← Акыда

Акыда · id 9637

فصل الخطاب في شرح مسائل الجاهلية ت محب الدين الخطيب

محمود شكري الألوسي

Полный текст (92 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

[مسائل الجاهلية التي خالف فيها رسول الله ﷺ أهل الجاهلية] [مقدمة الطبعة الأولى] محب الدين الخطيب مسائل الجاهلية التي خالف فيها رسول الله ﷺ أهل الجاهلية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الطبعة الأولى الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا (محمد) رافع لواء الهدى في العالمين وبعد فإن الخلفاء الراشدين ورجال الدولة في زمن بنى أمية كانوا يعهدون بلواء الإسلام إلى السواعد العربية تخوض به الآفاق شرقًا وغربًا، وإلى الألسنة العربية تدعو إليه بادية وحاضرة، فكانت الدولة على اتصال بجزيرة العرب تغذي الجيش من فتيانها، وتعنى بأحوال أهلهم في ربوعهم وبين جبالهم، وتوسد الأمور في الأقطار إلى النوابغ من عقلائهم وحكمائهم، فكان الإسلام غضًا في جزيرة العرب، وهدايته معمولا بها تحت الخيمة وفي بيت الشعر وبين جذوع النخيل فما برح الإسلام بذلك منصورًا، وممالكه بازدياد، والناس يدخلون في دين الله شعوبًا وأممًا، إلى أن استدار الزمان مرة أخرى فجرب الخلفاء من بنى العباس الاعتماد على أهل السياسة والحمية الدنيوية من الفرس في إقامة دعائم ملكهم، ولم يكن أهل السياسة والدنيا منهم كما كان أهل التقوى والدين، فأبدت المجوسية نواجذها، ورغم الفتك بأبي مسلم فإن الحال ظلت على ذلك إلى زمن أمير المؤمنين المعتصم فأخذ دفة السفينة من أيدي الفرس وأسلمها إلى أيدي غلمانه من الترك، فنهض من شر واحد ووقع في شرين: لأن للفرس سابقة وحضارة ليس لهؤلاء مثلهما. وفي هذه الحادثة يقول الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده: [خليفة عباسي أراد أن يصنع لنفسه ولخلفه، وبئس ما صنع بأمته ودينه. أكثر من ذلك الجند الأجنبي، وأقام عليه الرؤساء منه. فلم تكن إلا عشية أو ضحاها حتى تغلب رؤساء الجند على الخلفاء، واستبدوا بالسلطان دونهم وصارت الدولة في قبضتهم، ولم يكن لهم ذلك العقل الذي راضه الإسلام، والقلب الذي هذبه الدين، بل جاءوا إلى الإسلام بخشونة الجهل، يحملون ألوية الظلم، لبسوا

стр. 2

الإسلام على أبدانهم، ولم ينفذ منه شيء إلى وجدانهم، وكثير منهم كان يحمل إلهه معه يعبده في خلوته ويصلي مع الجماعات لتمكين سلطته. . .] منذ تلك الأزمان وجزيرة العرب مهملة: لا تعنيها الدولة، ولا تستعين بها. وكانت نتيجة ذلك أن "الجاهلية" عادت إلى جزيرة العرب واستقرت فيها قرونًا طويلة. ثم ظهر في صميم جزيرة العرب رجل عظيم لا يزال حقه على المسلمين مهضومًا فيهم، وأعني به الرجل المصلح، داعية العرب والمسلمين للرجوع إلى فطرة الإسلام الأولى، شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب مؤلف أصل هذا الكتاب، هذا الرجل نظر فيما عليه سكان جزيرة العرب في زمنه فرآهم في حالة سوء: العصبية الجاهلية كالتي نهى عنها هادي البشر (محمد) ﷺ ، ودعاء غير الله كالذي جاء ﷺ لاستئصال جرثومته، والاحتيال بمختلف الأسباب للابتعاد عن الحق والهدى كالذي كان قبل مبعثه ﷺ ، ثم التقاطع والتفرق، والتواصي بالباطل دون الحق، والاعتداء على حق الغير، والعطالة، والكسل، والخرافات والأوهام، والضغينة، والفوضى، والقذارة، والمكر، والخداع، وعدم الانقياد للنظام بحيث كان كل رجل أمة وحده. هذه أمراض رآها مؤلف أصل هذا الكتاب موجودة في قومه وفي بلاده، ورأى السنة المحمدية تدور حول تطهير الإنسانية من هذه الشوائب، فقال في نفسه: - إذن نحن في مثل ما كان عليه أهل الجاهلية! حينئذ عاهد ربه على أن يعلن الحرب على هذه الأمراض، وأن يداويها بالطب النبوي من كتاب الله وسنة رسوله. قلت إنه كان رجلا عظيما، لأنه ثبت في جهاده إلى أن لقي ربه، فحول الله تلك الأوطان العربية على يده وبطريقته من أخلاق الجاهلية وأطوارها إلى أمة تقيم الصلاة ساعة الدعوة إليها، وتؤتي الزكاة عند استحقاقها، ولا يشهد رمضان فيها ما يشاهده في مصر والشام والعراق من فضائح، ويحجون بقلوب لا متسع فيها لغير الإيمان بالله، وكل رجل منهم عنده كفنه يحمله مع سلاحه إذا ناداه الإمام للجهاد.

стр. 3

إن تحويل هذه الأمة مما كانت عليه إلى ما صارت إليه ليس من الأمور الهينة، وأنا كلما تصورت في ذهني عظمة محمد بن عبد الوهاب ﵀ يتضاءل في نظري كثير من الشخصيات التي أنا معجب بها، فأنظر إليه بعين الإكبار والإجلال. نعم، كان في نجد جمود وشدة، لكنهما ناشئان عن عزلة النجديين في بلاد منزوية عن ممر الأمم، وأنا على يقين بأن اتصال نجد بالحجاز واتصال النجديين والحجازيين بحجاج الأقطار، وازدياد عدد الحجيج باستتباب الأمن ورسوخه، سيكون فيه خير عظيم للحجاز ونجد والعالم الإسلامي جميعًا. وبعد فإن هذه الرسالة إحدى نظرات محمد بن عبد الوهاب إلى المرض العام الذي كان سكان الجزيرة العربية مصابين بأعراضه، والظاهر أنه جعلها رءوس أقلام ليتوسع فيها يومًا ما فلم يتيسر ذلك له وقد طبعت في الهند على اختصارها الذي جعلها بمقام فهرس للمسائل المائة التي خالف فيها رسول الله ﷺ أهل الجاهلية من الأميين والكتابيين، ولما رأى علامة العراق السيد محمود شكري الألوسي ﵀ اختصارها، وأدرك أنها ليست تأليفًا ولكنها مذكرة لتأليف، عمد إلى شرحها. ولا أعني شرح ألفاظها بل شرح معانيها، أي أنه أتم العمل الذي كان يريد المصلح النجدي العظيم أن يتمه. ولما كان كتاب السيد محمود شكري الألوسي لا يزال مخطوطًا يخشى أن تجتاحه الجوائح، فقد رأى صديقي أديب العراق السيد محمد بهجة الأثرى - وهو خير من أنجبهم العلامة الألوسي - أن يجعل هذا الكتاب هديته إليَّ عند زيارته القاهرة في شهر صفر سنه ١٣٤٧ هـ، ورأيت من قدر هذه الهدية عندي أن أبادر إلى طبعها ووضعها بين أيدي الناس تعميما لفائدتها وأن أجعلها هدية المكتبة السلفية إلى سيد شباب هذه الدعوة الأمير فيصل السعود لأنه كما ورث حُماتها بآبائه ورث صاحب الدعوة نفسه من طرف أمه، فلم أجد أحدًا أولى بها منه. والله ولي التوفيق. القاهرة: ١٢ ربيع الأول ١٣٤٧ هـ محب الدين الخطيب

стр. 4

[مقدمة محمود شكري الألوسي البغدادي] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي هدانا للدين المبين، وأنار لنا الصراط المستقيم والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، وعلى آله وأصحابه الغر الميامين. أما بعد فيقول العبد المفتقر إلى عفو الله وغفرانه محمود شكري الألوسي البغدادي كان الله تعالى له، وأحسن عمله: إني قد وقفت على رسالة صغيرة الحجم كثيرة الفوائد تشتمل على نحو مائة مسألة من المسائل التي خالف فيها رسول الله ﷺ أهل الجاهلية من الأميين والكتابيين، وهي أمور ابتدعوها ما أنزل الله بها من سلطان ولا أخذت عن نبي من النبيين، ألفها الإمام محيي السنة، ومجدد الشريعة النبوية، أبو عبد الله محمد بن عبد الوهاب النجدي الحنبلي، تغمده الله تعالى برحمته. فرأيتها في غاية الإيجاز، بل كادت تعد من قبيل الألغاز، قد عبر عن كثير منها بعبارة مجملة، وأتى فيها بدلائل ليست بمشروحة ولا مفصلة. حتى إن من ينظرها ليظن أنها فهرس كتاب، قد عدت فيه المسائل من غير فصول ولا أبواب، ولاشتمالها على تلك المسائل المهمة الآخذة بيد المتمسك بها إلى منازل الرحمة، أحببت أن أعلق عليها شرحًا يفصل مجملها ويكشف معضلها من غير إيجاز مخل ولا إطناب ممل. مقتصرًا فيه على أوضح الأقوال، ومبينًا ما أورده من برهان ودليل، عسى الله أن ينفع بذلك المسلمين، ويهدي به من يشاء من عباده المتقين. فيكون سببًا للثواب، والفوز يوم العرض والحساب، والأمن من أليم العذاب، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.

стр. 5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال المصنف رحمة الله تعالى عليه: هذِهِ مَسائِلُ خالفَ فيها رسول الله ﷺ ما عَلَيْهِ أهلُ الجاهِلِيَّةِ الكِتابِيِّينَ والأمِّيِّينَ، مِمَّا لا غِنى لمُسْلِمٍ عَنْ مَعْرفَتِها. فالضِّد يظهِرُ حُسْنَهُ الضِّدُّ وَبِضدِّها تتميز الأشْياءُ وَأهَمُّ ما فيها وَأشَدُّهُ خَطَرا، عَدَمُ إيمانِ القَلْبِ بِما جاءَ به الرَّسولُ ﷺ ، فَإِنِ انْضافَ إِلى ذلكَ اسْتِحْسانُ دِينِ الجاهِلِيَّةِ والإِيمانُ بهِ، تَمَّتِ الخَسارةُ والعياذُ باللهِ تعالى، كما قال تعالى [العنكبوت: ٥٢] :. . ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٢] [دعاء الصالحين] دعاء الصالحين (المسألة الأولى) : أنَّهم يَتَعبَدونَ بإشْراكِ الصَّالِحينَ فِي دعاء اللهِ تعالى وعبادته، وَيَرَوْنَ ذلكَ مِنْ تَعْظيم الصَّالِحينَ الَّذي يُحِبُّهُ الله، ويُريدونَ بِذلكَ شَفاعتَهم عند الله لِظَنِّهِم أنَّهم يُحِبونَ ذلكَ كَما قَالَ تَعَالى في أوائلِ [الزُّمَرِ٢-٣] : ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ - أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر: ٢ - ٣] وقالَ تَعالى [يونس: ١٨] : ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] وهذهِ أعظمُ مسألة خالَفَهم فيها رَسول الله ﷺ ، فَأتى بالإِخلاص، وأخْبَرَهم أنَّه دِينُ الله الَّذي لا يُقْبَلُ مِن أحَدٍ سِواهُ وأنَّ مَنْ فَعَلَ ما يسْتَحْسنونه، حَرَّمَ الله عليه الجَنَّةَ، ومأواه النَّارُ. وهذه المسألةُ هي الدِّينُ كُلُّهُ، وَلأجْلِها تَفَرَّقَ النَّاسُ بينَ مسلمٍ وكافِرٍ، وعندَها وَقَعَتِ العَداوةُ، ولأجلِها شُرِعَ الجهادُ؛ كما قال تَعالى في [البقرة: ١٩٣] : ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣]

стр. 6

[التفرق] التفرق (الثانية) : أنهم مُتَفَرِّقونَ، ويَرَوْنَ السَّمْعَ والطَّاعةَ مَهانَةً ورَذالةً. فَأمَرَهُمُ الله بالاجتِماعِ، وَنَهاهُم عَن التفْرقة فقالَ عزَّ ذكرُه [آل عمران: ١٠٢ -١٠٣] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ - وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢ - ١٠٣] يُقالُ: أرادَ سُبحانه بما ذُكرَ ما كانَ بين الأوسِ والخَزْرجِ مِنَ الحُروبِ التي تَطاوَلَت مِائةً وَعِشرينَ سَنَةً، إِلى أنْ أَلَّفَ سُبحانَه بينهم بالإِسلام، فَزالتِ الأحقادُ، قاله ابنُ إسحاقَ، وكان يومُ بُعاث آخِرَ الحُروبِ التي جَرَت بينهم، وقد فُصِّلَ ذلكَ في "الكامل " ومِن النَّاسِ مَن يقولُ: أراد ما كان بَيْنَ مُشركي العَرَبِ مِنَ التَّنازعُ الطَّويلِ والقتالِ العريضِ، ومنه حربُ البَسوسِ، كما نُقلَ عن الحَسَنِ ﵁. وَقَالَ تَعالى [التغابن: ١٦] : ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾ [التغابن: ١٦] إلى غيرِ ذلِكَ من الآيات النَّاصَّةِ على النَّهي عنِ الاستبدادِ والتَّفَرُّقِ وعَدَمِ الانقيادِ والطَّاعة مِمَّا كانَ عليه أهلُ الجاهِلِيَّة. [مخالفة ولي الأمر] مخالفة ولي الأمر (الثالثة) أنَّ مُخالَفةَ وليِّ الأمْرِ، وعَدمَ الانقيادِ له عندهم فضيلةٌ، وبعضهم يجعلهُ دينا. فخالفهم النَّبِيُّ ﷺ في ذلك، وأمَرهم بالصَّبْرِ على جَوْرِ الوُلاةِ والسَّمعِ والطَّاعة والنّصيحةِ لَهُمْ، وَغَلَّظ في ذلك وأبدى وأعادَ. وهذه الثلاثُ هي التي وَرَدَ فيها ما في الصَّحيح ﷺ : «يرضى لكم ثلاثا: أن تعبدوه ولا تُشْرِكوا به شَيْئا، وأنْ تَعْتَصِموا بِحَبل الله جَميْعا، وأن تُناصِحوا مَنْ وَلاَهُ الله أمرَكُم» . وروى البُخاريُّ عن ابنِ عبَّاس عن النَّبِيِّ ﷺ قال: «مَن كَرِهَ مِنْ أميرِه شَيْئا، فلْيَصْبِرْ، فإِنه مَنْ خَرَجَ مِنَ السُّلطانِ شِبْرًا، ماتَ مِيْتةً جاهِلِيةً» وَرَوى

