Полный текст (1 562 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
جمع حقوق إعادة الطبع محفوظة للناشر
الطبعة الأولى ١٤١٨ هـ / ١٩٩٧ م
حارة حربك - شارع عبد النور
برقيا: فكسى حسب ٧٠١٦/ ١١ تلفون: ٨٣٨٣٠٥/ ٨٣٨٢٠٢ / ٨٣٨١٣٦ فاكس ٩٦١١٨٣٧٨٩٨
بيروت - لبنان دولي: ٩٦١١٨٦٠٦٢
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ــ
المقدمة
الحمد لله الذي أوضح الطريق للطالبين، وسهل منهج السعادة للمتقين، وبصر بصائر المصدقين بسائر الحكم والأحكام في الدين، ومنحهم أسرار الإيمان وأنوار الإحسان واليقين.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك، الحق المبين.
وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الصادق الوعد الأمين، القائل: من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين.
صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد:
فيقول أفقر الورى إلى ربه، ذي العطا، أبو بكر ابن المرحوم محمد شطا: إنه لما وفقني الله تعالى لقراءة شرح العالم العلامة، العارف الكامل، مربي الفقراء والمريدين والأفاضل، الجامع لأصناف العلوم، الحاوي لمكارم الأخلاق مع دقائق الفهوم، الشيخ زين الدين ابن الشيخ عبد العزيز ابن العلامة الشيخ زين الدين مؤلف هداية الأذكياء إلى طريق الأولياء ابن الشيخ علي ابن الشيخ أحمد الشافعي المليباري الفناني المسمى: بفتح المعين بشرح قرة العين بمهمات الدين، بمحفل من طلاب العلم العظام تجاه البيت الحرام، كتبت عليه هوامش تحل مبناه وتبين معناه.
ثم بعد تمام القراءة طلب مني جملة من الأصدقاء والخلان، أصلح الله لي ولهم الحال والشان، تجريد تلك الهوامش وجمعها، فامتنعت من ذلك لعلمي بأني لست ممن يرقى تلك المسالك، واعترافي بقلة بضاعتي، وإقراري بعدم أهليتي.
فلما كرروا علي الطلب، توسلت بسيد العجم والعرب، فجاءت البشارة بالإشارة، وشرعت في التجريد والجمع مستعينا بالملك الوهاب وملتمسا منه التوفيق وللصواب، رجاء أن يكون تذكرة لي وللأحباب.
وأن ينفعني به والأصحاب، فالله هو المرجو لتحقيق رجاء الراجين وإنجاح حاجات المحتاجين.
وسميته: إعانة الطالبين على حل ألفاظ فتح المعين.
واعلم أيها الواقف على الجمع المذكور أنه ليس لي فيه إلا النقل من كلام الجمهور، والإتيان في ذلك بالشئ المقدور.
فالميسور - كما قيل - لا يسقط بالمعسور.
وأن عمدتي في ذلك التحفة، وفتح الجواد شرح الإرشاد، والنهاية، وشرح الروض، وشرح المنهج، وحواشي ابن قاسم، وحواشي الشيخ علي الشبراملسي، وحواشي البجيرمي، وغير ذلك من كتب المتأخرين.
وكثيرا ما أترك العزو خوفا من التطويل، ثم ما رأيته من صواب في أي مطلب فهو من تحرير الأئمة أهل المذهب، وما رأيته من خطأ فمن تخليط حصل مني، أو وهم صدر من سوء فهمي، فالمسؤول ممن عثر على شئ من الخلل أن يصلحه، ويسامح فيما قد يظهر من الزلل.
وما أحسن ما قيل: وإن تجد عيبا فسد الخللا فجل من لا عيب فيه وعلا ونسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يوفقنا لمرضاته، ويسبل علينا ذيل كراماته، وأن يعيننا على الإكمال، وأن ينفع به كما نفع بأصله، إنه ذو الجود والإفضال، وأن يجعل ذلك خالصا لوجهه الكريم وموجبا للفوز لديه بجنات النعيم، وها أنا أشرع في المقصود بعون الملك إنه على ذلك قدير وبالإجابة جدير
стр. 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ــ
وها أنا أشرع في المقصود بعون الملك المعبود.
فأقول - وبالله التوفيق لأحسن الطريق - (قوله: بسم الله الرحمن
الرحيم) قد أفردها بالتأليف من لا يحصى من العلماء، وأبدى فيها وأبدع من لا يستقصى من النبلاء، ومع ذلك ما بلغوا معشار ما انطوت عليه من لطائف الأسرار ونكات التفسير، إذ لا يحيط بتفضيله وجمله إلا اللطيف الخبير، كيف ذلك وقد قال الإمام علي كرم الله وجهه: لو طويت لي وسادة لقلت في الباء من بسم الله الرحمن الرحيم وقر سبعين بعيرا.
وفي رواية عنه: لو شئت لأوقرت لكم ثمانين بعيرا من معنى بسم الله الرحمن الرحيم.
ولكن ينبغي التكلم عليها من جنس الفن المشروع فيه، وفاء بحقها وبحق الفن المشروع فيه.
والآن الشروع في فن الفقه الباحث عن الأحكام الشرعية، فيقال: البسملة مطلوبة في كل أمر ذي بال - أي حال - يهتم به شرعا، بحيث لا يكون محرما لذاته ولا مكروها كذلك، ولا من سفاسف الأمور - أي محقراتها - فتحرم على المحرم لذاته كالزنا، لا لعارض كالوضوء بماء مغصوب.
وتكره على المكروه لذاته كالنظر لفرج زوجته، لا لعارض كأكل البصل.
ولا تطلب على سفاسف الأمور، ككنس زبل، صونا لاسمه تعالى عن اقترانه بالمحقرات.
والحاصل أنها تعتريها الأحكام الخمسة: الوجوب، كما في الصلاة عندنا معاشر الشافعية - والاستحباب عينا: كما في الوضوء والغسل، وكفاية: كما في أكل الجماعة، وكما في جماع الزوجين، فتكفي تسمية أحدهما - كما قال الشمس الرملى أنه الظاهر - والتحريم في المحرم الذاتي، والكراهة في المكروه الذاتي، والإباحة في المباحات التي لا شرف فيها، كنقل متاع من مكان إلى آخر، كذا قيل.
وإنما افتتح الشارح كتابه بالبسملة، اقتداء بالكتاب العزيز، وعملا بقوله ﷺ : كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أبتر أو أقطع أو أجذم.
والمعنى - على كل - أنه ناقص، وقليل البركة، وقلة البركة في كل شئ بحسبه.
فقلتها في نحو التأليف قلة انتفاع الناس به وقلة الثواب عليه، وفي نحو الأكل قلة انتفاع الجسم به، وفي نحو القراءة قلة انتفاع القارئ بها، لوسوسة الشيطان له حينئذ.
وأتبع ذلك بالحمدلة، عملا بقوله ﷺ : كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أبتر أو أقطع أو أجذم.
وقوله في الحديث فهو أبتر إلخ ... هو عند الجمهور من باب التشبيه البليغ.
وعلى هذا فالأبتر وما بعده باقية على معانيها الحقيقية، وعند السعد يجوز أن يكون من باب الاستعارة بأن يشبه النقص المعنوي بالنقص الحسي الذي هو قطع الذنب، أو قطع إحدى اليدين، أو الجذم - بفتحتين - ويستعار البتر، أو الجذم، أو القطع، للنقص المعنوي.
ويشتق منه أبتر أو أقطع أو أجذم، بمعنى ناقص نقصا معنويا.
فإن قلت: بين الحديثين تعارض لأنه إن عمل بحديث البسملة فات العمل بحديث الحمدلة، وإن عمل بحديث الحمدلة فات العمل بالآخر.
قلت: قد ذكر العلماء لدفع التعارض أوجها كثيرة، فمن جملتها: أن الابتداء قسمان: حقيقي، وإضافي أي نسبي.
والأول هو ما تقدم أمام المقصود ولم يسبقه شئ، والإضافي ما تقدم أمام المقصود وإن سبقه شئ.
وقال عبد الحكيم: أنه يشترط في
الإضافي أن يسبقه شئ، وحمل حديث البسملة على الأول والحمدلة على الثاني، تأسيا بالكتاب العزيز، وعملا بالإجماع.
واعلم أنه جاء في فضل البسملة أحاديث كثيرة، غير الحديث المتقدم، روي عن النبي ﷺ أنه قال: أول ما كتب القلم بسم الله الرحمن الرحيم، فإذا كتبتم كتابا فاكتبوها أوله، وهي مفتاح كل كتاب أنزل.
ولما نزل بها جبريل أعادها ثلاثا، وقال: هي لك ولأمتك، فمرهم أن لا يدعوها في شئ من أمورهم، فإني لم أدعها طرفة عين مذ نزلت على أبيك آدم، وكذلك الملائكة.
وروي أنها لما نزلت هرب الغيم إلى المشرق، وسكنت الرياح، وهاج البحر، وأصغت البهائم بآذانها، ورجمت الشياطين، وحلف الله بعزته وجلاله أن لا يسمى اسمه على مريض إلا شفاه، ولا يسمى اسمه على شئ إلا بارك
стр. 4
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فيه.
وروي أن رجلا قال بحضرته ﷺ : تعس الشيطان.
فقال له ﵊: لا تقل ذلك فإنه يتعاظم عنده - أي عند هذا القول - ولكن قل بسم الله الرحمن الرحيم، فإنه يصغر حتى يصير أقل من ذبابة.
وروي: من أراد أن يحيا سعيدا ويموت شهيدا فليقل عند ابتداء كل شئ بسم الله الرحمن الرحيم - أي كل شئ ذي بال - بدليل الحديث المتقدم.
وروي: بسم الله الرحمن الرحيم أم القرآن، وهي أم الكتاب، وهي السبع المثاني.
قال العلامة الصبان في رسالته على البسملة: لعل وصفها بهذا باعتبار اشتمالها على معاني الفاتحة.
اه.
وعدد حروف البسملة الرسمية تسعة عشر حرفا، وعدد خزنة النار تسعة عشر خازنا، كما قال الله تعالى: * (عليها تسعة عشر) *.
قال ابن مسعود: فمن أراد أن ينجيه الله من الزبانية التسعة عشر فليقرأ البسملة، فيجعل الله له بكل حرف منها جنة - بضم الجيم - أي وقاية - من كل واحد منهم، فإنهم يقولونها في كل أفعالهم، فبها قوتهم وبها استضلعوا.
وعن علي ﵁، مرفوعا: ما من كتاب يلقى في الأرض وفيه بسم الله الرحمن الرحيم إلا بعث الله ملائكة يحفون عليها بأجنحتهم، حتى يبعث الله وليا من أوليائه يرفعه.
فمن رفع كتابا من الأرض فيه البسملة رفع الله اسمه في أعلى عليين، وغفر له ولوالديه ببركتها.
وروي عنه ﷺ أنه قال: من قرأ بسم الله الرحمن الرحيم، وكان مؤمنا، سبحت معه الجبال، إلا أنه لا يسمع تسبيحها.
وروي عنه ﷺ أنه قال: إذا قال العبد بسم الله الرحمن الرحيم، قالت الجنة: لبيك اللهم وسعديك، إلهي، إن عبدك فلانا قال بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم زحزحه عن النار وأدخله الجنة.
وروي أن الكتب المنزلة من السماء إلى الأرض مائة وأربعة، أنزل على شيث ستون، وعلى إبراهيم ثلاثون، وعلى موسى قبل التوراة عشرة، والتوراة والأنجيل والزبور والفرقان.
وأن معاني كل الكتب مجموعة في القرآن، ومعانيه مجموعة في الفاتحة ولهذا سميت أم الكتاب ومعانيها مجموعة في البسملة، ومعانيها
مجموعة في بائها، ومعناها: بي كان ما كان، وبي يكون ما يكون.
والمراد الجمع ولو إجمالا، بطريق الإيماء وإنما جمعت الفاتحة جميع معاني القرآن، لأن كل ما فيه من الحمد والشكر والثناء فهو مندرج تحت قوله الحمد لله، وكل ما فيه من الخلائق فهو تحت كلمة رب العالمين، وكل ما فيه من الرحمة والعطاء فهو تحت كلمة الرحمن، وكل ما فيه من ذكر العفو والمغفرة فهو تحت كلمة الرحيم، وكل ما فيه من أوصاف القيامة فهو تحت كلمة مالك يوم الدين، وكل ما فيه من بيان الهداية والدعاء والثبات على الإسلام فهو تحت كلمة إهدنا الصراط المستقيم، وكل ما فيه من بيان صفات الصالحين فهو تحت كلمة صراط الذين أنعمت عليهم، وكل ما فيه من الغضب فهو تحت كلمة غير المغضوب عليهم، وكل ما فيه من ذكر الأهواء والبدع فهو تحت كلمة ولا الضالين.
ووجه بعضهم كون معاني البسملة في الباء، بأن المقصود من كل العلوم وصول العبد إلى الرب، وهذه الباء لما فيها من معنى الإلصاق تلصق العبد بجناب الرب.
زاد بعضهم: ومعاني الباء في نقطتها، ومعناها: أنا نقطة
стр. 5
الحمد لله
ــ
الوجود، المستمد مني كل موجود.
وروي عنه ﵊ أنه قال: البسملة فاتحة كل كتاب وفي رواية: بسم الله الرحمن الرحيم مفتاح كل كتاب.
فإن قيل: إن هذه الرواية والتي قبلها يفهمان أن كل كتاب أنزل مشتمل على معاني القرآن، لأنه مشتمل على البسملة المشتملة على معاني الفاتحة المشتملة على معاني القرآن، والرواية التي قبلهما تفهم خلاف ذلك، بل تفهم أنها لم توجد في غير القرآن رأسا.
فالجواب أن البسملة المفتتح بها كل الكتب المنزلة لم تكن بهذا اللفظ العربي على هذا الترتيب، والمفتتح بها القرآن المجيد، بهذا اللفظ العربي على هذا الترتيب، ويجوز أن يكون لكونها بهذا اللفظ العربي.
وهذا الترتيب لها دخل في اشتمالها على معاني القرآن، فلا يلزم حينئذ من اشتمال الكتب عليها بغير هذا اللفظ وهذا الترتيب، اشتمال كل كتاب على معاني القرآن.
ولا يرد ما وقع في سورة النمل عن سيدنا سليمان في كتابه لبلقيس من أنها بهذا اللفظ العربي وهذا الترتيب، لأن ذلك كان ترجمة عما في كتابه لها.
ومما يتعلق بالبسملة من المعاني الدقيقة ما قيل: إن الباء بهاء الله، والسين سناء الله، والميم مجد الله.
وقيل: الباء بكاء التائبين، والسين سهو الغافلين، والميم مغفرته للمذنبين.
وقال بعض الصوفية: الله لأهل الصفاء، الرحمن لأهل الوفاء، الرحيم لأهل الجفاء.
والحكمة في أن الله جعل افتتاح البسملة بالباء دون غيرها من الحروف، وأسقط الألف من اسم، وجعل الباء في مكانها، أن الباء حرف شفوي تنفتح به الشفة ما لا تنفتح بغيره، ولذلك كان أول انفتاح فم الذرة الإنسانية في عهد ألست بربكم بالباء في جواب بلى، وأنها مكسورة أبدا.
فلما كانت فيها الكسرة، والانكسار في الصورة والمعنى، وجدت شرف العندية من الله تعالى، كما قال: أنا
عند المنكسرة قلوبهم بخلاف الألف، فإن فيها ترفعا وتكبرا وتطاولا، فلذلك أسقطت.
وخصت التسمية بلفظ الجلالة ولفظ الرحمن، ولفظ الرحيم، ليعلم العارف أن المستحق لأن يستعان به في جميع الأمور هو المعبود الحقيقي، الذي هو مولى النعم كلها، عاجلها وآجلها، جليلها وحقيرها.
فيتوجه العارف بجملته حرصا ومحبة إلى جناب القدس، ويتمسك بحبل التوفيق، ويشتغل سره بذكره والاستمداد به عن غيره.
والكلام على البسملة من الأسرار والعجائب واللطائف، لا يدخل تحت حصر.
وفي هذا القدر كفاية، وبالله التوفيق.
(قوله: الحمد لله) آثره على الشكر اقتداء بالكتاب العزيز، ولقوله ﷺ : لا يشكر الله من لم يحمده.
والحمد معناه اللغوي الثنا بالجميل لأجل جميل اختياري، سواء كان في مقابلة نعمة أم لا.
ومعناه العرفي فعل ينبئ عن تعظيم المنعم من حيث أنه منعم على الحامد أو غيره.
والشكر لغة: هو الحمد العرفي، وعرفا: صرف العبد جيمع ما أنعم الله به عليه فيما خلق لأجله، أي أن يصرف جميع الأعضاء والمعاني التي أنعم الله عليه بها في الطاعات التي طلب استعمالها فيها، فإن استعملها في أوقات مختلفة سمى شاكرا، أو في وقت واحد سمي شكورا، وهو قليل، لقوله تعالى: * (وقليل من عبادي الشكور) *.
وصور ذلك العلامة الشبراملسي بمن حمل جنازة متفكرا في مصنوعات الله، ناظرا لما بين يديه، لئلا يزل بالميت ماشيا برجليه إلى القبر، شاغلا لسانه بالذكر، وأذنيه باستماع ما فيه ثواب، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وأقسام الحمد أربعة: حمدان قديمان، وهما حمد الله نفسه، نحو الحمد لله الذي خلق السموات والأرض، وحمده بعض عباده، كقوله تعالى في أيوب: * (نعم العبد إنه أواب) *.
وحمدان حادثان، وهما حمدنا له تعالى، وحمد بعضنا لبعض.
وينقسم الحمد إلى: واجب، كالحمد في الصلاة وفي خطبة الجمعة وإلى مندوب، كالحمد في خطبة النكاح، وفي ابتداء الدعاء، وبعد الأكل
стр. 6
الفتاح الجواد، المعين على التفقه في الدين من اختاره من العباد، وأشهد أن لا إله الله، شهادة
ــ
والشرب، وفي ابتداء الكتب المصنفة، وفي ابتداء درس المدرسين، وقراءة الطالبين بين يدي المعلمين.
وإلى مكروه، كالحمد في الأماكن المستقذرة، كالمجزرة والمزبلة ومحل الحاجة.
وإلى حرام، كالحمد عند الفرح بالوقوع في معصية.
واعلم أنه جاء في فضل الحمد أحاديث كثيرة، روي عن النبي ﷺ أن الله عزوجل يحب أن يحمده.
وأخرج الديلمي مرفوعا أن الله يجب الحمد، يحمد به ليثيب حامده، وجعل الحمد لنفسه ذكرا ولعباده ذخرا.
وفي البدر المنير، عنه ﵇: حمد الله أمان للنعمة من زوالها.
وعنه ﷺ : من لبس ثوبا فقال: الحمد لله الذي كساني هذا الثوب من غير حول مني ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه.
وأفضل المحامد أن يقول العبد الحمد لله حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده.
لما
ورد إن الله تعالى لما أهبط أبانا آدم إلى الأرض قال: يا رب، علمني المكاسب، وعلمني كلمة تجمع لي فيها المحامد.
فأوحى الله إليه أن قل ثلاثا، عند كل صباح ومساء، الحمد لله حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده.
ولهذا لو حلف إنسان ليحمدن الله بمجامع المحامد بر بذلك.
وقال بعض العارفين: الحمد لله ثمانية أحرف، كأبواب الجنة، فمن قالها عن صفاء قلب إستحق أن يدخل الجنة من أيها شاء.
أي فيخير بينها إكراما له، ولكن لا يختار إلا الذي سبق في علمه أن يدخل منه.
(قوله: الفتاح) هو من أسماء الله الحسنى.
وهو من صيغ المبالغة، ومعناه: الذي يفتح خزائن الرحمة على أصناف البرية.
وقيل: الحاكم بين الخلائق، من الفتح بمعنى الحكم.
