Полный текст (277 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
أبو بكر يا رسول الله! قال النبي - صلى الله عليه -: الأيمن فالأيمن.
ولم ينقلوا هذا الحديث ليخبروا عن فضيلة أبي بكر ولا عن قرب مقعده ولا عن تقديم عمر له، ولا أن عادة النبي ﷺ كانت التقديم له، ولا قال عمر ذلك على التذكير له. وإنما أرادوا أن يخبروا عن سنة النبي ﷺ في الشرب، وعن فضيلة اليمين على اليسار، وعن التعريف لحرمة المجلس.
ولو كان هذا الخبر في علي وعثمان ما كان الأمر إلا كما أخبروا أنهم لم يقصدوا في الحديث إلا تفضيل اليمين على اليسار.
فإن قالوا: فإن عليا كان أفقه من أبي بكر وأعلم بالحرام والحلال منه. والدليل على ذلك أن كثرة ما نقلوا إلينا من اختياراته وأقاويله في الحادثات، من الحلال والحرام، وأبواب الفقه والفتيا والتأويل، مع كثرة الرواية المسندة، وكان يسأل ولا يسأل، ولم يرجع عن شئ قط، وليس أحد من أصحاب النبي ﷺ إلا وله رجعة وأكثر من ذلك، ولم يسمع لأبي بكر بفتيا كثير ولا كثير رواية، ورأس الدين الفقه فيه والعلم به. فلما كان أبو بكر وعلي بن أبي طالب على ما وصفنا وذكرنا، علمنا أن أفقههما أفضل فضلا وأولى بالإمامة، لأن عمل الفقه أفضل من غيره، لأن أولى الناس بالمسلمين أعلمهم بدينهم، لأن من علم الدين لم يجهل أمر الدنيا، لأن أمور الدنيا مياسرة أو شبيه بعلم المياسرة، وعلم الدين مستنبط وتأويله غامض.
قالت العثمانية عند ذلك: أما العدل والقسط فأن ننظر يوم توفي النبي ﷺ ، وأبو بكر وعلي حيان ظاهر أمرهما، معروف قدرهما
стр. 72
واحتمالهما للعلم والعمل. فلعمري لئن كان لعلي من طول الصحبة وكثرة السماع ومفاوضة الرسول الأ [مر]، والمعرفة، وكثرة الإرشاد للأمة وصحة الرأي وكثرة الصواب، وكان الناس إليه أشد فزعا [و] ظهر من روايته وحاجة الناس إلى فقهه في حياة رسول الله ﷺ وأيام وفاته وأيام أبي بكر، أكثر مما ظهر من أبي بكر في ذلك الدهر، إنه لأفقه منه في الدين وأعلم بأبواب الدنيا.
[و] لئن كان إنما كثر مما نقل الناس عنه لأنه عاش والحادثات تحدث، وبقي حتى كان يستفتى ويفتي ويسأل ويجيب، ويروى عنه في الزمان الذي كان يستفتى فيه مثل أبي هريرة، وأنس بن مالك، وابن عمر، وابن الزبير، وعبد الله بن عمرو، فكان ذلك منه أيام أبي بكر وهي سنتان، وأيام عمر وهي عشر سنين، وأيام عثمان وهي اثنتا عشرة سنة، وأيام نفسه وهي خمس سنين، فليس في ذلك حجة ولا دليل، لأنك تحصي ما يقول الرجل في الدهر الطويل مع كثرة الحادثات، وما يقول الرجل في الدهر القصير مع قلة الحادثات. وإنما ينبغي أن ننظر يوم توفى النبي - صلى الله عليه - من كان أفضل المسلمين، وأفقه في الدين، وأعرف بالأمور، وأصوب رأيا وأشد احتمالا في ذلك الوقت الذي اختير فيه للخلافة، ونحن نعلم أن عليا لو عاش إلى دهر الحسن وابن سيرين لكان قد ازداد فقها وعلما وتجربة على قدره يوم استشهد ﵁.
ولا يجوز أن نقدر الرجل بقدر طول الزمان وكثرة الحادثات، وبقدر قصر الزمان وقلة الحادثات. فلئن صح عندنا وعندكم أن أمورا
стр. 73
حدثت، وبلايا نزلت في زمن أبي بكر وأيام وفاة النبي - صلى الله عليه -، من حلال وحرام أو سياسة جند أو سد ثغر أو تدبير حرب، أو استصلاح عوام، أو ترتيب خواص، فظهر فيه من رأي علي وصوابه وحسن نظره وإرشاده ما لم يظهر من أبي بكر - فقد أفلح من زعم أن عليا كان أفقه منه فقها، وأصوب رأيا، وأشد للأمور احتمالا! مع أنا قد نجد عنده من دقائق الفتيا وغامضه وعويصه ما لم يبتل به أحد ولا يبتلى به أحد أبدا. ولعل ذلك لا يصاب عند الإمام إلا في جملة الأمور وأصولها. ثم لو دهم الناس عدو، أو حزبهم أمر، أو أعضل بهم ملم من فاتق يختطب الملك بتأويل قد زخرفه، ومن انتشار جند أو اضطراب عوام، أو بدعة شاملة، لم يكن عنده من الغناء والاحتمال والمعرفة بعلاج أدوائها والتأتي لاستصلاحها قليل وكثير. وإنما مدار الأمور على أصالة الرأي، واتساع الصدر، وقوة العزم.
فإن كنا لم نجد لعلي مما ذكرنا شيئا يفضل به أبا بكر في ذلك الدهر فإنا نستدل على صواب رأيه واتساع صدره، وأنه كان المفزع والمرشد بعد رسول الله في المعضلات وعند الشبهات والحادثات، والناس في ذلك الدهر بين مستمع مرشد وبين مستمع مسلم، وبين مطرق واجم وبين خائض قد رنحه الحادثات، واستبهم عليه وجه الصواب، كالذي كان من المسلمين لما اصطلحوا على القضية يوم الحديبية، لأنهم لما صاروا إلى الكتاب وتراضى النبي ﷺ وسهيل بن عمرو
стр. 74
على أن يكتب في الكتاب: "وعلى [أن] من أتى قريشا ممن كان على دين محمد بغير إذن لم ترده إليه" فبلغ من أمر الناس والذي دخل عليهم أن اضطربت قلوبهم، حتى إن النبي - صلى الله عليه - قال لأصحابه بعد انصراف سهيل بن عمرو: "قوموا فانحروا وأحلوا واحلقوا". يقولها ثلاثا، كل ذلك ينظرون في وجهه ويسمعون قوله ولا يطيعون أمره، حتى غضب النبي ﷺ فدخل على أم سلمة فأخبرها بذلك متعجبا، وكانت معه في تلك السفرة، قالت أم سلمة: "انطلق أنت يا رسول الله إلى الهدي فانحره، فإنهم سيقتدون بك". فكان أول من وثب عند الكتاب عمر وهو يقول: يا رسول الله، ألسنا بالمسلمين؟ قال النبي - صلى الله عليه -: بلى. قال: فعلام نعطى الدنية في ديننا؟ قال النبي ﵇: أنا عبد الله ورسوله، ولن أخالف أمره". فأقبل أبو بكر على عمر فقال: يا عمر، الزم غرزه فإني أشهد أنه رسول الله، وأن الحق ما أمر [به]، ولن يضيعه الله.
ثم إن عمر بن الخطاب عاد إلى أبي بكر فسأله فقال أبو بكر: سلم لله ولرسوله واتهم رأيك.
وقال أبو عبيدة: لا نعطي الدنية أبدا! فقال أبو بكر: يا عم إنها ليست بدنية، ولو كانت دنية ما أعطاها النبي - صلى الله عليه - وتأباها أنت، وما كان الله ليرضى بذلك.
стр. 75
أوما علمت أنه لم يكن في الجميع أشد في ذلك من علي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب؟ وذلك أن عليا هو كان كاتب كتاب القضية، فلما كتب: "هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله" قال المشركون: لو نعلم أنك رسوله ما حاربناك، ولكن اكتب: "محمد بن عبد الله"، فقال النبي لعلي: امحها يا علي. فقال علي: والله لا محوتها أبدا! قال النبي ﷺ : أرني مكانها. فأراها فمحاها وكتب: "محمد بن عبد الله". قال أبو بكر: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، إن هذا كله حدب على الإسلام وغضب له، ولكنهم لم يطلعوا من الأمور ما تطلعه الرسل. فهذا موقف لأبي بكر مشهور.
