نكاحه حالا.
وإذا سبي زوجان أو أحدهما انفسخ النكاح بينهما لما في خبر مسلم أنهم لما امتنعوا يوم أوطاس من وطئ المسبيات المتزوجات نزل * (والمحصنات) * أي المتزوجات * (من النساء إلا ما ملكت أيمانكم) *.
(١) فحرم الله تعالى المتزوجات إلا المسبيات.
فرع: لو ادعى أسير قد أرق إسلامه قبل أسره لم يقبل في الرق ويجعل مسلما من الآن ويثبت بشاهد وامرأتين ولو ادعى أسير أنه مسلم، فإن أخذ من دارنا صدق بيمينه أو من دار الحرب فلا (وإذا أرق) الحربي
ــ
بسبي الام مع الحكم بإسلامه تبعا لابيه، ولكن لا يبطل إسلامه رقه كالمنفصل.
(وقوله: عن الاسترقاق) متعلق بيعصم المقدر بعد كذا.
(قوله: لا زوجته) يعني أن إسلام الكافر لا يعص زوجته عن الاسترقاق ولو كانت حاملا لاستقلالها.
فإن قيل: إذا عقد الكافر الجزية، عصم زوجته الموجودة حين عقد الجزية عن استرقاقها، فكان الاسلام أولى بذلك.
(أجيب) بأن الزوجة تستقل بالاسلام، فلا تجعل فيه تابعة، لان ما يمكن إستقلال الشخص به لا يجعل فيه تابعا لغيره، ولا تستقل ببذل الجزية فتجعل فيه تابعة، لأن ما لا يمكن إستقلال الشخص به يجعل فيه تابعا لغيره.
(قوله: فإذا سبيت) أي زوجته.
(وقوله: ولو بعد الدخول) غاية لقوله انقطع نكاحه: أي ينقطع النكاح، ولو كان السبي حصل بعد الدخول بها، وهي للرد على القائل بأنه إن كان السبي بعد الدخول بها إنتظرت العدة، فلعلها تعتق فيها
فيدوم النكاح كالردة.
(قوله: انقطع نكاحه حالا) أي انفسخ نكاحه حالا: أي حال السبي، وذلك لامتناع إمساك الامة الكافرة في نكاح المسلم، كما يمتنع إبتداء نكاحها.
(قوله: وإذا سبي زوجان أو أحدهما) أي وكانا حرين، أو أحدهما حرا فقط، ورق بأن كان غير مكلف، أو أرقه الامام بأن كان مكلفا.
أما لو كانا رقيقين، سواء سبيا أم أحدهما، فلا ينقطع نكاحهما: إذ لم يحدث رق، وإنما انتقل الملك من شخص إلى آخر، وذلك لا يقطع النكاح، كالبيع والهبة.
(قوله: إنفسخ النكاح بينهما) محله في سبي زوج صغير أو مجنون أو مكلف إختار الامام رقه، فإن من عليه، أو فادى به، إستمر نكاحه حيث لم يحكم برق زوجته، بأن سبي وحده وبقيت بدار الحرب.
(قوله: لما في خبر مسلم الخ) دليل لانفساخ النكاح بينهما إذا سبيا أو أحدهما.
(قوله: أنهم) أي الصحابة، وهو بيان لما في خبر مسلم.
(قوله: يوم أوطاس) بفتح الهمزة كما في المختار.
وقال ق ل: هو بضم الهمزة أفصح من فتحها: اسم واد من هوازن عند حنين.
اه.
(قوله: من وطئ المسبيات المتزوجات) أي اللائي كن متزوجات قبل السبي.
(قوله: والمحصنات) أي وحرمت عليكم المحصنات، فهو معطوف على ما قبله في الآية.
(قوله: فحرم الله تعالى المتزوجات إلا المسبيات) أي واستثنى منهم من سبي منهن، فأحل نكاحهن، وهذا يدل على أنه ينفسخ بالسبي النكاح، وإلا لم يحل نكاحهن.
(قوله: فرع) الأولى فرعان.
(قوله: لو ادعى أسير) أي كامل إذ الدعوى لا تسمع إلا منه، وإنما ادعى ذلك لأجل أن لا يصح سبيه، فلا يصح إسترقاقه.
(قوله: قد أرق) أي قد اختار الامام رقه، ومفهومه أنه إذا ادعاه قبل أن يرق يقبل حتى بالنسبة للرق فانظره.
(قوله: لم يقبل في الرق) أي لم يقبل ما ادعاه بالنسبة للرق، فيستدام الرق الذي اختاره الإمام فيه، أما بالنسبة للقتل والمفاداة فيقبل.
(قوله: ويجعل مسلما الآن) أي ويحكم بإسلامه من وقت دعواه ذلك.
(قوله: ويثبت إلخ) هذا كالتقييد لقوله لم يقبل: أي أن محل عدم قبوله إذا لم يثبت إسلامه الذي ادعاه بالبينة، فإن ثبت بها، وهي رجل وامرأتان، قبلت فلا يصح أسره ولا استرقاقه ولا غير ذلك.
(قوله: ولو ادعى أسير أنه مسلم) تأمله، فإن كان المراد أنه ادعى إسلامه قبل أسره، فهو عين ما قبله: وإن كان المراد بعد أسره، فانظر لم فصل فيه بقوله فإن أخذ من دارنا الخ.
ولم يفصل فيما إذا ادعى أنه أسلم قبل الاسر؟ والظاهر أن المراد الاول، وقصده بيان تقييد قوله فيما تقدم، لم يقبل
стр. 1402
(وعليه دين) لمسلم أو ذمي (لم يسقط) وسقط إن كان لحربي، ولو اقترض حربي من حربي أو غيره أو اشترى منه شيئا ثم أسلما أو أحدهما يسقط لالتزامه بعقد صحيح.
ولو أتلف حربي على حربكي شيئا أو غصبه منه فأسلما أو أسلم المتلف فلا ضمان لانه لم يلتزم شيئا بعقد حتى يستدام حكمه ولان الحربي لو أتلف مال مسلم أو ذمي لم يضمنه فأولى مال الحربي.
ــ
في الرق المقتضي قبوله بالنسبة لغير الرق.
(قوله: ويجعل مسلما من الآن) بما إذا أخذناه من دارنا، فإن أخذناه من
دارهم فلا يقبل مطلقا، ولا يحكم عليه بالاسلام، لكن كان المناسب والأخصر في التعبير، حيث كان هذا هو المراد، أن يقول بعد قوله ويجعل مسلما من الآن إن أخذناه من دارنا، فإن أخذناه من دارهم فلا.
وفيه أن هذا يقتضي أنهم يجوز قتلهم إذا أخذناهم من ديارهم، ولو قالوا: نحن مسلمون فانظره.
ثم رأيت ع ش بحث في ذلك واختار استفسارهم.
وعبارته.
فرع: لو أسر نفر فقالوا: نحن مسلمون أو أهل ذمة، صدقوا بأيمانهم إن وجدوا في دار الإسلام.
وإن وجدوا في دار الحرب لم يصدقوا.
جزم به الرافعي في آخر الباب.
اه.
سم على منهج.
وقضية عدم تصديقهم جواز قتلهم مع قولهم نحن مسلمون، وقد يقال، القياس إستفسارهم، فإن نطقوا بالشهادتين تركوا، وإلا قتلوا إلخ.
اه.
(قوله: وإذا أرق الحربي) بالبناء للمجهول: أي وإذا أرق الامام أو أمير الجيش الحربي.
(قوله: وعليه دين لمسلم أو ذمي) مثل من عليه دين، من له الدين، فإذا أرق، فإن كان دينه على مسلم أو ذمي لم يسقط، وإن كان على حربي سقط.
والحاصل، صور لمقام ستة، لانه إذا أرق من عليه الدين، إما أن يكون دينه لمسلم أو ذمي أو حربي، وإذا أرق من له الدين، إما أن يكون من عليه الدين مسلما أو ذميا أو حربيا.
ولا يسقط في هذه الصور كلها، إلا دين حربي على مثله إذا أرق أحدهما.
(قوله: لم يسقط) أي الدين، فيقضي من ماله إن غنم بعد رقه، وإن زال ملكه عنه بالرق قياسا للرق على الموت، فإن غنم قبل رقه أو معه لم يقض منه، فإن لم يكن له مال، أو لم يقض منه، بقي في ذمته إلى أن يعتق فيطالب به.
اه.
شرح المنهج.
(قوله: وسقط) أي الدين إن كان لحربي مفهوم قوله: لمسلم أو ذمي.
والفرق بين الحربي وغيره، أن مال الاول غير محترم، بخلاف الثاني.
(قوله: ولو اقترض حربي من حربي) أي أو كان له عليه دين معاوضة كصداق.
(قوله: أو غيره) بالجر معطوف على حربي المجرور بمن: أي أو اقترض حربي من غير الحربي، من مسلم أو ذمي أو معاهد أو مستأمن.
(قوله: أو اشترى) أي الحربي.
(وقوله: منه) أي حربي آخر.
(قوله: ثم أسلما) أي الحربيان معا أو مرتبا، أو أعطيا الجزية، أو أخذا أمانا.
وعبارة المنهج: ثم عصم أحدهما بإسلام أو أمان مع الآخر أو دونه.
اه.
(قوله: لم يسقط) أي الدين الملتزم بعقد القرض أو الشراء.
(قوله: لالتزامه) أي الدين، وهو علة لعدم السقوط.
(وقوله: بعقد صحيح) أي وهو القرض أو البيع.
(قوله: ولو أتلف) مفهوم قوله: إقترض أو اشترى المقتضي وجود عقد: إذ الاتلاف لا
عقد فيه.
(وقوله: على حربي) ليس بقيد كما يفهم من قوله الآتي، ولو أتلف مال مسلم أو ذمي لم يضمنه.
(قوله: فأسلما) أي الحربيان معا أو مرتبا.
(قوله: أو أسلم المتلف) في شرح الروض وكإسلامهما إسلام أحدهما، وتقييد الاصل بإسلام المتلف لبيان محل الخلاف.
اه.
(قوله: فلا ضمان) أي على المتلف.
(قوله: لأنه) أي المتلف لم يلتزم: أي في ذمته شيئا بعقد.
(وقوله: حتى يستدام حكمه) أي حكم الملتزم بالعقد، وهو الضمان.
وأفهم التعليل المذكور أن ما اقترضه المسلم أو الذمي من الحربي يستحق المطالبة به، وإن لم يسلم لالتزامه بعقد.
أفاده ع ش.
(قوله: ولان الحربي الخ) معطوف على لأنه لم يلتزم الخ.
(قوله: فأولى مال الحربي) أي فمال الحربي المتلف أولى
стр. 1403
فرع: لو قهر حربي دائنه أو سيده أو زوجه ملكه ارتفع الدين والرق والنكاح وإن كان المقهور كاملا، وكذا إن كان القاهر بعضا للمقهور ولكن ليس للقاهر بيع مقهوره البعض لعتقه عليه خلافا للسمهودي.
مهمة: قال شيخنا في شرح المنهاج: قد كثر اختلاف الناس وتأليفهم في السراري والارقاء المجلوبين من الروم والهند.
وحاصل معتمد مذهبنا فيهم أن من لم يعلم كونه غنيمة لم تتخمس ولم تقسم يحل شراوه وسائر التصرفات فيه لاحتمال أن آسره البائع له أولا حربي أو ذمي فإنه لا يخمس عليه وهذا كثير لا نادر، فإن تحقق أن آخذه مسلم بنحو سرقة أو اختلاس لم يجز شراوه إلا على الوجه الضعيف أنه لا يخمس عليه فقول جمع متقدمين ظاهر الكتاب والسنة والاجماع على منع وطئ السراري المجلوبة من الروم والهند إلا أن ينصب
ــ
بعدم الضمان.
(قوله: لو قهر حربي دائنه) أي لو قهر حربي مديون دائنه الحربي.
(وقوله: أو سيده) أي أو قهر عبد حربي سيده الحربي.
(وقوله: أو زوجة) أي أو قهر حربي زوجه، أي زوجته فإطلاق الزوج بلا تاء على المرأة هو القياس.
ومثله ما لو قهرت امرأة زوجها.
(قوله: ملكه) أي ملك القاهر المقهور.
(وقوله: وارتفع الدين) أي سقط بالنسبة للصورة الأولى.
(قوله: والرق) أي وارتفع الرق بالنسبة للصورة الثانية.
(قوله: والنكاح) أي وارتفع النكاح بالنسبة للصورة الثالثة.
(قوله: وإن كان المقهور كاملا) أي ملكه وارتفع ما ذكر، وإن كان المقهور كاملا ببلوغ وعقل وحرية وذكورة.
قال في شرح الروض: قال الامام: ولم يعتبروا في القهر قصد الملك، وعندي لا بد منه، فقد يكون للاستخدام أو غيره.
اه.
(قوله: وكذا إن كان القاهر بعضا للمقهور) أي وكذا يملكه إن كان القاهر ولدا للمقهور، أو والدا له.
فمراده بالبعض ما يشمل الاصل والفرع، وإن كان في إطلاقه على الاصل تسمح.
(قوله: ولكن ليس للقاهر) أي الأصل أو الفرع.
(قوله: بيع مقهوره البعض) أي الأصل أو الفرع.
(قوله: لعتقه عليه) أي بعد ثبوت الملك بالقهر يعتق عليه.
(قوله: خلافا للسمهودي) مقتضى السياق أنه يخالف في عدم جواز البيع.
(قوله: مهمة) أي تتعلق بما يسبى من بلاد الروم ونحوها.
وحاصل الكلام على ذلك أنه إن كان حرا مسلما، فلا يصح سبيه، ولا استرقاقه كما مر، وإن كان كافرا، فإن علم أن السابي له كافر صح سبيه واسترقاقه وجاز شراؤه وسائر التصرفات فيه، أو علم أنه مسلم سباه باختلاس أو نهب أو غير ذلك، فإن علم أن الامام خمسه كسائر أموال الغنيمة، أو قال كل من أخذ شيئا فهو له.
فكذلك يصح شراؤه وسائر التصرفات قطعا.
وإن علم أنه لم يخمسه، أو لم يقل ذلك، فلا يصح شراؤه ولا سائر التصرفات قطعا.
ووقع الخلاف
فيما إذا احتمل أن السابي كافر، واحتمل أنه مسلم، والمعتمد أنه يصح شراؤه للاحتمال الاول.
(قوله: في السراري) جمع سرية.
(وقوله: والارقاء) معطوف على ما قبله، من عطف العام على الخاص.
(قوله: المجلوبين) أي المأخوذين.
(قوله: من الروم والهند) أي ونحوهما، كالترك والسودان.
(قوله: وحاصل معتمد مذهبنا فيهم) أي في السراري والأرقاء المجلوبين من الروم والهند.
(قوله: أن من لم يعلم كونه غنيمة لم تتخمس ولم تقسم) أي بأن علم أنه غنيمة تخمست وقسمت أو جهل ذلك.
(قوله: يحل شراؤه) أي من لم يعلم كونه غنيمة، لم تتخمس ولم تقسم.
(قوله: وسائر التصرفات فيه) أي ويحل فيه سائر التصرفات، كالهبة والعتق والرهن والاجارة.
(قوله: لاحتمال الخ) علة لحل ذلك: أي وإنما حل شراؤه، لاحتمال أن الذي أسره حربي أو ذمي.
(قوله: فإنه لا يخمس عليه) علة للعلة: أي وإنما حل شراؤه إذا احتمل أن سابيه حربي أو ذمي، لان مأسور الحربي أو الذمي لا يخمسه الامام عليه، بل يستقل به، لكونه ليس غنيمة للمسلمين.
(قوله: وهذا) أي كون الآسر له حربيا أو ذميا، كثير لا نادر.
(قوله: فإن تحقق أن آخذه مسلم) أي وأنه لم يخمسه الامام ولم يقسمه.
وهذا مفهوم قوله من لم يعلم كونه الخ.
(وقوله: بنحو سرقة) متعلق بآخذه.
(قوله: لم يجز شراؤه) أي لانه غنيمة للمسلمين، وهي لا تملك إلا بعد التخميس والقسمة.
(قوله: أنه لا يخمس عليه) أن وما بعدها في تأويل مصدر بدل من الوجه الضعيف، أو عطف بيان.
(قوله: فقول جمع
стр. 1404
من يقسم الغنائم ولا حيف يتعين حمله على ما علم أن الغانم له المسلمون وإنه لم يسبق من أميرهم قبل الاغتنام من أخذ شيئا فهو له لجوازه عند الائمة الثلاثة.
وفي قول الشافعي بل زعم التاج الفزاري أنه لا يلزم الامام قسمة الغنائم ولا تخميسها، وله أن يحرم بعض الغانمين، لكن رده المصنف وغيره بأنه مخالف للاجماع وطريق من وقع بيده غنيمة لم تخمس ردها لمستحق علم، وإلا فللقاضي كالمال الضائع - أي الذي لم يقع اليأس من صاحبه - وإلا كان ملك بيت المال فلمن له فيه حق الظفر به على المعتمد.
ومن ثم كان المعتمد كما مر أن من وصل له شئ يستحقه منه حل له أخذه وإن ظلم الباقون.
نعم: الورع لمريد التسري أن يشتري ثانيا
ــ
إلخ) مبتدأ خبره جملة يتعين حمله الخ، وهذا جواب شرط مقدر تقديره.
وإذا علمت أن حاصل معتمد مذهبنا ما ذكر من التفصيل فقول جمع الخ.
(قوله: ظاهر إلخ) مبتدأ خبره الجار والمجرور بعده، والجملة مقول القول.
وفي التحفة تظاهر بصيغة الماضي بمعنى اتفق.
(وقوله: على منع وطئ السراري) أي على حرمة ذلك لعدم صحة شرائهن.
(قوله: إلا أن ينصب الخ) أي إلا أن يولي الإمام من يقسم الغنائم، فإن ولي فلا منع.
(وقوله: ولا حيف) أي ولا جور وظلم موجود في القسمة، بأن يعطى كل ذي حق حقه، أما إذا وجد حيف، بأن أعطى بعض الغانمين وحرم الباقين، فيمتنع وطؤهن.
(قوله: يتعين حمله) أي القول المذكور.
(وقوله: على ما علم) أي تيقن أن الغانم له: أي للمذكور من السراري المسلمون.
(قوله: وأنه لم يسبق) أي وعلم أنه لم يسبق إلخ.
(قوله: من أخذ شيئا فهو له) فاعل يسبق.
أي لم يسبق من أميرهم هذا اللفظ.
(قوله: لجوازه) أي لجواز أن يسبق من الامير المذكور ذلك: أي صحته عند الأئمة الثلاثة.
وعبارة المؤلف في آخر باب الزكاة: ولا يصح شرط الإمام من أخذ شيئا فهو له، وفي قول يصح وعليه الائمة الثلاثة.
اه.
وإذا
جاز قول الامير المذكور، جاز الاخذ بقوله - كما في الرشيدي - وعبارته: إذ بقوله المذكور كل من أخذ شيئا اختص به، أي عند الأئمة الثلاثة، لا عند الشافعي، إلا في قول ضعيف له.
اه.
وإذا جاز الاخذ بقول الامير، لصحته عند الأئمة الثلاثة، فيصح وطئ السراري، ويبطل قول جمع ظاهر الكتاب الخ، إلا أن يحمل على ما ذكره المؤلف.
(قوله: وفي قول الشافعي) معطوف عل عند الأئمة الثلاثة، أي ولجوازه في قول ضعيف للشافعي.
(قوله: بل زعم التاج الفزاري الخ) وعليه فيحمل وطئ السراري مطلقا لصحة شرائهن.
(قوله: وله أن يحرم الخ) معطوف على اسم إن وخبرها: أي وزعم الفزاري أن للامام أن يحرم إلخ.
(قوله: لكن رده) أي ما زعمه التاج الفزاري.
(وقوله: المصنف) أي النووي.
(وقوله: بأنه) متعلق برده.
(قوله: وطريق من وقع بيده غنيمة لم تخمس) أي والمخلص لمن وقع في يده شئ من الغنائم التي لم تخمس يقينا، بشراء أو هبة أو وصية، أن يدفعه لمستحقه إن كان معلوما، ثم بعد ذلك إن شاء اشتراه منه بعقد جديد، ويحل وطؤه حينئذ.
(قوله: وإلا فللقاضي) أي وإن لم يعلم المستحق: أي ولم ييأس منه بدليل التشبيه الآتي، فيرده للقاضي ليحفظه عنده حتى يعلم المستحق فيعطيه له.
(قوله: كالمال الضائع) الكاف للتنظير: أي أن هذه الغنائم التي لم تخمس، نظير المال الضائع في أنه يدفع للقاضي ليحفظه عنده.
(قوله: أي الذي الخ) بيان لقيد المال الضائع، ومثله في القيد المذكور من وقع بيده من الغنائم.
(قوله: وإلا) أي بأن وقع اليأس من مالكه، كأن ملك بيت المال، وعلى قياسه يقال هنا إذا وقع اليأس من مستحق الغنيمة، يكون ملكا لبيت المال.
(قوله: فلمن له فيه الخ) تفريع على كونه لبيت المال: أي وإذا صار ملكا له، فلكل من كان له في بيت المال حق الظفر به: أي بالمال الضائع الذي أيس من مالكه.
(قوله: ومن ثم إلخ) أي ومن أجل أن من كان له حق في بيت المال له الظفر به، كان المعتمد فيمن وصل له شئ: أي أعطي شيئا يستحقه من بيت المال حل أخذه، وإن كان بقية المستحقين مظلومين.
(وقوله: كما مر) يعني في كلام التحفة في كتاب قسم الفئ والغنيمة، وعبارته هناك.
فائدة: منع السلطان المستحقين حقوقهم من بيت المال.
ففي الإحياء قيل: لا يجوز لأحدهم أخذ شئ منه أصلا لأنه مشترك ولا يدري حصته منه، وهذا غلو.
وقيل يأخذ كفاية يوم بيوم.
وقيل كفاية سنة.
وقيل ما يعطى إذا كان قدر
стр. 1405
من وكيل بيت المال لان الغالب عدم التخميس واليأس من معرفة مالكها فيكون ملكا لبيت المال.
انتهى.
تتمة: يعتق رقيق حربي إذا هرب ثم أسلم ولو بعد الهدنة أو أسلم ثم هرب قبلها وإن لم يهاجر إلينا لا عكسه بأن أسلم بعد هدنة ثم هرب فلا يعتق لكن لا يرد إلى سيده فإن لم يعتقه باعه الامام من مسلم أو دفع
ــ
حقه، والباقون مظلومون.
وهذا هو القياس لأن المال ليس مشتركا بين المسلمين، ومن ثم من مات وله فيه حق لا يستحقه وارثه.
اه.
وخالفه ابن عبد السلام فمنع الظفر في الأموال العامة لأهل الإسلام، ومال المجانين والايتام.
وما
ذكره الغزالي أوجه مما ذكره ابن عبد السلام.
اه.
بحذف.
(قوله: نعم الورع إلخ) مرتبط بقوله يحل شراؤه في أول المبحث: يعني إنه إذا لم يعلم كونه غنيمة لم تخمس، يحل شراؤه وسائر التصرفات، لكن الورع لمريد التسري الخ.
ويحتمل أن يكون مرتبطا بقوله قريبا حل له أخذه.
ويدل للاول صنيع النهاية، وقوله المؤلف بعد أن يشتري ثانيا.
إذ هو يدل على أنه وقع الشراء منه أولا، وفي صورة حل الاخذ ليس فيه شراء أصلا.
(وقوله: أن يشتري ثانيا) أي بثمن ثان غير الذي اشترى به أولا.
ويشترط أن يكون ثمن مثلها.
اه.
ع ش.
(وقوله: واليأس) بالرفع عطف على عدم التخميس: أي ولان الغالب اليأس من معرفة مالكها: أي السراري (قوله: فيكون) أي الذي لم يخمس، وأيس من معرفة مالكه.
(وقوله: ملكا لبيت المال) أي ككل ما أيس من معرفة مالكه.
اه.
رشيدي.
(قوله: تتمة) أي في ذكر مسائل تتعلق بالهدنة، وهي مصالحة أهل الحرب على ترك القتال مدة معينة مجانا أو بعوض، لا على سبيل الجزية، وهي جائزة لا واجبة.
والأصل فيها قبل الإجماع قوله تعالى: * (براءة من الله ورسوله) * الآية، وقوله: * (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها) *.
وأركانها ثلاثة.
الأول العاقد: وهو الإمام أو نائبه إن كانت الهدنة للكفار مطلقا، أو لاهل إقليم كالروم والهند، لان فيها خطرا عظيما بترك الجهاد فاختصت بهما، فإن كانت لبعض كفار إقليم، جاز أن يكون الوالي، وأن يكون الامام، وإنما يعقدها من ذكر لمصلحة، كضعفنا بقلة عدد وأهبة، وكرجاء إسلام، أو بذل جزية، أو إعانتهم لنا، أو كفهم عن الاعانة علينا.
الثاني المدة: وهي أربعة أشهر فأقل إن كان بنا قوة، وعشر سنين فأقل إن كان بناضعف.
فمتى زادت المدة على أربعة أشهر في الحالة الأولى، أو على عشر سنين في الحالة الثانية، بطل العقد في الزائد، وصح في الجائز تفريقا للصفقة، فإن لم يذكر في عقد الهدنة مدة أصلا بطل مطلقا، لانه يقتضي التأبيد.
الثالثة الصيغة: وهي كهادنتكم أو وادعتكم مثلا على ترك القتال مدة كذا.
وإذا صحت الهدنة وجب علينا الكف عنهم وفاء بالعهد حتى تنقضي مدتها، أو ينقضوها هم بتصريح منهم بنقضها أو بقتالنا أو قتل مسلم أو ذمي بدارنا عمدا.
(قوله: يعتق رقيق حربي) هو تركيب إضافي، والمراد قنه مطلقا ولو مستولدة أو مكاتبا.
(وقوله: إذا هرب) أي من سيده الحربي.
(وقوله: ثم أسلم) أي بعد الهرب.
(وقوله: ولو بعد الهدنة) أي ولو وقع الاسلام بعد الهدنة، فإنه يعتق عليه، لأن الهدنة لا توجب أمان بعضهم من بعض.
قال في الروض وشرحه: ولو هاجر قبل الهدنة أو بعدها ثم أسلم عتق، لانه إذا جاء قاهرا لسيده ملك نفسه بالقهر فيعتق، أو أسلم ثم هاجر قبل الهدنة، فكذا يعتق لوقوع قهره حال
الاباحة، أو بعدها فلا يعتق لان أموالهم محظورة حينئذ، فلا يملكها المسلم بالاستيلاء.
اه.
(قوله: أو أسلم ثم هرب قبلها) أي الهدنة.
(وقوله: وإن لم يهاجر إلينا) غاية لعتقه بما ذكر: أي يعتق عليه بما ذكر، وإن لم يهاجر: أي يأت إلى المسلمين.
(قوله: لا عكسه) أي لا يعتق في عكس المذكور.
(قوله: بأن أسلم الخ) تصوير للعكس.
(قوله: ثم هرب) أي بعد الاسلام.
(قوله: فلا يعتق) أي على سيده الحربي، لان أموالهم محظورة علينا حينئذ، فلا يملكها المسلم بالاستيلاء - كما تقدم -.
(قوله: لكن لا يرد إلى سيده) استدراك من عدم عتقه حينئذ، دفع به ما يتوهم منه من تمكين السيد منه.
(قوله: فإن لم يعتقه الخ) مقابل لمحذوف، أي فإن عتقه أو باعه عن مسلم فذاك واضح، وإن لم يعتقه ولم
стр. 1406
لسيده قيمته من مال المصالح وأعتقه عن المسلمين والولاء لهم وإن أتانا بعد الهدنة.
وشرط رد من جاء منهم إلينا حر ذكر مكلف مسلما، فإن لم تكن له ثم عشيرة تحميه لم يرد وإلا رد عليهم بطلبهم بالتخلية بينه وبين طالبه بلا إجبار على الرجوع مع طالبه.
