضربا وخبطا، ثم جمع الزبير نفسه ومكن سيفه فضرب رأس ياسر ضربة قد منها البيضة ومر السيف حتى عض ثنيتيه، فقيل له: يا أبا عبد الله، ما أجود سيفك! فغضب. وقصدتم إلى عمرو بن عبد ود، فتركتموه أشد من عامر بن الطفيل، وعتيبة بن الحارث، وبسطام بن قيس. وقد سمعنا بأحاديث حروب الفجار، والذي كان بين المطيبين والأحلاف، وما كان بين قريش ودوس، وأمر خزاعة وحلف الفضول، وجميع أمر قريش من خير وشر، فما سمعنا لعمرو بن عبد ود في شئ من ذلك ذكرا. وكذا قتيل علي الوليد بن عتبة يوم بدر، وما علمنا الوليد حضر حربا قط قبلها ولا بعدها، ولا ذكر فيها بطائل. فلو ذهبتم إلى أن عليا قد بارز وقتل، وأبلى واحتمل، كان ذلك

стр. 57

جميلا، وكان قصدا مقبولا، ولكنكم أخرجتموه من حد الشجاعة، وظننتم أن السرف أمثل وأجل. وزعمتم أن الذي منع العرب وقريشا أن تجعله الخليفة بعد النبي ﷺ أنه كان قتل أبناءها وإخوتها وأعمامها، وما يعلم موضع رجل واحد يوم توفي النبي ﷺ تسمع له الخاصة والعامة وترى له طاعة، قتل علي أباه أو ابنه أو أخاه، غير أبي سفيان بن حرب، فقد كان علي قتل ابنه حنظلة، وما كان أحد من علية قريش والعرب أقرب إلى أن يخالفه في الحق والباطل في ذلك الدهر من أبي سفيان، وقد كان أكره الناس لأبي بكر حين قال لبني هاشم وبني أمية: "رضيتم معشر بني عبد مناف أن يلي أموركم رجل من بني تيم" فإذا كان الذي قتل علي ابنه هو الذي أظهر كراهية أبي بكر من بين الناس، فكيف حولتم القضية وقلبتم المعنى؟ فإن ذكروا أبا حذيفة بن عتبة لأن عليا قتل أخاه. قيل: أيكون أبو حذيفة ممن أبى عليا بهذه العلة، وأبو حذيفة شهد بدرا فقاتل أباه وأخاه وعمه، واحتملت نفسه وعزمه وصحة إسلامه هذا الصنيع، ثم يجزع من أقل منه بعد الزيادة في الاستبصار، وبعد طول الدهر وموت الأحقاد؟ وهذا ما لا يشبه ولا يجوز. وكيف يجوز ذلك عليه وهو من المهاجرين الأولين، والسابقين الأولين، وشهد بدرا والمشاهد كلها، وقبض النبي - صلى الله عليه - وهو عنه راض، واستشهد يوم اليمامة ولواء المهاجرين في يده.

стр. 58

وكيف يظن هذا بأبي حذيفة، ولم يرو عنه في كراهية على حرف قط، ولا قبض لذلك وجها ولا أظهر تعجبا؟ وكيف يظن هذا بالبدريين والمهاجرين الأولين ومنع على القيام بأمر الناس على هذا الوجه وعلى هذا المعنى كفر بالله ورسوله، وكيف يضطغن امرؤ على علي ويسلم قلبه لرسول الله - صلى الله عليه -؟ لأنه إن كان يعتد صنيع علي ذنبا حتى يولد له حقدا والذي تفرد علي بذلك أعظم ذنبا وأجدر أن يولد حقدا. وهذا أفحش قبحا وأبين خطأ من أن يحوجنا إلى كشفه وتبيينه. وكيف يجوز هذا على أبي حذيفة، ولا نعلم رجلا في الأرض أبعد من حمية الجاهلية منه، ولا أسمح نفسا بما وافق كتاب الله منه. ولقد بلغ من إخلاصه ورسوخ الإسلام في قلبه وحبه عليه وبغضته فيه أن طرح كل ما سواه، وأخرجه ذلك إلى أن زوج أخته فاطمة بنت عتبة ابن عبد شمس من سالم مولى أبي حذيفة، وقال له: والله إني لأزوجكها وأعلم أنك خير منها! فعاتبه على ذلك بعض من نكره ذكره فقال: أفي سالم تعاتبني وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: من أراد أن ينظر إلى رجل يحب الله بكل قلبه فلينظر إلى سالم.