وإنما عظمت الفتنة على أصحاب النبي - صلى الله عليه - لأنهم خرجوا لا يشكون في الفتح، لرؤيا النبي - صلى الله عليه - أنه حلق رأسه ودخل البيت وأخذ مفتاح الكعبة وعرف مع المعرفين، ثم تجهز في تلك الأيام وهو يريد مكة عندهم وقد كان تلا عليهم: ﴿لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم﴾ الآية. فلما رأوا الصلح والشرط وعاينوا الرجوع اضطربوا لذلك، مع الذي كان في نفوسهم من قوله: "إن أتى قريشا أحد ممن كان على دين محمد لم ترده، ومن أتى محمدا ممن هو على دين قريش رده". فأخرجهم ما ذكرت لك إلى ما ذكرت قبل.
وأقبل عمر على أبي بكر فقال: يا أبا بكر، أليس قد أخبرنا النبي - صلى الله عليه - عن الله وتلا علينا القرآن: ﴿لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤسكم ومقصرين﴾؟ قال أبو بكر: نعم.
стр. 76
قال عمر: فما باله رجع بنا ولم ندخلها؟ قال له أبو بكر: وهل قال لك متى؟ إنما قال: لتدخلن، وأنتم داخلوها لا محالة، وإنما كان لك مقالا لو ضرب لك أجلا فرأيت خلافه، واعلم أن الحق ما قال وصنع.
فلم يبق في قلب مخلص جهلا بموضع الحجة في ذلك، ولا في قلب مستريب دخله الشك شيئا إلا أصلحه. فبهذا وشبهه نعرف إخلاص الرجل وقدره، وسعة صدره، وكثرة علمه.
ثم أخرى، أنقذ الله به من الضلالة، والناس بين ساكت لا غناء عنده، أو خائض مستريب يحتاج إلى التعريف، أو موقن يحتاج إلى المادة وتلقين الحجة.
من ذلك أن النبي ﷺ لما توفي اقتحم الناس عليه في منزل عائشة، فلما نظروا إليه مسجى دخلهم أمر عظيم أذهلهم وحير عامتهم، حتى قالوا: لم يمت، وكيف يموت وهو شهيد علينا ونحن شهداء على الناس؟ وكيف يموت وقد قال الله: ﴿ليظهره على الدين كله﴾ ولم يظهر بعد؟
وكان عثمان بن عفان وعمر بن الخطاب يرددان هذه الآيات، وتوعدا أصحاب النبي - صلى الله عليه -: من قال إنه مات. وثاروا في حجرة عائشة وعلى الباب: لم يمت!
وكان أول من رآه مسجى فأنكر موته عثمان، وقال: إنه والله ما مات، ولكن الله رفعه إليه كما رفع عيسى بن مريم! والله لا نسمع أحدا يقول مات إلا قطعنا لسانه!
واضطرب الناس وماجوا. وقام عمر في الناس خطيبا فقال:
стр. 77
لا أسمعن أحدا يقول إن محمدا مات، وإن محمدا لم يمت، ولكن الله رفعه، أرسل إليه كما أرسل إلى موسى ﵇ فلبث عند قومه أربعين ليلة، وإني لأرجو أن يقطع الله أيدي رجال وأرجلهم يزعمون أن محمدا مات!
فبينما الناس هكذا إذ أقبل أبو بكر، على فرس له من السنح، فسمع مقالة عمر وما يقوله الناس وما خاضوا فيه، فبدأ بالنبي ﷺ فدخل عليه وهو مسجى، فكشف عن وجهه فقبله، ثم أقبل نحو المنبر وقال: أيها ... الحالف على رسلك! فلما رآه عمر قعد، وقام أبو بكر خطيبا ثم قال: أيها الناس اجلسوا وأنصتوا، ثم حمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي ﷺ ثم قال: أيها الناس، إن الله قد نعى نبيكم إلى نفسه وهو حي بين أظهركم ونعاكم إلى أنفسكم، فهو الموت حتى لا يبقى أحد، ألم تعلموا أن الله قال: ﴿إنك ميت وإنهم ميتون﴾.
قال عمر: بأبي أنت وأمي! فسكت الناس وأظهروا التسليم، وعرفوا الحق وبكوا، كأنهم لم يكونوا سمعوا بهذه الآية قط.
ثم تلا: ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم﴾ ثم تلا: ﴿كل نفس ذائقة
стр. 78
الموت﴾ ثم تلا: ﴿كل شئ هالك إلا وجهه﴾ ثم مر في خطبته المشهورة المعروفة. فهذا هذا.
ثم أقبل على عمر وعثمان فقال: قال الله: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا﴾ يقول: إنكم شهداء على من تلقون ممن لم يلق النبي - صلى الله عليه -، كما كان النبي - صلى الله عليه - عليكم شهيدا. وقال الله: ﴿ليظهره على الدين كله﴾ وإنما أراد دينه، والله متم نوره ومظهر دينه، فإذا أظهر دينه فقد أظهره.
فهذا علمه وقدره وفهمه وحاجة الناس إليه.
ثم الذي كان من مشي المهاجرين والأنصار إليه وكلامهم له، ليقبل الصلاة من العرب ويترك الزكاة، وقالوا: إنهم لو قد صلوا لقد زكوا. قال: والله لو منعوني عقالا مما أعطوه النبي - صلى الله عليه - لجاهدنهم عليه. فقال له المهاجرون والأنصار: أوليس قد قال النبي ﵇: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها حقنوا بها دماءهم وأموالهم" قال أبو بكر: إن فيها "إلا بحقها" قالوا: صدقت. ألا ترى إلى أنه قد علم الجميع ما لم يعلموا، أو صيرهم إلى رأيه بقدر المخالفة له.
стр. 79
ونقلوا إلينا أن الأنصار قالت: يا خليفة رسول الله، أليس قد قال النبي - صلى الله عليه -: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها حجبوا بها دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله" قال أبو بكر: فهذا من حقها، والله لو كنت وحدي لجاهدتهم حتى أقتل أو يظهر الله الحق ويزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا.
ثم مضى نحو أهل الردة يريدهم مغضبا حتى لحقه المهاجرون والأنصار، فمنعوه وكفوه وتقدموا أمامه.
وهذا خبر نقله أصحاب الأخبار مرجئهم وشيعيهم إلا الروافض، فإنهم لا يطاقون، لأن من يجحد المستفيض الشائع بالأسانيد المختلفة في الدهر المتفاوت، ويوجب على خصمه له تصديق الشاذ الذي لا يعرف ولا يدعيه إلا أهل الغلو من الروافض، ممتنع الجانب، عسير المطلب، لا يطاق ولا يجارى.
ثم رأينا عليا يروي عنه، ويزكيه ويفضله، ولم نسمعه روى عن علي شيئا ولا زكاه ولا فضله، على أن عليا قد كان عنده فاضلا عاليا، عالما وجيها.
ثم الذي كان من قول عثمان بن عفان له. وذلك أن عثمان حزن على النبي - صلى الله عليه - حزنا لم يحزنه أحد، فأقبل أبو بكر يعزيه للذي يرى به من عظيم ما فدحه وغمره، فقال عثمان: ما آسى على شئ، إنما آسى على أنني لم أسأل النبي - صلى الله عليه - عما فيه نجاة
стр. 80
هذه الأمة! قال أبو بكر: قد سألت النبي - صلى الله عليه - عن ذلك: فقال: "من قبل الكلمة التي عرضتها على عمي فأباها".
ألا ترى إلى حاجة الجميع إليه واستغنائه عنهم.
ولو لم يعلم من سعة علمه إلا قوله للمهاجرين والأنصار حين أشاروا عليه بأن يقبل الصلاة وقالوا إنهم لو قد أقاموا الصلاة لآتوا الزكاة. قال أبو بكر: إن تميما إن أذن لها من الإسلام في نقض عروة لم ترض بمثله بكر بن وائل، ولو أعطيت كنانة وألفافها وأحابيشها أمرا لم ترض قيس حتى تزداد، ولئن سمعت قولكم لأنقضن الإسلام عروة عروة.
