النَّاسِ ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾ [الجمعة: ٦] أيْ: فَتَمَنَّوا مِنَ الله أنْ يُميتكُم، وَيَنْقُلَكم مِن دار البَلِيَّة إلى مَحَلِّ الكَرامة ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجمعة: ٦] في زَعْمكُم، واثقينَ بأنَّه حَقٌّ، فَتَمَنَّوا الموت فإنَّه مَن أيقَنَ أنه مِن أهلِ الجَنَّةِ أحَبَّ أنْ يَتَخَلَّصَ إليها مِن هذه الدارِ التي هي قَرارَةُ الإنكار والأكدار. وأُمِر ﷺ أنْ يقول لَهُم ذَلِكَ إظهارًا لِكَذِبهِم، فإنَّهم كانوا يقولون: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] وَيَدَّعونَ أنَّ الآخرةَ لَهُم عند الله خالصةً، ويقولونَ: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا﴾ [البقرة: ١١١] كما أخبرَ تعَالى عن الكتابيِّين في كتابه، فقال جل شأنه [البقرة: ١١١-١١٢] : ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ - بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ١١١ - ١١٢] وَرويَ أنَّهُ لَمَّا ظَهَرَ رَسولُ الله ﷺ ؛ كَتَبتْ يَهودُ المدينةِ ليهودِ خَيْبَرَ: إن اتَّبَعْتم محمَّدًا أطَعْناهُ، وإنْ خالفْتُموه خالَفْناه، فقالوا: نحنُ أبناءُ خليلِ الرحمنِ، ومنا عزيرٌ ابنُ الله والأنبياءُ، ومتى كانتِ النُّبُوَّةُ في العَرَب؟ نحنُ أحَقُّ بها مِن محمد، وَلا سَبيلَ إلى اتباعِهِ، فَنَزَلَتْ [الجمعة: ٦- ٧] : ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا﴾ [الجمعة: ٦] الآية ﴿وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا﴾ [الجمعة: ٧] إخبارٌ بحالِهم المستقبَلِ، وهو عدمُ تمنيِّهم الموتَ، وذلكَ خاصّ بأولئكَ المخاطَبينَ. وَرويَ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال لَهم: «والَّذِي نفسي بيدِهِ لا يقولُها أحَد مِنكُم إلا غصَّ بريقِهِ» ، فَلَمْ يَتَمَنَّهُ أَحدٌ مِنهم، وما ذَلِكَ إلا لأنَّهم كانوا مُوقِنينَ بصدقِه ﷺ ، فَعَلِموا أنَّهم لو تَمَنَّوا لمَاتوا مِن ساعتِهم، وَلَحِقَهم الوعيدُ، وهذه إحدى المُعجِزاتِ. ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [الجمعة: ٧] أيْ: بسببِه، كَأنَّهُ قيلَ: انْتَفَى تَمَنِّيهم بِسببِ ما قَدَّمتْ، والمُرادُ بِما قَدَّمَتْهُ أيْديهمِ: الكُفْرُ والمعاصي الموجِبةُ لدخولِ النَّارِ، وَلَمَّا كانت اليدُ مِن بينِ جوارحِ الإِنسانِ مَناطَ عامَّةِ أفعالِه، عَبَّرَ بها تارةً عن النَّفسِ وأخرى عنِ القُدرةِ ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [الجمعة: ٧] أيْ: بِهِمْ، وإيثارُ الإِظهارِ على الإِضمارِ لِذَمِّهِمْ، والتسجيلِ عَلَيْهم بِأنَّهم ظالِمونَ في كُلِّ ما يأتونَ وَيَذَرونَ مِنَ الأمورِ الَّتي مِن جُمْلَتها ادِّعاءُ ما هم عنه بِمَعْزِلٍ، أيْ: واللهُ عليمٌ بما
стр. 73
صَدَرَ منهم من فُنونِ الظلمِ والمعاصي، وَبِما سَيَكونُ مِنهم، فيجازيهم على ذَلِكَ. ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ﴾ [الجمعة: ٨] وَلا تَجْسُرونَ عَلى أنْ تَمَنَّوْهُ مَخافَةَ أن تُؤخَذوا بِوَبال أفْعالِكُمْ. ﴿فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ [الجمعة: ٨] ألْبتةَ، مِن غيرِ صارِفٍ يَلويهِ، وَلا عاطِفٍ يَثْنيهِ. ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الجمعة: ٨] الذي لا تَخْفى عَلَيْهِ خافيةٌ. ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجمعة: ٨] مِنَ الكُفْرِ وَالمعاصي بِأنْ يُجازِيكم بِها. وهذا دَيْدَنُ الزَّائغينَ، وشَأْنُ الملحِدينَ، كما قَالَ تَعالى عَن اليَهود: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ [المائدة: ١٨] وَقَدْ وَرِثَ هَذِهِ الخصلةَ كَثيرٌ مِمَّن يَنْتَمي إلى المِلَّةِ الإِسلاميَّةِ، بَلْ كُلّ مِنَ الفرَقِ يقول: نحنُ أَوْلِياءُ الله، مَعَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ في حديثِ الفِرَقِ في بيانِ الفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ: «وهُمْ ما أنا عليه وأصْحابي» .
[دعوى محبة الله مع ترك شرعه]
دعوى محبة الله، مع ترك شرعه (الثالثة والسبعون) : دَعْواهم مَحَبَّةَ اللهِ مَعَ تركِ شَرعِهِ. فَطالَبَهُم سُبحانَه بقولهِ في سورة [آل عمران: ٣١] : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١] قال الحسن وابنُ جُرَيْجٍ: "زَعَمَ أقوام عَلى عَهدِ رسولِ الله ﷺ أنَّهم يحِبُّونَ الله، فقالوا: يا مُحَمَّدُ إِنَّا نُحِبُّ ربَّنا، فَأنْزَلَ الله تَعالى هذه الآية". وَرَوى الضَّحاكُ عنِ ابنِ عبَّاس قال: «وَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ على قريشٍ في المسجد الحرامِ، وقد نَصَبوا أصنامَهم، وَعَلَّقوا عَلَيها بَيْضَ النَّعامِ، وَجَعَلوا في آذانِها الشُّنوف (١) وَهُم يَسجدونَ لها، فقالَ: "يا معشرَ قريشٍ، لقد خالَفْتُم مِلَّةَ أبيكم إبراهيمَ وإسْماعيلَ، وَلَقَدْ كانا على الإِسلام "، فَقَالَتْ قُرَيش: يا محمَّدُ، إنَّما نَعبدُ هذه حُبًّا لِلَّهِ؛ لِتقرِّبَنا إلى الله زُلْفى، فأنْزَلَ الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ [آل عمران: ٣١] إلخ» . وفي رواية أبي صالحٍ أنَّ اليهودَ لَمَّا قالوا نحن أبناء الله وأحباؤه أنزلَ الله هذه الآية، فَلَمَّا نَزَلَت عَرَضها رسولُ الله ﷺ على اليهودِ،
стр. 74
فَأبَوا أنْ يَقْبَلوها. وَرَوى محمَّدُ بنُ إسحاقَ عن محمَّدِ بن جَعفرِ بنِ الزُّبَيرِ قالَ: "نَزَلَت في نَصارى نَجرانَ، وَذَلِكَ أنهم قالوا: إنِّما نُعَظِّمُ المسيحَ، نَعْبُدُهُ حُبًّا لِلَّهِ، وتَعْظيمًا لَهُ، فأنزلَ الله تَعالى هَذِهِ الآية رَدًّا عَلَيْهِم. وَبِالجُمْلَة إن مَنْ تَلبَّسَ بالمعاصي لا يَنْبَغي لَهُ أنْ يَدَّعيَ مَحَبّهَ الله، وَمَا أحْسَنَ قولَ القائلِ:
تعْصي الإِله وأنتَ تُظْهِرُ حُبَّهُ ... هَذَا لَعَمْرِي في القِياسِ بَديعُ
لو كانَ حُبُّكَ صادقا لأطعْتَهُ ... إِنَّ المُحِبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطيعُ
[تمَنِّيهم على الله تَعالى الأماني الكاذبةَ]
تمَنِّيهم على الله تَعالى الأماني الكاذبةَ (الرابعة والسبعون) : تمَنِّيهم على الله تَعالى الأماني الكاذبةَ. قال تعالى في سورةِ [آلِ عمرانَ: ٢٣-٢٤] : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ - ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ٢٣ - ٢٤] أخرج ابنُ إسحاقَ وجماعةٌ عن ابنِ عبَّاسٍ قالَ: «دَخَلَ رَسُولُ الله ﷺ بيتَ المِدْراسِ على جماعةٍ من يهودَ، فدعاهم إلى الله تَعالى، فقال النُّعمانُ بنُ عمرو والحارثُ بنُ زيدٍ: على أيِّ دينٍ أنت يا محمَّدُ؟ فقال: "عَلى مِلَّةِ إبراهِيمَ ودِينهِ "، قالا: "فإنَّ إبراهيمَ كان يهوديًّا"، فقال لهما رسول الله ﷺ : "فَهَلُمَّا إلى التَّوراةِ، فهي بيننَا وَبينكُمْ، فأيُّنا عليه "، فأنزل الله تَعالى هذه الآية» . وَفِي البَحْرِ: "زَنى رجلٌ مِنَ اليهودِ بامرأةٍ، ولم يكن بعدُ في دِيننا الرَّجمُ، فَتحاكَموا إلى رسُول الله ﷺ تَخْفيفًا على الزَّانِيَيْنِ لِشَرَفِهِما، فقال رسولُ اللًهِ ﷺ : «إنَّما أحْكمُ بِكِتابكُم» ، فَأنْكَروا الرَّجمَ، فَجِيءَ بِالتَّوراةِ، فَوَضَع جرهمُ بنُ صُورْيا يَدَهُ عَلى آية الرّجم، فقال عبد اللهِ بنُ سَلامٍ: جاوزَها يا رسولَ الله، فَأظْهَرَها، فَرُجِما، فَغَضبتِ اليهودُ، فَنَزَلَتْ. ومَعنى قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [آل عمران: ٢٤] أيْ: المذكورُ مِنَ التَّوَلِّي والإِعْراضِ حاصِلٌ لَهُم بِسَبَبِ هَذَا القولِ الَّذِي رسخ اعتقاهم به، وَهَوَّنوا بِهِ الخُطوبَ، وَلَمْ يُبالوا معهُ بارْتكابِ المَعاصي والذُّنوبِ. والمُرادُ بِالأيَّامِ المَعدوداتِ: أيَّامُ عِبادتِهم العِجْلَ ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ٢٤] أيْ: غَرَّهُم افتِراؤُهم وكَذِبُهُم، أو الَّذِي كانوا يَفْترونَه مِن قَولِهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ﴾ [آل عمران: ٢٤] أوْ مِن قولهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨]
стр. 75
أوْ مِمَّا يَشْمَلُ ذَلِكَ ونحوه مِن قَولهِم: إن آباءَنا الأنبياءَ يَشْفعونَ لَنَا، وأنَّ الله تَعالى وَعَدَ يَعقوبَ أنْ لا يُعَذِّبَ أبناءَه إلا تَحِلَّةَ القَسَمِ. فَرد عليهم سبحانه بقوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ﴾ [آل عمران: ٢٥] إلخ. رُويَ أنَّ أوَّلَ رايةٍ تُرفَعُ لأهلِ المَوقِفِ مِن راياتِ الكُفَّارِ رايةُ اليهودِ، فيفضحُهُمُ الله تَعالى على رُؤوسِ الأشهادِ، ثُمَّ يأمُرُ بِهِم إلى النَّارِ. وهكذا رأينا كثيرا من أهل زماننا يفعلون ما يفعلون من المنكرات، اعتمادا على الشَّفاعةِ، أو على عُلُوِّ الحَسَبِ وَشَرَفِ النَّسَبِ، واللهُ المُستَعانُ. وَفِي سورةِ [البقرةِ: ٨٠-٨١] : ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ - بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٨٠ - ٨١]
[اتخاذ قبور الصالحين مساجد]
اتخاذ قبور الصالحين مساجد (الخامسة والسبعون) : اتِّخاذُ قُبورِ أنبيائِهم وصالِحيهِم مساجِدَ. هذه المسألة من خصال الكتابيين أيام الجاهلية. وفي ذَلِكَ ورد الحديثُ الصَّحيحُ: «لَعَن الله اليهودَ والنّصَارى اتَّخَذُوا قُبورَ أنبيائِهم مَساجدَ» ، ثُمَّ قَالَ: «فَلا تَتَّخِذوها مَساجِدَ» . وَفِي الصَّحيحينِ عن أبي هريرة أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «قاتَلَ الله اليهودَ والنّصَارى، اتَّخَذوا قُبورَ أنبيائِهم مَساجِدَ» . وَفِي لفظٍ لِمُسْلِمٍ: «لَعَنَ الله اليهودَ والنّصَارى، اتَّخَذُوا قُبورَ أنْبِيائِهِم مَساجِدَ» . وَفِي الصَّحيحينِ عن عائشةَ وابنِ عبَّاسٍ، قالا: «لَمَّا نزلَ بِرسُولِ الله ﷺ ، طفق يطرح خميصة على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه، فقال - وهو كَذَلِكَ-: "لَعَنَ الله اليهودَ والنصَّارى، اتَّخذوا قبورَ أنبيائِهم مَسَاجِدَ"، يُحَذِّرُ ما صَنَعَوا".» وَفِي الصَّحيحينِ- أيْضا- عن عائشةَ أنَّ أمَّ سَلَمَةَ وأمَّ حَبيبةَ ذَكَرَتا لِرَسُول الله ﷺ كَنيسةً رَأيْنَها بأرضِ الحَبَشَةِ يقال لها: "ماريَة"، وَذَكَرَتا مِن حُسْنِها وتَصاويرَ فيها، فقال رَسُول اللهِ ﷺ : «أولئكَ قومٌ إذا ماتَ فيهم العبدُ الصَّالحُ أو الرَّجلُ الصالحُ بنَوا على قبرِهِ مسجدًا، وَصَوَّروا فيه تلك الصُّورَ، أولئكَ شرارُ الخَلْقِ عند الله» وعن ابنِ عبَّاسٍ قالَ: «لَعَنَ
стр. 76
رَسُولُ الله ﷺ زائراتِ القبورِ والمُتَّخِذينَ عَليها المساجدَ والسُّرُجَ» ، رواه أهلُ السُّننِ الأربعة فهذا التَّحذيرُ منه، واللعنُ عن مُشابهةِ أهلِ الكتابِ في بناءِ المسجِدِ على قبرِ الرَّجلِ الصَّالحِ صريحٌ في النَّهيِ عنِ المشابهةِ. وفي هذا دليل على الحذرِ عن جِنسِ أعمالِهم، حيثُ لا يؤمنُ في سائرِ أعمالِهم أنْ يكونَ من هذا الجنسِ. ثُمَّ من المعلومِ ما قد ابتُلْيَ به كثيرٌ من هذه الأمَّةِ من بناءِ القبورِ مساجدَ، واتِّخاذِ القبورِ مساجدَ بِلا بناءٍ، وَكِلا الَأمرينِ مُحَرم، معلونٌ فاعلُه بالمستفيضِ من السُّنَّةِ، وَلَيْسَ هَذَا موضعَ استقصاءِ ما في ذَلِكَ من سائرِ الأحاديثِ والآثارِ، ولهذا كان السَّلفُ يُبالِغونَ في المنعِ.