стр. 7

أَيْضًا عن جُنادةَ بنِ أبي أُميَّة، قال: دَخَلنا على عُبادةَ بنِ الصَّامِتِ وهو مريضٌ، فَقُلْنا: أصلَحَكَ الله، حَدِّثْ بِحَديثٍ يَنْفَعُكَ الله بِهِ سَمِعْتهُ مِن النبي ﷺ ، قالَ: «دَعانا النَّبِيُّ ﷺ فَبايَعَنا، فكان فيما أخَذَ عَلَينا: أنْ بايَعَنا على السَّمْعِ والطَّاعَة في مَنْشَطِنا وَمَكْرَهِنا وعُسْرِنا وَيُسْرِنا وأثَرَةٍ علينا، وأنْ لا نُنازعَ الأمرَ أهلَهُ، إلا أن تَرَوْا كُفْرًا بَواحًا عندكم من الله فيه برهانٌ» . والأحاديثُ الصحيحةُ في هذا البابِ كثيرة، ولم يقعْ خَلَلٌ في دِين النَّاسِ أو دُنياهُم إلاَّ من الإِخلال بِهذِه الوَصِيَّةِ. [التقليد] التقليد (الرابعة) : أنَّ دِينَهم مَبْنيٌّ على أُصولٍ أعْظَمُها التَّقْليدُ، فهوَ القاعدةُ الكُبرى لجميعِ الكفَّارِ مِنَ الأوَّلينَ والآخِرين: كما قال تعالى في [الزخرف: ٢٣- ٢٤] : ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ - قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣ - ٢٤] فَأَمَرَهُمُ الله تعالى بقوله في [الأعراف: ٣] : ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣] وقالَ تَعالى: [البقرة: ١٧٠] : ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠] إلى غير ذلكَ مِمَّا يَدُلُّ على أنَّ أهلَ الجاهِلِيَّة كانوا في رِبْقَةِ التقليدِ، لا يُحكِّمونَ لَهم رَأيًا، وَلاَ يُشْغِلونَ فِكرًا؛ فلِذلِكَ تاهوا في أودِيَة الجَهالَة. وهكذا كُلُّ مَنْ سَلَكَ مَسْلَكَهم في أيِّ عصرٍ كانَ. [الاقتداء بالعالم الفاسق أو العابد الجاهل] الاقتداء بالعالم الفاسق، أو العابد الجاهل. (الخامسة) : الاقِتداءُ بِفَسَقَةِ أهلِ العِلْمِ وجهَّالِهِم وعبَّادِهِم فَحَذَّرَهُم الله تَعالى مِن ذلكَ بقوله [التوبة: ٣٤] : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤] وقال تَعالى [المائدة: ٧٧] : ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧]

стр. 8

إلى آَيات أُخَرَ تُنادِي بِبُطْلانِ الاقْتِداءِ بالفُسَّاقِ وَأهْلِ الضَّلالَة والغَيِّ، وذلِكَ مِنْ سنَنِ الجاهِلِيَّةِ وطرائِقِهمُ المِعْوَجَّةِ. [الاحتجاج بما كان عليه الآباء بلا دليل] الاحتجاج بما كان عليه الآباء بلا دليل (السادسة) : الاحتِجاجُ بِما كانَ عليه أهلُ القرونِ السَّالِفَةِ، مِن غَيرِ تَحكيمِ العَقْلِ، والأخْذِ بِالدَّليلِ الصَّحيح. وقد أبْطَلَ الله تَعالى ذلكَ بِقولهِ في [طه: ٤٩-٥٤] : ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى - قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى - قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى - قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى - الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى - كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ﴾ [طه: ٤٩ - ٥٤] إلخ. وقالَ تَعالى فيِ [القَصَصِ: ٣٦-٣٧] : ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ - وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [القصص: ٣٦ - ٣٧] وَقَالَ عَزَّ ذكْرُه في سورةِ [المؤمنونَ: ٢٣-٢٥] : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ - فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ - إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ﴾ [المؤمنون: ٢٣ - ٢٥] وقالَ تَعالى فيِ [ص: ٦-٧] : ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ - مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ [ص: ٦ - ٧] فَجَعَلوا مَدارَ احْتِجاجِهِم على عَدَمِ قَبولِ ما جاءَت بِهِ الرُّسُلُ أنَّه لم يَكُنْ عليهِ أسْلافُهُم، وَلا عَرَفوه مِنْهم، فانْظُرْ إلى سُوءِ مدارِكِهم، وَجُمودِ قرائِحِهِم، وَلو كانَت لَهُم أعينٌ يُبْصِرونَ بِها، وآذانٌ يَسمَعون بها، لَعَرفَوا الحَقَّ بدليلِهِ، وانْقادوا لِليَقينِ مِن غيرِ تَعْليلِهِ، وَهَكَذا أخلافُهُم ووراثهم، قَد تَشابَهت قلوبُهُم.

стр. 9

[الاحتجاج على الحق بقلة أهله] الاحتجاج على الحق بقلة أهله (السابعة) : الاعْتِمادُ عَلى الكَثْرَةِ، والاحْتِجاجُ بالسَّوادِ الأعْظمِ والاحْتِجاجُ عَلى بُطْلانِ الشَّيْءبِقِلَّةِ أهلِهِ. فَأنْزَلَ الله تَعالى ضِدَّ ذَلِكَ وما يُبْطِلُهُ، فَقَالَ في [الأنعام: ١١٦-١١٧] : ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ - إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ١١٦ - ١١٧] فالكثرةُ على خِلافِ الحَقِّ لا تستوجِبُ العُدول عَنِ اتِّباعِهِ لِمَنْ كانَ لَهُ بَصيرةٌ وَقَلب، فالحقُّ أحَقُّ بالاتِّباع، وإن قَلَّ أنْصارُهُ؛ كما قال تَعالى [ص: ٢٤] : ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ [ص: ٢٤] فأخْبَرَ الله عن أهلِ الحَقِّ أنَهم قليلون. غيرَ أنَّ القلَّةَ لا تَضرُّهُمْ. تُعَيِّرُنا أنِّا قَليلٌ عَدِيدُنا ... فَقُلْتُ لَهُمْ إِنَّ الكِرامَ قَليلُ (١) فالمقصودُ أنَّ مَن لَهُ بَصيرةٌ ينظرُ إلى الدَّليلِ، ويأخذُ ما يَسْتنتِجُهُ البُرْهانُ، وإنْ قَلَّ العارِفونَ بِهِ، المُنْقادونَ لهُ، ومن أخَذَ ما عَليه الأكثرُ، وما ألِفَتْهُ العامَّةُ من غيرِ نظر لدليلِ فهو مخطئٌ، سالك سبيلَ الجاهِلِية، مقدوحٌ عند أهلِ البصائرِ. [الاستدلال على بطلان الشيء بكونه غريبًا] الاستدلال على بطلان الشيء بكونه غريبًا. (الثامنة) الاستدلال على بطلان الشيء بكونه غريبًا. فرد الله تَعالى ذلك بقوله في [هود: ١١٦] : ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [هود: ١١٦] ومعنى الآية: (فَلولَا كاَنَ) تحضيضٌ فيه معنى التفجُّع، أي: فهل كان (مِنَ القُرونِ) أي الأقوام المقتربة في زمان واحد ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ﴾ [هود: ١١٦] أي ذوو خصلة باقية من الرأي والعقل، أو ذَوو فضل، على أن يكون البقية اسمًا للفضل، والهاءُ (٢) .

стр. 10

للنقل، ومن هنا يقال: فلان من بقية القوم، أي: من خِيارهم، ومنه قولهم في الزوايا خبايا، وفي الرجال بقايا، ﴿يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ﴾ [هود: ١١٦] الواقع فيما بينهم حسبما ذكر في قَصَصهم، وفُسِّر الفساد بالكفر وما اقترن به من المعاصي، ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾ [هود: ١١٦] استثناءٌ منقطعٌ، أي وَلَكِن قَليلا منهم أنْجَينا لِكَونهِم كانوا ينهون. [انخداع أهل القوة والحيلة بقوتهم وحيلتهم] انخداع أهل القوة والحيلة بقوتهم وحيلتهم (التاسعة) : الاسْتِدلالُ على المطلوب، والاحتجاجُ بِقومٍ أُعْطوا مِن القوَّةِ في الفَهْمِ والإِدْراكِ، وفي القُدْرَةِ والمُلْكِ؛ ظَنًّا أنَّ ذلك يَمْنَعُهُم من الضَّلالِ. فَرَدَّ الله تَعالى ذلك عليهم بقوله سبحانه في [الأحقاف: ٢٤-٢٦] : ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ - تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ - وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٤ - ٢٦] ومعنى الآية: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٦] أي: قَوَّيْنا عادًا وأقْدَرْناهُم، و "ما" في قولِهِ تَعالى: فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ موصولةٌ أو موصوفةٌ و "إن" نافية، أيْ: في الَّذي، أو في شيءٍ ما مَكَّنَّاكم فيه من السَّعَةِ والبَسْطَةِ وطُولِ الأعمارِ وسائرِ مَبادئ التَّصَرُّفاتِ، كما في قولهِ تَعالى [الأنعام: ٦] : ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ [الأنعام: ٦] ولم يَكن النَّفيُ بلفظِ "ما" كراهة لِتكريرِ اللَّفظِ، وإنِ اخْتَلَفَ المَعْنى، ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً﴾ [الأحقاف: ٢٦] لِيَسْتَعْمِلوها فِيْما خُلِقَتْ لَهُ، وَيَعْرِفوا لكُلٍّ مِنْها ما نِيْطَت بهِ مَعْرِفَتُهُ مِن فُنونِ النِّعَمِ، وَيُسْتَدَلُّ بِها على شُؤُونِ مُنْعِمِها ، وَيُداوموا على شُكْرِهِ جَلَّ ثَناؤُه ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٦] حَيثُ لم يَسْتَعْمِلوه في اسْتِماعِ الوحي ومواعظِ الرُّسلِ، ﴿وَلَا أَبْصَارُهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٦] حَيثُ لم يَجْتَلوا بِها الآياتِ التكونِيَّةَ المَرسومةَ في صحائفِ العالم، ﴿وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٦]

стр. 11

حَيث لم يَسْتَعْمِلوها في معرفة الله تعالى ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٦] أيْ: شَيْئًا من الأشياءِ، و"مِن" مَزيدَةٌ للتوكيدِ. وقولهُ: ﴿إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ٢٦] تَعليل للنَّفيِ، ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٦] مِن العذابِ الذي كانوا يَستَعجِلونَه بطريقِ الاستهزاءِ، ويَقُولونَ: ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٢] فَهذه الآية تبطِلُ الاحْتِجاجَ بقومٍ أُعْطُوا مِن القوَةِ في الفهمِ والإِدراك وفي القدرةِ والملكِ؛ ظَنًّا أنَّ ذلكَ يَمْنَعُهُم منَ الضَّلالِ. ألا تَرى أنَّ قومَ عادٍ كما أخْبَرَ عنهم التنزيلُ كانوا منَ القوَّةِ والبَسْطَةِ في الأموالِ والأبدانِ والإِدْراكِ وسَعَة الأذهانِ وغيرِ ذلك مما لم يَكن مِثْلُهُ لِلعربِ الذينَ أدركوا الإِسلامَ، ومَعَ ذلكَ ضَلُّوا عن سواءِ السَّبيلِ، وَكَذَّبوا الرُّسُلَ بالأباطيلِ، فالتَّوفيقُ للِإيمانِ باللهِ ورسلِه، والإِذعان للحق، وسُلوكِ سبيلِهِ إنِّما هو فَضْلٌ منَ الله تَعالى لا لِكَثرةِ مالٍ ولا لِحُسْنِ حالٍ. وَمَنْ يُرِدِ الحَقَّ ويَسْتَدِلَّ بِكونِ مَن هو أحسنُ حالا منه لم يقبلْهُ، ولم يحُكِّم عقلَه، وَيَتَّبعْ ما يوصِله إِليه الدليل، فقد سَلَكَ سبيلَ الجاهِلِية، وحادَ عن المحجَّةِ المرْضِيَّة. ومِثلُ هذه الآية قولُه تَعالى [البقرة: ٨٩] : ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩] كانَ اليَهودُ يَعْلَمونَ مِن كُتُبِهِم رسالةَ محمَّدٍ ﷺ ، وأنَّ الله سَيُرْسِلُ نبِيّا كَرِيما من العَرَبِ، وكانوا مِن قبلُ يَسْتَفْتِحونَ على المُشرِكينَ ببعثتِهِ، ويَقولونَ. يَا ربَنا أرْسِلِ النَّبيَّ الموعودَ إرسالُه؛ حتّىَ نَنتصرَ على الأعداءِ، فَلَمَا جاءَهُم ما عَرَفوا، وهو محمَّد ﷺ ، كَفَروا بهِ؛ حَسَدًا منهم أنْ تكونَ النُّبُوَّةُ في العربِ، وهم بزعمِهم أحسنُ أثاثا ورِئْيا، ولَم يَعْلموا أنَّ النُّبُوَّةَ والإِيمانَ بها فضلٌ من الله يُؤتيهِ من يَشاءُ. ومِثلُها أيْضا قولُه تَعالى [البقرة: ١٤٦-١٤٧] : ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ - الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [البقرة: ١٤٦ - ١٤٧] الضَّميرُ في قولِه: (يَعْرِفوُنَه) عائد على العِلم في قولهِ [١٤٥] : ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٤٥] فَكِتمانُهُم الحَقَّ، وعَدَمُ جَرْيِهِم على مُقْتَضى

стр. 12

عِلْمِهم لِما فيهم مِن الجاهِلِيَّةِ، والاعتقادِ أنَّ فضلَ الله مقصورٌ عليهم، لا يَتَعَدَّاهم إلى غيرهم وآيةُ [الأنعام: ١٩- ٢٠] موافقةٌ لِهذِه الآيةِ لفظًا ومعنًى، وهي قولُه تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ - الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٩ - ٢٠] [انخداع أهل الثروة بثروتهم] انخداع أهل الثروة بثروتهم (العاشرة) : الاسْتدلالُ بعطاءِ الدُّنيا على مَحَبَّةِ الله تعالى قال سُبحانَه [سبأ: ٣٤-٣٩] : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ - وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ - قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ - وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ - وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ - قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٤ - ٣٩] وقال في سورة "القصص" [٤٦-٥٠] : ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ - وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ - فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ - قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ - فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٤٦ - ٥٠] وفي آيات أخرى في سورة [القصص ٧٦ -

стр. 13

٧٨ -] يقول الله سبحانه ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ - وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ - قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص: ٧٦ - ٧٨] فقدْ كفانا الله تعالى إبطالَ هذهِ الخَصْلة الجاهِلِيَّةِ بقوله في الآية الأولى [سبأ: ٣٦] : ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [سبأ: ٣٦] وفي الآية الأخرى بقوله [القصص: ٧٨] : ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ﴾ [القصص: ٧٨] إلخ، فَعَلِمْنا مِن ذلك أنَّ محبَّة الله ورضاء الله إنَّما يَكون بطاعتِهِ والانقياد لرسلِه، والإِذعانِ للحقِّ باتِّباعِ البُرهانِ. وأمَّا كثرةُ المالِ، وسَعَةُ الرِّزقِ، وعيشُ الرَّخاءِ، فلا دليلَ فيه على نجاةِ المُنْعمِ عليه بمثلِ ذلك، ولو كانتِ الدُّنيا وما فيها تُعادِل عند الله جَناحَ بَعوضة ما سَقى مَنْ عصاه شربةَ ماءٍ. قالَ سُبحانَه [الزخرف: ٣٣] : ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٣] وعلى ذلك قول القائل: (١) . كمْ عالم عالِم أعْيَتْ مَذاهِبُهُ ... وجاهِل جاهِل تَلْقاهُ مَرْزوقا (٢) ومما ينْسَبُ لبَعضِ الأكابرِ: رضينا قِسْمَةَ الجَبَّارِ فينا ... لَنا عِلم وَلِلأعْداء مالُ فإِنَّ المال يَفْنى عَنْ قريبٍ ... وَإِن العِلْمَ باقٍ لا يَزالُ والشَّواهِدُ كثيرة. والمقصودُ أنَّ ما كانَ عليه أهلُ الجاهِلِيَّة مِنْ كونِ زَخارِفِ الدُّنيا مِن الأدلَّة على قُربِ مَن حازَها مِن الله وقَبوله عندَه فقول بعيد عن الحقِّ، ومذهب باطلٌ لا ينبغي لِمَنْ له بصيرة أنْ يُعَوِّلَ عَلَيْهِ.