وفي مشيهم إليه في تأخير جيش أسامة يشيرون عليه ويقولون ما كتبنا في صدر الكتاب، وفي قوله: "لو بقيت وحدي حتى تأكلني الكلاب ما أخرت جيشا أمر رسول الله - صلى الله عليه - بإنفاذه والوحي ينزل عليه". فلئن كان ما وصفنا لا يدل على جودة الرأي وصحة العزم وكثرة العلم، وعلى الشهامة والصرامة، واليمن والبركة، فما في الأرض دليل على فضيلة رجل ونقصه.
ومما يدل على سعة علمه وأنه كان المفزع دون غيره أن المهاجرين عامة وبني هاشم خاصة، اختلفوا في موضع دفن رسول الله - صلى الله عليه -، فقال قائل: خير المدافن البقيع، لأنه كان كثيرا ما يستغفر لأهله. وقال آخرون: خير المواضع موضع مصلاه. وقال آخرون: عند المنبر. قال لهم أبو بكر: إن عندي فيما تختلفون فيه علما. قالوا: فقل يا أبا بكر. قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه - يقول: "ما مات
стр. 81
نبي قط إلا دفن حيث يقبض" فخطوا حول فراشه ثم حولوا رأس رسول الله ﷺ بالفراش في ناحية البيت. فلم نجد الناس احتاجوا مع خبره إلى شاهد، ولم يختلف عليه في ذلك رجلان، ولا أظهر الشك في خبره إنسان واحد قريب ولا بعيد. هذا والمنزل منزل ابنته، وهو في موضع جر منفعة وكما تكون المنفعة، وهي المأثرة العظمى والشرف الأعلى.
فمن لم يتهم في خبره على هذه الحال ومع هذه العلة حتى قبلت شهادته وحده، لجدير ألا يتقدمه أحد في القدر والعلم والأمانة والصدق.
ومما يدل على أنه كان ثابتا عندهم قول علي بن أبي طالب ﵁ وروايته عنه، وذلك أن عليا قال: كنت إذا سمعت من النبي ﵇ حديثا ينفعني الله بما شاء منه، فإذا حدثني غيره استحلفته، فإذا حلف لي صدقته، وإن أبا بكر حدثني - وصدق أبو بكر - أن النبي - صلى الله عليه - قال: "ما من رجل يذنب ذنبا فيتوضأ فيحسن الوضوء ثم يصلي ركعتين ويستغفر الله إلا غفر له".
وهذا حديث ما سمعت له براد إلا أهل الغلو من الروافض. وقد قال قوم منهم: إنما كان هذا من علي على التقية للعوام، لطاعة العوام لأبي بكر وعمر. وما في هذا من التقية؟ أن يصدق رجلا على خبره وأن يكذب غيره أو يؤمن غيره. وإن هذا من أخلاق الناس
стр. 82
لموجود: أن يزكي بعض بعضا ويفضل. فنرى عليا يحمل عنه ويروي عنه ويزكيه ويفضله، ولم نره صنع بعلي من ذلك شيئا.
ولقد بلغ من تبطنه لأمر النبي - صلى الله عليه - أن النبي - صلى الله عليه - لما حاصر أهل الطائف قال عمر لأبي محجن: إنما أنت ثعلب في جحر يوشك أن يخرج! قال أبو محجن: هل هو إلا أن قطعتم حبلات عنب، وفي الماء والتراب ما يعيده. قال عمر: لا تقدر أن تخرج إلى ماء وتراب، ولا تبرح باب جحرك حتى تموت جوعا. قال أبو بكر: يا عمر لا تقل هذا فإن النبي ﷺ لم يؤذن له في فتح الطائف. فسأل عمر النبي - صلى الله عليه - فقال: نعم لم يؤذن لي.
قالوا: ولم يكن علم ذلك من أمر رسول الله ﷺ غير أبي بكر، ولو علمه أحد غيره لكان عمر.
قالوا: في خطبة النبي - صلى الله عليه - في شكاته التي توفي فيها والمسلمون شهود، وفي معرفته بالذي أراد النبي ﷺ بكلامه دون جميع الناس، دليل على أنه المخصوص بحسن المعرفة، وفضيلة الدراية.
وذلك أن أول ما تكلم به النبي - صلى الله عليه - على المنبر أن قال: "والذي نفسي بيده، إن لقائم على الحوض الساعة". ثم تشهد فلما قضى تشهده كان أول ما تكلم به أن استغفر للشهداء الذين قتلوا بأحد، ثم قال: "إن عبدا من عباد الله خير بين الدنيا والآخرة فاختار ما عند الله". فبكى أبو بكر. قالوا: فتعجبنا من بكائه. وقال: بأبي أنت وأمي وبآبائنا
стр. 83
وأمهاتنا وأنفسنا وأموالنا. قالوا: فتعجب الناس من كلام أبي بكر وبكائه وقالوا: أخبر النبي ﷺ عن رجل!
قالوا: وكان أبو بكر أعلمنا برسول الله.
ولو لم يكن من صواب رأيه وصحة فراسته، وتوفيق الله إياه إلا توليته خالد بن الوليد حرب مسيلمة وطليحة وأهل الردة، وقد عوتب فيه من كل جانب - وعمر تناوله - وهو يقول: لا أشيم سيفا سله الله على أعدائه.
ثم اختياره عمر وفراسته فيه، حيث جعل له الأمر من بعده، وعوتب فيه ونوزع في أمره.
وكذلك قال عبد الله بن مسعود، الذي قال فيه النبي - صلى الله عليه -: "رضيت لأمتي ما رضي لها ابن أم عبد، وكرهت لها ما كره لها ابن أم عبد" قال: أفرس الناس ثلاثة: المرأة التي جاءت على استحياء حين قالت لأبيها في موسى: ﴿يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين﴾ وامرأة العزيز، وأبو بكر في عمر.
فهل رأيته ضام قوما قط وجامعهم فكان لهم الرأي دونه، وهل عوتب في شئ قط إلا والصواب ما عمل به دون رأي المعاتب له. وهل أشير عليه برأي قط إلا وهو المصيب دون المشيرين عليه؟
فأي فقه وأي علم أصلح وأي مذهب أحمد مما عددنا وكثرنا.
ثم أنتم لا تستطيعون أن تخبروا عن علي بن أبي طالب بموقف واحد من هذه الآراء، وكلمة واحدة من هذا الكلام ومن الصواب الذي حكينا
стр. 84
عن أبي بكر في حياة النبي - صلى الله عليه -، وعند وفاته، وفي أيام خلافته، حتى كأن عليا ورجلا من عرض المسلمين في ذلك الدهر سواء.
وما يخيل إلينا إلا أن الذي قطعه عن كثير من ذلك حداثة سنه، وتقديمه للمشيخة على نفسه.
فإن قالوا: إن عليا قد أشار على عمر بكذا. وقال له يوم كذا وكذا: كذا.
قلنا: إنا لم نكن في عمر وعلي، ولو قد صرنا إلى الإخبار عنهما تقدمنا بالذي يعرفكم فضيلة عمر، كما حكينا ووصفنا وتقدمنا في الأخبار عن فضيلة أبي بكر.
ولقد بلغ من صحة فكره وصدق ظنه وقوة حسه أنه كان يظن الأمر فيقع به أو قريبا منه. ولذلك قال عمر: إنك لن تنتفع بعقل المرء حتى تنتفع بظنه.
فمما يدل على صدق ظن أبي بكر وحس نفسه أن عائشة لما دخلت عليه في شكاته التي قبضه الله إليه فيها، أنشدت عنده شعرا تذكر فيه ما رأت في أبيها. قال أبو بكر: لا تقولي هذا يا بنية. ولكن قولي: ﴿وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد﴾، أي بنية إني كنت نحلتك جداد عشرين وسقا من مالي بالعالية، وإنك لم تحوزيه ولم تقبضيه، وإنما هو مال الوارث، وإنما هما أخواك وأختاك، قالت عائشة: إنما هي أسماء! قال: إنه ألقي في روعي أن ذا بطن بنت
стр. 85
خارجة [جارية]، فوضعت جارية فسميت أم كلثوم.
وله مما كان يقع في خلده ويصدق فيه ظنه وتصح فيه فراسته أمور عجيبة.