[اتخاذ آثار الأنبياء مساجد]
اتخاذ آثار الأنبياء مساجد (السادسة والسبعون) : اتخاذُ آثارِ أنبِيائِهِم مساجِدَ، كَمَا وَرَدَ عَن عمَرَ ﵁ فإنَّ هذه المسألةَ مِن بِدَعِ جاهِلِيّة الكِتابيِّينَ، كانوا يَتَّخِذونَ آثارَ أنبيائِهِم مَساجدَ، فَوَرِثَهُمُ الجاهِلونَ مِن هذه الأمَّة، فَترَاهم يبْنون عَلى موضِعٍ اخْتَفى بهِ النَّبِيُّ ﷺ ، أَوْ وَصَلَ قَدَمهُ المُبارَكُ إليه، أو تَعَبَّدَ فيهِ، فَهَذَا لَيْس يُحْمَدُ في الشَّريعةِ؛ لِجَرِّهِ إلى الغُلُوِّ. وَفِي العِراقِ مواضعُ كثيرة بَنوا عَلَيْها مَبانِيَ، كالمقام الَّذِي زَعَموا أنَّ الشَّيخ الكَيلانيَّ تَعَبَّدَ فيهِ، وَكَأثَر الكَفِّ الَّذِي زَعَمَ الشِّيَعَةُ أنَّهُ أثَرُ كَفِّ الإِمامِ عَليٍّ لَمَّا وَضَعَه على الصَّخْرةِ فَأثَّرَ فِيْهَا، فَبَنَوا عَلَيْها مَسجدا، وَكَعِدَّةِ أماكِنَ زَعَموا أن الخَضِرَ رئيَ فيها، ولا أصلَ لَهُ، إلى غيرِ ذَلِكَ مِمَّا لا يَسْتَوْعِبُهُ المَقامُ. فَينبغي لِمَن يَدَّعي الإِسلامَ أنْ يَتَجَنَّبَها، وَينْهى عن حُضورِها، وإنْ رُمِيَ بالإِنكارِ، وَعَداوةِ الأشْرارِ، وَكَيْدِ المارقينَ الفُجَّارِ. وفي المسألةِ تفصيلٌ لا بأسَ بِذِكْرِهِ: قال شيخُ الإِسلامِ: أما مَقاماتُ الأنبياءِ والصَّالحينَ- وهي الأمكنةُ التي قاموا فيها أوْ أقاموا، أوْ عَبَدوا الله سُبْحانه- لكنَّهم لَمْ يَتَّخذوها مساجِدَ- فالَّذِي بَلَغني في ذَلِكَ قَولانِ عن العلماءِ المَشْهورينِ: أحَدُهُما النَّهيُ
стр. 77
عن ذَلِكَ، وكراهتُه، وأنَّه لا يُسْتَحَبُّ قصدُ بُقْعَةٍ لِلعِبادةِ، إلا أن يكونَ قَصْدُها لِلعبادةِ مِمَّا جاءَ به الشَّرعُ، مِثْلُ أنْ يكونَ النَّبِيُّ ﷺ قصَدَها لِلعبادةِ كَما قَصدَ الصَّلاةَ في مَقامِ إبراهيمَ، وكما كان يَتَحَرَّى الصلاةَ عند الاسطُوانةِ، وكما تُقْصدُ المساجِدُ لِلصَّلاةِ، ويُقْصَدُ الصَّفُّ الأوَّل، وَنَحْوِ ذَلِكَ. القول الثَّاني: أنه لا بأسَ باليَسير مِن ذَلِكَ، كَما نُقِلَ عن ابنِ عُمَرَ أنه كان يَتَحَرَّى قَصْدَ المواضِعِ التي سَلَكَها النَّبِيُّ ﷺ ، وأن النَّبِي ﷺ سلكها اتِّفاقًا لا قَصدًا (١) . وَسُئِلَ الإِمامُ أحمدُ عن الرَّجُلِ يأتي هذه المَشاهِدَ، وَيَذْهَبُ إليها، تَرى ذَلِكَ؟ قَالَ: أمَّا على حَديثِ ابنِ أمِّ مَكْتوم أنه سَألَ النَّبِيَّ ﷺ أنْ يُصَلِّيَ في بيتِه حتى يَتَّخِذَ ذَلِكَ مُصَلَّى، وعلى ما كان يَفعَلُه ابنُ عُمَرَ، يتتبعُ مواضعَ النَّبِيِّ ﷺ وأثَرَه، فَلَيْس بِذَلِكَ بأسٌ أنْ يأتيَ الرَّجُلُ المَشاهِدَ، إلا أنَّ النَّاسَ قَدْ أفْرَطوا في هذا جِدًّا، وأكْثروا فيه (٢) . وَكَذلِكَ نَقَلَ عنه أحمدُ بنُ القاسمِ أنَّه سُئِلَ عن الرَّجُلِ يأتي هذه المَشاهِدَ التي بالمدينةِ وغيرِها يذهبُ إليها؟ فقالَ: أمَّا عَلى حديثِ ابنِ أمِّ مَكْتومٍ أنه سألَ النَّبِيَّ ﷺ أنْ يأتيَه، فيصليَ في بيتِه، حَتَّى يَتَّخِذَه مَسجدا، وَعَلى ما كان يَفَعَلُ ابنُ عُمَرَ، كان يَتتبَّعُ مواضعَ سَيْرِ النبي ﷺ ، حَتَّى أنه رُئيَ يَصُبُّ في موضِعٍ ماءً، فَسُئِلَ عن ذَلِكَ، فَقَالَ: «رأيتُ النَّبِيَّ ﷺ يَصُبُّ ههنا ماءً» ، قال: أمَّا على هذا فلا بأسَ به. قال: وَرَخصَ فيه، ثُمَّ قال وَلَكِنْ قد أفْرطَ النَّاسُ جدًّا، وَأكْثروا في هذا المعنى. فَذَكَرَ قَبرَ الحُسينِ وما يَفعلُ النَّاسُ عندَه. رواهما الخَلاَّلُ في كتابِ الأدَبِ. فَقَدْ فَصَّلَ أبو عبدِ اللهِ في المَشاهِدِ وهي الأمكنةُ التي فيها آثارُ الأنبياءِ والصَّالحينَ من غيرِ أنْ تكونَ مساجدَ لهم كمواضعَ بالمدينة بَيْنَ القليلِ الذي لا يَتَّخِذونَه عيدا، أو الكثيرِ الذي يَتَّخذونَه عيدًا كما تَقَدَّمَ. وهذا التَّفصيلُ جَمَعَ فيه بَيْنَ الآثارِ وأقوالِ الصحابة: فإنِّه قد رَوَى البُخاريُّ في صحيحه عن موسى بنِ عقبةَ قَالَ: "رأيت سالمَ بنَ عبدِ اللهِ يَتَحَرَّى أماكِنَ مِن الطَّريقِ، وَيُصلِّي فيها، وَيُحَدِّثُ
стр. 78
أنَّ أباه كان يُصلِّي فيها، وَأنَّه رأى النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي في تلكَ الأمْكِنَةِ"، فهذا كَما رَخَّصَ الإِمامُ أحمدُ. وأمَّا كراهَتُهُ، فَقَدْ رَوى سعيدُ بنُ منصورٍ في سُنَنِهِ قال: حَدَّثَنا أبو مُعاويةَ قال: حَدَّثَنا الأعْمشُ عن المَعْرورِ بنِ سُوَيْدٍ عن عُمَرَ قال: خَرَجْنا مَعَهُ في حجةٍ حجها، فَقَرَأ بِنا في الفجر بـ ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل: ١] و ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ [قريش: ١] في الثاَّنية، فَلَمَّا رَجَعَ مِنْ حَجَّتِهِ رَأى النَّاس ابْتَدَروا المَسْجدَ، فقال: ما هذا؟ فقالوا: مَسْجِدٌ صَلَّى رسولُ اللهِ ﷺ فيه، فقال: "هكذا هَلَكَ أهلُ الكتابِ قَبلَكم، اتَّخَذوا آثارَ أنبيائِهم بِيَعًا، مَنْ عَرَضَتْ لَهُ مِنْكُمُ الصَّلاةُ فيه فَلْيُصَلِّ، ومن لم تعرض له الصلاة فَلْيَمْضِ". فقد كَرِهَ عُمرُ اتِّخاذَ مُصلَّى النَّبِيِّ ﷺ عِيدًا، وَبَيَّنَ أنَّ أهلَ الكتابِ إنِّما هَلَكوا بِمثلِ هذا، كانوا يَتَّبِعونَ آثارَ أنبيائِهم، وَيَتَّخِذونها كنائسَ وَبِيَعًا (١) . وَرَوَى محمَّدُ بنُ وضَّاح وغيرُه: "أنَّ عمرَ بنَ الخَطَّابِ أمَرَ بقطعِ الشَّجَرَةِ التي بُويعَ تحتَها النَّبِيُّ ﷺ لأنَّ النَّاسَ كانوا يذهبونَ تحتها، فخافَ عمرُ الفتنةَ عليهم. وَمَا ذَكَرَه عُمَرُ هو الحَرِيُّ بِالقبولِ، وهو مذهبُ جُمهورِ الصَّحابة، غيرَ - ابنه- وهو الَّذي يَجبُ العملُ به، ويُعَوَّلُ عَلَيْهِ.