стр. 14

[الاستخفاف بالحق لضعف أهله] الاستخفاف بالحق لضعف أهله (الحادية عشرة) : الاسْتِدلالُ على بُطْلانِ الشَّيء بأخذِ الضُّعَفاءِ بِهِ، وضَعفِ فَهم من أخَذَ به، على ما يَدُلُّ عليه قولُ قومِ نوح له كما حَكاه عنهم الكِتابُ الكريمُ. قَالَ تَعالى في سورةِ [الشُّعراءِ: ١٠٥- ١١٥] : ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ - إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ - إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ - فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ - وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ - فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ - قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ - قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ - إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ - وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ - إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الشعراء: ١٠٥ - ١١٥] فانْظُرْ إِلَى قومِ نُوح كَيفَ اسْتنكَفوا مِن اتِّباعِ نَبِيِّهم لِسَبَبِ اتِّباعِ الضُّعفاءِ له، وَذَلِكَ لِكونِ مَطْمَحِ أنظارِهِم الدُّنْيا، وإِلا لو كانت الآخرةُ هَمَّهم، لاتَّبَعوا الحَقَّ أيْنَما وَجَدوهُ، ولكن لِجاهِلِيتِهم أعْرَضوا عَن الحَقِّ لاتِّباعِ شَهَواتِهِم، وانْظُرْ إلى هِرَقْلَ لَمَّا كان من العَقْلِ والبَصيرةِ على جانبٍ عظيمٍ، اعتقدَ اتِّباعَ الضُّعفاءِ دليَلاَ على الحَقِّ. فقال في جُملةِ ما سألَ أبا سُفْيانَ عن رسولِ الله ﷺ . "وَسَألْتُكَ عن أشْرافِ النَّاسِ اتَّبَعوه أم ضُعفاؤهم؟ فَذَكَرْتَ أنَّ ضُعَفاءَهم اتَّبَعوه، وهم أتْباعُ الرُّسُل". ومِثْلُ ذلكَ قوله تَعالى في سُورةِ [هُوْدٍ: ٢٥-٢٧] : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ - أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ - فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ [هود: ٢٥ - ٢٧] [وصم أنصار الحق بما ليس فيهم] وصم أنصار الحق بما ليس فيهم (الثانية عشرة) من خصالِ أهل الجاهلية: رمي مَنِ اتَّبَعَ الحَقَّ بِعَدَمِ الإِخلاصِ، وطَلَبِ الدُّنيا. فَرَدَّ الله عَلَيهم بقولِ نَبِيِّهم الَّذِي حكاهُ الله عن نوحِ في الآيات المذكورة في المسألةِ الحاديةَ عشرةَ، بقوله [الشعراء: ١١١- ١١٥]

стр. 15

﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ - قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ - إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ - وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ - إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الشعراء: ١١١ - ١١٥] ومقصودُهُم أنَّ أتْباعَكَ فقراءُ، آمَنوا بِكَ؛ لِينالوا مقصدَهُمْ مِن العَيشِ، لا أنَّ إيمانَهم كان لِدَليلٍ يَقْتَضي صِحَّةَ ما جئتَ بِهِ؛ فَلِهذا رَدَّ عَلَيهم بمِا رَدَّ. [التكبر عن نصرة الحق لأن أنصاره ضعفاء] التكبر عن نصرة الحق لأن أنصاره ضعفاء (الثالثة عشرة) من خصالِ الجاهلِية الإِعراضُ عَن الدخولِ في الحَقِّ الَّذي دَخَلَ فِيهِ الضعَفاء؛ تَكَبُّرًا وأنفَةً. فردَّ الله تعالى عَلَيْهم ذلِكَ بقولِهِ في سُورةِ [الأنعام ٥٢-٥٣] : ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ - وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٢ - ٥٣] ومِثلُ ذلكَ قوله تَعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى - أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ [عبس: ١ - ٢] وغيرِ ذَلِكَ. وحاصلُ الرَّدِّ أنَّ مَن آمَنَ مِن هؤلاءِ الضُّعفاءِ، إِنَّما كانَ إيمانُه عَن بُرهانٍ، لا كما زعم خصومهم، ولست أنت بمسئول عنهم، ولا هم بمسئولين عن حسابك، فطردُهم عن بابِ الإِيمانِ من الظلمِ بِمَكانٍ. [استدلالهم على بطلان الشيء بكونهم أولى به لو كان حقا] استدلالهم على بطلان الشيء بكونهم أولى به لو كان حقا (الرابعة عشرة) : الاسْتِدْلالُ على بُطلانِ الشَّيء بِكَونِهم أوْلى بِهِ لَوْ كانَ حَقًّا. قَالَ تَعالى في سورةِ [الأحقاف١١] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ [الأحقاف: ١١] بعدَ قوله [١٠] ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأحقاف: ١٠]

стр. 16

[جهلهم بالجامع والفارق] جهلهم بالجامع والفارق (الخامسة عشرة) : الاسْتِدلالُ بِالقياسِ الفاسِدِ، وإنكارُ القِياسِ الصَّحيحِ، وجَهْلهمْ بِالجامعِ والفارِقِ. قال تعالى في سورةِ [المؤمنين ٢٤-٢٥] ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ - إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ﴾ [المؤمنون: ٢٤ - ٢٥] وقبل الآية [٢٣] : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [المؤمنون: ٢٣] شُروعٌ في بيانِ إهمالِ النَّاسِ، وتركِهِم النَّظَرَ والاعتبارَ فيما عَدَّدَ سُبحانَه مِن النِّعَمِ قَبْلَ هذهِ الآية، ومن خلفهم مِن زَوالِها، وفي ذلِكَ تخويفٌ لِقريشٍ، وتقديمُ قصَّة نوحٍ ﵇ على سائرِ القَصصِ مِمَّا لا يَخفى وجهُهُ، فَقال مُتَعَطِّفا عليهم، ومُسْتَميلا لهُمْ إلى الحَقِّ ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [الأعراف: ٦٥] أي: اعْبُدوهُ وحدَه، ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٦٥] استئنافٌ مَسوق لِتعليلِ العبادةِ المأمورِ بِها، ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ٦٥] الهَمْزَةُ لإِنكارِ الواقعِ واستقباحِهِ، والفاءُ للعطفِ على مقدَّر يَقْتَضيهِ المَقامُ، أيْ: أتَعْرِفونَ ذلكَ، أي مَضْمونَ قولهِ تَعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ٦٥] عَذابَهُ تَعالى الَّذِي يَسْتَوجِبُهُ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِن تَرْكِ عَبادتِهِ سبحانَه وحْدَه، وإشراككم بِهِ في العبادةِ ما لا يَسْتَحِقُّ الوجودَ - لَولا إيجادُ الله إياه- فَضْلا عن اسْتِحقاقِ العبادةِ، فالمُنْكَرُ عدمُ الاتِّقاءِ، مَعَ تَحقُقِ ما يوجبُه، ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ﴾ [المؤمنون: ٢٤] أي الأشرافُ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾ [المؤمنون: ٢٤] وصِفَ الملأ بالكُفْرِ مَعَ إشْراكِ الكُلِّ فيه للِإيْذانِ بكمال عَراقَتِهِم وشِدَّةِ شَكيمَتِهِم فيهِ، وليسَ المُرادُ مِن ذلكَ إلاَ ذَمَّهُم، دُونَ التَّمَيُّزِ عن أَشْرافٍ آَخَرينَ آمَنوا به ﵇ أو لم يُؤمِنْ بِهِ أحَدٌ مِن أشرافِهم، كما يُفصِح عنه قولُه: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾ [هود: ٢٧] وهذا القولُ صَدَرَ مِنْهُم لِعَوامِّهِم، ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [المؤمنون: ٢٤] أي: في الجِنسِ والوصفِ، من غيرِ فرقٍ بَينَكم وبَينَه، وَصَفوهُ ﵇ بِذلِكَ مُبالَغةً في وضْعِ رتْبَتِهِ العاليةِ، وحَطِّها عن مخصِبِ النُّبَوَّةِ، وَوَصَفوه بقوله : ﴿يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ [المؤمنون: ٢٤] إغْضابا

стр. 17

للمخاطبين عَلَيه ﵇ وإغراء لهم على معاداتِه، والتَّفَضلُ: طَلَبُ الفَضلِ، وهو كِنايَةٌ عنِ السِّيادَةِ، كأنَّه قِيلَ يُريدُ أنْ يَسودَكمْ ويتقَدَّمَكُمْ بادِّعاءَ الرِّسالة، معَ كَوْنهِ مِثْلَكمْ، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً﴾ [المؤمنون: ٢٤] بيانٌ لِعَدَمِ رِسالةِ البَشَرِ عَلى الإِطلاقِ على زَعْمهم الفاسدِ، بَعْدَ تَحْقيقِ بَشَرِيَّتِهِ ﵇. أي وَلَو شَاءَ الله تعَالى إرسالَ الرُّسلِ، لأرْسَلَ رُسُلا مِنَ المَلائكةِ، وإنَّما قيلَ "لأنْزَلَ" لأنَّ إِرْسَالَ المَلائِكَةِ لا يكونُ إلا بطريقِ الإِنزال، ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٤] هَذَا إشارة إلى الكلامِ المُتَضمِّنِ الأمرَ بعبادةِ الله ، خاصَّةً والكَلامُ على تقديرِ مُضافٍ أيْ ما سَمعنا بمثل هذا الكلامِ في آبائِنا الماضينَ قَبْلَ بعثتِه ﵇. وقُدِّرَ المضافُ لأنَّ عدمَ السَّماعِ لكلامِ نوحٍ المذكورِ لا يصلُحُ لِلرَّدِّ فإِنَّ السَّماعَ بِمِثْلِهِ كان في القَبولِ ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [المؤمنون: ٢٥] أيْ ما هو إلاَ رَجُلٌ به جُنُونٌ أو جِنٌّ يخْبُلونَهُ ولِذلِكَ يَقولُ ما يَقولُ، ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ﴾ [المؤمنون: ٢٥] فاحْتَمِلوهُ واصْبِروا عليه وانْتَظِروا لَعَلَّهُ يَفيقُ مِمَّا هو فِيه مَحْمول على مَرامي أحْوالِهمْ في المُكابَرَةِ والعِنادِ، وإضرابُهُم عَمَّا وَصَفوه ﵇ بِهِ مِنَ البَشَرِيَّة، وإرادَةِ التَّفَضُّلِ، إلى وصفِهِ بِما تَرَى، وهُم يَعْرِفونَ أنَّه ﵇ أرجَحُ النَّاسِ عَقْلا، وأرْزَنُهُم قَولا، وهو مَحْمولٌ على تَناقُضِ مَقالاتِهم الفاسِدَةِ، قاتَلَهم الله تَعالى أنَّى يؤفَكونَ والقياسُ الفاسدُ والصَّحيحُ، والجامعُ والفارِقُ، مُفَصَّلا في كتبِ الأصول (١) فَبَيْنَ الرُّسلُ ﵈ وسائرِ النَّاسِ مُشابَهَة مِن جهةِ البشريَّةِ ولوازِمِها الضروريَّةِ، فيَصِحُّ حينئذٍ قياسُ الرُّسُلِ على غيرِهِم فيها، وعليه قولُه تَعالى [الكهف: ١١٠، فصلت: ٦] : ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [فصلت: ٦] وبَيْنَ الرُّسُلِ والأنبياءِ ﵈ وغيرِهِم مِن البَشَرِ فُروق كثيرة منها أنَّ الله تعالى اصْطفاهم على النَّاسِ بِرسالاتِه وبكلامِهِ ووحْيِهِ وخصهم بذلك، فَلا يُقاسُ أحَدٌ مِن النَّاسِ بِهِم حِينئذٍ مِن هذِهِ الجِهَةِ، كَما لاَ يَصِحُّ قياسُ غيرِهِم بِهم في سائر

стр. 18

خَصائِصهِم التي فُصِّلَتْ في غيرِ هذَا المَوضعِ، فالجاهِلِيَّةُ لم يُمَيِّزوا بَين القِياس الصحيح والفاسِدِ، ولا عرفوا الجامع ولا الفارِق، كما سَمِعتَ مِن قِياسِهم الرّسُل على غَيرِهِم، وهَكَذا أتْباعُهُمُ اليومَ ومَن هو على شاكِلَتِهمْ. [الغلو في الصالحين] الغلو في الصالحين (السادسة عشرة) : الغُلوُّ في الصَّالِحينَ مِن العُلَماءِ والأولِياء، كقوله تَعالى في سورة [التوبة ٣٠- ٣٢] : ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ - اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ - يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٠ - ٣٢] فاتِّخاذُ أحبارِ النَّاسِ أرْبابا يُحَلِّلونَ وَيُحَرِّمونَ، وَيَتَصَرَّفونَ فِي الكَونِ ويُنادَونَ في دَفعِ ضُرٍّ أو جَلْبِ نَفْعٍ مِن جاهِلِيةِ أهل الكِتابِيِّينَ، ثُمَّ سَرى إلى غيرِهِم من جاهِلِيَّةِ العَرَبِ، ولهمُ اليومَ بقايا في مَشارقِ الأرضِ ومَغارِبِها، تصديقًا لِقولِ النَّبِيِّ ﷺ : «لَتَتَّبِعُنَّ سَنن مَنْ كانَ قَبْلَكُم» الحديث، حَتّىَ نَرى غالبَ النَّاسِ اليومَ مُعْرِضينَ عن الله، وعن دينه الَّذِي ارْتَضاه، مَتَوَغِّلينَ في البِدَع، تائِهينَ في أودِيَة الضَّلالِ، مُعادينَ لِلْكِتابِ والسُّنَّةِ ومَن قامَ بِهما، فأصْبَحَ الدينُ مِنهم في أنينٍ، والإِسلامُ في بَلاءٍ مبيِنِ. وحسبُنا الله، ونعْمَ الوَكيلُ. [الاعتذار بعدم الفهم] الاعتذار بعدم الفهم (السابعة عشرة) : اعْتِذارهم عَنِ اتِّباعِ الوَحْيِ بِعَدَمِ الفَهْمِ، قَال تَعالى في