ولو قالوا: إن عليا كان من فقهاء أصحاب النبي - صلى الله عليه - لقد كان ذلك عدلا وقصدا، وحسنا جميلا، كما قال إبراهيم والشعبي: الفقه من أصحاب النبي - صلى الله عليه - في ستة: في عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت.
وقد زاد قوم أبا الدرداء وأبا موسى. وقد قال مسروق: انتهى علم أصحاب رسول الله إلى هؤلاء الستة: عمر وعلي وعبد الله وأبي ومعاذ وزيد.
وقال الشعبي: كانت القضاة أربعة: عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وزيد بن ثابت وأبو موسى الأشعري.
فلو أنهم كانوا يرضون بقول الفقهاء ورأي التابعين، ولم يسرفوا وقصدوا، كان ذلك قصدا. ولقد تعدوا فيه الحق حتى قالوا: لم يقل قط قولا يمكن أحسن منه، ولا قال قولا قط فرجع عنه، وقد علمنا أن له غير رجعة، لا اثنتين ولا ثلاثا، وأقاويل لا يجوزها أصحاب الفتيا، وما كان إلا كبعض فقهائهم الذين يكثر صوابهم ويقل خطاؤهم، ولم تكن لتجمع جميع هفوات إنسان وأخطاءه حتى تقرأه مجموعا إلا ظننت به
стр. 86
العجز. وليس ذلك كذلك، لأنك لو قذفت بجميع ذلك في محاسنه لخفي عليك موضعه، ولصغر خطره وقدره.
وإنما حكينا هذا لأنهم جمعوا لعمر وعثمان أمورا أرادوا بها عيبهم ونقصهم، ولعمري إن الخطأ لخطأ حيث وقع، ولكن ربما كان خطأ لا يخرج صاحبه من الحكمة. والخطأ أمر لكل بني آدم فيه حظ ونصيب، وهو أمر لم يسلم منه نبي ولا صديق ولا شهيد ولا أحد من العالمين.
ومما نقررهم به مما رواه حمال الآثار من رجوعه وما لا يجوز من فتياه، قوله: أجمع رأيي ورأي عمر على عتق أمهات الأولاد، ثم رأيت أن أربهن.
ونقلوا جميعا أن عمر وعليا اختلفوا في الجد، فقال علي بقول، وقال عمر بقول، ثم رجع عمر إلى قول علي ورجع علي إلى قول عمر.
ونقلوا جميعا أن زيد بن ثابت قال لعلي وهو يحاجه في المكاتب: أرأيت إن زنى أكنت راجمه، قال: لا. قال: أرأيت إن شهد أتقبل شهادته؟ قال: لا. قال زيد: فهو إذن عبد ما بقي عليه درهم. فسكت علي.
وزعم أصحاب داود بن أبي هند، عن داود عن الشعبي، أن عليا رجع عن قوله: "في الحرام ثلاث".
стр. 87
وكلم علي عثمان أن يحجر على عبد الله بن جعفر في شئ كان اشتراه، وقد كان الزبير قال لعبد الله: خذه فأنا شريكك. فقال له عثمان: كيف أحجر على إنسان شريكه الزبير؟ فسكت علي.
وقال في المكاتب، إذا أدى من ثمنه شيئا: إنه يسترق بحساب ويعتق بحساب.
وقال في النصرانية تسلم وهي تحت النصراني قال: هو أحق بها ما لم يخرجها من دار الهجرة.
وقال في رجل قال لامرأته: "اختاري" واختارته، ثم قال: "اختاري" فاختارته، ثم قال الثالثة: "اختاري" فاختارته؟ قال: أفرق بينهما، فإن أنا فعلت كذا وكذا.
وقال في أعور فقأ عين صحيح، فأراد الصحيح أن يفقأ عين الأعور الذي فقأ؟ قال: لا يفقؤها إلا أن يؤدي نصف الدية.
وقال في الجد: إنه سادس ستة، وسابع سبعة، وكتب إلى عبد الله بذلك، وقال: قطع الكتاب واجعله سابعا.
وقال في جارية وثبت عليها امرأة رجل غائب فاقتضت عذرتها بإصبعها، ثم قذفتها لتسقطها من عين بعلها، وكانت خافت أن يتزوجها، فرفع ذلك إليه فقال لبعض بنيه: قل في هذه المسألة. قال: عليها صداق مثلها، قال: لو كلفت الإبل الطحن طحنت! فاشتد تعجب أصحاب عبد الله من هذه المقالة.
وكان يرى حك أصابع الصبيان إذا سرقوا.
стр. 88
وكان إذا قطع الرجل قطع القدم وترك العقب ليمشي عليه المقطوع، وليعتمد به. وكان يقطع اليد من أصول الأصابع ويدع الكف.
وزعم عبد الله بن سلمة وغيره، عن الأعمش، عن الشعبي أو عن غيره، أنه سئل عن رجل قال لامرأته: أنت طالق ألف تطليقة، وله أربع نسوة؟ قال: تبين بثلاث وتقسم الباقية على نسائه.
ويقال لهم: هل تعلمون أن الله ذكر آدم وهو أول النبيين فقال: ﴿فنسي ولم نجد له عزما﴾.
وذكر موسى وقتله النفس. وذكر يونس بن متى فقال: ﴿وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه﴾. فالدليل على أن يونس قد كان صنيع وأساء قوله: ﴿سبحانك إني كنت من الظالمين﴾ وقول الله: ﴿فالتقمه الحوت وهو مليم﴾.
وذكروا داود وسليمان في قضية واحدة ذهب عنها داود وأصابها سليمان، حيث يقول الله: ﴿وفهمناها سليمان﴾ فلم يكن ذهاب داود بمخرجه من قول الله: ﴿وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب﴾. وقد كان منه ما قد علمت، حتى أنزل الله عليه الملكين يكنيان عن
стр. 89
قصته، ويزيدان وعظه في قصة: ﴿وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب﴾.
وقد عاتب الله جل ثناؤه نبيه في غير موضع فقال: ﴿عبس وتولى﴾، وقال: ﴿لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا﴾ وقال: ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾.
وعاتبه في الاسرى وأخبره أنه قد تقدم أمره في إطلاقهم حتى قال: ﴿لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم﴾.
وقال الله وهو يريد جمع المأمورين والمنهيين: ﴿ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة﴾.
فإذا كان الله قد أخبر بما ترى عن المعصومين فلم يتتبع قوم على عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان خطاياهم وهفواتهم، وللعمرية والعثمانية أن يعودوا عليهم بمثل ذلك وأكثر منه؟
ومن أجهل من رجل زعم أن عليا لم يخط قط ولم يعص قط، ولم يضيع شيئا قط، وقد سمع الله يحكي أمور أنبيائه، ويذكر أحوال رسله؟ ولسنا نحتاج في هذا الباب إلى أكثر من هذا.
وكيف يقولون: علي فوق الناس كلهم في صواب الرأي، والفقه في الدين، ولا يكون كالرجل من عظماء السلف لضرب يخصه فيهما، ونحن إذا سألنا الفقهاء وأصحاب الآثار والعلماء عن أصحاب القرآن الذين كانوا مخصوصين بحفظه على عهد رسول الله - صلى الله عليه -، قالوا: زيد بن ثابت
стр. 90
وأبو زيد، وفلان وفلان. ولم يذكروه في باب المخصوصين بحفظ القرآن أيام حياة رسول الله - صلى الله عليه -.
فإن سألناهم عن أصحاب الحروف والقراءات والوجوه، الذين بقراءتهم يقرأ الناس، وبقدر اختلافهم اختلف الناس، قالوا: زيد بن ثابت وأبي بن كعب وعبد الله بن مسعود. ولم يذكر معهم. لأنا شاهدنا الناس يقولون: هذا في قراءة عبد الله بن مسعود، وهكذا هو في مصحف عبد الله، وهذا في قراءة أبي، وهكذا هو في مصحف أبي، وهذا في قراءة زيد، وهكذا هو في مصحف زيد. ولم نرهم يقولون: هذا في قراءة علي، وهكذا هو في مصحف علي.
وإن سألناهم عن أصحاب التأويل والتفسير قالوا: عبد الله بن عباس، والحسن، وفلان وفلان. ولم يذكروه في هذا الباب.