وكذا لا يرد صبي ومجنون وصفا الاسلام أم لا وامرأة وخنثى أسلمتا: أي لا يجوز ردهم ولو لنحو الاب لضعفهم ويغرمون لنا قيمة رقيق ارتد دون الحر المرتد.
ــ
يبعه عليه باعه الامام على مسلم، أو دفع له قيمته من بيت المال وأعتقه عن كافة المسلمين، والولاء يكون لهم جميعا.
(قوله: وإن أتانا بعد الهدنة) فاعل الفعل قوله بعد حر ذكر مكلف.
(وقوله: وشرط رد من جاء منهم إلينا) الجملة حالية: أي والحال أنهم شرطوا علينا في عقد الهدنة أن نرد إليهم من جاء منهم إلينا.
(قوله: مسلما) حال من فاعل جاء، أو من فاعل أتانا، وهو قوله حر، ولو رفعه وجعله صفة رابعة لكان أولى.
(قوله: فإن لم تكن إلخ) جواب أن أتانا: أي وإن أتانا، من ذكر مسلما ففيه تفصيل، فإن لم تكن له عشيرة: أي جماعة ثم، أي في بلاد أهل الحرب تحميه، فلا يجوز رده إليهم.
وإن كان له ثم عشيرة تحميه رد إليهم بطلبهم إياه، فإن طلبه غير عشيرته لم يرد، وإن كان يحميه إلا أن يقدر المطلوب على قهر الطالب والهرب منه فيرد إليه، وعليه حمل رد النبي ﷺ أبا بصير لما جاء في طلبه رجلان، فقتل أحدهما في الطريق، وهرب منه الآخر.
(قوله: بالتخلية بينه وبين طالبه) تصوير للرد، فمعنى رده إليهم أن يخلي بينه وبين طالبه.
(قوله: بلا إجبار الخ) أي أنه يخلي بينه وبين طالبه من غير أن نجبره على الرجوع مع طالبه، لحرمة إجبار المسلم على إقامته بدار الحرب، ولا يلزم المطلوب الرجوع مع طالبه، بل لا يجوز له إن خشي فتنة، وذلك لأنه لم يلتزمه، إذ العاقد غيره، ولهذا لم ينكر ﷺ على أبي بصير إمتناعه ولا قتله لطالبه، بل سره ذلك، ومن ثم سن أن يقال له سرا لا ترجع، وإن رجعت فاهرب متى قدرت أفاده في التحفة.
(قوله: وكذا لا يرد إلخ) أي كما أنه لا يرد من ليس له ثم عشيرة تحميه، كذلك لا يرد صبي ومجنون، وهو مفهوم قوله مكلف.
(وقوله: وصفا الاسلام أم لا) أي نطقا بالشهادتين أم لا، وإنما قال وصفا ولم يقل أسلما لعدم صحة الاسلام منهما.
(قوله: وامرأة) أي
وكذا لا ترد امرأة: أي لئلا يطأها زوجها أو يتزوجها حربي.
(وقوله: وخنثى) أي وكذا لا يرد خنثى وهما مفهوم قوله ذكر، وبقي عليه مفهوم قوله حر، وهو الرقيق، فلا يرد أيضا، لانه جاء مسلما مراغما لسيده، وتقدم بيان كونه يعتق عليه أم لا.
(قوله: أي لا يجوز ردهم) تفسير مراد لقوله وكذا لا يرد إلخ، أفاد به حكمه وهو عدم الجواز.
(قوله: لضعفهم) علة لعدم جواز ذلك: أي لا يجوز لضعفهم.
أي الصبي والمجنون والمرأة والخنثى.
قال في التحفة.
فإن كمل الصبي أو المجنون واختيارهم مكناه منهمم.
اه.
(قوله: ويغرمون لنا قيمة رقيق ارتد) أي وهرب منا إليهم وقد شرطوا علينا أن لا يردوا من جاءهم مرتدا آمنا.
قال في المنهج وشرحه: ولو شرط عليهم في الهدنة رد مرتد جاءهم منا، لزمهم الوفاء به عملا بالشرط سواء كان رجلا أم أمرأة، حرا أو رقيقا، فإن أبوا فناقضو العهد لمخالفتهم الشرط، وجاز شرط عدم رده: أي مرتد جاءهم منا، ولو امرأة ورقيقا فلا يلزمهم رده، لانه ﷺ شرط ذلك في مهادنة قريش، ويغرمون مهر المرأة وقيمة الرقيق، فإن عاد إلينا رددنا لهم قيمة الرقيق دون مهر المرأة، لان الرقيق بدفع قيمته يصير ملكا لهم، والمرأة لا تصير زوجة.
اه.
(قوله: دون الحر المرتد) أي إذا ذهب إليهم فلا يلزمهم شئ فيه.
إذ لا قيمة للحر.
خاتمة: نسأل الله حسن الختام، العقود التي تفيد الكفار الامن ثلاثة: الهدنة، والامان، والجزية.
وقد علمت ما يتعلق بالهدنة، وأنها تختص بالامام أو نائبه.
وأما الامان فلا يختص به، بل يجوز لكل مسلم مختار غير صبي ومجنون وأسير، ولو امرأة وعبدا وفاسقا وسفيها أمان جماعة من أهل الحرب محصورين قبل أسر، وذلك لقوله تعالى: * (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره) * وخبر الصحيحين: ذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم - أي يتحملها ويعقدها مع الكفار أدناهم - فمن أخفر مسلما - أي نقض عهده - فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
وخرج بمسلم
стр. 1407
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الكافر، فلا يصح أمانه لانهم متهم، وبمختار المكره، وبما بعده الصبي والمجنون والاسير، فلا يصح أمانهم.
وخرج بالمحصورين غيرهم.
وضابطه أن يؤدي الامان إلى إبطال الجهاد في تلك الناحية، فلا يصح من الآحاد حينئذ أمان، لابطاله شعار الدين وأعظم مكاسب المسلمين، وإنما ينعقد الامان بإيجاب صريح: كأمنتك، وأجرتك، ولا تخف، ولا بأس عليك، أو كناية نحوكن كيف شئت.
ومنها الكتابة، وبقبول للامان ولو بما يشعر به كترك القتال.
ويدخل في الامان للحربي بدارنا، ماله وأهله من ولده الصغير والمجنون وزوجته إن كان بدارنا، وكذا ما معه من مال غيره إن كان المؤمن له
الامام.
فإن أمنه غيره لم يدخل أهله ولا ما يحتاجه من ماله إلا بشرط دخولهما، وكذا يدخلان فيه إن كانا بدارهم، وشرط دخولهما إمام لا غيره.
وأما الجزية فتختص بالامام أو نائبه كالهدنة، وهي لغة اسم لخراج مجعول على أهل الذمة، وشرعا مال يلتزمه كافر بعقد مخصوص.
والأصل فيها قبل الإجماع قوله تعالى: * (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) * وما رواه البخاري من أنه ﷺ أخذها من مجوس هجر وقال: سنوا بهم سنة أهل الكتاب وما رواه أبو داود من أخذه لها من أهل نجران.
وفسر إعطاء الجزية في الآية بالتزامها بالعقد والصغار فيها بالتزام أحكامنا التي يعتقدونها كحرمة زنا وسرقة، بخلاف التي لا يعتقدونها كحرمة شرب مسكر، ونكاح مجوسي محارم، فإنهم لا يلتزمونها، لانه لا يلزمهم الانقياد إلا للاحكام التي يعتقدونها.
وأركانها خمسة: عاقد، ومعقود له، ومكان، ومال، وصيغة.
وشرط فيها ما مر في البيع من نحو إتصال الايجاب بالقبول، وهي إيجابا كأقررتكم، أو أذنت في إقامتكم بدارنا على أن تلتزموا كذا وتنقادوا لحكمنا، وقبولا كقبلنا ورضينا.
وشرط في العقاد كونه إماما أو نائبه، فلا يصح عقدها من غيره لانها من الامور الكلية، فيحتاج إلى نظر واجتهاد، وشرط في المعقود له كونه متمسكا بكتاب كتوراة وإنجيل وزبور حرا ذكرا غير صبي ومجنون.
وشرط في المكان قبوله للتقرير، فيمنع كافر ولو ذميا إقامة بالحجاز، وهو مكة والمدينة واليمامة وطرقها وقراها كالطائف لمكة، وخيبر للمدينة.
وشرط في المال عند قوتنا كونه دينارا فأكثر كل سنة عن كل واحد، لقوله ﷺ لمعاذ لما بعثه إلى اليمن: خذ من كل حالم - أي محتلم - دينارا رواه أبو داود وغيره.
ويسن للامام أن يشاحح غير الفقير عند العقد في قدر ما يعقد به، بأن يقول للمتوسط لا أعقد إلا بدارين، وللموسر لا أعقد إلا بأربعة دنانير.
ويسن للامام أيضا أن يشرط عليهم الضيافة لمن يمر عليهم من المسلمين المجاهدين وغيرهم.
ويتضمن عقد الجزية أربعة أشياء: أحدها: أن يؤدوا الجزية بالذلة والصغار.
ثانيها: أن تجري عليهم أحكام المسلمين فيضمنون ما يتلفونه عليهم من نفس ومال.
ثالثها: أن لا يذكروا الاسلام إلا بخير.
رابعها: أن لا يفعلوا ما فيه ضرر على المسلمين، كرفع بناء لهم على بناء جار مسلم، وكإيوائهم من يطلع على عورات المسلمين، وكدلالتهم أهل الحرب على عورة لنا، وكدعائهم مسلما للكفر، وكزنا ذمي بمسلمة، فإن فعلوا ذلك إنتقض عهدهم.
ويجب على الإمام إذا اختلطوا بنا أن يأمرهم بلبس الغيار، وهو تغير اللباس، بأن يخيط الذمي على ثوبه شيئا يخالف لون ثوبه، وشد الزنار - وهو خيط غليظ يشد في الوسط فوق الثياب - وبغير ذلك مما هو مذكور في المطولات.
والله أعلم.
стр. 1408
باب القضاء بالمد: أي الحكم بين الناس.
والاصل فيه قبل الاجماع قوله تعالى: * (وأن احكم بينهم بما أنزل الله) * وقوله: * (فاحكم بينهم بالقسط) * وأخبار كخبر الصحيحين: إذا حكم حاكم - أي أراد الحكم - فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر.
وفي رواية بدل الاولى: فله عشرة أجور قال في شرح مسلم: أجمع المسلمون على أن هذا في حاكم عالم مجتهد.
أما غيره فآثم بجميع أحكامه،
وإن وافق الصواب لان إصابته إتفاقية.
وصح خبر: القضاة ثلاثة: قاض في الجنة، وقاضيان في النار وفسر
ــ
باب القضاء
أي في بيان أحكام القضاء: من كونه فرض كفاية، أو فرض عين، أو مندوبا، أو مكروها، أو حراما.
وما يتعلق بذلك من شروط القاضي.
وإنما أخر إلى هنا لأنه لا يجري في جميع ما قبله.
من معاملات وغيرها.
(قوله: أي الحكم بين الناس) أي المترتب على الولاية، وهذا معنى القضاء شرعا: أما لغة: فهو إحكام الشئ بكسر الهمزة: أي إتقانه وإمضاؤه، أي تنفيذه، وله معنى أيضا عند المتكلمين وهو إيجاد الله الاشياء مع زيادة الاحكام والاتقان عند الماتريدية منهم، أو إرادة الله الاشياء في الازل على ما هي عليه فيما لا يزال عند الاشاعرة منهم.
(قوله: والأصل فيه) أي والدليل عليه قبل الإجماع.
(قوله: قوله تعالى) أي وقوله تعالى: * (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس) *.
(قوله: وأن احكم بينهم) أي اقض بينهم.
(قوله: وأخبار) أي والأصل فيه أخبار.
(قوله: وفي رواية بدل الأولى) أي قوله فله أجران.
(وقوله: فله عشرة أجور) لا ينافي هذا الرواية الاولى لان الإخبار بالقليل لا ينفي الكثير، ولجواز أنه أعلم أولا بالاجرين فأخبر بهما، ثم بالعشرة فأخبر بها.
(قوله: أجمع المسلمون على أن هذا) أي ما في خبر الصحيحين من كون المصيب له أجران، أو عشرة أجور، والمخطئ له أجر واحد.
(قوله: في حاكم الخ) أي مفروض في حاكم عالم مجتهد.
(قوله: أما غيره) أي أما حاكم غير العالم المجتهد.
(قوله: فآثم بجميع أحكامه) أي لأنه لا يجوز له الحكم حينئذ.
(قوله: وإن وافق الصواب) غاية في إثمه بذلك.
قال في التحفة بعد الغاية: وأحكامه كلها مردودة لان إصابته اتفاقية.
اه.
وعبارة المغني مثلها ونصها: ولا ينفذ حكمه سواء وافق الحق أم لا، لأن إصابته اتفاقية ليست عن أصل شرعي.
اه.
وإذا علمت ما ذكر تعلم أن في عبارته سقطا من النساخ، وهو المعلل بالعلة التي ذكرها: أعني لان إصابته إتفاقية.
وقوله في التحفة وأحكامه كلها مردودة: محله كما سيأتي، وكما في الرشيدي.
ما لم يولد ذو شوكة، وإلا فلا تكون مردودة.
(قوله: وصح خبر القضاة ثلاثة الخ).
يحكى أنه كانت القضاة في بني إسرائيل ثلاثة، فمات أحدهم، فولي مكانه غيره، ثم قضوا ما شاء الله أن يقضوا، ثم بعث الله لهم ملكا يمتحنهم، فوجد رجلا يسقي بقرة على ماء، وخلفها عجلة، فدعاها الملك وهو راكب فرسا، فتبعتها العجلة فتخاصما، فقالا: بيننا القاضي، فجاءا إلى القاضي الاول فدفع إليه الملك درة كانت معه، وقال له احكم
стр. 1409
الاول بأنه عرف الحق وقضى به، والاخيران بمن عرف وجار في الحكم ومن قضى على جهل.
وما جاء في التحذير عنه كخبر: من جعل قاضيا فقد ذبح بغير سكين محمول على عظم الخطر فيه، أو على من يكره له القضاء، أو يحرم (هو) أي قبوله من متعددين صالحين له (فرض كفاية) في الناحية بل أسنى فروض الكفايات
ــ
بأن العجلة لي.
قال بماذا أحكم؟ قال: أرسل الفرس والبقرة والعجلة، فإن تبعت الفرس فهي لي.
فأرسلها فتبعت الفرس فحكم بها له، وأتبا القاضي الثاني فحكم كذلك، وأخذ درة.
وأما القاضي الثالث فدفع له الملك درة وقال له: احكم بيننا.
فقال له: إني حائض.
فقال الملك: سبحان الله: أيحيض الذكر؟ فقال له القاضي: سبحان الله أتلد الفرس بقرة؟ وحكم بها لصاحبها.
اه.
فشني على الاربعين.
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: من ولي قضاء المسلمين ثم غلب عدله جوره فله الجنة، وإن غلب جوره عدله فله النار أخرجه أبو داود.
وقال ﵇: عج حجر إلى الله تعالى وقال: إلهي وسيدي عبدتك كذا وكذا سنة ثم جعلتني في أس كنيف، فقال أما ترضى إن عدلت بك عن مجالس القضاة؟ رواه ابن عساكر.
ولذلك امتنع الاكابر من قبول القضاء لما عرض عليهم: كابن عمر ﵄، فإنه امتنع منه لما سأله عثمان ﵁ القضاء، وعرض على الحسين بن منصور النيسابوري قضاء نيسابور، فاختفى ثلاثة أيام، ودعا الله فمات في اليوم الثالث، وامتنع منه الإمام الشافعي ﵁ لما استدعاه المأمون لقضاء الشرق والغرب، وامتنع منه الإمام أبو حنيفة ﵁ لما استدعاه المنصور فحبسه وضربه.
وحكى القاضي الطبري وغيره أن الوزير ابن الفرات طلب أبا علي بن خيران لتولية القضاء، فهرب منه، فختم على دوره نحوا من عشرين كما قيل فيه: وطينوا الباب على أبي علي عشرين يوما ليلي فما ولي وقال بعض القضاة: وليت القضاء وليت القضالم يك شيئا توليته فأوقعني في القضاء القضاوما كنت قدما تمنيته وقال آخر: فيا ليتني لم أكن قاضياويا ليتها كانت القاضية (قوله: وفسر الاول) أي فسر النبي ﷺ الاول، فالمفسر هو النبي، كما تدل عليه عبارة الخطيب ونصها: وقد روى
الاربعة والبيهقي والحاكم أن النبي ﷺ قال: القضاة ثلاثة: قاضيان في النار، وقاض في الجنة.
فأما الذي في الجنة: فرجل عرف الحق وقضى به، واللذان في النار: رجل عرف الحق فجار في الحكم، ورجل قضى للناس على جهل.
(قوله: والاخيران) بكسر الخاء: أي وفسر الاخيران: أي فسرهما النبي ﷺ - كما علمت -.
(قوله: وما جاء في التحذير عنه) أي وما ورد عن النبي ﷺ في التحذير عن القضاء.
(قوله: فقد ذبح بغير سكين) هو كناية عن هلاكه بسبب القضاء.
(قوله: محمول) خبر ما جاء الخ.
(وقوله: على عظم الخطر فيه) أي في القضاء: أي فينبغي ترك الدخول فيه.
(قوله: أو على من يكره له القضاء) فيه أن الكراهة لا توجب هذا الوعيد الشديد.
اه.
بجيرمي.
وفي المغني ما نصه: وورد من الترغيب والتحذير أحاديث كثيرة، ولا شك أنه - أي القضاء - منصب عظيم إذا قام العبد بحقه، ولكنه خطر والسلامة فيه بعيدة، إلا إن عصمه الله تعالى.
وقد كتب سلمان الفارسي إلى أبي الدرداء رضي الله تعالى عنهما لما كان قاضيا ببيت المقدس: أن الارض لا تقدس أحدا، وإنما يقدس المرء عمله، وقد بلغني أنك جعلت طبيبا تداوي، فإن كنت تبرئ فنعما لك، وإن كنت مطببا فاحذر أن تقتل أحدا فتدخل النار.
فما بالك بمن ليس بطبيب ولا مطبب؟.
اه.
(قوله: وهو) مبتدأ خبره فرض كفاية.
(قوله: أي قبول الخ) تفسير للضمير الواقع مبتدأ.
(وقوله: من متعددين صالحين له) أي
стр. 1410
حتى قال الغزالي: أنه أفضل من الجهاد، فإن امتنع الصالحون له منه أثموا.
أما تولية الامام أو نائبه لاحدهم في إقليم ففرض عين عليه، ثم على ذي شوكة.
ولا يجوز إخلاء مسافة العدوى عن قاض.
فرع: لا بد من تولية من الامام أو مأذونه ولو لمن تعين للقضاء، فإن فقد الامام فتولية أهل الحل والعقد في البلد أو بعضهم مع رضا الباقين ولو ولاه أهل جانب من البلد صح فيه دون الآخر.
ومن صريح التولية وليتك
ــ
القضاء.
(قوله: فرض كفاية) أما كونه فرضا فلقوله تعالى: * (كونوا قوامين بالقسط) *.
وأما كونه على الكفاية، فلانه أمر بمعروف أو نهي عن منكر.
وهما على الكفاية.
وقد بعث النبي ﷺ عليا إلى اليمن قاضيا، فقال: يا رسول الله بعثتني أقضي بينهم وأنا شاب لا أدري ما القضاء؟ فضرب النبي ﷺ صدره وقال: اللهم اهده وثبت لسانه.
قال: فوالذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، ما شككت في قضاء بين اثنين.
واستخلف النبي ﷺ عتاب بن أسيد على مكة واليا وقاضيا، وقلد معاذا قضاء اليمن، وبعث عمر ﵁ أبا موسى الأشعري إلى البصرة، فلو كان القضاء فرض عين لم يكف واحد.
أفاده في المغني.
(قوله: في الناحية) هي مسافة العدوى دون ما زاد.
(قوله: بل أسنى الخ) أي بل القضاء أسنى: أي أفضل فروض الكفايات، وذلك للاجماع مع الاضطرار إليه، لان طباع البشر مجبولة على التظالم، وقل من ينصف من نفسه.
والامام الاعظم مشتغل بما هو أهم منه، فوجب من يقوم به، وكان أسنى فروض الكفاية.
(قوله: فإن امتنع الصالحون له) أي للقضاء.
(وقوله: منه) متعلق بامتنع، فالضمير يعود على القضاء أيضا.
(وقوله: أثموا) أي وأجبر الامام أحدهم.
(قوله: أما تولية الخ) مقابل قوله هو: أي قبوله.
وعبارة المغني: وخرج بقبول التولية إيقاعها للقاضي من
الامام فإنها فرض عين عليه.
اه.
(قوله: في إقليم) أي كالهند وجاوى والحجاز.
(قوله: ففرض عين عليه) أي على الامام، ويتعين على قاضي الاقليم أن يولي تحته فيما عجز عنه.
(قوله: ثم على ذي شوكة) أي ثم هو فرض عين على ذي شوكة إن لم يوجود الإمام.
(قوله: ولا يجوز إخلاء الخ) والمخاطب بذلك الامام أو من فوض إليه الامام الاستخلاف: كقاضي الاقليم.
(وقوله: مسافة العدوى) هي التي خرج منها بكرة - أي من طلوع الفجر - لبلد الحاكم رجع إليها يومه بعد فراغ زمن المخاصمة المعتدلة من دعوى وجواب وإقامة بينة حاضرة وتعديلها.
والعبرة بسير الاثقال لانه منضبط.
(وقوله: عن قاض) أي أو خليفته.
(قوله: فرع لا بد من تولية من الإمام أو مأذونه إلخ) فيه أن هذا عين قوله أولا أما تولية الإمام أو نائبه ففرض عين الخ، فكان الاسبك والأخصر أن يقول بعد قوله ثم على ذي شوكة، ثم على أهل الحل والعقد الخ.
وبعد قوله معارضا للباقين يأتي بقوله أولا، ولا يجوز إخلاء مسافة العدوى عن قاض، ثم يأتي بقوله ومن صريح التولية الخ.
واعلم أنه يشترط في التولية أن تكون للصالح للقضاء، فإن لم يكن صالحا له لم تصح توليته، ويأثم المولي - بكسر اللام - والمولى - بفتحها - ولا ينفذ حكمه، وإن أصاب فيه إلا للضرورة، بأن ولي سلطان ذو شوكة مسلما فاسقا، فينفذ قضاؤه للضرورة لئلا تتعطل مصالح الناس - كما سيذكره - روى البيهقي والحاكم: من استعمل عاملا على المسلمين، وهو يعلم أن غيره أفضل منه - وفي رواية رجلا على عصابة، وفي تلك العصابة من هو أرضى لله منه - فقد خان الله ورسوله والمؤمنين.
(قوله: فإن فقد الامام فتولية) يقرأ بالجر: أي فلا بد من تولية.
(وقوله: أهل الحل والعقد) أي حل الامور وعقدها من العلماء ووجوه الناس المتيسر اجتماعهم.
(قوله: أو بعضهم) أي بعض أهل الحل والعقد، ولو كان واحدا لكن مع رضا الباقين.
(قوله: ولو ولاه) أي الصالح للقضاء.
(وقوله: أهل جانب من البلد) أي من أهل الحل والعقد.
(قوله: صح) أي ما ذكر من التولية، ولو قال صحت بتاء التأنيث لكان أولى.
(وقوله: فيه) أي في ذلك الجانب.
(وقوله: دون
стр. 1411
أو قلدتك القضاء.
ومن كفايتها عولت واعتمدت عليك فيه.
ويشترط القبول لفظا وكذا فورا في الحاضر.
وعند بلوغ الخبر في غيره.
وقال جمع محققون: الشرط عدم الرد ومن تعين في ناحية لزمه قبوله وكذا طلبه ولو ببذل مال وإن خاف من نفسه الميل فإن لم يتعين فيها كره للمفضول القبول والطلب إن لم يمتنع الافضل، ويحرم طلبه بعزل صالح له ولو مفضولا (وشرط قاض كونه أهلا للشهادات) كلها بأن يكون مسلما مكلفا حرا ذكرا
ــ
الآخر) أي دون الجانب الآخر من البلد، فلا تصح التولية بالنسبة إليه، لكن محله إن لم يرض به أهله إلا صحت.
(قوله:
ومن صريح التولية إلخ) مرتبط بمحذوف، أي ويشترط في صحة التولية الصيغة من إيجاب وقبول، ومن صريح التولية أي إيجابا بتوليتك، أو قلدتك القضاء.
(قوله: ومن كنايتها) أي التولية.
(قوله: عليك فيه) متعلقان بكل من عولت واعتمدت.
(قوله: ويشترط القبول) أي من المولى بفتح اللام.
(وقوله: لفظا) أي بأن يقول قبلت ذلك أو توليته.
(قوله: وكذا فورا إلخ) أي وكذا يشترط أن يكون فورا فيما إذا كان المولى - بفتح اللام - حاضرا.
(قوله: وعند بلوغ الخبر في غيره) أي ويشترط أن يكون القبول عند بلوغ خبر التولية بكتاب أو برسول فيما إذا كان غير حاضر.
(قوله: وقال جمع محققون الخ) معتمد.
قال سم: لا يعتبر القبول لفظا، بل يكفي فيه الشروع بالفعل كالوكيل - كما أفتى بذلك شيخنا الشهاب الرملي - نعم: يرتد بالرد.
اه.
(قوله: ومن تعين في ناحية) أي للقضاء بأن لم يوجد في ناحيته أي بلده، ومن على دون مسافة العدوى صالح له غيره.
(قوله: لزمه قبوله) أي القضاء للحاجة إليه.
(قوله: وكذا طلبه) أي وكذا يلزمه طلبه القضاء إن تعين له.
وفي المغني ما نصه: تنبيه: محل وجوب الطلب إذا ظن الاجابة - كما بحثه الأذرعي - فإن تحقق أو غلب على ظنه عدمها لما علم من فساد الزمان وأئمته لم يلزمه، فإن عرض عليه لزمه القبول، فإن امتنع عصى، وللامام إجباره على الأصح، لأن الناس مضطرون إلى علمه ونظره، فأشبه صاحب الطعام إذا منعه المضطر، فإن قيل إنه بامتناعه حينئذ يصير فاسقا، ويحمل قولهم يجبر على أنه يؤمر بالتوبة أولا، فإذا تاب أجبر: أجيب بأنه لا يفسق بذلك، لانه لا يمتنع غالبا إلا متأولا للتحذيرات الواردة في الباب، واستشعاره من نفسه العجز، وعدم اعتماده على نفسه الامارة بالسوء، وكيف يفسق من امتنع متأولا تأويلا سائغا أداه اجتهاده إليه؟ وأن المنجي له من عذاب الله وسخطه له، عدم التلبس بهذا الأمر.
اه.
(قوله: ولو ببذل مال) أي إن قدر عليه فاضلا عما يعتبر في الفطرة.
(قوله: وإن خاف من نفسه الميل) أي يلزمه القبول والطلب وإن خاف من نفسه الجور والظلم، وإذا تولاه احترز عنه كسائر فروض الاعيان.
(قوله: فإن لم يتعين فيها) أي في ناحيته بأن وجد من يصلح له غيره.
(قوله: كره للمفضول القبول والطلب) وذلك لما روي، عن عبد الرحمن بن سمرة أنه قال له النبي ﷺ : لا تسأل الامارة.
ومحل كراهة ما ذكر حيث لم يتميز المفضول بكونه أطوع في الناس، أو أقرب إلى القلوب، أو أقوى في القيام في الحق، أو ألزم لمجلس الحكم، وإلا جاز له القبول والطلب من غير كراهة.
(قوله: إن لم يمتنع الافضل) فإن امتنع فهو كالمعدوم، ولا يكره للمفضول ذلك.
(قوله: ويحرم طلبه) أي القضاء، قال في الروض وشرحه: وإن كان هناك قاض، فإن كان غير مستحق للقضاء فكالمعدوم، وإن كان مستحقا له، فطلب عزله، حرام وإن
كان مفضولا، فإن فعل - أي عزل وولى غيره - نفذ للضرورة: أي عندها وأما عند تمهد الاصول الشرعية فلا ينفذ، صرح به الأصل فيما إذا بذل مال لذلك، والظاهر أنه بدونه كذلك.