стр. 59

مع أن لأبي بكر من حسن الأثر في حروب النبي - صلى الله عليه - ومن احتمال المكروه وتجرع المرار ما ليس لأحد. من ذلك أن أبا بكر خرج إلى ابنه عبد الرحمن بن أبي بكر ليبارزه يوم أحد، لأن عبد الرحمن طلع يوم أحد على فرس وهو مكفر في السلاح لا يرى منه إلا عيناه وهو يقول: [هل] من مبارز! ثلاثا، كل ذلك يقول: أنا عبد الرحمن بن عتيق. فنهض أبو بكر يسعى إليه بسيفه، فقال له النبي ﷺ حين رأى غضبه وحدته وعرف الذي عليه من الشدة في قتل ابنه: "شم سيفك وارجع إلى مكانك ومتعنا بنفسك". وإنما يمكن أبا بكر بذل الجهد، فإذا فعل ذلك فلا حال أفضل من حاله. فاجتمع له في ذلك أمران: أحدهما الثواب على شدة الاحتمال، والثاني صيانة النبي - صلى الله عليه - وإشفاقه عليه،

стр. 60

وقوله: "ارجع إلى مكانك ومتعنا بنفسك" فليس في الأرض معنى شريف فاضل من معاني الدين والدنيا إلا وهو في هذه الكلمة. وأبو بكر الذي لما رمي النبي ﷺ في يوم أحد أقبل يسعى، وإذا إنسان قبل المشرق يطير طيرانا، فلما رآه أبو بكر قال: اللهم اجعله طلحة! فلما توافيا عند النبي ﷺ إذا هو أبو عبيدة بن الجراح، فبدره أبو عبيدة وقال: أسألك بالله يا أبا بكر إلا تركتني فوليتني نزعها - يعني حدائد الزرد اللواتي نشبن في وجهه [و] جبينه من المغفر - فقال النبي ﷺ : عليكم صاحبكم! يعني طلحة. وثرم أبو عبيدة يومئذ من نزع حلقة امتنعت عليه. ولصنيع طلحة وأبي بكر وموقفهما قالوا: "يوم أحد لبني تيم! " لأن الذين صبروا مع النبي - صلى الله عليه - من المهاجرين والأنصار سبعة: أبو بكر وطلحة من تيم، وعبد الرحمن بن عوف من بني زهرة، وعلي من بني هاشم، والزبير من بني أسد، وأبو عبيدة من بني عامر. وإنما قالوا: "يوم أحد لبني تيم" لأنه لم يكن من كل قبيلة إلا رجل واحد من المهاجرين، وكان فيه رجلان من بني تيم كما ذكرنا. وكان من الأنصار سبعة: الحباب بن المنذر بن الجموح، وأبو دجانة، وعاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، والحارث بن الصمة، وسهل بن حنيف وأسيد بن حضير، وسعد بن معاذ. وأبو بكر أول من تكلم يوم بدر وحث الناس على الجهاد. وأبو بكر الذي لما قال النبي - صلى الله عليه - يوم الحديبية: "كيف ترون

стр. 61

يا معشر المسلمين في هؤلاء الذين قد ... إلينا من أطاعهم ليصدونا عن المسجد الحرام" قام أول الناس فقال: نرى - والله ورسوله أعلم - أن نمضي لوجهنا، فمن صدنا عن البيت الحرام قتلناه. وأبو بكر الذي لما أتى بديل بن ورقاء الخزاعي يوم الحديبية في نفر من أصحابه فأقبل على النبي ﷺ قال: يا محمد، لقد اغتررت بقتال قومك وإن قريشا ستقاتلكم عن ذراريهم وأموالهم، قد استنفروا الأحابيش وخرجوا إلى بَلْدَح، معهم العوذ المطافيل، والله ما أرى معك أحدا له وجه، مع أني أراكم قوما لا سلاح لكم، ولو قد عض هؤلاء الحديد لقد أسلموكم، قال أبو بكر: عضضت ببظر اللات، أنحن نسلمه؟ قال له بديل: أما والله لولا يد لك عندي لأجبتك، والله إني وقومي لنحب أن يظهر محمد! وأقبل عروة بن مسعود في نفر من قومه حتى أناخ راحلته عند النبي ﷺ وقال: إني تركت كعبا وعامرا على أعداد الحديبية معهم العوذ المطافيل، وما أرى معك أحدا أعرف وجهه ونسبه، وإنهم لخلقاء أن يخذلوك - والقوم سكوت - فغضب أبو بكر وقال: امصص ببظر اللات، أنحن نخذله؟ قال عروة: أما والله لولا يد لك عندي