وقيل: الذي يعينك عند الشدائد وينميك صنوف العوائد.
وقيل: الذي فتح على النفوس باب توفيقه، وعلى الأسرار باب تحقيقه.
وحظ العبد من هذا الاسم أن يجتهد حتى يفتح على قلبه في كل ساعة بابا من أبواب الغيب والمكاشفات والخيرات والمسرات.
ومن قرأه إثر صلاة الفجر إحدى وسبعين مرة ويده على صدره، طهر قلبه وتنور سره ويسر أمره.
وفيه سر عظيم لتيسير الرزق وغيره.
اه.
من شرح أسماء الله الحسنى.
(قوله: الجواد) هو السخي، كما في القاموس.
ومعناه: الكريم المتفضل على عباده بالنوال قبل السؤال.
وفي التحفة ما نصه: الجواد، بالتخفيف، كثير الجود - أي العطاء - واعترض بأنه ليس فيه توقيف، أي واسماؤه تعالى توقيفية على الأصح.
وأجيب عنه بأن فيه مرسلا اعتضد بمسند، بل روى أحمد والترمذي وابن ماجة حديثا طويلا، فيه: بأني جواد ماجد.
اه.
بحذف.
(قوله: المعين على التفقه في الدين الخ) أي الموفق لمن اختاره من عباده عليه، لقوله ﵇: من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين والتفقه التفهم شيئا فشيئا، لأن الفقه معناه لغة الفهم، كما سيأتي.
والدين، ما شرعه الله تعالى من الأحكام على لسان نبيه ﵊، سمي دينا لأنا ندين له، أي ننقاد.
(قوله: وأشهد إلخ) أي أعترف بلساني وأذعن بقلبي أن لا معبود بحق موجود إلا الله.
والشهادة لغة.
التحقق بالبصر أو البصيرة، كالمشاهدة.
واصطلاحا: قول صادر عن علم بمشاهدة بصر أو بصيرة.
ولما كان من شروط الإسلام ترتيب الشهادتين عطف الشهادة الثانية على الأولى فقال: وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله.
وأتى بالشهادة لحديث: كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء أي مقطوعة البركة أو قليلتها.
ولما قيل أنه يطلب من كل بادئ في فن أربعة أمور على سبيل الوجوب الصناعي: البسملة، والحمدلة، والتشهد، والصلاة على النبي ﷺ .
وثلاثة على سبيل الندب الصناعي: تسمية نفسه، وكتابه، والإتيان ببراعة الاستهلال.
وفات الشيخ - رحمه الله تعالى - هنا من الأمور المندوبة تسمية نفسه.
(وقوله: شهادة) مصدر مؤكد لعامله.
стр. 7
تدخلنا دار الخلود، وأشهد أن سيدنا محمدا ورسوله، صاحب المقام المحموم، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه
ــ
(وقوله: دار الخلود) هي الجنة.
(وقوله: المقام المحمود) هو مقام الشفاعة العظمى في فصل القضاء، يحمده فيه الأولون والآخرون.
(وقوله: صلى الله الخ) أي اللهم صل عليه وسلم.
وأتى بالفعلين بصيغة الماضي رجاء تحقق حصول المسؤول، وإنما صلى وسلم المؤلف في أول كتابه امتثالا لأمر الله تعالى في قوله تعالى: * (يأيها الذين آمنوا صلوا) * الآية، ولما قام على ذلك عقلا ونقلا من البرهان.
أما نقلا: فقوله تعالى: * (ورفعنا لك ذكرك) *.
أي لا أذكر إلا وتذكر معي.
وأما عقلا: فلأن المصطفى هو الذي علمنا شكر المنعم، وكان سببا في كمال هذا النوع الإنساني، فاستوجب قرن شكره بشكر المنعم، عملا بالحديث القدسي: عبدي لم تشكرني، إذا لم تشكر من أجريت النعمة على يديه.
ولا شك بأنه ﷺ الواسطة العظمى لنا في كل نعمة، بل هو أصل الإيجاد لكل مخلوق، كما قال ذو العزة والجلال: لولاك لولاك لما خلقت الأفلاك.
واعلم أنه جاء في فضل الصلاة على النبي ﷺ أحاديث كثيرة، منها قوله ﷺ : من صلى علي في كتاب لم تزل الملائكة تستغفر له ما دام اسمي في ذلك الكتاب.
وقوله ﵇: من سره أن يلقى الله وهو عنه راض، فليكثر من الصلاة على.
وقوله ﵇: من أكثر من الصلاة على في حياته أمر الله جميع مخلوقاته أن يستغفروا له بعد موته.
وقال ﵇: أكثروا من الصلاة على، فإنها نور في القبر، ونور على الصراط، ونور في الجنة.
وقال ﵇: أكثروا من الصلاة على فإنها تطفئ عضب الجبار، وتوهن كيد الشيطان.
وقال ﵇: أكثركم صلاة علي أكثركم أزواجا في الجنة.
وفي حديث مرفوع: ما جلس قوم فتفرقوا عن غير الصلاة على النبي ﷺ إلا تفرقوا عن أنتن من جيفة حمار.
قال ابن الجوزي في البستان: فإذا كان المجلس الذي لا يصلى فيه يكون بهذه الحالة فلا غرو أن يتفرق المصلون عليه من مجلسهم عن أطيب من خزانة العطار، وذلك لانه ﷺ كان أطيب الطيبين وأطهر الطاهرين، وكان إذا تكلم امتلأ المجلس بأطيب من ريح المسك.
وكذلك مجلس يذكر فيه النبي ﷺ تنمو منه رائحة طيبة تخترق السموات السبع حتى تنتهي إلى العرش، ويجد كل من خلقه الله ريحها في الأرض، غير الإنس والجن، فإنهم لو وجدوا تلك الرائحة لاشتغل كل واحد منهم بلذتها عن معيشته.
ولا يجد تلك الرائحة ملك أو خلق الله تعالى إلا استغفر لأهل المجلس، ويكتب لهم بعدد هذا الخلق كلهم حسنات، ويرفع لهم بعددهم درجات، سواء كان في المجلس واحد أو مائة ألف، كل واحد يأخذ من هذا الأجر مثل هذا العدد، وما عند الله أكثر.
وللصلاة عليه ﷺ فوائد لا تحصى، منها: أنها تجلو القلب من الظلمة، وتغني عن الشيخ، وتكون سببا للوصول، وتكثر الرزق، وأن من أكثر منها حرم الله جسده على النار.
وينبغي للشخص إذا صلى عليه أن يكون بأكمل
الحالات، متطهرا متوضئا مستقبل القبلة، متفكرا في ذاته السنية، لأجل بلوغ النوال والأمنية، وأن يرتل الحروف، وأن لا يعجل في الكلمات، كما قال ﷺ : إذا صليتم علي فأحسنوا الصلاة علي، فإنكم لا تدرون لعل ذلك يعرض علي.
وقولوا: اللهم اجعل صلواتك وبركاتك على سيد المرسلين وإمام المتقين وخاتم النبيين سيدنا محمد عبدك ورسولك، إمام الخير وقائد الخير، ورسول الرحمة.
اللهم ابعثه المقام المحمود الذي يغبطه فيه الأولون والآخرون.
رواه الديلمي موقوفا عن ابن مسعود ﵁.
(قوله: وعلى آله) أتى بذلك امتثالا لخبر: قولوا اللهم صل على محمد وعلى آله.
(وقوله: وأصحابه) وجه ندب الإتيان بهم في نحو هذا المقام إلحاقهم بالآل، بقياس الأولى، لأنهم أفضل من الآل الذين لا صحبة لهم.
والنظر لما فيهم من البضعة الكريمة إنما يقتضي الشرف من حيث الذات، وكلامنا في أكثرية العلوم والمعارف هذا بناء على ما هو المشهور
стр. 8
الامجاد صلاة وسلاما أفوز بهما يوم المعاد.
(وبعد) فهذا شرح مفيد على كتاب المسمى بقرة العين بمهمات الدين، يبين المراد ويتمم المفاد، ويحصل المقاصد ويبرز الفوائد.
(وسميته): بفتح بشرح قرة العين بمهمات الدين.
وأنا أسأل الله الكريم المنان أن يعم الانتفاع به للخاصة والعامة من الاخوان، وأن يسكنني به الفرودس في دار الامامان، إنه أكرم كريم وأرحم رحيم.
ــ
في معنى الآل، أما على ما قد يراد بهم في نحو هذا المقام - كما سيأتي في كلامه - فالأصحاب رضوان الله عليهم أجمعين آل، وكذلك غيرهم، وحينئذ فإفرادهم بالذكر للاعتناء بهم لما خصوا به عن غيرهم من الفضل، دفعا لتوهم إرادة المعنى المشهور للآل هنا.
اه كردي.
(قوله: الأمجاد) جمع ماجد أو مجيد، على غير قياس.
والمجد: الشرف والرفعة، وهو وصف لكل من الآل والأصحاب.
(قوله: صلاة وسلاما) منصوبان على المفعولية المطلقة بصلى وسلم، وأتى بهما لإفادة التقوية والتأكيد.
(قوله: أفوز بهما) أي أظفر وأبلغ المقصود بسببهما.
(وقوله: يوم المعاد) بفتح الميم، بمعنى المرجع والمصير - كما في المختار - والمراد يوم القيامة.
(قوله: وبعد الخ) أي وبعدما تقدم من البسملة والحمدلة والتشهد والصلاة والسلام على النبي ﷺ وآله وأصحابه، فأقول لكم هذا إلخ.
فهي يؤتى بها عند إرادة الانتقال من نوع من الكلام إلى نوع آخر منه، والكلام عليها مما أفرد بالتأليف فلا حاجة إلى الإطالة.
(وقوله: بقرة العين) قال في القاموس: قرت العين تقر بالكسر والفتح قرة، وتضم، وقرورا: بردت وانقطع بكاؤها، أو رأت ما كانت متشوقة إليه.
اه بتصرف.
وهو هنا كناية عن سرور العين لأنه يلزم من برد العين السرور، فهو كناية اصطلاحية.
وسماه بهذا الاسم لأنه يحصل به سرور وفرح لمن يطلع عليه: (قوله: يبين المراد) أي يظهر المعنى المراد من ألفاظ المتن.
وذلك يكون ببيان الفاعل والمفعول ومرجع الضمير ونحو ذلك.
(وقوله: ويتمم المفاد) بضم الميم، اسم مفعول، يعني يكمل المعنى المستفاد مما مر، ويحتمل أن يكون مصدرا ميميا بمعنى الفائدة.
ولا يخفى حسن ذكر التبيين في جانب المراد والتتميم في جانب المفاد لاحتياج المراد إلى الكشف والإيضاح لخفائه، والمفاد إلى تكميل وتتميم النقص بذكر
نحو قيد.
(وقوله: بشرح) متعلق بفتح قبل جعله علما، وأما بعده فهو جزء علم فلا يتعلق بشئ، وهذا العلم مركب من تسع كلمات ليس منها الباء الأولى.
وكتب الجمل على قول شرح المنهج بفتح الوهاب ما نصه: متعلق بسميته، وهذه الباء ليست من العلم بخلاف الثانية، فإنها منه متعلقة بفتح بالنظر لحاله قبل العلمية، وأما بالنظر لحاله بعدها فليست متعلقة بشئ، وهذا العلم مركب من ست كلمات، والظاهر أنه إسنادي بجعل فتح الوهاب مبتدأ.
وقوله بشرح منهج الطلاب خبرا.
ويبعد كونه إضافيا أو مزجيا.
اه.
(وقوله: وأنا أسأل إلخ) قدم المسند إليه قصدا لتقوية الحكم وتأكيده بتكرر الإسناد، وذلك لأنه لما مدح تصنيفه بأنه مفيد وأنه يبين المراد إلخ، كان مظنة توهم الاعتماد في حصول النفع عليه، فقوى السؤال دفعا لهذا الإيهام، وإن كان بعيدا.
وذكر في الأطول من وجوه التقديم أنه يجوز أن يكون للتخصيص إظهارا للوحدة في هذا الدعاء وعدم مشارك له فيه بالتأمين ليستعطف به، فكأنه قال في أثناء السؤال: إلهي أجبني وارحم وحدتي وانفرادي عن الأعوان.
اه.
انظر السعد وحواشيه.
وقوله: (الكريم) من الكرم، وهو إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي، على وجه ينبغي، لا لغرض وعلة.
وقوله (المنان) من المنة، وهي النعمة مطلقا أو بقيد كونها ثقيلة مبتدأة من غير مقابل يوجبها.
فنعمته تعالى من محض فضله إذ لا يجب عليه لاحد شئ، خلافا لزعم المعتزلة بوجوب الأصح عليه، تعالى الله عن ذلك.
وقيل مأخوذ من المن الذي هو تعداد النعم، وهو من الله حسن ليذكر عباده نعمه عليهم فيطيعوه، ومن غيره مذموم لقوله تعالى: * (لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى) * واستثنى من ذلك النبي والوالد والشيخ فيجوز لهم المن.
(وقوله: أن يعم) المصدر المنسبك من
стр. 9
(بسم الله الرحمن الرحيم) أولف: والاسم مشتق من السمو وهو العلو، لا من الوسم وهو العلامة والله
ــ
أن، والفعل مفعول ثان لأسأل.
وقوله الانتفاع مرفوع على الفاعلية.
وقوله للخاصة: اللام زائدة، وما بعدها منصوب على المفعولية.
ويحتمل أن يكون فاعل الفعل ضميرا يعود على الله.
والانتفاع منصوب بإسقاط الخافض، أي أسأل أن يعم الله بالانتفاع بالشرح المذكور الخاصة والعامة.
وفي القاموس: يقال عمهم بالعطية إلخ.
اه.
والمراد بالخاصة هنا: المنتهون والمتوسطون، وبالعامة: المبتدئون.
(قوله: الفردوس في دار الأمان) هي الجنة، وهي مشتملة على سبع جنان، أفضلها وأوسطها الفردوس.
وجنة المأوى، وجنة الخلد، وجنة النعيم، وجنة عدن، ودار السلام، ودار الجلال، وإلى ما ذكر ذهب ابن عباس.
وقيل أربع، ورجحه جماعة، لقوله تعالى: * (ولمن خاف مقام ربه جنتان) * ثم قال: * (ومن دونهما جنتان) *.
(وقوله: إنه إلخ) يحتمل أن يكون بفتح الهمزة على حذف لام العلة، ويحتمل أن يكون بكسرها على أنها جملة مستأنفة سيقت لبيان السبب الحامل له على سؤال الله.
وقوله: (أكرم كريم وأرحم رحيم)، أي من كل كريم ومن كل رحيم.
فحذف من
كل اختصارا، وأضيف أفعل إلى ما بعده.
وجاز كونه مفردا، مع أن الأصل أن يكون جمعا، لكون أفعل بعض ما يضاف إليه لفهم المعنى وعدم التباس المراد.
قوله أي: (أؤلف) هذا بيان لمتعلق الباء، بناء على أنها أصلية، وقدره فعلا مؤخرا خاصا لأن ما ذكر هو الأولى في تقدير المتعلق.
أما أولوية كونه فعلا فلأنه هو الأصل في العمل، وأما أولوية كونه خاصا فلرعاية المقام، لأن كل شارع في شئ يضمر في نفسه لفظ ما كانت التسمية مبدأ له، فالكاتب يضمر أكتب، والمؤلف يضمر أؤلف، ولإشعار ما بعد البسملة به فهو قرينة على المحذوف.
وأما أولوية كونه مؤخرا فليكون اسمه تعالى مقدما ذكرا فيوافق تقدم مسماه وجودا، وليفيد الاختصاص، لأن تقديم المعمول يفيده عند الجمهور.
والمعنى: أن البداءة لا تتم إلا بمعونة اسمه تعالى.
ففيه رد على من يعتقد أن البداءة كما تكون باسم الله تكون أيضا باسم آلهتهم، وهذا يسمى قصر إفراد.
ورد على من يعتقد أنها لا تكون باسم الله وإنما تكون باسم آلهتهم، كالدهرية المنكرين وجوده تعالى، وهذا يسمى قصر قلب.
ورد أيضا على المترددين بين أن تكون باسم الله أو باسم آلهتهم، وهذا يسمى قصر تعيين.
قال العلامة الصبان: ثم القصر هنا غير حقيقي لتعذر الحقيقي في قصر الصفة على الموصوف، كما هنا.
فإن المعنى قصر الابتداء على كونه باسم الله لا يتعداه إلى كونه باسم غيره، وإن ثبت له أوصاف أخر ككونه في ذي بال.
(قوله: والاسم مشتق من السمو) أي مأخوذ منه وفرع عنه.
وهو العلو، لأن مسماه يعلو به ويرتفع عن زاوية الهجران إلى محفل الاعتبار والعرفان، لأن محقرات الأشياء ليس شئ منها مما يوضع له اسم خاص بها بل يعبر عنها باسم جنسها أو نوعها.
وهذا مذهب البصريين، فأصله عندهم سمو، حذفت لامه تخفيفا، لأن الواضع
стр. 10
علم للذات الواجب الوجود، وهو اسم جنس لكل معبود، ثم عرف بأل وحذفت الهمزة، ثم استعمل في المعبود بحق، وهو الاسم الاعظم عند الاكثر، ولم يسم به غيره ولو تعنتا.
والرحمن الرحيم
ــ
علم أنه يكثر استعماله فخففه، ثم سكنت سينه، وأتى بهمزة الوصل توصلا وعوضا عن اللام المحذوفة.
فوزنه حينئذ: أفع، فهو من الأسماء المحذوفة الأعجاز، ويشهد لذلك أنهم اتفقوا على أمور، منها أن تصغير اسم سمى أصله سميو، قلبت الواو ياء وأدغمت الياء الأولى فيها.
ومنها أن جمعه أسماء، وأصله أسما وقلبت الواو همزة لتطرفها عقب ألف زائدة.
ومنها أن الفعل منه سميت وأسميت وتسميت، وأصلها سموت وأسموت وتسموت، قلبت الواو ياء لوقوعها رابعة عقب غير ضم.
(وقوله: لا من الوسم) وهو العلامة - أي عند البصريين كما علمت، وأما عند الكوفيين فهو مأخوذ منه.
أي من فعله، وأصله عندهم: وسم بفتح الواو وسكون السين، فخفف عند أكثرهم بحذف صدره لكثرة الاستعمال وأتى بهمزة الوصل لما مر، فوزنه على هذا أعل، فهو من الأسماء المحذوفة الصدر.
ومذهبهم أقل إعلالا، لكن رد بما تقدم من التصغير والجمع.
والفعل ولو كان مأخوذا من الوسم لكان تصغيره وسيما وجمعه أوسام، والفعل منه وسمت، وليس كذلك، كما تقدم.
قال بعضهم: إن قول البصريين مبني على أن الله تسمى بأسماء من الأزل، وقول الكوفيين مبني على أن الأسماء من وضع البشر.
والمذهب الأول أصح، وهو مذهب أهل السنة.
والثاني مذهب أهل الاعتزال، لأنه يقتضي أنه سبحانه كان في الأزل بلا أسماء وصفات، فلما خلق الخلق جعلوا له ذلك، فإذا أفناهم بقي بلا أسماء وصفات.
ورد هذا البناء العلامة الصبان في رسالة البسملة، فقال: ليس في المذهبين ما يقتضي هذا البناء، وذلك لأن جميع الأسماء ألفاظ، والألفاظ غير أزلية، بل هي حادثة باتفاق الجمهور من الفريقين.
ولهذا حمل قول من قال أسماء الله قديمة على المسامحة.
(قوله: والله علم) أي بالوضع الشخصي على التحقيق، لامسماه معين موجود خارجا.
لكن لا يجوز أن يقال ذلك إلا في مقام التعليم حذرا من إيهام معنى الشخص المستحيل، وهو من قامت به مشخصات، والواضع هو الله تعالى، وقيل البشر.
واعترض بأن ذات الله لا تدرك بالعقل فكيف وضع لها العلم؟.