стр. 19

سورة: [البَقَرَةِ: ٨٧-٨٨] : ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ - وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٨٧ - ٨٨] وفي سورةِ [النِّساءِ١٥٥] ، ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٥٥] الغُلْفُ: جمعُ أغْلَفَ، كَأحْمَرَ وحُمْرٍ، وهو الذي لا يفقهُ. وأصلُه ذو القَلَفَةِ: الذي لم يُخْتَنْ، أو جَمْعُ غِلافٍ، ويُجمعُ على غُلُفٍ بِضمَّتَيْنِ أيْضًا. وأرادوا على الأوَّل: قُلوبُنا مُغَشَّاةٌ بأغشيةٍ خَلْقِيَّةٍ مانِعَةٍ عن نُفوذِ ما جئتَ بِهِ فيها. وهَذَا كقولهِم [فصلت: ٥] : ﴿قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ [فصلت: ٥] قَصدوا به إقناطَ النَّبِّي ﷺ عن الإِجابة، وقَطْعَ طَمَعِهِ عنهم بالكُلِّية. ومِنهم مَن قالَ معنى غُلْف: مُغَشَّاةٌ مِعُلوم مِنَ التَّوراةِ تحفظُها أنْ يَصلَ إليها ما تأتي به، أو بِسلامةٍ مِنَ الفِطْرَةِ كذلِكَ. وعلى الثاني أنَّها أوعِيَةُ العِلْمِ، فَلَو كانَ ما تقولُهُ حَالا وصِدقًا لَوَعَته. قالَ ابنُ عبَّاسٍ وقتادةُ والسُّدي: أو مملوءَةٌ عِلْمًا، فَلا تَسَعُ بعدُ شيئًا، فَنحنُ مُسْتَغْنونَ بِما عندَنا عَن غيرِه. ومنهم مَن قالَ: أرادوا أنَّها أوعِيَةُ العِلْمِ؛ فَكَيْفَ يَحِلُّ لنا اتباعُ الأمِّيِّ، ولا يخفى بُعْدُهُ. وَقَالَ تعالى في سورةِ [هودٍ: ٨٩- ٩١] : ﴿وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ - وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ - قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ [هود: ٨٩ - ٩١] وهذه الآية بمعنى الآية الأولى، وقد كَذَّبَهُمُ الله تعالى في دَعواهم هذهِ في الناس كثيرةٍ، وذَكَرَ أنَّ السَّبَبَ في عَدَمِ الفَهْمِ إِنَّما هو الطَّبْعُ على القُلوبِ بكُفْرِهِم، لا القُصورُ في البيانِ والتَّفهيمِ. وما أحسنَ قولَ القائل (١) : والنَّجْمُ تَسْتَصْغِرُ الأبصارُ صورتَه ... والذَّنْبُ للطَّرْفِ لا لِلنَّجْمِ في الصِّغَرِ

стр. 20

[إنكارهم الحق الذي لا تقول به طائفتهم] إنكارهم الحق الذي لا تقول به طائفتهم (الثامنة عشرة) : من خصال الجاهِليةِ: أنَّهم لا يَقْبَلونَ مِنَ الحَقِّ إِلا ما تَقولُ بِهِ طائِفَتهمْ. قَالَ تعالى [البقرة: ٩١] ، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩١] وَمَعْنى ﴿نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ٩١] أيْ: نَسْتَمرُّ عَلى الإِيمانِ بالتَّوراةِ ومما في حُكْمها، ومرادهم مما أُنزِلَ في تقريرِ حُكْمِها، ومرادُهم بضميرِ المُتكَلِّمِ إمَّا أنبياءُ بَني إسرائيلَ- وهو الظَّاهرُ، وفيه إيماء إلى أنَّ عدمَ إيمانِهم بالقرآنِ كانَ بغيًا وحَسَدًا على نُزولِهِ على مَن لَيْسَ مِنهم، وإمَّا أنفُسُهُم، ومعنى الإِنزالِ عليهم: تكليفُهُم بِما في المُنَزَّلِ مِن الأحكامِ. وَذُمُّوا على هذِهِ المقالةِ لِما فيها مِن التَعريضِ بشأنِ القرآنِ، ودَسائسُ اليهود مشهورة، أو لأنهم تَأوَّلوا الأمرَ المُطْلَقَ العامَّ، ونزلوه على خاصٍّ هو الإِيمانُ بِما أُنْزِل عَليهم، كَما هو دَيْدَنُهُم في تأويلِ الكِتابِ بغيرِ المرادِ مِنهُ. ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ٩١] أيْ: هُمْ مقارنونَ لِحَقِيقتِهِ، أيْ: عالِمونَ بها ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾ [البقرة: ٩١] لأنَّ كُتُبَ الله يُصدِّقُ بعضُها بَعضًا، فالتَّصديقُ لازِم لا يَنْتَقِلُ، وقد قَرَّرَتْ مَضمونَ الخَبَرِ، لأنَّها كالاسْتدلالِ عليه، ولِهذا تَضَمَّنت رَدَّ قولهِم: ﴿نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ٩١] حَيثُ أنَّ مَن لمْ يُصَدِّقْ بها بِما وافَقَ التّوَراةَ، لم يصَدقْ بِهِا. ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩١] أمْرٌ للنَّبِيِّ ﷺ أنْ يقولَ ذلكَ تَبْكيتًا لهم، حيث قَتَلوا الأنبياءَ مَعَ ادِّعاءِ الإِيمانِ بالتَّوراةِ، وهِي لا تُسَوّغُه. [التمسك بخرافات السحر] التمسك بخرافات السحر (التاسعة عشرة) من خِصالهم: الاعتياض عن كِتابِ اللهِ تَعالى بكتُبِ السِّحرِ، كَما قال تَعالى في سورةِ "البقرةِ" [١٠١ - ١٠٢] : ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ - وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠١ - ١٠٢]

стр. 21

والكلامُ على هذهِ الآية في التفاسيرِ مشهور، وهذه الخَصلةُ الجاهِلِيّةُ مَوجودة اليومَ في كَثيرٍ من النَّاسِ، لا سِيَّما مَن انتسبَ إلى الصَّالِحينَ وهو عنهم بِمراحِلَ، فَيَتَعاطَى الأعمالَ السِّحريَّةَ مِن إمساكِ الحَيَّاتِ، وضرْبِ السِّلاحِ، والدُّخولِ في النِّيرانِ، وغيرِ ذلك مِمَّا وَرَدَتِ الشَّريعةُ بإبطالِهِ، فَأعْرَضوا، ونبذوا كتابَ الله وَراءَ ظُهورِهِم، واتَّبَعوا ما ألْقاهُ إليهِم شَياطينُهُم، وادَّعَوا أنَّ ذلِكَ مِنَ الكَراماتِ، مَعَ أنَّ الكَرامةَ لا تصدرُ عن فاسِقٍ، ومَن يَتَعاطى تلكَ الأعمال فِسْقُهُم ظاهِرٌ لِلْعَيانِ، ولِذا اتَّخَذوا دِيْنَهم لَعِبًا ولَهْوًا، وفي مِثلهم قالَ تَعالى [الكهف: ١٠٤] : ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤] [التناقض في الانتساب] التناقض في الانتساب (العشرون) : تَناقضهُم في الانْتِسابِ. فَيَنْتَسِبونَ إلى إبراهيمَ ﵇ وإلى الإسلامِ، مَعَ إظْهارِهِمْ تَرْكَ ذلكَ، والانتسابَ إلى غيرِه. [صرف النصوص عن مدلولاتها] صرف النصوص عن مدلولاتها (الحادية والعشرون) : تَحْرِيفُ كلامِ الله مِن بعدِ ما عَقَلوهُ وهُمْ يَعْلَمونَ. ولَكَمْ في هذا العَصْرِ مَنْ هو على شاكِلَتِهمْ، تَراه يَصْرِفُ النُّصوصَ، وَيُؤوِّلُها إلى ما يَشْتَهيهِ مِن الأهْواءِ.

стр. 22

[تحريف كتب الدين] تحريف كتب الدين (الثانية والعشرون) : تَحْريفُ العلماءِ لكتُبِ الدِّين. قال الله تَعالى [البقرة: ٧٨-٧٩] : ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ - فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٨ - ٧٩] وَمَن نَظَرَ إلى قُضاةِ هذا الزَّمانِ (١) وما تَلاعَبوا بِهِ مِن الأحكامِ، وصَرْفِ التصرف إلى ما تَهْواهُ أنْفُسُهم، وتبديلِ الحَقِّ وإبطالِهِ، بِما يَنالونَه من الرشى وغيرِ ذلكَ مِمَّا هُمْ عَلَيْهِ اليومَ، تبيَّنَ لَه من ذلك بحرٌ لا ساحلَ لَهُ وَهكَذا بعضُ المُبتَدِعَةِ وغلاةُ القُبورِ، وقد بُيِّنَ حالُهُم في غيرِ هذا الموضعِ. [الانصراف عن هداية الدين إلى ما يخالفها] الانصراف عن هداية الدين إلى ما يخالفها (الثالثة والعشرون) : وهي من أعجَبِ المسائلِ والخصالِ مُعاداةُ الدِّين الذي انْتَسَبوا إليهِ أشَدَّ العداوةِ، ومُوالاتهم لِمَذْهَبِ الكُفَّارِ الذينَ فارَقوهم أكْمَلَ الموالاة، كما فَعَلوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لمَّا أتاهُمْ بِدينِ موسى، واتَّبَعوا كُتُبَ السِّحْرِ، وَهو مِن دِينِ آلِ فرعونَ ومثل هؤلاء في الأمة الإسلامية كثير، هجروا السنة، وعادوها، ونصروا أقوال الفَلاسِفَةِ وأحْكامَهُمْ. [كفرهم بما مع غيرهم من الحق] كفرهم بما مع غيرهم من الحق (الرابعة والعشرون) : أنَّهُم لَمَّا افْتَرقوا، وَكلّ طائِفَةٍ لا تَقْبَلُ مِنَ الحَقِّ إلاَ ما قالَتْهُ طائفتهُم، وكَفَروا بِما مَعَ غَيرِهِم مِنَ الحَقِّ، قالَ تَعالى في [سورة البَقَرَةِ: ١١٣] : ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [البقرة: ١١٣] ولا شَكَّ أنَّ هذِهِ مِنَ خِصالِ

стр. 23

الجاهِلِيَّةِ، وَعِلْيَةِ القوم وكَثير مِنَ النَّاسِ، لا يَعْتَقِدُ الحَقَّ إلاَ مَعَهُ، لا سِيَّما أرباب المذاهِبِ، يَرى كلُّ أهلِ مَذْهَبٍ أنَّ الدِّينَ مَعَه لا يَعْدوهُ إلى غيرِه، وكل حزب بما لديهم فرحون. وكل يَدَّعي وَصْلا بِلَيْلى ... وَلَيْلى لا تُقِرُّ لَهُمْ بِذاكا والحَزْمُ أنْ يَنْظُرَ إلى الدَّليلِ، فما قام عليه الدَّليلُ، فهو الحَقُّ الحَريُّ أن يُتَلقَّى بالقَبولِ، وما لَيْسَ عَلَيْهِ بُرْهان ولا حُجَّةٌ يُنْبَذُ وَراءَ الظهورِ، وكلُّ أحَدٍ يُؤخذ من قَولهِ ويُرَدُّ إِلا مَنِ اصْطفاه الله لِرِسالَتِهِ. [ادعاء كل طائفة حصر الحق فيها] ادعاء كل طائفة حصر الحق فيها (الخامسة والعشرون) : أنهم لَمَّا سَمِعوا قولَه ﷺ في حَديثِ الافْتِراقِ: «وَسَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي إلى ثَلاثٍ وَسَبْعينَ فِرْقَةً، كُلُّها في النَّار إلاَ واحِدَة» ادَّعى كُلُّ فِرْقَةٍ أنَّها هِي النَّاجِيَةُ كما حَكى الله عَن اليهودِ والنَّصارى في قوله تعالى [البقرة: ١١٣] : ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [البقرة: ١١٣] مَعَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَيَّنَ في آخِرِ الحَديثِ المُرادَ مِنَ الفرْقَة النَّاجيَةِ، فقالَ: «وَهُمْ ما كُنت أنا عَلَيه وَأصْحابِي» أو كما قال. وَرَدَّ الله تَعالى عليهم بقولِهِ [البقرة: ١١١-١١٢] : ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ - بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ١١١ - ١١٢] والمَقصودُ أنَّهم لَيْسَ لَهم بُرهانٌ على هذهِ الدَّعْوى، بَلِ الدَّليلُ على خِلافِ ذلِكَ. وَأبو العَبَّاس تَقيُّ الدِّينِ تكَلَّمَ على حَديثِ الفِرَقِ في كِتابِهِ (مِنهاجِ السُّنَّةِ) بِما لا مَزيدَ عَلَيه، حَيثُ اسْتَدَلَّ بهِ الرَّافِضيُّ على حقية مَذهبهِ وبُطلانِ مَذهب أهل السُّنَّةِ، فراجِعْهُ إنْ أرَدْتَه (١) .