стр. 62

لأجبتك! وكان عروة قد استعان في حمالة، فكان الرجل يعينه بالفريضتين والثلاث، فمشى إلى أبي بكر فأعطاه عشر فرائض. ألا ترى كثرة أياديه ونبله وامنعا، وحده وشهامته ورياسته؟ فبهذا وأشباهه يعرف قدر الرجل بمكة وفي قومه، وعند النبي ﷺ وجماعة أصحابه. ولو لم يعلم من شدة قلبه وصواب رأيه وقوة عزمه وقلة وحشته ويمن بركته إلا أن كبار المهاجرين دخلوا عليه، منهم عمر وعثمان وأبو عبيدة وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل في جمع كثيف من المهاجرين، فقالوا بأجمعهم: يا خليفة رسول الله، إن العرب قد انتقضت عليك، وإنك لن تصنع بتفريق هذا الجيش المنتشر شيئا، اجعلهم عدة لأهل الردة ترمي بهم نحورهم، وأخرى أنا لا نأمن على المدينة أن يغار عليها وفيها الذراري والنساء، فلو استأنيت بغزو الروم حتى يضرب الإسلام بجرانه ويعود أهل الردة إلى ما خرجوا منه [أ] ويفنيهم السيف، ثم تبعث أسامة حينئذ، فتكون قد أنفذت الجيش كما أمر النبي ﷺ وقد دفعت بهم أهل الردة، ولأنا نخاف الروم أن تزحف إلينا يومنا هذا. فلما استوعب أبو بكر كلامهم قال: هل منكم أحد يريد أن يقول شيئا؟ قالوا: قد سمعت مقالتنا. قال: والذي نفسي بيده لو ظننت أن السباع تأكلني لأنفذت هذا البعث، ولا بدأت بأولى منه، والنبي ﷺ ينزل عليه الوحي من السماء وهو يقول: "أنفذوا جيش أسامة".

стр. 63

فلما رأى إبطاءهم عن ذلك وتلكؤهم خرج وحده مغضبا نحو أهل الردة حتى لحقه المهاجرون والأنصار في المسلمين، فقالوا: تكفى يا خليفة رسول الله، وننفذ لأمرك، والصواب ما رأيت. فلو لم تعلم من شدة قلبه واجتماع رأيه وقلة وحشته إلا هذا كان كافيا. وأبو بكر الذي ولاه النبي - صلى الله عليه - يوم حنين ميمنته، وولى عمر ميسرته، فلم يكن النبي - صلى الله عليه - ليستكفيهما أهم المواضع إليه وهما لا يكفيانه. ولقد انكشف الناس وثبتا في مواضعهما. وكان أقرب القوم إلى النبي ﷺ يومئذ - إذ كان لا بد لصاحب الميمنة والميسرة من أن يكون أبعد ممن يكون في القلب - أبو سفيان بن الحارث، والعباس بن عبد المطلب، والفضل بن عباس، وربيعة بن الحارث، وأيمن بن عبيد أخو أسامة بن زيد لأمه، وصبر مع النبي ﷺ بعد هؤلاء مائة وثلاثة وثلاثون من المهاجرين، وسبعة وستون من الأنصار. ومما نعرف به شدة شكيمته وصدق وصرامة رأيه قوله للمسلمين يوم توفي النبي ﷺ حيث قام خطيبا وبالمدينة منافقون لا يألونهم خبالا يعضون عليهم الأنامل من الغيظ، وقد انتقض ما حول المدينة، فكان مما قال في خطبته:

стр. 64

من كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، فليعبده، ومن كان يعبد محمدا أو يراه إلها فقد هلك إلهه، فاتقوا الله أيها الناس، واعتصموا بدينكم، وتوكلوا على ربكم، فإن دين الله قائم، وكلمة الله قائمة، والله ناصر من نصره، ومعز دينه، وإن كتاب الله بين أظهركم، وهو النور والشفاء، وبه هدى الله محمدا، وفيه حلال الله وحرامه. ثم قال: والله ما نبالي من أجلب علينا من خلق الله، إن سيوف الله المسلولة ما وضعناها عن عواتقنا، ولنجاهدن من خالفنا، فقد جاهدنا مع رسول الله - صلى الله عليه -، فلا يبقين مبق إلا على نفسه. وإنما قال: "من كان يعبد محمدا أو يراه إلها فقد هلك إلهه" لأنه كان سمع من عثمان بن عفان وعمر بن الخطاب في ذلك كلاما قبيحا حتى ماج الناس في ذلك وقالوا: والله ما مات، ولكن الله رفعه كما رفع عيسى بن مريم، في كلام سنذكره بعد هذا إن شاء الله. ومما يدل على خاصة مكانه وتقديم الناس له، ومعرفة الجميع لفضله، الذي كان من صنيع رسول الله ﷺ ومن صنيع جميع المسلمين، ومن صنيع كفار قريش به، حيث فزعت إليه في أمر أسارى بدر دون غيره. لأنهم لما حبسوا ببدر واقترع المسلمون عليهم طمعوا في الحياة، فقالوا بأجمعهم: لو بعثنا إلى أبي بكر فإنه أوصل قريش لأرحامنا، ولا نعلم أحدا آثر عند محمد منه! فبعثوا إلى أبي بكر فأتاهم فقالوا: يا أبا بكر، إن فينا الآباء والأبناء، والإخوان والعمومة، وبني العم، وأبعدنا قريب، فكلم صاحبك يمن علينا أو يفادينا، قال: نعم لا آلو كم إن شاء الله خيرا! ثم انصرف إلى النبي - صلى الله عليه -.

стр. 65

فقالوا: ولو بعثنا إلى عمر، فإنا لا نأمن أن يفسد علينا، فلعله أن يكف عنا شره! فأرسلوا إليه فجاءهم. فقالوا مثل قولهم لأبي بكر، فقال: لا آلوكم إن شاء الله شرا! ثم انصرف إلى النبي - صلى الله عليه - وإذا الناس حول النبي، وأبو بكر يفثؤه ويلينه وهو يقول: يا رسول الله بأبي أنت وأمي، قومك فيهم الآباء والأبناء، والعمومة والإخوان، وبنو العم، وأبعدهم منك قريب، فامنن عليهم من الله عليك، أو فادهم يستنقذهم الله بك من النار، فما أخذت منهم فهو قوة للمسلمين، ولعل الله أن يقبل بقلوبهم! ثم قام فتنحى ناحية وسكت النبي - صلى الله عليه - وجاء عمر فجلس مجلس أبي بكر فقال: يا نبي الله، هم أعداء الله كذبوك وقاتلوك وأخرجوك، اضرب أعناقهم فإنهم رؤوس الكفر، وأئمة الضلالة، يعز الله بذلك الإسلام ويذل الشرك! فسكت النبي ﷺ وعاد أبو بكر إلى مجلسه وإلى مثل ذلك الكلام، ثم تنحى وقام عمر فجلس مجلسه وأعاد مثل الكلام الأول، ثم تنحى عمر وجلس أبو بكر، ثلاث مرات. فسكت النبي ﵇، ثم قام فدخل قبته فمكث ساعة وخرج والناس يخوضون، يقول بعضهم: القول ما قال أبو بكر، وبعضهم يقول: القول ما قال عمر. فخرج النبي ﷺ فقال: ما تقولون في صاحبيكم؟ دعوهما فإن لهما مثلا: مثل أبي بكر في الملائكة مثل ميكائيل ينزل بالرضا والعفو، ومثله في الأنبياء مثل إبراهيم كان ألين على قومه من العسل، أوقد له قومه النار فطرحوه فيها، فما زاد على أن قال: ﴿أف لكم