وأجيب بأنه يكفي في الوضع التعقل بوجه ما - كما هنا - فإن الذات أدركت بتعقل صفاتها.
(وقوله: الواجب الوجود) بيان وتعيين المسمى وليس معتبرا من المسمى، وإلا لكان المسمى مجموع الذات والصفة، وليس كذلك.
ومعنى كون واجب الوجود: أنه لا يجوز عليه العدم، فلا يسبقه عدم، ولا يلحقه عدم.
وخرج بذلك واجب العدم كالشريك وجائز الوجود والعدم كالممكن.
ويلزم من كونه واجب الوجود أن يكون مستحقا لجميع المحامد، وبعضهم صرح به.
(قوله: وأصله إله) أي أصله الأول إله، كإمام، وهو اسم جنس لكل معبود، أي سواء كان بحق أو باطل، ثم بعد تعريفه غلب استعماله في الله المعبود بحق غلبة تقديرية، وهي اختصاص اللفظ بمعنى مع إمكان استعمال في غيره بحسب الوضع، لكن لم يستعمل فيه بالفعل كما هنا، فإن لفظ الإله صالح لأن يستعمل في غير الله بحسب الوضع لكن لم يستعمل إلا في الله .
(قوله: ثم عرف بأل) أي فصار الإله، ثم حذفت الهمزة الثانية بعد نقل حركتها إلى اللام فصار أللاه، ثم أدغمت اللام الأولى في الثانية ثم فخمت للتعظيم فصار الله، ففيه خمسة أعمال (قوله: وهو الاسم الأعظم عند الأكثر) واختار النووي ﵀ أنه الحي القيوم.
فإن قيل: إن من شرط الاسم الأعظم أنه إن دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى، وهذا ليس كذلك، فقد يدعو كثير به ولا يستجاب دعاؤه؟ فالجواب أن للدعاء آدابا وشروطا لا يستجاب الدعاء إلا بها، فأولها إصلاح الباطن باللقمة الحلال، لما قيل: الدعاء مفتاح السماء وأسنانه لقمة الحلال.
وآخرها الإخلاص وحضور القلب، كما قال تعالى: * (فادعوا الله مخلصين له الدين) * وكما قال لسيدنا موسى ﵊: يا موسى إن أردت أن يستجاب لك دعاؤك فصن بطنك من الحرام وجوارحك عن الآثام.
وقال سيدي
عبد القادر الجيلاني: الله هو الاسم الأعظم، وإنما يستجاب لك إذا قلت الله وليس في قلبك غيره.
ولهذا الاسم خواص
стр. 11
صفتان بنيتا للمبالغة من رحم، والرحمن أبلغ من الرحيم، لأن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى، ولقولهم:
ــ
وعجائب، منها أن من داوم عليه في خلوة مجردا بأن يقول الله، الله، حتى يغلب عليه منه حال، شاهد عجائب الملكوت، ويقول - بإذن الله - للشئ كن فيكون.
وذكر بعضهم أن من كتبه في إناء - بحسب ما يسع الإناء - ورش به وجه المصروع أحرق بإذن الله شيطانه.
ومن ذكره سبعين ألف مرة في موضع خال عن الأصوات، لا يسأل الله شيئا إلا أعطيه.
ومن قال كل يوم بعد صلاة الصبح هو الله، سبعا وسبعين مرة، رأى بركتها في دينه ودنياه، وشاهد في نفسه أشياء عجيبة.
(قوله: ولم يسم به غيره) أي بل سمى نفسه به قبل أن يعرفه لخلقه، ثم أنزله على آدم ليعرفه لهم.
ويدل لذلك قوله تعالى: * (هل تعلم له سميا) * أي هل تعلم أن أحدا غير الله تسمى بهذا الاسم؟.
والاستفام للإنكار.
(وقوله: ولو تعنتا) أي أنه لا يستطيع أحد التسمية به ولو على وجه التعنت، أي التشدد والتعصب.
قال في القاموس: عنته تعنيتا، أي شدد عليه، وألزمه ما يصعب عليه أداؤه.
ويقال: جاءه متعنتا أي طالبا زلته.
انتهى.
ويروى أن امرأة سمت ولدها الله فنزلت صاعقة وأحرقته.
(قوله: والرحمن الرحيم صفتان إلخ) أي مشبهتان بحسب الوضع.
(وقوله: بنيتا) أي اشتقتا للمبالغة، أي لأجل إفادتها بحسب الاستعمال لا بحسب الصيغة والوضع.
وبما ذك يندفع ما قيل إن كونهما للمبالغة ينافي كونهما صفتين مشبهتين، لأن الصفة المشبهة للدوام وصيغة المبالغة للحدوث والتجدد.
ويندفع به أيضا ما قيل إن صيغ المبالغة محصورة في خمسة، ورحمن ليس منها، على أن بعضهم منع الحصر المذكور.
والمراد بالمبالغة المبالغة النحوية، وهي قوة المعنى، أو كثرة أفراده، لا البيانية وهي أن تثبت للشئ زيادة على ما يستحقه لأنها مستحيلة، إذ جميع أسمائه في نهاية الكمال.
(وقوله: من رحم) أي بكسر الحاء بعد نقله من فعل بكسر العين إلى فعل بضمها، أو بعد تنزيله منزلة اللازم، فلا يرد ما يقال أن الصفة المشبة لا تصاغ من المتعدي، ورحم متعد، يقال: رحمك الله.
وبعضهم أثبت كونه يستعمل لازما مضموم العين، فيقال رحم كحسن، ومصدره الرحم كالحسن، ومنه قوله تعالى: * (وأقرب رحما) * فعلى هذا لا حاجة للتنزيل والنقل الماريين.
(قوله: والرحمن أبلغ من الرحيم) استئناف بياني واقع في جواب سؤال مقدر تقديره: لم قدم الرحمن على الرحيم؟ ومعنى كونه أبلغ أن مدلوله أعظم وأزيد من مدلول الرحيم.
وهو مأخوذ من المبالغة لا من البلاغة، لأنها لا يوصف بها لمفرد.
(وقوله: لأن زيادة البناء الخ) كما في قطع بالتخفيف وقطع بالتشديد، وكما في كبار وكبار.
ومحل هذه القاعدة إذا وجدت شروط ثلاثة أن يكون ذلك في غير الصفات الجبلية، فخرج نحو شره ونهم، لأن الصفة الجبلية لا تتفاوت.
وأن يتحد اللفظان في النوع، فخرج نحو
حذر وحاذر، إذ الأول صفة مشبهة والثاني اسم فاعل.
ويتحدا في الاشتقاق، فخرج نحو زمن وزمان، إذ لا اشتقاق فيهما.
(وقوله: ولقولهم) أي السلف، ففيه تصريح بأن هذا ليس بحديث.
وقال ابن حجر: إنه حديث، والمبالغة فيه لشمول الرحمن للدنيا والآخرة، والرحيم مختص بالآخرة أو الدنيا، فالأبلغية بحسب كثرة أفراد المرحومين وقلتها، فهي منظور فيها للحكم.
وأما ما جاء في الحديث: يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما فلا يعارض ما ذكر، لأنه يجوز أن تكون الأبلغية بالنظر للكيف.
اه.
بجيرمي بتصرف.
وفي حاشية الجمل ما نصه: قوله ولقولهم، لم يقل ولقوله ﵊ لأن كلا مما ذكره غير حديث، لأن حاصل الصيغ التي وردت هنا ست صيغتان: منها حديثان، وهما: الرحمن رحمن الدنيا والرحيم رحيم الآخرة، والصيغة الثانية: يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما.
وأما بقية الصيغ التي من جملتها ما ذكره الشارح فهي غير أحاديث، وهي أربع صيغ: يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيم الآخرة، يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيم الدنيا،
стр. 12
رحمن الدنيا والاخرة، ورحيم الاخرة: (الحمد الله الذى هدانا) أي دلنا (لهذا) التأليف (وما كنا لنهتدي لولا
ــ
يا رحمن الدنيا ورحيم الآخرة، يا رحمن الآخرة ورحيم الدنيا، اه حفني.
وقوله: التي من جملتها ما ذكره الشارح، غير ظاهر لأن الصيغتين في الشرح ليس فيهما / حرف النداء صريحا وإن كان مقدرا، بخلاف الأربعة التي ذكرها.
وبهذا الاعتبار تكون الصيغ ثمانية، صيغتان حديثان وست غير أحاديث.
اه ع ط.
اه.
واعلم أن الرحمن معناه: المنعم بجلائل النعم، أي أصولها، كنعمة الوجود بعد العدم، والإيمان، والعافية والرزق، والعقل، والسمع، والبصر، وغير ذلك.
والرحيم معناه: المنعم بدقائق النعم، أي فروعها، كالجمال، وكثرة المال، وزيادة الإيمان، ووفور العقل، وحدة السمع والبصر، وغير ذلك.
وإنما جمع بينهما إشارة إلى أنه تعالى، كما ينبغي أن يطلب منه النعم العظيمة كذلك ينبغي أن يطلب منه النعم الدقيقة.
فقد أوحى الله إلى موسى: يا موسى لا تخش مني بخلا أن تسألني حقيرا، اطلب مني الدقة والعلف لشاتك، أما علمت أني خلقت الخردلة فما فوقها، وأني لم أخلق شيئا إلا وقد علمت أن الخلق يحتاجون إليه.
فمن سألني مسألة، وهو يعلم أني قادر، أعطي وأمنع، أعطيته مسألته مع المغفرة.
والحاصل أن رحمته عامة على جميع مخلوقاته، فينبغي لكل شخص مريد رحمة الله أن يرحم أخاه.
قال كعب الأحبار: مكتوب في الإنجيل: يا ابن آدم كما ترحم كذلك ترحم، فكيف ترجو أن يرحمك الله وأنت لا ترحم عباد الله.
ومما ينسب لإبن حجر رحمه الله تعالى:
إرحم هديت جميع الخلق إنك ما رحمت يرحمك الرحمن فاغتنما (وله أيضا): إرحم عباد الله يرحمك الذي عم الخلائق جوده ونواله فالراحمون لهم نصيب وافرمن رحمة الرحمن ﷻ ولهذين الوصفين خواص كثيرة، فمن خواص الرحمن أن من أكثر من ذكره نظر الله إليه بعين الرحمة، ومن واظب على ذكره ملطوفا به في جميع أحواله.
روي عن الخضر ﵇: إن من قال بعد عصر الجمعة مستقلا: يا ألله يا رحمن، إلى أن تغيب الشمس، وسأله الله شيئا من أمور الدنيا أو الدين أعطاه إياه.
ومن خواص الرحيم أن من كتبه في ورقة إحدى وعشرين مرة وعلقها على صاحب الصداع برئ بإذن الله تعالى.
ومن كتبه في كف مصروع، وذكره في أذنه سبع مرات، أفاق من ساعته بإذن الله تعالى.
اه شرح أسماء الله الحسنى.
(قوله: الحمد لله الذي هدانا إلخ) هذا اعتراف منه بأنه لم يصل إلى هذا التأليف العظيم ذي النفع العميم، الموصل إن شاء الله تعالى إلى الفوز بجنات النعيم، بجهده واستحقاق فعله، فاقتدى بأهل الجنة حيث قالوا ذلك في دار الجزاء اعترافا منهم بأنهم لم يصلوا إلى ما وصلوا إليه من حسن تلك العطيات وعظم تلك المراتب العليات بجهدهم واستحقاق فعلهم، بل بمحض فضل الله وكرمه.
وما ذكر اقتباس من القرآن، وهو أن يضمن المتكلم كلامه شيئا من القرآن أو الحديث، لا على أنه منه، ولا يضر فيه التغيير لفظا ومعنى، لأن الإشارة في القرآن للنعيم، وهنا للتأليف.
بجيرمي بتصرف.
ثم إن هداية الله أنواع لا يحصيها عد، لكنها تنحصر في أجناس مرتبة: الأول: إفاضة القوى التي بها يتمكن المرء من الاهتداء إلى مصالحه، كالقوة العقلية - أي العاقلة - والحواس الباطنة، والمشاعر الظاهرة.
الثاني: نصب الدلائل الفارقة بين الحق والباطل والصلاح والفساد.
الثالث: الهداية بإرسال الرسل وإنزال الكتب.
الرابع: أن يكشف لقلوبهم السرائر ويؤتيهم الأشياء كما هي، بالوحي أو الإلهام أو المنامات الصادقة، وهذا القسم يختص بالأنبياء.
(قوله: أي دلنا) اقتصر في تفسير الهداية على الأدلة، فشملت الدلالة الموصلة إلى المقصود وغيرها.
والأولى لا تسند إلا إليه
стр. 13
أن هدانا الله) إليه والحمد هو الوصف بالجميل (والصلاة وهي من الله الرحمة المقرونة بالتعظيم (والسلام) أي التسليم من كل آفة ونقض (على سيدنا محمد رسول الله) لكافة الثقلين، الجن والانس
ــ
تعالى، كما في قوله تعالى: * (اهدنا الصراط المستقيم) * وهي المنفية عنه ﷺ في قوله: * (إنك لا تهدي من أحببت) *.
والثانية تسند إلى النبي ﷺ ، كما في قوله تعالى: * (وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم) *.
وإلى القرآن، كما في قوله تعالى: * (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم) *.
وإلى غيرهما.
وهي هنا موصلة بالنسبة لما وجد منه، وهو البسملة والحمدلة
ونحوهما، وغير موصلة بالنسبة لما سيوجد، وهذا إذا كانت الخطبة متقدمة، فإن كانت متأخرة عن الكتاب فالدلالة موصلة لا غير.
والمشهور أن دل يتعدى بعلى، وهدى يتعدى بإلى، فكيف يفسره به؟ وأجيب بأن الفعل إذا كان بمعنى فعل آخر لا يلزم أن يعدى بما تعدى به ذلك الفعل.
(قوله: وما كنا الخ) الواو للحال أو للاستئناف، وكان فعل ماض لنهتدي، اللام زائدة لتوكيد النفي، والفعل منصوب بأن مضمرة وجوبا بعد لام الجحود.
والمعنى: لنهتدي لما عليه من الخير الذي من جملته هذا التأليف، أو لنهتدي لهذا التأليف.
ولولا: حرف امتناع لوجود.
وأن هدانا الله في تأويل مبتدأ خبره محذوف وجوبا، أي لولا هداية الله لنا موجودة.
وجواب لولا محذوف دل عليه ما قبله، أي ما كنا مهتدين.
والمعنى: امتنع عدم هدايتنا لوجود هداية الله لنا.
اه جمل.
(قوله: والحمد هو الوصف بالجميل) أي لغة.
وأما عرفا: فهو فعل ينبئ عن تعظيم المنعم إلى آخر ما تقدم.
(فائدة) اختلف العلماء في الأفضل، هل الحمد لله أو لا إله إلا الله؟ فذهب طائفة إلى الأول، لأن في الحمد توحيدا وحمدا، وفي لا إله إلا الله توحيدا فقط.
واحتجوا بحديث أبي هريرة وأبي سعيد ﵄ مرفوعا: من قال لا إله إلا الله كتبت له عشرون حسنة، وحط عنه عشرون سيئة.
ومن قال الحمد لله رب العالمين كتبت له ثلاثون حسنة، وحط عنه ثلاثون سيئة.
وذهبت طائفة إلى الثاني، لأنها تنفي الكفر، وعنها يسئل الخلق.
واحتجوا بقوله ﷺ : مفتاح الجنة لا إله إلا الله.
وبقوله ﷺ : أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله.
وبقوله في الحديث القدسي: من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين.
وأجابوا عما في حديث أبي هريرة بأن العشرين الحسنة التي ذكرت لقائل لا إله إلا الله، وإن كانت أقل عددا من الثلاثين، هي أعظم كيفا.
اه ملخصا من حاشية شيخنا، العارف بربه المنان، السيد أحمد بن زيني دحلان، على متن الزبد.
(قوله: وهي من الله الرحمة) أي ومن غيره الدعاء، ودخل في الغير جميع الحيوانات والجمادات، فإنه ورد أنها صلت وسلمت على سيدنا محمد ﷺ ، كما صرح به العلامة الحلبي في السيرة.
وما ذكر من أن الصلاة تختلف باختلاف المصلي هو مذهب الجمهور، ومقابله ما ذهب إليه ابن هشام من أن معنى الصلاة أمر واحد وهو العطف، بفتح العين، ولكنه مختلف باختلاف العاطف.
فهو بالنسبة لله الرحمة، وبالنسبة لما سواه تعالى - من الملائكة وغيرهم - الدعاء.
وينبني على هذا الخلاف أن الصلاة من قبيل المشترك اللفظي على الأول، والمشترك المعنوي على الثاني.
(قوله: أي التسليم) إنما قال ذلك لأن السلام من أسمائه تعالى فربما يتوهم أنه المراد، فدفعه بما ذكر فيكون من إطلاق اسم المصدر على المصدر.
اه بجيرمي.
وفسره بعضهم بقوله: السلام هنا بمعنى الأمان والإعظام وطيب التحية اللائقة
بذلك المقام.
وجمع بين الصلاة والسلام امتثالا لقوله تعالى: * (يأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) * وخروجا من كراهة إفراد أحدهما عن الآخر لفظا أو خطا.
وشروط كراهة الإفراد - عند القائل بها - ثلاثة: أن يكون الإفراد منا، فلا يكره ذلك في ثناء الله والملائكة والأنبياء، كقوله تعالى: * (إن الله وملائكته يصلون) * ولم يقل ويسلمون.
وأن يكون في غير ما ورد فيه الإفراد فلا يكره فيما ورد مفردا، كحديث: من قال يوم الجمعة ثمانين مرة: اللهم صل على محمد عبدك ورسولك
стр. 14
إجماعا - وكذا الملائكة، على ما قاله جمع محققون.
ومحمد، علم منقول من اسم المفعول المضعف
موضوع لمن كثرت خصاله الحميدة، سمى به نبينا صلى الله عليه واله وسلم بإلهام من الله لجده.
والرسول من البشر ذكر حر، أوحى إليه بشرع وأمر بتبليغه، وإن لم يكن له كتاب ولا نسخ كيوشع ﵇، فإن لم يؤمر بالتبليغ فنبي.
والرسول أفضل من النبي إجماعا.
وصح خبر أن عدد الانبياء عليهم الصلاة والسلام مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا، وأن عدد الرسل ثلثمائة وخمسة عشر.
(وعلى آله) أي أقاربه المؤمنين من بني هاشم والمطلب.
وقيل هم كل مؤمن، أي في مقام الدعاء ونحو، واختير لخبر ضعيف فيه، وجزم به النووي في شرح
ــ
النبي الأمي، غفر له ذنوب ثمانين سنة.
وأن يكون لغير داخل الحجرة الشريفة.
أما هو فيقول: السلام عليك يا رسول الله، ولا يكره له الاقتصار.
(قوله: لكافة الثقلين الجن والإنس) بل وإلى كافة الخلق من ملك وحجر ومدر، بل وإلى نفسه.
وقول العلامة الرملي: لم يرسل إلى الملائكة، أي إرسال تكليف، فلا ينافي أنه أرسل إليهم إرسال تشريف.
(قوله: المضعف) أي المكرر العين، وهو أبلغ من اسم مفعول الفعل الغير المضعف، وهو محمود.
(قوله: بإلهام من الله لجده) أي انه ألهم التسمية بمحمد بسبب أنه تعالى أوقع في قلبه أنه يكثر حمد الخلق له.
كما روي في السير أنه قيل لجده عبد المطلب - وقد سماه في سابع ولادته لموت أبيه قبلها -: لم سميت ابنك محمدا، وليس من أسماء آبائك ولا قومك؟ قال: رجوت أن يحمد في السماء والأرض.
وقد حقق الله رجاءه.
وينبغي إكرام من اسمه محمد تعظيما له ﷺ ، ويسن التسمية بهذا الاسم الشريف محبة فيه ﷺ .
