← Акыда

Акыда · id 9637

فصل الخطاب في شرح مسائل الجاهلية ت محب الدين الخطيب

محمود شكري الألوسي

Полный текст (92 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

كائن عنِ الرَّدِّ، ويَنْصَرِفَ الرَّدُّ إلى دَعواهُم سَلْبَ الاخْتيار لأنفُسهم، وأنّ إقامتهم الحجة بِذلِكَ خاصَّة. وإِذا تَدَبَّرْتَ الآية وَجَدْتَ صَدرَها دَافِعًا لِصُدورِ الجَبْرِية، وعَجُزَها مُعْجزًا للمُعْتزلة، إِذِ الأوَّلُ مُثبتٌ أنَّ لِلْعَبْدِ اختيارًا وقُدْرةً على وجْهٍ يَقْطعُ حُجَّتَه وعُذْرَهُ في المُخالَفَةِ والعِصْيانِ، والثَّاني مُثِبتٌ نُفوذَ مَشيئَةِ الله تَعالى في العبدِ، وأنَّ جَميعَ أفعالِه على وَفْقِ المَشيئة الإِلهيةِ، وبذلكَ تَقومُ الحُجَّةُ البالغة لأهلِ السُّنَّةِ على المُعتزلةِ، والحمدُ لِلَّهِ ربِّ العالَمِينَ. ومِنهم مَن وجَّهَ الآية بأنَّ مرادَهم رَدُّ دعوةِ الأنبياء ﵈ على مَعنى أنَّ الله تَعالى شاءَ شِرْكَنا، وَأرادَهُ مِنَّا، وَأنْتُم تُخالِفونَ إرادَتَه، حَيثُ تَدعونا إلى الإِيمانِ، فَوَبَّخَهُم بوُجوه عِدَّة: منها قولُه سُبحانَه: ﴿فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ [الأنعام: ١٤٩] فإنه بتقدير الشَّرطِ، أي إذا كانَ الأمرُ كما زَعَمْتُم ﴿فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ [الأنعام: ١٤٩] وقولُه سُبحانَه: ﴿فَلَوْ شَاءَ﴾ [الأنعام: ١٤٩] بَدَل منه على سَبيلِ البَيانِ، أي لَو شاءَ لَدَلَّ كُلاًّ منكم ومِنْ مُخالِفيكم على دينه، لَو كانَ الأمرُ كَما تَزْعُمونَ، لَكان الإِسلامُ أيْضًا بِالمشيئةِ، فَيَجِبُ أنْ لا تَمْنَعوا المُسلِمينَ من الإِسلامِ، كما وَجَبَ بِزعمكم ألا يمنَعَكُم الأنبياءُ عن الشِّركِ. فَيَلْزَمُكُم أنْ لا يكونَ بَيْنَكم وبَيْنَ المُسْلِمينَ مُخالَفَة ومُعاداةٌ، بَلْ موافَقَة وموالاة. وحاصِلُه أنَّ ما خالَفَ مَذْهَبَكم منَ النِّحَلِ يَجِبُ أنْ يَكونَ عِندكم حَقًّا؛ لأنه بِمشيئة الله تَعالى، فَيَلْزَمُ تَصحيحُ الأديانِ المُتناقِضَة. وَفِي سورةِ [النَّحْل: ٣٥] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النحل: ٣٥] الكلامُ عَلى هذه الآية كالكَلام على الآية السَّابقةِ، وَلا تَراهُمْ يَتَشَبَّثونَ بِالمشيئةِ إلا عِنْدَ انخِذالِ الحُجَّةِ. ألا تَرَى كيفَ خَتَمَ بِنَحوِ آخر مجادلاتهم في سورة الأنعام في الآية السابقة، وكذلك في سورة [الزخرف: ١٩-٢٢] : وهو قولُه تَعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ - وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ - أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ - بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ١٩ - ٢٢] ويكفي في الانقلاب ما

стр. 37

يشير إليه قوله سبحانه: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ [الأنعام: ١٤٩] والمُرادُ بِما حَرَّموهُ السَّوائِبُ والبَحائرُ وغَيْرُها. وَفِي تَخْصيصِ الاشْتِراكِ والتَّحْريمِ بالنَّفي؛ لأنَّهُما أعْظَمُ وأشْهَرُ ما هُمْ عَلَيْهِ. وَغَرَضُهُم مِنْ ذَلِكَ تكْذيبُ الرَّسولِ ﵊ والطَّعْنُ في الرِّسالةِ رَأْسًا، فَإِنَّ حاصِلَهُ أيْ ما شاءَ الله يَجِبُ، وما لمْ يَشَأْ يَمْتَنعُ، فَلَوْ أنَّهُ شاءَ أنْ نُوَحِّدَهُ، وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئا، وَنُحَلِّلَ ما أحَلَّهُ، ولا نُحَرِّمَ شَيْئا مِمَّا حَرَّمْنا كَما تَقولُ الرُّسُلُ وَيَنْقُلونَه مِنْ جِهَتِهِ تَعالى لَكانَ الأمرُ كَما شاءَ مِنَ التَّوحيدِ ونَفْي الإِشراكِ، وَتَحْليلِ ما أحَلَّهُ، وَعَدَمِ تَحْريمِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَحَيْثُ لَم يَكُنْ كَذلِكَ، ثَبَتَ أنه لَم يَشَأْ شَيْئًا مِن ذَلِكَ بَلْ شاءَ ما نحنُ عَلَيْهِ. وتَحَقَّقَ أنَّ ما يَقولُهُ الرُّسُلُ ﵈ مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ. فَرَدَّ الله تَعَالى عَلَيْهِمْ بِقَوْلهِ ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النحل: ٣٣] مِن الأمَمِ، أيْ: أشْرَكوا بِاللهِ تَعالى، وَحَرَّموا مِنْ دونِهِ ما حَرَّموا، وجادَلُوا رُسُلَهُمْ بِالباطِلِ لِيُدْحضوا بِهِ الحَقَّ ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النحل: ٣٥] أيْ: ليستْ وَظيفَتُهُمْ إلا البَلاغِ للرِّسالَةِ، المُوَضِّحَ طَريق الحَق والمُظْهر أحْكامَ الوحْيِ التي مِنها تَعَلُّقُ مَشيْئَتِهِ تَعالى باهْتِداءِ مَنْ صرَفَ قُدْرتَهُ واخْتِيارَهُ إلى تَحْصَيلِ الحَقِّ؛ لقولهِ تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩] وأمَّا إلْجاؤهمْ إلى ذَلِكَ، وتنفيذُ قَوْلهم عليهِ شاءوا أوْ أبَوْا كما هو مُقْتَضى اسْتِدْلالِهم فليسَ ذَلِكَ مِن وَظيفَتِهم، ولا مِن الحِكْمَةِ التي يَتوَقَّفُ عَلَيْها التكليفُ، حَتّىَ يُسْتَدَلَّ بعدمِ ظُهورِ آثارِهِ على عدمِ حَقيقةِ الرسلِ ﵈ أو على عدمِ تَعَلُّقِ مَشَيْئَتِهِ تَعالى بذَلِكَ، فإِنَّ ما يَتَرَتَّبُ عليه الثوَّابُ والعِقابُ مِن الأفْعالِ لا بُدَّ في تَعَلُّقِ مَشيئتِهِ تَعالى بِوقوعِهِ مِن مُباشَرَتِهم الاخْتِيارِيّة، وَصَرْفِ اخْتِيارِهِم الجُزْئِيِّ إلى تَحْصيلِهِ، وإلا لَكانَ الثوَّابُ والعِقابُ اضطِرارِيينِ، والكلامُ على هذهِ الآية ونحوِها مُسْتوفىً في تفسير (رُوحِ المعاني) وغيرهِ. فجُحودُ القَدَرِ والاحتجاجُ بِه على الله ومُعارَضَةُ شرع الله بِقَدَرِهِ، كُلُّ ذَلِكَ مِن ضلالاتِ الجاهِلِيَّةِ. والمَقْصودُ أنَّهُ لا جَبْرَ وَلا تَفْويضَ، ولكنْ أمْر بَيْنَ أمْرَيْنِ، فمَنْ زَلَّتْ قَدَمُهُ عَنْ هَذِهِ الجادَّةِ كانَ على ما كانَ عليهِ أهلُ الجاهِلِيَّةِ، وهِيَ الطَّريقَةُ التي رَدَّ عَلَيْهَا الله سبحانَه ورَسُولهُ ﷺ .

стр. 38

[مسبة الدهر] مسبة الدهر (السادسة والثلاثون) : مسَبَّة الدَّهْرِ: كقولهِم في سورةِ [الجاثيةِ: ٢٤] ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤] وذلكَ أنَّ الله تَعالى أرادَ بَيانَ أحْكامِ ضلالِهم والخَتْمِ على سَمْعِهم وقُلوبِهم وجَعل غِشاوة على أبصارِهِم، فَحَكى عنهم ما صدَرَ عَنهم بقوله : ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ [الجاثية: ٢٤] التي نَحْنُ فيها ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ [الجاثية: ٢٤] أيْ تَموتُ طائِفَة، وَتَحْيا طائِفةٌ، ولا حَشْرَ أصلا. ومِنهم مَن قالَ: إِنَّ كَثيرًا مِن عُبَّادِ الأصنامِ كانَ يقول بِالتَّناسُخِ، وَعَلَيْهِ فالمُراد بِالحياةِ: إعادةُ الرُّوحِ لِبَدَنٍ آخَرَ ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤] أيْ طول الزَّمانِ. وإسنادُهُمُ الإِهلاكَ إلى الدهرِ إنكار مِنهم لِمَلَكِ الموتِ وقَبْضهِ الأرواحَ بِأمرِ الله تَعالى، وكانوا يُسْنِدونَ الحوادِثَ مُطْلقًا إلَيْهِ؛ لِجَهْلِهم أنَّها مُقَدَّرة مِن عندِ الله تَعالى، وَأشْعارُهُم لِذَلِكَ مَملوءة مِن شَكْوى الدَّهْر (١) وهؤلاءِ مُعْترفون بوجودِ الله تَعالى، فَهُمْ غَيْرُ الدَّهْرِيَّة. فإِنَّهم مَعَ إسنادِهِمُ الحوادِثَ إلى الدَّهْرِ لا يَقولونَ بِوُجوده سُبْحانَه وَتَعالى عَمَّا يَقولونَ عُلوّا كَبيرا والكُلُّ يَقولُ بِاسْتِقْلالِ الدَّهْرِ بِالتأثيرِ. وقَد جاءَ النَّهيُ عَنْ سبِّ الدَّهْرِ، أخْرجَ مُسْلِمٌ: «لا يَسُبّ أحَدُكُم الدَّهْرَ، فَإِنَّ الله هو الدَّهْرُ» وفي رِوَايَةٍ لأبي داودَ والحاكِم "قالَ الله : «يُؤذيني ابنُ آدمَ يقولُ: يا خيبةَ الدَّهرِ، فلا يَقُلْ أحَدُكُم يا خيبةَ الدَّهرِ، فإِنيِّ أنا الدَّهرُ، أقَلِّبُ لَيْلَهُ وَنَهارَهُ» وَرَوى الحاكِمُ أيْضًا: «يقولُ الله : اسْتَقْرَضتُ عَبدْي فلم يُقْرِضْني، وَشَتَمَنِي عبدي وهو لا يَدْرِي، يقولُ:

стр. 39

وادَهْراهُ! وَأنا الدَّهرُ» . وَرَوَى البَيْهقِيُّ: «لا تَسُبوا الدَّهرَ، قال الله : أنا الأيّامُ والليالِي، أجَدِّدُها وأبلْيها، وآتي بِمُلوكٍ بعدَ مُلوكٍ» . ومَعْنى ذَلِكَ أنَّ الله تَعالى هو الآتي بالحوادِثِ، فَإِذا سَبَبْتُمُ الدَّهرَ على أنَّهُ فاعِل، وَقَعَ السَّبُّ عَلى الله . ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الجاثية: ٢٤] أيْ: لَيسَ لَهم بِما ذُكِرَ مِنْ قَصْرِ الحياةِ على ما فِي الدُّنيا وَنسْبَة الإِهلاكِ إلى الدَّهرِ عِلم مُسْتَنِد إلى عَقْلٍ أو نَقْلٍ ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية: ٢٤] أيْ ما هُم إلا قَوم قُصارَى أمرِهِم الظَّنُّ والتقليدُ مِنْ غَيْرِ أنْ يَكونَ لَهُم ما يَصِحُّ أَنْ يَتَمَسَّكَ بِهِ في الجُمْلَة. وقَدْ ذَكَرْنَا في غَيْرِ هذا المَوْضِع ما يَتَعَلَّقُ بالدَّهْرِيينَ، والمقصودُ أنَّ يقول بِإِسنادِ الحوادِثِ إلى غيرِ الله تَعالى كالدَّهرِ، فَذلك ليسَ لَهُ مستندٌ عقلَيّ وَلاَ نَقْلِيٌّ، بَل هو مَحْضُ جَهْلٍ، وقائِلُهُ جاهلٌ في أيِّ عَصْرٍ كانَ. ولأهل زماننا حظ وافر من هذا الاعتقاد الباطل. والله المستعان. [إضافة نعم الله إلى غيره] إضافة نعم الله إلى غيره (السابعة والثلاثون) : إضافةُ نِعَمِ الله إلى غيرِهِ، قال الله تَعالى في سورةِ [النَّحْلِ: ٨٣] : ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [النحل: ٨٣] وقدْ عَدَّدَ الله تَعالى نِعَمَهُ على عِباده في هذهِ السُّورةِ [٧٨: ٨٠] إلي أنْ قالَ ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ - فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ - يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [النحل: ٨١ - ٨٣] فقوله ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٨٣] إلِخ اسْتِئناف لِبيانِ أنَّ تَولي المُشرِكينَ وإعراضَهم عن الإِسلامِ لَيْسَ لِعَدَمِ مَعْرِفتِهِم نِعمةَ الله أصلا، فإِنِّهم يَعرِفون أنِّها مِن الله تَعالى، ثُمَّ يُنْكِرونَها بأفعالِهِم، حيثُ لم يُفْردوا مُنْعِمَها بالعِبادةِ، فَكَأنَهم لمْ يَعْبُدوه أصْلا، وذَلِكَ كُفْران مُنَزَّل مَنْزِلَةَ الإِنكارَ. وأخرجَ ابنُ جريرٍ وغيرهُ عَنْ مُجاهِدٍ أنه قَالَ: إنكارُهُم إيَّاها قولُهم: وَرِثْناها مِن آبائِنا وأخرجَ هو وغيرُهُ أيْضًا عن عونِ بنِ عبدِ اللهِ أنه قالَ: إنكارُهم إيَّاها أنْ يقولَ الرَّجُلُ: لَوْلا فلانٌ أصابَني

стр. 40

كَذَا وَكَذَا، وَلَوْلا فلانٌ لم أُصِبْ كَذَا وَكَذَا. وَفِي لَفظٍ: إنكارُها: إضافتُها إلى الأسبابِ، وبعضُهُم يقولُ: إنكارُهُم: قولُهم: هي بشفاعة آلهتهم عند الله تَعالى. وَمِنهم مَن قال: النِّعمةُ هنا مُحَمَّد ﷺ أيْ: يَعْرفونَ أنَّه- ﵊ نَبِيّ بِالمُعْجِزاتِ، ثُمَّ يُنكِرون ذَلِكَ، وَيَجْحَدونَه عِنادًا ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [النحل: ٨٣] أيْ المُنكِرون بِقُلوبهِم، غيرُ المُعْترَفين بما ذُكِرَ. والتَّعبيرُ بالأكثرِ إمَّا لأنَّ بعضهم لم يَعْرِفِ الحَقَّ لِنُقصانِ عقلِه وعدمِ اهتدائِهٍ إليهِ، أو لِعدمِ نَظَرِهِ في الأدلَّة نَظَرًا يُؤدِّي إلى المَطْلوبِ، أو لأنَّه لمْ تَقُمْ عليهِ الحُجَّةُ؛ لِكونهِ لم يَصِلْ إلى حَدِّ المُكَلَّفينَ لِصغرٍ ونحوِه، وإمَّا لأنَّه يُقامُ مقامَ الكُلِّ، فإسنادُ المعرفةِ والإِنكارِ المتفرِّع عَلَيْها إلى ضَميرِ المشرِكينَ على الإِطلاقِ مِن باب إسناد حالِ البعضِ إلى الكلِّ. وَمِمَّا يَجْرِي هذا المَجْرى قولُهُ تَعالى في سورةِ [الواقِعةِ: ٨١-٨٢] ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ - وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨١ - ٨٢] أيْ: تَقولونَ: مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا وكَذا. رَوَى مُسْلِم وغيرهُ عن ابنِ عبَّاس قالَ: «مُطِرَ النَّاسُ على عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ ، فَقَال ﵊" أصْبَحَ مِنَ الناسِ شاكِرٌ، ومِنهم كافِرٌ، قالوا: هذهِ رحمة وضَعَها الله" وقالَ بعضُهم: لَقَد صَدَقَ نَوْءُ كَذا، فَنَزَلَتْ هَذه الآية ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] حَتَّى بَلَغَ ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] » إِلَى غيرِ ذَلِكَ مِنَ الآثارِ. والمقصود أن إسناد النعم إلى غير منعمها الحقيقي كفران لها. وَقَدْ ذَكَرْنا مَذهبَ العربِ في الأنواءِ في غيرِ هذا الموضِعِ، وَفَصَّلْناه تفْصيلا، وَذَكَرْنا شِعْرَهُمُ الدَّال على مَذهَبِهم هذا. واللهُ المُوَفقُ. [الكفر بآيات الله] الكفر بآيات الله (الثامنة والثلاثون) : الكفرُ بآيات الله. والنصوصُ الدالَّةُ على ذلك في القرآنِ كثيرة: مِنها قولُهُ تَعالى في [الكَهْفِ: ١٠٥- ١٠٦] : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا - ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا﴾ [الكهف: ١٠٥ - ١٠٦] بَعْدَ قولهِ سُبحانَه [الكهف: ١٠٣- ١٠٤] : ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا - الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٤]