стр. 24

[إنكار ما أقروا أنه من دينهم] إنكار ما أقروا أنه من دينهم (السادسة والعشرون) : أنَّهم أنْكَروا ما أقَرُّوا أنَّه مِن دِينِهِم، كَما فَعَلوا في حَجِّ البَيتِ، فَتَعَبَّدوا بِإِنكارِهِ والبراءَةِ مِنه مَعَ ذلكَ الإِقرار كَما قالَ تَعالى في سورةِ [البقَرَةِ: ١٢٥] ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] إلى أنْ قالَ [١٣٠- ١٣٢] : ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ - إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ - وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٠ - ١٣٢] يُقالُ: إنَّ سَبَبَ نُزولِ قوله: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ﴾ [البقرة: ١٣٠] إلخ ما رُويَ أنَّ عبدَ اللهِ بنَ سَلاَم دَعا ابْنَي أخيهِ: سَلَمَةَ ومهاجِرًا إلى الإِسلام، فقال: قَد عَلِمْتُما أنَّ الله تَعالى قالَ في التَّوراةِ: إنِّي باعِثٌ مِن ولدِ إسماعيلَ نَبيًّا اسْمُهُ أحمدُ، فَمَنْ آَمَنَ بِهِ، فَقَد اهْتَدى وَرَشَدَ، وَمَنْ لَم يؤمِنْ بِهِ، فهو مَلْعون. فأسْلَمَ سلَمَةُ، وأَبى مُهاجِرٌ، فَنَزَلَتْ. انتهى. [المجاهرة بكشف العورات] المجاهرة بكشف العورات (السابعة والعشرون) : المجاهرة بِكَشْفِ العَوْراتِ، قال تعالى في سورة [الأعراف: ٢٨-٢٩] ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ - قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: ٢٨ - ٢٩] قال بعض المفسرين: الفاحشة هنا: الفعلة القبيحة المتناهية في القبح، والتاء إما لأنها مجراة على الموصوف المؤنث، أي: فعلة فاحشة. وإما للنقل من الوصفية إلى الاسمية، والمراد بها هنا: عبادة الأصنام وكشف العورة في الطواف، ونحو ذلك. وعَنِ الفَرَّاءِ تْخصِيصُها بِكشفِ العَورةِ. وفي الآية حَذْفٌ، أيْ: وَإِذَا فَعَلوُا فاحِشَة فنهوا عنها قَالوُا: وَجَدنَا عليها آباءنا وَاللَّهُ أمرنَا بِهَا، مُحْتَجِّينَ بِأمْرَيْنِ: بِتَقْليدِ الآباءِ، والافتراءِ على الله. وكان مِن سُنَّةِ الحُمْسِ أنَّهم لا يَخْرُجونَ أيَّامَ المَوسِم إلى عَرَفاتٍ. إنَّما يَقِفونَ بِالمُزْدَلِفَةِ،

стр. 25

وكانوا لا يَسلأون، وَلا يَأقطونَ، ولا يَرْتَبطونَ عَنْزًا ولا بَقَرَةً، ولا يَغْزُلونَ صوفًا ولا وَبَرًا، ولا يَدْخُلونَ بَيْتًا مِنَ الشَّعْرِ والمَدرِ، وإنَّما يَكْتنُّونَ بالقبابِ الحُمْرِ في الأشْهُرِ الحُرُمِ، ثُمَّ فَرَضوا على العَرَبِ قاطِبةً أنْ يَطَّرِحوا أزْوادَ الحِلِّ إذا دَخَلوا الحَرَمَ، وأنْ يَتركوا ثِيابَ الحِلِّ، ويَسْتبدِلوها بثيابِ الحَرَم، إمَّا شراء وإمَّا عارِيّة وإمَّا هِبَة، فإِنْ وَجَدوا ذلك فيها، وإلا طافوا بالبيَتِ عَرايا. وَفَرَضوا على نِساءِ العربِ مثلَ ذلكَ. غيرَ أنَّ المرأةَ كانت تَطوفُ في درج مُفَرَّجِ القَوادمِ والمَآخيرِ. قالتِ امرأةٌ (١) وهي تطوفُ بالبيتِ: اليَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أوْ كُلُّهُ ... ومَا بَدَا مِنْهُ فَلاَ أُحِلُّهُ أخْتَمَ مِثْلَ القِعْبِ بَادٍ ظِلُّهُ ... كأنَّ حُمَّى خَيْبَرٍ تَمُلُّهُ وكَلَّفوا العربَ أن يُفِيضوا مِن مُزْدَلِفَةَ، وقد كانوا يُفيضون مِن عَرَفَةَ، إلى غيرِ ذلكَ مِنَ الأمورِ الَّتي ابْتَدَعوها وتَشَرَّعوها، مِمَّا لم يأذنْ بِهِ الله. ومَعَ ذلِكَ كانوا يَدَّعونَ أنَّهم على شَريعةِ أبيهم إبراهيم ﵇ وما ذلكَ إلا لِجاهِلِيتهِم. وغالبُ مَن يَنْتَمي إلى الإِسلامِ اليومَ ابْتَدَعوا في الدِّينِ ما لم يأذَنْ بِهِ الله: فَمنهم من اتخذ ضرب المعازف وآلات اللهو عبادة يتعبدون بها في بيوت الله ومساجده، ومِنهم مَن اتَّخَذَ الطَّوافَ على القُبورِ والقصد إليها والنُّذورَ أخْلَصَ عِبادَتِهِ وَأَفْضَلَ قُرُباتِهِ، ومِنهم مَنِ ابْتَدَعَ الرَّهْبانِيّةَ والحِيَلَ الشَّيْطانِيّةَ، وَزَعَمَ أَنَّهُ سَلَكَ سبيلَ الزُّهَّادِ وطريقَ العُبَّادِ، ومَقْصِدُه الأعلى شَهَواتِهِ الحَيْوانِيَّةِ، والفَوزُ بهذهِ الدُّنيا الدَّنِية، إِلَى غيرِ ذلك مِمَّا يَطولُ، ولا يعلمُ ماذا يقولُ: إلى دَيَّانِ يَوْمِ الدِّينِ نَمْضي ... وَعِنْدَ اللهِ تَجْتَمعُ الخُصُوْمُ. [التعبد بتحريم الحلال] التعبد بتحريم الحلال (الثامنة والعشرون) : التَّعَبُّدُ بِتَحْريمِ الحَلالِ، فَرَدَّ الله تعالى ذلِكَ عَليهم بِقولهِ في سورة [الأعراف: ٣١-٣٣] ، ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ - قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ - قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣١ - ٣٣] ومعنى الآيات.

стр. 26

﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] أي ثِيابَكُم لِمواراةِ عَوْراتِكُم عِندَ طوافٍ أوْ صَلاةٍ. وسَبَبُ النُّزول: أنَّه كانَ أُناس مِن الأعرابِ يَطوفونَ بِالبيتِ عُراةً، حَتّىَ أنْ كانتِ المَرْأةُ لَتَطوفُ بِالبيتِ وهِيَ عُريانة، فَتُعَلِّق على سُفْلِها سُيورًا مِثلَ هذهِ السُّيورِ التي تكونُ على وجْهِ الحُمْرِ من الذُّبابِ، وهي تَقولُ: اليَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ ... وَمَا بَدا مِنْهُ فَلاَ أُحِلُّهْ فَأنْزَلَ الله تَعالى هذهِ الآية: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ [الأعراف: ٣١] قال الكَلْبِيُّ: كان أهلُ الجاهِلِيَّة لا يَأكُلونَ مِنَ الطَّعامِ إلا قُوتًا، ولا يأكلونَ دَسمًا في أيَّام حَجِّهم، يُعَظِّمونَ بذلِكَ حَجَّهم، فقالَ المُسلِمونَ: يَا رَسُولَ الله، نَحْن أحَقُّ بِذلِكَ، فَأنْزَلَ الله تَعالىَ الآية. وَفِيْهِ يَظْهَرُ وجهُ ذِكْرِ الأكْلِ والشُّرْبِ هُنا. ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١] بِتَحْريمِ الحلالِ، كما هو المُناسِبُ لِسَبَبِ النُّزولِ، ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١] بَلْ يُبْغِضُهُمْ، وَلاَ يَرْضى أفْعالَهُمْ. ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ [الأعراف: ٣٢] مِنَ الثِّيابِ وكل ما يتجمل به وخلقه لنفعهم من الثياب كالقُطْنِ والكِتَّانِ والحَيوانِ كالحَريرِ والصُّوفِ ﴿وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢] أيْ: المُسْتَلَذَّاتِ - وقيلَ المُحَلَّلات- ومِنَ المَآكِلِ والمَشارِبِ كَلَحْمِ الشَّاةِ وَشَحْمِهَا وَلبَنِها ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الأعراف: ٣٢] أيْ هي لَهُم بالأصالَة لِمَزيدِ كَرَامَتِهِمْ على الله تعالى والكَفَرَةُ وإنْ شارَكوهُم فيها فبِالتبعِ، فَلاَ إشْكالَ في الاخْتِصاصِ ﴿خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: ٣٢] أيْ: لا يُشارِكُهم فيها غَيْرُهُم ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٢] أي: مِثْل تَفْصيلِنا هذا الحُكْمَ، نُفَصِّلُ سائِرَ الأحكامِ لِمَنْ يَعْلَمُ ما في تَضامينها مِنَ المَعاني الرَّائِقَةِ ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ﴾ [الأعراف: ٣٣] أيْ ما تَزايَدَ قُبْحُهُ مِنَ المَعاصي، ومِنهُ ما يَتَعَلَّقُ بِالفُروج، ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأعراف: ٣٣] بَدَل مِنَ الفَواحِشِ، أيْ جَهْرَها وَسرَّها. وعَنِ البَعْضِ: "مَا ظَهَرَ" الزِّنا عَلانِيةً، "وَمَا بَطَنَ" الزِّنا سِرًّا وَكانوا يَكْرَهونَ الأوَّلَ، ويَفْعَلونَ الثَّانيَ، فنهوا عَن ذلِكَ مُطْلَقًا. وعن مُجاهِدٍ: "مَا ظَهَرَ" التَّعَرِّي في الطَّوافِ، "وَمَا بَطَنَ" الزِّنا. والبَعْضُ يَقولُ: الأوَّلُ طَوافُ الرِّجالِ بالنَّهارِ، والثَّاَني طوافُ النِّساءِ بالليلِ عارِياتٍ. ﴿وَالْإِثْمَ﴾ [الأعراف: ٣٣] أي: ما يُوجِب الإِثمَ، وأصله الذَّمّ، ثُمَّ أُطْلِق على ما يوجِبَه مِن مطلَقِ الذَّنْبِ، وَذُكِرَ لِلتَعميمِ بَعْدَ التَّخْصيصِ بِناءً على ما تَقَدَّم مِن معْنى الفَواحِشِ. ومِنهم مَن قالَ: إِنَّ الإِثمَ هو الخَمْرُ، وَعَلَيْهِ أهلُ اللغَة، وَأنْشَدوا لَه قَولَ الشَّاعِرِ: نَهانا رَسول الله أنْ نَقْرَبَ الزِّنى ... وَأَنْ نَشْرَبَ الإِثْمَ الذي يوجِبُ الوِزْرا وَقَولَ الآخَرِ: شَرِبتُ الإِثْمَ حَتى ضلَّ عَقْلِي ... كذلكَ الإِثمُ يَذْهَبُ بِالعُقولِ ﴿وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٣٣] وهو الظلم والاستطالة على الناس، وأفرد بالذكر بناء على التعميم فيما قبله، أو دخوله في الفواحش للمبالغة في الزجر عنه ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] بالإلحاد في صفاته والافتراء عليه كقولهم [الأعراف: ٢٨] ﴿وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ [الأعراف: ٢٨] ولا يخفى أن متصوفة زماننا على هذه الخصلة الجاهلية: فقد حرموا على أنفسهم زينة الله والطيبات من الرزق ليعتقد الناس صلاحهم، وابتدعوا الخلوات والرياضات وغير ذلك من شعائرهم في المأكل والملبس وسائر شئونهم، وما دروا أنهم بذلك من القوم الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا. [الإلحاد في أسماء الله سبحانه وصفاته] الإلحاد في أسماء الله سبحانه وصفاته (التاسعة والعشرون) : الإِلْحادُ في أسْمائِهِ وصِفاتِهِ، قالَ سُبحانَه في سورة [الأعراف: ١٨٠] : ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠] تَفسيرُ هذِهِ الآية: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٨٠] تنبيه للمُؤمِنينَ على كَيْفِيَّةِ ذِكْرِهِ تَعَالى، وَكَيْفِيّة المُعامَلَةِ مَعَ المُخِلِّينَ بذلِكَ الغافِلينَ عَنه سُبحانَه، وَعَمَّا يَليقُ بِشأنِه، إثْرَ بَيانِ غَفْلَتِهِمُ التَّامَّة، وَضَلالَتِهمُ الطَّامَّة. ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] إمَّا مِنَ الدَّعْوَةِ بِمعْنى التّسمِيَةِ، كَقَولهِم: دَعَوْتُهُ زَيدًا، أوْ يزيد أيْ: سَمَّيْتُهُ، أو الدُّعاءِ بِمعْنى النِّداءِ، كَقَولهِم: دَعْوتُ زيدًا، أيْ: نادَيْتُهُ. ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف: ١٨٠] أيْ يَميلونَ وَيَنْحَرِفون فيها عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ، يُقال: ألْحَدَ، إذا مال عَنِ القَصْدِ والاستِقامَةِ، ومِنه لَحْدُ القَبْرِ لِكَونهِ في جانِبِهِ بِخلافِ الضَّريحِ، فإنَّهُ في وَسَطِهِ. والإِلحادُ في أسمائِهِ سبحانَه أنْ يُسَمَّى بِلا تَوْقيفٍ فيه، أوْ بِما يُوهِمُ مَعنًى فاسِدًا، كما في قولِ أهلِ البَدْوِ: يا أبا المَكارِم، يا أبيضَ الوجْهِ، يا سَخِيُّ، ونحو ذلك، فالمُرادُ بِترْكِ المأمورِ بِهِ الاجتنابُ عن ذلك، وأسمائِهِ ما أطْلَقوهُ عَلَيه تَعالى

стр. 27

وَسَمَّوهُ به على زَعَمِهِم، لا أسماؤه تعالى حَقَيقَةً، وعلى ذلك يحْمَل تَرْكُ الإِضمارِ، بأنْ يُقالَ: يُلحِدون بِها. وَقَالَ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ [الرعد: ٣٠] وهذِهِ الآيةُ في سورةِ [الرعد: ٣٠] عن قَتادَةَ وابنِ جُرَيْجٍ ومُقاتِلٍ أنَّ الآية نَزَلَتْ في مُشْرِكي مَكَّةَ لَمَّا رَأوا كِتابَ الصُّلْحِ يومَ الحُدَيْبِيَةِ وقد كَتَبَ فيه عَليٌّ ﵁: " بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحيمِ "، فَقالَ سُهيلُ بنُ عَمْرٍو: ما نَعْرِفُ الرَّحْمنَ إلا مُسَيْلِمَةَ. ومِنهم مَن قال: سَمِعَ أبو جَهْلٍ قَولَ رَسُولِ اللهِ ﷺ : «يَا الله يا رحمن» ، فقال: إنَّ محمَّدًا يَنهانا عَن عبادةِ الآلهةِ وهو يَدعو إلهينِ، فَنَزَلَتْ وَعَن بعضِهِمِ أنَّه لَمَّا قِيلَ لِكُفَّارِ قُريشٍ: اسجدوا للرحمن قالوا: وَمَا الرَّحمَنُ، فَنَزَلَتْ، وقيلَ غَيْرُ ذلِكَ مِمَّا يَطولُ. وَقَالَ تَعالى: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ - وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ - وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢١ - ٢٣] من سورة حم [السجدة: ٢١-٢٣] ، وفي هذِهِ الآية إخبارٌ أنَّ أهلَ الجاهِلِيَّةِ كانوا يُلْحِدونَ في صِفاتِهِ، كما كانوا يُلحِدونَ في أسمائِه تَعالى. أخرَجَ أحمدُ والبُخاريُّ ومُسلِم والترِّمذيُّ والنَّسائِيُّ وجَماعةٌ عن ابنِ مسعودٍ، قالَ: كُنتُ مُسْتَندًا بأستارِ الكعبةِ، فجاءَ ثلاثةُ نَفَرٍ- قُرَشيٌّ وثَقَفيَّانِ، أو ثَقَفِي وقُرَشيانِ- كثيرٌ لحمُ بُطونهم؛ قَليلٌ عفة قُلوبِهم، فَتكَلَّموا بكلامٍ لمْ أسْمَعْهُ، فقال أحَدُهُمِ: أتَرَونَ الله يَسمعُ كلامَنا هذا؟ فَقَال الآخَرُ: إذا رَفَعْنا أصْواتَنا يَسْمَعُهُ، وإذا لم نَرْفعْ لم يَسْمَعْ، فقال الآخَرُ: إنْ سَمِعَ منه شَيئًا سَمِعَهُ كُلَّهُ. قال: فَذَكَرْتُ ذلِكَ للنَّبِيِّ ﷺ ، فَأنْزَلَ الله تَعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ - وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٢ - ٢٣] فهذا هو الإِلحادُ في الصِّفاتِ. وأنتَ تَعْلَمُ أنَّ ما عَلَيْهِ أكثرُ المُتكَلِّمينَ المُسلِمينَ مِنَ الإِلحادِ في الأسماءِ والصِّفاتِ فَوْقَ ما كانَ عَلَيه أهل الجاهِلِيَّةِ، فَسَمَّوا