وقد ورد في فضل التسمية به عدة أحاديث، أصح ما فيها حديث: من ولد له مولود فسماه محمدا حبا لي وتبركا باسمي كان هو ومولوده في الجنة.
(قوله: أوحي إليه بشرع) أي أعلم به، لأن الإيحاء الاعلام، سواء كان بإرسال أو بإلهام أو رؤيا منام، فإن رؤيا الأنبياء حق.
وسواء كان له كتاب أم لا.
(قوله: فإن لم يؤمر بالتبليغ فنبي) أي فقط.
والحاصل بينهما عموم وخصوص مطلق يجتمعان فيمن كان نبيا ورسولا، وهو الذي أمر بالتبليغ.
وينفرد النبي فيمن لم يؤمر بالتبليغ ولا ينفرد الرسول، فكل رسول نبي ولا عكس.
وإن قلنا بانفراد الرسول في الملائكة كان بينهما العموم والخصوص الوجهي، والتحقيق الأول.
(قوله: وصح خبر أن عدد إلخ) الصحيح عدم حصرهم في عدد، لقوله تعالى: * (منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك) *.
واعلم أنه يجب الإيمان بهم إجمالا فيمن لم يرد فيه تفصيل، وتفصيلا فيمن ورد فيه التفصيل.
والوارد فيه التفصيل منهم خمسة وعشرون، ثمانية عشر مذكورة في قوله تعالى: * (وتلك حجتنا) * الآية، والباقي سبعة مذكورة في بعض السور، وهم آدم وإدريس وهود وشعيب وصالح وذو الكفل وسيدنا محمد ﷺ وعليهم أجمعين.
وقد نظمها بعضهم فقال:
حتم على كل ذي التكليف معرفة بأنبياء على التفصيل قد علموا في تلك حجتنا منهم ثمانية من بعد عشر ويبقي سبعة وهمو إدريس هود شعيب صالح وكذا ذو الكفل آدم بالمختار قد ختموا فمن أنكر واحدا منهم بعد أن علمه كفر، بخلاف ما لو سئل عنه ابتداء فقال لا أعرفه فلا يكفر.
(قوله: وعلى آله) أعاد العامل فيه ولم يعده مع الصحب، لأن الصلاة عليهم ثبتت بالنص، بخلاف الصحب فإنها بالقياس على الآل، وللرد على الشيعة الزاعمين ورود حديث عنه ﷺ وهو: لا تفصلوا بيني وبين آلي بعلي.
وهو مكذوب عليه.
(قوله: أي أقاربه المؤمنين) هو بالمعنى الشامل للمؤمنات، ففيه تغليب.
والمراد بالبنين في قوله من بني هاشم ما يشمل البنات، ففيه تغليب أيضا.
وهاشم جد النبي ﷺ ، والمطلب أخو هاشم، وهو جد الإمام الشافعي، وأبوهما عبد مناف.
وخرج بقوله بني هاشم والمطلب بنو عبد شمس ونوفل، فليسوا من الآل وإن كانوا من أولا عبد مناف، وذلك لأنهم كانوا يؤذونه ﷺ .
(قوله: وقيل هم كل مؤمن) أي ولو كان عاصيا، لأنه أحوج إلى الدعاء من غيره، لكن تعليله بالخبر الضعيف، وهو آل محمد كل تقي،
стр. 15
مسلم.
(وصحبه) وهو اسم جمع لصاحب بمعنى الصحابي، وهو من اجتمع مؤمنات بنبينا صلى الله عليه واله وسلم ولو أعمى وغير مميز.
(الفائزين برضا الله) تعالى، صفة لمن ذكر.
(وبعد) أي بعدما تقدم من البسملة والحمدلة والصلاة والسلام على من ذكر، (فهذا) المؤلف الحاضر ذهنا (مختصر) قل لفظه وكثر معناه من الاختصار (في الفقه) هو لغة: الفهم.
واصطلاحا: العلم بالاحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية.
واستمداده من الكتاب والسنة والاجماع والقياس.
وفائدته
ــ
يفيد تخصيص المؤمن بغير العاصي إلا أن يراد بالتقي التقي عن الشرك، وهو أول مراتب التقوى.
(قوله أي في مقام الدعاء ونحوه) المشتهر أن هذا القيل خاص بمقام الدعاء، ومحل الخلاف عند عدم القرينة، والا فسر بما يناسبها.
قال العلامة الصبان: وما اشتهر من أن اللائق في مقام الدعاء تفسير الآل بعموم الأتباع، لست أقول بإطلاقه، بل المتجه عندي التفصيل.
فإن كان في العبارة ما يستدعي تفسير الآل بأهل بيته حمل عليهم، نحو: اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل محمد الذين أذهبت عنهم الرجس وطهرتهم تطهيرا.
وما يستدعي تفسير الآل بالأتقياء حمل عليهم، نحو: اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل محمد الذين ملأت قلوبهم بأنوارك وكشفت لهم حجب أسرارك.
فإن خلت مما ذكر حمل على الأتباع، نحو: اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل محمد سكان جنتك وأهل دار كرامتك.
(قوله: اسم جمع) أي لأجمع، لأن صيغة فعل ليست من أوزان الجموع، وهذا هو التحقيق.
وقال الأخفش: إنه جمع لصاحب كركب وراكب.
(قوله: بمعنى الصحابي) إنما قال ذلك لأن الصاحب هو من طالت عشرته، والصحابي لا يشترط فيه ذلك.
ح ل بجيرمي.
(قوله: وهو) أي الصحابي.
(وقوله: من اجتمع مؤمنا إلخ) أي بعد البعثة في حال حياته اجتماعا متعارفا ببدنه ولو لحظة، ومات على الإيمان، سواء روى عنه شيئا أم لا.
(قوله: فهذا المؤلف الحاضر ذهنا) فالإشارة إلى الألفاظ المرتبة المجتمعة المستحضرة
ذهنا لكن على طريق المجاز لا الحقيقة، لأن اسم الإشارة موضوع للمشار إليه المسحوس بحاسة البصر.
(قوله: قل لفظة وكثر معناه) ولذلك قال بعضهم: الكلام يختصر ليحفظ ويبسط ليفهم.
وقد اختلفت عباراتهم في تفسير المختصر مع تقارب المعنى.
فقيل: هو رد الكلام إلى قليله مع استيفاء المعنى وتحصيله.
وقيل: هو الإقلال بلا إخلال.
وقيل: تكثير المعاني مع تقليل المباني.
وقيل: حذف الفضول مع استيفاء الأصول، وقيل: تقليل المستكثر وضم المنتشر.
(قوله: هو لغة: الفهم) أي مطلقا، لما دق وغيره.
وقيل: فهم ما دق.
(قوله: واصطلاحا: العلم بالأحكام) المراد بها هنا النسب التامة، كثبوت الوجوب للنية في الوضوء في قولنا: النية في الوضوء واجبة، وثبوت الندب للوتر في قولنا: الوتر مندوب، وهكذا.
وخرج بالعلم بها العلم بالذوات، كتصور إنسان فلا يسمى فقها.
(وقوله: الشرعية) خرج بها العلم بالأحكام العقلية، كالعلم بأن الواحد نصف الاثنين.
والشرعية نسبة للشرع بمعنى الشارع، وهو الله تعالى أو النبي ﷺ .
(وقوله: العملية) خرج به العلم بالأحكام الشرعية الاعتقادية، كثبوت الوجوب للقدرة في قولنا: القدرة واجبة لله تعالى، وهكذا بقية الصفات.
وهذا يسمى علم الكلام وعلم التوحيد.
والمراد بالعملية المتعلقة بكيفية عمل، ولو كان قلبيا كالنية، فالصلاة في قولنا: الصلاة واجبة عمل، وكيفيته - أي صفته - الوجوب، والحكم هو ثبوت الوجوب للصلاة.
والنية في قولنا: النية في الوضوء واجبة: عمل قلبي، وكيفيتها الوجوب، والحكم هو ثبوت الوجوب للنية.
(وقوله: المكتسب)، خرج به علم الله، وعلم جبريل على القول بأنه غير مكتسب بل ضروري خلقه الله فيه، والحق أن علم جبريل مكتسب يكتسبه من اللوح المحفوظ.
(وقوله: من أدلتها) خرج به علم المقلد، فهو مستفاد من قول الغير لا من أدلة الأحكام.
(وقوله: التفصيلية) الحق أنه لبيان الواقع لا للاحتراز، وكيفية الأخذ من الأدلة التفصيلية أن تقول: أقيموا الصلاة، أمر، والأمر للوجوب.
ينتج: أقيموا الصلاة للوجوب.
ولا تقربوا الزنا: نهي، والنهي للتحريم، ينتج: لا تقربوا الزنا للتحريم، وهكذا.
واعلم أنه يتأكد لكل طالب فن قبل شروعه فيه أن يتصوره بوجه ما ولو باسمه، لاستحالة توجه النفس نحو المجهول المطلق، والأحسن أن يتصوره بتعريفه ليكون على بصيرة في طلبه، وأن يعرف موضوعه ليمتاز عن غيره أتم تمييز، وأن يعرف
стр. 16
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
غايته وثمرته وفضله ليخرج عن العبث ويزداد جده.
وبقية المبادي العشرة المشهورة، وقد نظمها كلها العلامة الخضري في قوله: مبادي أي علم كان حدوموضوع وغاية مستمد
مسائل نسبة واسم وحكم وفضل واضع عشر تعد ونظمها أيضا أبو العلاء المعري في قوله: من رام فنا فليقدم أولاعلما بحده وموضوع تلا وواضع ونسبة وما استمدمنه وفضله وحكم يعتمد واسم وما أفاد والمسائل فتلك عشر للمنى وسائل وبعضهم فيها على البعض اقتصرومن يكن يدري جميعها انتصر والشارح - رحمه الله تعالى - ذكر منها أربعة: الحد، والاسم، والاستمداد، والفائدة.
وبقي عليه ستة: موضوعه، وحكمه، ومسائله، وواضعه، ونسبته، وفضله.
فأما الأول، فهو أفعال المكلفين من حيث عروض الأحكام لها.
وأما الثاني، فهو الوجوب العيني أو الكفائي.
وأما الثالث، فهو القضايا، كالنية واجبة، والوضوء شرط لصحة الصلاة، ودخول الوقت سبب لها.
وأما الرابع، فالأئمة المجتهدون.
وأما الخامس، فهو المغايرة للعلوم.
وأما السادس، فهو فوقانه على سائر العلوم، لقوله ﷺ : من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين.
ولقوله ﷺ : إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا.
قالوا: وما رياض الجنة يا رسول الله؟ قال: حلق الذكر.
قال عطاء: حلق الذكر هي مجالس الحلال والحرام، كيف تشتري وكيف تصلي وكيف تزكي وكيف تحج وكيف تنكح وكيف تطلق، وما أشبه ذلك.
والمراد معرفة كيفية الصلاة والزكاة والحج، وذلك يكون بمعرفة أركانها وشروطها ومفسداتها، إذ العبارة بغير معرفة ذلك غير صحيحة، كما قال إبن رسلان: وكل من بغير علم يعمل أعماله مردودة لا تقبل وعن ابن عمر ﵄: مجلس فقه خير من عبادة ستين سنة.
لقوله ﷺ : يسير الفقه خير من كثير العبادة.
وما أحسن قول بعضهم: عليك بعلم الفقه في الدين إنه سيرفع فاستدركه قبل صعوده فمن نال منه غاية بلغ المنى وصار مجدا في بروج سعوده (وقوله): تفقه فإن الفقه أفضل قائد إلى البر والتقوى وأعدل قاصد هو العلم الهادي إلى سنن الهدى هو الحصينجي من جميع الشدائد
فإن فقيها واحدا متورعا أشد على الشيطان من ألف عابد (وقوله): إذا ما اعتز ذو علم بعلم فعلم الفقه أولى باعتزاز فكم طيب يفوح ولا كمسك وكم طير يطير ولا كباز (وقوله): وخير علوم علم فقه لأنه يكون إلى كل العلوم توسلا فإن فقيها واحدا متورعا على ألف ذي زهد تفضل واعتلى
стр. 17
امتثال أوامر الله تعالى واجتناب نواهيه.
(على مذهب الامام) المجتهد أبي عبد الله محمد بن إدريس (الشافعي رحمه الله تعالى) ورضى عنه أي ما ذهب إليه من الاحكام في المسائل.
إدريس والده، هو ابن عباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد بن يزيد بن هاشم بن عبد المطلب بن عبد مناف.
وشافع، وهو الذي ينسب إليه الامام.
وأسلم هو وأبوه السائب يوم بدر.
وولد إمامنا رضى الله عنه سنة خمسين
ــ
(وقوله): والعمر عن تحصيل كل علم يقصر فابدأ منه بالأهم وذلك الفقه فإن منلا غنى في كل حال عنه واعلم أن الآيات والأحاديث الدالة على فضل العلم مطلقا كثيرة شهيرة، فمن الآيات قوله تعالى: * (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) * ومن الأحاديث قوله ﵊: من سلك طريقا يبتغي فيها علما سهل الله له طريقا إلى الجنة وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض، حتى الحيتان في الماء وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب وإن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر وقوله ﷺ : فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم وإن الله وملائكته وأهل السموات والأرض، حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت في الماء، ليصلون على معلمي الناس الخير.
قال معاذ ﵁: تعلموا العلم.
فإن تعليمه حسنة، وطلبه عبادة، ومذكراته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وبذله صدقة.
وعن أبي الدرداء ﵁ قال: الناس رجلان، عالم ومتعلم، ولا خير فيما سوى ذلك.
ويقال: من ذهب إلى عالم وجلس عنده ولم يقدر على حفظ شئ مما قاله أعطاه الله سبع كرامات، أولها: ينال فضل المتعلمين.
وثانيها: ما دام عنده جالسا كان محبوسا عن الذنوب والخطايا.
وثالثها: إذا خرج من منزله نزلت عليه الرحمة.
ورابعها: إذا جلس عنده نزلت الرحمة على العالم فتصيبه ببركته.
وخامسها: تكتب له الحسنات ما دام مستمعا.
وسادسها: تحفهم الملائكة بأجنحتهم وهو فيهم.
وسابعها: كل قدم يرفعها ويضعها تكون كفارة للذنوب ورفعا للدرجات وزيادة في الحسنات.
هذا لمن لم يحفظ شيئا، وأما الذي يحفظ فله أضعاف ذلك مضاعفة.
وعن عمر ﵁ أنه قال: إن الرجل ليخرج من منزله وعليه من الذنوب مثل جبال تهامة، فإذا سمع العلم خاف الله واسترجع من ذنوبه، فينصرف إلى منزله وليس عليه ذنب، فلا تفارقوا مجالس العلماء فإن الله لم يخلق على وجه الأرض أكرم من مجلسهم.
قال بعضهم: ولو لم يكن لحضور مجلس العلم منفعة سوى النظر إلى وجه العالم لكان الواجب على العاقل أن يرغب فيه، فكيف وقد أقام النبي ﷺ العلماء مقام نفسه فقال: من زار عالما فكأنما زارني، ومن صافح عالما فكأنما صافحني، ومن جالس عالما فكأنما جالسني، ومن جالسني في الدنيا أجلسه الله تعالى معي يوم القيامة في الجنة.
وما ورد في فضل العلم والعلماء أكثر من أن يحصى، وفي هذا القدر كفاية، فنسأل الله العظيم أن يجعلنا من العلماء العاملين، وأن يمنحنا كمال المتابعة والمحبة لسيدنا محمد سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.
(قوله: على مذهب الإمام) صفة للفقه، أي في الفقه الكائن على مذهب الإمام الشافعي.
والمذهب في اللغة اسم لمكان الذهاب، ثم استعمل فيما ذهب إليه الإمام من الأحكام مجازا على طريق الاستعارة التصريحية التبعية، وتقريرها أن تقول شبه اختيار الأحكام بمعنى الذهاب، واستعير الذهاب لاختيار الأحكام، واشتق منه مذهب بمعنى أحكام مختارة، ثم صار حقيقة عرفية.
(قوله: ابن عبد مناف) فيجتمع الإمام الشافعي مع النبي ﷺ في عبد مناف، لانه ﷺ سيدنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، وهاشم الذي في نسبه ﷺ عم لهاشم الذي في نسب الإمام.
(قوله: وولد إمامنا ﵁ أي بغزة التي توفي فيها هاشم جد النبي ﷺ ، وقيل بعسقلان، ثم حمل إلى مكة وهو ابن سنتين، ونشأ بها وحفظ القرآن وهو ابن سبع سنين، والموطأ وهو ابن
стр. 18
ومائة، وتوفي يوم الجمعة سلخ رجب سنة أربع ومائتين.
(وسميته بقرة العين) ببيان (مهمات) أحكام (الدين)
ــ
عشر، وتفقه على مسلم بن خالد - مفتي مكة - المعروف بالزنجي لشدة شقرته، فهو من باب أسماء الأضداد، وأذن له في الإفتاء وهو ابن خمس عشرة سنة، مع أنه نشأ يتيما في حجر أمه في قلة من العيش وضيق حال.
وكان في صباه يجالس العلماء ويكتب ما يستفيده في العظام ونحوها حتى ملأ منها خبايا، ثم رحل إلى مالك بالمدينة ولازمه مدة، ثم قدم بغداد سنة خمس وتسعين ومائة فأقام بها سنتين واجتمع عليه علماؤها ورجع كثير منهم عن مذاهب كانوا عليها إلى مذهبه، وصنف بها كتابه القديم.
ثم عاد إلى مكة فأقام بها مدة، ثم عاد إلى بغداد سنة ثمان وتسعين فأقام بها، ثم خرج إلى مصر، فلم يزل ناشرا للعلم ملازما للاشتغال بجامعها العتيق.
ثم انتقل إلى رحمة الله - وهو قطب الوجود - يوم الجمعة سلخ رجب سنة أربع
ومائتين، ودفن بالقرافة بعد العصر من يومه.
وانتشر علمه في جميع الآفاق وتقدم على الأئمة في الخلاف والوفاق، وعليه حمل الحديث المشهور: عالم قريش يملأ طباق الأرض علما.
لأن الكثرة والانتشار في جميع الأقطار لم يحصلا في عالم قرشي مثله.
قال الأئمة ومنهم الإمام أحمد: هذا العالم هو الشافعي.
وكان ﵁ يقسم الليل على ثلاثة أقسام، ثلث للعلم، وثلث للصلاة، وثلث للنوم.
ويختم القرآن في كل يوم مرة، ويختم في رمضان ستين مرة، كل ذلك في الصلاة.
وكان ﵁ يقول: ما شبعت منذ ست عشرة سنة، لأنه يثقل البدن ويقسي القلب ويزيل الفطنة ويجلب النوم ويضعف صاحبه عن العبادة.
وما حلفت بالله في عمري، لاكاذبا ولا صادقا.
وسئل ﵁ عن مسألة فسكت، فقيل له: لم لا تجيب؟ فقال: حتى أعلم، الفضل في سكوتي أو في جوابي.
وكان ﵁ مجاب الدعوة، لا تعرف له كبيرة ولا صغيرة.
ومن كلامه ﵁: أمت مطامعي فأرحت نفسي فإن النفس ما طمعت تهون وأحييت القنوع وكان ميتا ففي إحيائه عرضي مصون إذا طمع يحل بقلب عبد علته مهانة وعلاه هون ومن أدعيته ﵁: اللهم امنن علينا بصفاء المعرفة، وهب لنا تصحيح المعاملة فيما بيننا وبينك على السنة، وارزقنا صدق التوكل عليك وحسن الظن بك.
وامنن علينا بكل ما يقربنا إليك مقرونا بعوافي الدارين برحمتك يا أرحم الراحمين.
وبالجملة، فما نقل عنه نظما ونثرا لا يحصى، وفضائله وأخباره لا تستقصى، وقد أفردت بالتأليف، وفي هذا القدر كفاية.
وحيث تبركنا بذكر نبذة من فضائل إمامنا الشافعي ﵁ فلنتبرك بذكر بعض أخبار بقية الأئمة الأربعة رضوان الله عليهم أجمعين.