стр. 41

فقولُه (أُوْلئكَ) كلام مُسْتَأنَفٌ منهُ مَسوق لتكْميلِ تعريفِ الأخْسَرينَ، وتَبيينِ خُسرانِهِم وضَلالِ سعْيِهِم وتَعْيينهم، بِحيثُ يَنْطَبِقُ التَّعريفُ على المُخاطَبينَ. أيْ أولئكَ المَنْعوتونَ بِما ذُكِرَ من ضَلالِ السَّعْيِ والحُسْبانِ المذكورِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ [الكهف: ١٠٥] بِدلائِلِهِ سُبحانَه الدَّاعِيَة إلى التَّوحيدِ الشَّامِلة للسَّمعيَّةِ والعقلِيّةِ ﴿وَلِقَائِهِ﴾ [الكهف: ١٠٥] هو كِنايةٌ عن البعثِ والحَشْرِ وما يَتْبَعُ ذلك من أُمورِ الآخِرَةِ، أي لم يؤمِنوا بِذَلِكَ على ما هو عَلَيه ﴿فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥] أيْ: فَنَزْدَري بهم، وَنَحْتَقِرُهُم. ومِنَ النُّصوصِ ما يَدُلُّ على أنَّ مِنهم مَن كان يُنْكِرُ بَعضَ الآياتِ، ومِنهم مَن كانَ مُعْرِضًا عَنْها وهاجرًا لها، ولاَ يَخْفى عليك أنَّ مِنَ النَّاسِ اليومَ مَن هُوَ أدْهى وأمَرُّ مِمَّا كانَ عَلَيْهِ أهلُ الجاهِلِيَّة فِي هَذَا البابِ. [اختيار كتب الباطل ونبذ آيات الله] اختيار كتب الباطل، ونبذ آيات الله (التاسعة والثلاثون) : اشْتِراء كُتُبِ الباطِلِ واخْتِيارُها عليها، أيْ عَلى الآيات. قالَ تَعالى [البقرة: ٩٩-١٠٣] : ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ - أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ - وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ - وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ٩٩ - ١٠٢] إلى قوله: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ - وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢ - ١٠٣] وَمَعنى قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ [البقرة: ١٠٢] أيْ اسْتبدَلَ ما تَتْلوا الشَّياطينُ بِكتابِ الله. ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢] أي: نَصيبٍ ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ [البقرة: ١٠٢] أيْ: واللهِ لَبِئْسَ شَيْئًا شَرَوا بهِ حُظوظَ أنْفُسِهِم، أيْ: باعوها أو شَرَوْها في زعْمِهِم ذَلِكَ الشِّراءَ ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا﴾ [البقرة: ١٠٣] أيْ بِالرَّسولِ أوْ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِنَ الآياتِ أو بِالتَّوْراةِ ﴿وَاتَّقَوْا﴾ [البقرة: ١٠٣] أيْ المَعاصي

стр. 42

التي حُكِيَتْ عَنْهُمْ. ﴿لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٣] أيْ أنَّ ثَوابَ الله تَعالى خَيْرٌ لَهُمْ، وبِمَعْنى هذه الآيةِ قولُه تَعالى [البقرة: ٧٨-٧٩] ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ - فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٨ - ٧٩] وَهَذه الآية نَزَلَتْ في أحبارِ اليهودِ الذينَ خافُوا أنْ تَذهبَ رِياسَتُهم بإِبْقاءِ صفَةِ النَّبِيِّ ﷺ على حالِها، فَغَيَّروها. [القدح في حكمة الله تعالى] القدح في حكمة الله تعالى (الأربعون) : القَدْح في حِكْمَتِهِ تَعالى. أقولُ: مِنْ خِصالِ الجاهلية: القَدْحُ في حِكْمَتِهِ تَعالى، وأنَّهُ لَيْسَ بحَكيمٍ في خَلْقِهِ. بِمعنى أنه سُبحانَه يَخْلُقُ ما لا حِكْمَةَ لَهُ فيهِ، وَيَأمُرُ وَيَنْهى بِما لا حِكْمَةَ فيهِ. وقد حَكى الله تَعالى ذَلِكَ بقولهِ في سورةِ [ص: ٢٧] : ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص: ٢٧] وَقَالَ سُبحانَه في سورةِ [المؤمنين: ١١٥-١١٦] : ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ - فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ [المؤمنون: ١١٥ - ١١٦] وفي سورةِ [الدُّخانِ: ٣٨-٣٩] ، ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ - مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الدخان: ٣٨ - ٣٩] وفي سورةِ [الأنبياءِ: ١٦-١٧] ، ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ - لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٦ - ١٧] وفي سورةِ [الحِجْرِ: ٨٥] ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ [الحجر: ٨٥] إلى غيرِ ذلك من الآياتِ النَّاصَّةِ على أنَّ الله تَعالى لَم يَخلُقْ شَيْئًا مِن غيرِ حِكمةٍ وَلا عِلَّة، عَلى خِلافِ ما يَعْتَقدُهُ أهلُ الباطِلِ مِنَ الجاهِلِينَ، وَمَن نَحا نَحْوهُمْ مِن هذِهِ الأمَّةِ مِمَّنْ نَفى الحِكمةَ عَن أفعالِهِ . وهَذِهِ مَسألةٌ طويلةُ الذَّيلِ، قَدْ كَثُرَ فيها

стр. 43

الخِصامُ بَيْنَ فِرَق المُسلِمينَ، والحقُّ ما كانَ عَلَيه السَّلَفُ مِن إثبات الحِكمةِ والتَّعليلِ. وقدْ أطْنَبَ الكلامَ عليها الحافِظُ ابنُ القَيِّم في كِتابِه (شِفاءِ العليلِ في مسائلِ القَضاءِ والقَدَرِ والحِكْمَة والتَّعْليلِ) وَعَقَدَ بابًا مُفَصَّلا في طُرُقِ إثباتِ حِكمة الرَّبِّ تَعالى في خَلْقِهِ وَأمْرِهِ، وإثباتِ الغاياتِ المَطلوبةِ والعواقِب الحَمِيدَةِ الَّتي فَعَلَ وَأَمَرَ لأجلِها. ومِن جُملةِ ما قالَ في هذا البابِ: إنه أنكَرَ على مَن زَعَمَ أنَّه لم يخلُقِ الخَلْقَ لِغايةٍ ولا لحِكمةٍ، كَقَولهِ: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ [المؤمنون: ١١٥] وَقَولِهِ: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ - مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الدخان: ٣٨ - ٣٩] والحَقُّ: هو الحِكَمُ والغاياتُ المحمودةُ، التي لأجلِها خَلَقَ ذَلِكَ كُلَّهُ وهو أنواعٌ كثيرةٌ منها أنْ يُعْرَفَ اللهُ بأسمائِهِ، وصِفاتِهِ، وأفعالِهِ، وآياتِهِ. ومِنها: أنْ يُحَبَّ، وَيُعْبَدَ، وَيُشْكَرَ، ويُطاعَ ومِنها: أنْ يأمُرَ، وَيَنْهى، وَيُشَرِّعَ الشَّرائِعَ. ومِنها: أنْ يُدَبِّرَ الأمرَ، ويُبْرِمَ القَضاء، وَيَتَصَرَّفَ في المَمْلَكَة بأنواعِ التَّصَرُّفاتِ. ومِنها: أنْ يثيبَ ويُعاقِبَ، فَيُجازِيَ المُحْسِنَ بإحْسانِهِ، والمُسيءَ بإساءَتِهِ، فَيَكونَ أثَرُ عَدْلِهِ وفَضْلِهِ موجودًا مُشاهَدًا، فَيُحْمَدَ على ذَلِكَ ويُشْكَرَ. ومِنها: أنْ يُعْلِمَ خَلْقَهُ أنه لا إِلهَ غَيْرُهُ، وَلاَ رَبَّ سِواهُ. ومِنها: أنْ يَصْدُقَ الصَّادِقُ فَيُكْرِمَهُ، وَيَكْذِبَ الكاذِبُ فَيُهينَهُ. ومِنْها: ظُهُورُ آثارِ أسْمائِهِ وَصِفاتِهِ عَلى تنوُّعِها وكَثرتِها في الوُجودِ الذِّهْنِيَ والخارجي، فيعلم عباده ذلك علمًا مطابقًا لما في الواقع. ومِنْها: شَهادةُ مَخلوقاتِهِ كُلِّها بأنه وَحْدَهُ ربها وَفاطِرُها ومَليكُها، وأنه وَحْدَهُ إِلهُها ومَعْبودُها. ومِنْها: ظُهورُ آثارِ كَمالِهِ المُقَدَّسِ، فإِنَّ الخَلْقَ والصُّنْعَ لازِمُ كَمالِهِ، فإِنَّه حَيٌّ قديرٌ، ومَن كانَ كَذَلِكَ لم يَكُنْ إلا فاعِلا مُختارا. ومِنها أنْ يُظْهِرَ أثَرَ حكمتِهِ في المخلوقاتِ بوضعِ كُلٍّ مِنها في مَوضِعِهِ الذي يَليقُ بِهِ، ومَجيئِهِ على الوجهِ الذي تَشْهَدُ العُقولُ والفطَرُ بِحُسْنِهِ، فتشهَدَ حِكْمَتُهُ الباهِرة ومِنها: أنَّه سُبحانه يُحِبُّ أنْ يَجودَ ويُنْعِمَ ويَعْفُوَ وَيَغْفِرَ وَيُسامحَ، ولا بُدَّ مَن لوازمِ ذَلِكَ خَلْقًا وشَرْعًا. ومِنها: أنَّه يُحِبُّ أنْ يُثْنى عَلَيْهِ، ويُمْدَحَ ويُمَجَّدَ، وَيُسَبَّحَ وَيُعَظَّمَ ومِنها: كثرةُ

стр. 44

شواهدِ رُبوبيتِهِ وَوَحْدانِيتِهِ وَإلهيتِه. إلى غير ذلكَ من الحِكمِ التي تَضَمَّنَها الخَلْقُ، فَخَلَقَ مَخْلوقاتِهِ بِسببِ الحَقِّ. ولأجْلِ الحَقِّ، وَخَلْقُها مُلْتَبِس بالحَقِّ، وهو في نفسِهِ حَقّ: فَمَصْدَرُهُ حَقٌّ، وغايتُه حَقٌّ، وهو يَتَضَمَّنُ الحَقَّ. وقَدْ أثنى على عِبادِهِ المؤمِنينَ حَيْثُ نَزَّهوهُ عنْ إيجادِ الخَلْقِ، لا لِشَيْءٍ ولا لِغاية، فَقَالَ تَعالى [آل عمران: ١٩٠- ١٩١] : ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ - الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١] وَأخْبَرَ أنَّ هَذَا ظَنُّ أعدائِهِ، لا ظَنُّ أوليائِهِ فقال: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [ص: ٢٧] وكيفَ يَتَوَهَّمُ أنَّه عَرَفَهُ مَن يقولُ: إنَّه لم يَخلقِ لِحكمةٍ مطلوبة لَه، ولا أمَر لِحكمةٍ، ولا نَهَى لِحكمةٍ، وإنَّما يَصدُرُ الخَلْقُ والأمرُ عن مشيئَةٍ وقُدْرَةٍ مَحْضَةٍ، لا لِحكمةٍ ولا لِغاية مقصودةِ. وهلْ هذا إلا إنكارٌ لحقيقة حَمْده بَل الخَلْقُ والأمرُ إنَّما قامَ بالحكمِ والغاياتِ، فَهُما مَظْهَرانِ لِحمده وحِكمتِهِ. فإِنكارُ الحكمةِ إنكارٌ لِحَقيقةِ خَلْقِهِ وأمرِهِ، فإِنَّ الذي أثبَتَهُ المُنْكِرونَ مِن ذَلِكَ لنَزَّهُ عنه الرَّبُّ، ويَتَعالى عَن نسبتِهِ إليهِ، فإنَّهم أثْبَتوا خَلْقًا وَأْمرًا لا رَحْمَةَ فيهِ ولا مَصْلَحَةَ ولا حِكمةَ، بَلْ يَجوزُ عِنْدَهُم أو يَقَعُ أنْ يَأمرَ بِما لا مَصلحةَ لِلْمُكَلَّفِ فيه ألبتة، ويَنْهى عَمَّا فيه مَصلحة، والجميعُ بالنِّسبة إليه سواءٌ ويَجوزُ عِندَهم أنْ يَأْمُرَ بِكُلِّ ما نَهى عَنه، وَيَنْهَى عن جَميعِ ما أمَرَ بِهِ، ولا فَرْقَ بَيْنَ هذَا وهذَا إلا بِمُجَرَّدِ الأمْرِ والنَّهْي. وَيَجوزُ عِندَهم أنْ يُعَذِّبَ مَنْ لَم يَعْصِهِ طَرْفَةَ عَينٍ، ويثيبَ مَن عصَاهُ بلْ أفْنى عُمُرَهُ في الكُفْرِ بِهِ والشِّرْكِ والظلْمِ والفُجورِ، فَلاَ سَبيلَ إلى أنْ يُعْرَفَ خِلافُ ذلِكَ منه إلا بِخَبَرِ الرَّسول، وإلا فهو جائِزٌ عليهِ. وَهَذَا مِن أقْبَحِ الظَّنِّ وأسوئهِ بالرَّبِّ سُبحانَه، وَتنزيهُهُ عَنْهُ كَتنزيهِهِ عن الظلْمِ والجَوْرِ، بَلْ هذا هو عَيْنُ الظلْمِ الَّذِي يَتَعالى الله عَنْهُ. والعَجَبُ العُجابُ أنَّ كَثيرًا مِن أربابِ هَذَا المَذْهَبِ ينزِّهونَه عَمَّا وَصَفَ بِهِ نَفْسَه مِن صِفاتِ الكَمالِ ونُعوتِ الجَلالِ، ويزعمون أن إثباتها تجسيمٌ وتشبيهٌ، ولا ينزِّهونه عن هذا الظلم والجَوْرِ، ويَزْعُمونَ أنه عَدْل وَحَقّ، وأنَّ

стр. 45

التَّوْحيدَ عِندَهُم لا يَتِمُّ إلا بهِ، كما لا يتِمُّ إلا بإنكارِ اسْتِوائِهِ عَلَى عَرْشِهِ، وعُلُوِّهِ فَوْقَ سَماواتِه، وتكَلُّمِهِ وتكليمِهِ، وصِفاتِ كمالِه فلا يَتِمُّ التَّوحيدُ عند هذهِ الطَّائِفةِ إلا بِهَذَا النَّفْيِ وذَلِكَ الإِثْباتِ، واللهُ وليُّ التَّوفيقِ. انتهى المقصودُ من نَقْلِهِ، وتَمامُ الكلامِ في هذا البابِ من ذَلِكَ الكِتابِ (١) وإليه سُبحانَه المآبُ. [الكفر بالملائكة والرسل، والتفريق بينهم] الكفر بالملائكة والرسل، والتفريق بينهم (الحادية والأربعون) : الكفر بِالملائِكَةِ والرُّسلِ والتَّفْريق بَيْنَهُم. قال تَعالى [البقرة: ٨٧- ٩٩] ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ - وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ - وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ - بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ - وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨٧ - ٩١] إلى أن قال: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ - مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ - وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾ [البقرة: ٩٧ - ٩٩] فَقَدْ تَبَيَّنَ مِنْ هذهِ الآيات أنَّ بَعْضَ الكِتابِيِّينَ كانُوا يَكفُرونَ بِالمَلائِكَةِ والرُّسُلِ، يُفَرِّقونَ بَيْنَهُمْ، أيْ يؤمِنونَ بِبَعْضٍ ويَكفُرونَ بِبَعضٍ، وهم طائفةٌ مِن جاهِلِيَّةِ اليَهودِ. وَلِهَذَا أمَرَنا الله تَعالى بالإِيمانِ بهم وَعَدَمِ

стр. 46

التَّفْرِقَة بَيْنَهُم، فَقَالَ [البقرة: ٢٨٥] ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥] [الغلو في الأنبياء والرسل] الغلو في الأنبياء والرسل (الثانية والأربعون) : الغُلُوُّ في الأنبياءِ والرُّسُلِ ﵈، قالَ تَعالى في سورةِ [النِّساءِ: ١٧١] ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧١] وَالغُلُوُّ في المخلوقِ أعْظمُ سَبَبٍ لعبادةِ والغلو في المخلوق أعظم سبب لعبادة الأصنامِ والصَّالِحينَ، كَما كانَ في قوم نوح مِن عبادةِ نَسْرٍ وَسُواعٍ وَيَغوثَ ونَحْوِهِم، وكما كان مِنْ عبادةِ النَّصارى لِلمسيحِ ﵇، ومِثلُ ذلِكَ القولُ على الله بِغيرِ الحَقِّ. [الجدال بغير علم] الجدال بغير علم (الثالثة والأربعون) : الجِدالُ بِغيرِ العِلم كما تَرى كثيرًا مِن أهلِ الجَهلِ يُجادِلونَ أهلَ العِلْمِ عِندَ نَهْيهِم عَمَّا ألِفوه مِنَ البِدَعِ والضلالاتِ. وهي صِفَةٌ جاهِلِيّةٌ نَهانا الله تَعالى عَنِ التَّخَلُّقِ بِها. قال تَعالى في سورةِ [آل عمران: ٦٥-٦٦] ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ - هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٥ - ٦٦] أخْرَجَ ابنُ إسحاقَ وابنُ جَريرٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما قالَ: «اجْتَمَعَتْ نَصارى نَجْرانَ وأحبارُ يهودَ عِندَ رَسُولِ الله ﷺ ، فَتَنازَعوا عِنْدَهُ، فَقالَتِ الأحبارُ: ما كانَ إبراهيمُ إلا يَهودِيًّا، وقالتِ النَّصارى: ما كان إبْراهيمُ إلا نَصرانِيًّا، فَأنْزَل الله فيهم هذهِ الآية» المُنادِيَةَ على جَهْلِهم وعِنادِهم، كَما لا يخْفى على مَنْ راجَعَ التفسيرَ.