اه.
(قوله: بعزل صالح له) أي للقضاء، فإن كان غير صالح له فلا يحرم طلبه بعزله، بل يسن ولو ببذل المال.
واعلم أن الذي تحصل من كلامه أن قبول القضاء تعتريه الاحكام الخمس - ما عدا الإباحة - فيجب إذا تعين في الناحية، ويندب إن لم يتعين، وكان أفضل من غير، ويكره إن كان مفضولا ولم يمتنع الافضل، ويحرم بعزل صالح ولو مفضولا.
(قوله: وشرط قاض) هو مفرد مضاف فيعم (قوله: كونه أهلا الخ) فيه إحالة على مجهول، إلا أن يقال إتكل في ذلك على شهرته.
(وقوله: للشهادات كلها) أي لسائر أنواعها، إذ هي تتنوع بحسب المشهود به إلى سبعة أنواع، كما
стр. 1412
عدلا سميعا ولو بالصياح بصيرا، فلا يولي من ليس كذلك ولا أعمى وهو من يرى الشبح ولا يميز الصورة وإن قربت - بخلاف من يميزها إذا قربت بحيث يعرفها ولو بتكلف ومزيد تأمل، وإن عجز عن قراءة المكتوب.
واختير صحة ولاية الاعمى (كافيا) للقيام بمنصب القضاء، فلا يولى مغفل ومختل نظر بكبر أو مرض (مجتهدا) فلا يصح تولية جاهل ومقلد وإن حفظ مذهب إمامه لعجزه عن إدراك غوامضه.
والمجتهد من يعرف بأحكام
ــ
سيأتي بيانيا في بابها.
(قوله: بأن يكون مسلما) قال الماوردي: وما جرت به عادة الولاة من نصب رجل من أهل الذمة فتقليد رياسة وزعامة: أي سيادة لا تقليد حكم وقضاء.
اه.
(قوله: مكلفا) أي بالغا عاقلا.
(قوله: حرا) أي كله.
(قوله: ذكرا) أي يقينا.
(قوله: عدلا) العدالة لغة التوسط، وشرعا ملكة في النفس، تمنع من اقتراف الكبائر والرذائل المباحة - كما تقدم.
(قوله: سميعا) إنما اشترط السمع فيه، لان الاصم لا يفرق بين إقرار، وإنكار، وإنشاء، وإخبار.
(وقوله: ولو بالصياح) غاية في كونه سميعا: أي ولو كان لا يسمع إلا بالصياح في أذنيه فإنه يكفي ولا يضر إلا الصمم الشديد، بحيث لا يسمع أصلا.
(قوله: بصيرا) أي ولو بإحدى عينيه، ولو كان يبصر نهارا فقط دون من يبصر ليلا فقط.
قاله الاذرعي.
وخالفه الرملي ومن تبعه فيمن يبصر ليلا فقط، فقال يكفي كونه يبصر ليلا فقط، كما يكفي كونه يبصر نهارا فقط.
فائدة: البصر قوة في العين تدرك به المحسوسات، كما أن البصيرة قوة في القلب تدرك بها المعقولات، فالبصيرة للقلب بمنزلة البصر للعين.
(قوله: فلا يولى من ليس كذلك) أي من ليس مستكملا للشروط المذكورة، بأن يكون كافرا، أو صبيا، أو مجنونا أطبق جنونه أولا، أو رقيقا كله أو بعضه، أو أنثى، أو خنثى، أو فاسقا، أو أصم، أو أعمى، فلا يصح توليتهم لنقصهم.
(قوله: ولا أعمى) فيه أنه مندرج في قوله من ليس كذلك فلاي شئ أفرده.
(قوله: وهو من يرى إلخ) عبارة التحفة: فلا يولى أعمى ومن يرى الشبح الخ.
اه.
فلعل لفظة هو: زائدة من النساخ.
(قوله: الشبح) أي الجسم.
(وقوله: ولا يميز الصورة) أي ولا يميز صورة ذلك الشبح، هل هي صورة زيد أو عمرو، أو غير ذلك؟ (قوله: وإن
قربت) أي لا يميزها مطلقا مع القرب ومع البعد.
(قوله: بخلاف من يميزها إذا قربت) أي الصورة فإنه يصح توليته.
(قوله: بحيث يعرفها) تصوير لتمييزه إياها.
والمراد بحيث يعرف أنها صورة زيد مثلا.
(قوله: ولو بتكلف إلخ) أي ولو كانت معرفتها بتكلف ومزيد تأمل، فإنه يصح توليته.
(قوله: وإن عجز عن قراءة المكتوب) أي فإنه يصح توليته.
(قوله: واختير صحة ولاية الاعمى) أي واختار بعضهم صحة ولاية الاعمى مستدلا بأنه ﷺ : استخلف ابن أم مكتوم على الصلاة وغيرها من أمور المدينة رواه الطبراني.
وأجاب المانعون ولايته باحتمال أنه استخلفه في الامور العامة من الحراسة وما يتعلق بها، لا في خصوص الحكم الذي الكلام فيه.
(قوله: كافيا للقيام بمنصب القضاء) أي بأن يكون ذا يقظة تامة، وقوة على تنفيذ الحق بحيث لا يؤتى من غفلة: أي لا يصاب في الحكم، بأن يحكم بخلاف الحق من أجل غفلته، ولا يخدع من غرة: أي لا يخدع عن الحق بسبب غرور شخص له.
قال في المغني: وفسر بعضهم الكفاية اللائقة بالقضاء، بأن يكون فيه قوة على تنفيذ الحق بنفسه، فلا يكون ضعيف النفس جبانا.
فإن كثيرا من الناس يكون عالما دينا، ونفسه ضعيفة عن التنفيذ والالزام والسطوة، فيطمع في جانبه بسبب ذلك.
اه.
(قوله: فلا يولى مغفل) هو الذي لا يضبط الامور بأن يكون مختل النظر والفكر، لكبر أو مرض أو غير ذلك.
(قوله: ومختل نظر) أي فكر، وعطفه على ما قبله من عطف التفسير.
(وقوله: بكبر أو مرض) الباء سببية متعلق بكل من مغفل ومختل نظر.
(قوله: مجتهدا) أي اجتهادا مطلقا لأنه المنصرف إليه اللفظ عند الاطلاق، وبدليل بيانه الآتي، والاجتهاد في الاصل بدل المجهود في طلب المقصود، ويرادفه التحري والتوخي، ثم استعمل في استنباط الاحكام من الكتاب والسنة.
وخرج به مجتهد المذهب، وهو من يستنبط الاحكام من قواعد إمامه كالمزني، ومجتهد الفتوى، وهو من يقدر على الترجيح في الاقوال كالرافعي والنووي، والمقلد الصرف وهو الذي لم يتأهل للنظر في قواعد إمامه والترجيح بين الاقوال.
(قوله: فلا يصح تولية جاهل) أي بالاحكام الشرعية.
(قوله: ومقلد) أي ولا يصح تولية مقلد لامام من الأئمة الأربعة.
(قوله: وإن حفظ إلخ)
стр. 1413
القرآن من العام والخاص والمجمل والمبين والمطلق والمقيد والنص والظاهر والناسخ والمنسوخ والمحكم
والمتشابه وبأحكام السنة من المتواتر - وهو ما تعددت طرقه - والآحاد - وهو بخلافه - والمتصل باتصال رواته إليه ﷺ ويسمى المرفوع، أو إلى الصحابي فقط ويسمى الموقوف.
والمرسل وهو قول التابعي
ــ
غاية في عدم صحة تولية المقلد.
(قوله: لعجزه عن إدراك غوامضه) أي مسائل مذهب إمامه الصعبة.
قال في التحفة بعده: وتقرير أدلته إذ لا يحيط بهما إلا مجتهد مطلق.
اه.
وقال في النهاية: المقلد هو من حفظ مذهب إمامه، لكنه غير عارف بغوامضه، وقاصر عن تقرير أدلته، لأنه لا يصلح للفتوى، فالقضاء أولى.
اه.
(قوله: والمجتهد) أي المطلق.
(قوله: من يعرف بأحكام القرآن) الباء زائدة.
وفي الكلام حذف مضافين: أي من يعرف أنواع محال الاحكام، ليتمكن
من استنباطها منها، ويقدر على الترجيح فيها عند تعارض الادلة.
(قوله: من العام الخ) بيان للمضاف الاول من المضافين اللذين قدرتهما، وليس بيانا للاحكام في كلامه، كما يفيده صنيعه: إذ العام ليس حكما، وإنما هو محل له، والعام لفظ يستغرق الصالح له من غير حصر كقوله تعالى: * (ولا تبطلوا أعمالكم) *.
والخاص بخلافه كقوله ﵊: الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء صام، وإن شاء أفطر.
والمجمل ما لم تتضح دلالته كقوله تعالى: * (وآتوا الزكاة) *.
وقوله: * (خذ من أموالهم صدقة) *.
لأنه لم يعلم منها قدر الواجب، والمبين هو ما اتضحت دلالته، والمطلق ما دل على الماهية بلا قيد كآية الظهار.
والمقيد ما دل على الماهية بقيد كآية القتل.
والنص ما دل دلالة قطعية، والظاهر ما دل دلالة ظنية.
قال في جمع الجوامع: المنطوق ما دل عليه اللفظ في محل النطق، وهو نص إن أفاد معنى لا يحتمل غيره كزيد، وظاهر إن احتمل غيره مرجوحا كأسد.
اه.
والناسخ كآية: * (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا) *.
والمنسوخ كآية: * (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لازواجهم متاعا إلى الحول) *.
والمحكم كقوله تعالى: * (ليس كمثله شئ وهو السميع البصير) * فهذه نص في أنه لا يماثله شئ في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، والمتشابه كقوله تعالى: * (الرحمن على العرش استوى) *.
(قوله: وبأحكام السنة) معطوف على بأحكام القرآن.
والمراد أن يعرف أنواع محال الاحكام من السنة أيضا - كما تقدم - والسنة هي الاحاديث الشريفة، وهي كل ما نسب للنبي ﷺ من الاقوال والافعال والهم والتقرير، كأن فعل بعض الصحابة شيئا أو قال شيئا بحضرة النبي ﷺ وأقره عليه.
(قوله: من المتواتر إلخ) بيان لما قدرته أيضا وليس بيانا لنفس الاحكام - كما مر -.
(قوله: وهو) أي المتواتر ما تعددت طرقه، بأن رواه جمع عن جمع يؤمن من تواطؤهم على الكذب.
قال البجيرمي: المتواتر ما ترويه جماعة يستحيل تواطؤهم على الكذب عن جماعة كذلك في جميع الطبقات، والآحاد ما يرويه واحد عن واحد أو أكثر ولم يبلغوا عدد التواتر.
اه.
(قوله: والآحاد) بالجر عطف على المتواتر، (قوله: وهو) أي الآحاد: أي حديثهم.
(وقوله: باتصال رواته) أي المصور باتصال رواته، فالباء للتصوير، وكان الملائم لما قبله، أي يأتي به في صورة التعريف بأن يقول وهو ما اتصلت رواته الخ.
(قوله: ويسمى) أي المتصل باتصال الخ المرفوع (قوله: أو إلى الصحابي) معطوف على قوله إليه: أي أو باتصال رواته إلى الصحابي ولم يرفع إلى النبي ﷺ .
(قوله: ويسمى) أي المتصل إلى الصحابي الموقوف.
(قوله: والمرسل) بالجر أيضا عطف على المتواتر.
(وقوله: وهو قول التابعي الخ) أي فهو ما سقط منه الصحابي، كما قال في البيقونية:
ومرسل منه الصحابي سقط
стр. 1414
قال رسول الله (ص) كذا، أو فعل كذا، أو بحال الرواة قوة وضعفا وما تواتر ناقلوه.
وأجمع السلف على قبوله.
لا يبحث عن عدالة ناقليه وله الاكتفاء بتعديل إمام عرف صحة مذهبه في الجرح والتعديل ويقدم عند التعارض الخاص على العام، والمقيد على المطلق، والنص على الظاهر، والمحكم على المتشابه، والناسخ والمتصل والقوي على مقابلها.
ولا تنحصر الاحكام في خمسمائة آية ولا خمسمائة حديث خلافا لزاعمهما وبالقياس بأنواعه الثلاثة من الجلي وهو ما يقطع فيه بنفي الفارق كقياس ضرب الولد على تأفيفه، أو المساوي وهو ما يبعد فيه إنتفاء الفارق كقياس إحراق مال اليتيم على أكله، أو الادون وهو ما لا يبعد فيه إنتفاء الفارق كقياس الذرة
ــ
وهذا اصطلاح المحدثين.
وأما اصطلاح الفقهاء والاصوليين، فهو ما سقط من سنده راو أو أكثر، سواء كان من أوله أو من آخره أم بينهما.
وعبارة ق ل في حاشية شرح الورقات، وأما اصطلاح المحدثين: فالمرسل ما سقط منه الصحابي، وما وقف على الصحابي موقوف، وما وقف على التابعي مقطوع، وما سقط منه راو منقطع، أو راويان فمنقطع من موضعين إن كان بغير اتصال، وإلا فمعضل، وما سقط أوله معلق، وما أسند إلى النبي ﷺ مرفوع.
اه.
(قوله: أو بحال الرواة) معطوف على بأحكام القرآن، وأو بمعنى الواو: أي ويعرف بحال الرواة لانه يتوصل به إلى تقرير الاحكام.
(قوله: قوة وضعفا) منصوبان على التمييز: أي من جهة القوة ومن جهة الضعف.
(قوله: وما تواتر ناقلوه) أي بلغوا عدد التواتر، وهو مستأنف.
(قوله: وأجمع السلف) عبارة التحفة: نعم ما تواتر ناقلوه، أو أجمع السلف على قبوله لا يبحث عن عدالة ناقليه.
اه.
فعليه تكون الواو بمعنى أو.
(قوله: وله الخ) أي للمجتهد الاكتفاء بتعديل إمام لراوي الحديث: أي قوله أنه عدل.
(وقوله: عرف) أي المجتهد.
(وقوله: صحة مذهبه) أي الإمام.
(قوله: في الجرح والتعديل) أي جرح الرواة وتعديلهم: أي بيان أنهم عدول أو غير عدول.
(قوله: ويقدم عند التعارض إلخ) بيان لكيفية الترجيح عند تعارض الادلة.
(قوله: والناسخ والمتصل والقوي) أي وتقدم هذه الثلاثة على مقابلها، وهو المنسوخ والمنقطع والضعيف.
(قوله: ولا تنحصر الاحكام إلخ) قال في النهاية: ولا ينحصر ذلك في خمسمائة آية، ولا خمسمائة حديث، للاستنباط في الأولى من القصص والمواعظ وغيرهما أيضا، ولان المشاهدة قاضية ببطلانه في الثاني.
فإن أراد القائل بالحصر في ذلك بالنسبة للاحاديث الصحيحة السالمة من الطعن في سند أو نحوه، أو الاحكام الخفية الاجتهادية، كان له نوع قرب على أن قول ابن الجوزي أنها ثلاثة آلاف ونحوه، مردود بأن غالب الاحاديث لا تكاد تخلو عن حكم، أو أدب شرعي، أو سياسة دينية، ويكفي اعتماده فيها على أصل مصحح عنده يجمع غالب أحاديث الاحكام
كسنن أبي داود: أي مع معرفة اصطلاحه، وما للناس فيه من نقل ورد.
اه.
(قوله: خلافا لزاعمهما) أي زاعم انحصار الاحكام في خمسمائة آية وخمسمائة حديث.
(قوله: وبالقياس) معطوف على بأحكام القرآن: أي وبأن يعرف بالقياس.
(وقوله: بأنواعه) أي القياس، والجار والمجرور بدل من الجار والمجرور قبله.
(قوله: من الجلي الخ) بيان للانواع الثلاثة.
(قوله: وهو) أي الجلي.
(قوله: ما يقطع فيه بنفي الفارق) أي بين المقيس والمقيس عليه.
(قوله: كقياس ضرب الولد على تأفيفه) أي في التحريم الثابت بقوله تعالى: * (فلا تقل لهما أف) *.
ومثله قياس من فوق الذرة بها في قوله تعالى: * (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره) *.
(قوله: أو المساوي) معطوف على الجلي.
(قوله: وهو) أي المساوي.
(وقوله: ما يبعد فيه انتفاء الفارق) الصواب وجود الفارق.
وعبارة التحفة: وهو ما يبعد فيه الفارق.
اه.
وهي ظاهرة.
(قوله: كقياس إحراق مال اليتيم على أكله) أي في التحريم الثابت بقوله تعالى: * (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا) *.
(قوله: أو الادون) معطوف على الجلي أيضا.
(قوله: وهو ما لا يبعد فيه انتفاء
стр. 1415
على البر في الربا بجامع الطعم وبلسان العرب لغة ونحوا وصرفا وبلاغة وبأقوال العلماء من الصحابة فمن بعدهم ولو فيما يتكلم فيه فقط لئلا يخالفهم.
قال ابن الصلاح: إجتماع ذلك كله إنما هو شرط للمجتهد المطلق الذي يفتي في جميع أبواب الفقه، أما مقيد لا يعدو مذهب إمام خاص فليس عليه غير معرفة قواعد إمامه وليراع فيها ما يراعيه المطلق في قوانين الشرع فإنه مع المجتهد كالمجتهد مع نصوص الشرع، ومن ثم لم يكن له عدول عن نص إمامه كما لا يجوز الاجتهاد مع النص.
انتهى.
(فإن ولى سلطان) ولو كافرا أو (ذو شوكة) غيره في بلد بأن انحصرت قوتها فيه (غير أهل) للقضاء كمقلد وجاهل وفاسق، أي مع علمه بنحو فسقه
ــ
الفارق) عبارة التحفة: وهو مالا يبعد فيه ذلك: أي وجود الفارق، وهي الصواب.
(قوله: كقياس الذرة على البر) الذي في التحفة والنهاية: كقياس التفاح على البر بجامع الطعم، وهو أولى: إذ قياس الذرة على البر من القياس المساوي، لانه يبعد فيه وجود الفارق بينهما، إذ القصد منهما واحد، وهو الاقتيات، بخلاف قياس التفاح على البر، فإنه لا يبعد فيه وجود الفارق، بل هو قريب، إذ القصد من التفاح التفكه والتلذذ - بخلاف البر فالقصد منه الاقتيات -.
(قوله: وبلسان العرب) معطوف على بأحكام القرآن أيضا: أي وبأن يعرف بلسان العرب: أي كلامهم لغة ونحوا وصرفا وغيرها، لأنه لا بد منها في فهم الكتاب والسنة.
إذ بها يعرف عموم اللفظ وخصوصه، وإطلاقه وتقييده، وإجماله وبيانه، وصيغ الامر والنهي، والخبر والاستفهام والاسماء والافعال والحروف.
(قوله: وبأقوال العلماء) معطوف على بأحكام القرآن: أي وبأن يعرف بأقوال العلماء إجتماعا واختلافا، لئلا يخالفهم في اجتهاده.
(قوله: ولو فيما يتكلم فيه فقط) أي يكفي معرفة الاقوال ولو في المسألة التي يتكلم فيها، فلا يشترط أن يعرف أقوال العلماء في كل مسألة، بل في المسألة التي يريد النظر فيها، بأن يعلم أن قوله فيها لا يخالف إجماعا.
(قوله: اجتماع ذلك كله) أي معرفته أحكام القرآن والسنة والقياس ولسان
العرب وأقوال العلماء.
(قوله: إنما شرط للمجتهد المطلق) أي وقد فقد من بعد الخمسمائة بحسب ما يظهر لنا، فلا ينافي أنه في نفس الأمر يوجد، وأقله قطب الغوث، فإنه لا يكون إلا مجتهدا.
اه.
بجيرمي.
وفي المغني ما نصه: قال ابن دقيق العيد: ولا يخلو العصر عن مجتهد، إلا إذا تداعى الزمان وقربت الساعة، وأما قول الغزالي والقفال إن العصر خلا عن المجتهد المستقل، فالظاهر أن المراد مجتهد قائم بالقضاء، فإن العلماء يرغبون عنه.
وهذا ظاهر لا شك فيه.
اه.
(قوله: أما مقيد) هو صادق بمجتهد المذهب، وبمجتهد الفتوى، وبالمقلد الصرف.
(قوله: لا يعدو مذهب إمام خاص) أي لا يتجاوزه.
(وقوله: فليس عليه الخ) جواب أما.
(قوله: وليراع فيها) أي في قواعد إمامه: أي بأن يقدم الخاص منها على العام، والمقيد على المطلق، والنص على الظاهر وهكذا.
(قوله: في قوانين الشرع) أي قواعده.
(قوله: فإنه مع المجتهد إلخ) أي فإن المقيد الذي لا يعدو قواعد إمامه بالنسبة لامامه المجتهد، كالمجتهد بالنسبة لنصوص الشرع، فقواعد إمامه في حقه كنصوص الشرع في حق إمامه.
(قوله: ومن ثم) أي ومن أجل أنه مع المجتهد إلخ.
(وقوله: لم يكن له عدول عن نص إمامه) أي لا يجوز له أن يعدل عن نص إمامه، كما لا يسوغ للمجتهد أن يعدل عن نص الشرع.
(قوله: فإن ولى سلطان) أي مطلقا ذا شوكة كان أم لا: بأن حبس أو أسر ولم يخلع، فإن أحكامه تنفذ.
(قوله: ولو كافرا) لم يذكر هذه الغاية في التحفة، ولا في النهاية، ولاغيرهما، وهي مشكلة.
إذ السلطان يشترط فيه أن يكون مسلما، وأما الكافر فلا تصح سلطنته، ولا تنعقد إمامته.
ولو تغلب، ولو أخرها عن قوله أو ذو شوكة، وجعلها غاية له، لانه ممكن أن يكون كافرا، أو عن قوله غير أهل، وجعلها غاية له، وتكون بالنسبة للثاني للرد على الاذرعي القائل بعدم نفوذ تولية الكافر القضاء، لكان أولى.
تأمل.
(قوله: أو ذو شوكة غيره) أي غير السلطان.
(قوله: في بلد) متعلق بمحذوف حال: أي حال كون ذي الشوكة في بلد، أي ناحية.
(وقوله: بأن انحصرت قوتها) أي البلدة فيه، أي ذي الشوكة، والباء لتصوير كونه له شوكة في بلده.
وعبارة التحفة والنهاية: بأن يكون بناحية انقطع غوث السلطان عنها، ولم يرجعوا إلا إليه.
اه.
(قوله: غير أهل) مفعول ولى.
(قوله: كمقلد إلخ) تمثيل لغير الاهل.
(قوله: أي مع علمه) أي
стр. 1416
وإلا بأن ظن عدالته مثلا، ولو علم فسقه لم يوله فالظاهر - كما جزم به شيخنا - لا ينفذ حكمه وكذا لو زاد فسقه أو ارتكب مفسقا آخر على تردد فيه.
انتهى.
وجزم بعضهم بنفوذ توليته وإن ولاه غير عالم بفسقه وكعبد وامرأة وأعمى (نفذ) ما فعله من التولية وإن كان هناك مجتهد عدل على المعتمد فينفذ قضاء من ولاه للضروة ولئلا تتعطل مصالح الناس وإن نازع كثيرون فيما ذكر في الفاسق وأطالوا وصوبه الزركشي.
قال شيخنا: وما ذكر في المقلد محله إن كان ثم مجتهد وإلا نفذت تولية المقلد ولو من غير ذي شوكة، وكذا الفاسق.
فإن كان هناك عدل
أشترطت شوكة وإلا فلا - كما يفيد ذلك قول ابن الرفعة - الحق أنه إذا لم يكن ثم من يصلح للقضاء نفذت تولية
ــ
المولي - بكسر اللام - سلطانا أو ذا شوكة.
(وقوله: بنحو فسقه) أي المولى - بفتح اللام -.
(قوله: وإلا إلخ) أي وإن لم يعلم به.
(وقوله: ولو علم فسقه لم يوله) الواو للحال: أي والحال أنه لو كان يعلم بفسقه لم يوله.
(وقوله: فالظاهر إلخ) جواب أن الشرطية المدغمة في لا النافية (وقوله: كما جزم به شيخنا) أي في فتح الجواد.
(قوله: وكذا لو زاد إلخ) أي
وكذا لا ينفذ حكمه لو زاد فسقه، بأن كان يشرب الخمر في الجمعة مرة، فصار يشرب على خلاف العادة.
(قوله: أو ارتكب مفسقا آخر) أي بأن كان يزني فصار يزني ويشرب الخمر.
(قوله: على تردد فيه) أي فيما بعد كذا ممن زاد فسقه، أو ارتكب مفسقا آخر.
(قوله: وجزم بعضهم بنفوذ توليته) أي الفاسق مطلقا.
(وقوله: وإن ولاه غير عالم بفسقه) هذا هو الفارق بين ما جزم به بعضهم وبين ما ذكره قبل.
(قوله: وكعبد الخ) معطوف على قوله كمقلد.
(قوله: نفذ ما فعله) أي المولى سلطانا، أو ذا شوكة.
(قوله: من التولية) بيان لما.
(قوله: وإن كان إلخ) غاية في نفوذ التولية: أي تنفذ التولية وإن كان هناك: أي في الناحية المولى عليها غير الاهل مجتهد عدل.
(قوله: على المعتمد) متعلق بنفذ.
(قوله: فينفذ قضاء) مفرع على نفوذ التولية.
(قوله: للضرورة) قال البلقيني يستفاد من ذلك، أنه لو زالت شوكة من ولاه بموت أو نحوه، انعزل لزوال الضرورة، وأنه لو أخذ شيئا من بيت المال على ولاية القضاء، أو جوامك في نظر الاوقاف، استرد منه، لان قضاءه إنما نفذ للضرورة، ولا كذلك المال.
اه.
بجيرمي.
(قوله: وإن نازع كثيرون فيما ذكر) أي في نفوذ قضاء من ولاه للضرورة إذا كان فاسقا.
(وقوله: وأطالوا) أي في النزاع.
(وقوله: وصوبه الزركشي) أي وقال إنه لا ضرورة إليه، بخلاف المقلد.
قال في التحفة بعده وهو عجيب، فإن الفرض أن الامام أو ذو الشوكة هو الذي ولاه عالما بفسقه، بل أو غير عالم به على ما جزم به بعضهم، فكيف حينئذ يفرع إلى عدم تنفيذ أحكامه المترتب عليه من الفتن ما لا يتدارك خرقه، وقد أجمعت الامة - كما قاله الأذرعي - على تنفيذ أحكام الخلفاء الظلمة، وأحكام من ولوه؟ اه.
(قوله: وما ذكر في المقلد إلخ) أي ما ذكر في المقلد من أنه إذا ولاه سلطان، أو ذو شوكة، تنفذ توليته محله إن كان ثم مجتهد، وإلا نفذت ولو من غير ذي شوكة.
ولا يخفى ما في عبارة شيخه المذكورة.
إذ قوله سلطان صادق بذي الشوكة وغيره - كما صرح به هو -.
وإذا كان كذلك فلا معنى للتقييد الذي ذكره بل لا يتأتى.
نعم، يصير للتقييد المذكور معنى لو أبقى عبارة المنهاج على حالها، وهي فإن تعذر جمع هذه الشروط، فولى سلطان له شوكة فاسقا، أو مقلدا، نفذ قضاؤه للضرورة.
ففيها تخصيص التولية بذي الشوكة، وحينئذ فيصح قوله، وما ذكر محله الخ.
ثم رأيت الرشيدي اعترض على قول النهاية المضاهي لقول شيخه المذكور بما نصه: قوله: وما ذكر في المقلد محله إلخ، هذا إنما يتأتى لو أبقي المتن على ظاهره الموافق لكلام غيره، وأما بعد أن حوله إلى ما مر، فلا موقع لهذا هناك.
وحاصل المراد - كما يؤخذ من كلامهم - أن السلطان إذا ولى قاضيا بالشوكة، نفذت توليته مطلقا - سواء كان هناك أهل للقضاء أم لا - وإن ولاه لا بالشركة، أو ولاه قاضي القضاة كذلك، فيشترط في صحة توليته فقد أهل للقضاء.