فأقول: الإمام مالك ﵁، ولد سنة ثلاث وتسعين من الجهرة، وقيل: تسعين.
وهو من أتباع التابعين على الصحيح، وقيل: من التابعين.
وأخذ العلم عن سبعمائة شيخ، منهم ثلثمائة من التابعين، وعليه حمل قوله ﷺ : لا تنقضي الساعة حتى تضرب أكباد الإبل من كل ناحية إلى عالم المدينة يطلبون علمه.
وفي رواية: يوشك أن تضرب أكباد الإبل يطلبون العلم فلا يجدون أحدا أعلم من عالم المدينة.
فكانوا يزدحمون على بابه لطلب العلم.
وأفتى الناس وعلمهم نحو سبعين سنة بالمدينة.
وكان ﵁ يرى المصطفى ﷺ كل ليلة في النوم.
وسئل الإمام أبو حنيفة ﵁ عن مالك فقال: ما رأيت أعلم بسنة رسول الله ﷺ منه.
ولم يزل ﵁ على حالة مرضية حتى اختاره رب البرية سنة تسع
وسبعين ومائة، ودفن بالبقيع، وقبره مشهور.
وأما الإمام أبو حنيفة ﵁، فكانت ولادته في عصر الصحابة سنة ثمانية من الهجرة.
وكان ﵁ عابدا زاهدا عارفا بالله تعالى.
قال حفص بن عبد الرحمن: كان أبو حنيفة ﵁ يحيي الليل بقراءة القرآن في ركعة ثلاثين سنة.
وقال السيد بن عمرو: صلى أبو حنيفة الفجر بوضوء العشاء أربعين سنة.
ويروى أنه من شدة خوفه سمع قارئا يقرأ في
стр. 19
انتخبته.
وهذا الشرح من الكتب المعتمدة لشيخنا، خاتمة المحققين، شهاب الدين أحمد بن حجر الهيتمى،
ــ
المسجد: * (إذا زلزلت الأرض زلزالها) * فلم يزل قابضا على لحيته إلى الفجر وهو يقول: نجزى بمثقال ذرة.
فرحمة الله عليه ورضوانه وتوفي ﵁ في رجب أو شعبان سنة خمسين ومائة، وفيه قال بعضهم: إن ترد في أبي حنيفة وصفا فالراوة الثقات عنه تشير كان شمسا يضئ بالعلم حقا وهو في الناس بالعلوم الأمير كان شيخ الإسلام قدوة خلق الله حقا لما اقتضاه القدير لم يزل وجهه جميلا بهيا خاشعا لا يشوبه تكدير معرضا عن حطام دنيا تلهي كل عقل بحبها مأسور قد تساوى لديه تنزيه نفس عن حطام قليلها والكثير وأما الإمام أحمد بن حنبل ﵁، فكانت ولادته سنة أربع وستين ومائة.
قال إدريس الحداد: كان الإمام أحمد صاحب رواية في الحديث، ليس في زمانه مثله، وكان ﵁ زاهدا ورعا عابدا.
قال عبد الله، ولده: كان أبي يقرأ في كل ليلة سبع القرآن، ويختم في كل سبعة أيام ختمة، ثم يقوم إلى الصباح، وكان يصلي في كل يوم ثلثمائة ركعة.
قال الشافعي ﵁: خرجت من بغداد وما خلفت فيها أفقه ولا أورع ولا أزهد ولا أعلم من الإمام أحمد، وكان يحيي الليل كله من وقت كونه غلاما، وله في كل يوم ختم.
وتوفي ﵁ سنة إحدى وأربعين ومائتين.
والحاصل أن فضله وفضل سائر الأئمة أشهر من الشمس في رابعة النهار، وقد جمع بعضهم تاريخ ولادتهم وموتهم ومقدار عمرهم في قوله: تاريخ نعمان يكن سيف سطاومالك في قطع جوف ضبطا والشافعي صين ببر ندوأحمد بسبق أمر جعد
فاحسب على ترتيب نظم الشعر ميلادهم فموتهم كالعمر فولادة أبي حنفية سنة ثمانين وجمله يكن، ووفاته سنة مائة وخمسين وجمله سيف، وعمره سبعون وجمله سطا.
وولادة مالك سنة تعسين وجمله في، ووفاته مائة وتسع وسبعين وجمله قطع، وعمره تسع وثمانون وجمله جوف.
وولادة الشافعي سنة مائة وخمسين يوم وفاة أبي حنيفة وجمله صين، ووفاته سنة مائتين وأربع وجمله ببر، وعمره أربع وخمسون وجمله ند.
وولادة أحمد سنة أربع وستين ومائة وجمله بسبق، ووفاته سنة إحدى وأربعين ومائتين وجمله أمر، وعمره سبع وسبعون وجمله جعد.
﵃ وعنا بهم أجمعين.
(تنبيه) كل من الأئمة الأربعة على الصواب ويجب تقليد واحد منهم، ومن قلد واحدا منهم خرج عن عهدة التكليف، وعلى المقلد اعتقاد أرجحية مذهبه أو مساواته، ولا يجوز تقليد غيرهم في إفتاء أو قضاء.
قال ابن حجر، ولا يجوز العمل بالضعيف بالمذهب، ويمتنع التلفيق في مسألة، كأن قلد مالكا في طهارة الكلب والشافعي في مسح بعض الرأس في صلاة واحدة، وأما في مسألة بتمامها بجميع معتبراتها فيجوز، ولو بعد العمل، كأن أدى عبادته صحيحة عند بعض الأئمة دون غيره، فله تقليده فيها حتى لا يلزمه قضاؤها.
وسيأتي بسط الكلام على التقليد في باب القضاء إن شاء الله تعالى.
(قوله: وهذا الشرح) معطوف على ضمير انتخبته الواقع مفعولا.
(قوله: لشيخنا إلخ) ولد ﵁ سنة تسع وتسعمائة في أواخرها، ومات أبوه وهو صغير فكفله جده، ثم لما مات جده كفله شيخا أبيه العارفان الكاملان شهاب الدين أبو الحمائل وشمس الدين الشناوي، ونقله الثاني من بلده إلى مقام سيدي أحمد البدوي، فقرأ هناك في مبادي العلوم،
стр. 20
وبقية المجتهدين مثل وجيه الدين عبد الرحمن بن زياد الزبيدى رضى الله عنهما، وشيخي مشايخنا: شيخ الاسلام المجدد زكريا الانصاري، الامام الامجد أحمد المزجد الزبيدى رحمهما الله تعالى.
وغير هم من محققي المتأخرين معتمدا على ما جزم به شيخا المذهب: النووي والرافعي فالنووي فمحققو المتأخرين.
ــ
ثم نقله إلى الجامع الأزهر وعمره أربع عشرة سنة وقرأ فيه على مشايخ كثيرين، منهم شيخ الإسلام زكريا الأنصاري.
وكان لا يجتمع به إلا ويقول له، أسأل الله أن يفقهك في الدين، وكان ﵁ يقول: قاسيت في الجامع الأزهر من الجوع ما لا تحتمله الجبلة البشرية لولا معونة الله وتوفيقه، بحيث أني جلست فيه نحو أربع سنين ما ذقت اللحم، وقاسيت أيضا من الإيذاء من بعض أهل الدروس التي كنا نحضرها ما هو أشد من ذلك.
ومن كلامه رضي الله تعالى عنه: إذا أنت لا ترضى بأدنى معيشة مع الجد في نيل العلا والمآثر فبادر إلى كسب الغنى مترقبا عظيم الرزايا وانطماس البصائر وتوفي رضي الله تعالى عنه ثالث عشر رجب سنة أربع وسبعين وتسعمائة، وعمره إذ ذاك خمس وستون.
وصلي عليه عند
الملتزم الشريف بعد العصر، ودفن بالمعلى.
طيب الله ثراه وجعل الجنة مقره ومثواه.
وفيه أنشد بعضهم حين رأى الرجال تحمل نعشه: انظر إلى جبل تمشي الأنام به وانظر إلى القبر كم يحوي من الشرف وانظر إلى صارم الإسلام منغمدا وانظر إلى درة الإسلام في الصدف (قوله: وشيخي) بصيغة التثنية، معطوف على قوله شيخنا، حذفت منه النون للإضافة.
وقوله (مشايخنا) يقرأ بالياء لا بالهمزة لأن ياء المفرد ليست مدا زائدا ثالثا، وإلى ذلك أشار ابن مالك بقوله: والمد زيد ثالثا في الواحد همزا يرى في مثل كالقلائد (قوله: شيخ الإسلام) أي شيخ أهل الإسلام، وهو بدل من المضاف قبله.
(قوله: المجدد) يحتمل قراءته بصيغة اسم المفعول ويكون صفة للإسلام، والمراد: الإسلام المجدد، أي الذي جدده النبي ﷺ وأظهره بعد أن اندرس.
ويحتمل قراءته بصيغة اسم الفاعل ويكون صفة لشيخ الإسلام، والمراد أنه ﵁ هو المجدد للدين.
(قوله: زكريا الأنصاري) بدل مما قبله، وإنما قدم اللقب على الاسم لشهرته به، مثل قوله تعالى: * (إنما المسيح عيسى ابن مريم) * ولد ﵁ سنة ست وعشرين وثمانمائة بسنيكة ونشأ بها، فحفظ القرآن والعمدة ومختصر التبريزي، ثم تحول للقاهرة سنة إحدى وأربعين ومكث بالجامع الأزهر، وأخذ عن مشايخ كثيرين.
وكان له بر وإيثار لأهل العلم والفقراء ويخير مجالسهم على مجالس الأمراء، وكان له تهجد وصبر وترك للقيل والقال، وكان مجاب الدعوة ﵁.
حتى إنه يحكى أنه جاءه رجل أعمى وقال له ادع الله أن يرد بصري.
فدعا له فرد الله بصره من ثاني يوم.
ولم يزل ﵁ في ازدياد من الترقي حتى لحق بربه العلي وعمره نحو مائة سنة.
فرحمه الله رحمة الأبرار وأسكنه جنات تجري من تحتها الأنهار وأمدنا بمدده.
(قوله: معتمدا) حال من التاء في انتخبته، أي انتخبته من الكتب المعتمدة لهؤلاء حال كوني معتمدا على ما جزم به إلخ.
(وقوله: النووي) نسبة لنوى قرية من قرى دمشق، ولد بها ﵁ سنة ثلاثين وستمائة، وتوفي بها سنة ست وسبعين وستمائة، عن نحو ست وأربعين سنة.
عد عمره ومؤلفاته فجاء لكل يوم كراس من يوم الولادة، وما أعظمهما منقبة.
ولبعضهم في مدحه ﵁: لقيت خيرا يا نوى ووقيت آلام الجوى فلقد نشا بك عالم لله أخلص ما نوى
стр. 21
رضى الله عنهم، (راجيا من) ربنا (الرحمن أن ينتفع به الاذكياء) أي العلاء، (وأن تقر به) بسببه (عيني غدا) أي اليوم الاخر (بالنظر إلى وجهه الكريم بكرة وعشيا) آمين.
ــ
ولما رحل الإمام السبكي ﵁، مع جلالته - لزيارة الإمام في حياته وجده قد توفي فصار يبكي ويمرغ خده في محل جلوسه، ويقول: وفي دار الحديث لطيف معنى إلى بسط لها أصبو وآوي لعلي أن أنال بحر وجهي مكانا مسه قدم النواوي (قوله: والرافعي) نسبة لرافع بن خديج الصحابي ﵁، كما حكي عن خط الرافعي نفسه.
وكنيته أبو القاسم، واسمه عبد الكريم توفي سنة ثلاث أو أربع وعشرين وستمائة عن نيف وستين سنة.
وله كرامات، منها: أن شجرة عنب أضاءت له لفقد ما يسرجه وقت التصنيف.
(قوله: فمحققو المتأخرين) أي ومعتمدا على ما جزم به محققو المتأخرين، أي كشيخ الإسلام وابن حجر وابن زياد وغيرهم.
واعلم أنه سيذكر المؤلف - رحمه الله تعالى - في باب القضاء أن المعتمد في المذهب للحكم والفتوى ما اتفق عليه الشيخان، فما جزم به النووي فالرافعي فما رجحه الأكثر فالأعلم والأورع.
ورأيت في فتاوي المرحوم بكرم الله الشيخ أحمد الدمياطي ما نصه: فإن قلت ما الذي يفتي به من الكتب وما المقدم منها ومن الشراح والحواشي، ككتب ابن حجر والرمليين وشيخ الإسلام والخطيب وابن قاسم والمحلى والزيادي والشبر املسي وابن زياد اليمني والقليوبي والشيخ خضر وغيرهم، فهل كتبهم معتمدة أو لا، وهل يجوز الأخذ بقول كل من المذكورين إذا اختلفوا أو لا؟ وإذا اختلفت كتب ابن حجر فما الذي يقدم منها؟ وهل يجوز العلم بالقول الضعيف والإفتاء به، والعمل بالقول المرجوح، أو خلاف الأصح، أو خلاف الأوجه، أو خلاف المتجه، أو لا؟ الجواب - كما يؤخذ من أجوبة العلامة الشيخ سعيد بن محمد سنبل المكي، والعمدة عليه -: كل هذه الكتب معتمدة ومعول عليها، لكن مع مراعاة تقديم بعضها على بعض، والأخذ في العمل للنفس يجوز بالكل.
وأما الإفتاء فيقدم منها عند الاختلاف التحفة والنهاية، فإن اختلفا فيخير المفتي بينهما إن لم يكن أهلا للترجيح، فإن كان أهلا له ففتى بالراجح.
ثم بعد ذلك شيخ الإسلام في شرحه الصغير على البهجة، ثم شرح المنهج له، لكن فيه مسائل ضعيفة.
فإن اختلفت كتب ابن حجر مع بعضها فالمقدم أولا التحفة، ثم فتح الجواد ثم الإمداد، ثم الفتاوي وشرح العباب سواء، لكن يقدم عليهما شرح بافضل.
وحواشي المتأخرين غالبا موافقة للرملي، فالفتوى بها معتبرة، فإن خالفت التحفة والنهاية فلا يعول عليها.
وأعمد أهل الحواشي: الزيادي ثم ابن قاسم ثم عميرة ثم بقيتهم، لكن لا يؤخذ بما خالفوا فيه أصول المذهب، كقول بعضهم: ولو نقلت صخرة من أرض عرفات إلى غيرها صح الوقوف عليها.
وليس كما قال.
وأما الأقوال الضعيفة
فيجوز العمل بها في حق النفس لا في حق الغير، ما لم يشتد ضعفها، ولا يجوز الإفتاء ولا الحكم بها.
والقول الضعيف - شامل لخلاف الأصح وخلاف المعتمد وخلاف الأوجه وخلاف المتجه.
وأما خلاف الصحيح فالغالب أنه يكون فاسدا لا يجوز الأخذ به، ومع هذا كله فلا يجوز للمفتي أن يفتي حتى يأخذ العلم بالتعلم من أهله المتقين له العارفين به.
وأما مجرد الأخذ من الكتب من غير أخذ عمن ذكر فلا يجوز، لقوله ﷺ : إنما العلم بالتعلم.
ومع ذلك لا بد من فهم ثاقب ورأي صائب، فعلى من أراد الفتوى أن يعتني بالتعلم غاية الاعتناء.
اه.
(قوله: تقر) بكسر القاف وفتحها، كما تقدم.
(قوله: بالنظر إلى وجهه الكريم) متعلق بتقر.
واعلم أن رؤية الباري جل وعلا جائزة عقلا، دنيا وأخرى، لأنه موجود وكل موجود يصح أن يرى.
فالباري جل وعلا يصح أن يرى، ولسؤال سيدنا موسى إياها حيث قال: * (أرني أنظر إليك) * فإنها لو كانت مستحيلة ما سألها سيدنا موسى ﵊، فإنه لا يجوز على أحد من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الجهل بشئ من أحكام
стр. 22
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الألوهية، خصوص ما يجب وما يجوز وما يستحيل، ولكنها لم تقع فالدنيا إلا لنبينا ﵊.
وواجبة شرعا في الآخرة، للكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب، فآيات كثيرة، منها قوله تعالى: * (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة) * أي وجوه يومئذ حسنة مضيئة ناظرة إلى ربها، فالجار والمجرور متعلق بما بعده وهو خبر ثان عن وجوه، ويصح أن يكون ناضرة صفة وناضرة هو الخبر.
والمراد بنظر الوجوه نظر العيون التي فيها، بطريق المجاز المرسل، حيث ذكر المحل وأريد الحال فيه.
ومنها قوله تعالى: * (على الأرائك ينظرون) * ومنها قوله تعالى: * (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) * فإن الحسنى هي الجنة، والزيادة هي النظر إلى وجهه الكريم، كما قاله جمهور المفسرين.
وأما السنة، فأحاديث كثيرة، منها حديث: إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر.
وأما الإجماع فهو أن الصحابة ﵃ كانوا مجمعين على وقوع الرؤية في الآخرة، قال الشيخ السنوسي في شرح الكبرى: أجمع أهل السنة والجماعة قاطبة أن المراد من الآية، أعني قوله: * (وجوه) * الآية، رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة.
وأجمع الصحابة قاطبة على وقوع الرؤية في الآخرة، وأن الآيات والأحاديث الواردة فيها محمولة على ظواهرها من غير تأويل، كل ذلك كان قبل ظهور أهل البدع.
وكان الصحابة والسلف يبتهلون إلى الله تعالى ويسألونه النظر إلى وجهه الكريم، بل ورد ذلك أيضا في بعض أدعية النبي ﷺ اه.
وقال الإمام مالك ﵁: لما حجب أعداءه فلم يروه تجلى لأوليائه حتى رأوه، ولو لم ير المؤمنون ربهم يوم القيامة لم يعير الكفار بالحجاب.
قال تعالى: * (كلا إنهم عن ربهم
يومئذ لمحجوبون) *.
وقال الإمام الشافعي ﵁: لما حجب الله قوما بالسخط دل على أن قوما يرونه بالرضا.
ثم قال: أما والله لو لم يوقن محمد بن إدريس - يعني نفسه - بأنه يرى ربه في المعاد لما عبده في دار الدنيا.
وهذا من كلام المدللين - نفعنا الله بهم - وإلا فالله يستحق العبادة لذاته.
ثم أن رؤية الباري جل وعلا بقوة يجعلها الله في خلقه، ولا يشترط فيها مقابلة ولا جهة ولا اتصال أشعة بالمرئي، وإن وجد ذلك في رؤية بعضنا لبعض المعتادة في الدنيا، وغرابة في ذلك لأن الله يدرك بالعقل منزها، فكذا بالبصر، لأن كلاهما مخلوق.
وإلى ذلك كله أشار العلامة اللقاني في جوهرة التوحيد عند ذكر الجائز في حقه تعالى، بقوله: ومنه أن ينظر بالأبصار لكن بلا كيف ولا انحصار للمؤمنين إذ بجائز علقت هذا وللمختار دنيا ثبتت وأشار إليه أيضا صاحب بدء الأمالي بقوله: يراه المؤمنون بغير كيف وإدراك وضرب من مثال فينسون النعيم إذ رأوه فيا خسران أهل الاعتزال (قوله: بكرة وعشيا) ظرفان متعلقان بالنظر.
واعلم أن محل الرؤية الجنة بلا خلاف، وتختلف باختلاف مراتب الناس، فمنهم من يراه في مثل الجمعة والعيد، ومنهم من يراه كل يوم بكرة وعشيا وهم الخواص، ومنهم من لا يزال مستمرا في الشهود، حتى قال أبو يزيد البسطامي: إن لله خواص من عباده لو حجبهم في الجنة عن رؤيته ساعة لاستغاثوا من الجنة ونعيمها كما يستغيث أهل النار من النار وعذابها.