стр. 47

[الكلام في الدين بلا علم] الكلام في الدين بلا علم قال الشيخ: (الرابعة والأربعون) الكَلامُ في الدِّين بِلا عِلْمٍ، أقولُ: أجْمَلَ الشَّيخُ رحمه الله تعالى الكَلام في هذهِ المسألة كُلَّ الإِجمالِ كَما فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ في كَثيرٍ مِنَ المَسائِلِ، وما أحَقَّها بِالتفصيلِ. وَذَلِكَ أنَّ أهلَ الجاهِلِيةِ مِنَ العَرَبِ وغيرِهِم مِنَ الكِتابِيِّينَ شَرَعوا في الدِّينِ ما لَم يَأذَنْ بِهِ الله، أمَّا العَرَبُ فقد كانَ الكثيرُ مِنهُم على دين إبراهيمَ وإسماعيلَ ﵈ إلى أنْ ظَهَرَ فِيهِمُ الخُزاعِيُّ (١) فَغَيَّرَ وَبَدَّلَ، وابْتَدَعَ بِدَعًا كَثيرةً، وَأغْرى العَرَبَ عَلى عِبادةِ الأصنامِ، وَبَحَرَ البَحيرَةَ، وَحَمى الحام، واسْتَقْسَمَ بِالأزلامِ، إلى غيرِ ذَلِكَ مِمَّا فَصلْناه في غيرِ هَذَا الموضِع. وإنْ شِئْتَ أنْ تَعْرِفَ جَهْلَ العَرَبِ، وما ابْتَدَعوهُ فاقْرأْ سورةَ الأنعامِ فَإِنَّ فيها كَثيرًا مِن ضَلالاتِهم ومُبْتَدَعاتِهم. وأمَّا الجاهِلِيُّونَ مِنَ اليَهودِ والنَّصارى، فَقَدِ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ، وَذَلِكَ أنَّ أحبارَهم ورُهبانَهمُ ابْتَدَعوا لَهُم في الدِّينِ بدَعًا، وَحَلَّلوا وَحَرَّموا ما اشْتَهَتْهُ أنْفسُهُم، فَقَبِلوا ذَلِكَ مِنهم وأطاعوهُم عليه، مع أنَّ الدِّينَ إنِّما يَكونُ بِتشريعِ الله ووحْيِهِ إلى أنْبيائِهِ ورُسُلِهِ ﵈، ولا يَكونُ بِآراءِ الرِّجالِ وبِحَسَبِ أهْوائِهِمْ، فَكُلُّ ما لا دَليلَ عَلَيْهِ مِنْ كِتابٍ ولا سُنَّةٍ مَرْدودٌ على صاحِبهِ. وَقَدْ ذَمَّ الله تَعالى اليَهود عَلى مِثل ذَلِكَ فَقَال عَزَّ اسْمُهُ في سورةِ [آلِ عِمرانَ: ٧٨] ، ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٨] فَمَنْ أوَّلَ نُصوصَ الكِتابِ والسُّنَّة على حَسَبِ شَهَواتِهِ وبِمُقْتَضى هَواهُ فَهو أيْضًا مِنْ قَبيلِ الذينَ يَلْوونَ ألْسِنَتَهُمْ بِالكِتابِ. وَأَنْتَ تَعْلَمُ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ اليومَ كَثيرٌ مِن كُتُب الشَّريعَةِ مِنَ الآراءِ التي لَيْسَ لَها مُسْتند مِنْ دَلائِلِ الشَّريعَةِ. فإلى الله المُشْتكىَ مِنْ صَوْلَةِ الباطِلِ وخُمولِ الحَقِّ.

стр. 48

[الكفر باليوم الآخر] الكفر باليوم الآخر (الخامسة والأربعون) : الكُفر باليومِ الآخِرِ، والتَّكذيبُ بلِقاءِ الله، وبَعْثِ الأرْواحِ، وَبِبَعْضِ ما ذَكَرَتْهُ الرّسلُ مِنْ صِفاتِ الجَنَّةِ والنَّارِ. قال تَعالى في سورةِ [الكَهْفِ: ١٠٣-١٠٥] ، ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا - الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا - أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٥] الآية. وقد مَرَّ الكَلامُ عَلَيها قَريبًا. وَقَالَ تَعالى في سورةِ [النَّحْلِ: ٣٨-٣٩] ، ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ - لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾ [النحل: ٣٨ - ٣٩] إِلَى غَيرِ ذَلِكَ مِنَ النُّصوصِ الوارِدَةِ في ذَلِكَ كُلِّهِ. ولِقومِ عَصْرِنا مِنْ هذا الاعْتِقادِ الجاهِلِيِّ حَظٌّ وافِرٌ، وَنَصيبٌ كامِل، ومَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ، نَسْألُهُ تَعالى التَّوْفِيقَ للهِدايةِ. [التكذيب بآية مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ] التكذيب بآية ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] (السادسة والأربعون) : التَّكذيب بِقَولِهِ تَعَالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] وَهو اليومُ الذي يَدينُ الله تَعالى العِبادَ فِيْهِ بِأعمالِهم، فَيُثيبُهُمْ عَلَى الخَيْراتِ ويُعاقِبُهُم على المَعاصِي والسَّيئاتِ. والتكذيبُ بِهذا اليومِ مُتَفَرِّعٌ عَلى إنكارِ البعثِ والحِسابِ والجَنَّةِ والنَّارِ. [التكذيب بآية لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ] التكذيب بآية ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤] (السابعة والأربعون) : التَّكذيب بِقَولِهِ تَعَالى [البقرة: ٢٥٤] ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤] منْ قَوْلهِ سُبحانَه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤] والخُلَّةُ: المَوَدَّة والصداقَةُ، ومَعْنى وَلَا شَفَاعَةٌ أيْ لا أحَدَ يَشْفَعُ لأحَدٍ إلا مِن بَعْدِ

стр. 49

أنْ يَأْذَنَ الرَّحْمنُ لِمَنْ يَشاءُ ويَرْضى. وأرادَ بِذَلِكَ يومَ القيامَة. والمُرادُ مِن وصْفِهِ بِما ذُكِرَ: الإِشارةُ إلى أنه لا قدرةَ لأحَدٍ فيهِ على تَحصيلِ ما ينْتفَعُ بِهِ بِوجْهٍ مِنَ الوُجوهِ، لأنَّ مَن في ذِمَّتهِ حَقّ مَثَلا إمَّا أنْ يأخُذَ بالبيع ما يُؤَدِّيهِ بِهِ، وإمَّا أنْ يعينَهُ أصدقاؤُه، وإمَّا أنْ يلتجئ إلى مَنْ يَشفعُ لَهُ فِي حَطِّه، والكُلُّ مُنْتَف، ولا مُسْتعان إلا باللهِ . [الخطأ في معنى الشفاعة] الخطأ في معنى الشفاعة (الثامنة والأربعون) : التَّكذيبُ بِقولِهِ تَعالى في سورةِ [الزخْرُفِ: ٨٦] ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] قَولُهُ: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] أي ولا يملكُ آلِهَتُهُمُ الذين يَدْعونَهم مِن دونهِ الشَّفاعَةَ، كَما زَعَموا أنَّهُم شُفعاؤُهُم عِندَ الله ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ [الزخرف: ٨٦] الَّذي هو التَّوحيدُ. ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] أيْ: يَعْلَمونَهُ. والمُرادُ بِهم: الملائِكَةُ وَعِيسى وعُزَيْرٌ وَأضْرابُهُمْ. وَأنْتَ تَرَى النَّاسَ اليومَ عاكِفينَ على أصنامٍ لهُمْ يَدْعونَهُمْ مِن دونِ الله، وعُذْرُهُم عِندَ تَوبيخِهِم أنَّ هؤلاءِ شُفَعاؤُهم. تَعَالى الله عَمَّا يُشْرِكون. [قتل أولياء الله] قتل أولياء الله (التاسعة والأربعون) : قَتْل أولياءِ الله، وقَتْلُ الذينَ يَأمُرونَ بِالقِسْطِ مِنَ النَّاسِ، قالَ تعالى في سورةِ [البقَرَةِ: ٦١] ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٦١] وقالَ في سورةِ [آل عِمرانَ: ١٨٣] ﴿قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٨٣] إلى آَياتٍ أخَرَ في هذا المَعْنى صَرَّحَتْ بِما لاقاهُ الأنْبِياءُ والرُّسُلُ ﵈ وأتْباعُهُم المُخْلِصونَ ودُعاةُ الحَقِّ (١) وبِما كابَدوهُ مِن أعداءِ الله والجَهَلَةِ الطُغاةِ مِمَّا تنهَدُّ لَهُ الصَّياصِي

стр. 50

وتَبْيَضُّ مِنْهُ النَّواصِي. هؤلاءِ أكابِرُ الأمَّةِ المُحَمَّدِيةِ وَعُلَماؤُها الأعلامُ، قد صادَفوا عِندَ دَعوتِهم إلى الحَقِّ والمحافظَةِ عَلَيه ما يَسْوَدُّ منه وجه القِرْطاسِ، وتَشيبُ مِنه لِمَمُ المِدادِ. والأنبياءُ- صلواتُ الله عليهِم- وأتباعُهُم المُؤمنونَ- وإنْ كانوا يُبْتَلونَ في أوَّلِ الأمْر- فالعاقبَةُ لَهم، كما قالَ تَعالى لَمَّا قَصَّ قصةَ نَوح [هود: ٤٩] : ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود: ٤٩] وفي الحَديثِ المتَّفَقِ على صِحَّتِهِ «لما أرسلَ النَّبِيُّ ﷺ رسولا إلى مَلِكِ الرُّومِ، فَطَلَبَ مَنْ يُخْبِرُهُ بسيرتِه، وكانَ المُشرِكونَ أعداءَهُ، لم يَكونوا آمَنوا بِهِ فقالَ: "كيفَ الحربُ بَيْنَكُم وَبَيْنَهم قالوا: الحَرْبُ بَيْنَنا وَبَيْنَهُ سِجالٌ، يُدالُ علينا المَرَّةَ، ونُدال عَليه الأخْرَى. فقال: كذلك الرُّسُلُ تُبْتَلى، وتكونُ لها العاقِبَةُ» . فإنَّه كان يومُ بدرٍ نَصر الله المُؤمِنينَ، ثُمَّ يَوْم أُحُدٍ ابتُلِي المُؤمِنونَ، ثم لم يُنْصَرِ الكُفَّارُ بَعْدَها، حَتّى أظْهَرَ الله تَعالى الإِسْلامَ. فإنْ قِيلَ: ففي الأنبياءِ مَن قد قُتِلَ، كما أخْبَرَ الله تعالى في الآيات السَّابقَةِ أنَّ بَني إسرائيلَ يَقْتُلونَ النَّبِيِّينَ بِغيرِ الحَقِّ، وفي أهل الفُجورِ مَن يُؤتيهِ الله مُلكًا وسُلْطانا وَيُسَلِّطُهُ على المُتَدَيِّنينَ كما سَلَّط بُخْتَ نَصَّرَ عَلى بَني إسرائيلَ، وكما سَلَّطَ كفَّار المُشرِكينَ وأهلِ الكتابِ- أحيانَا- على المُسْلِمينَ قيلَ: أمَّا مَنْ قُتِلَ مِن الأنبياءِ فهم كمَنْ يُقْتَلُ مِنَ المُؤمِنينَ في الجِهادِ شَهيدا. قالَ تَعالى [آل عمران: ١٤٦-١٤٨] : ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ - وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ - فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦ - ١٤٨] ومعلومٌ أنَّ مَنْ قُتِلَ مِنَ المُؤمِنينَ شَهيدا في القتالِ، كان حالُه أكملَ من حالِ مَن يَموتُ حَتْفَ أنفهِ قالَ تَعالى [آل عمران: ١٦٩] : ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] ولهذا قال تعالى [التوبة: ٥٢] : ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة: ٥٢] أيْ: إما النصر والظفر، وإما الشهادة والجنة. ثُمَّ إنَّ الدِّينَ الذي قاتَلَ عليه الشُّهَداء

стр. 51

يَنْتَصِرُ وَيَظْهَرُ، فَيَكون لِطائفتِه السَّعادةُ في الدُّنْيا والآخرةِ، مَن قُتِلَ مِنهم كان شهيدا، ومَن عاشَ مِنهم كانَ منصورًا سَعيدا، وهذا غايةُ ما يكونُ مِن النصرِ، إذْ كان الموتُ لا بُدَّ منهُ، فالموتُ على الوجهِ الذي تَحصُلُ به سعادةُ الدُّنيا والآخرةِ أكملُ، بِخلافِ من يهلكُ هو وطائفتُه، فلا يفوزُ لا هو ولا هم بمطلوبِهِم، لا في الدُّنيا ولا في الآخِرةِ. والشُّهَداءُ مِنَ المؤمِنين قاتَلوا باختيارِهِم، وَفَعَلوا الأسبابَ التي بِها قُتِلوا، كالأمرِ بالمعروفِ والنَّهيِ عنِ المُنْكَرِ، فَهُمُ اخْتاروا هَذا المَوْتَ، إمَّا أنَّهم قَصَدوا الشَّهادَةَ، وإمَّا أنَّهم قَصَدوا به ما يَصيرونَ شُهَداءَ، عالِمينَ بأنَّ لهُم السَّعادةَ في الآخِرَةِ وفي الدُّنيا بِانتصارِ طائِفَتِهِم وبِبَقاءِ لِسانِ الصِّدقِ لهم ثَناءً ودُعاءً، بِخِلافِ مَن هَلَكَ مِن الكُفَّارِ، فإنِّهم هَلَكوا بِغيرِ اختِيارِهِم، هَلاكا لا يرجونَ مَعه سعادةَ الآخِرِة، ولم يَحصلْ لَهُمْ ولا لِطائِفَتِهم شَيْءٌ مِن سعادةِ الدُّنيا، بَلْ أُتبعوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ، وَقيلَ فيهمْ [الدخان: ٢٥-٢٩] : ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ - وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ - وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ - كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ - فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٥ - ٢٩] وقد أخْبَرَ سُبحانَه أنَّ كثيرا مِن الأنبياء قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كثيرٌ، أيْ: أُلوفٌ كثيرةٌ، وأنَّهم ما ضَعُفوا ولا اسْتكانوا لِذَلِكَ، بلِ اسْتَغْفَروا مِنْ ذُنوبِهم التي كانتْ سببا لظُهورِ العدوِّ، وأنَّ الله تَعالى آتاهُمْ ثَوابَ الدُّنيا وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ، فإذا كان هذا قَتْلَ المُؤمِنينَ، فَما الظَّنُّ بِقتلِ الأنْبِياءِ؟ ففيه لهم ولأتباعِهم مِن سَعادةِ الدُّنيا والآخِرَةِ ما هو مِن أعظمِ الفَلاحِ. وظُهورُ الكُفَّارِ على المُؤمِنينَ- أحْيانا- هو بِسببِ ذُنوبِ المسلِمينَ، كيَومَ أُحُدٍ، فإنْ تابوا انْتَصَروا على الكُفَّارِ، وكانتِ العاقِبةُ لهم، كما قد جَرَى مِثْلُ هَذَا لِلمُسْلِمينَ في عامَّةِ ملاحِمهم معَ الكفَّارِ. وَهَذَا من آيات النُّبُوَّةِ وأعْلامِها ودَلائِلِها، فإنَّ النَّبِيِّ، ﷺ إذا قاموا بعُهودِهِ ووَصاياهُ، نَصَرَهُمُ الله، وأظْهَرَهُمْ على المُخالِفينَ لَه، فإذا ضَيَّعوا عُهودهُ ظَهَرَ أُولئِكَ عَليهم. فمَدارُ النَّصرِ والظهورِ مَعَ مُتابَعَةِ النَّبِي ﷺ وُجودا وعَدَما مِن غير سَبَبٍ