انتهى.
(قوله: وإلا إلخ) أي وإن لم يكن هناك مجتهد
نفذت تولية المقلد، ولو صدرت من غير ذي شوكة، كسلطان محبوس أو مأسور ولم يخلع كما مر.
(قوله: وكذا الفاسق) أي ومثل المقلد فيما ذكر من التفصيل الفاسق.
(قوله: فإن كان هناك عدل الخ) تصريح بما علم من التشبيه.
(قوله: اشترطت شوكة) أي في المولي ﷺ بكسر اللام -.
(قوله: وإلا فلا) أي وإن لم يكن هناك عدل، فلا تشترط الشوكة.
стр. 1417
غير الصالح قطعا، والاوجه أن قاضي الضرورة يقضي بعلمه ويحفظ مال اليتيم ويكتب لقاض آخر خلافا للحضرمي وصرح جمع متأخرون بأن قاضي الضرورة يلزمه بيان مستنده في سائر أحكامه ولا يقبل قول حكمت بكذا من غير بيان مستنده فيه ولو طلب الخصم من القاضي الفاسق تبيين الشهود التي ثبت فيها الامر لزم القاضي بيانهم وإلا لم ينفذ حكمه.
فرع: يندب للامام إذا ولى قاضيا أن يأذن له في الاستخلاف وإن أطلق التولية إستخلف فيما لا يقدر عليه لا غيره في الاصح.
(مهمة) يحكم القاضي باجتهاده إن كان مجتهدا أو باجتهاد مقلده إن كان مقلدا.
وقضية كلام الشيخين أن المقلد لا يحكم بغير مذهب مقلده.
وقال الماوردي وغيره: يجوز.
وجمع ابن عبد السلام
ــ
(قوله: كما يفيد ذلك) أي التفصيل المذكور.
(قوله: الحق إلخ) مقول قول ابن الرفعة.
(قوله: والاوجه أن قاضي الضرورة يقضي بعلمه) أي يحكم بما علمه إن شاء: كأن يدعي شخص على شخص بمال، وقد رآه القاضي أقرضه إياه أو سمعه يقر به، فله أن يحكم عليه بما علمه ويثبت المال عنده.
(قوله: ويحفظ مال اليتيم) أي وله أن يحفظ مال اليتيم.
(قوله: ويكتب لقاض آخر) أي وله أن يكتب لقاض آخر، فيما إذا ادعى عنده على غائب بمال مثلا، وثبت عنده بالبينة، فله أن يكتب إلى قاضي بلد الغائب ليستوفي له من مال الغائب الحاضر عنده.
(قوله: خلافا للحضرمي) أي الشيخ إسماعيل الحضرمي في قوله ليس لقاضي الضرورة أن يحكم بعلمه الخ.
(قوله: يلزمه بيان مستنده) أي إذا سئل عنه كما أفصح به في التحفة، وسيأتي أيضا، والمراد بمستند ما استنده إليه من بينة، أو نكول، أو نحو ذلك.
اه.
رشيدي.
وذلك كأن يقول مثلا، ثبت عندي بالبينة أن المال المدعى به عندك، وحكمت عليك به.
(قوله: ولا يقبل قوله حكمت بكذا إلخ) قال في التحفة: وكأنه لضعف ولايته، ثم قال: ومحله إن لم يمنع موليه من طلب بيان مستنده اه.
(وقوله: من غير بيان مستنده فيه) أي فيما حكم به.
(قوله: ولو طلب الخصم) أي المدعى عليه.
(قوله: تبيين الشهود) أي عينهم كزيد وعمرو مثلا.
(قوله: لزم القاضي) أي الفاسق، والمقام للإضمار.
فلو قال لزمه لكان أولى.
(قوله: وإلا) أي وإن لم يبينهم لم ينفذ حكمه.
(قوله: يندب للامام) أي أو نائبه.
(قوله: أن يأذن إلخ) أن وما بعدها في تأويل مصدر نائب فاعل يندب: أي يندب له إذنه للقاضي المولى - بفتح اللام - في الاستخلاف ليكون أسهل له، وأقرب لفصل الخصومات، ويتأكد ذلك عند اتساع الخطة، فبان نهاه الامام عنه لم يستخلف استخلافا عاما لعدم رضاه بنظر غيره، فإن كان ما فوض له أكثر مما يمكنه القيام به، اقتصر على المتمكن وترك الاستخلاف.
أما الاستخلاف الخاص كتحليف وسماع بينة، فقطع القفال بجوازه للضرورة إلا أن ينص على المنع منه.
أفاده م ر.
(قوله: وإن أطلق التولية) أي بأن لم يأذن له في الاستخلاف ولم ينهه عنه.
(وقوله: استخلف فيما لا يقدر عليه) أي فيما عجز عنه لحاجته إليه.
(وقوله: لا غيره) أي لا يستخلف في غيره ما لا يقدر عليه، وهو المقدور عليه، لان قرينة الحال تقتضي عدم الاستخلاف فيه.
(وقوله: في الأصح) مقابله يقول يستخلف مطلقا فيما عجز عنه وغيره.
تنبيه: يشترط في الخليفة ما شرط في القاضي من كونه أهلا للشهادات كلها ومجتهدا، إلا إن استخلف في أمر خاص كسماع بينة وتحليف، فيكفي علمه بما يتعلق به من شروط البينة والتحليف، ويحكم الخليفة باجتهاده أو باجتهاد مقلده - بفتح اللام - إن كان مقلدا، ولا يجوز أن يشرط عليه أن يحكم بخلاف اجتهاده أو اجتهاد مقلده - بفتح اللام - لانه يعتقد بطلانه، والله تعالى إنما أمر بالحكم بالحق.
(قوله: مهمة) أي في بيان كون القاضي يحكم باجتهاده إن كان مجتهدا، أو باجتهاد مقلده إن كان مقلدا.
(قوله: يحكم القاضي) أي أو خليفته كما مر.
(قوله: باجتهاده) أي بما أداه إليه اجتهاده من المسائل.
(قوله: إن كان مجتهدا) أي اجتهادا مطلقا.
(قوله: أو اجتهاد مقلده) أي أو يحكم باجتهاد مقلده، أي إمامه فهو بفتح اللام.
(وقوله: إن كان) أي القاضي.
(وقوله: مقلدا) بكسر اللام (قوله: وقضية كلام الشيخين الخ) أقره سم (قوله: وقال الماوردي وغيره يجوز) أي الحكم بغير مذهب مقلده - بفتح اللام - (قوله: وجمع ابن عبد السلام
стр. 1418
والاذرعي وغيرهما بحمل الاول على من لم ينته لرتبة الاجتهاد في مذهب إمامه وهو المقلد الصرف الذي لم يتأهل للنظر ولا للترجيح والثاني على من له أهلية.
لذلك.
ونقل ابن الرفعة عن الاصحاب أن الحاكم المقلد إذا بان حكمه على خلاف نص مقلده نقض حكمه ووافقه النووي في الروضة والسبكي، وقال الغزالي: لا ينقض، وتبعه الرافعي بحثا في موضع.
وشيخنا في بعض كتبه.
فائدة: إذا تمسك العامي بمذهب لزمه موافقته، وإلا لزمه التمذهب بمذهب معين من الاربعة لا غيرها ثم
ــ
والاذرعي) أي بين قضية كلام الشيخين وقول الماوردي.
(وقوله: بحمل الأول) أي قضية كلام الشيخين.
(قوله: وهو) أي من لم ينته لما ذكر.
(قوله: المقلد الصرف) أي المحض، وبينه بقوله بعد الذي لم يتأهل للنظر: أي أن المقلد الصرف هو الذي لم يتأهل للنظر في قواعد إمامه، والترجيح بين الاقوال.
(قوله: والثاني الخ) أي وحمل الثاني، وهو قول الماوردي.
(وقوله: على من له أهلية لذلك) أي للنظر والترجيح.
قال في التحفة بعده: ومنع ذلك الحسباني من جهة أن العرف جرى بأن تولية المقلد مشروطة بأن يحكم بمذهب مقلده، وهو متجه - سواء الاهل لما ذكر وغيره - لاسيما إن قال له في عقد التولية على عادة من تقدمك، لانه لم يعتد لمقلد حكم بغير مذهب إمامه.
اه.
(قوله: ونقل ابن الرفعة الخ) مؤيد لكلام الشيخين.
(قوله: وقال الغزالي لا ينقض) عبارة التحفة: وما أفهمه كلام الرافعي عن الغزالي من عدم النقض، بناء على أن للمقلد تقليد من شاء، وجزم به في جمع الجوامع.
قال الاذرعي: بعيد، والوجه - بل الصواب - سد هذا الباب من أصله، لما يلزم عليه من المفاسد التي لا تحصى.
اه.
وقال غيره المفتي على مذهب الشافعي: لا يجوز له الافتاء بمذهب غيره ولا ينفذ منه: أي لو قضى به لتحكيم أو تولية لما تقرر عن ابن الصلاح.
نعم، إن انتقل لمذهب آخر بشرطه وتبحر فيه، جاز له الافتاء به.
اه.
(قوله: وتبعه الرافعي) أي تبع الغزالي الرافعي في قوله لا ينقض.
(وقوله: بحثا) أي أنه بحث ذلك من غير نص.
(قوله: وشيخنا في بعض كتبه) أي وتبعه شيخنا في بعض كتبه.
(قوله: فائدة) أي في بيان التقليد.
وحاصل الكلام عليه أن التقليد هو الاخذ والعمل بقول المجتهد من غير معرفة دليله، ولا يحتاج إلى التلفظ به، بل متى استشعر العامل أن عمله موافق لقول إمام فقد قلده، وله شروط ستة: الأول: أن يكون مذهب المقلد - بفتح اللام - مدونا.
الثاني: حفظ المقلد - بكسر اللام - شروط المقلد - بفتح اللام - في تلك المسألة.
الثالث: أن لا يكون التقليد مما ينقض فيه قضاء القاضي.
الرابع: أن لا يتتبع الرخص بأن يأخذ من كل مذهب بالاسهل، وإلا فتنحل ربقة التكليف من عنقه.
قال ابن حجر: ومن ثم كان الاوجه أن يفسق به، وقال الرملي الاوجه أنه لا يفسق وإن أثم به.
الخامس: أن لا يعمل بقول في مسألة ثم يعمل بضده في عينها، كأن أخذ نحو دار بشفعة الجوار تقليدا لابي حنيفة، ثم باعها ثم اشتراها فاستحق واحد مثله بشفعة الجوار، فأراد أن يقلد الامام الشافعي ليدفعها، فإنه لا يجوز.
السادس: أن لا يلفق بين قولين تتولد منهما حقيقة واحدة مركبة، لا يقول كل من الامامين بها، وزاد بعضهم شرطا سابعا: وهو أنه يلزم المقلد اعتقاد أرجحية أو مساواة مقلده للغير.
وقال في التحفة: الذي رجحه الشيخان جواز تقليد المفضول مع وجوه الفاضل، وزاد بعضهم أيضا شرطا ثامنا: وهو أنه لا بد في صحة التقليد أن يكون صاحب المذهب حيا، وهو مردود بما اتفق عليه الشيخان وغيرهما من جواز تقليد الميت وقالا - وهو الصحيح - قال في التحفة: ومن أدى عبادة اختلف في صحتها من غير تقليد للقائل بالصحة، لزمه إعادتها إذا علم بفسادها حال تلبسه بها، لكونه عابثا حينئذ، أما من لم يعلم بفسادها حال تلبسه بها، كمن مس فرجه مثلا، فنسيه أو جهل التحريم وقد عذر به، فله تقليد الإمام أبي حنيفة ﵁ في إسقاط القضاء إن كان مذهبه صحة صلاته، مع عدم تقليده له عند الصلاة.
اه.
بالمعنى.
(وقوله: فله تقليد الإمام أبي حنيفة) قال سم وهو صريح في جواز التقليد بعد الفعل.
اه.
(قوله: إذا تمسك العامي) مثله غيره من العلماء الذين لم يبلغوا رتبة الاجتهاد كما ذكره سم عند قول التحفة قال الهروي: مذهب أصحابنا أن العامي لا مذهب له الخ.
فانظره إن شئت.
(قوله: لزمه التمذهب) أي المشي والجري على مذهب معين من المذاهب الاربعة.
стр. 1419
له وإن عمل بالاول الانتقال إلى غيره بالكلية، أو في المسائل بشرط أن لا يتتبع الرخص بأن يأخذ من كل مذهب بالاسهل منه فيفسق به على الاوجه.
وفي الخادم عن بعض المحتاطين.
الاولى لمن ابتلي بوسواس الاخذ بالاخف والرخص لئلا يزداد فيخرج عن الشرع، ولضده الاخذ بالاثقل لئلا يخرج عن الاباحة.
وأن لا يلفق بين قولين يتولد منهما حقيقة مركبة لا يقول بها كل منهما.
وفي فتاوي شيخنا: من قلد إماما في مسألة لزمه أن يجري على قضية مذهبه في تلك المسألة وجميع ما يتعلق بها، فيلزم من انحرف عن عين الكعبة وصلى إلى
ــ
(قوله: لا غيرها) أي غير المذاهب الاربعة، وهذا إن لم يدون مذهبه، فإن دون جاز كما في التحفة ونصها: يجوز تقليد كل من الأئمة الاربعة، وكذا من عداهم ممن حفظ مذهبه في تلك المسألة ودون حتى عرفت شروطه وسائر معتبراته، فالاجماع الذي نقله غير واحد على منع تقليد الصحابة، يحمل على ما فقد فيه شرط من ذلك.
اه.
(قوله: ثم له) أي ثم يجوز له إلخ.
قال ابن الجمال: (إعلم) أن الأصح من كلام المتأخرين - كالشيخ ابن حجر وغيره - أنه يجوز الانتقال من مذهب إلى مذهب من المذاهب المدونة ولو بمجرد التشهي، سواء انتقل دواما أو في بعض الحادثة، وإن أفتى أو حكم وعمل بخلافه ما لم يلزم منه التلفيق.
اه.
(قوله: وان عمل بالاول) أي بالمذهب الاول كمذهب الشافعي.
(قوله: الانتقال إلى غيره) أي غير الاول بالكلية: كأن ينتقل من مذهب الشافعي إلى مذهب أبي حنيفة ﵄.
(قوله: أو في المسائل) أي أو الانتقال في بعض مسائل لغير مذهبه.
(وقوله: بشرط إلخ) مرتبط به: أي يجوز له أن يقلد في بعض المسائل بشرط أن لا يتتبع الرخص.
(قوله: بأن يأخذ الخ) تصوير لتتبع الرخص.
(قوله: فيفسق به) أي بتتبع الرخص، وهذا ما جرى عليه ابن حجر.
أما ما جرى عليه الرملي فلا يفسق به، ولكنه يأثم، كما مر.
(قوله: وفي الخادم إلخ) هذا كالتقييد لما قبله، فكأنه قال محل اشتراط عدم تتبع الرخص فيمن لم يبتل بالوسواس، أما هو فيجوز له ذلك.
(وقوله: عن بعض المحتاطين) أي الذين يأخذون بالاحوط في أعمالهم.
(قوله: لئلا يزداد) أي الوسواس، وهو علة الأولوية، (وقوله: فيخرج) بالنصب عطف على يزداد: أي فيخرج بسبب زيادة الوسواس عن الشرع مثلا، وابتلى بالوسواس في النية في الوضوء، أو بقراءة الفاتحة خلف الامام، وصار يصرف أكثر الوقت في الوضوء أو في الصلاة، فله أن يترك النية ويقلد الإمام أبا حنيفة فيه فإنها سنة عنده، أو يقلده في ترك الفاتحة خلف الامام، حتى يذهب عنه الوسواس.
(قوله: ولضده) أي والاولى لضد من ابتلي بالوسواس، وهو الذي لم يبتل به.
(قوله: الاخذ بالاثقل) أي بالاشد.
(قوله: لئلا يخرج عن الاباحة) أي عن لمباح لو لم يأخذ بالاثقل.
(قوله: وإن لا يلفق الخ) معطوف على قوله أن لا يتتبع الرخص: أي وبشرط أن لا يلفق: أي يجمع بين قولين.
(قوله: يتولد الخ) أي ينشأ من القولين اللذين لفق بينهما حقيقة واحدة متركبة، كتقليد الشافعي في مسح بعض الرأس، ومالك في طهارة الكلب، في صلاة واحدة، فلا يصح تقليده المذكور، لانه لفق فيه بين قولين نشأ منهما حقيقة واحدة، وهي الصلاة لا يقول بصحتها كلا الامامين.
(قوله: وفي فتاوي شيخنا الخ) مؤيد لاشتراط عدم التلفيق.
(قوله: لزمه أن يجري على قضية مذهبه) أي على ما يقتضيه مذهب ذلك الامام الذي قلده في تلك المسألة.
(وقوله: وجميع ما يتعلق بها) أي بتلك المسألة: أي من استكمال شروطها، ومراعاة مصححاتها، واجتناب مبطلاتها.
(قوله: فيلزم من انحرف الخ) تعبيره بالماضي فيه وفيما بعده لا يلائم قوله بعد أن يمسح الخ، فإنه للاستقبال وانحرف وصلى للمضي، فلا بد من ارتكاب تأويل في الاول، بأن يجعل بمعنى المضارع، أو في الثاني بأن يجعل بمعنى الماضي: أي فيلزم الشافعي الذي قصده أن ينحرف عن عين القبلة، ويصلي إلى جهتها
مقلدا للإمام أبي حنيفة ﵁ أن تكون طهارته على مذهبه، بأن يكون يمسح في الوضوء قدر الناصية، وأن لا يسيل منه دم بعد الوضوء، فإنه ناقض له عنده، أو فيلزم الشافعي الذي انحرف وصلى إلى الجهة مقلدا للإمام أبي حنيفة
стр. 1420
جهتها مقلدا لابي حنيفة مثلا أن يمسح في وضوئه من الرأس قدر الناصية وأن لا يسيل من بدنه بعد الوضوء دم وما أشبه ذلك، وإلا كانت صلاته باطلة باتفاق المذهبين فليتفطن لذلك.
انتهى.
ووافقه العلامة عبد الله أبو مخرمة العدني وزاد فقال: قد صرح بهذا الشرط الذي ذكرناه غير واحد من المحققين من أهل الاصول والفقه: منهم ابن دقيق العيد والسبكي، ونقله الاسنوي في التمهيد عن العراقي.
قلت: بل نقله الرافعي في العزيز عن القاضي حسين.
انتهى.
وقال شيخنا المحقق ابن زياد رحمه الله تعالى في فتاويه: إن الذي فهمناه من أمثلتهم أن التركيب القادح إنما يمتنع إذا كان في قضية واحدة.
فمن أمثلتهم.
إذا توضأ ولمس تقليدا لابي حنيفة واقتصد تقليدا للشافعي ثم صلى فصلاته باطلة لاتفاق الامامين على بطلان ذلك.
وكذلك إذا توضأ ومس بلا شهوة تقليدا للامام مالك ولم يدلك تقليدا للشافعي ثم صلى فصلاته باطلة لاتفاق الامامين على بطلان طهارته - بخلاف ما إذا كان التركيب من قضيتين، فالذي يظهر أن ذلك غير قادح في التقليد، كما إذا توضأ ومسح بعض رأسه ثم صلى إلى الجهة تقليدا لابي حنيفة فالذي يظهر صحة صلاته لان الامامين لم يتفقا على بطلان طهارته، فإن الخلاف فيها بحاله، لا يقال اتفقا على بطلان صلاته لانا نقول هذا الاتفاق ينشأ من التركيب في قضيتين.
ــ
في ذلك أنه كان قد مسح إلخ.
(وقوله: وإن لا يسيل الخ) معطوف على أن يمسح، (قوله: وما أشبه ذلك) أي ما ذكر من مسح قدر الناصية وعدم سيلان الدم، والمشبه لذلك فعل كل ما هو شرط لصحة الصلاة عند الإمام أبي حنيفة ﵁، وترك كل ما هو مبطل لها عنده.
(قوله: وإلا) أي بأن لم يمسح قدر الناصية، أو سال منه دم بعد الوضوء، كانت صلاته باطلة.
(قوله: فليتفطن لذلك) أي للشرط المذكور.
(قوله: ووافقه) أي الشيخ ابن حجر.
(قوله: وزاد) أي العلامة عبد الله أبو مخرمة.
(قوله: قد صرح بهذا الشرط) أي وهو أن من قلد إماما في مسألة لزمه الجريان على قضية مذهبه فيها.
(قوله: وقال شيخنا المحقق ابن زياد الخ) فيه مخالفة لابن حجر ومن وافقه فيما إذا كان التركيب من قضيتين.
(قوله: إن الذي فهمناه من أمثلتهم) أي التي يجوز فيها التقليد والتي لا يجوز.
(قوله: إن التركيب القادح) أي المضر في التقليد.
(قوله: إنما يمتنع) صوابه إنما يوجد.
(قوله: إذا كان) أي التركيب وقع في قضية واحدة، كالطهارة أو الصلاة.
(قوله: فمن أمثلتهم) أي للتقليد المضر (قوله: إذا توضأ ولمس) أي الاجنبية.
(قوله: تقليدا لأبي حنيفة) أي في عدم نقض الوضوء باللمس.
(قوله: واقتصد تقليدا للشافعي) أي في عدم نقض الوضوء بذلك.
(قوله: ثم صلى) أي بذلك الوضوء.
(قوله: لاتفاق الامامين) أي الشافعي وأبي حنيفة.
(وقوله: على بطلان ذلك) أي الوضوء لانتقاضه باللمس عند الشافعي، وبخروج الدم عند أبي حنيفة.
(قوله: وكذلك) أي مثل هذا المثال في البطلان.
(وقوله: إذا توضأ ومس) أي فرجه.
(وقوله: تقليدا للامام مالك) أي في عدم نقض الوضوء.
(وقوله: ولم يدلك) أي لم يتبع الإمام مالكا في الدلك، بل تبع الامام الشافعي في عدمه.
(قوله: ثم صلى) أي بذلك الوضوء المجرد عن الدلك.
(قوله: لاتفاق الامامين) أي الشافعي ومالك.
(وقوله: على بطلان طهارته) أي لانه مس وهو مبطل عند الشافعي، ولم يدلك وهو مبطل عند الإمام مالك.
(قوله: بخلاف ما إذا كان التركيب) أي الناشئ من التلفيق بين قولين.
(وقوله: من قضيتين) أي حاصلا من قضيتين: أي كالطهارة والصلاة مثلا.
(قوله: فالذي يظهر أن ذلك) أي التركيب من قضيتين.
(قوله: غير قادح في التقليد) أي غير مضر له.
(قوله: كما إذا توضأ إلخ) تمثيل لما إذا كان التركيب حاصلا من قضيتين (قوله: ومسح بعض رأسه) أي أقل من الناصية تقليدا للامام الشافعي فيه.
(قوله: ثم صلى إلى الجهة) أي لا إلى عين الكعبة.
(وقوله:
تقليدا لأبي حنيفة) أي في قوله بصحة الصلاة إلى جهة الكعبة.
(قوله: فالذي يظهر الخ) الجملة جواب إذا.
(وقوله: صحة صلاته) خبر الذي (قوله: لان الامامين) أي الشافعي وأبا حنيفة ﵄.
(وقوله: لم يتفقا على بطلان طهارته) إذ هي صحيحة على مذهب الإمام الشافعي ﵁.
(قوله: فإن الخلاف فيها بحاله) أي فإن الخلاف بين
стр. 1421
والذي فهمناه أنه غير قادح في التقليد ومثله ما إذا قلد الامام أحمد في أن العورة السوأتان وكأن ترك المضمضة والاستنشاق أو التسمية الذي يقول الامام أحمد بوجوب ذلك، فالذي يظهر صحة صلاته إذا قلده في قدر العورة لانهما لم يتفقا على بطلان طهارته التي هي قضية واحدة، ولا يقدح في ذلك إتفاقهما على بطلان صلاته فإنه تركيب من قضيتين وهو غير قادح في التقليد كما يفهمه تمثيلهم.
وقد رأيت في فتاوي البلقيني ما يقتضي أن التركيب بين القضيتين غير قادح.
انتهى.
ملخصا.
تتمة: يلزم محتاجا إستفتاء عالم عدل عرف أهليته ثم إن وجد مفتيين فإن اعتقد أحدهما أعلم تعين تقديمه.
قال في الروضة: ليس لمفت وعامل على مذهبنا في مسألة ذات وجهين أو قولين أن يعتمد أحدهما بلا
ــ
الامامين باق بحاله في تلك الطهارة، فهي صحيحة على مذهب الشافعي، وباطلة على مذهب أبي حنيفة.
(قوله: لا يقال إتفقا على بطلان صلاته) أي لفقد شرطها عند الشافعي، وهو استقبال العين وفقد شرطها عند أبي حنيفة وهو مسح قدر ربع الرأس.
(قوله: لانا نقول إلخ) علة النفي.
(قوله: من التركيب في قضيتين) أي الحاصل في قضيتين، وهما الطهارة والصلاة، كما مر.
(قوله: والذي فهمناه) أي من أمثلتهم.
(وقوله: أنه) أي التركيب الواقع في قضيتين.
(وقوله: غير قادح في التقليد) أي غير مضر ومؤثر فيه.
(قوله: ومثله) أي مثل هذا المثال في التركيب من قضيتين.
(قوله: في إن العورة السوأتان) أي القبل والدبر، فالواجب عند الإمام أحمد سترهما فقط.
(قوله: وكان) فعل ماض، واسمها يعود على المقلد للامام أحمد: أي وكان المقلد للامام أحمد في قدر العورة ترك المضمضة مقلدا للامام الشافعي.
(قوله: والاستنشاق) الواو بمعنى أو (قوله: الذي يقول إلخ) الأولى في التعبير أن يقول التي يقول الامام أحمد بوجوبها: أي الثلاثة وهو المضمضة، والاستنشاق، والبسملة.
(قوله: فالذي يظهر إلخ) جواب إذا (قوله: إذا قلده) أي قلد الامام أحمد.
(قوله: لأنهما) أي الامام أحمد والامام الشافعي، وهو تعليل لظهور صحة صلاته فيما ذكر.
(وقوله: لم يتفقا على بطلان طهارته) أي لان الشافعي يقول بصحتها، والامام أحمد يقول ببطلانها.
(وقوله: التي هي) أي الطهارة.
(وقوله: قضية واحدة) أي هي التي يضر فيها التركيب.
(قوله: ولا يقدح في ذلك) أي في التقليد المذكور.
(قوله: فإنه) أي فإن البطلان المتفق عليه.
(وقوله: تركيب من قضيتين) هما ستر العورة والطهارة.
(قوله: وهو) أي التركيب من قضيتين غير قادح في التقليد.
(قوله: وقد رأيت في فتاوي البلقيني الخ) مؤيدا لما تقدم.
(قوله: تتمة) أي في بيان حكم الاستفتاء.
(قوله: يلزم محتاجا) أي إلى معرفة حكم من الاحكام الشرعية.
(وقوله: إستفتاء عالم عرف أهليته) عبارة الروض وشرحه: يجب على المستفتي عند حدوث مسألة، أن يستفتي من عرف علمه وعدالته، ولو بإخبار ثقة عارف، أو بإستفاضة لذلك، وإلا بأن لم يعرفهما بحث عن ذلك - يعني عن علمه - بسؤال الناس، فلا يجوز له إستفتاء من انتسب إلى ذلك وانتصب للتدريس وغيره من مناصب العلماء بمجرد إنتسابه وانتصابه.
وقضية كلامه أنه يبحث عن عدالته أيضا، والمشهور كما في الأصل خلافه، وبه يشعر قوله فلو خفيت عليه عدالته الباطنة اكتفى بالعدالة الظاهرة، لان الباطنة تعسر معرفتها على غير القضاة.
اه (قوله: ثم إن وجد) أي المحتاج.
(وقوله: مفتيين) مفعول وجد، وهو هنا بمعنى أصاب، فلا يطلب إلا مفعولا واحدا.