[اتخاذ السرج على القبور]
اتخاذ السرج على القبور (السابعة والسبعون) : اتَّخاذ السُّرُجِ على القُبورِ. دَليلُ حُرْمَة ذَلِكَ ما وردَ عن رَسُولِ الله ﷺ مِن الحديثِ الَّذِي سَبَقَ ذِكرهُ مِن لَعْنِ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ. وَلَيْتَكَ رَأَيْتَ ما يُوقَدُ في تُرَبِ أئِمَّةِ أهلِ البيتِ ونحوِها مِن الشُّموعِ، ولا سيما في لَيالي رَمَضانَ والليالي المُبارَكَةِ، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.
[اتخاذ القبور أعيادا]
اتخاذ القبور أعيادا (الثامنة والسبعون) : اتِّخاذُها أعْيادًا. اعْلَمْ أنَّ العِيدَ اسمٌ لِما يَعودُ مِن الاجْتِماعِ العامِّ على وَجْهٍ مُعْتادٍ عائدًا ما تَعودُ السَّنَةُ أوْ يَعودُ الأسبوعُ أو الشَّهرُ أو نَحْو ذَلِكَ (٢) فالعيد يَجمعُ أُمورا منها: يومٌ عائدٌ، كَيومِ الفِطْرِ، وَيَومِ الجُمُعَةِ. ومِنها
стр. 79
اجتِماع فيه. ومِنها: أعمالٌ تَجمع ذَلِكَ مِنَ العِباداتِ أوِ العاداتِ. وَقَدْ يَخْتَصُّ العيدُ بمَكانٍ بِعينه، وَقَدْ يكونُ مُطْلَقًا. هؤلاءِ مُسْلِمو أهلِ العراقِ، لِكُلِّ تُربة وليٍّ يوم مخصوصٌ يجتمعون فيه للزِّيارةِ، كزيارةِ الغَديرِ، وَمَرَدِّ الرَّأس. ومِنهم من خُصَّ له يومٌ من أيَّامِ الأسبوعِ، فالجمعةُ لِفلانٍ، والسبت لفلان، والثّلُاثاءُ لِفُلانٍ، وهكذا. وَمِن ذَلِكَ بعضُ الأيَّامِ والليالي المُباركَة، كَلَيْلَةِ القَدْرِ، وَأيَّامِ الأعْيادِ، وَلَيلة النِّصْفِ مِن شَعْبانَ، وَغيرِ ذَلِكَ، مِمَّا لَمْ ينزلِ الله بهِ مِن سُلْطانٍ.
[الذبح عند القبور]
الذبح عند القبور (التاسعة والسبعون) : الذَّبْحُ عندَ القُبورِ. قال الله تَعالى [الأنعام: ١٦٢-١٦٣] : ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ - لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣] أمَرَهُ الله تَعالى أنْ يُخْبِرَ المُشرِكينَ الذين يَعبدونَ غيرَ الله، ويَذبحونَ لَهُ، أي أنه أخلصَ لِلَّهِ صلاتَه وذبيحتَه؛ لأنَّ المُشرِكينَ يَعبدونَ الأصنامَ ويذبحونَ لَها، فَأمَرَهُ الله تعالى بِمُخالَفَتِهِم، والانحرافِ عمَّا هُم فيه، والانقيادِ بالقَصْدِ والنِّيّةِ والعزمِ على الإِخلاصِ لِلَّهِ تَعالى، فَمَن تَقَرَّبَ لغيرِ الله تعالى لِيَدفَعَ عنه ضَيرا، أو يَجْلِبَ لَه خَيرا، تَعظيما لَهُ، مِن الكُفْرِ الاعتقاديِّ والشِّرك الذي كان عليه الأوَّلون. وسببُ مشروعيَّةِ التّسَميَةِ تخصيصُ مِثلِ هذه الأمورِ العِظامِ بالإِلهِ الحَقِّ المعبودِ العلامِ، فإذا قُصِدَ بالذَّبحِ غيرُه، كان أولى بالمنعِ. وَصَحَّ نهيُهُ ﷺ عَمَّنِ اسْتأْذَنَهُ بالذَّبحِ بِبُوانَةَ، وأنه قد نَذَر ذَلِكَ، فقال له ﷺ : «أكانَ فيها صَنم؟ "، قَالَ: "لا"، قال: "فَهَل كان فيها عِيد مِن أعيادِ المُشرِكِينَ؟ "، قال: " لا"، قال: "فأوْفِ بنذرِكَ» . أخرج ذلك أبو داودَ في سُنَنِهِ. وهذا السَّائلُ مُوَحِّد مُقَرِّبٌ لِلَّهِ وحْدَه، لَكِنِ المكان الذي فيه معبود غيرُ الله، وَقَدْ عُدِمَ، أو مَحَلٌّ لاجْتِماعِهِم يَصْلُحُ مانِحًا، فلَمَّا عَلِمَ النَّبِيُّ ﷺ أنْ لَيَسْ هناك شَيء مِن ذَلِكَ، أجازَهُ، وَلَو عَلِمَ شَيْئًا مِمَّا سألَ عنه، لَمَنَعَهُ، صِيانَةً لحِمى التَّوحيدِ، وَقَطْعًا لذَريعَةِ الشِّركِ. وَصَحَّ- أيْضا- عنه ﷺ أنَّه قَالَ: «دَخَلَ الجَنَة رَجُلٌ في ذُباب، وَدَخَلَ النَّارَ رَجل في ذُباب "، قالوا: كيف ذلك يا رسولَ الله؟
стр. 80
قال: "مَرَّ رجُلانِ على قوم لهم صَنَمٌ لا يُجاوِزُهُ أحد حتى يُقَرِّبَ لَهُ شَيئا، قالوا لَهُ: قَرِّبْ وَلَوْ ذُبابا، فَقَرَّبَ ذبابا، فَخَلَّوا سبيلَه، فَدَخَلَ النّارَ، وقالوا للآخرِ: قَرِّبْ، قال: ما كنتُ أقرِّبُ شَيْئًا لأحَدٍ دونَ الله ، فَضَربوا عُنقهُ، فَدَخَلَ الجَنَّة» . ففي هذا الحديثِ من الفوائدِ: كَونُ المُقَرِّب دخل النَّارَ بالسَّببِ الذي لم يَقْصِدْ، بل فَعَلَه تَخَلُّصا مِن شَرِّهِم، وَأنهُ كان مُسْلِما، وإلا لَمْ يَقُلْ: دخل النَّارَ. وفيه ما يَنبغي الاهتمامُ بِهِ مِن أعمال القُلوبِ، التي هي المَقصودُ الأعظمُ والرُّكْنُ الأكبرُ. فَتَأمَّلْ في ذَلِكَ، وانظُرْ إلى فؤادِك في جميعِ ما قالوه، وَألْقِ سَمْعَكَ لِما ذَكَروهُ، وانظُر الحَقَّ، فإنَّ الحَقَّ أبْلَجُ والباطِلَ لَجْلج، فَبالنَّظَرِ التَّامِّ إلى ما كان عليه المُشرِكون مِن تَقَرُّبِهم لأوثانِهم؛ لِتُقَرِّبَهُمْ إلى الله؛ لِكونهِم شُفعاءً لهم عند الله، وشفاعتُهم بسبب أنَّهم رُسُلُ الله أو ملائكةُ الله أو أولياءُ الله، يتبينُ لك ما عليه النَّاسُ الآنَ، واللَّهُ المستعانُ.