стр. 52

يُزاحم ذلك، ودوران الحُكْمِ مع الوصفِ وجودا وعدما مِن غير مزاحَمَة وصفٍ آخَرَ يوجِب العِلْمَ بأنَّ المَدارَ عِلَّة للدائِرِ، وقولُنا: "مِن غير وصفٍ آخَرَ": يُزيلُ النُّقوضَ الواردَةَ. فهذا الاستقراءُ والتَّتبّعُ يُبينُ أنَّ نَصْرَ الله وإظهارَه هو بسببِ اتِّباعِ النَّبِيِّ، وأنَّه سُبحانَه يُريدُ إعْلاءَ كَلِمَتِهِ وَنَصْرَه وَنصْرَ أتْباعِهِ عَلى مَن خالَفَه، وأنْ يَجعلَ لهم السَّعادةَ ولِمَن خالَفَهم الشَّقاءَ، وهذا يوجبُ العِلْمَ بنُبوّتهِ، وأنَّ مَن اتَّبَعَهُ كانَ سَعيدا، ومَن خالَفه كانَ شَقيّا. ومن هذا ظُهورُ بُخْتَ نَصَّرَ على بَني إسرائيلَ، فإنَّه مِن دلائلِ نبوَّةِ موسى؛ إذ كان ظهور بخت نصر إنما كان لما غيروا عهود موسى، وتركوا اتباعه، فعوقبوا بِذَلِكَ، وكانوا- إذْ كانوا مُتَّبِعينَ لِعُهودِ موسى - مَنْصورينَ مُؤَيَّدينَ، كما كانوا في زَمَنِ داودَ وسُلَيْمانَ وغيرِهما. قَالَ تَعالى [الإِسراء: ٤-٨] : ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا - فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا - ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا - إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا - عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ [الإسراء: ٤ - ٨] فَكانَ ظُهورُ بَني إسرائيلَ على عَدُوِّهِم تارةً، وظُهورُ عَدُوِّهِم عَلَيهم تارةً من دَلائِلِ نبوَّةِ موسى ﷺ وآياتِه، وكذلِكَ ظُهورُ أُمَّة محمَّد ﷺ على عَدُوِّهم تارةً، وظُهورُ عَدُوِّهِم عليهم تارةً، هو من دلائِلِ رِسالة محمَّد ﷺ وأَعلامِ نبوته. وكانَ نَصْرُ الله لِموسى وقومِه على عَدُوِّهِم في حَياتِهِ وبَعْدَ مَوْتِهِ، كما جَرَى لَهُمْ مِنْ يوشعَ وغيرِه من دَلائِلِ نبوَّةِ موسى، وكذلك انتِصار المؤمِنين مَعَ مُحَمَّد ﷺ في حياتِه وبَعْدَ مماتِهِ مع خُلفائِهِ مِن أعلامِ نبوته ودَلائِلها. وهذا بخِلافِ الكُفَّارِ الذين يَنْتَصِرونَ عَلى أهل الكِتابِ أحيانا، فإنَّ أولئكَ لا يكونُ مُطاعُهم إلى نبي، ولا يُقاتلونَ أتْباعَ الأنبياءِ على ديِنِ، ولا يَطلُبونَ مِن أولئكَ أنْ يَتَّبِعوهُم على دينهم، بَلْ قَدْ يُصَرِّحونَ بأنَّا نُصِرْنا عَلَيكم بِذُنوبِكم، وأنْ لَو اتَّبَعْتُم دِيْنَكم لم ننصَرْ عَليكم.

стр. 53

وأيْضا فلا عاقِبَةَ لهم، بَلِ الله يُهلِكُ الظَّالِمَ بالظَّالِمِ، ثُمَّ يهلِكُ الظَّالِمينَ جميعًا، ولا قَتيلُهم يَطلبُ بِقَتْلِهِ سَعادةً بعدَ الموتِ، ولا يَخْتارونَ القَتْلَ لِيَسْعَدوا بعد المَوتِ. فهذا وأمثالُه مِمَّا يُظْهرُ الفَرْقَ بَينَ انتِصارِ الأنبياءِ وأتْباعِهم، وبَيْنَ ظُهورِ بعض الكفَّارِ على المُؤمِنينَ، أو ظُهورِ بعضِهِم على بعض، ويُبَيِّنُ أنَّ ظُهورَ محمد ﷺ وأُمَّتِهِ على أهلِ الكِتابِ: اليهودِ والنَّصارى، هو من جنسِ ظُهورِهم على المُشرِكينَ: عَبَدَةِ الأوثانِ، وذلك مِن أعلامِ نبوِّتهِ ودلائلِ رِسالَتِه، لَيس هو كَظُهورِ بُخْتَ نَصَّرَ على بني إسرائيلَ وظُهورِ الكُفَّارِ على المُسْلِمينَ. وهذه الآية مِمَّا أخْبَرَ بِهِ موسى، وبَيَّنَ أنَّ الكذَّابَ المُدَّعي لِلنُّبُوَّةِ لا يَتِمُّ أمرُهُ، وإنما يَتِمُّ أمرُ الصَّادِقِ. فإنَّ مِن أهلِ الكِتابِ مَن يَقولُ: مُحَمَّد وأُمَّتُه سُلِّطوا عَلَيْنَا بذُنوبِنا مَعَ صِحَّةِ دِيننا الذي نَحْنُ عَلَيْهِ، كَما سُلِّطَ بُخْتَ نَصَّرَ وغيرُه مِن المُلوكِ. وهذا قِياس فاسِدٌ، فإنَّ بُخْتَ نَصَّرَ لَم يَدَّع نبوَّة، ولا قاتَلَ على دينٍ، ولا طَلَب مِن بني إسرائيلَ أنْ يَنْتَقِلوا عَن شَريعة موسى إلى شَريعتِهِ، فلم يَكن في ظُهورِهِ إتمام لِما ادَّعاهُ مِن النُّبُوَّةِ وَدَعَا إلَيْهِ مِنَ الدِّينِ، بَل كانَ بِمَنْزِلَة المُحارِبينَ قُطَّاعِ الطَّريقِ إذا ظَهَروا على القَوافِلِ، بِخِلافِ مَنِ ادَّعى نبوَّةً ودِينا، ودَعا إليه، وَوَعَدَ أهلَه بِسعادَةِ الدُّنيا والآخِرةِ، وتَوَعَّدَ مُخالِفيهِ بِشَقاوةِ الدُّنيا والآخِرَةِ، ثُمَّ نَصَرَه اللهُ، وأظْهَرَهُ، وَأتَمَّ دِينَه، وأعْلى كَلِمَتَه، وَجَعَلَ لَهُ العاقِبةَ، وَأذَلَّ مُخالِفيهِ. فإنَ هذا مِن جِنسِ خَرقِ العاداتِ المقْتَرِنِ بِدَعوى النُّبُوَةِ، فإنَّه دليلٌ عَلَيها. وقَدْ تَغْرقُ في البَحْرِ أُمَمٌ كثيرة، فلا يَكونُ ذَلِكَ دَليلا على نُبُوَّةِ نَبِيٍّ، بِخِلافِ غَرَقِ فِرْعَوْنَ وَقَومِهِ، فإنِّه كانَ آيةً بَيِّنةً لموسى. وهذا مُوافِقٌ لِما أخْبَرَ بهِ موسى ﵊ مِن أنَّ الكذَّابَ لا يَتِمُّ أمْرُهُ، وذَلِكَ بأنَّ الله حَكيم لَا يَليقُ بِهِ تَأْييدُ الكَذَّابِ على كَذِبِهِ مِن غيْرِ أنْ يُبَيِّنَ كَذِبَهُ. ولِهذا أعْظَمُ الفتَنِ: فِتنةُ الدَّجَّالِ الكَذَّابِ، لَمَّا اقْتَرَنَ بِدَعْواهُ الألوهِيَّةَ بعضُ الخَوارِقِ، كان مَعَه ما يَدُلُّ على كَذِبِهِ مِن وجوهٍ: مِنها: دَعْواهُ الألوهِيّةَ، وهو أعْوَرُ، واللهُ ليس

стр. 54

بأعْوَرَ، مَكتوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كافرٌ، يَقْرَؤه كلُّ مُؤمِنٍ قارئ وغير قارئ، واللهُ تَعالى لا يَراهُ أَحَدٌ حَتّىَ يموتَ، وقد ذكر النبي ﷺ هذه العلامات الثلاث في الأحاديث الصحيحة. فَأمَّا تَأيِيْدُ الكَذَّاب، ونَصْرُهُ، وإظهارُ دعوتِه دائمًا، فهذا لم يَقَعْ قَطُّ، فَمَن يَستدلُّ على ما يَفْعَلُهُ الرَّبُّ سُبحانَه بالعادةِ والسُّنَّةِ، فهذا هو الواقع على ذلك- أيْضا- بِالحِكمةِ، فحِكمتُه تُناقِضُ أنْ يفعلَ ذلكَ، إذ الحَكيمُ لا يَفعلُ هذا. وقد قَال تَعالى [الفتح: ٢٢-٢٣] : ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا - سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا﴾ [الفتح: ٢٢ - ٢٣] فَأخْبَرَ أنَّ سُنَّةَ الله التي لا تَبديلَ لَها: نصرُ المُؤمِنينَ على الكافِرينَ. والإِيمانُ المُسْتَلْزِمُ لِذَلِكَ يَتَضَمَّنُ طاعةَ الله ورسولِهِ، فإذا نَقَصَ الإِيمانُ بِالمَعاصي كانَ الأمْرُ بِحَسبِهِ، كَما جَرَى يومَ أُحُدٍ. وقَالَ تَعَالى [فاطر: ٤٢-٤٣] : ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا - اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر: ٤٢ - ٤٣] فَأخْبَرَ أن الكفارَ لا يَنْظُرونَ إلا سُنَّةَ الأوَّلين، ولا يوجَد لِسُنَّةِ الله تبديلٌ، لا تُبَدَّلُ بغيرها، ولا تَتَحَوَّلُ، فكيفَ النَّصْرُ لِلكُفَّارِ على المُؤمِنينَ الَّذين يَسْتَحِقُونَ هذا على الأمم؟ وكذلك قال في المنافِقِينَ وهم الكفَّارُ في الباطِن دونَ الظَّاهِرِ وَمَنْ فيه شُعبةُ نِفاقٍ [الأحزاب: ٦٠-٦٢] : ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا - مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا - سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا﴾ [الأحزاب: ٦٠ - ٦٢] والسُّنَّةُ هي العادةُ، فهذه عادةُ الله المعلومةُ، فإذا نَصَرَ مَن ادَّعى النُّبوَّةَ وأتْباعَه على مَن خالَفَه، إمَّا ظاهِرا وإمَّا باطِنا نصرا مستقرّا، فإنَّ ذَلِكَ دليلٌ على أنَّه نبي ﷺ ، إذ كانت سُنَّةُ الله وعادتُه نصرَ المؤمنين بالأنبياء الصَّادقين على الكافرين والمنافقين، كما أنَّ سُنَّتَه تأييدُهم بالآيات البينات، وهذه منها. ومن ادَّعى النُّبُوَّةَ وَهو كاذب، فَهو

стр. 55

مِنْ أكْفَرِ الكُفَّارِ وأظْلَمِ الظَّالِمينَ، قال تَعَالى [الأنعام: ٩٣] : ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٩٣] وَقَالَ تَعالى [الزمر: ٣٢] : ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ﴾ [الزمر: ٣٢] وَقَالَ تَعالى [العنكبوت: ٦٨] : ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ﴾ [العنكبوت: ٦٨] وَقَالَ تَعالى [الأنعام: ١٤٤] : ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٤] ومَنْ كانَ كَذَلِكَ، كانَ الله يمقته، ويُبغضُه، ويُعاقِبُه، ولا يَدومُ أمرهُ، بَلْ هو كما قالَ النَّبي ﷺ في الحديثِ الصَّحيح عن أبي هريرةَ قالَ: «إنَّ الله يُمْلي لِلظَّالِم، فَإِذا أخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ "، ثُمَّ قَرَأ [هود: ١٠٢] : ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢] » ، وقال- أيْضا- في الحديث الصحيحِ عن أبي موسى أنَّه قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : «مَثلُ المُؤْمِنِ كَمَثلِ الخامَةِ مِنَ الزَّرعِ، تفيؤُها الرِّياحُ، تُقيمُها تارة وتُميلُها أخْرى، وَمَثلُ المُنافِقِ كَمَثلَ شَجَرَةِ الأرْزِ، لا تَزالُ ثابِتةً عَلى أصلِها، حَتّى يكونَ انْجِعافُها مرَّةً واحدةً» . فالكاذبُ الفاجِرُ وإنْ عَظُمَتْ دَولتُهُ، فلا بُدَّ من زوالِها بالكُلِّيَّة، وبقاءِ ذَمِّهِ ولِسانِ السَّوْءِ لَه في العالَمِ، وهو يَظْهَرُ سَريعا، ويَزولُ سَريعا، كَدَوْلة الأسودِ العنسيِّ، ومُسَيْلَمَةَ الكذَّابِ، والحارِثِ الدِّمَشقيِّ، وبابِكِ الخُرَّمِيِّ ونحوِهِم. وأمَّا الأنبياءُ، فإنِّهم يُبْتَلونَ كثيرًا لِيُمَحَّصوا بالبَلاءِ، فإنَّ الله تَعالى يُمَكِّنُ لِلْعَبْدِ إذا ابْتلاهُ، ويُظْهِرُ أمرَه شَيْئا فشيئا، كالزَّرع، قال تَعالى [الفتح: ٢٩] : ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ [الفتح: ٢٩] (أي فراخَهُ) ﴿فَآزَرَهُ﴾ [الفتح: ٢٩] (أي قَوَّاه) ﴿فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩] ولِهذا كان أولى مَن يَتَّبِعُهُمْ ضُعفاءُ النَّاسِ بِاعْتِبارِ هذه الأمورِ. وسُنَّةُ الله في أنبياءِ الله وأوليائِه الصَّادقين وفي أعداء الله والمُتنبِّئين الكذَّابين مِمَّا يوجِبُ الفرقَ بين النَّوعَين، وبَيْنَ دَلائِلِ النَّبِيِّ الصَّادقِ ودَلائِل المُتنبي

стр. 56

الكذَّابِ. وقد ذُكِرَ ابتلاءُ النَّبِيِّ والمؤمِنينَ ثُمَّ كَونُ العاقِبَةِ لهم في غيرِ موضعٍ كقوله تَعالى [الأنعام: ٣٤] : ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٤] وقال تعالى [البقرة: ٢١٤] : ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤] قال تعالى [يوسف: ١٠٩- ١١١] : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ - حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ - لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: ١٠٩ - ١١١] والمقصودُ أن إيذاءَ القائِمينَ بالحَقِّ، والنَّاصِرينَ له مِن سننِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ، وكَثيرٌ مِن أهلِ عصرِنا على ذلك، واللهُ المُستَعانُ. [الإيمان بالجبت والطاغوت] الإيمان بالجبت والطاغوت (الخمسون) : الإِيمانُ بِالجِبْتِ والطَّاغوتِ، وتَفْضيلُ المُشرِكينَ على المسلمين. قال تعالى في سورةِ [النساء: ٥١] : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [النساء: ٥١] هَذِهِ الآية نَزَلْت في حُيَيِّ بنِ أخْطَبَ وَكَعْبِ بنِ الأشرَفِ في جَمعٍ مِن يهودَ، وذلك أنَّهم خَرَجوا إلى مَكَّةَ بَعْدَ وقْعَةِ أُحُدٍ؛ لِيُحالِفوا قُريشا على رسول الله ﷺ ، وَيَنْقُضوا العَهْدَ الذي بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ الله ﷺ ، فَنَزَل كعبٌ على أبي سُفيانَ، فَأحْسَنَ مَثواه، وَنَزَلَتِ اليهودُ في دورِ قرَيْشٍ، فقالَ أهلُ مَكَّةَ: أنْتُمْ أهلُ كِتاب،