(قوله: فإن اعتقد أحدهما أعلم إلخ) قال في الروض: ويعمل - أي المستفتي - بفتوى عالم مع وجود أعلم منه جهله.
قال في شرحه: بخلاف ما إذا علمه بأن اعتقده أعلم - كما صرح به بعد - فلا يلزمه البحث عن الاعلم إذا جهل اختصاص أحدهما بزيادة علم، ثم قال في الروض: فإن اختلفا - أي المفتيان - جوابا وصفة ولا نص قدم الاعلم، وكذا إذا اعتقد أحدهما أعلم أو أورع، قدم من اعتقده أعلم أو أورع، ويقدم الاعلم على الاورع.
اه.
بزيادة من شرحه.
(قوله: قال في الروضة ليس لمفت وعامل إلخ) قال في التحفة بعد أن نقل ما ذكر: ونقل ابن الصلاح الاجماع فيه، لكن حمله بعضهم على المفتي والقاضي، لما مر من جواز
стр. 1422
نظر فيه فلا خلاف، بل يبحث عن أرجحهما بنحو تأخره وإن كانا لواحد.
انتهى.
(ويجوز تحكيم اثنين) ولو من غير خصومة كما في النكاح (رجلا أهلا لقضاء) أي من له أهلية القضاء المطلقة لا في خصوص تلك الواقعة
فقط.
خلافا لجمع متأخرين ولو مع وجود قاض أهل خلافا للروضة.
أما غير الاهل فلا يجوز تحكيمه - أي مع وجود الاهل - وإلا جاز، ولو في النكاح، وإن كان ثم مجتهد، كما جزم به شيخنا في شرح المنهاج تبعا لشيخه
ــ
تقليد غير الائمة الاربعة بشرطه، وفيه نظر.
لأنه صرح بمساواة العامل للمفتي في ذلك، فالوجه حمله على عامل متأهل للنظر في الدليل وعلم الراجح من غيره.
اه.
وقال في الفوائد وابن الجمال في فتح المجيد.
(اعلم) أن القولين أو الوجهين أو الطريقين إذا كانا لواحد ولم يرجح أحدهما، فللمقلد أن يعمل لنفسه بأيهما شاء إذا لم يكن أهلا للترجيح، فإن كان أهلا له، فلا يجوز له العمل إلا بالتتبع والترجيح، فإن رجح أحدهما فالفتوى والحكم بالراجح مطلقا، والمرجوح منهما إذا رجحه بعض أهل الترجيح يجوز تقليده للعمل فقط، سواء كان المقلد أهلا للنظر والترجيح أم لا.
وإن لم يرجح فيمتنع تقليده على الاهل لا على غيره، وإذا كان الوجهان والطريقان لاثنين، ولم يرجح أحدهما ثالث يجوز تقليد كل منهما في الافتاء والقضاء أيضا إذا لم يكن المقلد أهلا، ويجوز لعمل نفسه فقط إذا كان التقليد من المتأهل، لتضمن ذلك ترجيح كل منهما من قائله الاهل، وإن رجح أحدهما ثالث، فالفتوى بالراجح لتقويته بالترجيحين - سواء كان المفتي أهلا أم لا - والمرجوح منهما يجوز تقليده لعمل النفس فقط، ولو من المتأهل للتضمن المذكور.
هذا هو الحق الصريح الذي لا محيد عنه، لانه المنقول والمعتمد عند جمهور المتأخرين.
اه.
من تذكرة الاخوان المشتملة على مصطلحات التحفة وغيرها.
(قوله: أن يعتمد أحدهما) أي الوجهين أو القولين، وأن وما بعدها في تأويل مصدر اسم ليس.
(قوله: بلا نظر فيه) أي بلا تأمل وتفكر في ذلك الأحد الذي يريد أن يعتمده.
(قوله: بلا خلاف) أي ليس له ذلك بلا خلاف، وقد علمت أن
محله إذا كان أهلا للنظر والترجيح.
(قوله: بل يبحث عن أرجحهما) أي الوجهين أو القولين.
(قوله: بنحو تأخره) متعلق بأرجحهما، وهو بيان المقتضي للارجحية، فتأخر أحد القولين أو الوجهين أو قوة دليله أو نحو ذلك يقتضي الارجحية.
(قوله: وإن كانا) أي القولان أو الوجهان لمتبحر واحد، وهو غاية لكونه يبحث عن الارجح بما ذكر (قوله: ويجوز تحكيم اثنين) أي غير حد وتعزير لله تعالى، أما هما فلا يجوز فيهما التحكيم.
إذ لا طالب لهما معين.
(قوله: ولو من غير خصومة) غاية في جواز التحكيم: أي يجوز مطلقا سواء كان في خصومة، كأن حكم خصمان ثالثا، أو في غير خصومة، كأن حكم اثنان في نكاح ثالثا.
(قوله: كما في النكاح) أي لفاقدة ولي خاص بنسب أو معتق، وهو تمثيل للتحكيم في غير الخصومة.
(قوله: رجلا) مفعول تحكيم المضاف إلى فاعله.
(قوله: أهلا لقضاء) صفة لرجلا.
(قوله: أي من له أهلية القضاء المختلفة) تفسير للمراد من الاهل للقضاء، وتقدم ضابط من له أهلية ما ذكر، وهو من له قدرة على استنباط الاحكام من الكتاب والسنة والقياس والاجماع.
(قوله: لا في خصوص تلك الواقعة) أي ليس المراد به من كان أهلا للقضاء في تلك المسألة الحادثة فقط (قوله: خلافا لجمع) أي قالوا بأن الشرط وجود الاهلية في خصوص تلك الواقعة لا مطلقا.
(قوله: ولو مع وجود قاض أهل) غاية في جواز تحكيم رجل أهل: أي يجوز تحكيم الاهل، ولو مع وجود قاض أهل في تلك البلدة.
(قوله: خلافا للروضة) أي القائلة بعدم جواز التحكيم مع وجوده.
(قوله: أما غير الاهل) مفهوم قوله أهلا.
(قوله: أي مع وجود الاهل) أنظر ما المراد بالاهل: هل هو خصوص القاضي، أو ما يعمه وغيره؟ والظاهر أن المراد الاول، وإلا بأن كان المراد الثاني نافته الغاية بعد: أعني قوله وإن كان ثم مجتهد.
(قوله: وإلا مجاز) أي وإن لم يوجد قاض أهل على ما مر، بأن لم يوجد قاض أصلا، أو وجد لكنه غير أهل، جاز تحكيم غير الاهل، وهو ضعيف، كما يفيده الاستدراك بعد.
(قوله: ولو في النكاح) أي ولو كان التحكيم في النكاح فإنه يجوز.
(قوله: وإن كان ثم مجتهد) أي غير قاض.
(قوله: كما جزم به) أي بما ذكر من عدم جواز تحكيم غير الاهل مع وجود الاهل، وجواز تحكيمه مع عدم
стр. 1423
زكريا.
لكن الذي أفتاه أن المحكم العدل لا يزوج إلا مع فقد القاضي ولو غير أهل.
ولا يجوز تحكيم غير العدل مطلقا ولا يفيد حكم المحكم إلا برضاهما به لفظا لا سكوتا فيعتبر رضا الزوجين معا في النكاح، نعم: يكفي سكوت البكر إذا استؤذنت في التحكيم ولا يجوز التحكيم مع غيبة الولي ولو إلى مسافة القصر إن كان ثم قاض - خلافا لابن العماد - لانه ينوب عن الغائب بخلاف المحكم: ويجوز له أن يحكم بعلمه على الاوجه.
(وينعزل القاضي) أي يحكم بانعزاله ببلوغ خبر العزل له ولو من عدل (و) ينعزل (نائبه) في عام أو خاص بأن
ــ
وجوده، وفيه أنه لم يجزم بهذا شيخه، وإنما ذكره وأحاله على ما مر منه في النكاح، من أنه لا يجوز مع وجود الحاكم، ونض عبارته هنا وأما غير الاهل فلا يجوز تحكيمه - أي مع وجود الاهل - وإلا جاز، ولو في النكاح على ما مر فيه.
اه.
وقوله: على ما مر: أي في باب النكاح.
ونص عبارته هناك: نعم لو لم يكن لها ولي، جاز لها أن تفوض مع خاطبها أمرها إلى مجتهد عدل، فيزوجها ولو مع وجود الحاكم المجتهد، أو إلى عدل غير مجتهد ولو مع وجود مجتهد غير قاض،
فيزوجها لا مع وجود حاكم ولو غير أهل، كما حررته في شرح الإرشاد.
اه.
(قوله: لكن الذي أفتاه) أي أفتى به شيخه ابن حجر، وعبارته تفيد إن هذا هو ما جزم به في فتاويه مع أنه جزم به في غيرها - كما يعلم من عبارته في باب النكاح - ثم إن هذا هو الذي جزم به في النهاية أيضا ونصها: نعم لا يجوز تحكيم غير مجتهد مع وجود قاض، ولو قاضي ضرورة.
اه.
ونقله سم وأقره فهو المعتمد.
(وقوله: ولو غير أهل) أي ولو كان القاضي غير أهل.
قال البجيرمي: فيمتنع التحكيم الآن لوجود القضاة ولو قضاة ضرورة، كما نقله زي عن م ر، إلا إذا كان القاضي يأخذ مالا له وقع، فيجوز التحكيم حينئذ كما قاله ح ل.
اه.
(قوله: ولا يجوز تحكيم غير العدل مطلقا) أي سواء فقد القاضي أم لا.
(قوله: ولا يفيد حكم المحكم) أي لا ينفع ويؤثر.
(وقوله: إلا برضاهما) أي الخصمين من قبل الحكم، ويشترط استمراره إلى انتهائه.
قال في التحفة: نعم إن كان أحد الخصمين القاضي الذي له الاستخلاف واستمر رضاه، لم يؤثر عدم رضا خصمه، لان المحكم نائبه.
(وقوله: به) أي بالحكم الذي يستحكم به.
(وقوله: لفظا) أي بأن يقولا له حكمناك لتحكم بيننا، ورضينا بحكمك.
(وقوله: لا سكوتا) أي فلا يكفي (قوله: فيعتبر رضا الزوجين معا) قال ع ش أي فلا يكتفي بالرضا من ولي المرأة والزوج، بل الرضا إنما يكون بين الزوجين حيث كانت الولاية للقاضي.
اه.
(قوله: نعم إلخ) استدراك من اعتبار رضا الزوجين: أي باللفظ.
(قوله: ولايجوز التحكيم مع غيبة الولي) هذا كالتقييد لما تقدم، فكأنه قال محل جواز التحكيم في النكاح إذا لم يكن الولي غائبا بأن كان مفقودا بالكلية.
(قوله: ولو إلى مسافة القصر) أي لا يجوز التحكيم مع غيبة الولي، ولو كانت غيبته إلى مسافة القصر (قوله: إن كان ثم) أي في البلدة التي يراد التحكيم فيها.
(قوله: خلافا لابن العماد) أي القائل بجوازه عند غيبته ولو كان هناك قاض (قوله: لأنه) أي القاضي وهي علة لعدم جواز التحكيم حين إذ غاب الولي.
(قوله: بخلاف المحكم) أي فإنه لا ينوب عن الغائب، فلا يجوز تحكيمه مع وجود الغائب.
(قوله: ويجوز له) أي للمحكم أن يحكم بعلمه كقاضي الضرورة كما مر.
(وقوله: على الأوجه) أي عند ابن حجر، وأما عند م ر فالاوجه عدم الجواز قال: لانحطاط رتبته عن القاضي.
(قوله: وينعزل القاضي إلخ) شروع فيما يقتضي انعزال القاضي وما يذكر معه.
وقد أفرده الفقهاء بفصل مستقل.
(قوله: ببلوغ خبر العزل) أي الصادر من الامام بأخذ الاسباب الآتية.
(قوله: ولو من عدل) أي ولو كان بلغه الخبر، أي وصل إليه من عدل واحد فإنه ينعزل به.
وعبارة التحفة وبحث الأذرعي الاكتفاء في العزل بخبر واحد مقبول الرواية، والقياس ما قاله الزركشي أنه لا بد من عدلي الشهادة أو الاستفاضة كالتولية، لا يقال يتعين على من علم عزله أو ظنه أن يعمل باطنا بمقتضى علمه أو ظنه كما هو قياس نظائره،
لأنا نقول إنما يتجه ذلك إن قلنا بعزله باطنا قبل أن يبلغه خبره، وقد تقرر أن الوجه خلافه.
اه.
وإذا علمتها تعلم أن المؤلف وافق الاذرعي في الاكتفاء بالواحد، وخالف شيخه.
(قوله: وينعزل نائبه) أي نائب القاضي الذي عزل، ولو قاضي الاقليم، لان القصد بالاستنابة المعاونة، وقد زالت ولايته فطلبت المعاونة.
(قوله: في عام) متعلق بنائبه، أي نائبه في أمر عام، كأن أنابه في كل الاحكام.
(وقوله: أو خاص) أي أمر خاص كسماع شهادة في حادثة معينة على ميت أو
стр. 1424
يبلغه خبر عزل مستخلفه له أو الامام لمستخلفه إن أذن له أن يستخلف عن نفسه أو أطلق (لا) حال كون النائب نائبا (عن إمام) في عام أو خاص بأن قال للقاضي إستخلف عني فلا ينعزل بذلك وإنما انعزل القاضي ونائبه (بخبره) أي ببلوغ خبر العزل المفهوم من ينعزل لا قبل بلوغه ذلك لعظم الضرر في نقض أقضيته لو انعزل، بخلاف الوكيل فإنه ينعزل من حين العزل ولو قبل بلوغ خبره.
ومن علم عزله لم ينفذ حكمه له إلا أن يرضى بحكمه فيما يجوز التحكيم فيه (و) ينعزل أيضا كل منهما بأحد أمور (عزل نفسه) كالوكيل (وجنون) وإغماء وإن قل زمنهما (وفسق) أي ينعزل بفسق من لم يعلم موليه بفسقه الاصلي أو الزائد على ما كان حال توليته وإذا زالت
ــ
غائب.
(قوله: بأن يبلغه) أي النائب، والجار والمجرور متعلق بينعزل، أي ينعزل النائب ببلوغه خبر عزل مستخلفه له، وإضافة عزل إلى ما بعده من إضافة المصدر لفاعله.
(قوله: أو الامام إلخ) بالجر عطف على مستخلفه: أي أو يبلغه خبر عزل الامام لمستخلفه.
قال في شرح الروض: قال البلقيني: ولو بلغه الخبر ولم يبلغه نوابه لا ينعزلون حتى يبلغهم الخبر، وتبقى ولاية أصلهم مستمرة حكما، وإن لم ينفذ حكمه، ويستحق ما رتب له على سد الوظيفة.
قال: ولو بلغ النائب قبل أصله فالقياس أنه لا ينعزل وينفذ حكمه حتى يبلغ الأصل.
اه.
(قوله: إن أذن إلخ) أي ومحل انعزاله ببلوغه خبر عزل الامام لمستخلفه إن كان الإمام أذن له أن يستخلف عن نفسه، بأن قال الامام له: وليتك القضاء واستخلف عن نفسك، أو أطلق بأن قال له: استخلف، ولم يقل له عن نفسك ولا عني.
ومثل ذلك ما إذا لم يأذن له في الاستخلاف.
(قوله: لا حال كون النائب إلخ) أي ولا إن كان قيما ليتيم، أو وقف، فلا ينعزل بانعزال القاضي لئلا تختل مصالحهما.
(قوله: بأن قال) أي الإمام (قوله: فلا ينعزل) أي النائب بذلك: أي بانعزال القاضي، وذلك لانه خليفة الامام، والقاضي إنما هو سفير في التولية.
(قوله: وإنما انعزل إلخ) دخول على المتن.
(قوله: لا قبل بلوغه ذلك) أي لا ينعزل كل من القاضي ونائبه قبل بلوغ خبر العزل.
(قوله: لعظم الخ) تعليل لكون العزل إنما يثبت بعد بلوغ الخبر لا قبله.
(وقوله: في نقض أقضيته) أي في رد أقضيته الصادرة منه بعد العزل في الواقع وقبل أن يعلم به.
(وقوله: لو انعزل) أي لو حكم عليه بالانعزال قبل بلوغ الخبر.
(قوله: بخلاف الوكيل الخ) أي لأن من شأنه عدم عظم الضرر في نقض تصرفاته.
(قوله: فإنه) أي الوكيل، سواء كان وكيلا عن صاحب المال مثلا، أو عن وكيل صاحب المال، بأن إذن له في أن يوكل عن نفسه أو أطلق.
(وقوله: من حين العزل) أي عزل الموكل صاحب المال له، أو عزل صاحب المال لموكله.
(قوله: ومن علم عزله الخ) كالإستثناء من عدم انعزاله قبل بلوغ خبره، فكأنه قال: ومحل عدم ثبوت انعزاله بالنسبة لمن لم يعلم به.
أما بالنسبة له فيثبت، ولا ينفذ حكمه لعلمه أنه غير حاكم باطنا.
قال في التحفة بعد نقله ما ذكر عن الماوردي: وإنما يتجه إن
صح ما قاله أنه غير حاكم باطنا على ما اقتضاه إطلاقهم أنه قبل أن يبلغه خبر عزله باق على ولايته ظاهرا وباطنا، فلا يصح ما قاله.
ألا ترى أنه لو تصرف بعد العزل وقبل بلوغ الخبر بتزويج من لا ولي لها مثلا، لم يلزم الزوج باطنا ولا ظاهرا انعزالها؟.
اه.
(قوله: إلا أن يرضى الخ) أي فينفذ حكمه فيه.
(وقوله: فيما يجوز التحكيم فيه) أي وهو ما كان غير حد وتعزير لله تعالى، كما مر.
(قوله: وينعزل أيضا) أي كما أنه ينعزل ببلوغه خبر العزل.
(قوله: كل منهما) أي القاضي ونائبه.
(قوله: بأحد أمور) متعلق بينعزل.
(قوله: عزل نفسه) بدل من أحد أمور بالنسبة للشرح، ومعطوف على خبره بالنسبة للمتن، ومحله ما لم يتعين، وإلا فلا ينفذ عزله لنفسه كما سيذكره.
(قوله: وجنون وإغماء) معطوفان على عزل نفسه.
(قوله: وإن قل زمنهما) أي الجنون والاغماء.
قال في فتح الجواد: كما اقتضاه إطلاقهم، لكن مر في نحو الشركة أنه لا انعزال به، إلا إن كان زمنه بقدر ما بين صلاتين، فيحتمل أن يقال هنا بذلك، ويحتمل الفرق بأنه يحتاط هنا ما لا يحتاط به، ثم ولعل هذا أقرب اه.
وقوله: ولعل إلخ: جرى عليه في التحفة، وعبارتها: ولو لحظة - خلافا للشارح -.
اه.
(قوله: وفسق) إنما لم ينعزل الامام الاعظم به، لما فيه من اضطراب الامور وحدوث الفتن.
(قوله: أي ينعزل بفسق) يقرأ بالتنوين، وفاعل للفعل من لم يعلم.
(قوله: حال توليته) ظرف متعلق بيعلم المنفي: أي لم يعلم موليه
стр. 1425
هذه الاحوال لم تعد ولايته إلا بتولية جديدة في الاصح.
ويجوز للامام عزل قاض لم يتعين بظهور خلل لا يقتضي إنعزاله ككثرة الشكاوي فيه وبأفضل منه وبمصلحة كتسكين فتنة سواء أعزله بمثله أو بدونه وإن لم يكن شئ من ذلك لم يجز عزله لانه عبث ولكن ينفذ العزل.
أما إذا تعين بأن لم يكن ثم من يصلح غيره فيحرم على موليه عزله ولا ينفذ، وكذا عزله لنفسه حينئذ بخلافه في غير هذه الحالة فينفذ عزله لنفسه وإن لم يعلم موليه (ولا ينعزل قاض بموت إمام) أعظم ولا بانعزاله لعظم شدة الضرر بتعطيل الحوادث وخرج بالامام القاضي
ــ
حال توليته إياه بفسقه الاصلي، أو علم به لكنه لم يعلم بما زاد عليه حال التولية أيضا، فإن علم موليه بذلك حالها، فلا ينعزل به، لما تقدم أنه إذا ولى سلطان أو ذو شوكة غير أهل، نفذ قضاؤه للضرورة، وكلامه صريح في أن فسقه أو ما زاد عليه لم يطرأ بعد التولية، بل هو موجود حال التولية، إلا أنه لم يعلم موليه به، وكلام غيره صريح في أنه طارئ بعد التولية.
ولو أبقي المتن على ظاهره لكان يمكن حمله عليه، بخلافه بعد أن فصل فيه بين علم موليه به وعدم علمه به حال التولية، فلا يمكن حمله عليه لأنه لم يكن موجودا إذ ذاك حتى يفصل فيه بما ذكر.
(قوله: وإذا زالت هذه الاحوال) أي الجنون والاغماء والفسق.
(وقوله: لم تعد ولايته) أي لم ترجع له إلا بتولية جديدة من الامام، لان ما بطل لا يعود إلا بتجديد عقده.
(وقوله: في الأصح) مقابله يقول تعود من غير تولية جديدة، قياسا على الاب إذا جن ثم أفاق، أو فسق ثم تاب، فإنه تعود له الولاية على موليه بعد ذلك.
(قوله: ويجوز للامام عزل قاض) أي لما روى أبو داود أنه ﷺ : عزل إماما صلى بقوم بصق في القبلة، وقال: لا يصلي بهم بعدها أبدا.
وإذا جاز هذا في إمام الصلاة، جاز في القاضي بل أولى، إلا أن يكون متعينا فلا يجوز له عزله.
ولو عزل لم ينعزل.
اه.
شرح الروض.
(قوله: لم يتعين) أي للقضاء بأن
وجد من يصلح للقضاء غيره.
(قوله: بظهور خلل) متعلق بعزل (وقوله: لا يقتضي انعزاله) الجملة صفة لخلل: أي خلل موصوف بكونه غير مقتض لانعزاله، فإن اقتضاه لم يحتج إلى عزل الامام له، لانعزاله بنفس ذلك الخلل المقتضي له، وهو كالفسق والجنون إلى آخر ما تقدم (قوله: ككثرة الخ) تمثيل للخلل الذي لا يقتضي انعزاله.
(وقوله: الشكاوي) أي من الرعية بسبب تضررها منه.
(وقوله: فيه) أي في القاضي.
(قوله: وبأفضل منه) معطوف على بظهور خلل، أي ويجوز عزله بوجود أفضل منه، وإن لم يظهر فيه خلل، رعاية للاصلح للمسلمين، ولا يجب العزل لذلك، وإن قلنا إن ولاية المفضول لا تنعقد مع وجود الفاضل، لان الغرض حدوث الافضل بعد الولاية، فلم يقدح فيها أفاده في التحفة.
(قوله: وبمصلحة) معطوف أيضا على بظهور خلل: أي ويجوز عزله بسبب وجود مصلحة في العزل، كتسكين فتنة، ولو لم يعزل يخاف من حدوثها.
(وقوله: سواء أعزله بمثله أم بدونه) أي سواء عزله بذلك مع وجود مثله يوليه في مكانه أم دونه، فالباء بمعنى مع، وهي مضافة لمحذوف (قوله: وإن لم يكن شئ من ذلك) أي من المذكور من ظهور خلل، ووجود أفضل منه، وظهور مصلحة.
(وقوله: لم يجز عزله لانه عبث) أي وتصرف الامام يصان عنه.
(وقوله: ولكن ينفذ العزل) أي مع إثم المولى والمتولي بذلا لطاعة السلطان.
قال في النهاية: وهذا في الامر العام، أما الوظائف الخاصة كإمامة وأذان وتصوف وتدريس وطب ونحوها، فلا تنعزل أربابها بالعزل من غير سبب - كما أفتى به جمع متأخرون - وهو المعتمد.
ومحل ذلك حيث لم يكن في شرط الواقف ما يقتضي خلاف ذلك.
اه.
وقوله: خلاف ذلك) أي وهو العزل من غير سبب بأن قال الواقف، وللناظر عزله وتولية آخر من غير سبب.
(قوله: أما إذا تعين إلخ) مفهوم قوله لم يتعين.
(قوله: بأن لم يكن ثم) أي في تلك الناحية من يصلح للقضاء غيره.
(قوله: فيحرم الخ) جواب أما.
(قوله: ولا ينفذ) أي عزله.
(قوله: وكذا عزله لنفسه حينئذ) أي وكذا يحرم عزله لنفسه مع عدم نفوذه حين إذ تعين للقضاء.
(قوله: بخلافه في غير هذه الحالة) أي بخلاف عزله لنفسه في غير حالة التعيين.
(قوله: فينفذ عزله لنفسه) أي ولا يحرم، وهو تفريع على قوله بخلافه إلخ.
(وقوله: وإن لم يعلم موليه) غاية في النفوذ.
(قوله: ولا ينعزل قاض) أي ولو قاضي ضرورة إذا لم يوجد مجتهد صالح، أما مع وجوده، فإن رجى توليه انعزل، وإلا فلا فائدة في انعزاله.
ع ن.
اه.
بجيرمي.
ومثل القاضي - في عدم انعزاله - الامير، والمحتسب، وناظر الجيش، ووكيل بيت المال، وما أشبه ذلك.
(قوله: ولا بانعزاله)
стр. 1426
فينعزل نوابه بموته (ولا يقبل قول متول في غير محل ولايته) وهو خارج عمله (حكمت بكذا) لانه لا يملك إنشاء الحكم حينئذ فلا ينفذ إقراره به وأخذ الزركشي من ظاهر كلامهم أنه إذا ولي ببلد لم يتناول مزارعها وبساتينها فلو زوج وهو بأحدهما من هي بالبلد أو عكسه لم يصح، قيل، وفيه نظر قال شيخنا والنظر واضح بل الذي يتجه أنه إن علمت عادة بتبعية أو عدمها فذلك وإلا اتجه ما ذكره اقتصارا على ما نص له عليه وأفهم قول المنهاج أنه في غير محل ولايته كمعزول أن لا ينفذ منه فيه تصرف استباحه بالولاية كإيجار وقف نظره للقاضي وبيع مال يتيم وتقرير في وظيفة.
قال شيخنا وهو ظاهر (ك) - ما لا يقبل قول (معزول) بعد انعزاله ومحكم بعد
ــ
أي الامام الاعظم بسبب كفره، أو عزله لنفسه.
(قوله: لعظم شدة الخ) إضافة عظم إلى ما بعده للبيان: أي لعظم، هو
شدة الضرر.
وفي التحفة والنهاية: لعظم الضرر فقط، بدون زيادة شدة، وهو الأولى.
(وقوله: بتعطيل الحوادث) الباء سببية متعلقة بعظم: أي إن عظم الضرر حاصل بسبب تعطيل الحوادث: أي الاحكام لو انعزل القاضي بانعزال الامام أو بموته.
(قوله: فينعزل نوابه) أي القاضي.
(وقوله: بموته) أي القاضي: أي أو بانعزاله بما مر، كما مر.
(قوله: ولا يقبل) أي إلا ببينة.
(وقوله: قول متول في غير محل ولايته) أي ولو على أهل محل ولايته.
زي.
(قوله: وهو) أي غير محل ولايته.
(وقوله: خارج عمله) أي تصرفه.
قال في التحفة: لا خارج مجلسه - خلافا لمن وهم فيه - إلا أن يريد أن موليه قيد ولايته بذلك المجلس.
اه.
(قوله: حكمت بكذا) مقول القول، سواء أقالها على وجه الاقرار، أو على وجه الانشاء.
(قوله: لأنه) أي المتولي في غير محل ولايته.
(وقوله: لا يملك إنشاء الحكم حينئذ) أي حين إذ كان في غير محل ولايته.
(قوله: فلا ينفذ إقراره به) أي بالحكم في غير محل ولايته.
(قوله: من ظاهر كلامهم) أي الفقهاء.
(قوله: أنه الخ) المصدر المنسبك مفعول أخذ.
(قوله: لم يتناول) أي توليه المفهوم من ولى، أو حكمه المعلوم من المقام (وقوله: مزارعها) أي البلد.