فنسأله أن يمتعنا وأهلنا وأحبابنا وسائر المسلمين بالنظر إلى وجهه الكريم بجاه نبيه عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
(قوله: آمين) إسم فعل بمعنى استجب يا ألله، ويجوز فيه المد والقصر والتشديد وإن كان المشدد يأتي بمعنى قاصدين.
والله أعلم.
стр. 23
باب الصلاة هي شرعا: أقوال وأفعال مخصوصة، مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم وسميت بذلك لاشتمالها على الصلاة لغة، وهي الدعاء.
والمفروضات العينية خمس في كل يوم وليلة، معلومة من الدين بالضرورة،
ــ
باب الصلاة
الباب معناه لغة: فرجعة في ستائر يتوصل منها من داخل إلى خارج.
واصطلاحا: اسم لجملة مخصوصة دالة على معان مخصوصة، مشتملة على فصول وفروع ومسائل غالبا.
والفصل معناه لغة: الحاجز بين الشيئين.
واصطلاحا: اسم لألفاظ مخصوصة مشتملة على فروع ومسائل غالبا.
والفرع لغة: ما انبنى على غيره، ويقابله الأصل.
واصطلاحا: اسم لألفاظ مخصوصة مشتملة على مسائل غالبا.
والمسألة لغة: السؤال.
واصطلاحا: مطلوب خبري يبرهن عليه في العلم.
والحاصل
عندهم لفظ كتاب، وهو لغة: الضم والجمع.
واصطلاحا: اسم لجملة مخصوصة مشتملة على أبواب وفصول وفروع ومسائل غالبا.
ولفظ باب ولفظ فصل ولفظ فرع ولفظ مسألة، ومعانيها ما ذكر.
وعندهم أيضا لفظ تنبيه، ومعناه لغة: الإيقاظ.
واصطلاحا: عنوان البحث اللاحق الذي تقدمت له إشارة في الكلام السابق بحيث يفهم منه إجمالا.
ولفظ خاتمة، وهي لغة: آخر الشئ.
واصطلاحا: اسم لألفاظ مخصوصة جعلت آخر كتاب أو باب.
ولفظ تتمة: وهي ما تمم به الكتاب أو الباب وهو قريب من معنى الخاتمة.
واعلم، رحمك الله تعالى، إن الغرض من بعثة الرسول ﵊ انتظام أحوال الخلق في المعاش والمعاد، ولا تنتظم أحوالهم إلا بكمال قواهم الإدراكية وقواهم الشهوانية وقواهم الغضبية.
فوضعوا لكمال قواهم الإدراكية ربع العبادات، ولقواهم الشهوانية البطنية ربع المعاملات، ولقواهم الشهوانية الفرجية ربع النكاح، ولقواهم الشهوانية الغضبية ربع الجنايات، وختموها بالعتق رجاء العتق من النار.
وقدموا ربع العبادات لشرفها بتعلقها بالخالق، ثم المعلامات لأنها أكثر وقوعا.
ورتبوا العبادات على ترتيب حديث: بني الإسلام على خمس ... الحديث.
وإنما بدأ كتابه بالصلاة - وخالف المتقدمين والمتأخيرين في تقديمهم في كتبهم كتاب الطهارة وما يتعلق بها من وسائلها ومقاصدها - اهتماما بها، إذ هي أهم أحكام الشرع وأفضل عبادات البدن بعد الشهادتين.
(قوله: شرعا أقوال وأفعال الخ) واعترض هذا التعريف بأنه غير مانع لدخول سجدتي التلاوة والشكر مع أنهما ليسا من أنواع الصلاة، وغير جامع لخروج صلاة الأخرس والمريض والمربوط على خشبة، فإنها أقوال من غير أفعال في الآخرين، وأفعال من غير أقوال في الأول.
وأجيب عن الأول بأن المراد بالأفعال المخصوصة ما يشمل الركوع والاعتدال، فيخرجان حينئذ بقيد مخصوصة.
وأجيب عن الثاني بأن المراد بقوله: أقوال وأفعال ما يشمل الحكمية، أو يقال: أن صلاة من ذكر نادرة فلا ترد عليه.
(قوله: وسميت) أي الأقوال والأفعال وقوله: بذلك أي بلفظ الصلاة.
(قوله: خمس) وذلك لخبر الصحيحين: فرض الله على أمتي ليلة الإسراء خمسين صلاة، فلم أزل أراجعه
стр. 24
فيكفر جاحدها.
ولم تجتمع هذه الخمس لغير نبينا محمد (ص)، وفرضت ليلة الاسراء بعد النبوة بعشر سنين وثلاثة أشهر، ليلة سبع وعشرين من رجب، ولم تجب صبح يوم تلك الليلة لعدم العلم بكيفيتها.
(إنما تجب المكتوبة) أي الصلوات الخمس (على) كل (مسلم مكلف) أي بالغ عاقل، ذكر أو غيره، (طاهر) فلا تجب على كافر أصلي وصبي ومجنون ومغمى عليه وسكران بلا تعد، لعدم تكليفهم، ولا على حائض ونفساء لعدم صحتها منهما، ولا قضاء عليهما.
بل تجب على مرتد ومتعد بسكر (ويقتل) أي (المسلم)
ــ
وأسأله التخفيف حتى جعلها خمسا في كل يوم وليلة، وقوله ﵊ لمعاذ لما بعثه إلى اليمن: أخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة.
والحكمة في كون المكتوبات سبع عشرة ركعة أن زمن اليقظة من اليوم والليلة سبع عشرة ساعة غالبا، اثنا عشر في النهار، ونحو ثلاث ساعات من الغروب، وساعتين من قبيل الفجر، فجعل لكل ساعة ركعة جبرا لما يقع فيها من التقصير.
(قوله: ولم تجتمع هذه الخمس لغير نبينا محمد) أي بل كانت متفرقة في الأنبياء.
فالصبح
صلاة آدم، والظهر صلاة داود، والعصر صلاة سليمان، والمغرب صلاة يعقوب، والعشاء صلاة يونس، كما سيذكره الشارح في مبحث أوقات الصلاة عن الرافعي.
(قوله: وفرضت ليلة الإسراء) والحكمة في وقوع فرضها تلك الليلة أنه ﷺ لما قدس ظاهرا وباطنا، حيث غسل بماء زمزم، وملئ بالإيمان والحكمة، ومن شأن الصلاة أن يتقدمها الطهر، ناسب ذلك أن تفرض فيها.
ولم تكن قبل الإسراء صلاة مفروضة إلا ما وقع الأمر به من قيام الليل من غير تحديد.
وذهب بعضهم إلى أنها كانت مفروضة، ركعتين بالغداة، وركعتين بالعشي.
ونقل الشافعي عن بعض أهل العلم أنها كانت مفروضة ثم نسخت.
اه بجيرمي بتصرف.
(قوله: لعدم العلم بكيفيتها) أي وأصل الوجوب كان معلقا على العلم بالكيفية.
وهنا توجيه آخر لعدم وجوب صبح ذلك اليوم، وهو أن الخمس إنما وجبت على وجه الابتداء بالظهر، أي أنها وجبت من ظهر ذلك اليوم.
اه سم بتصرف.
(قوله: إنما تجب المكتوبة) شروع في بيان من تجب عليه الصلاة وما يترتب عليه إذا تركها.
(قوله: على كل مسلم) أي ولو فيما مضى، فدخل المرتد.
(قوله: أي بالغ) سواء كان بالسن، أو بالاحتلام، أو بالحيض.
(قوله: فلا تجب على كافر) تفريع على المفهوم، والمنفي إنما هو وجوب المطالبة منا بها في الدنيا، فلا ينافي أنها تجب عليه وجوب عقاب عليها في الدار الآخرة عقابا زائدا على عقاب الكفر لأنه مخاطب بفروع الشريعة، وذلك لتمكنه منها بالإسلام، ولنص: * (لم نك من المصلين) * وإنما لم يجب القضاء عليه إذا أسلم ترغيبا له في الإسلام، ولقوله تعالى: * (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) * (قوله: بلا تعد) قيد في المجنون والمغمى عليه والسكران، وإن كان ظاهر كلامه أنه قيد في الأخير، فإن حصل منهم تعد وجب عليهم قضاؤها، لأنهم بتعديهم صاروا في حكم المكلفين، فكأنه توجه عليهم الأداء فوجب القضاء نظرا لذلك.
(قوله: بل تجب على مرتد) أي فيلزمه قضاء ما فاته فيها بعد إسلامه تغليظا عليه، ولأنه التزمها بالإسلام، فلا تسقط عنه بالجحود كحق الآدمي.
(قوله: ومتعد بسكر) أي أو جنون أو إغماء، لما تقدم آنفا.
(قوله: ويقتل إلخ) لخبر الصحيحين أنه ﷺ قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله.
واعلم أن الفقهاء اختلفوا في موضع ذكر حكم تارك الصلاة، فمنهم من ذكره عقب فصل المرتد، لمناسبته له من جهة أنه يكون حكمه حكم المرتد إذا تركها جاحدا لوجوبها.
ومنهم من ذكره عقب الجنائز، لمناسبته لها من جهة أنه إذا قتل يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين، إن كان تركها كسلا.
وهذه الأمور تذكر في الجنائز.
ومنهم من ذكره قبلها، كالنووي في منهاجه، وكشيخ الإسلام في منهجه، ليكون كالخاتمة لكتاب الصلاة.
ومنهم من ذكره قبل الأذان، لمناسبة ذكر
حكم تركها الذي هو التحريم، بعد ذكر حكم فعلها الذي هو الوجوب.
والمؤلف رحمه الله تعالى اختار هذا الأخير لما ذكر.
стр. 25
المكلف الطاهر حدا بضرب عنقه (إن أخرجها) أي المكتوبة، عامدا (عن وقت جمع) لها، إن كان كسلا مع اعتقاد وجوبها (إن لم يتب) بعد الاستتابة، وعلى ندب الاستتابة لا يضمن من قتله قبل التوبة لكنه يأثم.
ويقتل كفرا إن تركها جاحدا وجوبها، فلا يغسل ولا يصلى عليه.
(ويبادر) من مر (بفائت) وجوبا، إن فات بلا عذر، فيلزمه القضاء فورا.
قال شيخنا أحمد بن حجر رحمه الله تعالى: والذي يظهر أنه يلزمه صرف
ــ
وقوله: أي المسلم أي سواء كان عالما أو جاهلا غير معذور بجهله لكونه بين أظهرنا.
(قوله: حدا) أي يقتل حال كون قتله حدا، أي لا كفرا.
واستشكل كونه حدا بأن القتل يسقط بالتوبة والحدود لا تسقط بالتوبة.
وأجيب بأن المقصود من هذا القتل الحمل على أداء ما توجه عليه من الحق وهو الصلاة، فإذا أداه بأن صلى سقط لحصول المقصود، بخلاف سائر الحدود فإنها وضعت عقوبة على معصية سابقة فلا تسقط بالتوبة.
وقوله: بضرب عنقه، أي بنحو السيف.
ولا يجوز قتله بغير ذلك، لخبر: إذا قتلتم فأحسنوا القتلة.
واعلم أنه إذا قتل من ذكر يكون حكمه حكم المسلمين في الغسل والتكفين والصلاة عليه والدفن في مقابر المسلمين.
(قوله: أي المكتوبة) ومثل ترك المكتوبة ترك الطهارة لها، لأن ترك الطهارة بمنزلة ترك الصلاة.
ومثل الطهارة الأركان وسائر الشروط التي لا خلاف فيها أو فيها خلاف واه، بخلاف القوي.
فلو ترك النية في الوضوء أو الغسل أو مس الذكر أو لمس المرأة وصلى متعمدا لم يقتل، كما لو ترك فاقد الطهورين الصلاة لأن جواز صلاته مختلف فيه.
(قوله: عامدا) خرج به ما إذا أخرجها ناسيا فلا يقتل لعذره، ومثل النسيان: ما لو أبدى عذرا في التأخير كشدة برد أو جهل يعذر به أو نحوهما من الأعذار الصحيحة أو الباطلة.
(قوله: عن وقت جمع لها) أي فلا يقتل بالظهر حتى تغرب الشمس، ولا بالمغرب حتى يطلع الفجر، هذا إن كان لها وقت جمع وإلا فيقتل بخروج وقتها، كالصبح فإنه يقتل فيها بطلوع الشمس، وفي العصر بغروبها، وفي العشاء بطلوع الفجر، فيطالب بأدائها إن ضاق الوقت ويتوعد بالقتل إن أخرجها عن وقتها بأن نقول له عند ضيق الوقت: صل فإن صليت تركناك وإن أخرجتها عن الوقت قتلناك.
وظاهر أن المراد بوقت الجمع في الجمعة ضيق وقتها عن أقل ممكن من الخطبة والصلاة لأن وقت العصر ليس وقتا لها.
(قوله: إن كان كسلا) أي يقتل حدا إن كان إخراجه لها كسلا أي تهاونا وتساهلا بها.
وقوله: مع اعتقاد وجوبها سيأتي محترزه.
(قوله: إن لم يتب) أي بأن لم يمتثل أمر الإمام أو نائبه ولم يصل.
وقوله: بعد الاستتابة أي بعد طلب التوبة منه.
واختلف فيها، فقيل إنها مندوبة، وقيل إنها واجبة، والمعتمد الأول.
ويفرق بينه وبين المرتد، حيث وجبت استتابته بأن تركها فيه يوجب تخليده في النار - إجماعا - بخلاف هذا ويوجد في بعض النسخ الخطية بعد قوله الاستتابة ما نصه: ندبا، وقيل واجبا، وهو الموافق لقوله بعد: وعلى ندب الخ.
(قوله: وعلى ندب الاستتابة لا يضمن الخ) قال سم: مفهومه أن يضمنه على الوجوب.
ثم نقل عبارة شرح البهجة واستظهر منها عدم الضمان - حتى على القول بالوجوب - لأنه استحق القتل، فهو مهدر بالنسبة لقاتله الذي ليس هو
مثله.
اه.
(قوله: ويقتل) أي تارك الصلاة.
فالضمير يعود على معلوم من المقام، ويصح عودة على المسلم المتقدم.
ووصفه بالإسلام مع الحكم عليه بالكفر بسبب جحده وجوبها باعتبار ما كان.
وقوله: كفرا، أي لكفره بجحده وجوبها فقط، لا به مع الترك.
إذ الجحد وحده مقتض للكفر لإنكاره ما هو معلوم من الدين بالضرورة.
وقوله: إن تركها أي بأن لم يصلها حتى خرج وقتها، أولم يصلها أصلا.
(وقوله: جاحدا وجوبها) مثله جحد وجوب ركن مجمع عليه منها، أو فيه خلاف واه.
(قوله: فلا يغسل ولا يصلى عليه) أي ولا يدفن في مقابر المسلمين لكونه كافرا.
(قوله: ويبادر من مر) أي المسلم المكلف الطاهر.
وقوله: بفائت أي بقضائه.
(قوله: والذي يظهر أنه) أي من عليه فوائت فاتته بغير عذر.
стр. 26
جميع زمنه للقضاء ما عدا ما يحتاج لصرفه فيما لا بد منه، وأنه يحرم عليه التطوع، ويبادر به - ندبا - إن فات بعذر كنوم لم يتعد به ونسيان كذلك.
(ويسن ترتيبه) أي الفائت، فيقضي الصبح قبل الظهر، وهكذا.
(وتقديمه على حاضرة لا يخاف فوتها) إن فات بعذر، وإن خشي فوت جماعتها - على المعتمد -.
وإذا فات بلا عذر فيجب تقديمه عليها.
أما إذا خاف فوت الحاضرة بأن يقع بعضها - وإن قل - خارج الوقت فيلزمه البدء بها.
ويجب تقديم ما فات بغير عذر على ما فات بعذر.
وإن فقد الترتيب لانه سنة والبدار واجب.
ــ
(قوله: ما عدا ما يحتاج لصرفه فيما لا بد له منه) كنحو نوم، أو مؤنة من تلزمه مؤنته، أو فعل واجب آخر مضيق يخشى فوته.
(قوله: وأنه يحرم عليه التطوع) أي مع صحته، خلافا للزركشي.
(قوله: ويبادر به) أي بالقضاء وقوله: إن فات أي الفائت.
(قوله: كنوم لم يتعد به) بخلاف ما إذا تعدى، بأن نام في الوقت وظن عدم الاستيقاظ، أو شك فيه، فلا يكون عذرا.
وقوله: ونسيان كذلك أي لم يتعد به، وأما إن تعدى به بأن نشأ عن منهي عنه - كلعب شطرنج مثلا - فلا يكون عذرا.
(قوله: ويسن ترتيبه) أي إن فات بعذر، بدليل قوله: بعد، ويجب تقديم ما فات بغير عذر على ما فات بعذر، وكان عليه أن يذكر هذا القيد هنا كما ذكره فيما بعد.
والتقييد بما ذكر هو ما جرى عليه شيخه ابن حجر.
واعتمد م ر سنية ترتيب الفوائت مطلقا، فاتت كلها بعذر أو بغيره، أو بعضها بعذر وبعضها بغير عذر.
(قوله: وتقديمه) أي ويسن تقديمه، أي الفائت، لحديث الخندق: أنه ﷺ صلى يوم العصر بعد ما غربت الشمس ثم صلى بعدها المغرب.
(قوله: إن فات بعذر) راجع لسنية التقديم، وسيذكر محترزه.
وقوله: وإن خشي فوت جماعتها، أي الحاضرة.
(قوله: أما إذا خاف فوت الحاضرة الخ) قال في النهاية: وتعبيره بالفوات يقتضي استحباب الترتيب أيضا إذا أمكنه إدراك ركعة من الحاضرة لأنها لم تفت.
وبه جزم في الكفاية، واقتضاه كلام المحرر والتحقيق والروض، وأفتى به الوالد رحمه الله تعالى للخروج من خلاف وجوب الترتيب، إذ هو خلاف في الصحة كما تقدم، وإن قال الأسنوي أن فيه نظرا لما فيه من إخراج بعض الصلاة عن الوقت، وهو ممتنع.
والجواب عن ذلك أن محل تحريم إخراج بعضها عن وقتها في غير هذه الصورة.
اه.
(قوله: بأن يقع بعضها إلخ) صورة فوت الحاضرة بوقوع بعضها وإن قل خارج الوقت.
وهو ما جرى عليه ابن حجر، وخلاف ما جرى عليه الرملي كما يعلم من عبارته السابقة.
والحاصل: إذا علم لو قدم الفائتة يخرج بعض الحاضرة عن الوقت لزمه تقديم الحاضرة عند ابن حجر، لحرمة إخراج بعضها عن الوقت، واستحب له تقديم الفائتة عند م ر، للخروج من خلاف من أوجب الترتيب.
وإذا علم أنه لو قدمها يدرك دون ركعة من الحاضرة في الوقت فباتفاقهما يجب تقديم الحاضرة.
(قوله: وإن فقد الترتيب) يفيد فيمن فاته الظهر والعصر بعذر، والمغرب والعشاء بغير عذر، وجوب تقديم الأخيرين عليهما.
وهو مخالف لما مشى عليه الرملي من استحباب
стр. 27
ويندب تأخير الرواتب عن الفوائت بعذر، ويجب تأخيرها عن الفوائت بغير عذر.
(تنبيه) من مات وعليه صلاة فرض لم تقض ولم تفد عنه، وفي قول أنها تفعل عنه - أوصى بها أم لا ما حكاه العبادي عن الشافعي لخبر فيه، وفعل به السبكي عن بعض أقاربه.
(ويؤمر) ذو صبا ذكر أو انثى (مميز) بأن صار يأكل ويشرب ويستنجي وحده.
أي يجب على كل من أبويه وإن علا، ثم الوصي.
وعلى مالك الرقيق أن يأمر (بها) أي الصلاة، ولو قضاء، وبجميع شروطها (لسبع) أي بعد سبع من السنين، أي عند تمامها، وإن ميز قبلها.
وينبغي مع صيغة الامر التهديد.