стр. 28

الله بأسماءٍ ما أنزلَ الله بها مِن سُلطانٍ، ومِنهمِ مَن قالَ: لَيْسَ لِلَّهِ صفات قامتْ بِهِ، ومِنهم مَن قالَ: صِفاتُه لَيسَتْ عَيْنَ ذاتِهِ ولا غيرَهُ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّ صفاتِه غيرهُ، ومِنهم مَن قال: إنَّ الله لم يَتكَلَّمْ بالكُتُبِ التي أنْزَلَها، وَأثْبَتوا لَه الكَلامَ النَّفسيَّ، وأنَه لم يُكَلِّمْ أحدًا مِن رُسُلِهِ، إلى غير ذلك من الإِلحادِ الذي حَشَوا به كُتبهُمْ ملؤوها مِن الهَذَيانِ، وظَنُّوا أنَّ الآية مُخْتَصَّةٌ بِأهلِ الجاهِلِيَّةِ، وَمَا دَرَوا أنَّهُمُ الفَرْدُ الكامِلُ لعُمومِها. ومَن بَصَّرَه وَنَوَّرَ قَلْبَه، أعْرَضَ عَن أخْذِ عَقائِدِهِ مِن كُتُبِ هؤلاءِ الطوائفِ، وتَلَقَّى مَعْرِفَةَ إِلهِهِ مِن كُتُبِ السَّلَفِ المُشْتَمِلَةِ على نُصوصِ الكِتابِ والسُّنَّةِ. [نسبة النقائص إلى الله سبحانه] نسبة النقائص إلى الله سبحانه (الثلاثون) : نسْبة النَّقائصِ إليه سبحانَه كالولَدِ والحاجَةِ. فإِنَّ النَّصارى قالوا: المَسِيحُ ابنُ الله، وطائفة مِن العَرَب قالوا: الملائكةُ بناتُ الله، وقوم مِن الفَلاسِفَةِ قالوا بِتَوليدِ العُقولِ، وقوم مِن اليَهودَ قالوا: العُزَيْرُ ابنُ الله، إلى غيرِ ذلِكَ. وقد نَزهَ الله نَفْسَه عن كُل ذلِكَ ونَفاه عنه بقوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ - اللَّهُ الصَّمَدُ - لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ - وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١ - ٤] وبقوله [الصافات: ١٥١- ١٥٢] : ﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ - وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الصافات: ١٥١ - ١٥٢] وقوله [الأنعام: ١٠٠- ١٠١] : ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ - بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٠٠ - ١٠١] وهذا يَعُمُّ جميعَ الأنواعِ التي تُذْكَرُ في هذا البابِ عن بعضِ الأمَمِ، كما أنَّ ما نفاه من اتِّخاذِ الوَلَدِ يَعُمُّ أيْضًا جميعَ أنواعِ الاتِّخاذاتِ، لا اصطفاؤُه. كما قال تَعالى [المائدة: ١٨] : ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [المائدة: ١٨] قالَ السُّدِّيُّ: قالوا: إنَّ الله تَعالى أوْحى إلى إسرائيلَ إنّ وَلَدَكَ

стр. 29

بِكْرِي مِن الوَلَدِ فَأُدْخِلُهُمُ النَّارَ، فَيَكونونَ فيها أربعينَ يومًا حَتَّى تُطَهِّرَهم وتأكلَ خطاياهم، ثم ينادي منادي: أخْرِجوا كلَّ مَخْتونٍ مِن بني إسرائيل. وقدْ قال الله تَعالى [المؤمنون: ٩١] : ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ [المؤمنون: ٩١] وقال [الإِسراء: ١١١] : ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ [الإسراء: ١١١] وقال تَعالى [الفرقان: ١- ٢] : ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا - الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ١ - ٢] ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ - لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ - يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ - وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٩] وقال [النحل: ٥١-٥٧] ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ - وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ [النحل: ٥١ - ٥٢] إلى قوله ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا﴾ [النحل: ٥٦] إلى قوله: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [النحل: ٥٧] وقالَ الله تَعالى [الإسراء: ٣٩-٤٢] : ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا - أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا - وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا - قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٩ - ٤٢] وقال [الصافات: ١٤٩-١٦٣] ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ - أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ - أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ - وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ - أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ - مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ - أَفَلَا تَذَكَّرُونَ - أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ - فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ - وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ - سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ - إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ - فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ - مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ - إِلا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ١٤٩ - ١٦٣] وقال [النجم: ١٩ -٢٧]

стр. 30

﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى - وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى - أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى - تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى - إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٣] إلى قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى﴾ [النجم: ٢٧] وقالَ تَعالى [الزخرف: ١٥] ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾ [الزخرف: ١٥] قال بعضُ المفسِّرينَ: (جُزءًا) ، أيْ: نَصيبًا وبعضًا. وقال بعضُهم: جعلوا لِلَّهِ نصيبًا من الولدِ. وعن قَتادةَ ومقاتل: عدلا. وكلا القولين صحيح، فإنَّهم يَجْعَلون له وَلَدًا، والولَدُ يُشْبِهُ أباهُ. ولهذا قال [الزخرف: ١٧] ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ [الزخرف: ١٧] وَهُوَ كَظِيمٌ أيْ البَنات، كما قالَ في الآيَة الأخرى [النحل: ٥٨] ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل: ٥٨] فَقَد جَعَلوها لِلرَّحْمنِ مَثَلا، وَجَعَلوا لَهُ مِن عِبادِه جُزْءًا، فَإِنَّ الولدَ جُزء مِنَ الوالِدِ، قالَ ﷺ : «إِنَّما فاطِمَةُ بضعَةٌ مِنّيَ» . وقولُهُ [الأنعام: ١٠٠] : ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٠] قالَ الكَلْبِيُّ: "نَزَلَتْ في الزَّنادِقَة، قالوا: إِنَّ الله وإبليسَ شَريكانِ، فاللهُ خالقُ النُّورِ والنَّاسِ والدَّوابِّ والأنعامِ، وإبليسُ خالقُ الظلْمَةِ والسِّباعِ والحَيَّاتِ والعَقارِبِ. وَأمَّا قولُه: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨] فَقيلَ: هو قولُهُم: الملائكةُ بناتُ الله، وسمى الملائكة جِنًّا؛ لاختِفائِهم عَن الأبصارِ، وهو قولُ مُجاهِدٍ وقتادة. وقيل: قالوا لِحَيٍّ مِن الملائكةِ يُقالُ لهم: الجِنُّ، ومنهم إبليسُ: هم بناتُ الله. وَقَالَ الكَلْبِيُّ: قالوا لَعَنَهمُ الله: بَلْ بُذور يَخْرُجُ مِنها الملائكةُ. وقولهُ: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٠] قالَ بعضُ المفسِّرينَ: هُم كُفَّارُ العَرَبِ، قالوا: الملائكةُ والأصنامُ بَناتُ الله، واليَهودُ قالوا: عُزير ابنُ الله، والذين كانوا يَقولونَ مِن العَرَبِ: إِنَّ الملائكةَ بناتُ الله، وَمَا نُقِلَ عَنهم مِن أنَّه صاهَرَ الجِنَّ، فوَلَدَتْ له الملائكةَ، فَقَد نَفاه عنه بامْتِناعِ الصَّاحِبَةِ، وبامتناعِ أنْ يكونَ منه جُزْءٌ، فإنِّه صَمَدٌ. وقولُه: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ [الأنعام: ١٠١] وَهذَا لأنَّ الولادةَ لا تكونُ إلا مِن

стр. 31

أصْلَينِ، سَواءٌ في ذلِكَ تولُدُ الأعيانِ - التي تُسَمَّى الجواهِرَ- وتولد الأعراض والصِّفاتِ، بَلْ وَلاَ يَكونُ تولُد الأعْيانِ إلا بانفصال جُزْءٍ مِن الولدِ، فإِذا امتنعَ أنْ تكونَ لَه صاحِبةٌ، امْتنعَ أنْ يَكونَ لَه وَلَدٌ، وقد عَلِموا كُلُّهُم أنْ لا صاحِبَةَ له لا مِن الملائكةِ، ولا مِن الجِنِّ، ولا مِنَ الإِنْسِ، فلم يَقُلْ أحَدٌ مِنْهُم إنَّ له صاحِبَةً؛ فَلِهذا احْتجًّ بِذلِكَ عَلَيهم. وما حُكِيَ عَن بعضِ كُفَّارِ العَرَبِ أنَهُ صاهَرَ الجِنَّ، فهذا فيه نَظَرٌ. وذلكَ إنْ كانَ قَدْ قيلَ فهوَ مِمَّا يُعْلَمُ انْتِفاؤهُ مِن وُجوهٍ كَثيرةٍ، وكذلك ما قالَتْهُ النَّصارى مِن أنَّ المَسيحَ ابنُ الله وما قالَه طائفةٌ مِنَ اليهودِ أنَّ العُزَيْرَ ابنُ الله، فإنَّه قد نَفاه سُبحانه بِهذا وَهذا. وتَمامُ الكَلامِ في هذا المَقامِ في كتابِ (الجَوابِ الصَّحيحِ لِمَنْ بَدَّل دِيْنَ المَسيح) و (تَفْسير سورةِ الإِخلاص) وَغَيرِهِما مِن كُتُبِ شيخِ الإِسلامِ تقيِّ الدِّينِ قدس الله روحه. [تنزيههم المخلوق عما نسبوه للخالق] تنزيههم المخلوق عما نسبوه للخالق (المسألة الحادية والثلاثون) : تنْزِيهُ المَخْلوقِ عمَّا نَسَبوه لِلخالِقِ مِثل: تَنزيهِ أحبارِهِم عَنِ الوَلَدِ والزوجة لأنهم يَقولونَ: إِنَّ الرَّاغِبينَ في استحصالِ الكَمالاتِ كالرُّهبانِ وأضْرابِهم يَترفَّعونَ عَن أنْ يَتَدَنَّسوا بِدَناءَة التَّمتُّعِ بِالنِّساءِ، اقتِداءً بِالمَسيحِ ﵇، فانْظُرْ إلى سَخافةِ العُقولِ وما قادَهُم إليه ضَلالُهم حَتىَّ اعترضوا على سَيِّدنا ومولانا مُحمَّد ﷺ في زَواجِهِ. وما أحْسَنَ ما قالَ الفاروقِيُّ (١) ردا على بعضِ أحبارِ النَّصارَى بقوله: قل لِلفرِسْنَلِ قُدْوَةِ الرُّهبانِ ... الجائليق البتْرِكِ الرَّبَّاني أنتَ الذي زَعَمَ الزَّواجَ نَقيصَةً ... مِمّنْ حَماهُ الله عَنْ نُقْصانِ ونَسيتَ تَزْويجَ الإِلهِ بِمَرْيَم ... في زَعْمِ كُلِّ مُثَلِّثٍ نَصْراني ومَن جَعَلَ منَ العَرَبِ الملائكةَ بناتِ الله، كانَ يأْنَفُ مِنْهُنَّ، وسَنَّ وَأْدَهُنَّ وَقَتْلَهُنَّ، وَنَسَبوا لِلَّهِ ما يَكرهونَ. والمقصودُ أنَّ هذهِ المَقالاتِ وأشباهَها مَنْشَؤها الجهلُ بِما جاءَت بِهِ الرُّسُلُ، وَعَدَمُ تَحْكيمِ العَقْلِ، وإِلا فأهلُ البصائِر لا يَتَطَرَّقُ إليهم هذا الخَلَلُ، واللهُ الموَفِّقُ.

стр. 32

[قولهم بالتعطيل] قولهم بالتعطيل (الثانية والثلاثون) : القولُ بِالتَّعطيلِ، كما كانَ يقوله آل فِرْعَونَ. والتَّعطيلُ: إنكارُ أنْ يكونَ لِلعالَمِ صانِع، كما قال فرعونُ لِقومِهِ [القصص: ٣٨] ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] ونحو ذلكَ، ولم يَخْلُ العالَمُ عن مثلِ هذهِ الجَهالاتِ في كُلِّ عَصرٍ مِنَ العُصورِ، وأبناءُ هذا الزَّمانِ إلا النَّادِرَ على هذه العَقيدةِ الباطِلة، ولو نَظَروا بِعينِ الإِنصافِ والتَّدَبُّرِ، لَعَلِموا أنَّ كُلَّ مَوجودٍ في العالَمِ يَدُلُّ على خالِقهِ وبارِئه: وفي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ... تدُلُّ على أنَّهُ واحِدُ ومِن أينَ لِلطَّبيعَةِ إيجادُ مِثل هذِهِ الدَّقائِقِ التي نَجِدُها في الآفاقِ والأنْفُسِ، وهي عَديمَةُ الشُّعُورِ لا عِلْمَ لَها وَلا فهْمَ تَعَالى الله عَمَّا يَقولونَ عُلوًّا كَبيرًا. [الشركة في الملك] الشركة في الملك (الثالثة والثلاثون) : الشركَةُ في المُلْكِ، كما تَقولهُ المَجوسُ، والمجوسُ أُمَّة تُعَظِّمُ الأنوارَ والنِّيرانَ والماءَ والأرضَ، ويُقرُّونَ بنُبُوَّةِ زرادِشْتَ، وَلَهُم شَرائِعُ يَصيرونَ إليها. وهم فِرق شَتى: مِنهم المَزْدَكِيَّةُ أصحابُ مَزْدَكَ المُوْبَذ، والمُوْبَذُ عندهم العالِمُ القُدوةُ، وهؤلاءِ يَرونَ الاشتِراكَ في النِّساءِ والمَكاسِبِ كما يشترَكُ في الهَواءِ والطُرُقِ وغيرها. ومِنهم الخُرَّميّة أصحابُ بابِكَ الخرمى. وهم شَرُّ طوائِفِهم، لا يُقِرُّون بِصانِعٍ ولا مَعادٍ ولا نبوَّةٍ ولا حَلالٍ ولا حَرامٍ، وعلى مذهبِهِم طوائِفُ القرامطة والإسماعيلية والنصيرية والكيسانية والزرارية والحكمية وسائر العبيدية الذين يسمون أنفسهم الفاطمية، فكل هؤلاء يجمعهم هذا المَذهَبُ، ويتَفاوَتونَ في التَّفصيلِ، فالمجوسُ شُيوخُ هؤلاءِ كلِّهِم، وأئمتُهم وقُدوتُهم، وإن كانَ المَجوسُ قد يَتَقَيَّدونَ بأصلِ دِينهم وشَرائِعِهم، وهؤلاءِ لا يَتقَيَّدونَ بِدينٍ مِنْ دياناتَ العالم ولا بِشَريعَةٍ مِن الشرائع.