(وقوله: وبساتينها) عطف خاص على عام.
(قوله: فلو زوج) أي القاضي، وهو تفريع على قوله لم يتناول الخ.
(وقوله: وهو) أي القاضي.
(وقوله: بأحدهما) أي المزارع، أو البساتين.
(قوله: من هي بالبلد) مفعول زوج.
(قوله: أو عكسه) أي بأن زوج من هو في البلد من كانت في أحدهما.
(قوله: لم يصح) أي التزوج، وهو جواب لو.
(قوله: قيل وفيه نظر) أي وفيما أخذه الزركشي من ظاهر كلامهم: أي في إطلاقه نظر.
(قوله: والنظر واضح) وجهه أنه قد يقتضي العرف تبعية المزارع أو البساتين للبلد، فلا يصح إطلاق القول بعد نفوذ حكمه فيهما حينئذ.
(قوله: بل الذي يتجه الخ) حاصله أنه إن اطرد عرف بالتبعية نفذ حكمه فيهما، وإلا فلا ينفذ، وإن لم يطرد عرف لا بتبعية ولا غيرها اقتصر على ما نص عليه فلا يتجاوزه.
(قوله: بتبعية) أي تبعية المزارع والبساتين للبلد.
(وقوله: أو عدمها) أي التبعية (قوله: فذلك) أي واضح: أي فيعمل بما جرت به العادة.
(قوله: وإلا) أي وهن لم تعلم عادة لا بتبعية ولا غيرها.
(وقوله: اتجه ما ذكره) أي الزركشي من أنه إذا ولى ببلد لم يتناول مزارعها وبساتينها.
(قوله: اقتصارا الخ) علة لاتجه ما ذكره: أي وإنما اتجه ما ذكره إن علمت عادة بتبعية أو عدمها، اقتصارا على المحل الذي نص الامام عليه في الولاية، وهو هنا البلد فيقتصر عليها، ولا يتجاوز حكمه غيرها من البساتين والمزارع.
(قوله: أنه الخ) الجملة مقول قول المنهاج: أي أن القاضي بالنسبة لغير محل ولايته كائن كمعزول.
(قوله: أنه لا ينفذ الخ) المصدر المنسبك مفعول افهم.
(وقوله: فيه) أي في غير محل ولايته.
(وقوله: تصرف) فاعل ينفذ (وقوله: استباحه بالولاية) الجملة صلة لتصرف
أي تصرف موصوف بكونه استباحة بسبب الولاية.
(قوله: كإيجار وقف) مثال للتصرف الذي يستبيحه بالولاية، ولا ينفذ فيه إن كان في غير محل ولايته.
(وقوله: نظره للقاضي) أي النظر على ذلك الوقف كائن للقاضي.
(قوله: وبيع مال الخ) معطوف على إيجار وقف: أي وكبيع مال يتيم وتقرير أحد في وظيفة، وهما مثالان أيضا للتصرف الذي يستبيحه بالولاية، ولا ينفذ منه إن كان في غير محل ولايته.
(قوله: قال شيخنا وهو) أي ما أفهمه قول المنهاج ظاهر.
وقال بعده: كتزويج من ليست بولايته، وظاهر هطا إنه لا يصح استخلافه قبل وصوله لمحل ولايته من يحكم بها، فإفتاء بعضهم بصحته
стр. 1427
مفارقة مجلس حكمه حكمت بكذا لانه لا يملك إنشاء الحكم حينئذ فلا يقبل إقراره به ولا يقبل أيضا شهادة كل منهما بحكمه لانه يشهد بفعل نفسه إلا إن شهد بحكم حاكم ولا يعلم القاضي أنه حكمه فتقبل شهادته إن لم يكن فاسقا، فإن علم القاضي أنه حكمه لم تقبل شهادته كما لو صرح به ويقبل قوله بمحل حكمه قبل عزله حكمت بكذا، وإن قال بعلمي لقدرته على الانشاء حينئذ حتى لو قال على سبيل الحكم نساء هذه القرية: أي المحصورات طوالق من أزواجهن قبل إن كان مجتهدا ولو في مذهب إمامه ولا يجوز لقاض أن يتبع حكم قاض
ــ
بعيد.
اه.
(قوله: كما لا يقبل قول معزول) أي قاض معزول، والكاف للتنظير.
(قوله: بعد انعزاله) متعلق بقول.
(قوله: ومحكم) معطوف على معزول: أي وكما لا يقبل قول محكم بعد مفارقة المجلس الذي وقع الحكم فيه.
(قوله: حكمت بكذا) مقول لقول كل من المعزول والمحكم.
(قوله: لأنه) أي المذكور من المعزول والمحكم، ولو قال لانهما لكان أولى.
(قوله: حينئذ) أي حين إذ صدر القول المذكور بعد الانعزال وبعد مفارقة مجلس الحكم.
(قوله: فلا يقبل إقراره) أي بعد الانعزال وبعد المفارقة المذكورة.
(وقوله: به) أي بالحكم.
(قوله: ولا يقبل أيضا) أي كما لا يقبل حكمهما حينئذ.
(قوله: شهادة كل منهما) أي من المعزول والمحكم، ومثلهما المتولي في غير محل ولايته.
ولو قال شهادة من ذكر ليشمل الجميع لكان أولى.
(وقوله: بحكمه) خرج به ما لو شهد أن فلانا أقر في مجلسه بكذا فيقبل.
(قوله: لأنه) أي كلا منهما.
(وقوله: يشهد بفعل نفسه) أي فعل نفسه: أي والشهادة على ذلك غير صحيحة.
قال في التحفة: وفارق المرضعة بأن فعلها غير مقصود بالاثبات، مع أن شهادتها لا تتضمن تزكية نفسها، بخلاف الحاكم فيهما.
اه.
(قوله: إلا إن شهد إلخ) استثناء من عدم قبول شهادته على فعل نفسه: أي لا يقبل ذلك إلا إن شهد كل منهما بحكم حاكم، ولم يضفه لنفسه بأن قال أشهد أنه حاكم حكم بهذا، أو ثبت هذا عند حاكم ولا يعلم القاضي الذي حصلت الدعوى عنده أن هذا الحكم حكم الشاهد الذي شهد به فتقبل شهادته، لانه لم يشهد على فعل نفسه ظاهرا، واحتمال المبطل لا أثر له.
(وقوله: إن لم يكن فاسقا) قيد في قبول الشهادة من المذكور.
وخرج به ما إذا كان فاسقا فلا تقبل شهادته، لانتفاء شرط الشهادة.
(قوله: فإن علم القاضي) أي المشهود عنده، وهو مفهوم قوله ولا يعلم إلخ.
(وقوله: أنه) أي الحكم الذي شهد به.
(وقوله: حكمه) أي الشاهد.
(قوله: لم تقبل شهادته) جواب إن.
قال في التحفة: وقد يشكل عليه ما في فتاوي البغوي، إشترى شيئا فغصبه منه غاصب فادعى عليه به وشهد له البائع بالملك
مطلقا قبلت شهادته، وإن علم القاضي أنه البائع له، كمن رأى عينا في يد شخص يتصرف فيها تصرف الملاك، له أن يشهد له بالملك مطلقا، وإن علم القاضي أنه يشهد بظاهر اليد فيقبله، وإن كان لو صرح به لم يقبل.
ثم رأيت الغزي نظر في مسألة البيع، وقد يجاب بأن التهمة في مسألة الحكم أقوى، لان الانسان مجبول على ترويج حكمه ما أمكنه، بخلاف المسألتين الاخيرتين اه.
(قوله: كما لو صرح به) أي بأنه حكمه عند أداء الشهادة، فلا تقبل شهادته.
(قوله: ويقبل قوله) أي القاضي.
(وقوله: بمحل حكمه) أي ولايته، وهو وما بعده متعلقان بلفظ قوله: ويحتمل أن يكونا متعلقين بمحذوف حال من ضمير قوله: أي ويقبل قول القاضي حال كونه كائنا في محل ولايته، وحال كونه قبل عزله.
(وقوله: حكمت بكذا) مقول القول.
(قوله: وإن قال بعلمي) غاية في القبول: أي يقبل قوله ما ذكر وإن قال حكمت بعلمي: أي لا ببينة ولا إقرار.
(قوله: لقدرته على الانشاء حينئذ) أي حين إذ كان في محل ولايته وقبل العزل.
(قوله: حتى لو قال) حتى تفريعية، أي فلو قال القاضي.
(وقوله: على سبيل الحكم) أي لا على سبيل الاخبار.
(وقوله: نساء هذه القرية) مبتدأ خبره طوالق.
(قوله: أي المحصورات) عبارة التحفة: وبحث الأذرعي أن محله - أي قبول قوله المذكور - في المحصورات، وإلا فهو كاذب مجازف، وفي قاض مجتهد ولو في مذهب إمامه.
قال: ولا ريب عندي في عدم نفوذه من جاهل أو فاسق.
اه.
(قوله: قبل) جواب لو.
(قوله: إن كان إلخ) قيد في القبول، أي محل قبول قول القاضي ما ذكر أن كان مجتهدا.
(وقوله: ولو في مذهب إمامه) أي ولو كان مجتهدا في مذهب إمامه فإنه يكفي، ولا يشترط أن يكون مجتهدا مطلقا.
(قوله: ولا يجوز لقاض أن يتبع) يقرأ بتشديد التاء، وأصله يتتبع بتاءين فأدغم أحدهما في الآخر.
وعبارة
стр. 1428
قبله صالح للقضاء (وليسو القاضي بين الخصمين) وجوبا في إكرامهما وإن اختلفا شرفا وجواب سلامهما والنظر إليهما والاستماع للكلام وطلاقة الوجه والقيام فلا يخص أحدهما بشئ مما ذكر.
ولو سلم أحدهما انتظر الآخر ويغتفر طول الفصل للضرورة أو قال له سلم ليجيبهما معا ولا يمزح معه وإن شرف بعلم أو حرية والاولى أن يجلسهما بين يديه.
ــ
الفتح: أن يتتبع بالفك من غير إدغام، وقد عقد في الروض وشرحه لهذه المسألة فصلا فقال: فصل في جواز تتبع القاضي حكم من قبله من القضاة الصالحين.
للقضاء وجهان: أحدهما نعم، واختاره الشيخ أبو حامد، وثانيهما المنع، لان الظاهر منه السداد، وبه جزم المحاملي، وصححه الفارقي، وعزاه الماوردي إلى جمهور البصريين، واقتضاه كلام الاصل في الباب الآتي، فإن تظلم شخص من معزول أو نائبه، سأله عما يريد منه، ولا يسارع إلى إحضاره فقد يقصد إبتذاله، فإن ادعى بأن ذكر أنه يدعي معاملة، أو إتلاف مال، أو عينا أخذها بغصب أو نحوه، أحضره وفصل خصومته منه كغيره.
وكذا لو ادعى عليه رشوة بتثليث الراء.
أو حكما بعبدين مثلا، أي بشهادة عبدين أو غيرهما ممن لا تقبل شهادته، وإن لم يتعرض للاخذ، أي أخذ المال المحكوم به منه، فإن أقام على المعزول بعد الدعوى عليه بينة، أو أقر المعزول
حكم عليه، وإلا صدق بيمينه، كسائر الامناء إذا ادعى عليهم خيانة، ولعموم خبر: البينة على المدعي واليمين على من أنكر إلخ.
اه.
(قوله: وليسو القاضي إلخ) لما فرغ من شروط القاضي، شرع في الامر المطلوب منه وفي المحرم عليه، وبدأ بالاول فقال: وليسو الخ.
(قوله: بين الخصمين) أي وإن وكلا، فلا يرفع الموكل على الخصم لان الدعوى متعلقة به أيضا، بدليل أنه إذا وجبت يمين وجب تحليفه، وكثير يوكل خلاصا من ورطة التسوية بينه وبين خصمه، وهو جهل قبيح (قوله: في إكرامهما) متعلق بيسو: أي وليسو في إكرام الخصمين: أي بسائر وجوه الاكرام، وفي الكلام اكتفاء، أي وفي عدم إكرامهما، كطلاقة وجه وضدها، وقيام وضده ونظر إليهما وضده، وهكذا.
(قوله: وإن اختلفا شرفا) أي فضيلة، وهو غاية للتسوية، ومحله ما لم يختلفا بالاسلام والكفر، وإلا فيجب أن يميز المسلم على الكافر في سائر وجوه الاكرام: كأن يجلس المسلم أقرب إليه، كما جلس سيدنا علي ﵁ بجنب شريح في خصومة له مع يهودي، وقال له لو كان خصمي مسلما لجلست معه بين يديك، لكني سمعت النبي ﷺ يقول: لا تساووهم في المجالس.
رواه البيهقي.
(قوله: وجواب سلامهما) معطوف هو وما بعده على إكرامهما، من عطف الخاص على العام.
وعبارة المنهج: وليسو بين الخصمين في الاكرام، كقيام، ودخول، واستماع، وطلاقة وجه إلخ.
اه.
وهي أولى من عبارة المؤلف.
(قوله: والنظر إليهما) أي وليسو في النظر إلى الخصمين، فلا ينظر لاحدهما دون الآخر، لئلا ينكسر قلب الآخر.
(قوله: والاستماع للكلام) أي وليسو في استماع كلامهما، فلا يسمع كلام أحدهما دون الآخر لما مر.
(قوله: وطلاقة الوجه) أي وليسو في طلاقة الوجه، أي إظهار الفرح لهما، فلا يخص أحدهما بطلاقة الوجه لما مر.
(قوله: والقيام) أي وليسو بينهما في القيام لهما، فلا يقوم لاحدهما دون الآخر لما مر، فلو قام لاحدهما ولم يعلم أنه في خصومة، ينبغي أن يقوم للآخر، أو يعتذر بأنه لم يعلم أنه جاء في خصومة.
(قوله: فلا يخص أحدهما) أي الخصمين، وهو تفريع على قوله وليسو الخ.
(وقوله: بشئ مما ذكر) أي من جواب السلام، والنظر والاستماع للكلام، وطلاقة الوجه، والقيام.
(قوله: ولو سلم إلخ) الأولى التفريع بالفاء.
(وقوله: أحدهما) أي الخصمين.
(وقوله: انتظر) أي القاضي الآخر: أي سلامه، فيجيبهما معا.
وفي البجيرمي: قال بعضهم إن ما ذكر هنا يخالف ما سبق في السير من أن ابتداء السلام سنة كفاية من جمع، فإذا حضر جمع وسلم أحدهم كفى عن الباقين.
اه.
(قوله: ويغتفر طول الفصل) أي بين الرد وسلام الاول.
(وقوله: للضرورة) أي وهي المحافظة على التسوية.
(قوله: أو قال له سلم) واغتفر هذا التكلم بأجنبي ولم يكن قاطعا للرد لضرورة التسوية أيضا.
قال زي: فلو لم يسلم ترك جواب الاول محافظة على
التسوية.
اه.
قال البجيرمي.
وفيه أنه يلزم عليه ترك واجب لتحصيل واجب، فما المرجح إلا أن يقال المرجح الاحتياط للمحافظة على التسوية.
اه.
(قوله: ولا يمزح الخ) معطوف على (قوله: فلا يخص أحدهما) أي ولا يمزح القاضي مع
стр. 1429
فرع: لو ازدحم مدعون قدم الاسبق فالاسبق وجوبا كمفت ومدرس فيقدمان وجوبا بسبق، فإن استووا أو جهل سابق أقرع وقال شيخنا، وظاهر أن طالب فرض العين مع ضيق الوقت يقدم كالمسافر.
ويستحب كون مجلسه الذي يقضي فيه فسيحا بارزا ويكره أن يتخذ المسجد مجلسا للحكم صونا له عن اللغط وارتفاع
ــ
أحد الخصمين، لئلا ينكسر قلب الآخر ويتضرر به.
وتخصيص المزح بكونه مع أحد الخصمين ليس بقيد، بل مثله بالأولى، ما إذا كان مع الخصمين، كما صرح به في الروض وشرحه ونصهما: وليقبل عليهما بقلبه، وعليه السكينة بلا مزح معهما أو مع أحدهما، ولا نهر، ولا صياح عليهما ما لم يتركا أدبا، فإن تركا أدبا نهرهما وصاح عليهما.
ويندب أن يجلسا بين يديه ليتميزا.
وليكون إستماعه لك منهما أسهل، وإذا جلسا تقاربا، إلا أن يكونا رجلا وامرأة غير محرم فيتباعدان.
اه.
(قوله: وان شرف الخ) غاية لقوله لا يخص إلخ: أي لا يخص أحدهما بذلك، وإن شرف بعلم أو حرية أو نحوهما، وكان الأولى تقديمه على قوله ولو سلم أحدهما الخ.
(قوله: والاولى أن يجلسهما) أي الخصمين بين يديه لما مر آنفا.
ولو أجلس أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره جاز، لكنه خلاف الأولى.
(قوله: فرع) الأولى فروع (قوله: لو ازدحم مدعون) أي في مجلس الحكم وقد جاءوا مترتبين، وعرف السابق بدليل قوله بعد، فإن استووا أو جهل سابق.
(قوله: قدم الاسبق فالاسبق) أي المسلم، أما الكافر فيقدم عليه المسلم المسبوق.
قال في التحفة: والعبرة بسبق المدعي، لانه ذو الحق، وبحث البلقيني أنه لو جاء مدع وحده ثم مدع مع خصمه ثم خصم الاول قدم من جاء مع خصمه.
(قوله: كمفت ومدرس) أي في فرض العين أو الكفاية، أما في غير الفرض كالعروض، وزيادة التبحر، على ما يشترط في الاجتهاد المطلق، فالتقدم بالمشيئة والاختيار.
(قوله: فيقدمان) أي المفتي والمدرس.
ومفعول الفعل محذوف: أي يقدمان من جاء يستفتي أو يتعلم.
(وقوله: بسبق) متعلقان بيقدمان، وهذا إن كان ثم سبق، وعرف السابق بدليل ما بعد.
(قوله: فإن استووا) أي في مجيئهم عند القاضي، أو المفتي، أو المدرس، فهو مرتبط بالجميع ولو تمم الكلام على ما يتعلق بالقاضي ثم قال كمفت ومدرس لكان أولى.
(وقوله: أو جهل سابق) أي جهل من جاء أولا إليهم.
(وقوله: أقرع) أي بينهم، إذ لا مرجح لاحدهم على الآخر، وحينئذ يقدم من خرجت قرعته.
قال في الروض وشرحه: فإن كثروا وعسر الاقراع، كتب الرقاع أو كتب فيها أسماءهم وصبت بين يدي القاضي، ليأخذها واحدة واحدة، ويدعى من خرج إسمه في كل مرة، ويستحب أن يرتب ثقة يكتب أسماءهم يوم قضائه ليعرف ترتبهم، ولو قدم الاسبق غيره على نفسه جاز، ولا يقدم سابق وقارع: أي من خرجت قرعته إلا بدعوى واحدة، وإن اتحد المدعى عليه دفعا للضرر عن
الباقين، فإن كان له دعوى أخرى، إنتظر فراغهم، أو حضر في مجلس آخر.
ويستحب له عند إجتماع الخصوم عند تقديم مسافرين مستوفزين، أي متهيئين للسفر وخائفين من انقطاعهم عن رفقتهم إن تأخروا عن المقيمين، لئلا يتضرروا بالتخلف.
وتقديم نساء طلبا لسترهن.
ولو كان المسافرون والنساء مدعى عليهم، فإنه يستحب تقديمهم بدعاويهم إن كانت خفيفة، بحيث لا تضر بالمقيمين في الاولى، وبالرجال في الثانية إضطرارا بينا، ويقدم المسافر على المرأة المقيمة صرح به في الانوار.
اه.
بحذف.
(قوله: وقال شيخنا) أي في فتح الجواد ونص عبارته مع الأصل: كمفت ومدرس في فرض عين أو كفاية، فيقدمان وجوبا بسبق إلى مجلسهما ولو قبل حضورهما قياسا على ما مر في القاضي، فإن استووا، أو جهل سابق فبقرعة بفتوى أو درس واحد، نعم: إن ظهر له جواب المسبوق فقط، قدمه.
بحثه الاذرعي ويأتي في تقديم سفر: أي مسافرين ونساء ما مر، أما في غير الفرض، قال بعضهم كالعروض، فالتقديم بمشيئة المفتي أو المدرس، وظاهر أن طالب فرض العين مع ضيق الوقت يقدم كالمسافر بل أولى.
اه.
وإذا تأملتها تعلم أن عبارة شارحنا مختصرة منها، إلا أنه أخل في الاختصار من حيث إنه لم يستوف الكلام على القاضي أولا، ومن حيث أنه أطلق في المفتي والمدرس، ومن حيث إن قوله وظاهر أن طالب فرض الخ، يوهم إرتباطه بالقاضي كالمفتي والمدرس مع أنه مرتبط بالاخيرين فقط.
(قوله: ويستحب كون مجلسه الخ) ويستحب أيضا له أن يأتي المجلس راكبا ويسلم على الناس يمينا وشمالا، وأن يجلس على مرتفع كدكة وكرسي، ليسهل عليه النظر إلى الناس، ويسهل عليهم المطالبة بين يديه، وأن
стр. 1430
الاصوات.
نعم إن اتفق عند جلوسه فيه قضية أو قضيتان فلا بأس بفصلها (وحرم قبوله) أي القاضي (هدية من لا
ــ
يتميز عن غيره بفرش كمرتبة ووسادة وطيلسان وعمامة، وإن كان زاهدا متواضعا ليعرفه الناس، وليكون أهيب للخصوم وأرفق به، وأن يستقبل القبلة في جلوسه، لأنها أشرف الجهات، وأن يدعو عقب جلوسه بالتوفيق والسداد، والأولى أن يقول كما قال النبي ﷺ فيما روته أم سلمة: اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل، أو أزل أو أزل، أو أظلم أو أظلم، أو أجهل أو يجهل علي.
وكان الشعبي يقوله إذا خرج إلى مجلس القضاء ويزيد فيه: أو أعتدي أو يعتدى علي.
اللهم أغنني بالعلم، وزيني بالحلم، وألزمني التقوى حتى لا أنطق إلا بالحق، ولا أقضي إلا بالعدل.
وأن يشاور الامناء والفقهاء عند اختلاف وجوه النظر وتعارض الادلة، قال تعالى لنبيه ﷺ : * (وشاورهم في الامر) * قال الحسن البصري كان ﷺ مستغنيا عن المشاورة، ولكن أراد الله أن تكون سنة للحكام.
وخرج بقولنا عند اختلاف وجوه النظر وتعارض الادلة الحكم المعلوم بنص أو إجماع أو قياس جلي، فلا حاجة للمشاورة فيه.
وأن ينظر أولا في حال أهل الحبس، لانه
عذاب عليهم، فمن أقر بحق منهم فعل به مقتضاه، ومن ادعى منهم أنه مظلوم بالحبس طلب من خصمه حجة إن كان حاضرا، فإن لم يقمها صدق المحبوس بيمينه وأطلقه.
وإن كان غائبا كتب إليه ليحضر عاجلا هو أو وكيله، فإن لم يحضر صدقه بيمينه وأطلقه أيضا، لكن يحسن أن يأخذ منه كفيلا.
ثم بعد فراغه من النظر في حال المحبوسين، ينظر في حال الاوصياء، فمن ادعى منهم وصاية أثبتها عنده ببينة ثم يبحث عن حاله وتصرفه فيها، فمن وجده عدلا قويا أقره، ومن وجده فاسقا أو شك في عدالته، نزع المال منه ووضعه عند عدل.
ومن وجده عدلا ضعيفا قواه بمعين يضمه إليه.
ثم بعد ذلك ينظر في أمناء القاضي المنصوبين على المحاجير.
ثم في الوقف العام والمال والضال واللقطة، ويستحب أيضا أن يتخذ كاتبا للحاجة إليه، فإن القاضي قد لا يحسن الكتابة، وإن أحسنها فلا يتفرغ لها غالبا، ويشترط في الكاتب أن يكون عدلا لئلا يخون فيما يكتبه، حرا ذكرا عارفا بكتابة محاضر وسجلات وكتب حكمية، ليعلم كيفية ما يكتبه.
والمحاضر جمع محضر، وهو ما يكتب فيه حضر فلان وادعى على فلان بكذا، إلى آخر ما يقع من الخصمين من غير حكم، والسجلات جمع سجل، وهو ما يسجل فيه الحكم بعد الدعوى، ويحفظ في بيت القاضي، والكتب الحكمية هي المعروفة الآن بالحجج، وهو ما يكتب فيه ذلك ويكتب القاضي عليه خطه، ثم يعطى للخصم، وأن يتخذ له مترجمين يترجمان له كلام من لا يعرف لغته من خصم أو شاهد، وإن كان ثقيل السمع إتخذ مسمعين أيضا، بشرط أن يكون كل من المترجمين والمسمعين من أهل الشهادة، وأن يتخذ سجنا واسعا للتعزيز وأداء الحق، وأجرته على المسجون لشغله له، وأجرة السجان على صاحب الحق.
ودرة - بكسر الدال وفتح الراء المشددة - للتأديب بها، وأول من اتخذها سيدنا عمر ﵁، وكانت من نعل سيدنا رسول الله ﷺ ، وكانت أهيب من سيف الحجاج، وما ضرب بها أحدا على ذنب وعاد إليه، بل يتوب منه.
(قوله: ويكره أن يتخذ المسجد إلخ) أي بلا عذر، فإن وجد عذر كشدة حر، أو برد، أو ريح، أو مطر، فلا يكره.
(قوله: صونا له) أي حفظا للمسجد.
(وقوله: من اللغط وارتفاع الاصوات) أي الواقعين بمجلس القضاء عادة وعطف إرتفاع الاصوات على اللغط من عطف التفسير.
(قوله: نعم إن اتفق عند جلوسه فيه) أي في المسجد لصلاة أو غيرها.
(وقوله: قضية الخ) فاعل اتفق.
(قوله: فلا بأس بفصلها) أي القضية: أي أو فصلهما - أي القضيتين - أي فلا يكره ذلك في المسجد، وعلى ذلك يحمل ما جاء عنه ﷺ وعن خلفائه من القضاء في المسجد.
ثم إن جلس في المسجد مع الكراهة أو دونها، منع الخصوم من الخوض فيه بالمخاصمة والمشاتمة ونحوهما.
ولا يدخلونه جميعا بل يقعدون خارجه، وينصب من يدخل عليه خصمين خصمين.
(قوله: وحرم قبوله إلخ) شروع فيما يحرم على
القاضي، وهو الهدية وما في معناها كالضيافة، والهبة، والعارية، إن كانت المنفعة تقابل بأجرة، كسكنى دار، وركوب دابة، بخلاف التي لا تقابل بأجرة كقطع بسكين، وغربلة بغربال، وكالصدقة، والزكاة على ما سيأتي فيهما.
(قوله: أي القاضي) خرج به المفتي والواعظ ومعلم القرآن، فلا يحرم عليهم قبول الهدية.
إذ ليس لهم رتبة الالزام، لكن ينبغي لهم
стр. 1431
عادة له بها قبل ولاية) أو كان له عادة بها لكنه زاد في القدر أو الوصف (إن كان في محله) أي محل ولايته (و) هدية (من له خصومة) عنده أو من أحس منه بأنه سيخاصم وإن اعتادها قبل ولايته لانها في الاخيرة تدعو إلى الميل إليه وفي الاولى سببها الولاية وقد صحت الاخبار الصحيحة بتحريم هدايا العمال (وإلا) بأن كان من عادته أنه يهدى إليه قبل الولاية ولو مرة فقط أو كان في غير محل ولايته أو لم يزد المهدي على عادته ولا خصومة
ــ
التنزه عن ذلك.
(قوله: هدية) يقرأ يغير تنوين، لانه مضاف إلى ما بعده، وهو مفعول المصدر المضاف إلى فاعله.
(وقوله: من لا عادة له بها) أي بالهدية: أي بإهدائها للقاضي.
والجار والمجرور متعلق بعادة ومثله الظرف بعده.
(قوله: أو كان الخ) الجملة معطوفة على جملة لا عادة له بها: أي وحرم قبول هدية من له عادة بها الخ.