стр. 57

ومحمَّد ﷺ صاحبُ كِتابٍ، فلا يُؤمَنُ هذا أنْ يكونَ مَكْرًا مِنْكُمْ، فإنْ أرَدْتَ أن نَخْرج معَكَ، فَاسْجُدْ لِهذينِ الصَّنَمَينِ وآمِنْ بِهِما، فَفَعَلَ، ثُمَّ قَال كعبٌ: يا أهلَ مَكَّةَ! لِيَجِيء مِنكم ثلاثونَ ومِنَّا ثلاثونَ، فنلْزِقْ أكْبادَنا بالكعبةِ، فنعاهِدْ ربَّ البيتِ لَنَجْهَدَنَّ على قِتالِ مُحَمَّدٍ، ففَعَلوا ذلك، فَلَمَّا فَرَغُوا قال أبو سُفيانَ لِكَعبٍ: إنَّك امرؤ تَقْرأُ الكتابَ وتَعْلَمُ، ونحنُ أُمِّيُّون لا نَعلمُ، فَأيُّنا أهْدى طَريقا وأقرَبُ إلى الحَقِّ: أنَحْنُ أمْ مُحمَّد؟ قال كعبٌ: اعرِضوا عليَّ دِينَكم، فَقالَ أبو سُفيانَ: نَخنُ ننحَرُ لِلْحَجيجِ الكَوْماءَ، ونَسْقِيهِمُ اللَّبَنَ، ونقري الضَّيفَ، ونَفُكُّ العانِيَ، ونَصِلُ الرَّحِمَ، ونَعْمُرُ بيتَ رَبِّنا، وَنَطوفُ بِهِ، وَنَحْن أهلُ الحَرَمِ، ومحمدٌ فارَقَ دِينَ آبائهِ، وَقَطَعَ الرَّحِمَ، ودينُنا القديمُ، ودينُ محمَّدٍ الحديثُ، فقال كَعب: أنْتُم واللهِ أهدى سَبيلا مِمَّا عَليْهِ مُحَمَّد، فَأنْزَلَ الله في ذلكَ الآيات. والجِبْتُ في الأصلِ: اسمُ صَنَمٍ، فاستُعْمِلَ في كُلِّ مَعبود غَير الله. والطَّاغوتُ: يُطْلَقُ على كُلِّ باطِلٍ مِنْ معبودٍ أو غَيْرِهِ. ومَعْنى الإِيمانِ بِهما: إمَّا التَّصْديقُ بأنهما آلهةٌ، وإشراكُهُما بِالعِبادةِ مَعَ الله تعالى، وإمَّا طاعَتُهُما وموافقَتُهُما على ما هُما عَلَيْهِ مِنَ الباطِلِ، وإمَّا القَدْرُ المُشْتَرَكُ بينَ المَعْنَيَيْنِ كالتَّعْظِيْمِ- مَثَلا. والمُتَبادرُ المَعْنَى الأوَّلُ، أيْ أنهم يُصَدِّقونَ بأُلوهِيَّةِ هذيْنِ الباطِلَيْنِ، وَيُشْركونَهما في العِبادةِ مَعَ الإِلهِ الحَقِّ، وَيَسْجُدونَ لَهُما. [لبس الحق بالباطل] لبس الحق بالباطل (الحادية والخمسون) : لبس الحَقِّ بِالباطِلِ، وَكِتمانُه، قَالَ تَعالى في سورةِ [آل عِمرانَ: ٧١] : ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧١] وفي المُرادِ أقوال: أحَدُها: أنَّ المُرادَ تحريفُهُم التّوَراةَ والإِنجيلَ. ثانِيها: أنَّ المُرادَ إظهارُهُم الإِسلامَ، وإبطانُهُم النِّفاقَ. ثالِثُها: أن المُرادَ الإِيمانُ بِموسى وَعِيسى، والكُفرُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ . وَرابعُها: أنَّ المُرادَ ما يَعْلَمونَه في قُلوبِهِم مِن حَقيقةِ رِسالتِه ﷺ ، وما يُظْهرونَه مِن تكْذَيبِهِ. [الإقرار بالحق للتوصل إلى دفعه] الإقرار بالحق للتوصل إلى دفعه (الثانية والخمسون) : التَّعَصُّبُ لِلْمَذهَبِ، والإِقرارُ بالحَقِّ لِلتَّوَصُّلِ إلى دَفْعِهِ.

стр. 58

قَال تَعَالى في سورةِ [آلِ عِمرانَ: ٧٢-٧٤] : ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ - وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ - يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [آل عمران: ٧٢ - ٧٤] قالَ الحسنُ والسُّدِّيُّ: تَواطَأ اثنا عَشَرَ رَجُلا مِن أحبارِ يَهودِ خَيْبَرَ وقُرى عَرِينٍ، وقال بعضُهُم لِبَعْضٍ: ادْخلوا في دِينِ مُحَمَّدٍ أوَّل النَّهارِ بالِّلسانِ دونَ الاعتقادِ، واكفُروا آخِرَ النَّهارِ، وقولوا: إنا نَظَرْنا في كُتُبِنا، وشاوَرْنا عُلَماءَنا، فَوَجَدْنا مُحَمَّدا ليس بذاكَ، وظَهَرَ لنا كَذِبُهُ، وبُطلانُ دِينه، فإذا فَعَلْتُم ذلك شَكَّ أصحابُه في دِينهم، وقالوَا: إنَّهم أهلُ كِتابٍ، وهُم أعْلَمُ بِهِ، فَيْرجِعونَ عن دِينهم إلى دينكم. [اتخاذ النبيين أربابا] اتخاذ النبيين أربابا (الثالثة والخمسون) : تسْمِيتهم اتِّباعِ الإِسلامِ شِركًا. قَالَ تَعَالى [آل عمران: ٧٩- ٨٠] : ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ - وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩ - ٨٠] أخْرَجَ ابنُ إسحاقَ بِسَنَدِهِ: حِينَ «اجْتَمَعَتِ الأحْبارُ مِنَ اليهودِ والنَّصارى من أهلِ نَجْرانَ عِنْدَ رسول الله ﷺ ، وَدَعاهُم إلى الإِسلامِ، [قالوا] : أتُريد يا محمدُ أنْ نَعْبُدَكَ كَما تَعْبُدُ النَّصارى عِيسى ابنَ مَرْيَمَ؟ فقالَ رَجُلٌ مِن أهلِ نَجْرانَ نَصْرانِيٌّ يُقالُ لَهُ الرَّئيسُ: أوَ ذاكَ تريدُ مِنَّا يا محَمَّدُ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَعاذَ الله أنْ نَعْبُدَ غَيْرَ الله، أوْ نَأمُرَ بِعِبادَةِ غيرِهِ، وما بِذَلِكَ بَعَثنَي، وَلا بِذَلِكَ أَمَرَني» ، فَأنْزَلَ الله تَعالى هذه الآية. [تحريف الكلم عن مواضعه] تحريف الكلم عن مواضعه (الرابعة والخمسون) : تحْريفُ الكَلِم عَنْ مواضِعِهِ، وَلَيُّ الألْسِنَةِ بالكِتابِ.

стр. 59

قَالَ تَعالى في سورةِ [آل عِمران: ٧٨] : ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٨] رُويَ أنَّ الآية نَزَلَتْ في اليهودِ والنصارى جَميعا، وَذلِكَ أنَّهم حَرَّفوا التَّوراةَ والإِنْجيلَ، وَألْحَقوا بِكِتابِ الله تَعالى ما لَيْسَ مِنْهُ. واخْتَلَفَ النَّاسُ في أنَّ المحرَّفَ هَلْ كان يُكْتَبُ في التَّوراةِ أمْ لا؟ فَذَهبَ جَمْع إلى أنه لَيْس في التَّوراةِ سِوى كلامِ الله تَعالى، وأنَّ تَحْريفَ اليهودِ لم يَكُنْ إلا تَغْييرا وَقْتَ القِراءَةِ، وتأويلا باطِلا للنُّصوصِ، وأمَّا أنَّهم يَكْتُبون ما يَرومونَ في التَّوراةِ على تَعدُّدِ نُسَخِها فَلا. واحْتَجُّوا لِذَلِكَ بمَا رُويَ أنَّ التَّوراةَ والإِنجيلَ كما أنْزَلَهما الله تَعالى لم يُغَيَّرْ منهما حَرْفٌ، وَلَكِنَّهُم يُضِلُّونَ بِالتَّحْريفِ والتّأويلِ وَكُتُبٍ كانوا يَكْتُبونَها مِن عِندِ أنْفُسِهِم، وَيقولونَ: إنَّ ذَلِكَ مِنْ عِندِ الله، وما هو مِنْ عِندِ الله، فأمَّا كُتُبُ الله تَعالى فإنَّها مَحْفوظَةٌ لا تحوَّل. وبأنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقولُ لِليهودِ إلزامًا لهم: «ائتوا بِالتَّوراةِ فَاتْلوها إنْ كنْتُمْ صادِقينَ» ، وهم يَمْتَنِعونَ عن ذَلِكَ، فَلَو كانَت مُغَيَّرَةً إلى ما يُوافِقُ مَرامَهُمْ ما امْتنعوا، بَلْ وَمَا كانَ يقولُ لَهُم ذَلِكَ رَسُول الله ﷺ لأنَّهُ يَعودُ على مَطلَبِهِ الشَّريفِ بالإِبطالِ. وَذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّهُم بَدَّلوا، وَكَتموا ذَلِكَ في نَفْسِ كِتابِهم، واحْتَجُّوا على ذلك بكثيرٍ مِنَ الظَّواهِرِ (١) . ولا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ تَعَدُّدُ النُّسَخِ؛ لاحْتِمالِ التّوَاطُؤِ، أو فُعِلَ ذَلِكَ فِي البَعْضِ دُونَ البَعْضِ، وكَذَلِكَ لا يَمْنَعُ مِنْه قَولُ الرَّسولِ لَهُمْ ذَلِكَ؛ لاحْتِمالِ عِلْمهِ بِبقاءِ بَعضِ ما يَفي بغرَضِهِ سالِما عَنِ التَّغْييرِ، إمَّا لِجَهلِهِم بوجْهِ دِلالَتِهِ، أو لِصَرْفِ الله تَعالى إياهُم عن تغْييرِهِ. وتَمامُ الكَلامِ في تفسيرِ الجَدِّ عندَ الكلام على هَذه الآية، وكذا في (الجَواب الصَّحيح) لشَيخِ الإِسلامِ. وكثيرٌ مِنَ الأمَّة المحمَّدِيّة سَلَكوا مَسْلَكَ الكِتابِيِّيينَ في التَّحريفِ، والتّأويلِ، واتِّباعِ شَهَواتِهِم. وقَالَ تَعالى في سورةِ [النِّساءِ: ٤٦] :

стр. 60

﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٤٦] والكلامُ عَلَى هَذه الآية- أيضا- مستوفى في التفسيرِ. [تلقيب أهل الهدى بألقاب غريبة] تلقيب أهل الهدى بألقاب غريبة (الخامسة والخمسون) : تَلْقيبُ أهلِ الهدى بالصَّابئةِ والحَشويَّةِ. فَقَدْ كانَ أهلُ الجاهلية يُلَقِّبونَ مَن خَرَجَ عن دينهِم بالصَّابىء، كما كانوا يُسَمُّون رَسُولَ الله ﷺ بِذَلِكَ، كما وَرَدَ فِي عِدَّةِ أحاديثَ مِن صحيح البخاري ومسلم وغيرهما تنفيرا للناسِ عنِ اتِّباعِ غيرِ سبيلِهِم وهَكذا تَجِدُ كَثيرا مِن هذِهِ الأمَّةِ يُطْلِقونَ على مَن خالَفَهُمْ فِي بِدَعِهِم وَأهْوائِهِم أسْماءً مكروهةً للناسِ. والصابئةُ أمة قديمةٌ على مذاهِبَ مختلفَةٍ، قَدْ تكَلَّمَ عَلَيْهَا أهلُ المَقالاتِ بِما لا مَزيدَ عَلَيْهِ. وَأمَّا الحَشويَّةُ، فَهُمْ قَومٌ كانوا يَقولونَ بِجَوازِ وُرودِ ما لا مَعْنى لَهُ فِي الكِتابِ والسُّنَّةِ؛ كالحُروفِ فِي أوائِلِ السُّوَرِ، وَكذا قَالَ بَعْضُهُمْ، وهُمُ الذينَ قالَ فيهمُ الحَسَنُ البَصْرِيُّ لَمَّا وَجَدَ قَوْلَهُمْ ساقِطا، وَكانوا يَجْلِسونَ في حَلْقَتِهِ أمامَهُ: "رُدُّوا هَؤلاءِ إلى حَشا الحَلْقَةِ"، أيْ: جانِبَها. وخُصومُ السَلَفيِّينَ يَرْمونَهُمْ بِهَذَا الاسْمِ؛ تنفيرا للنَّاس عَن اتِّباعِهِمْ والأخْذِ بِأقوالِهمْ، حَيْثُ يَقولونَ في المُتَشابِهِ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] وَقَدْ أخْطَأت أسْتُهُمُ الحُفْرَةَ، فَالسَّلَفُ لا يَقولونَ بِوُرودِ ما لا مَعْنى لَهُ لا في الكِتابِ ولا في السُّنَّةِ، بَلْ يَقولونَ في الاسْتِواءِ مَثَلا: "الاسْتِواءُ غَيْرُ مَجْهولٍ، والكَيْفُ غَيْرُ مَعْقولٍ، والإِقْرارُ بِهِ إيْمانٌ، والجُحودُ بِهِ كُفْرٌ. وَقَدْ أطالَ الكَلامَ في هذه المَسْألَة شَيْخُ الإِسلامِ ابنُ تَيْميَّةَ فِي كَثيرٍ مِنْ كُتُبهِ، وَلَخَّصَ ذَلِكَ فِي كِتابِهِ (جَوابُ أهْلِ الإِيمانِ) في التفاضُلِ بَيْنَ آياتِ القُرْآنِ (١) .

стр. 61

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ مَذْهَبِ السَّلفِ وَمَذْهَبِ الحَشوِيَّة، بأنَّ مَذْهَبَ الحَشْوِيَّةِ وُرودُ ما يَتَعَذَّرُ التّوصُّلُ إلى مَعْناهُ المُرادُ مُطْلَقًا، فالاسْتِواءُ- مَثلا- عِنْدَهُمْ لَهُ مَعْنًى يَتَوصَّلُ إِلَيْهِ بِمُجَرَّدِ سَماعِهِ كُلُّ مَنْ يَعْرفُ المَوْضوعاتِ اللُّغَويَّةَ، إلا أنَّهُ غَيْرُ مُرادٍ؛ لأنه خِلافُ ما يَقْتَضيهِ دَليلُ العَقْلِ والنَّقْلِ، ومَعْنًى آخَرُ يَليقُ بهِ- تَعالى- لا يَعْلَمه إلا هو . وكَيْفَ يَكونُ مَذْهَبُ السَّلَفِ هو مَذْهَب الحَشْوِيَّة، وَقَدْ رَأى الحَسَنُ البَصريّ الَّذي هو مِنْ أكابِرِ السَّلَفِ سُقوطَ قَوْلِ الحَشْوِيَّة، وَلَمْ يَرْضَ أنْ يَقْعُدَ قائلُهُ تُجاهَهُ؟! والمَقْصودُ أنَّ أهْلَ الباطِلِ مِنْ المُبْتَدِعَة رَموا أهْلَ السنُّةِ والحَديثِ بمِثل هَذا اللَّقَبِ الخَبيثِ. قال أبو مُحَمَّدٍ عبدُ اللهِ بنُ قُتَيْبَةَ في "تأويلِ مُخْتَلِفِ الأحاديثِ ": "إنَّ أصْحابَ البدَعِ سَمَّوا أهْلَ الحَديثِ بِالحَشوِيّة، والنَّابِتة، والمُتَجبَرٍّةِ، والجبرية، وسَمَّوهُم الغثاءَ، وهذه كُلُّها أنباز لم يأتِ بِها خَبَرٌ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ كما أتى في القَدَرِيَّة أنّهُمْ «مَجوسُ هَذِهِ الأمَّةِ، فإِنْ مَرِضوا فَلا تَعودوهُمْ، وإنْ ماتوا فَلا تَشْهَدوا جَنائزَهُمْ» . وفي الرَّافِضَةِ: «يَكونُ قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمانِ يُسَمَّوْنَ الرَّافِضة، يَرْفُضونَ الإِسلامَ وَيَلْفُظونَهُ، فاقتلوهم، فإنهم مشركون» وفي المرجئة: «صِنْفانِ مِنْ أُمَّتي لا تَنالُهُم شَفاعتي، لُعِنوا على لِسانِ سَبْعينَ نَبِيًّا: المُرْجِئَةُ والقَدَرِيّة» . وفي الخوارج: «يَمْرُقونَ مِنَ الإِسلامِ كَما يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيّةِ» ، و «كِلابُ أهْلِ النّارِ» . هذه أسماء مِنْ رسول الله ﷺ ، وتِلْكَ أسْماءٌ مَصنوعَةٌ انتهى. وفي "الغُنْيَةِ" (١) أنَّ الباطِنِيَّةَ تُسَمِّي أهلَ الحديثِ "حَشْوِية" لِقولهم بالأخبارِ وتَعَلُّقهم بِالآثار. وفِي كِتابِ "حُجَّة الله البالِغة" (٢) "واسْتطالَ هؤلاءِ الخائِضونَ عَلى مَعْشَرِ أهْلِ الحديثِ، وسَمَّوْهُمْ مُجَسِّمَةً، ومُشَبِّهَةً، وقالوا: هُمُ المُتَسَتِّرونَ بِالبَلْكَفَة (٣) وَقَدْ وَضَحَ لَدَيَّ وُضوحًا بَيِّنًا أنَّ اسْتِطالَتَهُمْ هَذِهِ ليستْ بِشَيْءٍ، وأنَّهم مُخْطِئونَ في مَقالتِهِم رِواية وَدِرايةً، وخاطِئونَ في طَعْنِهِمْ أئمَّةَ الهُدى انتهى. وَقَدْ قَالَ العَلاَّمَةُ ابنُ القَيِّمِ في "كافِيَتِهِ الشَّافِيَةِ": "فَصْل في تَلْقيبِهِمِ أهلَ السُّنَّةِ بِالحَشْوِيّة، وبيان مَنْ أوْلى بِالوصفِ المَذمومِ