وإن سألناهم عن أصحاب الرواية، والمشهورين بكثرة الإسناد عن رسول الله - صلى الله عليه - قالوا: ابن عمر وعبد الله بن عمرو وجابر بن عبد الله وعائشة وأبو هريرة. ولم يذكر معهم في هذا الباب.
وإن كان الدليل على فقه المتبوع فقه أتباعه فعبد الله بن مسعود وعائشة أفقه منه، لأن أصحاب عبد الله وعائشة أفقه من أصحابه، فكيف صار أفقه خلق الله كلهم. والقصة على ما أنبأناكم ووصفنا لكم.
على أنه كان فقيها عالما، قد أخذ من كل باب بنصيب، ولا نقول
стр. 91
فيه - إذ كنا عثمانية وعمرية - قولكم في عمر وعثمان. أوما تعلم أن الخبر مستفيض بأن النبي ﷺ قال: "أقرؤكم أبي"؟ فترى أبيا كان أقرأ منه. وقال: "أفرضكم زيد" فترى زيدا كان أفرض منه. وقال: "وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ" فترى معاذا كان عند النبي - صلى الله عليه - أعلم منه. وقال: "وأقضاكم علي" فينبغي أن يكون علي أقضى منهم. وأنتم لا ترضون أن يكون زيد أفرض منه، ولا أبي أقرأ منه، مع أن" أقضاكم علي" ليس هو في حديث البصريين، فإن كان كما رواه البصريون فهؤلاء النفر أعلم منه. وإن كان كما رواه غيرهم فكل واحد أفقه من الآخرين فيما ذكرته. فهذا هذا.
فإن صرت إلى أن تسأل الناس عن الاختيار، وجودة الرأي، والقوة في السلطان، والضبط للعدو والعوام/ قالوا: أبو بكر وعمر.
وإن سألت عن الفتوح قالوا: أبو بكر وعمر وعثمان، لأن أبا بكر رد الإسلام في نصابه برد أهل الردة، وهو الفتح الأكبر، وقتل مسيلمة، وأسر طليحة، وغزا العدو ومنع الحوزة.
ولأن عمر دون الدواوين، وفرض الأعطية، وجند الأجناد، ومصر الأمصار، وجبى الفئ، وبلغت خيله إفريقية، وأوطأ خيله خراسان وأقصى كرمان، وأزال ملك بني ساسان.
ولأن عثمان هو الذي افتتح الثغور كلها، افتتح إرمينية، افتتحها حبيب بن مسلمة الفهري وافتتح أذربيجان، افتتحها المغيرة بن شعبة، وقد
стр. 92
كان الأشعث معه فيها، وافتتح إفريقية، افتتحها له عبد الله بن سعد بن أبي سرح/ وافتتح سحستان، افتتحها له عبد الله بن سمرة.
فهذا باب المخصوصين بالفتوح.
وإن سألت عن الدهاة وأصحاب الإرب والمكايد قالوا: عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة ومعاوية بن أبي سفيان، ولم نذكر فيهم زيادا لأن زيادا لا صحبة له. فهذا باب الدهاة.
وروى الناس عن قبيصة بن جابر الأسدي، وكان علامة داهية حكما، أنه قال: "ما رأيت رجلا قط أخوف لله من أبي بكر، ولا أقوى في دين الله من عمر، ولا أصدق حياء من عثمان، ولا أوصل لرحم ولا أعطى من تلاد مال من طلحة، ولا أكثر مخارج في الأمور من معاوية، ولا أحضر جوابا ولا أكثر صوابا من عمرو" ولم نره ذكره.
ثم الذي كان من أسماء بنت عميس، ومن قولها - وعلي بن أبي طالب شاهد، لما تفاخر عندها بنوها من جعفر وأبي بكر وعلي، قال لها علي: اقضى بينهم - قالت: ما رأيت شابا أطهر من جعفر، ولا رأيت شيخا أفضل من أبي بكر، وإن ثلاثة أنت أخسهم لفضلاء.
فهذه قضيتها، ولم يرو عن علي في ذلك إنكار.
فإن قلتم: إن قولها ليس بحجة. قلنا: قد صدقتم لو كان ليس بحجة إلا قولها فقط، ولكن الأمور إذا جاءت من هاهنا وهاهنا كان اجتماعها دليلا على أنه لم يكن عندها مع فضله وصلاحه وسابقته وقرابته ذا رأي.
стр. 93
ولقد بلغه ذلك عن قريش حتى قام خطيبا معتذرا فقال في خطبته: "حتى قالت قريش: ابن أبي طالب شجاع ولكن لا علم له بالحرب، لله أبوهم! وهل منهم أحد أشد مراسا لها ولا أطول تجربة مني. لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين، فها أنا الآن قد ذرفت على الستين، ولكنه لا رأي لمن لا يطاع".
وقال الأحنف بن قيس لما قدم عبيد الله بن علي بن أبي طالب، وهو قتيل المختار بن أبي عبيد في أيام فتنة ابن مخربة العبدي: ما هذا الذي أنتم فيه؟ قالوا: قدم عبيد الله بن علي يدعو الناس، قال: إن كان لا بد فجنبوها حسنا وأبا حسن، فإنا لم نجد عندهم علما بالحرب، ولا إنالة للمال.
وقيل لأبي برزة الأسلمي: لم آثرت صاحب الشام على صاحب العراق؟ قال: وجدته أطوى لسره، وأملك لعنان جيشه، وأنظر لما في نفسه.
وفي قول العباس بن عبد المطلب، وهو حليم قريش - وإذا كان حليم
стр. 94
قريش فهو حليم العرب، والحلم اسم جامع للعلم والحزم - وذلك أنه لما قبض عمر وصلى صهيب بالناس دعا العباس عليا فقال: هل أحدثتم شيئا؟ فقال: فاحفظ عني، فإني لم أقدمك في شئ إلا رأيتك مستأخرا، من ذلك أني قلت له ورسول الله ﷺ ثقيل: ادخل عليه فسله، فإن يكن هذا الأمر فينا أعلمه الناس، وإن يكن في غيرنا أوصى بنا، فتركت ذلك وقد منيت بدهاة قريش، وقد حيل دوني، فلا يعرضن عليك شئ إلا قلت: لا لا، ولا يا أبتي، تعصر عينيك وتحك قفاك بعد فوت الامر.
ففيما ذكرنا دليل أنه كان لا يساوي أبا بكر ولا يجاريه، ولا يدانيه ولا يقاربه. وأنه في طبقة أمثاله طلحة والزبير، وعبد الرحمن وسعد.
فإن قالوا: فإن عليا كان أزهد فيما تناحر الناس عليه، ولأن أزهد الناس في الدنيا أرغبهم في الآخرة، ولأن أرغبهم في الآخرة أعلمهم بأحوال الآخرة.
قلنا: قد صدقتم في صفة الزهد، ولكن أبا بكر كان أزهد منه. وسندلكم على ذلك.
فمن ذلك أن أبا بكر كان ذا مال كثير، ووجه عريض، وتجارة واسعة، فأنفق ذلك في سبيل الخير وعلى أهله، إيثارا لله ولرسوله، وطلب ما عنده حتى لقى [الله] وما كنت تركته يوم مات غير بعير ناضح. وعبد صيقل، مع الخلافة وكثرة الفتوح والغنائم والخرج والصدقة.
стр. 95
وكان علي بن أبي طالب مقلا مخفقا يعال ولا يعول، فاستفاد الرباع والمزارع، والعيون والنخيل، ومات ذا مال وأوقاف، وما يحسب ماله ووقفه بينبع إلا مثل كل شئ ملكه أبو بكر مذ كان في الدنيا إلى أن فارقها، وتزوج فأكثر، وطلق فأكثر، حتى عابه بذلك معاوية، وجعله طريقا إلى تنقصه، وسبيلا إلى الطعن عليه، فقال وهو يكني عن ذكره ويريده، ليكون أسد لسهمه، وأوقع في قلب من سمعه: "إني والله ما أنا بنُكحة ولا طُلقة".
والآثار أن عليا رحمة الله عليه استشهد وعنده تسع عشرة سرية مطهَّمة وأربع نسوة عقائل.
ولا سواء من كان ذا مال فأنفقه، ومن كان مقلا فكسبه.