стр. 33

[إنكار النبوات] إنكار النبوات (الرابعة والثلاثون) : إنكارُ النُّبُوَّاتِ. وَكانوا يَقولون: ما حَكى الله عنهم بقوله في [الأنعام: ٩٠- ٩١] : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ - وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام: ٩٠ - ٩١] تفْسيرُ هذه الآية: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ﴾ [الأنعام: ٩١] شُروع في تَقْريرِ أمْرِ النُّبُوَّةِ، بَعْدَ ما حَكى الله سبحانَه عن إبراهيمَ ﵇ أنَّه ذَكَرَ دَليلَ التوَحيدِ وإبطالِ الشِّركِ، وَقَرَّرَ سبحانَه ذلكَ بأفصح الدَّليلِ بأوْضَحِ وَجهٍ. ﴿حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١] أيْ: حَقَّ مَعْرفتِهِ وعن بعضِهِم: ما عَظَّموا الله حَقَّ تَعْظِيمِه إِذْ قَالُوا منْكرينَ لبعثةِ الرُّسُلِ وإنزالِ الكُتُبِ، كافِريْنَ بِنعمةِ الله الجَليلةِ فِيهما: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١] أيْ: شَيئًا مِن الأشياءِ. واختُلِفَ في قائِل ذلكَ القَولِ الشَّنيعِ: فَعَن مُجاهِدٍ أنِّهم مُشرِكو قُريشٍ، والجمهورُ على أنهمُ اليَهودُ، ومُرادُهُم مِن ذَلِكَ الطَّعْنُ في رِسالتِهِ ﷺ على سَبِيلِ المُبالَغَةِ. فَقيلَ لَهم على سبيلِ الإِلزامِ: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ [الأنعام: ٩١] فإِنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ تَعَالَى قَدْ أنْزَلَ التَّوراةَ على موسى ﵇ وَلاَ سَبيلَ لَكم إلى إنكارِ ذلِكَ، فَلِمَ لا تُجَوِّزونَ إنزالَ القُرآنِ على مُحمَّدٍ ﷺ .؟ والكلامُ في إثْباتِ النُّبُوَّةِ مُفَصَّلٌ في غيرِ هذا الموضِع، والمقصودُ أنَّ إنكارَها مِن سَنَن الجاهِلِيَّةِ، وفي النَّاسِ كَثيرٌ مِمَّن هو على شاكِلَتِهم ومُعْوَجِّ طَريقهِم. [جحودهم القدر واحتجاجهم به على الله] جحودهم القدر، واحتجاجهم به على الله (الخامسة والثلاثون) : جحودُ القَدَرِ، والاحْتِجاجُ بِهِ على الله تَعالى ومعارَضَةُ شرعِ الله بِقَدَرِ الله. وهذهِ المَسألَةُ مِن غَوامِض مَسائلِ الدِّينِ، والوُقوفُ عَلى سِرِّها عَسِر إلا على من وَفَّقَه الله تَعالى. ولابنِ القيِّمِ كِتاب جَلِيْلٌ في هذا البابِ سمَّاه (شِفاءَ العَليل في القَضاءِ والقَدَرِ والحِكْمَةِ والتَّعْليلِ) . وقد أبْطَلِ الله

стр. 34

سُبحانَه هذه العَقيدةَ الجاهلية بقولهِ تَعالى في آخر سورة [الأنعام: ١٤٨-١٤٩] : ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ - قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٨ - ١٤٩] تَفسيرُ هذه الآية: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا) : حِكاية لفَنٍّ آخَرَ مِن أباطيلِهم. ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨] لَمْ يُريدوا بِهذا الكَلامِ الاعتذار عَنِ ارْتكابِ القَبيحِ، إذْ لم يَعْتقِدوا قُبحَ أفعالِهم، بل هُم كما نَطَقَتْ بِهِ الآيات يحسَبُونَ أَنهَّمُ يحسِنوُنَ صُنعًا، وأنهم إنَّما يَعْبُدونَ الأصنامَ لِيُقَرِّبوهُم إلى الله زلْفى، وأنَّ التَّحريمَ إنما كانَ مِن الله ، فَما مرادهُم بذلِكَ إلا الاحتجاجُ على أنَّ ما ارْتكَبوهُ حَقٌّ ومَشروع وَمرضيٌّ عند الله تَعالى على أنَّ المشيئةَ والإِرادةَ تُساوي الأمرَ، وتَسْتَلْزِمُ الرِّضى، كما زَعَمَتِ المُعْتَزِلَةُ، فَيَكونُ حاصِلُ كلامِهِم أنَّ ما نَرتكِبُهُ مِنَ الشِّركِ والتَّحريمِ وغيرِهما تَعَلَّقَتْ بهِ مَشيئَة الله تعالى وإرادَتُه، وكل ما تَعَلَّقَتْ بهِ مَشيئَته سبحانه وإرادَتُه فَهو مَشروعٌ ومَرْضِيٌّ عندَ الله تَعالى. وبَعْدَ أنْ حَكى ذلِكَ عَنهم، رَدَّ عَلَيْهِم بِقولِهِ عَزَّ مِنْ قائِلٍ ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٤٨] وهم أسلافُهُم المُشرِكونَ. وحاصِلُهُ أنَّ كلامَهم يَتَضَمَّنُ تكذيبَ الرُّسُلِ ﵈، وَقَدْ دَلَّتِ المُعْجِزَةُ على صِدْقِهِم. أو نَقولُ حاصِلُهُ أنَّ ما شاءَ الله يَجِبُ، وما لم يَشَأْ يَمْتَنعُ، وكلُّ ما هذا شأنُه فلا تكليفَ بِهِ لِكونهِ مَشروطًا بالاسْتِطاعة، فَيَنْتُجُ أنَّ ما ارْتكَبَهُ مِن الشِّركِ وغيرِهِ، لَم يتكَلَّفْ بِتَرْكِهِ ولمْ يُبْعَثْ لَهُ نَبِيّ. فَرَدَّ الله تَعالى عَلَيهم بأنَّ هَذِهِ كَلِمَةُ صِدْقٍ أُريدَ بِها باطِلٌ، لأنَّهم أرادوا بِها أن الرُّسُلَ ﵈ في دَعْواهُمُ البِعْثةً والتكليفَ كاذِبونَ. وَقَدْ ثَبَتَ صِدْقُهُم بِالدَّلائِلِ القَطْعِيّةِ، ولِكَوْنهِ صِدْقًا أُريدَ بِهِ باطِلٌ، ذَمَّهُمُ الله تَعالى بِالتكْذيبِ. وَوجوبُ وُقوعِ مُتَعَلَّقِ المَشيئَةِ لا يُنافِي صِدقَ دَعْوى البِعثةِ والتكليفِ؛ لأنَّهما لإِظهارِ المَحَجَّةِ وإبلاغ الحُجَّةِ ﴿حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨] أي نالوا عَذابَنا الذي أنْزَلْناهُ عَلَيْهم بتكْذيبهم،

стр. 35

وفيه إيماءٌ إلى أنَّ لهم عَذابًا مُدَّخَرًا عِندَ الله تَعالى؛ لأنَّ الذَّوقَ أوَّلُ إدْراكَ الشَّيْءِ ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨] أي هلْ لَكُمْ مِنْ عِلمٍ بأنّ الإِشراكَ وسائِرَ ما أنتُم عَلَيه مَرْضيٌّ عند الِلَّهِ تَعالى فَتُظْهروهُ لَنَا بِالبُرْهانِ؟ وهذا دَليلٌ على أنَّ المُشرِكينَ أُمَم اسْتَوجَبوا التَّوبيخَ على قولهم ذلك؛ لأنَّهَم كانوا يَهْزَءونَ بالدِّين، ويَبْغونَ رَدَّ دَعْوةِ الأنبياء ﵈، حَيثُ قرع مسامعهم من شَرائِعِ الرسُلِ ﵈ تَفْويضُ الأمورِ إلَيْهِ ، فَحينَ طالبوهُم بالإِسلامِ، والتِزام الأحكامِ، احْتَجُّوا عَلَيْهِم بِما أخَذوه مِن كَلامِهم مُسْتَهْزِئينَ بِهم عليهم الصلاة والسَّلامُ، ولم يَكُنْ غَرَضُهُمْ ذِكْرَ ما يَنْطَوي عَلَيْهِ عِقْدُهُم، كَيفَ لا والإِيمانُ بصفاتِ الله تَعالى فَرْعُ الإِيمانِ بِهِ عَزَّ شَأْنُهُ وَهُوَ عَنهم مناطُ العَيُّوق. ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٨] أيْ تكْذِبونَ على الله تَعالى ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ [الأنعام: ١٤٩] أي البينَةُ الواضِحَةُ التي بَلَغَتْ غايَةَ المَتانَةِ والقُوَّةِ على الإِثباتِ، والمُرادُ بِها في المَشهورِ: الكتابُ والرَّسولُ والبَيانُ. ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩] بِالتَّوفيقِ لَها، والحَمْلِ عَليها، وَلَكِنْ شاءَ هِدايَةَ البَعْضِ الصَّارِفينَ اختِيارَهُم إلى سُلوكِ طَريقِ الحَقِّ، وضَلالَ آخَرينَ صَرَفوه إلى خِلافِ ذَلِكَ. ومِنَ النَّاسِ مَنْ ذَكَرَ وَجْهًا آخَرَ في توجيهِ ما في الآية، وهو أنَّ الرَّدَّ عَليهم إنَّما كانَ لاعْتِقادِهِم أنَّهم مُسَلِّمونَ اختِيارَهم وقُدْرتهم، وأنَّ إشراكَهم إنَّما صَدَرَ مِنهم على وجْهِ الاضْطرارِ وَزَعَموا أنَّهم يُقيمونَ الحُجَّةَ على الله تَعالى ورسوله ﵊ بِذَلِكَ، فَرَدَّ الله تَعالى قَولَهم في دَعْواهُم عَدَم الاخْتيارِ لأنفسِهِم، وَشَبَّهَهُمْ بِمَنِ اغْتَرَّ قَبْلَهُم بِهذا الخَيال، فَكَذَّبَ الرُّسُلَ، وَأشْرَكَ بِاللهِ ، واعْتَمَدَ على أنَّه إنَّما يَفْعَلُ ذَلِكَ بِمَشِيْئَةِ اللهِ تَعالى وَرامَ إفْحامَ الرُّسُلِ بِهذِهِ الشُّبْهَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهم لا حُجَّةَ لَهم في ذَلِكَ، وأنَّ الحُجَّةَ البالِغَةَ لَه تَعالى لا لَهم، ثُمَّ أوْضَحَ سُبحانَه أنَّ كُلَّ واقعٍ واقع بِمشيْئَتِهِ، وأنَّه لم يَشَأْ مِنهمْ إلاَ ما صدَرَ عَنهم، وأنِّه تَعالى لَو شاءَ مِنهمُ الهدايةَ لاهْتَدَوا أجْمَعينَ. والمقصودُ أنْ يَتَمَحَّضَ وجهُ الرَّدِّ عَليهم، وَتَتَخَلَّصَ عَقيدةُ نُفوذِ السنة وعموم تغلغلها بكُلِّ

стр. 36

كائن عنِ الرَّدِّ، ويَنْصَرِفَ الرَّدُّ إلى دَعواهُم سَلْبَ الاخْتيار لأنفُسهم، وأنّ إقامتهم الحجة بِذلِكَ خاصَّة. وإِذا تَدَبَّرْتَ الآية وَجَدْتَ صَدرَها دَافِعًا لِصُدورِ الجَبْرِية، وعَجُزَها مُعْجزًا للمُعْتزلة، إِذِ الأوَّلُ مُثبتٌ أنَّ لِلْعَبْدِ اختيارًا وقُدْرةً على وجْهٍ يَقْطعُ حُجَّتَه وعُذْرَهُ في المُخالَفَةِ والعِصْيانِ، والثَّاني مُثِبتٌ نُفوذَ مَشيئَةِ الله تَعالى في العبدِ، وأنَّ جَميعَ أفعالِه على وَفْقِ المَشيئة الإِلهيةِ، وبذلكَ تَقومُ الحُجَّةُ البالغة لأهلِ السُّنَّةِ على المُعتزلةِ، والحمدُ لِلَّهِ ربِّ العالَمِينَ. ومِنهم مَن وجَّهَ الآية بأنَّ مرادَهم رَدُّ دعوةِ الأنبياء ﵈ على مَعنى أنَّ الله تَعالى شاءَ شِرْكَنا، وَأرادَهُ مِنَّا، وَأنْتُم تُخالِفونَ إرادَتَه، حَيثُ تَدعونا إلى الإِيمانِ، فَوَبَّخَهُم بوُجوه عِدَّة: منها قولُه سُبحانَه: ﴿فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ [الأنعام: ١٤٩] فإنه بتقدير الشَّرطِ، أي إذا كانَ الأمرُ كما زَعَمْتُم ﴿فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ [الأنعام: ١٤٩] وقولُه سُبحانَه: ﴿فَلَوْ شَاءَ﴾ [الأنعام: ١٤٩] بَدَل منه على سَبيلِ البَيانِ، أي لَو شاءَ لَدَلَّ كُلاًّ منكم ومِنْ مُخالِفيكم على دينه، لَو كانَ الأمرُ كَما تَزْعُمونَ، لَكان الإِسلامُ أيْضًا بِالمشيئةِ، فَيَجِبُ أنْ لا تَمْنَعوا المُسلِمينَ من الإِسلامِ، كما وَجَبَ بِزعمكم ألا يمنَعَكُم الأنبياءُ عن الشِّركِ. فَيَلْزَمُكُم أنْ لا يكونَ بَيْنَكم وبَيْنَ المُسْلِمينَ مُخالَفَة ومُعاداةٌ، بَلْ موافَقَة وموالاة. وحاصِلُه أنَّ ما خالَفَ مَذْهَبَكم منَ النِّحَلِ يَجِبُ أنْ يَكونَ عِندكم حَقًّا؛ لأنه بِمشيئة الله تَعالى، فَيَلْزَمُ تَصحيحُ الأديانِ المُتناقِضَة. وَفِي سورةِ [النَّحْل: ٣٥] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النحل: ٣٥] الكلامُ عَلى هذه الآية كالكَلام على الآية السَّابقةِ، وَلا تَراهُمْ يَتَشَبَّثونَ بِالمشيئةِ إلا عِنْدَ انخِذالِ الحُجَّةِ. ألا تَرَى كيفَ خَتَمَ بِنَحوِ آخر مجادلاتهم في سورة الأنعام في الآية السابقة، وكذلك في سورة [الزخرف: ١٩-٢٢] : وهو قولُه تَعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ - وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ - أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ - بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ١٩ - ٢٢] ويكفي في الانقلاب ما