стр. 62

في هذا اللَّقَبِ مِنَ الطَّائفتَيْنِ، وَذِكْرِ أوَّلِ مَنْ لقب بِهِ أهْلَ السُّنَّةِ مِنْ أهْلِ البِدَعِ: وَمِنَ العَجائِبِ قَوْلهُمْ لِمَنِ اقْتَدى ... بالوَحْي منْ أثَرٍ وَمِنْ قُرْآنِ حَشْوِيَّة يَعْنونَ حَشْوا في الوُجو ... د وفَضْلَةً في أمَّةِ الإِنْسانِ وَيَظُنُّ جاهِلُهمْ بِأنَّهُمُ حَشوا ... رَبّ العِبادِ بداخلِ الأكْوان إذْ قَوْلُهُمْ فَوْقَ العِبادِ وَفي السَّما ... ء الرَّبُّ ذُو المَلَكوتِ والسُّلْطانِ ظَنَّ الحَمِيْرُ بأنَّ "فِي" لِلظَّرفِ وال ... رحمنُ مَحْوِيّ بِظَرْفِ مَكانِ وَاللهِ لمْ يُسْمَعْ بذَا من فرْقَةٍ ... قَالَتْهُ في زَمَنٍ مِنَ الأزْمانِ لا تَبْهَتوا أهْلَ الحديثِ بِهِ فَما ... ذَا قَوْلهم تَبًّا لِذي البُهْتانِ بَلْ قَوْلُهُم: إِنَّ السَّماواتِ العُلا ... في كَفِّ خالقِ هَذِهِ الأكْوانِ حَقّا كَخَرْدَلَةٍ تُرى في كَفِّ ... ممسِكِها تَعالى الله ذُو السُّلْطانِ أَتُرَوْنَهُ المَحْصورَ بَعْدُ أم السّما؟ ... يا قَوْمَنا ارْتَدِعوا عَنِ العُدْوانِ كَمْ ذَا مُشَبِّهَة وَذا حَشْوِيَّة ... صرف بلا جحد ولا كتمان تدْرونَ مَنْ سَمَّتْ شُيوخكمُ ... بِهذا الاسم في الماضي مِنَ الأزْمانِ سمى بِهِ عمرو لعَبد اللهِ (١) ذا ... ك ابن الخَليفةِ طارِدِ الشيطانِ فوَرِثتم عَمروا كما وَرِثوا لِعَبد الله ... أنَّى يسْتوي الإرثانِ تَدْرونَ مَنْ أَولى بِهَذَا الاسمِ ... وَهو مُناسِبٌ أحواله بِوِزانِ مَنْ قَدْ حَشا الأوراقَ والأذْهانَ مِنْ ... بِدَعٍ تُخالِفُ مقتضى القرآن هَذَا هو الحشوِيُّ لا أهلُ الحَديثِ ... أئمَّةُ الإِسْلامِ والإِيْمانِ ورَدوا عذَاب مَناهل السّنَنِ التي ... لَيْسَتْ زبالَةُ هَذِهِ الأذهانِ ووَرَدتُمُ القَلُّوطَ (٢) مَجْرى كُلِّ ذِي ال ... أوساخ والأقذارِ والأنْتانِ وَكسلْتم أنْ تَصْعدوا لِلورْدِ من ... أثر الشرائع خَيْبةَ الكَسلانِ

стр. 63

وحاصِلُ هَذِهِ الأبياتِ أنَّ أعْداءَ الحَقِّ وخُصومَ السُّنَّةِ وأضْدادَ الكِتابِ والسنَّةِ يُلقِّبونَ سَلَفَ الأمَّةِ المُتَمَسِّكينَ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ بلَقَبِ "الحَشْوِيَّةِ" فالخَواصُّ مِنْهُم يَقْصِدونَ بهَذَا الاسْمِ أن المَسَمَّى بِهِ حَشْوٌ في الوُجودِ وفَضلَةٌ في النَّاسِ، لا يُعْبأ بِهمْ، ولا يُقامُ لَهُمْ وَزْنٌ؛ إذ لَمْ يَتَّبِعوا آراءَهُمُ الكاسِدَةَ، وأفكارَهُمُ الفاسِدَةَ. وأمَّا العَوامُّ مِنْهمْ فَيَظُنّونَ أنَّ تَسْمِيَةَ السَّلفِ بِالحَشْوِيّة لِقَوْلهمْ بِالفَوْقِيةِ، وَكَوْن الإِلهِ في السَّماءِ، بِمَعْنى أنَهُمُ اعْتَقَدوا- وحاشاهُم- أن الله تَعالى حَشْوُ هَذَا الوُجودِ، وأنه داخِلَ الكوْنِ تَعالى الله عَمَّا يَقولُ الظَّالِمونَ عُلُوّا كَبِيرا. وهذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ عَلى أهْلِ الحَدِيْثِ. عَلى أنَّ هذا القولَ لَم يَقُلْ بِهِ أَحَد. وأعداءُ الحَقِّ في عَصْرِنا هَذَا عَلَى هذا المَسْلَكِ الجاهِلِيِّ، فَتَراهُمْ يَرْمونَ كُلَّ مَنْ تَمَسَّكَ بِالكِتابِ والسنةِ بِكُلِّ لَقَبٍ مَذْمومٍ بَيْنَ المُسْلِمينِ، واللهُ المُسْتَعانُ عَلَى ما تَصِفونَ. [التكذيب بالحق] التكذيب بالحق (السادسة والخمسون) : افْتِراء الكَذِبِ عَلى الله، والتَّكذيبُ بِالحَقِّ. وَشواهِدُ هَذه المَسألة مِنَ الكتابِ والسُّنَّةِ كثيرٌ، وهذا دَأَبُ المُخالِفينَ لِلدِّين المُبينِ، كاليهودِ والنَّصارى، يَدَّعونَ أنَّ ما هُمْ عَلَيْهِ هو الحَقُّ، وأنَّ الله أَمَرَهُم بِالتَّمَسُّكِ بهِ، وأَنَّ الدِّينَ المُبينَ ليس بِحَقٍّ، وأنَّ الله تَعالى أمَرَهُم بِتكْذيبِهِ، كُلُّ ذَلِكَ لاتِّبَاعِ أَسْلافِهِم، لا يَنْظُرونَ إلى الدَّليلِ، وهكذا أهلُ البدَع والضَّلالاتِ يَعْتَقدونَ بدَعَهُم الحَقَّ، وأنَّ الله أمَرَهُم بِها، وأنَّ ما عَلَيْه أهلُ الحَقّ مُفْتَرىً، لا يُصَدِّقونَ بِهِ. وكُلٌّ يَدَّعي وَصلا للَيْلى ... وَلَيْلى لا تُقِرُّ لَهُمْ بِذاكا [الافتراء على المؤمنين] الافتراء على المؤمنين (السابعة والخمسون) : رمْيُ المُؤمِنينَ بِطَلَبِ العلوِّ في الأرض. قَالَ تَعالى في سورةِ [يُوْنُسَ: ٧٨] : ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٧٨] هذا الكلامُ مَسوقٌ لبَيانِ أنَّ موسى ﵇ أَلْقَمَهُمُ الحَجَرَ، فانْقَطَعوا عن الإِتيانِ بِكلامٍ لَهُ تَعَلُّقٌ بكلامِهِ ﵇ فَضلا عَن الجَوابِ الصَّحيح، واضْطُرُّوا إلى التَّشَبُّثِ بِذَيْلِ التقليدِ الذي هو دَأَبُ كُلِّ عاجِزٍ محْجوج، وَدَيْدَنُ كلِّ معالج لَجوجٍ. على أنَّه اسْتِئْناف وَقَعَ جَوابا عَمَّا قَبْلَه مِن كلامه ﵇ على طَريقَةِ: قال موسى، كأنه قِيلَ: فَماذا قالوا لِموسى عليه

стр. 64

السلام حِينَ قَالَ لَهُم ما قال؟ فقِيلَ: قالوا عاجِزِينَ عن المُحاجَّةِ: ﴿أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ﴾ [يونس: ٧٨] أيْ: المُلكُ. كَما رُويَ عَنْ مجاهِدٍ، وَعَنِ الزَّجَّاجِ أنَّه سُمِّيَ المُلْكُ كِبْرِياءَ، لأنَّه أكبرُ ما يُطلَبُ مِن أمرِ الدّنيا. فَكُلُّ مَن دعا إلى الحَقِّ رَماه مَن كان على المَسْلَكِ الجاهلِيِّ أنَّ قَصْدَه مِنَ الدَّعْوةِ طَلَبُ الرِّئاسَةِ والجاهِ، مِن غَيرِ أنْ يَنْظُروا إلى ما دَعا إليه، ومَا قَامَ عَلَيْهِ مِنَ البَراهِينِ. [رمي المؤمنين بالفساد في الأرض] رمي المؤمنين بالفساد في الأرض (الثامنة والخمسون) : رمْيُ المؤمِنينَ بالفسادِ في الأرضِ. شاهِدُ هَذِهِ المَسْأَلة آياتٌ كَثيْرة، حاصِلُها أنَّ المخالِفينَ لَهُمْ مِنَ المؤمِنين مُفْسِدونَ فِي الأرضِ. انظُرْ إلى قَولهِم في أَوائِلِ سورةِ "البَقَرَةِ" الآية: ١١، كَيْفَ ادَّعوا أنَّهُم هُم مُصْلِحونَ، وقد رَدَّ الله عليهم بقوله: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١٢] البقرة: ١٢. وَهَكَذا من هو على شاكِلَةِ أولَئكَ، مِنَ الذينَ اسْتَحَلُّوا غَيَّهُمْ وتَمَكَّنَتْ بِدَعُهُمْ مِنْ قُلوبِهِمْ: ومَنْ يَكُ ذا فَمٍ مُرٍّ مَريضٍ ... يَجِدْ مُرًّا بِهِ الماءَ الزُّلالا نسأله تعالى أَنْ يُثبتَ قُلوبنَا عَلى دينهِ القَويمِ، وأقدامَنا على الصِّراطِ المُستقيم. [رمي المؤمنين بتبديل الدين] رمي المؤمنين بتبديل الدين (التاسعة والخمسون) : رمي المؤمِنينَ بِتَبْديلِ الدِّين. قال تعالى في سورة [غافر: ٢٦] : ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر: ٢٦] اعتقدوا أنَّ ما هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الضَّلالِ هو الدِّينُ الحقُّ، وَمَنْ أراد تَحْويلَهُمْ عَنِ اعْتِقادِهِمُ الكاسِدِ، وصَرْفَهُمْ عَمَّا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الغَيِّ، [فَقَدْ أرادَ] إخراجهُم من الدِّينِ، وإفسادًا في الأرْضِ. وَهَكذَا دَيْدَنُ أَعْدَاءِ الحَقِّ في كُلِّ عَصْرٍ". [اتهام أهل الحق بالفساد في الأرض] اتهام أهل الحق بالفساد في الأرض (الستون) : كَونهُمْ إذا غُلِبوا بِالحجَّةِ، فَزِعوا إلى السَّيفِ والشَّكْوى إلى المُلوكِ، وَدَعْوى احْتِقارِ السّلْطانِ، وَتَحْويلِ الرَّعِيَّةِ عَنْ دِيْنِهِ. قال تَعالى في سورةِ [الأعراف: ١٢٧] : ﴿أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٢٧] فانظُرْ إلى شَكْوى

стр. 65

آلِ فِرْعونَ وَقَومِهِ إِلَيْهِ، وَتَحْريشِهمْ إيَّاهُ عَلَى مُقاتَلَةِ موسى ﵇ وَتَهْييجِه، وَمَا ذُكِرَ في آخِرِ الآية مِن احْتِقارِ ما كانوا عَلَيْهِ. [تناقضُ مَذهَبهِمْ لَمَّا تَرَكوا الحق] تناقضُ مَذهَبهِمْ لَمَّا تَرَكوا الحق (الحادية والستون) : تناقضُ مَذهَبهِمْ لَمَّا تَرَكوا الحق. قال تعالى في سورةِ [ق: ٤-٥] : ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ - بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق: ٤ - ٥] فَقولُهُ: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ﴾ [ق: ٥] إلخ، إضراب أُتْبعَ الإِضرابَ الأوَّل للدِّلالة عَلى أنَّهم جاءوا بِما هو أفْظَع من تَعَجُّبِهِمْ، وهو التكذيبُ بالحَقِّ، الذي هو النُّبُوَّةُ الثاَّبتة بالمُعْجِزاتِ، في أوَّل وَهْلَةٍ، مِن غير تَفَكُّرٍ ولا تَدَبُّرٍ، ﴿فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق: ٥] مُضْطَرِب، وَذَلِكَ بسببِ نَفْيِهِمُ النُّبُوَّةَ عنِ البَشَرِ بالكُليَّة تارةً، وَزَعمِهِمْ أنَّ اللاَّئقَ بِها أهلُ الجاه والمالِ كما ينبئ عَنْهُ قَولُهُم: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] تارةً أُخرى، وَزَعْمهِمْ أنَّ النُّبُوَّةَ سِحْرٌ مرَّةً أُخرى، وأنَّها كهانَةٌ أخرى، حيثُ قالوا في النبيِّ ﷺ مَرَّةً: ساحر، ومَرَّةً: كاهِنٌ، أوْ هو اخْتِلافُ حالِهم ما بَيْنَ تَعَجُّبٍ مِنَ البَعْثِ واستبعاد لَهُ، وتكذيبٍ وَتَرَدُّدٍ فيه، أو قولُهم في القرآن: هو شِعْر تارةً، وَهُو سِحْرٌ أخرى. وقال تَعالى في سورةِ [الذَّارياتِ: ٧-١١] : ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ - إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ - يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ - قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ - الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾ [الذاريات: ٧ - ١١] الْحُبُكِ: جمع حَبيكَة، كَطَريقَةٍ، أوْ حِباك، كَمِثال وَمثل، والمرادُ بها إمَّا الطُرُقُ المحسوسةُ التي تَسيرُ فيها الكَواكبُ، أو المعقولةُ التي تُدْرَكُ بالبَصيرةِ، وهي ما يدلُّ على وَحْدَةِ الصَّانعِ وقُدْرتهِ وعِلْمِهِ وحِكمتِه إذا تأمَّلَها النَّاظرُ. وقوله: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ [الذاريات: ٨] أي: مُتَخالِفٍ، مُتَناقِضٍ في أمرِ الله ، حيث تقولون: إِنَّه جلَّ شأنُهُ خَلَقَ السَّماواتِ والأرضَ، وَتَقولونَ بصحَّةِ عبادةِ الأصنامِ مَعَهُ سُبحانَه، وفي أمْرِ الرَّسول ﷺ فَتَقولونَ تارةً: إنَّه مَجْنونٌ، وأُخْرى: إنه ساحر، ولا يَكونُ الساحِرُ إلا عاقلا، وفي أمْرِ الحَشْرِ، فَتَقولونَ تارةً: لا حشر ولا حياة بَعْد المَوتِ أصلا، وتَزْعمونَ أُخرى أنَّ أصنامَكم