ولم يتزوج أبو بكر في خلافته امرأة ولا اتخذ سرية، ولا تفكه بشئ، ولا آثر لذة إن كان له طلقا مباحا.
ثم الذي كان من أبي بكر في عمالته: أنه كلف بني تيم ومن عنده أياديه ومنته أن يردوا ما أخذ من بيت المال فيه، لكي يجعل عمالته لله. وعلى ذلك احتذى عمر. وقد كان علي يأخذ عمالته، ولم يخبرنا أصحاب الآثار أنه ردها في بيت المال، ولا كلف ذلك بني هاشم
стр. 96
في وصية. وهذا ما لا يختلف فيه رجلان من أصحاب الآثار، وحمال الأخبار.
وقد كان أخذ لقوحا وحبشية لرضاع بعض ولده فرد ذلك في بيت المال.
ولما بايع الناس أبا بكر غدا على سوقه كما كان يفعل، فقالوا: فلا بد أن نجعل لخليفة رسول الله ﷺ شيئا يقيمه، قالوا: برديه إذا أخلقهما وضعهما وأخذ مكانهما، وظهره إذا سافر، ونفقته على أهله كما كان ينفق قبل خلافته. قال: رضيت. فجمع ذلك كله وحفظه، ثم أمر بني تيم فردوه في بيت المال. فخرج من الدنيا خفيف الظهر، خميص البطن. فلما فعل ذلك قال عمر: رحم الله أبا بكر، لقد شق على من بعده!
فإن قالوا: أوليس قد كان علي ينضح بيت المال في كل جمعة ويصلي فيه ركعتين؟
قلنا: إنا لم نكن في ذكر الأمانة والخيانة، لأن أبا بكر وعليا يرتفعان عن هذا الضرب من المديح، وعن هذا الضرب من الثناء، وإنما كنا في ذكر الزهد في المباح، وفي الإيثار والرفض للفضول، لأن بين الرجل يعطي ما له وعليه، وبين من يعطي ما عليه ولا يعطي ما له فرق.
ومما يدل على فضله أن الله أنزل فيه من القرآن ما لم ينزله في أحد
стр. 97
من المهاجرين والأنصار، كل ذلك يخبر عن فضله، ويدل فيه على مكانه منه، ويثني عليه ويزكيه ويعظمه. وليس من أفرد الله فيه الآي، وأفرده بالذكر كمن ذكره في جملة المؤمنين، وجمهور الأنصار والمهاجرين.
ولا سبيل إلى المعرفة بأن الله عنى بآية كذا وآية كذا فلانا دون غيره إلا بضربين: إما أن يكون اسمه وخاصة نسبه ونعته مسطورا في الآية، كما ذكر فرعون وأبا لهب، وفلانا وفلانا، وكما ذكر آدم ونوحا وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمدا - صلى الله عليه - وعليهم.
أو يكون المراد بالآية وإن لم يذكر اسمه، كما ذكر لقمان، وزيد. [وزيد] مشهور النسب معروف القصة أنه المراد بالآية، وبشهرة القصة والنسبة حتى لا يكون بين أهل ذلك الدهر في ذلك تنازع، ولا بين أصحاب التأويل والأخبار في دهرنا هذا، فيكون كأنه مسمى وإن لم يسم.
وقد كانت تحدث بين الناس أمور فينزل القرآن عقب ذلك، فيعلم المهاجرون والأنصار من المراد بهذا التنزيل. كالذي كان من شأن عائشة وما قرفت به، حتى أنزل الله لذلك السبب آيا كثيرا، وإن لم يكن الله سمى عائشة ولا من قرفها. وكالذي نزل من القرآن في قصة الغار وهجرة النبي - صلى الله عليه - وأبي بكر، وهربهما من قريش، ونصرة الله لهما.
فكان مما أنزل الله في أبي بكر من تفضيله وتزكيته وإن لم يسمه قوله لجميع المؤمنين: ﴿إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين
стр. 98
كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم﴾.
فلا يخلو قوله: ﴿إلا تنصروه﴾ من أحد وجوه: إما أن يكون خاطب به المشركين عامة، أو خص به الخاذلين العادين والباغين، أو يكون خاطب به المؤمنين.
ولا يجوز أن يكون عنى به المشركين، لأنه لا يجوز في الحكمة وفي المعروف من البيان أن يقول الرجل الحكيم المبين، للعدو المكاشف بعداوته، المظهر لضغنه، الباذل لرأيه وماله، المعاند في فعله: إلا تنصرني فقد نصرني فلان! لأن النصر لا يلتمس من العدو المكاشف، وإنما يلتمس من الولي أو من الخاذل.
وكيف يقول هذا وإنما غايته الانتصار منه بغيره.
وفي قول الله : ﴿إذ أخرجه الذين كفروا﴾ دليل أن المخاطب بالكلام غير الذين كفروا به وجحدوه وأخرجوه. ولا يجوز أن يكون عنى الخاذلين له من قريش ومشركي مكة إلا والخاذلون قد كانوا هناك معروفين، بائنين من العادين المتوثبين المبادين بالعداوة المظهرين للمحاربة، ولا نعلمهم كانوا ببطن مكة صنفين متمايزين، [و] فريقين متباينين، حتى يكون كل حزب مشهورا بالذي هو عليه من الخذلان والعداوة، وليس بطن من بطون قريش إلا وقد لقى النبي ﷺ منه أعظم المكروه وإن كانوا في ذلك على طبقات: من مجتهد لا يبقى، ولا يفتر ولا يسأم، ومن رجل مائل معهم بضلعه،
стр. 99
مبد معهم لضره، وإن كان لا يبلغ غلو الآخر وتصميمه وقلة إغفاله.
ولقد كانت خزاعة وثقيف على بعد أنسابها وأرحامها أحسن تقية من قريش في إظهار العداوة، والأرصاد بالمكروه، والثبات على البغي، كالذي بلغك عن الأخنس بن شريق وعروة بن مسعود وبديل بن ورقاء، من ركونهم إلى الصلح وحبهم للسلامة، مع قلة التسرع والتوثب، على أنهم قد أجلبوا وطعنوا، وكفروا وكذبوا، بعد الإفصاح لهم بالحجة، والإبانة لهم عن المحجة.
ولقد كان أبو لهب على قربه وقرابته شبيها بأبي جهل في الغلظة والقسوة والجفاء، وكثرة التدري وقلة السآمة.
ولم يكن أبو طالب يوم نزلت هذه الآية حيا مقيما فيكون الله جل ذكره عناه فيمن أطاعه من رهطه بهذا الكلام. على أنه لو كان حيا لقد كان معلوما أنه لم يكن هناك أحد أحسن ذبا، ولا أشد نصرا، ولا أظهر معونة، ولا أشد حماية منه.
ولم يكن الله ليعرف قوما موضع الخلة في النصرة، والتقصير في المدافعة، إلا وأدنى منازلهم أن يكونوا مقرنين لمن ناوأهم، مضطلعين بدفع من شاقهم.
ولا نعلم يوم كانت هذه القصة، ونزلت هذه الآية، وبمكة رجل
стр. 100
من بني هاشم مطاع متبوع غير العباس بن عبد المطلب. ولا يجوز أن يقول الله للعباس ومن كان في ذراه ممن يسمع له وينفذ لأمره: ﴿إلا تنصروه فقد نصره الله﴾ وقد علم أن العباس وأشباهه من مشيخة بني عبد مناف لا أعوان لهم يومئذ من بني عبد مناف، لأن بني عبد مناف دِنيا على قربهم وقرابتهم، كانوا أشد الخلق على رسول الله، كأبي سفيان بن حرب، وعقبة بن أبي معيط، والحكم بن أبي العاص، وأبي أحيحة، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وفلان وفلان. ولم تكن أمية انمازت في ذلك الدهر من هاشم، وكان يقال للحيين: عبد مناف. [و] كان من أمر عثمان الذي بلغك.