стр. 66

ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون﴾ وقال: ﴿فمن تبعني فإنه منى ومن عصاني فإنك غفور رحيم﴾ ومثله كمثل عيسى إذ يقول: ﴿إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم﴾ ومثل عمر في الملائكة مثل جبريل ينزل بالسخط من الله والنقمة، ومثله في الأنبياء مثل نوح كان أشد على قومه من الحجارة إذ يقول: ﴿رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا﴾ فدعا عليهم دعوة أغرق الله بها الأرض جميعا. ومثله مثل موسى إذ يقول: ﴿ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم﴾. فهذا يدل على أنه كان المفزع والشفيع، والخاصة والثقة وموضع الفضيلة. وقبل ذلك لما قص النبي ﷺ على أهل مكة كيف أسري به، قالت قريش على التكذيب له - صلى الله عليه -: والله إن العير لتطرد شهرا من مكة إلى الشام ثم يكون إقبالها شهرا، وزعم محمد أنه مضى إلى بيت المقدس ورجع من ليلته! فأتوا بأجمعهم أبا بكر ليحتجوا بذلك عليه وليعرفوه خطأه في اتباعه عند أنفسهم، وظنوا أن الجواب في ذلك يمتنع إذ كان قد امتنع عليهم. فأتوا أبا بكر فقالوا: هلك صاحبك! - ألا ترى أنه المذكور بالصحبة، وموضع الحاجة، وأنه المبتدأ والمفزع - زعم أنه أتى بيت المقدس في ليلة وغدا علينا! قال أبو بكر: إنكم تكذبون عليه، ولئن كان قاله لقد صدق، فما تعجبون من ذلك؟ فوالله إنه ليخبرنا أن الخبر يأتيه من السماء

стр. 67

إلى الأرض في ساعة من ليل أو نهار فأصدقه، فهذا أبعد من مصر. ثم نهض أبو بكر إلى النبي - صلى الله عليه - ليسأله عن القضية، فأقبل النبي ﷺ يصف له وهو يقول: صدقت صدقت، أشهد أنك رسول الله. قال النبي - صلى الله عليه -: وأنت الصديق. وقد كان أبو بكر الصديق أتى الشام وعرف طرقها وأمورها، وقلبها وعرف جميع ما فيها. ثم الذي كان من تقديم النبي - صلى الله عليه - له والمسلمين في قضية الحديبية. وذلك أنهم كتبوا كتابا: هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله وسهيل بن عمرو، اصطلحا على وضع الحرب عشر حجج يأمن فيها الناس ويكف بعضهم عن بعض، على أنه لا إسلال ولا إغلال، وعلى أن من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده فعل، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدها فعل، وعلى أنه من أتى منهم محمدا بغير إذن رده، ومن أتى قريشا من أصحاب محمد لم ترده، وعلى أن محمدا يرجع عامه هذا بأصحابه، ويدخل عليهم قابلا في أصحابه فيقيم ثلاثا، لا يدخل علينا السلاح إلا سلاح المسافر، السيوف في القرب. شهد أبو بكر بن أبي قحافة وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وأبو عبيدة بن الجراح ومحمد بن مسلمة؛ وشهد حويطب بن عبد العزى ومكرز بن حفص بن الأخيف.

стр. 68

ألا ترى أنه كان أول شاهد من المسلمين في صدر الكتاب، والناس كلهم بعده. ونحر رسول الله ﷺ الجمل عن سبعة. فأول خلق الله سمى أبو بكر ثم عمر، ثم فلان ثم فلان. فهذا هذا. ثم لما تحاجز الناس يوم أحد وأراد أبو سفيان الانصراف أقبل يسير على فرس له أنثى قد أشرف على أصحاب النبي - صلى الله عليه - في عرض الجبل ينادي بأعلى صوته: أين ابن أبي كبشة؟ يعني النبي ﷺ . أين ابن أبي قحافة؟ أين ابن الخطاب؟ يوم بيوم بدر، ألا إن الأيام دول والحرب سجال، وحنظلة بحنظلة! قال عمر: ألا أجيبه يا رسول الله؟ قال: بلى. قال أبو سفيان: اعل هبل! قال عمر: الله أعلى وأجل. قال أبو سفيان: لنا عزى ولا عزى لكم! قال عمر: الله مولانا ولا مولى لكم. فلو لم يكن أبو بكر أفضل من شهد أحدا وأنبه، أو أغيظ لأبي سفيان والمشركين، ما جعله أبو سفيان - وهو رئيس القوم - ثانيا، والذي يتلو النبي - صلى الله عليه - في النداء والمخاطبة، حين يقول: أين ابن أبي كبشة؟ ثم يقول: أين ابن أبي قحافة. فهذا هذا.