(ويضرب) ضربا غير مبرح - وجوبا - ممن ذكر (عليها) أي على تركها - ولو قضاء - أو ترك شرط من شروطها (لعشر) أي بعد استكمالها، للحديث الصحيح: مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين، وإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها.
(كصوم أطاقه) فإنه يؤمر به لسبع ويضرب عليه لعشر كالصلاة.
وحكمة ذلك التمرين على العبادة ليتعودها فلا يتركها.
ــ
تقديم الأول فالأول مطلقا.
(قوله: لأنه سنة والبدار واجب) القائل باستحبابه مطلقا يقول: الترتيب المطلوب لا ينافي البدار لأنه مشتغل بالعبادة وغير مقصر، كما أن تقديم راتبة المقضية القبلية عليها لا ينافي البدار الواجب.
(قوله: تنبيه: من مات إلخ) ذكر الشارح هذا المبحث في باب الصوم بأبسط مما هنا، ويحسن أن نذكره هنا تعجيلا للفائدة.
ونص عبارته هناك: (فائدة) من مات وعليه صلاة فلا قضاء ولا فدية.
وفي قول - كجمع مجتهدين - أنها تقضى عنه لخبر البخاري وغيره، ومن ثم اختاره جمع من أئمتنا، وفعل به السبكي عن بعض أقاربه.
ونقل ابن برهان عن القديم أنه يلزم الولي إن خلف تركة أن يصلى عنه، كالصوم.
وفي وجه - عليه كثيرون من أصحابنا - أنه يطعم عن كل صلاة مدا.
وقال المحب الطبري: يصل للميت كل عبادة تفعل، واجبة أو مندوبة.
وفي شرح المختار لمؤلفه: مذهب أهل السنة، إن للإنسان أن يجعل ثواب عمله وصلاته لغيره ويصله.
اه.
وقوله: لم تقض ولم تفد عنه وعند الإمام أبي حنيفة ﵁: تفدى عنه إذا أوصى بها ولا تقضى عنه.
ونص عبارة الدر مع الأصل: ولو مات وعليه صلوات فائتة، وأوصى بالكفارة، يعطى لكل صلاة نصف صاع من بر كالفطرة، وكذا حكم الوتر والصوم.
وإنما يعطى من ثلث ماله، ولو لم يترك مالا يستقرض وارثه نصف صاع مثلا ويدفعه للفقير ثم يدفعه الفقير للوارث، ثم وثم حتى يتم.
ولو قضاها وارثه بأمره لم يجز لأنها عبادة بدنية.
اه.
وكتب العلامة الشامي ما نصه: قوله: يستقرض وارثه نصف صاع أي أو قيمة ذلك.
اه.
(قوله: بأن صار يأكل إلخ) هذا أحسن ما قيل في ضابط المميز.
وقيل: أن يعرف يمينه من شماله.
وقيل: أن يفهم الخطاب ويرد الجواب.
والمراد بمعرفة يمينه من شماله معرفة ما يضره وينفعه.
ويوافق التفسير الثاني خبر أبي دواد أنه ﷺ سئل: متى يؤمر الصبي بالصلاة؟ فقال: إذا عرف يمينه من شماله.
أي ما يضره مما ينفعه.
اه ع ش بتصرف.
(قوله: أي يجب على كل من أبويه وإن علا) أي ولو من جهة الأم.
والوجوب كفائي فيسقط بفعل أحدهما: لأنه من الأمر بالمعروف، ولذا خوطبت به الأم ولا ولاية لها.
(قوله: التهديد) أي إن احتيج إليه.
اه سم.
(قوله: غير مبرح) بكسر الراء المشددة، أي مؤلم.
قال ع ش: أي وإن كثر.
خلافا لما نقل عن ابن سريج من أنه لا يضرب فوق ثلاث ضربات، أخذا من حديث: غط جبريل للنبي ﷺ ثلاث مرات في ابتداء الوحي.
اه.
ولو لم يفد إلا المبرح تركهما وفاقا لابن عبد السلام، وخلافا لقول البلقيني: يفعل غير المبرح
стр. 28
وبحث الاذرعي في قن صغير كافر نطق بالشهادتين أنه يؤمر ندبا بالصلاة والصوم، يحث عليهما من غير ضرب ليألف الخير بعد بلوغه، وإن أبى القياس ذلك.
انتهى.
ويجب أيضا على من مر نهيه عن المحرمات وتعليمه الواجبات، ونحوها من سائر الشرائع الظاهرة، ولو سنة كسواك، وأمره بذلك.
ولا ينتهي وجوب ما مر
على من مر إلا ببلوغه رشيدا، وأجرة تعليمه ذلك - كالقرآن والآداب - في ماله ثم على أبيه ثم على أمه.
(تنبيه) ذكر السمعاني في زوجة صغيرة ذات أبوين أن وجوب ما مر عليهما فالزوج، وقضيته وجوب ضربها.
وبه - ولو في الكبيرة - صرح جمال الاسلام البزري.
قال شيخنا: وهو ظاهر إن لم يخش نشوزا.
وأطلق الزركشي الندب.
ــ
كالحد.
اه تحفة.
(قوله: وبحث الأذرعي الخ) عبارة التحفة: نعم، بحث الأذرعي في قن صغير لا يعرف إسلامه أنه لا يؤمر بها، أي وجوبا، لاحتمال كفره، ولا ينهى عنها لعدم تحقق كفره.
والأوجه ندب أمره ليألفها بعد البلوغ.
واحتمال كفره إنما يمنع الوجوب فقط.
اه.
وفي ع ش ما نصه: قال الشهاب الرملي في حواشي شرح الروض: إنه يجب أمره بها نظرا لظاهر الإسلام.
ومثله في الخطيب على المنهاج.
أي ثم إن كان مسلما في نفس الأمر صحت صلاته وإلا فلا.
وينبغي أيضا أنه لا يصح الاقتداء به.
اه.
وقوله: وإن أبى القياس ذلك.
أي ندب الأمر، لأنه كافر احتمالا.
(قوله: ويجب أيضا على من مر) أي من الأبوين والوصي ومالك الرقيق، ومثلهم الملتقط والمودع والمستعير، فالإمام فصلحاء المسلمين.
(قوله: وتعليمه الواجبات) أي كالصلاة والصوم والزكاة والحج، وما يتعلق بها من الأركان والشروط.
(قوله: ولو سنة كسواك) وخالف في شرح الروض عن المهمات في ذلك فقال: المراد بالشرائع ما كان في معنى الطهارة والصلاة كالصوم ونحوه، لأنه المضروب على تركه.
وذكر نحوه الزركشي.
اه.
ثم رأيت في شرح العباب ذكر أن ظاهر كلام القمولي الضرب على السنن.
اه سم بتصرف.
(قوله: وجوب ما مر) أي من الأمر والضرب على من مر، أي كل من الأبوين، الخ.
(قوله: في ماله) أي الصبي، ولا يجب ذلك على الأب والأم.
ومعنى أن الوجوب في ماله ثبوتها في ذمته ووجوب إخراجها من ماله على وليه، فإن بقيت إلى كماله لزمه إخراجها وإن تلف المال.
(قوله: ذكر السمعاني الخ) حاصل ما ذكره أنه يجب على الأبوين ما مر، أي من نحو التعليم والضرب للزوجة الصغيرة، فإن فقدا فالوجوب على الزوج.
(قوله: وبه إلخ) أي وبوجوب الضرب، ولو في الزوجة الكبيرة، صرح جمال الإسلام البزري، قال في التحفة في فصل التعزيز: وبحث ابن البزري - بكسر الموحدة - أنه يلزمه أمر زوجته بالصلاة في أوقاتها وضربها عليها.
وهو متجه حتى في وجوب ضرب المكلفة، لكن لا مطلقا بل إن توقف الفعل عليه ولم يخش أن يترتب عليه مشوش للعشرة يعسر تداركه.
اه.
(قوله: إن لم يخش نشوزا) قال في شرح العباب: بخلاف ما لو خشي ذلك لما فيه من الضرر عليه.
اه.
(قوله: وأطلق الزركشي الندب) أي أنه جري على ندب ضربها مطلقا
стр. 29
(وأول واجب) حتى على الامر بالصلاة كما قالوا (على الآباء) ثم على مر من (تعليمه) أي المميز (أن نبينا محمدا (ص) بعث بمكة) وولد بها (ودفن بالمدينة) ومات بها.
ــ
خشي نشوزا أم لا.
(قوله: وأول واجب إلخ) يعني أن أول ما يجب تعليمه للصبي أن نبينا ﷺ إلخ، ويكون ذلك مقدما على
الأمر بالصلاة.
قال في التحفة: يجب تعليمه ما يضطر إلى معرفته من الأمور الضرورية التي يكفر جاحدها ويشترك فيها العام والخاص، ومنها أن النبي ﷺ بعث بمكة ودفن بالمدينة، كذا اقتصروا عليهما.
وكأن وجهه أن إنكار أحدهما كفر، لكن لا ينحصر الأمر فيهما.
وحينئذ فلا بد أن يذكر له من أوصافه ﷺ الظاهرة المتواترة ما يميزه ولو بوجه، ثم ذينك.
وأما مجرد الحكم بهما قبل تمييزه بوجه فغير مفيد، فيجب بيان النبوة والرسالة وأن محمدا الذي هو من قريش واسم أبيه كذا واسم أمه كذا وبعث ودفن بكذا نبي الله ورسوله إلى الخلق كافة.
ويتعين أيضا ذكر لونه، ثم أمره بها، أي الصلاة ولو قضاء.
اه.
والحاصل: يجب على الآباء والأمهات أن يعلموا أبناءهم جميع ما يجب على المكلف معرفته، كي يرسخ الإيمان في قلوبهم ويعتادوا الطاعات، كتعليمهم ما يجب لمولانا عزوجل، وما يستحيل، وما يجوز.
وجملة ذلك إحدى وأربعون عقيدة فأولها الوجود، ويستحيل عليه العدم.
والثاني القدم، ومعناه لا أول لوجوده، ويستحيل عليه الحدوث.
والثالث البقاء، ومعناه الذي لا آخر لوجوده، ويستحيل عليه الفناء.
والرابع مخالفته تعالى للحوادث في ذاته وصفاته وأفعاله، ويستحيل عليه المماثلة.
والخامس قيامه تعالى بالنفس، ومعناه عدم احتياجه إلى ذات يقوم بها، ولا إلى موجد يوجده، ويستحيل عليه أن لا يكون قائما بنفسه.
والسادس الوحدانية، بمعنى أنه واحد في ذاته وصفاته وأفعاله، ويستحيل عليه التعدد.
والسابع القدرة، ويستحيل عليه العجز.
والثامن الإرادة، ويستحيل عليه الكراهية.
والتاسع العلم، ويستحيل عليه الجهل.
والعاشر الحياة، ويستحيل عليه الموت.
والحادي عشر السمع، ويستحيل عليه الصمم.
والثاني عشر البصر، ويستحيل عليه العمى.
والثالث عشر الكلام، ويستحيل عليه البكم.
والرابع عشر كونه قادرا، ويستحيل عليه كونه عاجزا.
والخامس عشر كونه مريدا، ويستحيل عليه كونه مكرها.
والسادس عشر كونه عالما، ويستحيل عليه كونه جاهلا.
والسابع عشر كونه حيا، ويستحيل عليه كونه ميتا.
والثامن عشر كونه سميعا، ويستحيل عليه كونه أصم.
والتاسع عشر كونه بصيرا، ويستحيل عليه كونه أعمى.
والعشرون كونه متكلما، ويستحيل عليه كونه أبكم.
فهذه أربعون عشرون واجبة، وعشرون مستحيلة، والواحد والأربعون الجائز في حقه تعالى وهو فعل كل ممكن أو تركه.
وتعليمهم ما يجب في حق الرسل عليهم الصلاة والسلام، وما يستحيل، وما يجوز.
وجملة ذلك تسع عقائد.
فالواجب: الصدق والأمانة، والتبليغ، والفطانة.
والمستحيل: الكذب، والخيانة، وكتمان شئ مما أمروا بتبليغه، والبلادة.
والجائز في حقهم ما هو من الأعراض البشرية التي لا تؤدي إلى نقص مراتبهم العلية، كالأكل والشرب والجماع والمرض الخفيف.
فهم عليهم الصلاة والسلام أكمل الناس عقلا وعلما، بعثهم الله وأظهر صدقهم بالمعجزات الظاهرة، فبلغوا أمره ونهيه ووعده ووعيده.
وتعليمهم أن
الله بعث النبي الأمي العربي القرشي الهاشمي سيدنا محمدا ﷺ برسالته إلى كافة الخلق، العرب والعجم والملائكة والإنس والجن والجمادات.
وأن شريعته نسخت الشرائع، وأن الله فضله على سائر المخلوقات.
ومنع صحة التوحيد بقول لا إله إلا الله، إلا إن أضاف الناطق إليه محمد رسول الله.
وألزم الخلق تصديقه في كل ما أخبر به عن الله عن أمور الدنيا والآخرة، وتعليمهم أنه ولد بمكة وهاجر إلى المدينة وتوفي فيها، وأنه أبيض مشرب بحمرة، وأنه أكمل الناس خلقا.
وتعليمهم نسبه ﷺ من جهة أبيه وأمه.
وزاد بعضهم أولاده، لأنهم سادات الأمة.
فلا ينبغي للشخص أن يهملهم، وهم سبعة: ثلاثة ذكور وأربعة إناث، وترتيبهم في الولادة: القاسم وهو أول أولاده ﷺ ، ثم زينب، ثم رقيه،
стр. 30
(فصل) في شروط الصلاة.
الشرط ما يتوقف عليه صحة الصلاة، وليس منها.
وقدمت الشروط على الاركان لانها أولى بالتقديم، إذ الشرط ما يجب تقديمه على الصلاة واستمراره فيها.
(شروط الصلاة خمسة: أحدها: طهارة عن حدث وجنابة الطهارة: لغة)، النظافة والخلوص من الدنس.
وشرعا: رفع المنع المترتب على الحدث أو النجس.
(فالاولى) أي الطهارة عن الحدث: (الوضوء) هو - بضم الواو - استعمال الماء في أعضاء مخصوصة مفتتحا بنية.
وبفتحها: ما يتوضأ به.
وكان ابتداء وجوبه مع ابتداء وجو ب المكتوبة ليلة الاسراء.
(وشروطه) أي الوضوء كشروط الغسل خمسة.
أحدها: (ماء مطلق)،
ــ
ثم فاطمة، ثم أم كلثوم، ثم عبد الله وهو الملقب بالطاهر وبالطيب، وكلهم من سيدتنا خديخة ﵂، والسابع إبراهيم، وهو من مارية القبطية.
وقد نظم بعضهم أسماء هم متوسلا بهم، فقال: يا ربنا بالقاسم ابن محمد فبزينب فرقية فبفاطمة فبأم كلثوم فبعد الله ثم بحق إبراهيم نجي ناظمه فهذه نبذة من العقائد اللازمة، وقد تكفل بها علماء التوحيد، فيجب على من مر تعليم المميز ذلك حتى تكون نشأته على أكمل الإيمان، وبالله التوفيق.
فصل في شروط الصلاة أي في بيان الشروط المتوقف عليها صحة الصلاة.
وهي جمع شرط بسكون الراء، وهو لغة: تعليق أمر مستقبل بمثله، أو إلزام الشئ والتزامه.
وبفتحها، العلامة.
واصطلاحا: ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود، ولا عدم لذاته.
اه.
تحفة.
إذا علمت ذلك تعلم إن قول الشارح: الشرط ما يتوقف عليه صحة الصلاة وليس منها ليس معنى لغويا ولا اصطلاحيا له، وإنما هو بيان لما يراد به هنا - أي في الصلاة - وليس هذا من شأن التعاريف.
وقوله: وليس منها قيد لإخراج الركن.
(قوله: لأنها أولى بالتقديم) أي لأن الشروط أحق بالتقديم.
(قوله: إذ الشرط الخ) أي فهو مقدم طبعا فناسب أن يقدم وضعا.
واعلم أن الشروط قسمان: قسم يعتبر قبل الشروع فيها ويستصحب إلى آخرها، وقسم يعتبر بعد الشروع ويستصحب كترك الأفعال وترك الكلام وترك الأكل فقوله: ما يجب تقديمه إلخ هو بالنظر للأول (قوله: شروط الصلاة خمسة) وإنما لم يعد من شروطها الإسلام، والتمييز، والعلم بفرضيتها، وكيفيتها، وتمييز فرائضها من سننها، لأنها غير مختصة
بالصلاة.
وبعضهم عدها وجعل الشروط تسعة.
(قوله: الطهارة لغة إلخ) أي بفتح الطاء، وأما بضمها فاسم لبقية الماء.
(قوله: النظافة) أي من الأقذار - ولو طاهرة كالمخاط والبصاق - حسية كانت كالأنجاس، أو معنوية كالعيوب من الحقد والحسد وغيرهما.
(وقوله: والخلوص من الدنس) عطف تفسير (قوله: وشرعا رفع المنع إلخ) اعلم أن الطهارة الشرعية لها
стр. 31
فلا يرفع الحدث ولا يزيل النجس ولا يحصل سائر الطهارة - ولو مسنونة - إلا الماء المطلق، وهو ما يقع عليه اسم الماء بلا قيد، وإن رشح من بخار الماء الطهور المغلى، أو استهلك فيه الخليط، أو قيد بموافقة الواقع كماء البحر.
بخلاف ما لا يذكر إلا مقيدا كماء الورد، (غير مستعمل في) فرض طهارة، من (رفع حدث)
ــ
وضعان: وضع حقيقي، وهو إطلاقها على الوصف المترتب على الفعل، وهو زوال المنع المترتب على الحدث أو الخبث.
وإن شئت قلت: ارتفاع المنع المترتب على ذلك.
ومجازي: وهو إطلاقها على الفعل، كتعريف الشارح فهو من إطلاق اسم المسبب على السبب.
واعلم أنهم قسموها إلى قسمين، عينية وحكمية.
فالأولى: هي ما لا تجاوز محل حلول موجبها كغسل الخبث، والثانية: هي ما تجاوز ما ذكر كالوضوء، فإنه يجاوز المحل الذي حل فيه الموجب وهو خروج شئ من أحد السبيلين.
ولها وسائل أربع ومقاصد كذلك، فالأول: الماء، والتراب، والحجر، والدابغ.
والثانية: الوضوء، والغسل، والتيمم، وإزالة النجاسة.
وأما الأواني والاجتهاد فهما من وسائل الوسائل فإطلاق الوسيلة عليهما مجاز.
(قوله: وهو ما يقع عليه اسم الماء) أي ما يطلق عليه اسم الماء لا مصاحبة قيد لازم، فشمل المتغير كيثرا بما لا يضر، أو بمجاور كعود ودهن وقوله: وإن رشح هذه الغاية للرد على الرافعي حيث قال: نازع فيه عامة الأصحاب، وقالوا يسمونه بخارا ورشحا لا ماء.
وفي جعله الرشح من البخار نظر، إذ هو من الماء لا منه.
وأجيب: بجعل من للتعليل، ومتعلق رشح محذوف، أي وإن رشح من الماء لأجل البخار وقوله: المغلى بضم الميم وفتح اللام من أغلى، أو بفتح الميم وكسر اللام من غلي.
(قوله: أو استهلك فيه الخليط) أي بحيث لا يسلبه اسم الماء.
والمستهلك فيه الخليط هو الذي لم يغيره ذلك الخليط لا حسا ولا تقديرا.
(قوله: أو قيد) بفتح القاف وسكون الياء على أنه مصدر معطوف على قوله بلا قيد، أو بضم أوله وكسر الياء المشددة على أنه فعل مبني للمجهول معطوف على قوله وإن رشح.
قوله: إلا مقيدا) أي بإضافة كماء ورد، أو بصفة كماء دافق، أو بلام العهد كالماء في قوله ﷺ : نعم.
إذا رأت الماء.
(قوله: غير مستعمل في فرض طهارة) أي غير مؤدي به ما لا بد منه.