(قوله: لكنه) أي من له عادة الهدية.
(وقوله: زاد في القدر) أي قدر الهدية، كأن كانت عادته قبل الولاية إهداء عشرة مثلا، فزاد عليها بعدها.
(وقوله: أي الوصف) أي كأن كانت عادته قبلها إهداء ثوب كتاب، فأهدى له بعدها ثوب حرير.
واختلف هل يحرم في صورة الزيادة قبول الجميع أو الشئ الزائد فقط، وينبغي أن يقال - كما في الذخائر - إن لم تتميز الزيادة بجنس أو قدر، حرم قبول الجميع إن كان للزيادة وقع، فإن لم يكن لها وقع، فلا عبرة بها.
وإن تميزت بجنس أو قدر حرم قبول الزيادة فقط، ولا يحرم قبول الاصل.
(قوله: إن كان إلخ) قيد في حرمة قبوله هدية من ذكر: أي محل حرمة ذلك إن كان القاضي حالا في محل ولايته، سواء كان المهدي من أهل محل ولايته أم لم يكن من محل ولايته ودخل بها في محلها، وكذا لو أرسلها مع رسول ولم يدخل بها، فيحرم قبولها على الراجح عند بعضهم كما سيذكره.
(قوله: وهدية) بالنصب معطوف على هدية: أي وحرم قبوله هدية من له خصومة عنده حاضرة.
(قوله: أو من أحس منه) معطوف على من له خصومة: أي وحرم قبوله هدية من ليس له عنده خصومة حاضرة، ولكنه أحس واستشعر منه بأنه يسخاصم.
(قوله: وإن اعتادها إلخ) غاية في الصورتين: أي يحرم قبوله هدية من له خصومة أو من سيخاصم، وإن اعتاد القاضي الهدية منه قبل ولايته: أي وإن كان في غير محل ولايته، فيحرم عليه أيضا قبولها.
(قوله: لأنها الخ) علة لحرمة القبول في جميع الصور.
(وقوله: في الأخيرة) مراده بها من له خصومة وما عطف عليه.
(وقوله: تدعو إلى الميل إليه) أي إلى المهدي المذكور، فيقدمه على خصمه وربما يحكم له بغير الحق.
(وقوله: وفي الأولى) مراده بها من لا عادة له بها وما عطف عليه.
(وقوله: سببها) أي الهدية والولاية.
روى الشيخان، عن أبي حميد الساعدي: ما بال العامل نستعمله فيأتينا فيقول: هذا من
عملكم وهذا أهدي إلي؟ أفلا قعد في بيت أبيه أو أمه فنظر هل يهدى له أم لا؟ فوالذي نفس محمد بيده لا يغل أحدكم منها شيئا، إلا جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه.
إن كان بعيرا جاء به له رغاء، وإن كانت بقرة جاء بها لها خوار، وإن كانت شاة جاء بها تيعر.
فقد بلغت: أي حكم الله الذي أرسلت به في هذا إليكم.
(قوله: وقد صحت الاخبار الصحيحة بتحريم هدايا العمال) منها قوله ﵇: هدايا العمال - وفي رواية الامراء - غلول بضم الغين واللام - وهو الخيانة، والمراد أنه إذا أهدى العامل للإمام أو نائبه شيئا فقبله فهو خيانة منه للمسلمين، فلا يختص به دونهم.
ومنها ما رواه أبو يعلى: هدايا العمال حرام كلها، وإنما حل له ﷺ قبول الهدية لانه معصوم، فهو من خصوصياته.
روى الترمذي عن عائشة ﵂: كان يقبل الهدية ويثيب عليها بخلاف غيره من الحكام وولاة الامور، فإنه رشوة، فيحرم عليهم خوفا من الزيغ عن الشرع والميل مع الهوى.
أفاده البجيرمي.
(قوله: وإلا) أي وإن لم يكن لا عادة له، بأن كان له عادة، لأن نفي النفي إثبات.
(وقوله: أنه يهدى) بالبناء للمعلوم، وضميره مع الذي قبله يرجع للمهدي، وضمير إليه يرجع للقاضي.
(قوله: ولو مرة) أي ولو كان الاهداء إليه مرة واحدة، فإنه لا يحرم.
(قوله: أو كان في غير محل ولايته) معطوف على مدخول لو المقدر، أي ولو كان القاضي في غير محل ولايته فإنه لا يحرم، والأولى أن يأتي في الغاية بما هو مستبعد، بأن يقول أو كان في محل ولايته.
(قوله: أو لم يزد) الأولى التعبير بالواو، لانه مع ما بعده قيد فيمن كان له عادة، يعني وإن كانت له عادة ولم يزد عليها، ولم تكن له خصومة الخ جاز قبولها، سواء كان للقاضي في محل ولايته أم لا.
стр. 1432
له حاضرة ولا مترقبة جاز قبوله ولو جهزها له مع رسوله وليس له محاكمة ففي جواز قبوله وجهان: رجح بعض شراح المنهاج الحرمة وعلم مما مر أنه لا يحرم عليه قبولها في غير عمله وإن كان المهدي من أهل عمله ما لم يستشعر بأنها مقدمة لخصومة.
ولو أهدى له بعد الحكم حرم القبول أيضا إن كان مجازاة له وإلا فلا.
كذا أطلقه بعض شراح المنهاج.
قال شيخنا: ويتعين حمله على مهد معتاد أهدى إليه بعد الحكم وحيث حرم القبول أو الاخذ لم يملك ما أخذه فيرده لمالكه إن وجد وإلا فلبيت المال وكالهدية الهبة والضيافة وكذا الصدقة على
ــ
والحاصل أن من له خصومة في الحال.
أو مترقبة، يحرم قبول هديته، ولو كان القاضي في غير محل ولايته، وإن اعتادها قبل ولايته، وأما غير من له خصومة، فإن لم يكن للمهدي عادة بالهدية، أو له عادة وزاد عليها قدرا وصفة، حرم قبول هديته أيضا إذا كان القاضي في محل ولايته، فإن كان للمهدي عادة بالهدية، ولم يزد عليها قدرا وصفة، لم يحرم عليه قبولها، سواء كان القاضي في محل ولايته أو غيرها.
(قوله: جاز قبوله) جواب إن المدغمة في لا النافية.
(قوله: ولو جهزها إلخ) يعني لو أرسل المهدي هدية مع رسوله إلى القاضي، والحال أنه ليس له محاكمة، أي خصومة، ففي جواز القبول وجهان، وفيه أن هذه الصورة داخلة تحت قوله وحرم قبوله هدية من لا عادة الخ.
إذ هو صادق بما إذا جاء بها إلى القاضي أو أرسلها إليه ولم يجئ بنفسه،
ففي كلامه تدافع، إذ ما سبق يقتضي الحرمة بالاتفاق، وهذا يقتضيها مع وجود الخلاف.
ويمكن أن يجاب بأن ما سبق محمول على ما إذا جاء صاحبها بها فلا تدافع.
وعبارة التحفة في شرح قول المصنف حرم عليه قبولها، وسواء كان المهدي من أهل عمله أم من غيره، وقد حملها إليه لأنه صار في عمله، فلو جهزها له مع رسول وليس له محاكمة فوجهان إلخ.
اه.
وهي ظاهرة.
فلو صنع كصنيع شيخه لكان أولى.
(قوله: رجح بعض شراح المنهاج الحرمة) أي حرمة قبول القاضي للهدية في الصورة المذكورة.
(قوله: وعلم مما مر) أي من قوله إن كان في محله المجعول، قيد الحرمة قبول هدية من لا عادة له، أو من له عادة لكن زاد عليها.
(قوله: أنه) أي القاضي لا يحرم عليه قبولها: أي الهدية ممن لا عادة له بها، أو زاد عليها.
(قوله: في غير عمله) أي حال كون القاضي في غير محل ولايته، فالجار والمجرور متعلق بمحذوف حال من ضمير أنه.
(قوله: وإن كان المهدى إلخ) غاية في عدم حرمة قبوله إذا كان في غير محل ولايته.
(قوله: ما لم يستشعر إلخ) قيد في عدم الحرمة: أي محل عدم الحرمة إذا لم يستشعر القاضي بأن الهدية مقدمة لخصومة ستقع من المهدي، فإن استشعر ذلك حرم قبولها.
(قوله: ولو أهدى له) أي للقاضي.
(وقوله: بعد الحكم) أي للمهدي.
(قوله: حرم القبول أيضا) أي كما يحرم قبل الحكم.
(قوله: إن كان) أي ما أهدي له، وهو قيد في الحرمة.
(وقوله: مجازاة له) أي بقصد أنه مجازاة: أي في مقابلة الحكم (قوله: وإلا فلا) أي وإن لم يقصد أنه مجازاة له، فلا يحرم قبوله.
(قوله: كذا أطلقه) أي ما ذكر من التفصيل بين الحرمة إن قصدت المجازاة وعدمها إن لم تقصد.
(قوله: ويتعين حمله) أي ما أطلقه بعض الشراح.
(وقوله: على مهد معتاد إلخ) أي فإن لم يكن معتادا حرم القبول مطلقا، سواء قصدت المجازاة أو لا.
(قوله: حيث حرم القبول أو الاخذ) عبارة فتح الجواد: والاخذ بالواو وهي أولى، ولو اقتصر على الأول لكان أولى.
(قوله: لم يملك) أي القاضي.
(وقوله: ما أخذه) أي من المهدي.
(قوله: فيرده) أي يرد القاضي ما أخذه.
(وقوله: لمالكه) أي المال المأخوذ.
(قوله: إن وجد) أي المالك.
(قوله: وإلا) أي وإن لم يوجد المالك.
(وقوله: فلبيت المال) أي فيرده في بيت المال.
(قوله: وكالهدية الهبة) أي في الحرمة بقيودها المارة، من كونه ليس له عادة قبل الولاية، أو له عادة وزادت، مع كون القاضي فيهما في محل ولايته، ووجود خصومة مطلقا، وجدت عادة أم لا، كأن في محل ولايته أم لا.
وفي عدم الحرمة إن انتفت قيودها.
(قوله: والضيافة) أي كالهدية، هذا يفيد أن الضيافة غير الوليمة، وهو كذلك.
إذ الضيافة تختص بالطعام الذي يصنع للنازل عنده، والوليمة مختصة بالطعام الذي ينادى عليه، لكن رأيت في المصباح عرف الوليمة بتعريف شامل للضيافة.
وعبارته: الوليمة اسم لكل طعام يتخذ لجمع.
اه.
وعليه فتكون الضيافة من أفراد
стр. 1433
الاوجه وجوز له السبكي في حلبياته قبول الصدقة ممن لا خصومة له ولا عادة وخصه في تفسيره بما إذا لم يعرف المتصدق أنه القاضي، وبحث غيره القطع بحل أخذه الزكاة.
قال شيخنا: وينبغي تقييده بما ذكر.
وتردد السبكي في الوقف عليه من أهل عمله والذي يتجه فيه، وفي النذر أنه إن عينه باسمه وشرطنا القبول كان كالهدية له.
ويصح إبراؤه عن دينه إذ لا يشترط فيه قبول.
ويكره للقاضي حضور الوليمة التي خص بها وحده وقال جمع: يحرم أو مع جماعة آخرين ولم يعتد ذلك قبل الولاية بخلاف ما إذا لم يقصد بها خصوصا كما لو اتخذت للجيران أو العلماء وهو منهم أو لعموم الناس.
قال في العباب: يجوز لغير القاضي أخذ هدية بسبب النكاح إن
ــ
الوليمة، ويكون بينه وبين قوله الآتي، ويكره حضور الوليمة تدافع.
إذ هو هنا أطلق أن الضيافة كالهدية، وفيما سيأتي فصل تفصيلا غير التفصيل المذكور في الهدية.
(قوله: وكذا الصدقة) أي ومثل الهدية في التفصيل المذكور بين الحرمة بالقيود المارة وعدمها بانتفائها الصدقة.
(قوله: وجوز له السبكي الخ) الفرق بين ما قاله السبكي وبين ما مر، أن السبكي أطلق الجواز فيما إذا لم يكن له عادة، ولم يقيده بما إذا لم يكن في محل ولايته، بخلاف ما مر فإنه مقيد بذلك.
(وقوله: ولا عادة) بالأولى ما إذا كان له عادة.
(قوله: وخصه) أي خص السبكي جواز القبول ممن لا خصومة له ولا عادة في تفسيره بما إذا لم يعرف المتصدق أن هذا المتصدق عليه هو القاضي: أي ولم يعرف القاضي عين المتصدق، كما يدل لذلك عبارة تفسيره ونصها - كما في الرشيدي - إن لم يكن المتصدق عارفا بأنه القاضي، ولا القاضي عارفا بعينه فلا شك في الجواز.
انتهت.
وكما صرح به الشارح في باب الوقف (قوله: وبحث غيره) أي غير السبكي.
(وقوله: القطع) أي الجزم بحل أخذه: أي القاضي الزكاة.
(قوله: وينبغي تقييده) أي الحل.
(وقوله: بما ذكر) أي بما إذا لم تكن هناك خصومة ولا عادة ولم يكن المزكي ممن يعرف القاضي: أي ولا القاضي يعرفه.
(قوله: وتردد السبكي في الوقف عليه) أي على القاضي.
(وقوله: من أهل عمله) الجار والمجرور حال من الوقف: أي حال كونه صادرا من أهل عمله.
(قوله: والذي يتجه فيه) أي في الوقف على القاضي.
(وقوله: في النذر) أي على القاضي (قوله: أنه) يصح عود الضمير على القاضي، ويصح عوده على الواقف أو الناذر المأخوذين من الوقف والنذر.
(وقوله: إن عينه) الضمير المستتر يعود على الواقف أو الناذر، والبارز يعود على القاضي.
(وقوله: باسمه متعلق بعينه) أي عينه بإسمه بأن قال: وقفت هذا على فلان القاضي، أو نذرت هذا عليه.
وخرج به ما إذا لم يعينه بإسمه بأن قال: وقفت هذا على من يتولى القضاء في هذه البلدة، أو نذرت عليه أو على السادة، وكان القاضي منهم، فإنه يصح لأنه لم يقصده بعينه حال الوقف.
(قوله: وشرطنا القبول) أي قلنا إن القبول من الموقوف عليه والمنذر له شرط.
قال ع ش: وهو معتمد في الوقف دون النذور.
اه.
فإن لم نقل إنه شرط فلا يكونان كالهدية.
(قوله: كان) أي المذكور من الموقوف والمنذور.
(وقوله: كالهدية له) أي للقاضي فيحرم عليه قبوله، وعليه حينئذ يكون الوقف من منقطع الاول، فيكون باطلا.
(قوله: ويصح إبراؤه) أي القاضي.
(وقوله: عن دينه) أي الدين الذي عليه.
(قوله: إذ لا يشترط فيه) أي في الابراء قبول، وهو تعليل لصحة إبراء القاضي من الدين الذي عليه.
(قوله: ويكره للقاضي حضور الوليمة) المراد بها ما يشمل وليمة العرس وغيرها، ولا ينافي هذا أن وليمة العرس
إجابتها واجبة، لأن محله في غير القاضي، أما هو فلا تجب عليه كما تقدم في بابها.
(قوله: التي خص بها) أي بالوليمة وحده.
(قوله: وقال جمع يحرم) أي فيما إذا خص بها وحده.
قال في شرح الروض: قال الأذرعي، وما ذكر من كراهة حضوره لها فيما إذا اتخذت له، أخذه الرافعي من التهذيب، والذي اقتضاه كلام الجمهور أن ذلك كالهدية، وهو ما أورده الفوراني والامام والغزالي.
اه.
(قوله: أو مع جماعة آخرين) معطوف على قوله وحده: أي خص بها مع جماعة آخرين غيره.
(قوله: ولم يعتد ذلك) أي تخصيصه بها وحده أو مع آخرين قبل الولاية، فإن اعتيد ذلك قبلها فله حضوره، ولا يكره.
(قوله: بخلاف ما إذا لم يقصد بها خصوصا) أي ولو يقصد بها أيضا في عموم الاغنياء، كما في فتح الجواد فإنه لا يكره ولا يحرم، بل تسن الإجابة حينئذ.
(قوله: كما لو اتخذت) أي الوليمة وهو تمثيل لما إذا لم يقصد بها القاضي خصوصا.
(قوله: وهو منهم) الجملة حالية: أي والحال أن القاضي من جملة الجيران أو العلماء.
стр. 1434
لم يشترط، وكذا القاضي حيث جاز له الحضور ولم يشترط ولا طلب.
اه.
وفيه نظر.
تنبيه: يجوز لمن لا رزق له في بيت المال ولا في غيره وهو غير متعين للقضاء وكان عمله مما يقابل بأجرة
أن يقول لا أحكم بينكما إلا بأجرة أو رزق على ما قاله جمع وقال آخرون يحرم وهو الاحوط لكن الاول أقرب
ــ
واعلم أن محل هذا التفصيل إن كانت الوليمة لغير خصم، فإن كانت له حرم عليه الحضور مطلقا، سواء كانت خاصة له أو عامة، كما في الروض وشرحه، وعبارتهما: وليس له حضور وليمة أحد الخصمين حال الخصومة، ولا حضور وليمتهما ولو في غير محل ولايته، لخوف الميل، ويجيب غيرهما استحبابا إن عم المولم النداء لها.
ولم يقطعه كثرة الولائم عن الحكم، بخلاف ما إذا قطعته عنه، فيتركها في حق الجميع، وله تخصيص إجابة من اعتاد تخصيصه بها قبل الولاية، ويكره له حضور وليمة اتخذت له خاصة أو للاغنياء ودعي فيهم، بخلاف ما لو اتخذت للجيران أو العلماء.
اه.
(قوله: ويجوز لغير القاضي أخذ هدية بسبب النكاح) يعني إذا أهدى الزوج لغير القاضي من ولي المرأة المخطوبة، أو وكيلها، أو هي نفسها لاجل تزوجه عليها، جاز قبول الهدية منه، وتقدم للشارح في باب الهبة وباب الصداق أن من دفع لمخطوبته أو وكيلها أو وليها طعاما أو غيره ليتزوجها، فرد قبل العقد رجع على من أقبضه، وعلله ابن حجر بأن قرينة سبق الخطبة تغلب على الظن أنه إنما بعث أو دفع إليها لتتم الخطبة، ولم تتم إذ يفهم منه جواز قبولها، وعدم رجوعه بعد العقد.
(قوله: إن لم يشترط) أي غير القاضي على الزوج بأنه لا يزوجه بنته مثلا إلا بمال، فإن اشترط ذلك حرم قبوله.
قال في التحفة في أواخر باب الهبة.
وحيث دلت قرينة أن ما يعطاه إنما هو للحياء حرم الاخذ، ولم يملكه، قال الغزالي إجماعا.
وكذا لو امتنع من فعل أو تسليم ما هو عليه إلا بمال، كتزويج بنته.
اه.
(قوله: وكذا القاضي) أي وكذلك يجوز له ما أهدي إليه بسبب النكاح، بأن كان هو ولي المخطوبة.
(قوله: حيث جاز له الحضور)
انظره فإن الكلام فيما يدفع إليه على سبيل الهدية، وليس في ذلك حضور وليمة حتى يشترط ذلك.
تأمل.
(قوله: ولم يشترط) أي القاضي على الزوج أنه لا يزوج مثلا إلا بمال أو نحوه.
(وقوله: ولا طلب) أي القاضي منه ذلك، فإن اشترط أو طلب، حرم عليه القبول.
إذ لا يقابل ذلك بمال.
(قوله: وفيه نظر) أي في قوله بجواز أخذ القاضي الهدية مطلقا نظر.
ووجهه أن القاضي لا يجوز له أخذ الهدية إلا إذا اعتيد ذلك، ولم يزد على العادة، ولم تكن خصومة، كما تقدم لا مطلقا، فالنظر بالنسبة للقاضي فقط من جهة إطلاقه فيه جواز الاخذ.
(قوله: ويجوز لمن لا رزق) أي لقاض لا رزق له، وهو بفتح الراء اسم للفعل، وبكسرها اسم للاثر، وهو ما سيق إليك.
والمراد هنا الثاني.
(قوله: ولا في غيره) أي غير بيت المال كمن مياسير المسلمين.
(قوله: وهو غير متعين للقضاء) أي والحال أن هذا القاضي الذي لا رزق له فيما ذكر غير متعين للقضاء، بأن وجد من يصلح للقضاء غيره، وما ذكر قيد في جواز أن يقول لا أحكم بينكما إلا بأجرة.
وخرج به ما إذا تعين للقضاء، فيحرم عليه ذلك، وهذا مبني على الضعيف أن الواجب العيني لا يقابل بأجرة، والاصح أنه يقابل بأجرة، فالمتعين كتعليم الفاتحة له أن يمتنع منه إلا بأجرة، وكذلك المتعين للقضاء له أن يمتنع من الحكم إلا بأجرة، لكن إن كان مما يقابل بأجرة كما نبه على ذلك في فتح الجواد، وعبارته: ولمن لا رزق له في بيت المال ولا في غيره وهو غير متعين للقضاء، وكان عمله مما يقابل بأجرة أن يقول لا أحكم بينكما إلا بأجرة أو رزق، على ما قاله جمع، وهو أقرب للمنقول، لكن في استثناء المتعين والعمل يقابل بأجرة مخالفة لقولهم لا يلزم المتعين تعليم الفاتحة إلا بأجرة، لان الاصح جواز أخذها على الواجب العيني، كما لا يجب بذل طعام للمضطر إلا بالتزام البدل، فلعل ذلك التقييد على مقابل الأصح.
اه.
(قوله: وكان عمله) أي عمل من لا رزق له مما يقابل بأجرة، فإن كان مما لا يقابل بأجرة، فليس له أن يقول لا أحكم بينكما إلا بأجرة، ويحرم عليه قبولها ولا يملكها، وتقدم للشارح في باب الاجارة أنه نقل عن شيخه ابن زياد حرمة أخذ القاضي الأجرة على مجرد تلقين الايجاب.
إذ لا كلفة في ذلك.
(قوله: وقال آخرون يحرم) أي قوله ما ذكر، وإذا حرم ذلك حرم قبولها ولا يملكها لو أعطيت له.
(قوله: وهو) أي القول بالحرمة الاحوط.
(قوله: لكن الأول) هو القول بالجواز أقرب: أي إلى المنقول.
стр. 1435
(ونقض) القاضي وجوبا (حكما) لنفسه أو غيره إن كان ذلك الحكم (بخلاف نص) كتاب أو سنة أو نص مقلده أو قياس جلي وهو ما قطع فيه بإلحاق الفرع للاصل (أو إجماع) ومنه ما خالف شرط الواقف.
قال السبكي:
ــ
تنبيه: قال في المغني: قبول الرشوة حرام، وهو ما يبذل له ليحكم بغير الحق، أو ليمتنع من الحكم بالحق، وذلك لخبر: لعن الله الراشي والمرتشي في الحكم رواه ابن حبان وغيره وصححوه.
لان الحكم الذي يأخذ عليه المال إن
كان بغير حق، فأخذ المال في مقابلته حرام.
أو بحق فلا يجوز توقيفه على المال إن كان له رزق في بيت المال، وروي: أن القاضي إذا أخذ الهدية فقد أكل السحت، وإذا أخذ الرشوة بلغت به الكفر واختلف في تأويله فقيل: إذا أخذها مستحلا، وقيل أراد أن ذلك طريق وسبب موصل إليه، كما قال بعض السلف، المعاصي بريد الكفر.
اه.
(قوله: ونقض القاضي لخ) شروع فيما ينقض حكم الحاكم، وقد ترجم له في الروض بفصل مستقل، وعبارته مع شرحه: فصل: فيما ينقض من قضائه أي القاضي.
ولنقدم عليه قواعد فنقول: المعتمد فيما يقضي به القاضي، ويفتي به المفتي الكتاب والسنة والإجماع، وقد يقتصر على الكتاب والسنة، ويقال الاجماع يصدر عن أحدهما، والقياس يرد إلى أحدهما، وليس قول الصحابي إن لم ينتشر في الصحابة حجة، لانه غير معصوم عن الخطأ، فأشبه التابعي، ولان غيره يساويه في أدلة الاجتهاد فلا يكون قوله حجة على غيره، لكن يرجح به أحد القياسين على الآخر.
وإذا تقرر أنه ليس بحجة فاختلاف الصحابة في شئ كاختلاف سائر المجتهدين، فلا يكون قول واحد منهم حجة.
نعم: إن لم يكن للقياس فيه مجال فهو حجة، كما نص عليه الشافعي في اختلاف الحديث فقال: روي عن علي ﵁ أنه صلى في ليلة ست ركعات، في كل ركعة ست سجدات، وقال: لو ثبت ذلك عن علي لقلت به، فإنه لا مجال للقياس فيه.
فالظاهر أنه فعله توقيفا اه.
فإن انتشر قول الصحابي في الصحابة ووافقوه، فإجماع خفي في حقه، فلا يجوز له كغيره مخالفة الاجماع، فإن خالفوه فليس بإجماع ولا حجة، فإن سكتوا بأن لم يصرحوا بموافقته ولا بمخالفته، أو لم ينقل سكوت ولا قول، فحجة سواء كان القول مجرد فتوى أم حكما من إمام أو قاض، لانهم لو خالفوه لاعترضوا عليه، هذا إن انقرضوا، وإلا فلا يكون حجة لاحتمال أن يخالفوه لامر يبدو لهم.
والقياس جلي وهو ما قطع فيه بنفي تأثير الفارق بين الاصل والفرع، أو بعد تأثيره.
وغير جلي وهو ما لا يقطع فيه بذلك، والحق كائن مع أحد المجتهدين في الفروع.
قال صاحب الانوار: وفي الاصول والآخر مخطئ مأجور لقصده الصواب.
ولخبر الصحيحين: إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر اه.
بحذف.
(قوله: حكما لنفسه أو غيره) أي حكما صدر من نفسه أو صدر من غيره، لكن إذا صدر من غيره ونقضه، سئل عن مستنده.
وقولهم لا يسأل القاضي عن مستنده، محله إذا لم يكن حكمه نقضا، ومحله أيضا كما مر إذا لم يكن فاسقا أو جاهلا.
(قوله: إن كان إلخ) قيد في النقض: أي محل كون الحكم ينقض إن بان مخالفا للنص.
(وقوله: كتاب أو سنة) بدل من قوله نص أو عطف بيان له، وهذا إن كان القاضي مجتهدا.
(قوله: أو نص مقلده).
أي أو كان بخلاف نص مقلده - بفتح اللام - وهذا إن كان مقلدا، لما تقدم أن نص المقلد بالنسبة
للمقلد كنص الشارع بالنسبة للمجتهد المطلق.
(قوله: أو قياس جلي) عطف على نص: أي أو كان بخلاف قياس جلي، والمرد به غير الخفي فيشمل المساوي.
وخرج به ما إذا كان بخلاف قياس خفي، فلا ينقض الحكم به.
وعبارة الروض وشرحه.
فإن بان له الخطأ بقياس خفي رجحه: أي رآه أرجح مما حكم به، إعتمده مستقبلا: أي فيما يستقبل من أخوات الحادثة، ولا ينقض به حكما، لان الظنون المتقاربة لا استقرار لها، فلو نقض ببعض لما استمر حكم ولشق الأمر على الناس، وعن عمر ﵁ أنه شرك الشقيق في المشركة بعد حكمه بحرمانه، ولم ينقض الاول وقال: ذاك على ما قضينا وهذا على ما نقضي.
اه.
(قوله: وهو) أي القياس الجلي.
(قوله: ما قطع فيه بإلحاق الفرع) أي المقيس للاصل: أي المقيس عليه، وذلك كإلحاق الضرب بالتفيف في قوله تعالى: * (فلا تقل لهما أف) * وكإلحاق ما فوق الذرة بها في قوله تعالى: * (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره) * كما تقدم أول الباب.
(قوله: أو إجماع) عطف على نص،
стр. 1436
وما خالف المذاهب الاربعة كالمخالف للاجماع (أو بمرجوح) من مذهبه فيظهر القاضي بطلان ما خالف ما ذكر وإن لم يرفع إليه بنحو نقضته أو أبطلته.