стр. 37

يشير إليه قوله سبحانه: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ [الأنعام: ١٤٩] والمُرادُ بِما حَرَّموهُ السَّوائِبُ والبَحائرُ وغَيْرُها. وَفِي تَخْصيصِ الاشْتِراكِ والتَّحْريمِ بالنَّفي؛ لأنَّهُما أعْظَمُ وأشْهَرُ ما هُمْ عَلَيْهِ. وَغَرَضُهُم مِنْ ذَلِكَ تكْذيبُ الرَّسولِ ﵊ والطَّعْنُ في الرِّسالةِ رَأْسًا، فَإِنَّ حاصِلَهُ أيْ ما شاءَ الله يَجِبُ، وما لمْ يَشَأْ يَمْتَنعُ، فَلَوْ أنَّهُ شاءَ أنْ نُوَحِّدَهُ، وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئا، وَنُحَلِّلَ ما أحَلَّهُ، ولا نُحَرِّمَ شَيْئا مِمَّا حَرَّمْنا كَما تَقولُ الرُّسُلُ وَيَنْقُلونَه مِنْ جِهَتِهِ تَعالى لَكانَ الأمرُ كَما شاءَ مِنَ التَّوحيدِ ونَفْي الإِشراكِ، وَتَحْليلِ ما أحَلَّهُ، وَعَدَمِ تَحْريمِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَحَيْثُ لَم يَكُنْ كَذلِكَ، ثَبَتَ أنه لَم يَشَأْ شَيْئًا مِن ذَلِكَ بَلْ شاءَ ما نحنُ عَلَيْهِ. وتَحَقَّقَ أنَّ ما يَقولُهُ الرُّسُلُ ﵈ مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ. فَرَدَّ الله تَعَالى عَلَيْهِمْ بِقَوْلهِ ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النحل: ٣٣] مِن الأمَمِ، أيْ: أشْرَكوا بِاللهِ تَعالى، وَحَرَّموا مِنْ دونِهِ ما حَرَّموا، وجادَلُوا رُسُلَهُمْ بِالباطِلِ لِيُدْحضوا بِهِ الحَقَّ ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النحل: ٣٥] أيْ: ليستْ وَظيفَتُهُمْ إلا البَلاغِ للرِّسالَةِ، المُوَضِّحَ طَريق الحَق والمُظْهر أحْكامَ الوحْيِ التي مِنها تَعَلُّقُ مَشيْئَتِهِ تَعالى باهْتِداءِ مَنْ صرَفَ قُدْرتَهُ واخْتِيارَهُ إلى تَحْصَيلِ الحَقِّ؛ لقولهِ تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩] وأمَّا إلْجاؤهمْ إلى ذَلِكَ، وتنفيذُ قَوْلهم عليهِ شاءوا أوْ أبَوْا كما هو مُقْتَضى اسْتِدْلالِهم فليسَ ذَلِكَ مِن وَظيفَتِهم، ولا مِن الحِكْمَةِ التي يَتوَقَّفُ عَلَيْها التكليفُ، حَتّىَ يُسْتَدَلَّ بعدمِ ظُهورِ آثارِهِ على عدمِ حَقيقةِ الرسلِ ﵈ أو على عدمِ تَعَلُّقِ مَشَيْئَتِهِ تَعالى بذَلِكَ، فإِنَّ ما يَتَرَتَّبُ عليه الثوَّابُ والعِقابُ مِن الأفْعالِ لا بُدَّ في تَعَلُّقِ مَشيئتِهِ تَعالى بِوقوعِهِ مِن مُباشَرَتِهم الاخْتِيارِيّة، وَصَرْفِ اخْتِيارِهِم الجُزْئِيِّ إلى تَحْصيلِهِ، وإلا لَكانَ الثوَّابُ والعِقابُ اضطِرارِيينِ، والكلامُ على هذهِ الآية ونحوِها مُسْتوفىً في تفسير (رُوحِ المعاني) وغيرهِ. فجُحودُ القَدَرِ والاحتجاجُ بِه على الله ومُعارَضَةُ شرع الله بِقَدَرِهِ، كُلُّ ذَلِكَ مِن ضلالاتِ الجاهِلِيَّةِ. والمَقْصودُ أنَّهُ لا جَبْرَ وَلا تَفْويضَ، ولكنْ أمْر بَيْنَ أمْرَيْنِ، فمَنْ زَلَّتْ قَدَمُهُ عَنْ هَذِهِ الجادَّةِ كانَ على ما كانَ عليهِ أهلُ الجاهِلِيَّةِ، وهِيَ الطَّريقَةُ التي رَدَّ عَلَيْهَا الله سبحانَه ورَسُولهُ ﷺ .

стр. 38

[مسبة الدهر] مسبة الدهر (السادسة والثلاثون) : مسَبَّة الدَّهْرِ: كقولهِم في سورةِ [الجاثيةِ: ٢٤] ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤] وذلكَ أنَّ الله تَعالى أرادَ بَيانَ أحْكامِ ضلالِهم والخَتْمِ على سَمْعِهم وقُلوبِهم وجَعل غِشاوة على أبصارِهِم، فَحَكى عنهم ما صدَرَ عَنهم بقوله : ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ [الجاثية: ٢٤] التي نَحْنُ فيها ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ [الجاثية: ٢٤] أيْ تَموتُ طائِفَة، وَتَحْيا طائِفةٌ، ولا حَشْرَ أصلا. ومِنهم مَن قالَ: إِنَّ كَثيرًا مِن عُبَّادِ الأصنامِ كانَ يقول بِالتَّناسُخِ، وَعَلَيْهِ فالمُراد بِالحياةِ: إعادةُ الرُّوحِ لِبَدَنٍ آخَرَ ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤] أيْ طول الزَّمانِ. وإسنادُهُمُ الإِهلاكَ إلى الدهرِ إنكار مِنهم لِمَلَكِ الموتِ وقَبْضهِ الأرواحَ بِأمرِ الله تَعالى، وكانوا يُسْنِدونَ الحوادِثَ مُطْلقًا إلَيْهِ؛ لِجَهْلِهم أنَّها مُقَدَّرة مِن عندِ الله تَعالى، وَأشْعارُهُم لِذَلِكَ مَملوءة مِن شَكْوى الدَّهْر (١) وهؤلاءِ مُعْترفون بوجودِ الله تَعالى، فَهُمْ غَيْرُ الدَّهْرِيَّة. فإِنَّهم مَعَ إسنادِهِمُ الحوادِثَ إلى الدَّهْرِ لا يَقولونَ بِوُجوده سُبْحانَه وَتَعالى عَمَّا يَقولونَ عُلوّا كَبيرا والكُلُّ يَقولُ بِاسْتِقْلالِ الدَّهْرِ بِالتأثيرِ. وقَد جاءَ النَّهيُ عَنْ سبِّ الدَّهْرِ، أخْرجَ مُسْلِمٌ: «لا يَسُبّ أحَدُكُم الدَّهْرَ، فَإِنَّ الله هو الدَّهْرُ» وفي رِوَايَةٍ لأبي داودَ والحاكِم "قالَ الله : «يُؤذيني ابنُ آدمَ يقولُ: يا خيبةَ الدَّهرِ، فلا يَقُلْ أحَدُكُم يا خيبةَ الدَّهرِ، فإِنيِّ أنا الدَّهرُ، أقَلِّبُ لَيْلَهُ وَنَهارَهُ» وَرَوى الحاكِمُ أيْضًا: «يقولُ الله : اسْتَقْرَضتُ عَبدْي فلم يُقْرِضْني، وَشَتَمَنِي عبدي وهو لا يَدْرِي، يقولُ:

стр. 39

وادَهْراهُ! وَأنا الدَّهرُ» . وَرَوَى البَيْهقِيُّ: «لا تَسُبوا الدَّهرَ، قال الله : أنا الأيّامُ والليالِي، أجَدِّدُها وأبلْيها، وآتي بِمُلوكٍ بعدَ مُلوكٍ» . ومَعْنى ذَلِكَ أنَّ الله تَعالى هو الآتي بالحوادِثِ، فَإِذا سَبَبْتُمُ الدَّهرَ على أنَّهُ فاعِل، وَقَعَ السَّبُّ عَلى الله . ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الجاثية: ٢٤] أيْ: لَيسَ لَهم بِما ذُكِرَ مِنْ قَصْرِ الحياةِ على ما فِي الدُّنيا وَنسْبَة الإِهلاكِ إلى الدَّهرِ عِلم مُسْتَنِد إلى عَقْلٍ أو نَقْلٍ ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية: ٢٤] أيْ ما هُم إلا قَوم قُصارَى أمرِهِم الظَّنُّ والتقليدُ مِنْ غَيْرِ أنْ يَكونَ لَهُم ما يَصِحُّ أَنْ يَتَمَسَّكَ بِهِ في الجُمْلَة. وقَدْ ذَكَرْنَا في غَيْرِ هذا المَوْضِع ما يَتَعَلَّقُ بالدَّهْرِيينَ، والمقصودُ أنَّ يقول بِإِسنادِ الحوادِثِ إلى غيرِ الله تَعالى كالدَّهرِ، فَذلك ليسَ لَهُ مستندٌ عقلَيّ وَلاَ نَقْلِيٌّ، بَل هو مَحْضُ جَهْلٍ، وقائِلُهُ جاهلٌ في أيِّ عَصْرٍ كانَ. ولأهل زماننا حظ وافر من هذا الاعتقاد الباطل. والله المستعان. [إضافة نعم الله إلى غيره] إضافة نعم الله إلى غيره (السابعة والثلاثون) : إضافةُ نِعَمِ الله إلى غيرِهِ، قال الله تَعالى في سورةِ [النَّحْلِ: ٨٣] : ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [النحل: ٨٣] وقدْ عَدَّدَ الله تَعالى نِعَمَهُ على عِباده في هذهِ السُّورةِ [٧٨: ٨٠] إلي أنْ قالَ ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ - فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ - يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [النحل: ٨١ - ٨٣] فقوله ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٨٣] إلِخ اسْتِئناف لِبيانِ أنَّ تَولي المُشرِكينَ وإعراضَهم عن الإِسلامِ لَيْسَ لِعَدَمِ مَعْرِفتِهِم نِعمةَ الله أصلا، فإِنِّهم يَعرِفون أنِّها مِن الله تَعالى، ثُمَّ يُنْكِرونَها بأفعالِهِم، حيثُ لم يُفْردوا مُنْعِمَها بالعِبادةِ، فَكَأنَهم لمْ يَعْبُدوه أصْلا، وذَلِكَ كُفْران مُنَزَّل مَنْزِلَةَ الإِنكارَ. وأخرجَ ابنُ جريرٍ وغيرهُ عَنْ مُجاهِدٍ أنه قَالَ: إنكارُهُم إيَّاها قولُهم: وَرِثْناها مِن آبائِنا وأخرجَ هو وغيرُهُ أيْضًا عن عونِ بنِ عبدِ اللهِ أنه قالَ: إنكارُهم إيَّاها أنْ يقولَ الرَّجُلُ: لَوْلا فلانٌ أصابَني

стр. 40

كَذَا وَكَذَا، وَلَوْلا فلانٌ لم أُصِبْ كَذَا وَكَذَا. وَفِي لَفظٍ: إنكارُها: إضافتُها إلى الأسبابِ، وبعضُهُم يقولُ: إنكارُهُم: قولُهم: هي بشفاعة آلهتهم عند الله تَعالى. وَمِنهم مَن قال: النِّعمةُ هنا مُحَمَّد ﷺ أيْ: يَعْرفونَ أنَّه- ﵊ نَبِيّ بِالمُعْجِزاتِ، ثُمَّ يُنكِرون ذَلِكَ، وَيَجْحَدونَه عِنادًا ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [النحل: ٨٣] أيْ المُنكِرون بِقُلوبهِم، غيرُ المُعْترَفين بما ذُكِرَ. والتَّعبيرُ بالأكثرِ إمَّا لأنَّ بعضهم لم يَعْرِفِ الحَقَّ لِنُقصانِ عقلِه وعدمِ اهتدائِهٍ إليهِ، أو لِعدمِ نَظَرِهِ في الأدلَّة نَظَرًا يُؤدِّي إلى المَطْلوبِ، أو لأنَّه لمْ تَقُمْ عليهِ الحُجَّةُ؛ لِكونهِ لم يَصِلْ إلى حَدِّ المُكَلَّفينَ لِصغرٍ ونحوِه، وإمَّا لأنَّه يُقامُ مقامَ الكُلِّ، فإسنادُ المعرفةِ والإِنكارِ المتفرِّع عَلَيْها إلى ضَميرِ المشرِكينَ على الإِطلاقِ مِن باب إسناد حالِ البعضِ إلى الكلِّ. وَمِمَّا يَجْرِي هذا المَجْرى قولُهُ تَعالى في سورةِ [الواقِعةِ: ٨١-٨٢] ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ - وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨١ - ٨٢] أيْ: تَقولونَ: مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا وكَذا. رَوَى مُسْلِم وغيرهُ عن ابنِ عبَّاس قالَ: «مُطِرَ النَّاسُ على عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ ، فَقَال ﵊" أصْبَحَ مِنَ الناسِ شاكِرٌ، ومِنهم كافِرٌ، قالوا: هذهِ رحمة وضَعَها الله" وقالَ بعضُهم: لَقَد صَدَقَ نَوْءُ كَذا، فَنَزَلَتْ هَذه الآية ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] حَتَّى بَلَغَ ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] » إِلَى غيرِ ذَلِكَ مِنَ الآثارِ. والمقصود أن إسناد النعم إلى غير منعمها الحقيقي كفران لها. وَقَدْ ذَكَرْنا مَذهبَ العربِ في الأنواءِ في غيرِ هذا الموضِعِ، وَفَصَّلْناه تفْصيلا، وَذَكَرْنا شِعْرَهُمُ الدَّال على مَذهَبِهم هذا. واللهُ المُوَفقُ. [الكفر بآيات الله] الكفر بآيات الله (الثامنة والثلاثون) : الكفرُ بآيات الله. والنصوصُ الدالَّةُ على ذلك في القرآنِ كثيرة: مِنها قولُهُ تَعالى في [الكَهْفِ: ١٠٥- ١٠٦] : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا - ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا﴾ [الكهف: ١٠٥ - ١٠٦] بَعْدَ قولهِ سُبحانَه [الكهف: ١٠٣- ١٠٤] : ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا - الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٤]
следующие страницы →