[التبرك بآثار المعظمين]
التبرك بآثار المعظمين (الثمانون) : التَّبَرّكُ بآثارِ المعظمينَ، كَدارِ النَّدوَةِ، وافتِخار مَن كانت تحت يدهِ بِذَلِكَ. كما قيل لحكيمِ بنِ حِزامٍ: بعتَ مَكْرُمَةَ قريشٍ، فقال: "ذهبت المكارمُ إلا التقوى". هذه الخَصلةُ قدِ امْتَدَّت عروقُ ضَلالِها في أودِية قُلوبِ جَهَلَةِ المُسلِمينَ، وزادوا في الغُلُوِّ بِها عَلى ما كانَ عَلَيْهِ جاهِلِيةُ العربِ والكِتابِيِّينَ. ولا بِدْعَ مِن حكيم بنِ حزامٍ القريشيِّ الأسديِّ إذا ما ردَّ عَلى مَن قال له: بِعتَ مَكْرُمَةَ قريشٍ؟ وقد باعها مِن مُعاوِيَةَ بمائةِ ألفِ دِرهَمٍ: "ذهبت المَكارمُ إلا التقوى". كيفَ لا وقد كان عاقلا سرَيّا، فاضلا تَقيًّا، سَيِّدا بِمالِهِ غَنِيّا، أعتَقَ في الجاهِلِيَّةِ مائةَ رَقَبَةٍ، وَحَمَلَ عَلَى مائة بَعِيرٍ، وحَجَّ في الإِسلامِ ومعه مائةُ بَدَنَةٍ قَدْ جَلَّلَها بالحَبِرَةِ، وَكَفَّها عن أعجازِها، وأهداها، وَوَقَفَ بمائة وَصيفٍ بعرفةَ في أعناقِهِم أطواقُ الفِضَّةِ مَنْقوشٌ فيها: "عتقاءُ الله عن حكيمِ بنِ حِزامٍ "، وأهْدَى ألفَ شاةٍ، وهو الَّذِي عاش في الجاهِلِيَّةِ ستِّينَ سَنَةً، وفي الإِسلام ستِّينَ سَنَةً، وَوُلِدَ في الكَعْبَةِ.
стр. 81
[الفَخْر بِالأحْسابِ]
(الحادية والثمانون) : الفَخْر بِالأحْسابِ.
[الاسْتِسْقاءُ بالأنْواءِ]
(الثانية والثمانون) : الاسْتِسْقاءُ بالأنْواءِ.
[الطَّعْنُ في الأنسابِ]
(الثالثة والثمانون) : الطَّعْنُ في الأنسابِ.
[النِّياحَةُ]
(الرابعة والثمانون) : النِّياحَةُ. أقولُ: هذه المسائلُ الأربعُ دليلُ بُطلانِها حديثٌ واحدٌ، وهو ما رواه البخاريُّ ومُسْلِمٌ، واللفظُ لِمسلمٍ، بسنده إلى أبي مالكٍ الأشعَريِّ: أنَّ النَّبِيَّ، ﷺ حدثه قال: «أربع في أمَّتي من أمرِ الجاهِلِيةِ لا يترُكونَهُنَّ: الفخرُ في الأحسابِ، والطَّعنُ في الأنساب، والاسْتِسْقاءُ بالنجومِ، والنَّاحبةُ- أو قال: النَّائحَةُ- إذا لَمْ تَتُبْ قَبلَ مَوتها، تُقامُ يومَ القِيامةِ وعليها سربال مِن قَطِرانٍ، وَدِرْع مِن جَرَب» . الفخرُ في الأحسابِ: افتخارُهُم بِمَفاخِرِ الآباءِ. والطَّعْنُ في الأنسابِ: إدخالُهم العيبَ في أنسابِ النَّاسِ، تَحْقيرا لآبائِهم، وتَفْضيلا لآباء أنْفُسِهم على آباء غيرِهم، والاسْتِسْقاءُ بالنجُّوم: اعْتِقادُهُم نُزول المَطَرِ بِسُقوطِ نَجْمٍ في المغربِ مع الفجرِ، وطلوع آخَر يُقابلهُ من المشرقِ، فقد كانوا يَقولونَ: مُطِرْنا بِنَوءِ كَذا، وقالَ تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] وهذا مُفَصَّلٌ في كُتُبِ الأنْواءِ بِما لا مَزيدَ عَلَيْهِ. ومَعْنَى قوله في النَّائحَةِ: «وعليها سِرْبالٌ مِن قَطرانٍ» : أنَّ الله تَعالى يُجازيها بِلِباسٍ مِن قَطرانٍ لأنَّها كانت تَلْبَسُ الثيِّاب السُّودَ. وَقَولُهُ: «دِرْع مِن جَرَبٍ» ، يعني: يُسلَّطُ على أعضائها الجَرَبُ والحكَّةُ، بحيثُ يُغَطِّي بَدَنَها تَغطيَةَ الدِّرعْ- وهو القميصُ-؛ لأنَّها كانت تَجْرَحُ بكلماتِها المُحْرِقَةِ قُلوبَ ذَوي المُصيباتِ. فهذا الحديثُ دَل على بطلانِ ما كان عليه أهلُ الجاهِلِيَّةِ مِن هذِهِ الخصال الرَّديئَةِ. وورثتهم اليومَ مِن هذهِ الأمَّة، تَجاوَزوا فيها أسلافَهُم، وزادوا في الطَّنبورِ نغَماتٍ، فَترَاهم يَفْتَخرون بِمَزايا آبائِهم وهُمْ بمَراحِلَ عنهم، فهذا يقول: كان جَدِّي الشيخَ الفُلانيَّ، وهذا يقولُ: جدِّي العَالِمُ الرَّبَّانيُّ، إلى غيرِ ذَلِكَ. وكذلك الطَّعْنُ في الأنسابِ، فهذا يقولُ: إنَّ آباءَ فلانٍ لم يَكونوا مِن العترةِ الطَّاهرةِ، وذاك يقول: إن آباء فلان لم يكونوا من ذوي الأحساب الباهرة، وكذلِكَ الاسْتِسْقاءُ بالأنْواءِ، ولم يعتقدْ كثير مِنَ
стр. 82
النَّاسِ أنَّ ما كان [إنما هو] من فعلِ ربِّ الأرضِ والسَّماءِ. وهكذا النَّوحُ على الأمواتِ، فقد اتَّخَذَهُ كثيرٌ مِن النَّاسِ مِن أفضلِ الأعمال، وسببِ الوصولِ إلى مَرضاةِ ذي الجَلالِ، لا سِيَّما مَن اتَّخَذَ المآتِمَ الحُسَيْنيَّةَ في كلِّ عامٍ، فهناك مِنَ البدَعِ ما تكَلُّ عن نَقْلِه ألسنةُ الأقلامِ، والويلُ كل الويلِ لِمَن أنْكَرَ شَيْئا مِن ذَلِكَ، فإنَّهَم يُورِدونَه مَوارِدَ العَطَبِ والمَهالِكِ، والأمر لِلَّهِ، ولا حَولَ ولا قُوَّةَ إلا باللهِ.