تنبيه: نقل العراقي وابن الصلاح الاجماع على أنه لا يجوز الحكم، بخلاف الراجح في المذهب، وصرح السبكي بذلك في مواضع من فتاويه وأطال وجعل ذلك من الحكم - بخلاف ما أنزل الله - لان الله تعالى أوجب على المجتهدين أن يأخذوا بالراجح وأوجب على غيرهم تقليدهم فيما يجب عليهم العمل به.
ونقل الجلال البلقيني عن والده أنه كان يفتي أن الحاكم إذا حكم بغير الصحيح من مذهبه نقض.
وقال البرهان بن ظهيرة: وقضيته والحالة هذه أنه لا فرق بين أن يعضده اختيار لبعض المتأخرين أو بحث.
تنبيه ثان: إعلم أن المعتمد في المذهب للحكم والفتوى ما اتفق عليه الشيخان، كما جزم به النووي
ــ
أي أو كان ذلك الحكم بخلاف الاجماع.
(قوله: ومنه) أي ومن خلاف الاجماع ما خالف شرط الواقف، فمن حكم بخلافه نقض.
(قوله: وما خالف الخ) أي والحكم الذي خالف المذاهب الاربعة فهو كالمخالف للاجماع: أي فينقض.
(قوله: أو بمرجوح) عطف على قوله بخلاف نص: أي أو كان ذلك الحكم بقول مرجوح من مذهب إمامه.
(قوله: فيظهر إلخ) مرتبط بقوله ونقض، وهو كالتفسير له: أي فالمراد من نقضه إظهار بطلانه، لانه باطل من أصله.
وليس المراد به بطلان نفسه، لايهامه أنه كان صحيحا ثم بطل.
(وقوله: ما ذكر) أي من النص والقياس والاجماع.
(قوله: وإن لم يرفع إليه) غاية في إظهار البطلان والفعل مبني للمجهول، ونائب فاعله يعود على الامر المخالف لما ذكر، وضمير إليه يعود علي القاضي: أي يظهر القاضي البطلان مطلقا سواء رفع الخصمان الامر المخالف لما ذكر إليه أم لا.
قال في المغني: وعلى القاضي إعلام الخصمين بصورة الحال.
قال الماوردي: ويجب على القاضي أن يسجل بالنقض كما يسجل بالحكم، ليكون التسجيل الثاني مبطلا للاول، كما صار الثاني ناقضا للحكم الاول، فإن لم يكن قد سجل بالحكم لم يلزمه الاسجال بالنقض، وإن كان الاسجال به أولى.
اه.
(قوله: بنحو نقضته) متعلق بيظهر: أي يظهر البطلان بصيغة تدل عليه كنقضته وأبطلته وفسخته.
قال في التحفة: إجماعا في مخالف الاجماع وقياسا في غيره.
(قوله: تنبيه) أي في بيان عدم جواز الحكم بخلاف الراجح.
(قوله: بالاجماع) مفعول نقل.
(قوله: على أنه)
ضميره للحال والشأن.
والجار والمجرور متعلق بالاجماع.
(وقوله: بخلاف الراجح) متعلق بالحكم.
(وقوله: في المذهب) متعلق بالراجح: أي لا يجوز للقاضي أن يحكم بخلاف الراجح في مذهبه، وهو المرجوح.
(قوله: وصرح السبكي بذلك) أي بعدم الجواز.
(قوله: وأطال) أي السبكي الكلام على ذلك.
(قوله: وجعل ذلك) أي الحكم بخلاف الراجح في المذهب.
(وقوله: من الحكم) بخلاف ما أنزل الله تعالى.
قال في التحفة: وبه يعلم أن مراد الاولين بعدم الجواز عدم الاعتداد به فيجب نقضه، وقال فيها أيضا: قال ابن الصلاح وتبعوه، وينفذ حكم من له أهلية الترجيح إذا رجح قولا ولو مرجوحا في مذهبه بدليل جيد، وليس له أن يحكم بشاذ أو غريب في مذهبه، إلا إن ترجح عنده، ولم يشرط عليه إلتزام مذهب باللفظ أو العرف، كقوله على قاعدة من تقدمه.
اه.
(قوله: لأن الله تعالى إلخ) تعليل لجعل الحكم بخلاف الراجح من الحكم بغير ما أنزل الله تعالى.
(قوله: أنه) أي والد الجلال.
(وقوله: نقض) أي حكمه.
(قوله: وقضيته) أي الافتاء بنقض الحكم.
(قوله: والحالة هذه) أي حالة كون الحكم كائنا بغير الصحيح من مذهبه.
(وقوله: أنه) أي الحال والشأن.
(وقوله: لا فرق) أي في نقض الحكم بغير الصحيح.
(وقوله: بين أن يعضده) أي يقويه، وضميره يعود على غير الصحيح، والمقابل محذوف: أي أولا.
(قوله: تنبيه ثان) أي في بيان المعتمد في المذهب.
(قوله: ما اتفق عليه الشيخان) أي النووي والرافعي، ومحله
стр. 1437
فالرافعي فما رجحه الاكثر فالاعلم فالاورع.
قال شيخنا: هذا ما أطلق عليه محققو المتأخرين والذي أوصى باعتماده مشايخنا، وقال السمهودي: ما زال مشايخنا يوصوننا بالافتاء بما عليه الشيخان وأن نعرض عن أكثر ما خولفا به.
وقال شيخنا ابن زياد: يجب علينا في الغالب ما رجحه الشيخان وإن نقل عن الاكثرين خلافه (ولا يقضي) القاضي أي لا يجوز له القضاء (بخلاف علمه) وإن قامت به بينة كما إذا شهدت برق أو نكاح أو ملك من يعلم حريته أو بينونتها أو عدم ملكه لانه قاطع ببطلان الحكم به حينئذ والحكم بالباطل محرم (ويقضي) أي
ــ
ما لم يتفق المتأخرون على أن ما اتفقا عليه سهو أو غلط.
(قوله: فما جزم به النووي) يعني إذا اختلف كلام النووي والرافعي، فالمعتمد ما جزم به النووي.
وأعلم أنه إذا اختلفت كتب النووي، فالمتبحر لا يتقيد بشئ منها في الاعتماد عليه، وأما غيره فيعتمد منها المتأخر الذي يكون تتبعه فيه لكلام الاصحاب أكثر، فالمجموع فالتحقيق فالتنقيح فالروضة فالمنهاج، وما اتفق عليه الاكثر من كتبه مقدم على ما اتفق عليه الاقل منها، وما ذكر في بابه مقدم على ما ذكر في غيره غالبا فيهما.
قاله ابن حجر وتبعه ابن علان وغيره.
(قوله: فالرافعي) أي فما جزم به الرافعي إن لم يجزم النووي بشئ.
(قوله: فما رجحه إلخ) أي فإن اختلفا ولم يجزما بشئ، فالمعتمد من كلامهما ما رجحه أكثر الفقهاء، ثم ما رجحه أعلمهم، ثم ما رجحه أورعهم.
(قوله: قال شيخنا هذا) أي ما ذكر من كون المعتمد فيما ذكر ما اتفق عليه الشيخان الخ.
(وقوله:
ما أطبق) أي أجمع واتفق.
(قوله: والذي أوصى الخ) أي وهذا هو الذي أوصى به الخ.
فاسم الموصول معطوف على ما قبله.
وأعلم أنه إذا اختلف كلام المتأخرين عن الشيخين - كشيخ الاسلام وتلامذته - فقد ذهب علماء مصر إلى اعتماد ما قاله الشيخ محمد الرملي، خصوصا في نهايته، لانها قرئت على المؤلف إلى آخرها في أربعمائة من العلماء فنقدوها وصححوها.
وذهب علماء حضرموت وأكثر اليمن والحجاز إلى أن المعتمد ما قاله الشيخ أحمد بن حجر في كتبه، بل في تحفته لما فيها من الاحاطة بنصوص الامام مع مزيد تتبع المؤلف فيها، ولقراءة المحققين لها عليه الذين لا يحصون، ثم إذا لم يتعرضا بشئ فيفتي بكلام شيخ الاسلام، ثم بكلام الخطيب، ثم بكلام الزيادي، ثم بكلام ابن قاسم، ثم بكلام عميرة، ثم بكلام ع ش، ثم بكلام الحلبي، ثم بكلام الشوبري، ثم بكلام العناني، ما لم يخالفوا أصول المذهب.
كقولهم لو نقلت صخرة من أرض عرفات إلى غيرها يصح الوقوف عليها، وقد تقدم في خطبة الكتاب ما هو أبسط مما هنا، فارجع إليه إن شئت.
(قوله: وقال السمهودي الخ) تأييد لما قبله.
(قوله: ولا يقضي القاضي) أي أو نائبه.
(قوله: أي لا يجوز الخ) تفسير للمراد من نفي القضاء بخلاف العلم.
(قوله: بخلاف علمه) أي بالشئ المخالف لعلمه.
قال بعضهم: الصواب التعبير بما يعلم خلافه، فإن من يقضي بشهادة من لا يعلم صدقهما ولا كذبهما قاض بخلاف علمه وهو نافذ إتفاقا.
اه.
ورده في التحفة بقوله: وهو عجيب فإنه فرضه فيمن لا يعلم صدقا ولا كذبا فكيف يصح أن يقال إن هذا قضى بخلاف علمه حتى يرد على المتن؟ فالصواب صحة عبارته.
اه.
قال في المغني: وقوله ولا يقضي بخلاف علمه يندرج فيه حكمه بخلاف عقيدته.
قال البلقيني: وهذا يمكن أن يدعي فيه إتفاق العلماء، لان الحكم إنما يبرم من حاكم بما يعتقده.
اه.
(قوله: وان قامت به) أي بخلاف علمه بينة، وفي هذه الحالة لا يقضي بعلمه، كما لا يقضي بالبينة، للتعارض بينهما، فيعرض عن القضية بالكلية.
(قوله: كما إذا شهدت) أي البينة.
(وقوله: برق الخ) الالفاظ الثلاثة تقرأ من غير تنوين لاضافتها إلى لفظ من الواقعة إسما موصولا.
(وقوله: يعلم) أي القاضي.
(وقوله: حريته) راجع لما إذا شهدت البينة برقه.
(وقوله: أو بينونتها) أي أو يعلم بينونتها، وهو راجع لما إذا شهدت بالنكاح، أي ببقائه ولم تبن منه.
стр. 1438
القاضي ولو قاضي ضرورة على الاوجه (بعلمه) إن شاء: أي بظنه المؤكد الذي يجوز له الشهادة مستندا إليه وإن استفاد قبل ولايته.
نعم لا يقضي به في حدود أو تعزير لله تعالى كحد الزنا أو سرقة أو شرب لندب الستر في
أسبابها.
أما حدود الآدميين فيقضي فيها به سواء المال والقود وحد القذف.
وإذا حكم بعلمه لا بد أن يصرح بمستنده فيقول علمت أن له عليك ما ادعاه وقضيت أو حكمت عليك بعلمي.
فإن ترك أحد هذين اللفظين لم ينفذ حكمه كما قاله الماوردي وتبعوه.
(ولا) يقضي لنفسه ولا (لبعض) من أصله وفرعه ولا لشريكه في المشترك
ــ
(وقوله: أو عدم ملكه) أي أو يعلم عدم ملكه لهذا العبد مثلا، وهو راجع لما إذا شهدت بملكه له، فالكلام على التوزيع مع اللف والنشر المرتب.
(قوله: لانه قاطع) أي جازم وهو علة لعدم جواز قضائه، بخلاف علمه فيما إذا قامت به بينة.
(وقوله: به) أي بما شهدت به البينة.
(وقوله: حينئذ) أي حين إذ كان مخالفا لعلمه.
(وقوله: والحكم بالباطل محرم) من تتمة العلة.
(قوله: ويقضي أي القاضي الخ) أي يجوز له ذلك.
(وقوله: ولو قاضي ضرورة) هكذا في التحفة وقيده في النهاية بما إذا كان مجتهدا.
(قوله: بعلمه) متعلق بيقضي.
قال في شرح الروض: لانه يقضي بالبينة، وهي إنما تفيده ظنا، فبالعلم أولى، لكنه مكروه كما أشار إليه الشافعي في الأم، فلو رام البينة نفيا للريبة كان أحسن.
قاله الغزالي في خلاصته.
اه.
(قوله: أن شاء) أي القضاء بعلمه.
(قوله: أي بظنه المؤكد) تفسير للعلم، والأوجه كما في سم تفسيره بما يشمل العلم والظن.
إذ قد يحصل له حقيقة العلم أو الظن لا تفسيره بخصوص الظن لخروج العلم به.
(قوله: الذي إلخ) صفة لظنه.
(وقوله: يجوز) - بضم الياء وفتح الجيم وتشديد الواو المكسورة -.
(وقوله: له) أي للقاضي.
(وقوله: له الشهادة) مفعول يجوز.
(قوله: مستندا) أي معتمدا، وهو حال من ضمير له.
(وقوله: إليه) أي إلى ظنه المؤكد.
(قوله: وإن استفاده) أي العلم، وهو غاية للقضاء بعلمه.
يعني أنه يقضي بعلمه مطلقا، سواء استفاده قبل الولاية أم بعدها، وسواء أيضا أكان في الواقعة بينة أم لا.
(قوله: نعم لا يقضي به) أي بعلمه، إستدراك من جواز قضاء القاضي بعلمه: أي يجوز له ذلك إلا في الحدود والتعازير.
(قوله: لندب الستر) أي مع سقوطها بالشبهة.
(وقوله: في أسبابها) أي الحدود والتعزير، وتلك الاسباب هي الزنا وشرب الخمر والسرقة.
قال في التحفة: نعم من ظهر منه في مجلس حكمه ما يوجب تعزيرا عزره، وإن كان قضاء بالعلم.
قال جمع متأخرون: وقد يحكم بعلمه في حد الله تعالى، كما إذا علم من مكلف أنه أسلم ثم أظهر الردة.
فيقضي عليه بموجب ذلك.
قال البلقيني: وكما إذا اعترف في مجلس الحكم بموجب حد ولم يرجع عنه، فيقضي فيه بعلمه، وإن كان إقراره سرا لخبر: فإن اعترفت فارجمها ولم يقيد بحضرة الناس، وكما إذا ظهر منه في مجلس الحكم على رؤوس الأشهاد، نحو ردة وشرب خمر.
اه.
(قوله: أما حدود الآدميين) أي الحدود المتعلقة بحقوق الآدميين.
(قوله: فيقضي فيها) أي في حدود الآدميين.
(وقوله: به) أي بعلمه.
(قوله: سواء المال الخ) لا يصلح أن يكون تعميما للحدود.
إذ هي عقوبات مقدرة كما مر، والمال ليس منها، ولو قال فيما تقدم أما حقوق الآدميين فيقضي الخ لكان أولى.
إذ هي شاملة للمال وللحدود (قوله: وإذا حكم) أي القاضي.
(قوله: لا بد أن يصرح بمستنده) أي بما استند إليه، وهو هنا علمه.
(قوله: فيقول الخ) تمثيل للحكم بالعلم مع التصريح بمستنده.
(قوله: فإن ترك أحد هذين اللفظين) أي التركيبين وهما قوله علمت الخ.
وقوله وقضيت أو حكمت إلخ.
(وقوله: لم ينفذ حكمه) جواب إن.
(قوله: ولا يقضي لنفسه) أي لا يجوز له أن يقضي لنفسه من غيره للتهمة، فلو قضى
لم ينفذ، كما لا ينفذ سماعه شهادة لنفسه، وإنما جاز له تعزير من أساء أدبه عليه في حكمه، كحكمت علي بالجور، لئلا يستخف ويستهان فلا يسمع حكمه.
وخرج بقوله لنفسه القضاء عليها فيجوز، وهل هو إقرار أو حكم؟ وجهان المعتمد عند ابن حجر الثاني، وعند م ر الاول.
قال الخطيب في مغنيه: واستثنى البلقيني صورا تتضمن حكمه فيها لنفسه وتنفذ.
الاولى: أن يحكم لمحجوره بالوصية، وإن تضمن حكمه إستيلاءه على المال المحكوم به وتصرفه فيه.
الثانية: الاوقاف التي شرط النظر فيها للحاكم، أو صار فيها النظر إليه بطريق العموم، لانقراض ناظرها الخاص له الحكم بصحتها، وإن تضمن الحكم إستيلاءه عليه وتصرفه فيه.
الثالثة: للامام الحكم بانتقال ملك إلى بيت المال، وإن كان فيه استيلاؤه عليه
стр. 1439
ويقضي لكل منهم غيره من إمام وقاض آخر ولو نائبا عنه دفعا للتهمة (ولو رأى) قاض وكذا شاهد (ورقة فيها حكمه) أو شهادته (لم يعمل به) في إمضاء حكم ولا أداء شهادة (حتى يتذكر) ما حكم أو شهد به لامكان التزوير ومشابهة الخط ولا يكفي تذكره أن هذا خطه فقط.
وفيهما وجه إن كان الحكم والشهادة مكتوبين في ورقة مصونة عندهما ووثق بأنه خطه ولم يداخله فيه ريبة أنه يعمل به (وله) أي الشخص (حلف على استحقاق) حق له على
ــ
بجهة الامامة، وللقاضي الحكم به أيضا، وإن كان يصرف إليه في جامكية ونحوها.
اه.
بتصرف، ومثله في التحفة والنهاية.
(قوله: ولا لبعض) أي ولا يقضي لبعض من أصله أو فرعه للتهمة أيضا.
(قوله: ولا لشريكه في المشترك) أي ولا يقضي لشريكه في المال المشترك للتهمة أيضا.
قال البلقيني: ويستثنى من ذلك ما إذا حكم بشاهد وبيمين الشريك، فإنه يجوز لان المنصوص أنه لا يشاركه في هذه الصورة قال: ولم أر من تعرض لذلك.
ولا يقضي أيضا لرقيقه للتهمة ولو مكاتبا، واستثنى البلقيني منه أيضا الحكم بجناية عليه قبل رقه، بأن جنى ملتزم على ذمي، ثم حارب وأرق فإنه يجوز، قال: ويوقف ما ثبت له حينئذ إلى عتقه، فإن مات قنا صار فيئا.
وفي المغني ما نصه: قد يوهم إقتصار المصنف على منع الحكم لمن ذكر جوازه على العدو، وهو وجه إختاره الماوردي.
والمشهور في المذهب أنه لا يجوز حكمه عليه ويجوز أن يحكم له.
اه.
(قوله: ويقضي لكل منهم) أي من القاضي نفسه والبعض والشريك.
(وقوله: غيره) أي غير القاضي الذي أراد الحكم لنفسه أو لهؤلاء.
(وقوله: من إمام إلخ) بيان لذلك الغير.
(قوله: قاض آخر) أي غير هذا القاضي الذي أراد القضاء لنفسه أو لهؤلاء.
(قوله: ولو نائبا عنه) أي ولو كان القاضي الآخر نائبا عن القاضي المذكور.
(قوله: دفعا للتهمة) علة لكونه يقضي له من ذكر.
(قوله: ولو رأى قاض إلخ) أي أو شهد شاهدان أنك حكمت أو شهدت بما في هذه الورقة.
(قوله: وكذا شاهد) أي وكذلك مثل القاضي الشاهد: أي رأى ورقة فيها شهادته.
(قوله: ورقة) مفعول رأى.
(وقوله: فيها حكمه) أي في تلك الورقة مكتوب فيها حكمه، وهذا بالنسبة للقاضي.
(وقوله: أو شهادته) أي أو فيها شهادته، وهذا بالنسبة للشاهد.
(قوله: لم يعمل) أي من ذكر من الحاكم أو الشاهد.
(وقوله: به) أي بمضمون ما في الورقة من الحكم أو الشهادة.
وفي البجيرمي: وأشعر كلامه بجواز العمل به لغيره وهو كذلك، فلو شهدا عند غيره بأن
فلانا حكم بكذا، لزمه تنفيذه، إلا إن قامت بينة بأن الاول أنكر حكمه، وكذبهما زي وكلامه قاصر على ما إذا شهد بالحكم.
اه.
(قوله: في إمضاء إلخ) فيه أن هذا هو معنى العمل به المنفي، فلو قال بأن يمضيه ويكون تصويرا للعمل لكان أولى وأخصر.
وفي التحفة والنهاية إسقاطه وهو أولى.
(قوله: حتى يتذكر ما حكم أو شهد به) أي تفصيلا، كما في التحفة، ونصها: حتى يتذكر الواقعة بتفصيلها.
اه.
وبدليل قوله بعد، ولا يكفي الخ.
(قوله: لامكان التزوير) هذا يناسب جعله علة لما زدته، وهو عدم العمل بشهادة شاهدين عليه بما ذكر.
(وقوله: ومشابهة الخط) أي ولامكان مشابهة الخط، وهذا يناسب جعله علة لما ذكره، وهو عدم العمل بالورقة المكتوب فيها الحكم أو الشهادة.
وقولي أو لا يناسب إلخ، يعلم منه أنه يصح جعله علة أيضا لما ذكره، ويكون المراد بالتزوير، التزوير في الخط.
فتنبه.
(قوله: ولا يكفي تذكره) أي القاضي أو الشاهد.
(وقوله: إن هذا) أي المكتوب خطه.
(وقوله: فقط) أي من غير أن يتذكر الواقعة تفصيلا، وهذا مقابل لما زدته أولا بقولي: أي تفصيلا.
(قوله: وفيهما وجه) انظر ما مرجع الضمير؟ فإن كان الحكم والشهادة بمضمون ما في الورقة فغير مناسب لما بعده، لانه ينحل المعنى، وفي الحكم والشهادة وجه إن كان الحكم والشهادة الخ، وفي ذلك ركاكة لا تخفى، وإن كان الورقة المكتوب فيها الحكم، والورقة المكتوب فيها الشهادة فلا معنى له أصلا، ثم ظهر الاول، وأنه ارتكب الإظهار في مقام الإضمار في قوله بعد أن كان الحكم والشهادة، فكان عليه أن يقول إن كانا بألف التثنية.
تأمل.
(قوله: مصونة عندهما) أي محفوظة عند القاضي وعند الشاهد.
(قوله: ووثق بأنه) أي ووثق كل من القاضي والشاهدين بأن ما في الورقة خطه.
(قوله: ولم يداخله فيه) أي في كونه خطه.
(قوله: ريبة) أي شك.
(قوله: أنه يعمل) بدل من قوله وجه، أو عطف بيان له.
قال في التحفة والنهاية: والاصح عدم الفرق لاحتمال الريبة.
اه.
(وقوله: به) أي بمضمون ما في الورقة.
(قوله: وله الخ) الجار والمجرور خبر مقدم.
(وقوله: حلف) مبتدأ مؤخر،
стр. 1440
غيره أو أدائه لغيره (إعتمادا) على إخبار عدل و (على خط) نفسه على المتعمد وعلى خط مأذونه ووكيله وشريكه و (مورثه إن وثق بأمانته) بأن علم منه أنه لا يتساهل في شئ من حقوق الناس إعتضادا بالقرينة.
تنبيه: والقضاء الحاصل على أصل كاذب ينفذ ظاهرا لا باطنا فلا يحل حراما ولا عكسه.
فلو حكم
ــ
وهو مستأنف.
(قوله: حلف) يشمل اليمين المردودة واليمين التي معها شاهد.
اه.
بجيرمي.
(قوله: على استحقاق) لو قال كما في المنهج على ما له به تعلق كاستحقاق الخ، لكان أولى.
(قوله: أو أدائه لغيره) عطف على استحقاق: أي ولو حلف على أداء الحق الذي عليه لغيره.
(قوله: اعتمادا الخ) هو منصوب على الحال على تأويله باسم الفاعل: أي له أن يحلف على ذلك حال كونه معتمدا على ما ذكر.
قال في التحفة: ودليل حل الحلف بالظن حلف عمر ﵁ بين يدي النبي ﷺ أن ابن صياد هو الدجال، ولم ينكر عليه مع أنه غيره عند الاكثرين، وإنما قال إن يكنه فلن تسلط عليه.
اه.
(وقوله: على إخبار عدل) متعلق بإعتمادا: أي إخباره باستحقاق الحق أو أدائه.
(قوله: وعلى خط نفسه) معطوف على إخبار عدل.
(وقوله: على المعتمد) مرتبط بالمعطوف.
أي وله الحلف اعتمادا على خط نفسه على المعتمد، وفارق القضاء والشهادة السابقين، حيث لا يجوز فيهما الاعتماد على الخط بأن اليمين تتعلق به، والحكم والشهادة يتعلقان بغيره.
(قوله: وعلى خط مأذونه) أي واعتمادا على خط مأذونه: أي رقيقه المأذون له في التجارة مثلا، فإذا وجد سيده ورقة مكتوبا فيها بخطه إن لك عند فلان دينا كذا ثمن كذا، أو إني أديت عنك ما عليك من الدين، جاز له أن يحلف اعتمادا على خطه.
(وقوله: ووكيله) معطوف على مأذونه، أي واعتمادا على خط وكيله: أي في بيع ماله، ولو في الذمة، أو قضاء الديون التي عليه، فإذا وجد موكله ورقة مكتوبا فيها بخطه إن لك عند فلان ثمن كذا، أو أني أديت الدين عنك، جاز له أن يحلف اعتمادا على ذلك الخط.
(قوله: وشريكه) معطوف على مأذونه أيضا: أي واعتمادا على خط شريكه: أي المأذون له في بيع المال المشترك، ولو في الذمة، وأداء الديون، فإذا وجد شريكه ورقة مكتوبا فيها إن لك عند فلان ثمن كذا، أو أني أديت الدين عنك، جاز له أن يحلف اعتمادا على ذلك الخط.
(قوله: ومورثه) معطوف أيضا على مأذونه، أي واعتمادا على خط مورثه، فإذا وجد الوارث ورقة مكتوبا فيها بخط مورثه، أن لي عند فلان كذا، أو أني أديت الدين الذي كان علي، جاز له أن يحلف اعتمادا على الخط المذكور.
(قوله: أن وثق) أي الشخص.
(وقوله: بأمانته) أي من ذكر من مأذونه، وما بعده باعتبار الشرح، أو مورثه فقط باعتبار المتن.
(قوله: بأن علم) أي الحالف وهو تصوير للوثوق بأمانته.
(وقوله: أنه) أي من ذكر من مأذونه وما بعده، أو المورث فقط على نسق ما قبله.
(وقوله: لا يتساهل في شئ من حقوق الناس) ضابط ذلك أنه لو وجد في التذكرة لفلان على كذا سمحت نفسه بدفعه، ولم يحلف على نفيه.
(قوله: إعتضادا بالقرينة) علة للحلف، أي له أن يحلف إعتضادا، أي اعتمادا على القرينة، وهي خط مأذونه وما بعده، وفيه أن هذه العلة هي عين قوله اعتمادا على خط الخ.
تتمة: له رواية الحديث اعتمادا على خط كتبه هو أو غيره، محفوظ عنده أو عند غيره، متضمن ذلك الخط أنه قرأ البخاري مثلا على الشيخ الفلاني أو أنه سمعه منه أو أنه أجازه عليه، وإن لم يتذكر قراءة ولا سماعا ولا إجازة، لان باب الرواية أوسع، وعلى ذلك عمل السلف والخلف، ولو رأى خط شيخه بالاذن له في الرواية وعرفه، جاز له الاعتماد عليه أيضا.
(قوله: تنبيه) أي في بيان ما إذا خالف الظاهر الباطن: أي حقيقة الامر.
(قوله: والقضاء) أي الحكم الذي يستفيده
القاضي بالولاية فيما باطن الامر فيه، بخلاف ظاهره.
(وقوله: الحاصل على أصل كاذب) أي المرتب على أصل كاذب، مثل شهادة الزور.
(قوله: ينفذ طاهرا) أي بحسب ظاهر الشرع.
(وقوله: لا باطنا) أي لا ينفذ في الباطن: أي فيما بينه وبين الله، لقوله ﷺ : إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له بنحو ما أسمع منه، فمن قضيت له من حق أخيه بشئ فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار.
وقوله ألحن: قال ع ش: أي أقدر