فقد دل الكلام على أن الله إنما عنى بالآية المؤمنين دون الكافرين، إذ كانت مخاطبة العادي والخاذل على ما وصفنا. وليس أنه أراد تأنيب المؤمنين وتقريع المهاجرين، ولكنه أخبر عن تقصيرهم عن فضيلة أبي بكر إذ ظعنوا وأقام. وليس النقص في الفضل كالنقص في الفرض. فكأنه تعالى وعز قال: لو كنتم صبرتم مع نبيكم ما أقام إلى وقت الإذن، كصبر أبي بكر معه، ولم تخرجوا هاربين جازعين، ولدار نبيكم مهاجرين، كان أشد لصبركم، وأكمل لرغبتكم، وأنم لتقيتكم، وليس أنكم عصيتم في خروجكم، ولكن بعض الصبر والاحتمال أفضل من بعض، وكذلك الطاعة تطوعها وفرضها، كما قد علمتم أن بلالا وخبابا وعمارا حين فضهم المشركون عن دينهم جزع عمار وأعطاهم الرضا، مع انطواء قلبه
стр. 101
على الإخلاص، وثلج صدره بالإيمان، ولكن عزمه كان منقوصا عن التمام، من غير أن يكون ذلك عصيانا ولا خلافا. ويدلك على ذلك قول الله: ﴿إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان﴾. ولذلك قال النبي - صلى الله عليه - لعمار: "إن عادوا فعد". يريد بن التوسعة والرخصة والإطلاق، وليس على الأمر والترغيب.
وكما بلغك عن الرجلين الواردين على مسيلمة، حين قال لأحدهما: أتعلم أني رسول الله؟ قال: نعم. قال: أفتعلم أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم، قال: فأمر به فقتل، وقال للآخر: أتعلم أني رسول الله؟ قال: نعم، قال: فتعلم أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم، فأمر بتخلية سبيله. فلما بلغ ذلك النبي - صلى الله عليه - قال: أما الأول فمضى على عزمه ويقينه فهنيئا له، وأما الثاني فأخذ برخصة الله فلا تبعة عليه.
فعلى هذا المثال كان تقصير القوم، لا على وجه الخلاف والمعصية.
وذلك أن أبا بكر أقام بمكة ما أقام النبي ﷺ ، وهاجر الناس الأول فالأول، فبعض أتى المدينة، وبعض أتى الحبشة، حين اشتد عليهم البلاء وطال الذل وقل الناصر، وقويت الضغائن، فكان النفر بعد النفر، والرجل بعد الرجل، يستأذن النبي ﷺ في الهجرة فيأذن له. وأقام أبو بكر وحيدا لا أنيس له، وذليلا لا ناصر له، وخائفا لا أمان معه، في كل يوم يزدادون عليه قوة ويزداد عنهم ضعفا فإذا بلح وبلغ المجهود، ولم يبق في قواه فضل يستعين به على الصبر، استأذن النبي ﷺ في المضي إلى إخوانه واللحاق بهم،
стр. 102
فيقول له: "لعل الله أن يجعل لك صاحبا" فيزداد بها أبو بكر قوة، وتحدث له بها همة. وهذه كلمة ما قالها النبي - صلى الله عليه - لمستأذن قبله، فيعلم أبو بكر عند ذلك أن النبي ﷺ إنما عناه، فيشجع من نفسه، ويشد من منته، طمعه في شرف الصحبة، وإكرامه إياه بفضيلة المرافقة.
وقد استأذن النبي - صلى الله عليه - الناس [قبله] بسنين، فكان أولهم أبو سلمة بن عبد الأسد، وآخرهم عمر بن الخطاب، لقرب حال عمر في الفضل والصبر من حال أبي بكر. فكأنه خاطب المهاجرين، على التعريف لهم بفضيلة صبر أبي بكر على صبرهم، مشحذة لهم على إعطاء الجهد، وترغيبا لهم في غاية الصبر في مستقبل الأمور وحوادث الامتحان. فكأنه قال: إذا لم تستتموا الصبر، ولم تبلغوا غاية الجهد، ولم تصبروا ما أقام، فقد نصرته أنا إذ أخرجته ثاني اثنين.
والدليل على ما قلنا قول عمر لقريش حين بادأهم العداوة، ونصب لهم الحرب، وأحس من نفسه بالجلد وشدة الشكيمة، وقوة العزيمة: "أما والله أن لو قد صرنا مائة لتركتموها لنا إن تركناها لكم" يعني مكة.
فلو كان جميع من هاجر إلى الحبشة وأتى المدينة على مثل هذا العزم
стр. 103
والاحتمال والدفع، وهم جميع، لكان ذل من أقام ووحشته أقل، ونفوسهم أطيب.
والدليل على فضيلة مقام أبي بكر على ظعنهم أنهم حيث هاجروا ونزلوا بالنجاشي والأنصار فنزلوا بأكرم منزول به، فكانوا في ذراه آمنين، رافهين وادعين، إلا ما كان من قصة جعفر، وسعاية عمرو، وإحماش النجاشي وتهييجه. فما كان ذاك إلا صدر نهار حتى جعل الله العاقبة للمتقين. وأبو بكر والنبي من الوحدة والقلة، والجفوة والوحشة، وخفة ذات اليد، والسب والإهانة، والخوف بالقدر الذي لا يأتي عليه قول وإن كثر، ولا يبلغه وهم وإن اتسع.
وهكذا روينا عن الضحاك وقتادة وأبي بكر الهذلي في تأويل هذه الآية: أن الله عاتب جميع المؤمنين بها غير أبي بكر. ولو لم يكن رواية ولم يفسر ذلك صاحب تأويل، لم يجز أن يكون تأويله غير الذي قلنا، للذي شرحنا وفصلنا.
ولو كانت هذه المخاطبة وقعت على الخاذلين والعادين، أو على الخاذلين دون العادين والمؤمنين، لقد كان لأبي بكر في الآية ما ليس لأحد، فكيف بها
стр. 104
إن كانت في المهاجرين. لأن في قوله: ﴿ثاني اثنين﴾ معنى عظيما، وفي قوله: ﴿فأنزل الله سكينته﴾ معنى عظيم.
فإن قالوا: كل ما عظمتم فعظيم، ولكن بعضه لا يجوز إلا للنبي - صلى الله عليه - دون أبي بكر. وهو قوله: ﴿فأنزل الله سكينته عليه﴾.
قيل لهم: استكرهتم التأويل، وصرفتم الكلام عن سننه، وغير تأويلكم أشبه بكلام العرب، وأظهر في بيان الخطباء، ومراجعة الحكماء. وذلك أن النبي - صلى الله عليه - كان هو الرابط الجأش، الثابت الجنان، الساكن النفس، وهو المعزي لأبي بكر، والمسهل عليه شدة حزنه، والمطيب لنفسه، والمسكن لحركة قلبه، للذي رأى وعاين من اكتراثه ومن اضطرابه، وقلة سكينته، وهذه الحال التي فيها قلب النبي - صلى الله عليه - وخليفته، وأبو بكر على ما وصفنا وفرقنا، هي الفاصلة بين النبي - صلى الله عليه - وبين خليفته، إذ كان الخليفة قد شارك النبي - صلى الله عليه - في حضوره واحتماله، وبان منه النبي - صلى الله عليه - بشدة عزمه وسعة صدره، وسكون قلبه، كالفصل الذي بين الخليفة وولي عهده.
وكذلك تعجل عمر الهجرة قبل أبي بكر، فكان بذلك أنقص فضلا منه، وتأخر بعد المهاجرين، فكان بذلك أتم فضلا منهم.
وفي قول الله: ﴿إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه﴾ دليل على أن السكينة نزلت على صاحبه، وأن الهاء التي في ﴿عليه﴾ مضمر فيها صاحبه. ولا يشبه أن تكون
стр. 105
السكينة نزلت على من لم يخل من السكينة وقلة الاضطراب، وعلى المسهل على صاحبه والمطيب لنفسه والمبشر له بالنصر، حين يقول: ﴿لا تحزن إن الله معنا﴾. وهو كما أخبر أبو معاوية الضرير، عن عبد العزيز بن سياه، عن حبيب بن أبي ثابت: في قول الله: ﴿فأنزل الله سكينته عليه﴾ قال: على أبي بكر، فأما النبي - صلى الله عليه - فقد كانت السكينة عليه من قبل ذلك.
فإن قالوا: فكيف وقد قال الله على نسق الكلام: ﴿وأيده بجنود لم تروها﴾، والمؤيد بالجنود في هذا الموضع لا يجوز أن يكون إلا النبي - صلى الله عليه -، لأن الجنود الذين عنى الله ملائكته.