[تعيير الرجل بفعل أمه وأبيه]
تعيير الرجل بفعل أمه وأبيه (الخامسة والثمانون) : تعْيِيرُ الرَّجُلِ بِفِعْلِ غَيرِهِ، لا سيَّما أبوه وأمّه. فَخالَفَهم ﷺ ، وقالَ: «أعَيَّرْتَهُ بأمِّهِ؟ إنَّكَ امرؤ فيكَ جاهِلِيةٌ» . والحديثُ في صحيح الإِمامِ البخاريِّ في بابِ "المعاصي مِن أمرِ الجاهِلِيَّةِ، ولا يَكْفُرُ صاحبُها بارْتكابِها إلا بالشِّركِ لِقولِ النَّبِيَّ ﷺ : «إنَّكَ امرؤ فيكَ جاهِلِيّةٌ» ، وقول الله تَعالى في سورة [النِّساءِ: ٤٨] : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] وهذا البابُ في كتابِ الإِيمان من صحيحِه، ثُمَّ قَالَ: "حَدَّثَنا سُليمانُ بنُ حَرْب، قالَ: حَدَّثَنا شُعْبَةُ عن واصلٍ عن المَعْرورِ، قال: لَقِيتُ أبا ذَر بالرَّبَذَةِ، وَعَلَيْهِ حُلَّة وعلى غلامِهِ حُلَّة، فسألتُهُ عن ذلكَ، فقالَ: «إني سابَبْتُ رَجلا، فَعَيَّرْتُهُ بأمِّهِ، فقالَ لي النَّبِيُّ ﷺ : "يا أبا ذرٍّ، أعَيَّرْتَهُ بأمِّهِ؟! إنَّكَ امرؤ فيكَ جاهِليةٌ، إخوانكُم خولُكُم، جعَلَهُمُ الله تَعالى تحتَ أيديِكُم، فمَن كان أخوه تحتَ يدِهِ، فَلْيطعِمْهُ مِمَّا يأكلُ، ولْيلبِسْهُ مِمَّا يلبسُ، ولا تكلِّفوهُم ما يغلِبُهم، فإن كلَّفْتُموهم، فأعينوهم» . وقد أطْنبَ شُرَّاحُ الحديثِ في شرحِهِ، وليس هذا موضع اسْتقصائِهِ، والمقصودُ منهُ أن تَعْييرَ الرَّجُلِ بِفعْلِ غيرِه ليس من شأنِ كاملِ الإِيمانِ والمعرفةِ، فإنَّ أبا ذر رضي الله تعالى عنه قَبْلَ بُلوغِهِ المَرْتَبَةَ القُصْوى مِنَ المعرفةِ تَسابَّ هو وبلال الحَبَشيُّ المُؤَذِّنُ، فقالَ لَهُ: "يا ابنَ السَّوداءِ"، فَلَمَّا شَكا بلال إلى رسول اللهِ ﷺ قال لَهُ: «شَتَمْتَ بِلالا، وعَيَّرْتَهُ بسوادِ أمِّهِ! "، قال: "نَعَمْ"، قال: "حَسِبْتُ أنَّهُ بقِيَ فيكَ
стр. 83
شَيْءٌ مِن كِبر الجاهلية» ، فَألقَى أبو ذرٍّ خَدَّهُ على التُّرابِ، ثُمَّ قالَ: "لا أرفَعُ خَدِّي حَتَّى يطأ بلالٌ خَدِّي بِقَدَمِهِ ". والنَّاسُ اليومَ- والأمرُ لِلَّهِ- قد كَثرُت فيهم خصالُ الجاهِلِيَّةِ، فَترَاهم يُعَيِّرونَ أهلَ البلدِ كلَّهم بِما صَدَر عن واحدٍ مِنهم، فأينَ ذلكَ مِن خصالِ الجاهِلِيَّةِ؟
[الافتخار بولاية البيت]
الافتخار بولاية البيت (السادسة والثمانون) : الافْتخار بِولايَةِ البيتِ. فَذَمَّهم الله تَعالى بقولِهِ: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٧] وهذه الآية في [سورة المؤمنين: ٦٦- ٦٧] وهي بتمامِها قولُه تَعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ - مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٦ - ٦٧] وَمَعْنى الآية على ما في التَّفسيرِ: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [المؤمنون: ٦٦] تعليلٌ لقوله قَبلُ [٦٥] : ﴿لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٥] أي: دَعوا الصُّراخَ، فإنّه لا يمنعكم منَّا، وَلا يَنفعُكم عِندنا، فقدِ ارْتكَبْتُم أمرًا عظيما، وإثما كبيرا، وهو التكذيبُ بالآياتِ، فلا يدفعُه الصُّراخ، فكنتم عند تلاوتِها: ﴿عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٦] أيْ: مُعرِضونَ عن سماعِها أشدَّ الإِعراضِ، فَضْلا عن تصديقِها والعملِ بها، والنُّكُوصُ: الرُّجوعُ، والأعقابُ: جمعُ عَقِبِ وهو مُؤَخَّرُ الرِّجْلِ، ورجوعُ الشَّخصِ على عَقبِهِ: رجوعُه في طريق الأوَّلِ، كما يقال: رَجَعَ عَوْدَه على بَدْئِه. ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾ [المؤمنون: ٦٧] أي: بالبيتِ الحرامِ، والباءُ لِلسَّبَبِيّة وسُوغ بهذا الإِضمارُ، مَعَ أنَّه لم يَجْرِ ذِكرُ اشتهار استبكارِهِم، وافتخارِهِم بأنَّهم خُدَّامُ البيتِ وقُوَّامُهُ. ﴿سَامِرًا﴾ [المؤمنون: ٦٧] أيْ: تسمرونَ بذكرِ القرآنِ والطَّعنِ فيه، وذلكَ أنَّهم كانوا يَجتمعون حول البيتِ يَسْمُرونَ، وكانت عامَّةُ سَمرِهم ذكرَ القرآنِ وتسميتَه سِحْرا أو شعرا ﴿تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٧] من الهجر- فتح فسكون - بمعنى القطع والترك، والجملة في موضع الحالِ، أيْ: تاركيِنَ الحَقَّ والقرآنَ أو النَّبِيَّ ﷺ عَلى تقديرِ عودِ الضميرِ (بِه) له، وجاءَ الهَجْرُ بمعنى الهَذَيانِ، وَجوِّزَ أنْ يكون المَعْنى عليه، أي. تَهْذونَ في شأنِ القرآنِ أو النَّبِيِّ ﷺ أو أصحابه، أو ما يعُمُّ جميعَ ذَلكَ، وَيجوزُ أنْ يكون
стр. 84