стр. 69

وفي نزول أبي بكر قبر حمزة قبل كل نازل بأمر رسول الله - صلى الله عليه - دليل على الفضيلة والنباهة، والقدر والوزارة. ولما دخل أبو سفيان المدينة أتى النبي - صلى الله عليه - وقال: يا محمد، إني كنت غائبا في صلح الحديبية فاشدد العهد وزدنا في المدة. قال: أولذلك قدمت يا أبا سفيان؟ قال: نعم. قال: فهل كان فيكم من حدث؟ قال: معاذ الله. قال النبي ﷺ : فنحن على مدتنا وصلحنا، لا نبدل ولا نغدر. فلما خرج من عنده بدأ بأبي بكر فقال له: هل لك إلى أن تجير بين الناس؟ قال أبو بكر: جواري في جوار رسول الله. ثم خرج من عنده فأتى عمر فكلمه بمثل ذلك، قال عمر: إني لو وجدت الذر تقاتلكم لأعنتها عليكم! قال أبو سفيان: جزيت من ذي رحم شرا! ثم أتى عثمان، ثم أتى فاطمة، ثم أتى عليا. ألا ترى كيف جعلوه المقصد والمعتمد قبل الناس وبعد رسول الله - صلى الله عليه -، ولو لم يكن حال عند أبي سفيان من النبي - صلى الله عليه - فوق كل حال ما بدأ به قبل جميع من نزع إليه. فهذا هذا. ثم الذي كان من تقريب النبي ﵇، وإكرامه له يوم فتح مكة، وهي الدار التي خرجا منها هاربين معا ثم رجعا إليها آمنين معا، يتسايران ويتحدثان، حيث طلع النبي ﷺ على العباس وأبي سفيان، والنبي ﵇ بين أبي بكر وأسيد بن حضير، أبو بكر عن يمينه. وقبل ذلك في الطريق كان بين أبي بكر وعمر، أبو بكر عن يمينه

стр. 70

وعمر عن يساره. فلما صارت الخيل بذي طوى بين الخندمة إلى الحجون، مر النبي - صلى الله عليه - وأبو بكر يسايره وحده، وإذا بنات أبي أحيحة قد نشرن شعورهن يلطمن وجوه الخيل بالخمر، فنظر النبي - صلى الله عليه - إلى أبي بكر وتبسم وقال: كيف كان قال حسان: • يلطمهن بالخمر النساء * قال أبو بكر: • تظل جيادنا متمطرات * فهذه حاله وخاصته ومكانه وارتفاع قدره. ألا تراهما خرجا من مكة هاربين مستخفيين مصطحبين، ثم رجعا آمنين ظافرين معلنين مصطحبين. وصعد أبو قحافة الجبل بصغرى بناته وهو يومئذ مكفوف، فبكت بنته فقال لها: لا تخافي فإن أخاك عتيقا أكبر الناس عنده! فلما دخلوا مكة أقبل أبو بكر بأبيه وهو يومئذ شيخ مكفوف له غديرتان كأن رأسه ثغامة، حتى هجم به على النبي - صلى الله عليه - وقال: أتيتك بأبي يا رسول الله ليسلم. قال النبي - صلى الله عليه -: هلا تركت الشيخ في رحله حتى آتيه. فمسح النبي - صلى الله عليه - يده على صدره، ودعاه إلى الإسلام فأسلم. وهذا كله يدل على تقديم النبي - صلى الله عليه - له. كما نقل الفقهاء أن النبي - صلى الله عليه - أتي بعس من لبن وهو في أصحابه، وأبو بكر عن يساره ورجل من الأعراب عن يمينه، وأصحابه قد أحبوا سؤره، فشرب النبي وأهوى بالقدح نحو الأعرابي. قال عمر:

стр. 71

أبو بكر يا رسول الله! قال النبي - صلى الله عليه -: الأيمن فالأيمن. ولم ينقلوا هذا الحديث ليخبروا عن فضيلة أبي بكر ولا عن قرب مقعده ولا عن تقديم عمر له، ولا أن عادة النبي ﷺ كانت التقديم له، ولا قال عمر ذلك على التذكير له. وإنما أرادوا أن يخبروا عن سنة النبي ﷺ في الشرب، وعن فضيلة اليمين على اليسار، وعن التعريف لحرمة المجلس. ولو كان هذا الخبر في علي وعثمان ما كان الأمر إلا كما أخبروا أنهم لم يقصدوا في الحديث إلا تفضيل اليمين على اليسار. فإن قالوا: فإن عليا كان أفقه من أبي بكر وأعلم بالحرام والحلال منه. والدليل على ذلك أن كثرة ما نقلوا إلينا من اختياراته وأقاويله في الحادثات، من الحلال والحرام، وأبواب الفقه والفتيا والتأويل، مع كثرة الرواية المسندة، وكان يسأل ولا يسأل، ولم يرجع عن شئ قط، وليس أحد من أصحاب النبي ﷺ إلا وله رجعة وأكثر من ذلك، ولم يسمع لأبي بكر بفتيا كثير ولا كثير رواية، ورأس الدين الفقه فيه والعلم به. فلما كان أبو بكر وعلي بن أبي طالب على ما وصفنا وذكرنا، علمنا أن أفقههما أفضل فضلا وأولى بالإمامة، لأن عمل الفقه أفضل من غيره، لأن أولى الناس بالمسلمين أعلمهم بدينهم، لأن من علم الدين لم يجهل أمر الدنيا، لأن أمور الدنيا مياسرة أو شبيه بعلم المياسرة، وعلم الدين مستنبط وتأويله غامض. قالت العثمانية عند ذلك: أما العدل والقسط فأن ننظر يوم توفي النبي ﷺ ، وأبو بكر وعلي حيان ظاهر أمرهما، معروف قدرهما

стр. 72

واحتمالهما للعلم والعمل. فلعمري لئن كان لعلي من طول الصحبة وكثرة السماع ومفاوضة الرسول الأ [مر]، والمعرفة، وكثرة الإرشاد للأمة وصحة الرأي وكثرة الصواب، وكان الناس إليه أشد فزعا [و] ظهر من روايته وحاجة الناس إلى فقهه في حياة رسول الله ﷺ وأيام وفاته وأيام أبي بكر، أكثر مما ظهر من أبي بكر في ذلك الدهر، إنه لأفقه منه في الدين وأعلم بأبواب الدنيا. [و] لئن كان إنما كثر مما نقل الناس عنه لأنه عاش والحادثات تحدث، وبقي حتى كان يستفتى ويفتي ويسأل ويجيب، ويروى عنه في الزمان الذي كان يستفتى فيه مثل أبي هريرة، وأنس بن مالك، وابن عمر، وابن الزبير، وعبد الله بن عمرو، فكان ذلك منه أيام أبي بكر وهي سنتان، وأيام عمر وهي عشر سنين، وأيام عثمان وهي اثنتا عشرة سنة، وأيام نفسه وهي خمس سنين، فليس في ذلك حجة ولا دليل، لأنك تحصي ما يقول الرجل في الدهر الطويل مع كثرة الحادثات، وما يقول الرجل في الدهر القصير مع قلة الحادثات. وإنما ينبغي أن ننظر يوم توفى النبي - صلى الله عليه - من كان أفضل المسلمين، وأفقه في الدين، وأعرف بالأمور، وأصوب رأيا وأشد احتمالا في ذلك الوقت الذي اختير فيه للخلافة، ونحن نعلم أن عليا لو عاش إلى دهر الحسن وابن سيرين لكان قد ازداد فقها وعلما وتجربة على قدره يوم استشهد ﵁. ولا يجوز أن نقدر الرجل بقدر طول الزمان وكثرة الحادثات، وبقدر قصر الزمان وقلة الحادثات. فلئن صح عندنا وعندكم أن أمورا

стр. 73

حدثت، وبلايا نزلت في زمن أبي بكر وأيام وفاة النبي - صلى الله عليه -، من حلال وحرام أو سياسة جند أو سد ثغر أو تدبير حرب، أو استصلاح عوام، أو ترتيب خواص، فظهر فيه من رأي علي وصوابه وحسن نظره وإرشاده ما لم يظهر من أبي بكر - فقد أفلح من زعم أن عليا كان أفقه منه فقها، وأصوب رأيا، وأشد للأمور احتمالا! مع أنا قد نجد عنده من دقائق الفتيا وغامضه وعويصه ما لم يبتل به أحد ولا يبتلى به أحد أبدا. ولعل ذلك لا يصاب عند الإمام إلا في جملة الأمور وأصولها. ثم لو دهم الناس عدو، أو حزبهم أمر، أو أعضل بهم ملم من فاتق يختطب الملك بتأويل قد زخرفه، ومن انتشار جند أو اضطراب عوام، أو بدعة شاملة، لم يكن عنده من الغناء والاحتمال والمعرفة بعلاج أدوائها والتأتي لاستصلاحها قليل وكثير. وإنما مدار الأمور على أصالة الرأي، واتساع الصدر، وقوة العزم. فإن كنا لم نجد لعلي مما ذكرنا شيئا يفضل به أبا بكر في ذلك الدهر فإنا نستدل على صواب رأيه واتساع صدره، وأنه كان المفزع والمرشد بعد رسول الله في المعضلات وعند الشبهات والحادثات، والناس في ذلك الدهر بين مستمع مرشد وبين مستمع مسلم، وبين مطرق واجم وبين خائض قد رنحه الحادثات، واستبهم عليه وجه الصواب، كالذي كان من المسلمين لما اصطلحوا على القضية يوم الحديبية، لأنهم لما صاروا إلى الكتاب وتراضى النبي ﷺ وسهيل بن عمرو