قيل لهم: وما تنكرون أن يكون الله أيد رجلا بالملائكة، بشفاعة النبي - صلى الله عليه - وبشارته وبحق صحبته، كما أيد الله جميع أهل بدر بالملائكة. وكما زعموا أن الملائكة نزلت في زي الزبير، وليس أن الله حين أيد أبا بكر بالملائكة أنه أراه جبريل وميكائيل، ولكن
стр. 106
ليعلمه النبي - صلى الله عليه - أن بحضرته ملائكة قد أرسلهم الله ليمنعوه من المشركين، ليسكن بذلك روعه، وتهدأ نفسه، وليثق بحضور النصر وتعجيل الدفع.
وقد علمنا أن الله لم يجعل مع كل مؤمن ملكين يكتبان خيره وشره استذكارا، ولكن المؤمن إذا شعر بمكانهما كان أقطع له عن ركوب الأدناس وأدعى له إلى الاستحياء، وليعلم أن الأمر جد وليس بهزل.
فكذلك إحضار الملائكة لأبي بكر، ليكون بشارة النبي - صلى الله عليه - له بذلك تسكينا لنفسه، وتعجيلا لبعض ما استحق بالاحتمال والمواساة والصبر، من الثواب المعجل دون المؤجل.
ولقد بلغ من ظهور قصة أبي بكر وصحبته ومرافقته وكونه مع النبي - صلى الله عليه - في الغار، أن الروافض مع شدة الإقدام والجرأة على تكذيب الناقلين، لم تقدر على دفعه ورده، حتى قال منهم قائلون: إنما أخرجه النبي - صلى الله عليه - خوفا من أن يدل عليه ويسعى بأمره إلى أعدائه، لأنه كان حسن من النبي بالهجرة، وعرف ميقاته الذي عزم عليه.
وكيف يجوز أن يخاطب الله الناس فيقول: ﴿إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين﴾ والذي به كان النبي - صلى الله عليه - بائنا قد أبر على الأعداء وأربى على الكفار، لأن النفاق أعظم من التصريح.
стр. 107
وهذا ما لا يجوز في عقل، ولا يسنح في فكر، ولا يجوز في التعارف، ولا يليق بالبيان.
وكيف والله يقول على اتصال اللفظ باللفظ والمعنى بالمعنى، وتركيب الآية الأخرى على الأولى: ﴿وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا﴾.
ولا كافر أعظم كفرا، ولا أشد عنودا من ثانيه وصاحبه في الغار، ورفيقه في الطريق، والمعزي لشدة حزنه، إن كان الشأن على ما قالوا وكما وصفوا.
وإنما المنافقة أن يكون الرجل معتقدا لجحد الرسول وعداوته، ولكن الرسول هو الغالب على داره القاطع لمن بادأه بالعداوة، وناوأه في الفضيلة، فإنما يستبقي نفسه بنفاقه، وبتزميل حقده، وإخفاء ضغنه. فأما رجل مقيم بمكة قليل مفرد، وذليل مطرد، وخائف مشرد، بين استخفاء يعدل الموت، أو هرب يقطع الأحشاء، والذي هرب معه مقهور مخذول، والغالب على داره عدوه، فكيف كان أبو بكر منافقا والحال على ما وصفنا؟
ولولا كثرة الفساد وما عم الناس من الغلط وفحش الخطأ ما كان لذكر هذا وشبهه معنى.
والأثر المجتمع عليه من أصحاب السير والأشعار والأخبار، أن النبي - صلى الله عليه - قال لحسان: أما قلت في أبي بكر شيئا؟ فأنشأ يقول:
стр. 108
إذا تذكرت شجوا من أخي ثقة * فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا
التالي الثاني المحمود مشهده * وأول الناس منهم صدق الرسلا
وثاني اثنين في الغار المنيف وقد * طاف العداة به إذ صعد الجبلا
خير البرية أتقاها وأطهرها * إلا النبي وأوفاها بما حملا
فجعله تاليا وثانيا وصاحبا.
وقال أبو محجن:
وسميت صديقا وكل مهاجر * سواك يسمى باسمه غير منكر
سبقت إلى الإسلام والله شاهد * وكنت جليسا بالعريش المشهر
وبالغار إذ سميت بالغار صاحبا * وكنت رفيقا للنبي المطهر
فجعله سابقا وصديقا وجليسا وصاحبا.
وقال كعب بن مالك:
سبقت أخا تيم إلى دين أحمد * وكنت لدى الغيران في الكهف صاحبا
فجعله سابقا وجعله صاحبا.
وقال النجاشي:
غداة أتى بدرا وحر جلادهم * وكان جليسا بالعريش مؤازرا
فلو لم تكن له مأثرة إلا ما دلت عليه هذه الآية، وإلا شرف هذه الصحبة، وموقع هذه الخاصة، ونبل هذه المرافقة، ومشاهده الثقة، لكان فوق الجميع في المكانة والفضيلة، وفي مرافقة النبي - صلى الله عليه -.
стр. 109
سمع أهل مكة الهاتف بالليل على قرن الجبل وهو رافع عقيرته، يقول:
جزى الله رب الناس خير جزائه * خليلي صفاء طردا كل مطرد
هما نزلا في الصبح ثمت هجرا * وأفلح من أمسى رفيق محمد
ليهنئ بني كعب مكان فتاتهم * ومقعدها للمؤمنين بمرصد
وقال الحارث بن هشام:
رفيقان في المحيا وفي الموت ضمنا * بأكرم مثوى منزل ومكان
فهذا هذا.
ثم الذي كان من قصة مسطح بن أثاثة وقضيته، وكان ربيبه وابن خالته وفي مؤونته وتحت جناحه، فلما قرفت عائشة بالذي قرفت به وبلغك، آلى أبو بكر ألا ينظر في وجهه، ولا ينفق عليه ولا يكفله ولا يمون عياله، فلما أنزل الله عذر عائشة وبراءتها، ولم يرض لها بالطهارة والعفة حتى جعلها غافلة، فضلا على أن يكون خطر ذلك على بالها فتنفيه، إيثارا للحلال على الحرام، وأنزل الله على رسوله - صلى الله عليه - في آية يأمر أبا بكر بالصفح عن مسطح، والتجاوز عن ذنبه، وتغمد ما كان منه، وأن يعيده في كنفه وعياله. فقال: ﴿ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة﴾. فما ظنك بإمرئ يقول الله له وفيه هذا القول، ويصفه بهذه الصفة حتى يقول: ﴿ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله
стр. 110
لكم والله غفور رحيم﴾ فتلاها رسول الله ﷺ على أبي بكر، فلما انتهى إلى قوله: "ألا تحبون أن يغفر الله لكم" قال أبو بكر: بلى يا رب! فعفا عنه، فوجبت له المغفرة، وأعاده إلى نعمته، وجعل عياله في حشاه وتحت ظله.
فمن أعظم قدرا من رجل يفرد الله له الآي فيه معظما لشأنه، ذاكرا لفضله على لسان جبريل ومحمد ﵉. فهذا هذا.
وقد أجمع أهل التأويل على أن الله عنى بقوله: ﴿والذي قال لوالديه أف لكما أتعدانني أن أخرج وقد خلت القرون من قبلي وهما يستغيثان الله ويلك آمن إن وعد الله حق فيقول ما هذا إلا أساطير الأولين﴾ أبا بكر وعبد الرحمن بن أبي بكر وأمه.
وكان أبو بكر وأهل بيته أهل بيت إسلام: كان هو مسلما، وامرأته مسلمة، وأبواه مسلمان، وبناته مسلمات. وليس في العشرة الذين قال لهم النبي - صلى الله عليه - إنهم في الجنة، ولا في قريش قاطبة رجل مؤمن مؤمن الأبوين غير أبي بكر الصديق، ولا في قريش خاصة والمهاجرين عامة صاحب ابن صاحب ابن صاحب غير عبد الله قتيل الطائف، ابن أبي بكر الصديق، ابن أبي قحافة المسلم يوم مكة، والقائل فيه رسول الله - صلى الله عليه - لأبي بكر: "فهلا تركت الشيخ في منزله فأتيناه". وله صحبة.
واجتمع أهل التأويل على أن قوله: ﴿أفمن يمشى مكبا على وجهه
следующие страницы →