من الهُجْر- بضم فسكون- وهو الكلامُ القَبيحُ. فأنكرَ الله تَعالى عليهم بقولهٍ [٦٨] : ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ [المؤمنون: ٦٨] لِيَعْلَموا- بِما فيه من وُجوه الإِعجازِ- أنَّه الحَقُّ من ربِّهِم، فيُؤمنوا به ﴿أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٦٨] أي: بَلْ جاءَهُم إلخ. والمقصودُ أنَّ من خصالِ الجاهِلِيَّةِ التكَبُّرَ بسببِ الرِّئاسةِ على المواضعِ المُقَدَّسَةِ، كما هو- اليومَ- حالُ كثيرٍ ممَّن يَدَّعي الشَّرَفَ بسببِ ذلكَ، فمِنهم مَنِ ادَّعى الشرفَ على المُسلِمينَ بسببِ رِئاستِهِ على مكَّةَ والمدينةِ، ومِنهم مَنِ ادَّعاه بسببِ الرِّئاسة في المَشاهِدِ أو مقاماتِ الصَّالحينَ، وهؤلاءِ الذين يَدَّعونَ انتِسابَهم إلى عبد القادرِ الجيلاني في بغدادَ يدَّعون الشَّرَفَ بسببِ رياستِهم على قبرِ عبدِ القادر، واستيلائِهم علىَ النُّذورِ والصَّدَقاتِ والذَّبائح والقرابين الشِّرْكيَّةِ، التي يَتَعَبَّدُها بها جَهَلَةُ المُسلِمين مِنَ الهُنودِ والأكْرادِ ونحوِهِم، وهُمْ (١) أفْسَقُ خَلْقِ الله، وأدْناهم نَفْسًا، وأرْذَلُ خَلْقِ الله مَسْلَكا، فما يفيدُهم ذلك عند الله شَيْئا، وما ينْجيهم مِنْ مَقْتِ الله وعذابه، وإنْ ظَنَّ بِهِمُ العوَامُّ ما ظَنُّوا، فَهم عند الله وعند عبادِهِ الصَّالحينَ أحقرُ من الذَّرّ، وأبعدُهم عن رحمتِهِ يومَ القِيامة.
[الافْتِخار بِكَوْنِهِم مِنْ ذُرِّيَّةِ الأنبياءِ]
الافْتِخار بِكَوْنِهِم مِنْ ذُرِّيَّةِ الأنبياءِ (السابعة والثمانون) : الافْتِخار بِكَوْنِهِم مِنْ ذُرِّيَّةِ الأنبياءِ ﵈. فَرَدَّ الله عليهم بقولِهِ: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٣٤] هذه الآية في آخِرِ الجُزءِ الأوَّلِ من [سورة البقرة: ١٣٤- ١٤١] وتفسيرُها: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ [البقرة: ١٣٤] الإِشارةُ إلى إبراهيم ﷺ وأولاده في قولِهِ [١٣٠] : ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠] إلخ. و"الأمَّة" أتَتْ لِمَعانٍ، والمرادُ بها- هنا- الجَماعةُ، مِن "أمَّ "، بمعنى قَصَدَ، وَسُمِّيَتْ كُلُّ جماعة يَجْمَعُهُم أمرٌ ما: إمَّا دِينٌ واحدٌ، أو زمانٌ واحدٌ، أو مكان، بذلك؛ لأنَّهم يَؤُمُّ بعضُهم بعضا، وَيَقْصدُهُ. والخُلُوُّ: المُضِيُّ؛ وأصلُه الانفرادُ. ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ١٣٤] والمَعْنى: إنَّ انتِسابَكم إليهم لا يوجِبُ انتفاعَكم بأعمالِهم، وإنَّما
стр. 85
تنتَفِعونَ بموافقتِهم واتِّباعِهم، كما قال ﷺ : «يا مَعْشَرَ قُريشٍ، إنَّ أوْلى النّاسِ بالنّبيِّ المُتّقَونَ، فَكونوا بِسَبيلٍ مِن ذَلِكَ فانظُروا أنْ لا يَلقاني النّاسُ يَحْمِلون الأعمالَ، وتَلْقَوني بالدُنيا، فَأصُدَّ عنكم بوجْهي» . وهذا الحديثُ بمعنى قوله تَعالى [الحجرات: ١٣] : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣] ومَعْنى قوله: ﴿وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٣٤] لا تُؤاخَذونَ بِسَيئاتِهم، كما لا تُثابونَ بحسناتِهم. وهذه الخَصلةُ موجودة اليومَ في كثيرٍ مِن المسلمينَ، ورأسُ مالِهِم الافتخارُ بالآباءِ، فَمِنهم مَن يقولُ: أنا مِن ذُرِّيّة عبدِ القادرِ الجيلانيِّ، ومِنهم مَن يقولُ: أنا مِن ذُرية أحمدَ الرِّفاعيِّ، ومِنهم مَن يقولُ: أنا بكريٌّ، ومنهم من يقول: أنا عُمَريّ، ومنهم من يقول: أنا عَلَويّ أو حَسَنِيٌّ أو حُسَينيّ، ولا فضيلةَ لهم ولا تَقْوى، وكلُّ ذلك لا ينفعُهم ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ - إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨ - ٨٩] ورسول الله ﷺ يقول لفاطمة: «يا فاطمةُ بنتَ محمَّدٍ، لا أغني عنكِ مِن الله شَيْئًا» وما قَصَدَ أولَئك المُفْتَخِرينَ بآبائِهِم- وهم عارونَ عن كُلِّ فضيلةٍ - إلا أكل أموالِ النَّاسِ بالباطلِ، وفي المثل: "كُنْ عِصاميًّا، وَلا تكنْ عِظاميًّا".
إنَّ الفَتَى مَن يقولُ ها أنا ذا ... لَيْسَ الفَتَى مَنْ يقولُ كانَ أبي
ولِلَّهِ دَرُّ مَن قال يَرُدُّ على المفتخِرِ بِذَلِكَ:
أقولُ لِمَن غَدا في كُلِّ يومٍ ... يُباهينا بأسلافٍ عِظامِ
أتَقْنَعُ بالعِظامِ وأنتَ تَدْري ... بأنَّ الكَلبَ يَقْنَعُ بالعِظام
وقال آخَرُ:
وما الفَخْرُ بالعَظْمِ الرَّميمِ وإنَّما ... فخارُ الذي يَبْغي الفَخار بِنَفْسِهِ
[الافتخار بالصنائع]
الافتخار بالصنائع (الثامنة والثمانون) : الافْتِخارُ بِالصَّنائِعِ، كَما افْتَخَرَ أهلُ الرحلتينِ على أهلِ الحَرْثِ. يُريدُ بِالرِّحلَتَينِ: رِحْلَةَ الشِّتاءِ إلى اليَمَنِ، وَرِحْلَةَ الصَّيْفِ إلى الشَّامِ، وَهِي
стр. 86
عادَةٌ كانتْ لِقُريشٍ، كَما ذُكِرَ في سورةِ الإِيلافِ. والمقصودُ أنَّه لا يَنبغي للتَّاجر أنْ يَفْتَخِرَ بِتِجارته على أهل الحرث، ولا أهلِ كلِّ حِرفةٍ على المُحْتَرفينَ بِحِرْفَةٍ أخْرى، فإنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِنَ المكاسِبِ الدُّنْيَويَّةِ التي يَوَصَّلُ بها إلى عِبادةِ الله، وطاعتِه، وامتثالِ أوامرِه، واجتنابِ نواهِيهِ، لِيتوَصَّلَ بِذَلِكَ إلى النَّجاةِ الأبديَّةِ، وهي مدارُ الفخرِ. وأمَّا ما سِوَى ذَلِكَ فَكُلُّهُ ظِلٌّ زائِلٌ ونَعيمٌ غيرُ مُقيمٍ، فلا يَنبغي لِلعاقِلِ أنْ يَفْخَرَ بِزَخارِفِ الدُّنيا الدَّنيئَةِ، ولا يَعْلَمُ مَتى يُفارِقُها. نَسأله تَعالى التوفيقَ، والعملَ الصالحَ الذي يُرضِيهِ.