стр. 74

على أن يكتب في الكتاب: "وعلى [أن] من أتى قريشا ممن كان على دين محمد بغير إذن لم ترده إليه" فبلغ من أمر الناس والذي دخل عليهم أن اضطربت قلوبهم، حتى إن النبي - صلى الله عليه - قال لأصحابه بعد انصراف سهيل بن عمرو: "قوموا فانحروا وأحلوا واحلقوا". يقولها ثلاثا، كل ذلك ينظرون في وجهه ويسمعون قوله ولا يطيعون أمره، حتى غضب النبي ﷺ فدخل على أم سلمة فأخبرها بذلك متعجبا، وكانت معه في تلك السفرة، قالت أم سلمة: "انطلق أنت يا رسول الله إلى الهدي فانحره، فإنهم سيقتدون بك". فكان أول من وثب عند الكتاب عمر وهو يقول: يا رسول الله، ألسنا بالمسلمين؟ قال النبي - صلى الله عليه -: بلى. قال: فعلام نعطى الدنية في ديننا؟ قال النبي ﵇: أنا عبد الله ورسوله، ولن أخالف أمره". فأقبل أبو بكر على عمر فقال: يا عمر، الزم غرزه فإني أشهد أنه رسول الله، وأن الحق ما أمر [به]، ولن يضيعه الله. ثم إن عمر بن الخطاب عاد إلى أبي بكر فسأله فقال أبو بكر: سلم لله ولرسوله واتهم رأيك. وقال أبو عبيدة: لا نعطي الدنية أبدا! فقال أبو بكر: يا عم إنها ليست بدنية، ولو كانت دنية ما أعطاها النبي - صلى الله عليه - وتأباها أنت، وما كان الله ليرضى بذلك.

стр. 75

أوما علمت أنه لم يكن في الجميع أشد في ذلك من علي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب؟ وذلك أن عليا هو كان كاتب كتاب القضية، فلما كتب: "هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله" قال المشركون: لو نعلم أنك رسوله ما حاربناك، ولكن اكتب: "محمد بن عبد الله"، فقال النبي لعلي: امحها يا علي. فقال علي: والله لا محوتها أبدا! قال النبي ﷺ : أرني مكانها. فأراها فمحاها وكتب: "محمد بن عبد الله". قال أبو بكر: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، إن هذا كله حدب على الإسلام وغضب له، ولكنهم لم يطلعوا من الأمور ما تطلعه الرسل. فهذا موقف لأبي بكر مشهور. وإنما عظمت الفتنة على أصحاب النبي - صلى الله عليه - لأنهم خرجوا لا يشكون في الفتح، لرؤيا النبي - صلى الله عليه - أنه حلق رأسه ودخل البيت وأخذ مفتاح الكعبة وعرف مع المعرفين، ثم تجهز في تلك الأيام وهو يريد مكة عندهم وقد كان تلا عليهم: ﴿لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم﴾ الآية. فلما رأوا الصلح والشرط وعاينوا الرجوع اضطربوا لذلك، مع الذي كان في نفوسهم من قوله: "إن أتى قريشا أحد ممن كان على دين محمد لم ترده، ومن أتى محمدا ممن هو على دين قريش رده". فأخرجهم ما ذكرت لك إلى ما ذكرت قبل. وأقبل عمر على أبي بكر فقال: يا أبا بكر، أليس قد أخبرنا النبي - صلى الله عليه - عن الله وتلا علينا القرآن: ﴿لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤسكم ومقصرين﴾؟ قال أبو بكر: نعم.
следующие страницы →