стр. 66

شُفعاؤُكم عِندَ الله تَعالى يومَ القيامِة، إلى غير ذلك من الأقوالِ المتخالفةِ فيما كُلفوا بالإيمانِ به. وقولُهُ: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ [الذاريات: ٩] أيْ: يُصْرَفُ عَنِ الإِيمانِ بِما كلِّفوا الإِيمانَ به. ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ [الذاريات: ١٠] أيْ: الكذَّابونَ مِنْ أصحابِ القولِ المُخْتَلِفِ. ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾ [الذاريات: ١١] الغَمرةُ: الجَهلُ العظيمُ يَغْمرُهُم وَيَشْمَلهُم شمولَ الماءِ الغامرِ لِما فِيْهِ، والسَّهو: الغَفْلَةُ. وقال تَعالى في أواخر سورةِ [الأنعام: ١٥٩] : ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٩] هذه الآية استئنافٌ لبيانِ أحوالِ أهلِ الكتابَيْنِ إثْرَ بيانِ حال المشركين، بناءً على ما رُويَ عن ابنِ عبَّاسٍ وقتادةَ: أنَّ الآية نَزَلَت في اليهودِ والنَّصارى. أيْ: بَدَّدوا دِينَهم، وبعَّضوه، فتمسَّكَ بِكُلِّ بعضٍ منه فرقةٌ منهم. ﴿وَكَانُوا شِيَعًا﴾ [الأنعام: ١٥٩] أيْ: فِرَقا تُشايعُ كُلُّ فِرْقَة إماما، وَتَتْبَعُهُ، أيْ: تُقَوِّيهِ، وَتُظْهرُ أمْرَهُ. أخرجَ أبو داودَ والتِّرْمِذِيُّ عن أبي هُرَيْرَةَ قال، قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «افْتَرَقَتِ اليهودُ على إحْدى وسَبْعينَ فِرْقَةً، كُلّهم في الهاوِيَةِ إلا واحدةً، وافْتَرَقَتِ النصَّارى على ثِنتيْنِ وسَبْعينَ فِرْقَةً، كُلُّهُم في الهاويةِ إلا واحدةً، وَسَتَفْتَرِقُ أمَّتي على ثَلاثٍ وَسَبْعينَ فِرْقةً، كُلُّهُم في الهاوِيَةِ إلا واحدةً» . واستثناءُ الواحدةِ مِن فِرَقِ كُلٍّ مِن أهلِ الكِتابَيْنِ إِنَّما هو بالنَّظَرِ إلى العَصْرِ الماضي قَبْلَ النَّسْخِ، وأمَّا بَعْدَهُ؛ فالكُل في الهاوِيَة، وإِن اختَلَفَتْ أسبابُ دُخولهم. ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩] أيْ: مِنَ السُّؤالِ عَنهم، والبَحثِ عَن تفَرُّقِهِمْ، أو من عِقابِهمْ، أَو أَنتَ بَريء مِنْهم. ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٥٩] تَعْليلٌ للنَّفي المذكورِ، أيْ: هو يَتَولَّى وَحْدَهُ أمرَهم: أُولاهُمْ وأُخْراهُمْ، وَيُدَبِّرُهُ حَسْبَما تَقْتَضَيهِ الحِكْمَةُ. ومِنَ النَّاسِ مَنْ قَال: المُفَرِّقونَ: أهْلُ البِدَعِ مِنْ هذه الأمَّة: فقد أخرج الحَكيمُ الترمِذِيُّ وابنُ جَريرٍ والطَّبَرانيُّ وغيرُهم عن أبي هُرَيرةَ عَن النبي ﷺ في قوله سُبْحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا﴾ [الأنعام: ١٥٩] إلخ: «هُمْ أهْلُ البِدَعِ والأهْواءِ مِن هذِهِ الأمَّة» فَيكونُ الكلامُ- حِيْنَئِذٍ - استِئْنافا لِبَيان حال المُبْتَدِعينَ، إثْرَ بَيانِ حالِ المُشْرِكينَ، إشارةً إلى أنّهم ليسوا مِنْهم بِبَعيدٍ. والمقصودُ أنَّ أهلَ الجاهلية سواء كانوا أُمِّيِّينَ أوْ كِتابِيِّينَ قد فَرَّقوا دينَهم، وتَغايَروا في الاعتقادِ، فكانَ عُبَّادُ الأصنامِ كُلُّ قَومٍ لَهُم صَنَمٌ يَدينونَ لَهُ، وَلَهُمْ

стр. 67

شرائعُ مُختَلِفَةٌ في عِبادتِها، وَمِنهم مَنْ كان يَعْبُدُ كَوْكَبا، ومِنهم مَنْ كانَ يَعْبُدُ الشمسَ، ومنهم، ومِنهم، وكذَلِكَ الكِتابِيُّونَ على ما بَينا. فالافْتِراقُ ناشئ عن الجَهْلِ، وإلا فالشَّريعةُ الحَقَّةُ في كُلِّ زمان لا تَعَدُّدَ فيها ولا اختِلافَ، ولذلك تَرى القُرآنَ يُوَحِّدُ الحَقَّ وَيُعَدِّدُ الباطِلَ: قال تَعَالى [البقرة: ٢٥٧] : ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] فانظُرْ كَيفَ أفْرَدَ النُّورَ الَّذي هو الحَقُّ، وَجَمَعَ الظلُماتِ التي هِيَ الباطِلُ والزَّيغُ، فَتَفْرِقَةُ الآراءِ، والاخْتِلافُ في الاعتقادِ مِنْ خِصال الجاهِلِيَّةِ وما كان عَلَيهِ أهلُ الباطِلِ، والاتفاقُ على العَقيدةِ الحَقَّةِ هو مِنْ دَأبِ أتْباعِ الرُّسُلِ والمتُمَسِّكينَ بِما شَرَعَهُ الله تَعالى. [دعْوَاهُم العَمَلَ بِالْحَقِّ الَّذي عِنْدهمْ] دعْوَاهُم العَمَلَ بِالْحَقِّ الَّذي عِنْدهمْ (الثانية والستون) : دعْوَاهُم العَمَلَ بِالْحَقِّ الَّذي عِنْدهمْ. كَما قَالَ تَعَالى في سورةِ [البَقَرَةِ: ٩١] : ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩١] أي: نستمر على الإيمان بالتوراة وما في حكمها مما أنزل لتقرير حكمها، ومُرادُهُم بِضَميرِ المُتكَلّمِ إمَّا أنَبياءُ بني إسرائيلَ- وهو الظَّاهر، وفيه إيماء إلى أنَّ عَدَمَ إيمانِهم بالقرآنِ كان بَغْيا وَحَسَدا على نُزولِهِ على مَنْ ليس منهم- وإمَّا أنْفُسُهُمْ، ومعنى الإِنزال عليهم: تكليفُهُم بِما في المُنَزَّلِ مِنَ الأحكامِ، وَذُمُّوا على هذِهِ المَقالةِ لِما فيها مِنَ الشرعي بشأنِ القرآنِ، ودسائسُ اليهودِ مشهورةٌ، وتمامُ الكَلامِ في التفسيرِ. [الزِّيادةُ في العِبادةِ] الزِّيادةُ في العِبادةِ (الثالثة والستون) : الزِّيادةُ في العِبادةِ، كَفِعْلِهِمْ يَوْمَ عاشوراء. [النقص من العبادة] النقص من العبادة (الرابعة والستون) : النَّقْص مِنْها، كَتَرْكِهِمْ الوُقوفَ. قال تعالى [البقرة: ١٩٩] ،

стр. 68

﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩] أيْ: مِن عَرَفَةَ، لا مِنْ مُزْدَلِفَةَ. والخطابُ عامٌّ، والمقصودُ إبطال ما كان عليه الحُمْسُ مِنَ الوُقوفِ بِجَمعٍ. فَقَدْ أخرجَ البُخاريُّ ومُسْلِمٌ عَن عائشةَ ﵂ قالت: «كانتْ قُرَيشٌ ومَنْ دانَ دِيْنَها يَقِفونَ بِالمُزْدَلِفَةِ، وكانوا يُسَمَّونَ الحُمْسَ، وكانت سائرُ العَرَبِ يَقِفونَ بِعَرَفات، فَلَمَّا جاءَ الإِسلامُ، أمرَ الله نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يأتيَ عرفات، ثُمَّ يَقفَ بها، ثُمَّ يُفيضَ مِنها، فَذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانه: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩] » وَمَعْناها: ثُمَّ أفِيضوا أيُّها الحُجَّاجُ مِنْ مَكانٍ أفاضَ جِنْسُ النَّاسِ مِنْهُ قَديما وَحَديثا، وَهو عَرَفَةُ، لا مِنْ مُزْدَلِفَةَ. [تعبدهم بترك الطيبات من الرزق] تعبدهم بترك الطيبات من الرزق (الخامسة والستون) : تعَبُّدُهُمْ بِتَركِ أكْلِ الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ، وَتَرْكِ زِيْنَةِ الله التي أخْرَجَ لِعِبادِهِ. قال تعالى في سورةِ [الأعْرافِ: ٣١-٣٢] : ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ - قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣١ - ٣٢] وسببُ النُّزول- على ما رُوِيَ عن ابنِ عبَّاس - أنه كانَ أُناسٌ مِنَ الأعْرابِ يَطوفونَ بِالبيتِ عُراةً، حَتىَّ إنْ كانتِ المرأةُ لَتَطوفُ بالبيتِ وهي عُريانةٌ، فَتُعَلِّقُ على سفْلِها سُيُورا مِثل هذه السُّيورِ التي تكونُ على وَجْهِ الحُمْرِ من الذُّبابِ، وهي تقول: اليومَ يَبدو بعضُه أوْكُله ... وما بَدا مِنه فَلا أُحِله فأنزل الله تَعالى هذه الآية: ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: ٣١] إلخ. ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ [الأعراف: ٣١] مِمَّا طابَ لَكُمْ، قال الكَلْبِيُّ: "كانَ أهلُ الجاهِلِيَّة لا يأكلونَ مِنَ الطَّعامِ إلا قُوتا، وَلا يَأكُلونَ دَسَمًا في أيَّامِ حَجِّهِمْ، يُعَظِّمونَ بِذَلِكَ حَجَّهُمْ، فقال المُسْلِمونَ: يا رَسُول الله! نَحْنُ أَحقُّ بِذَلِكَ، فأنزلَ الله تَعالى الآية". ومِنْهُ يَظْهَرُ وَجْهُ ذِكْرِ الأكْلِ والشُّرْبِ هُنا ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١] بِتَحْريمِ الحَلال، كَما هو المُناسِبُ لِسَبَب النُّزولِ أَوْ بالتَّعَدِّي إلى الحَرامِ. ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ [الأعراف: ٣٢] مِنَ الثيِّابِ وكُلِّ ما يُتَجَمَّلُ بِهِ

стр. 69

﴿وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢] أيْ: مِنَ المُسْتَلَذَّاتِ، وقيلَ: المُحَلَّلاتُ مِنَ المآكِل والمشارِبِ، كَلَحْمِ الشَّاةِ وَشحْمها وَلَبنها. ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الأعراف: ٣٢] أيْ: هِيَ لَهُمْ بِالأصالَة لِمَزيدِ كَرامَتِهِم على الله تَعالى، وَالكَفَرَةُ- إنْ شارَكوهُمْ فيها- فَبِالتبعِ، ﴿خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: ٣٢] لا يُشارِكُهُمْ فِيْها غَيْرهُمْ. [تعبدهم بالمكاء والتصدية] تعبدهم بالمكاء والتصدية (السادسة والستون) : تعَبُّدهمْ بِالمُكاءِ وَالتَّصْدِيَةِ. قال تعالى في سورةِ "الأنفالِ" [٣٥] : ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٥] تفسيرُ هذه الآية: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ﴾ [الأنفال: ٣٥] أيْ: المسجِدِ الحرامِ، الذي صَدُّوا المسلمينَ عنهُ، والتَّعبيرُ عنه بِالبيتِ للاختصارِ مَعَ الإِشارةِ إلى أنَّه بيتُ الله، فينبغي أنْ يُعَظَّمَ بِالعِبادةِ، وَهُمْ لمْ يَفْعَلوا. ﴿إِلَّا مُكَاءً﴾ [الأنفال: ٣٥] أيْ: صَفِيرا. ﴿وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: ٣٥] أيْ: تَصفيقا، وهو ضربُ اليدِ باليدِ بِحَيثُ يُسْمَعُ له صوتٌ. والمرادُ بالصَّلاةِ: إمَّا الدُّعاءُ، أو أفعال أُخَرُ كانوا يفعلونها، ويُسمونها صلاةً، وحُمِلَ المُكاءُ والتَّصديةُ عليها بتأويلِ ذلك بأنَّها لا فائدةَ فيها، ولا معنى لها، كَصَفيرِ الطُيورِ، وتصفيقِ اللعِبِ. وقد يُقالُ: المُرادُ أنَّهم وَضَعوا المُكاءَ والتّصَديةَ موضعَ الصَّلاةِ التي يَليقُ أنْ تَقَعَ عند البيتِ. يُروى أنَّهم كانوا إذا أرادَ النَّبِيُّ ﷺ أن يُصَلِّيَ، يَخْلِطونَ عليه بالصفيرِ والتَّصفيق. ويروى أنهم يصلون أيْضا. وَيرون أنَّهم كانوا يَطوفونَ عُراةً: الرِّجالُ والنِّساءُ مُشبكينَ بين أصابِعِهم، يُصَفرونَ فيها، وَيُصَفِّقونَ. وباقي الآية معلوم. والمقصودُ أنَّ مِثل هذه الأفعالِ لا تكونُ عِبادةً، بَلْ مِن شعائرِ الجاهِلِيَّة. فما يَفعَلُه اليومَ بعضُ جهلة المسلِمينَ في المساجدِ مِن المُكاءِ والتَّصدية يَزعُمونَ أنَّهم يَذكُرون الله، فهو مِن قَبيلِ فِعلِ الجاهِلِيةِ، وما أحْسَنَ ما يقولُ القائلُ فِيْهِم: أقالَ الله صفِّقْ لي وَغَنِّ ... وَقلْ كُفْرًا وسَمِّ الكُفْرَ ذِكْرًا؟ وَقَدْ جَعَلَ الشَّارعُ صوتَ المَلاهي صوتَ الشَّيطانِ، قال تعالى [الإسراء: ٦٤] :

стр. 70

﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَولَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الإسراء: ٦٤] [النفاق في العقيدة] النفاق في العقيدة (السابعة والستون) : دعْواهُمُ الإِيمان عند المؤمنين، فَإذا خَرَجوا خرجوا بِالكُفْرِ الذي دَخَلوا به. [دعاؤهم الناس إلى الضلال بغير علم] دعاؤهم الناس إلى الضلال بغير علم (الثامنة والستون) : دعاؤهُمُ النَّاسَ إلى الضَّلالِ بِغَيرِ عِلمٍ. [دعاؤهم إلى الكفر مع العلم] دعاؤهم إلى الكفر مع العلم (التاسعة والستون) : دعاؤهم النَّاسَ إلى الكفْرِ مَعَ العِلْمِ. [المكر الكبار] المكر الكبار (السبعون) : المَكْرُ الكُبَّارُ: كَفِعْلِ قَوْمِ نوحٍ قال تعالى في سورةِ "نوح" ﵇ [٢٢-٢٤] : ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا - وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا - وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ [نوح: ٢٢ - ٢٤] ومعنى الكُبَّارِ: الكَبيرُ. والمَكْرُ الكُبَّارُ: احتيالُهُم في الدِّين، وَصدُّهُم لِلنَّاسِ عنه، وإغراؤُهم وتحريضهم على أذية نوح ﵇. وَهكذا فَعَلَ أخْلافُ هؤلاءِ مِن مَرَدَةِ الدِّين، وَأتْباع الهَوى وَعَبَدَةِ الدُّنْيا، يَفعلونَ مَعَ دُعاةِ الحَقِّ كما فَعَلَ قَوْمُ نوح ﵇ معَهُ، قد تَشابَهَتْ قُلوبُهُم، نسألُه تعالى أنْ يُعيذَ رِجالَ الحَقِّ مِن كَيدِ مِثل هؤلاءِ الفَجَرَةِ، وَيَصُونَهُم مِن مَكْرِهِم. وقَد جربتهم فرأيت مِنْهُم ... خَبائِثَ بِالمُهَيْمِنِ نَسْتَجيرُ [حالة علمائهم] حالة علمائهم (الحادية والسبعون) : أئِمَّتُهمْ: إمَّا عالم فاجِرٌ، وإمَّا عابِدٌ جاهِل. قال تعالى:

стр. 71

[البقرة: ٧٥- ٧٩] ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ - وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ - أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ - وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ - فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٥ - ٧٩] فَذَكَرَ في الآية أنَّ فَريقا مِن أسْلافِ اليهودِ- وهم الأحبارُ- كانوا يَسْمَعونَ التَّوراةَ ويُؤوِّلونها تأويلا فاسدا حسبَ أغراضِهم، بلْ كانوا يُحَرِّفونها بِتبديلِ كلامٍ مِن تلقائِهم، كما فَعَلوا ذَلِكَ في نعته ﷺ ، فإنِّهُ رويَ أنه مِن صِفاتِهِ فيها أنهُ أبيضُ رَبْعَة، فَغَيَّروهُ بِأسْمَرَ طويل، وغَيَّروا آيةَ الرَّجمِ بِالتَّسخيمِ وَتَسْويدِ الوجهِ، كما في البخاريِّ. ﴿وَمِنْهُمْ﴾ [البقرة: ٧٨] فَريقٌ ﴿أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾ [البقرة: ٧٨] إلا بالدَّعاوى الكاذبةِ، والمرادُ بِهِم جَهَلَة مُقَلِّدَةٌ، لا إدراكَ لَهُمْ، وَتَمامُ الكلامِ في هذا المَقامِ يُطلَبُ مِنَ التَفسيرِ. والمقصودُ أنَّ تَحْريفَ الكَلِمِ، واتِّباعَ الهَوى، والقولَ على الله مِن غَيرِ عِلْمٍ مِن خِصالِ الجاهِلِيَّةِ. وَأنت تَعلمُ حالَ أحبارِ السُّوءِ اليومَ والرُّهبانِ الذينَ يقولونَ على الله ما لا يُعْلَمُ قد تَجاوَزوا الحَدَّ في اتِّباعِ الهَوى، وَتَأويلِ النُّصوصِ، وما أشبهَ ذلِكَ، مِمَّا يَسْتَحْي منهُ الإِسلامُ، والأمرُ لِلَّهِ. [زعمهم أنهم أولياء الله] زعمهم أنهم أولياء الله (الثانية والسبعون) : زَعْمُهُمْ أنَّهم أولياءُ للهِ مِن دونِ الناسِ. دليلُ هذه المسألةِ قولُه تَعالى في سورةِ [الجُمُعَة: ٦- ٨] : ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا﴾ [الجمعة: ٦] أيْ: تَهَوَّدوا، أيْ: صاروا يَهودا. ﴿إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ﴾ [الجمعة: ٦] أيْ: أحِبَّاءُ لَه سُبْحانه، وَلَمْ يُضِفْ أولياء إلَيهِ تَعالى كما في قوله سبحانه: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ﴾ [يونس: ٦٢] ليؤذِنَ بالفَرْقِ بَيْنَ مُدَّعي الوِلايةِ وَمَن يَخُصُّهُ بِها. ﴿مِنْ دُونِ النَّاسِ﴾ [الجمعة: ٦] أيْ: مُتَجاوِزينَ عنِ

стр. 72

النَّاسِ ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾ [الجمعة: ٦] أيْ: فَتَمَنَّوا مِنَ الله أنْ يُميتكُم، وَيَنْقُلَكم مِن دار البَلِيَّة إلى مَحَلِّ الكَرامة ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجمعة: ٦] في زَعْمكُم، واثقينَ بأنَّه حَقٌّ، فَتَمَنَّوا الموت فإنَّه مَن أيقَنَ أنه مِن أهلِ الجَنَّةِ أحَبَّ أنْ يَتَخَلَّصَ إليها مِن هذه الدارِ التي هي قَرارَةُ الإنكار والأكدار. وأُمِر ﷺ أنْ يقول لَهُم ذَلِكَ إظهارًا لِكَذِبهِم، فإنَّهم كانوا يقولون: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] وَيَدَّعونَ أنَّ الآخرةَ لَهُم عند الله خالصةً، ويقولونَ: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا﴾ [البقرة: ١١١] كما أخبرَ تعَالى عن الكتابيِّين في كتابه، فقال جل شأنه [البقرة: ١١١-١١٢] : ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ - بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ١١١ - ١١٢] وَرويَ أنَّهُ لَمَّا ظَهَرَ رَسولُ الله ﷺ ؛ كَتَبتْ يَهودُ المدينةِ ليهودِ خَيْبَرَ: إن اتَّبَعْتم محمَّدًا أطَعْناهُ، وإنْ خالفْتُموه خالَفْناه، فقالوا: نحنُ أبناءُ خليلِ الرحمنِ، ومنا عزيرٌ ابنُ الله والأنبياءُ، ومتى كانتِ النُّبُوَّةُ في العَرَب؟ نحنُ أحَقُّ بها مِن محمد، وَلا سَبيلَ إلى اتباعِهِ، فَنَزَلَتْ [الجمعة: ٦- ٧] : ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا﴾ [الجمعة: ٦] الآية ﴿وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا﴾ [الجمعة: ٧] إخبارٌ بحالِهم المستقبَلِ، وهو عدمُ تمنيِّهم الموتَ، وذلكَ خاصّ بأولئكَ المخاطَبينَ. وَرويَ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال لَهم: «والَّذِي نفسي بيدِهِ لا يقولُها أحَد مِنكُم إلا غصَّ بريقِهِ» ، فَلَمْ يَتَمَنَّهُ أَحدٌ مِنهم، وما ذَلِكَ إلا لأنَّهم كانوا مُوقِنينَ بصدقِه ﷺ ، فَعَلِموا أنَّهم لو تَمَنَّوا لمَاتوا مِن ساعتِهم، وَلَحِقَهم الوعيدُ، وهذه إحدى المُعجِزاتِ. ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [الجمعة: ٧] أيْ: بسببِه، كَأنَّهُ قيلَ: انْتَفَى تَمَنِّيهم بِسببِ ما قَدَّمتْ، والمُرادُ بِما قَدَّمَتْهُ أيْديهمِ: الكُفْرُ والمعاصي الموجِبةُ لدخولِ النَّارِ، وَلَمَّا كانت اليدُ مِن بينِ جوارحِ الإِنسانِ مَناطَ عامَّةِ أفعالِه، عَبَّرَ بها تارةً عن النَّفسِ وأخرى عنِ القُدرةِ ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [الجمعة: ٧] أيْ: بِهِمْ، وإيثارُ الإِظهارِ على الإِضمارِ لِذَمِّهِمْ، والتسجيلِ عَلَيْهم بِأنَّهم ظالِمونَ في كُلِّ ما يأتونَ وَيَذَرونَ مِنَ الأمورِ الَّتي مِن جُمْلَتها ادِّعاءُ ما هم عنه بِمَعْزِلٍ، أيْ: واللهُ عليمٌ بما

стр. 73

صَدَرَ منهم من فُنونِ الظلمِ والمعاصي، وَبِما سَيَكونُ مِنهم، فيجازيهم على ذَلِكَ. ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ﴾ [الجمعة: ٨] وَلا تَجْسُرونَ عَلى أنْ تَمَنَّوْهُ مَخافَةَ أن تُؤخَذوا بِوَبال أفْعالِكُمْ. ﴿فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ [الجمعة: ٨] ألْبتةَ، مِن غيرِ صارِفٍ يَلويهِ، وَلا عاطِفٍ يَثْنيهِ. ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الجمعة: ٨] الذي لا تَخْفى عَلَيْهِ خافيةٌ. ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجمعة: ٨] مِنَ الكُفْرِ وَالمعاصي بِأنْ يُجازِيكم بِها. وهذا دَيْدَنُ الزَّائغينَ، وشَأْنُ الملحِدينَ، كما قَالَ تَعالى عَن اليَهود: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ [المائدة: ١٨] وَقَدْ وَرِثَ هَذِهِ الخصلةَ كَثيرٌ مِمَّن يَنْتَمي إلى المِلَّةِ الإِسلاميَّةِ، بَلْ كُلّ مِنَ الفرَقِ يقول: نحنُ أَوْلِياءُ الله، مَعَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ في حديثِ الفِرَقِ في بيانِ الفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ: «وهُمْ ما أنا عليه وأصْحابي» . [دعوى محبة الله مع ترك شرعه] دعوى محبة الله، مع ترك شرعه (الثالثة والسبعون) : دَعْواهم مَحَبَّةَ اللهِ مَعَ تركِ شَرعِهِ. فَطالَبَهُم سُبحانَه بقولهِ في سورة [آل عمران: ٣١] : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١] قال الحسن وابنُ جُرَيْجٍ: "زَعَمَ أقوام عَلى عَهدِ رسولِ الله ﷺ أنَّهم يحِبُّونَ الله، فقالوا: يا مُحَمَّدُ إِنَّا نُحِبُّ ربَّنا، فَأنْزَلَ الله تَعالى هذه الآية". وَرَوى الضَّحاكُ عنِ ابنِ عبَّاس قال: «وَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ على قريشٍ في المسجد الحرامِ، وقد نَصَبوا أصنامَهم، وَعَلَّقوا عَلَيها بَيْضَ النَّعامِ، وَجَعَلوا في آذانِها الشُّنوف (١) وَهُم يَسجدونَ لها، فقالَ: "يا معشرَ قريشٍ، لقد خالَفْتُم مِلَّةَ أبيكم إبراهيمَ وإسْماعيلَ، وَلَقَدْ كانا على الإِسلام "، فَقَالَتْ قُرَيش: يا محمَّدُ، إنَّما نَعبدُ هذه حُبًّا لِلَّهِ؛ لِتقرِّبَنا إلى الله زُلْفى، فأنْزَلَ الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ [آل عمران: ٣١] إلخ» . وفي رواية أبي صالحٍ أنَّ اليهودَ لَمَّا قالوا نحن أبناء الله وأحباؤه أنزلَ الله هذه الآية، فَلَمَّا نَزَلَت عَرَضها رسولُ الله ﷺ على اليهودِ،

стр. 74

فَأبَوا أنْ يَقْبَلوها. وَرَوى محمَّدُ بنُ إسحاقَ عن محمَّدِ بن جَعفرِ بنِ الزُّبَيرِ قالَ: "نَزَلَت في نَصارى نَجرانَ، وَذَلِكَ أنهم قالوا: إنِّما نُعَظِّمُ المسيحَ، نَعْبُدُهُ حُبًّا لِلَّهِ، وتَعْظيمًا لَهُ، فأنزلَ الله تَعالى هَذِهِ الآية رَدًّا عَلَيْهِم. وَبِالجُمْلَة إن مَنْ تَلبَّسَ بالمعاصي لا يَنْبَغي لَهُ أنْ يَدَّعيَ مَحَبّهَ الله، وَمَا أحْسَنَ قولَ القائلِ: تعْصي الإِله وأنتَ تُظْهِرُ حُبَّهُ ... هَذَا لَعَمْرِي في القِياسِ بَديعُ لو كانَ حُبُّكَ صادقا لأطعْتَهُ ... إِنَّ المُحِبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطيعُ [تمَنِّيهم على الله تَعالى الأماني الكاذبةَ] تمَنِّيهم على الله تَعالى الأماني الكاذبةَ (الرابعة والسبعون) : تمَنِّيهم على الله تَعالى الأماني الكاذبةَ. قال تعالى في سورةِ [آلِ عمرانَ: ٢٣-٢٤] : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ - ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ٢٣ - ٢٤] أخرج ابنُ إسحاقَ وجماعةٌ عن ابنِ عبَّاسٍ قالَ: «دَخَلَ رَسُولُ الله ﷺ بيتَ المِدْراسِ على جماعةٍ من يهودَ، فدعاهم إلى الله تَعالى، فقال النُّعمانُ بنُ عمرو والحارثُ بنُ زيدٍ: على أيِّ دينٍ أنت يا محمَّدُ؟ فقال: "عَلى مِلَّةِ إبراهِيمَ ودِينهِ "، قالا: "فإنَّ إبراهيمَ كان يهوديًّا"، فقال لهما رسول الله ﷺ : "فَهَلُمَّا إلى التَّوراةِ، فهي بيننَا وَبينكُمْ، فأيُّنا عليه "، فأنزل الله تَعالى هذه الآية» . وَفِي البَحْرِ: "زَنى رجلٌ مِنَ اليهودِ بامرأةٍ، ولم يكن بعدُ في دِيننا الرَّجمُ، فَتحاكَموا إلى رسُول الله ﷺ تَخْفيفًا على الزَّانِيَيْنِ لِشَرَفِهِما، فقال رسولُ اللًهِ ﷺ : «إنَّما أحْكمُ بِكِتابكُم» ، فَأنْكَروا الرَّجمَ، فَجِيءَ بِالتَّوراةِ، فَوَضَع جرهمُ بنُ صُورْيا يَدَهُ عَلى آية الرّجم، فقال عبد اللهِ بنُ سَلامٍ: جاوزَها يا رسولَ الله، فَأظْهَرَها، فَرُجِما، فَغَضبتِ اليهودُ، فَنَزَلَتْ. ومَعنى قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [آل عمران: ٢٤] أيْ: المذكورُ مِنَ التَّوَلِّي والإِعْراضِ حاصِلٌ لَهُم بِسَبَبِ هَذَا القولِ الَّذِي رسخ اعتقاهم به، وَهَوَّنوا بِهِ الخُطوبَ، وَلَمْ يُبالوا معهُ بارْتكابِ المَعاصي والذُّنوبِ. والمُرادُ بِالأيَّامِ المَعدوداتِ: أيَّامُ عِبادتِهم العِجْلَ ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ٢٤] أيْ: غَرَّهُم افتِراؤُهم وكَذِبُهُم، أو الَّذِي كانوا يَفْترونَه مِن قَولِهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ﴾ [آل عمران: ٢٤] أوْ مِن قولهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨]

стр. 75

أوْ مِمَّا يَشْمَلُ ذَلِكَ ونحوه مِن قَولهِم: إن آباءَنا الأنبياءَ يَشْفعونَ لَنَا، وأنَّ الله تَعالى وَعَدَ يَعقوبَ أنْ لا يُعَذِّبَ أبناءَه إلا تَحِلَّةَ القَسَمِ. فَرد عليهم سبحانه بقوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ﴾ [آل عمران: ٢٥] إلخ. رُويَ أنَّ أوَّلَ رايةٍ تُرفَعُ لأهلِ المَوقِفِ مِن راياتِ الكُفَّارِ رايةُ اليهودِ، فيفضحُهُمُ الله تَعالى على رُؤوسِ الأشهادِ، ثُمَّ يأمُرُ بِهِم إلى النَّارِ. وهكذا رأينا كثيرا من أهل زماننا يفعلون ما يفعلون من المنكرات، اعتمادا على الشَّفاعةِ، أو على عُلُوِّ الحَسَبِ وَشَرَفِ النَّسَبِ، واللهُ المُستَعانُ. وَفِي سورةِ [البقرةِ: ٨٠-٨١] : ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ - بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٨٠ - ٨١] [اتخاذ قبور الصالحين مساجد] اتخاذ قبور الصالحين مساجد (الخامسة والسبعون) : اتِّخاذُ قُبورِ أنبيائِهم وصالِحيهِم مساجِدَ. هذه المسألة من خصال الكتابيين أيام الجاهلية. وفي ذَلِكَ ورد الحديثُ الصَّحيحُ: «لَعَن الله اليهودَ والنّصَارى اتَّخَذُوا قُبورَ أنبيائِهم مَساجدَ» ، ثُمَّ قَالَ: «فَلا تَتَّخِذوها مَساجِدَ» . وَفِي الصَّحيحينِ عن أبي هريرة أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «قاتَلَ الله اليهودَ والنّصَارى، اتَّخَذوا قُبورَ أنبيائِهم مَساجِدَ» . وَفِي لفظٍ لِمُسْلِمٍ: «لَعَنَ الله اليهودَ والنّصَارى، اتَّخَذُوا قُبورَ أنْبِيائِهِم مَساجِدَ» . وَفِي الصَّحيحينِ عن عائشةَ وابنِ عبَّاسٍ، قالا: «لَمَّا نزلَ بِرسُولِ الله ﷺ ، طفق يطرح خميصة على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه، فقال - وهو كَذَلِكَ-: "لَعَنَ الله اليهودَ والنصَّارى، اتَّخذوا قبورَ أنبيائِهم مَسَاجِدَ"، يُحَذِّرُ ما صَنَعَوا".» وَفِي الصَّحيحينِ- أيْضا- عن عائشةَ أنَّ أمَّ سَلَمَةَ وأمَّ حَبيبةَ ذَكَرَتا لِرَسُول الله ﷺ كَنيسةً رَأيْنَها بأرضِ الحَبَشَةِ يقال لها: "ماريَة"، وَذَكَرَتا مِن حُسْنِها وتَصاويرَ فيها، فقال رَسُول اللهِ ﷺ : «أولئكَ قومٌ إذا ماتَ فيهم العبدُ الصَّالحُ أو الرَّجلُ الصالحُ بنَوا على قبرِهِ مسجدًا، وَصَوَّروا فيه تلك الصُّورَ، أولئكَ شرارُ الخَلْقِ عند الله» وعن ابنِ عبَّاسٍ قالَ: «لَعَنَ
следующие страницы →