[عظمة الدنيا في قلوبهم]
عظمة الدنيا في قلوبهم (التاسعة والثمانون) : عَظَمَةُ الدُّنيا في قُلوبِهم. كَقَولهم: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] أيْ: مِن خِصال الجاهلية مُراعاةُ الدُّنْيا، وعَظَمَتها في قُلوبِهم، كَما حَكى الله عنهم ذلكَ بقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ - وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ - أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: ٣٠ - ٣٢] هذه الآية في [الزخرف: ٣٠-٣٢] ، وَمَوْضِعُ الاسْتِشهادِ فيها قولُه: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] المُرادُ مِنَ القَريتينِ: مكَّةُ والطَّائفُ. قال ابنُ عبَّاسٍ: "الذي مِن مكَّةَ: الوليدُ بنُ المُغيرةِ المَخزوميُّ، والذي مِن الطَّائفِ: حَبيب بنُ عمرِو بنِ عُمَيرٍ الثقَّفيُّ، وكُلّ مِنهما كان عَظيما، ذا جاهٍ ومالٍ، وكان الوليدُ بنُ المغيرةِ يُسَمَّى "رَيْحانةَ قريشٍ "، وكانَ يقولُ: لو كانَ ما يقولُ محمَّدٌ حقّا لَنَزَلَ عَليَّ أو على أبي مَسعودٍ، يعني عُروةَ بنَ مسعودٍ، وكان يُكنى بِذَلِكَ. وهذا بابٌ آخَرُ من إنكارِهِم للنُّبُوَّةِ، وذَلِكَ أنَّهم أنكَروا أوَّلا أنْ يكونَ النَّبِيُّ بَشَرا، ثُمَّ لَمَّا بُكِّتوا بِتكريرِ الحُجَجِ، ولم يَبْقَ عندهم تصوُّرُ رَواجِ لِذَلِكَ، جاءوا بالإِنكارِ مِن وجهٍ آخَرَ، فَحَكَموا على الله سُبحانه أنْ يَكونَ الرَّسولُ أحَدَ هذينِ. وقولُهُم: ﴿هَذَا الْقُرْآنُ﴾ [الزخرف: ٣١] ذِكْرٌ لهُ على وَجهِ الاسْتِهانة،
стр. 87
لأنَّهم لم يَقولوا هذهِ المَقالةَ تسليما، بَل إنكارًا، كَأنَّه قيلَ: هذا الكذبُ الذي يَدَّعيه، لَوْ كانَ حَقّا، لكانَ الحَقيقَ به رجلٌ مِن القَريتينَ عَظيم. وَهَذَا منهم لِجَهْلِهم بأنَّ رتبةَ الرِّسالةِ إنَّما تَستدعي عظيمَ النَّفسِ بالتَّخَلِّي عن الرَّذائلِ الدَّنِيَّةِ، والتَّحَلِّي بِالكمالاتِ والَفضائلِ القُدْسِيَّة، دونَ التَّزخْرُفِ بِالزَّخارِفِ الدُّنْيَويَّةِ. فَأنْكَرَ سُبحانَه عَلَيْهم بِقولهِ: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: ٣٢] وفيهِ تَجْهيلٌ وَتَعْجيب مِن تَحَكُّمِهم بِنزولِ القرآنِ العَظيمِ على مَن أرادوا. ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف: ٣٢] قِسمةً تَقْتَضيها مشيئَتُنا المَبنيَّةُ على الحِكمِ والمَصالحِ، ولم نُفَوِّضْ أمرَها إلَيْهم، عِلمًا مِنَّا بعَجْزِهِم عَن تَدبيرِها بالكُلِّيَّةِ. ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ﴾ [الزخرف: ٣٢] في الرِّزْقِ وسائرِ مبادئ العَيْشِ. ﴿دَرَجَاتٍ﴾ [الزخرف: ٣٢] مُتَفاوِتَة بِحَسَبِ القُربِ والبُعدِ حَسْبَما تَقتضيه الحِكْمَة، فَمِن ضعيفٍ وقويٍّ، وَغنيٍّ وفقيرٍ، وخادم ومخدومٍ، وحاكمٍ ومحكومٍ. ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف: ٣٢] لِيَستعملَ بعضهم بعضا في مصالحِهِم، ويَسْتخدِموهم في مِهَنِهم، وَيُسَخِّروهم في أشغالِهم، حَتَّى يَتَعايَشوا، ويَتَرافدوا، وَيَصِلوا إلى مرافِقهم، لا لكمالٍ في المُوَسَّع عَلَيْهِ، ولا لِنَقصٍ في المُقَتَّر عَلَيْهِ، وَلَوْ فَوَّضْنَا ذَلِكَ إلى تدبيرِهِم لَضاعوا وَهَلَكوا، فإذا كانوا في تدبير خُوَيْصةِ أمرِهم، وما يُصْلِحُهُم مِن مَتاع الدُّنْيا الدَّنِيَّةِ وهو على طَرَف الثُّمامِ بهِذِهِ الحالة، فما ظَنُّهُم بِأنْفُسِهم في تدبيرِ أنفسِهم، وفي تدبيرِ أمرِ الدِّينِ، وهو أبعدُ مِن مَناطِ العَيُّوقِ، ومِن أينَ لهمُ البحثُ في أمرِ النُّبُوَّةِ، والتَّخَيُّر لها مَن يَصلُحُ لها، ويقومُ بأمرِها. وفي قوله تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا﴾ [الزخرف: ٣٢] إلخ ما يُزَهِّدُ في الانكبابِ على طَلَبِ الدّنيا، ويُعينُ على التَّوكُّلِ على الله ، والانقطاع إليهِ ﷻ .
فاعْتَبِرْ "نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ " ... تلْقَهُ حَقًّا وَبِالْحَقِّ نَزَلَ
﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: ٣٢] أيْ: النُّبُوَّةُ وَما يَتْبَعُها مِن سَعادةِ الدَّارَيْنِ خَيْر مِمَّا يَجْمَعونَه مِن حُطامِ الدنيا الدَّنِيّة، فالعظيمُ مَن رُزِقَ تلكَ الرَّحْمةَ دونَ ذَلِكَ الحُطامِ الدَّنِيءِ الفاني. وَأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ كثيرا مِنَ النَّاس اليومَ على ما كانَ عليه أهلُ الجاهِلِيَّةِ في هذهِ الخَصْلَة، فَترَاهم لا يَعْتَبِرونَ العِلمَ إذا كانَ صاحِبُه فقيرَ الحالِ،