فالمراد بالفرض ما لا بد منه، أثم الشخص بتركه أم لا، عبادة كان أم لا، فشمل ماء وضوء الصبي ولو غير مميز بأن وضأه وليه للطواف فهو مستعمل لأنه أدى به ما لا بد منه، وإن كان لا إثم عليه بتركه.
وشمل أيضا ماء غسل الكافرة لتحل لحليلها المسلم لأنه أدى به ما لا بد منه، وإن لم يكن غسلها عبادة وقوله: من رفع حدث بيان
لفرض والمراد برفع الحدث عند مستعمله، فشمل ماء وضوء الحنفي بلا نية لأنه استعمل في رفع حدث عنده، وإن لم يرفع الحدث عندنا لعدم النية.
فقوله بعد: ولو من طهر حنفي.
إشارة إلى ذلك.
وإنما لم يصح اقتداء الشافعي به إذا مس فرجه اعتبارا باعتقاد المأموم لاشتراط الرابطة، أي نية الاقتداء في الصلاة دون الطهارة واحتياطا في البابين.
ولذا لا يصح
стр. 32
أصغر أو أكبر، ولو من طهر حنفي لم ينو، أو صبي لم يميز لطواف.
(و) إزالة (نجس) ولو معفوا عنه.
(قليلا) أي حال كون المستعمل قليلا، أي دون القلتين.
فإن جمع المستعمل فبلغ قلتين فمطهر، كما لو جمع المتنجس فبلغ قلتين ولم يتغير، وإن قل بعد بتفريقه.
فعلم أن الاستعمال لا يثبت إلا مع قلة الماء، أي
وبعد فصله عن المحل المستعمل ولو حكما، كأن جاوز منكب المتوضئ أو ركبته، وإن عاد لمحله أو انتقل من يد لاخرى.
نعم، لا يضر في المحدث انفصال الماء من الكف إلى الساعد، ولا في الجنب انفصاله من الرأس إلى نحو الصدر، مما يغلب فيه التقاذف.
ــ
الاقتداء به إذا توضأ بلا نية على الأظهر، مع حكمنا على مائه بالاستعمال، فننظر لمعتقده ونحكم باستعمال الماء، ولمعتقدنا ونحكم بعدم صحة وضوئه لعدم نيته.
ولا يخفى ما في ذلك من الاحتياط.
وقوله: ولو من طهر الخ أي ولو كان الاستعمال للماء حصل من طهر حنفي، الخ.
وقوله: أو صبي الخ أي ولو كان من طهر صبي غير مميز، طهره وليه لأجل أن يطوف به.
(قوله: ولو معفوا عنه) أي كقليل دم أجنبي غير مغلظ، أو كثير من نحو براغيث وغير ذلك.
(قوله: فعلم) أي من تقييد المستعمل بكونه قليلا.
وقوله: أي وبعد فصله عن المحل وذلك لأن الماء ما دام مترددا على العضو لا يثبت له حكم الاستعمال.
واعلم أن شروط الاستعمال أربعة، تعلم من كلامه: قلة الماء واستعماله فيما لا بد منه، وأن ينفصل عن العضو، وعدم نية الاغتراف في محلها وهو في الغسل بعد نيته، وعند مماسة الماء لشئ من بدنه.
فلو نوى الغسل من الجنابة ثم وضع كفه في ماء قليل ولم ينو الاغتراف صار مستعملا.
وفي الوضوء بعد غسل الوجه وعند إرادة غسل اليدين، فلو لم ينو الاغتراف حينئذ صار الماء مستعملا.
وفي ع ش ما نصه: (فائدة) لو اغترف بإناء في يده فاتصلت يده بالماء الذي اغترف منه، فإن قصد الاغتراف أو ما في معناه، كملء هذا الإناء من الماء، فلا استعمال.
وإن لم يقصد شيئا مطلقا فهل يندفع الاستعمال؟ لأن الإناء قرينة على الاغتراف دون رفع الحدث، كما لو أدخل يده بعد غسلة الوجه الأولى من اعتماد التثليث، حيث لا يصير الماء مستعملا لقرينة اعتياد التثليث، أو يصير مستعملا.
ويفرق بأن العادة توجب عدم دخول وقت غسل اليد بخلافه هناك، فإن اليد دخلت في وقت غسلها.
فيه نظر ويتجه الثاني.
اه.
(قوله: كان جاوز) مثال للمنفصل حكما وقوله: منكب المتوضئ أي أو جاوز صدر الجنب، كأن تقاذف الماء من رأسه إلى ساقه.
(قوله: مما يغلب فيه التقاذف) بيان لنحو الصدر، أي من كل عضو يصل إليه الماء
стр. 33
(فرع) لو أدخل المتوضئ يده بقصد الغسل عن الحدث أولا بقصد بعد نية الجنب، أو تثليث وجه المحدث، أو بعد الغسلة الاولى، إن قصد الاقتصار عليها، بلا نية اغتراف ولا قصد أخذ الماء لغرض آخر صار مستعملا بالنسبة لغير يده فله أن يغسل بما فيها باقي ساعدها.
(و) غير (متغير) تغيرا (كثيرا) بحيث يمنع إطلاق اسم الماء عليه، بأن تغير أحد صفاته من طعم أو لون أو ريح، ولو تقديريا أو كان التغير بما على عضو المتطهر في الاصح، وإنما يؤثر التغير إن كان (بخليط) أي مخالطا
ــ
المتقاذف، أي المتطاير، غالبا.
(قوله: لو أدخل المتوضئ) أي أو الجنب، بدليل قوله: بعد نية الجنب.
ولو قال المتطهر لكان
أولى، لشموله الجنب.
(قوله: بعد نية الجنب) متعلق بأدخل.
(قوله: أو تثليث الخ) معطوف على نية الجنب، أي أو أدخل يده بعد تثليث الخ.
وقوله: أو بعد الغسلة الأولى معطوف على بعد نية الجنب، والأولى حذف بعد، فيكون معطوفا على تثليث.
وقوله: إن قصد الاقتصار عليها أي الأولى قيد في الأخير.
وقوله: بلا نية اغتراف متعلق بأدخل أيضا، أي بأن أدخلها بقصد غسلها في الإناء وأطلق.
أما إذا نوى الاغتراف، أي قصد إخراج الماء من الإناء ليرفع به الحدث خارجه، فلا يصير الماء مستعملا.
ونية الاغتراف محلها قبل مماسة الماء فلا يعتد بها بعدها.
(قوله: ولا قصد) عطف على بلا نية اغتراف.
(وقوله: لغرض آخر أي غير التطهر به خارج الإناء، بأن قصد بأخذ الماء شربه أو غسل إناء به مثلا.
وفي سم ما نصه (قوله: لغرض آخر أي كالشرب، بل قد يقال قصد أخذ الماء لغرض آخر من إفراد نية الاغتراف، لأن المراد بها أن يقصد بإدخال يده إخراج الماء أعم من أن يكون لغرض غير التطهر به خارج الإناء أولا، فليتأمل.
(قوله: صار مستعملا) جواب له، وإنما صار الماء مستعملا بذلك لانتقال المنع إليه وقوله: بالنسبة لغير يده أي من بقية أعضاء الوضوء بالنسبة للمحدث، أو بقية البدن بالنسبة للجنب.
وقوله فله أن يغسل الخ مرتب على محذوف، أي أما بالنسبة ليده فلا يصير مستعملا، فله أن يغسل إلخ.
يعني: له إن لم يتم غسلها أن يغسل بقيتها بما في كفه، لأن الماء ما دام مترددا على العضو له حكم التطهير.
وقوله: باقي ساعدها في الروض ما نصه: فلو غسل بما في كفه باقي يده لا غيرها أجزأه.
اه.
(قوله: وغير متغير الخ) معطوف على غير مستعمل.
وقوله: بحيث يمنع الخ تصوير لكون التغير كثيرا.
وقوله: بأن تغير أحد صفاته تصوير ثان له أيضا، أو تصوير لمنع إطلاق اسم الماء عليه.
(قوله: ولو تقديريا) أي ولو كان التغير حاصلا بالفرض والتقدير لا بالحس، وهو ما يدرك بإحدى الحواس التي هي الشم والذوق والبصر، وذلك بأن يقع في الماء ما يوافقه في جميع صفاته، كماء مستعمل، أو في بعضها كماء ورد منقطع الرائحة وله لون وطعم أو أحدهما ولم يتغير الماء به، فيقدر حينئذ مخالفا وسطا، الطعم طعم الرمان واللون لون العصير والريح ريح اللاذن - بفتح الذال المعجمة - فإذا كان الواقع في الماء قدر رطل مثلا من ماء الورد الذي لا ريح له ولا طعم ولا لون، نقول: لو كان الواقع فيه قدر رطل من ماء الرمان هل يغير طعمه أم لا؟ فإن قالوا: يغيره.
انتفت الطهورية.
وإن قالوا لا يغيره.
نقول: لو كان الواقع فيه قدر رطل من اللاذن هل يغير ريحه أو لا؟ فإن قالوا: يغيره.
انتفت الطهورية.
وإن قالوا: لا يغيره.
نقول: لو كان الواقع فيه قدر رطل من عصير العنب هل يغير لونه أو لا؟ فإن قالوا: يغيره.
سلبناه الطهورية.
وإن قالوا: لا يغيره، فهو باق على طهوريته.
وهذا إذا فقدت الصفات كلها، فإن فقد بعضها ووجد بعضها قدر المفقود، لأن الموجود إذا لم يغير فلا معنى لفرضه.
стр. 34
للماء، وهو ما لا يتميز في رأي العين (طاهر) وقد (غني) الماء (عنه) كزعفران، وثمر شجر نبت قرب الماء، وورق طرح ثم تفتت، لا تراب وملح ماء وإن طرحا فيه.
ولا يضر تغير لا يمنع الاسم لقلته ولو احتمالا، بأن شك أهو كثير أو قليل.
وخرج بقولي بخليط المجاور، وهو ما يتميز للناظر، كعود ودهن ولو مطيبين، ومنه البخور وإن كثر وظهر نحو ريحه، خلافا لجمع.
ومنه أيضا ماء أغلي فيه نحو بر وتمر حيث لم يعلم انفصال عين فيه مخالطة، بأن لم يصل إلى حد بحيث له اسم آخر كالمرقة، ولو شك في شئ أمخالط هو أم مجاور، له حكم
ــ
واعلم أن التقدير المذكور مندوب لا واجب، فلو هجم شخص واستعمل الماء أجزأه ذلك.
(قوله: أو كان التغير بما على عضو المتطهر) أي بأن كان عليه نحو سدر أو زعفران فتغير الماء به فإنه يضر.
وخرج بقوله: بما على عضو.
ما إذا أريد تطهير السدر أو نحوه، وتغير الماء قبل وصوله إلى جيمع أجزائه فإنه لا يضر لكونه ضروريا في تطهيره.
اه ع ش بالمعنى.
(قوله: وإنما يؤثر التغير) أي في طهورية الماء بحيث لا يصح التطهير به، وإن كان طاهرا في نفسه.
(قوله: إن كان بخليط) سيأتي محترزه.
(قوله: وهو) أي الخليط.
(قوله: ما لا يتميز في رأي العين) أي الشئ الذي لا يرى متميزا عن الماء.
وقيل: هو الذي لا يمكن فصله.
(قوله: وقد غني) بكسر النون، ومضارعه يغنى بفتحها، بمعنى استغنى.
(قوله: كزعفران إلخ) تمثيل للخليط الطاهر المستغنى عنه.
(قوله: وثمر شجر إلخ) أي وكثمر شجر.
ويضر سقوطه في الماء مطلقا، سواء كان بنفسه أو بفعل الفاعل، بدليل تقييده الورق بالطرح، أي بفعل الفاعل.
وكما في النهاية، ونصها: ويضر التغير بالثمار الساقطة بسبب ما انحل منها، سواء أوقع بنفسه أم بإيقاع، كان على صورة الورق كالورد أم لا.
اه.
(قوله: وورق طرح) خرج به ما إذا لم يطرح بل تناثر بنفسه فلا يضر وإن تفتت كما سيذكره.
وقوله: ثم تفتت خرج به ما إذا لم يتفتت فلا يضر لأنه مجاور.
والترتيب المستفاد من ثم ليس بقيد بل مثله بالأولى ما إذا تفتت ثم طرح.
(قوله: لا تراب) أي لا إن كان التغير بتراب، فإنه لا يضر لموافقته للماء في الطهورية، ولأن تغيره به مجرد كدورة.
وقوله: وملح ماء أولا إن كان التغير بملح ناشئ من الماء، فإنه لا يضر أيضا لكونه منعقدا من الماء، فسومح فيه، بخلاف الجبلي فإنه يضر لكونه غير منعقد من الماء، فهو مستغنى عنه.
(قوله: وإن طرحا فيه) أي وإن طرح التراب وملح الماء في الماء فإنه لا يضر.
والغاية للرد بالنسبة للتراب وللتعميم بالنسبة للملح.
(قوله: ولا يضر تغير الخ) محترز قوله كثيرا.
وقوله: لقلته أي التغير.
وقوله: ولو احتمالا أي ولو كانت قلة التغير احتمالا لا يقينا فإنه لا يضر، لأنا لا نسلب الطهورية بالمحتمل، أي المشكوك فيه.
قال في شرح الروض: نعم، لو تغير كثيرا ثم زال بعضه بنفسه أو بماء مطلق، ثم شك في أن التغير الآن يسير أو كثير لم يطهر، عملا بالأصل.
قاله الأذرعي.
اه.
(قوله: المجاور وهو ما يتميز للناظر) وقيل إنه ما يمكن فصله.
وقيل فيه وفي المخالط: المتبع العرف.
وقوله: ولو مطيبين بفتح الياء المشددة، أي حصل الطيب لهما بغيرهما.
وقيل: بكسر الياء، أي مطيبين لغيرهما.
(قوله: ومنه) أي المجاور البخور.
وفي النهاية: ويظهر في الماء المبخر - الذي غير البخور طعمه أو لونه أو ريحه - عدم سلبه الطهورية، لأنا لم نتحقق انحلال الأجزاء والمخالطة، وإن بناه بعضهم على الوجهين في دخان النجاسة.
اه.
أي فإن قلنل
دخان النجاسة ينجس الماء، قلنا هنا: يسلب الطهورية.
وإن قلنا بعدم التنجيس، ثم قلنا بعدم سلبها هنا.
لكن المعتمد عدم سلب الطهورية هنا مطلقا.
والفرق أن الدخان أجزاء تفصلها النار، وقد اتصلت بالماء فتنجسه ولو مجاورة، إذ لا فرق في تأثير ملاقاة النجس بين المجاور والمخالط.
بخلاف البخور فإنه طاهر وهو لا يسلب الطهورية إلا إن كان مخالطا، ولم تتحقق المخالطة.
اه ع ش.
(قوله: ومنه الخ) أي ومن المجاور أيضا ماء أغلى فيه نحو بر وتمر فإنه لا يضر بالقيد الذي
стр. 35
المجاور.
وبقولي غني عنه ما لا يستغنى عنه، كما في مقرة وممره، من نحو طين وطحلب متفتت وكبريت، وكالتغير بطول المكث أو بأوراق متناثرة بنفسها وإن تفتتت وبعدت الشجرة عن الماء.
(أو بنجس) وأن قل التغير.
(ولو كان) الماء (كثيرا) أي قلتين أو أكثر في صورتي التغيير بالطاهر والنجس.
والقلتان بالوزن: خمسمائة رطل بغدادي تقريبا، وبالمساحة في المربع: ذراع وربع طولا وعرضا وعمقا، بذراع اليد المعتدلة.
ــ
ذكره.
وفي سم ما نصه: قال الشارح في شرح العباب: والحب كالبر والثمر، إن غير وهو بحاله فمجاور، وإن انحل منه شئ فمخالط، فإن طبخ وغير ولم ينحل منه شئ فوجهان.
ثم قال: وأوجه الوجهين أنه لا أثر لمجرد الطبخ، بل لا بد من تيقن انحلال شئ منه بحيث يحدث له بسبب ذلك اسم آخر، لأنه حينئذ مجاور، التغير به لا يضر، وإن حدث بسببه اسم آخر.
فالحاصل أن ما أغلي من نحو الحبوب والثمار وما لم يغل، إن تيقن انحلال شئ منه فمخالط، وإلا فمجاورر.
وإن حدث له بذلك اسم آخر، ما لم ينسلب عنه اطلاقه اسم الماء بالكلية.
اه.
(قوله: وبقولي غني عنه) أي وخرج بقولي إلخ، فهو معطوف على بقولي الأول.
(قوله: كما في مقره) أي موضع قراره، أي الماء، ومنه كما هو ظاهر القرب التي يدهن باطنها بالقطران - وهي جديدة - لإصلاح ما يوضع فيها بعد من الماء، وإن كان من القطران المخالط.
وقوله: وممره أي موضع مروره، أي الماء.
وفي النهاية ما نصه: وظاهر كلامهم أن المراد بما في المقر والممر ما كان خلقيا في الأرض، أو مصنوعا فيها بحيث صار يشبه الخلقي، بخلاف الموضع فيها لا بتلك الحيثية، فإن الماء يستغنى عنه.
اه.
(قوله: من نحو طين) بيان لما، واندرج تحت نحو النورة والزرنيخ ونحوهما.
(قوله: وطحلب) بضم أوله مع ضم ثالثه أو فتحه، شئ أخضر يعلو الماء من طول المكث، ولا يشترط أن يكون بمقر الماء أو ممره، وإن أوهمته عبارة الشارح.
وقوله: مفتت أي ما لم يطرح، فإن طرح وصار مخالطا ضر.
(قوله: وكالتغير بطول المكث) معطوف على كما في مقره، أي فهو لا يضر لعدم الاستغناء عنه.
وعبارته صريحة في أنه من المخالط، لكن الذي لا غنى عنه مع أنه لا من المخالط ولا من المجاور.
ولو أخرجه بمخالط لكان له وجه، وذلك لأن غير المخالط صادق بالمجاور وبالذي ليس بمجاور ولا مخالط.
(قوله: أو بأوراق) معطوف على بطول المكث.
وقوله: متناثرة بنفسها أي لا بفعل الفاعل.
وهو مفهوم قوله سابقا: طرح.
(قوله: أو بنجس) معطوف على بخليط، لكن بقطع النظر عن تقييد التغير فيه بالكثرة.
أي وغير متغير بنجس مطلقا، قليلا كان التغير أو كثيرا.
(قوله: في صورتي إلخ) قصده بيان أن الغاية راجعة للصورتين، صورة التغير بالطاهر وصورة التغير بالنجس.
أي لا فرق في التغير بالطاهر بين أن
يكون الماء قليلا أو كثيرا، أو بالنجس كذلك، إلا أنه يشترط في التغير بالأول أن يكون التغير كثيرا كما علمت.
(قوله: والقلتان) هما في الأصل الجرتان العظيمتان، فالقلة الجرة العظيمة، سميت بذلك لأن الرجل العظيم يقلها أي يرفعها.
وهي تسع قربتين ونصفا من قرب الحجاز، والقربة منها لا تزيد على مائة رطل بغدادي.
وفي عرف الفقهاء: اسم للماء المعلوم.
(قوله: خمسمائة رطل بغدادي) الرطل البغدادي عند النووي مائة وثمانية وعشرون درهما وأربعة أسباع درهم، وعند الرافعي مائة وثلاثون درهما، وهو خلاف المعتمد.
وقوله: تقريبا أي لا تحديدا.
فلا يضر نقص رطل أو رطلين - على الأشهر في الروضة -.
(قوله: وبالمساحة) أي والقلتان بالمساحة.
وهي بكسر الميم الذرع.
وقوله: في المربع ذراع إلخ بيان ذلك أن كلا من الطول والعرض والعمق يبسط من جنس الكسر، وهو الربع.
فجملة كل واحد خمسة أرباع، ويعبر عنها بأذرع
стр. 36
وفي المدور: ذراع من سائر الجوانب بذراع الآدمي، وذراعان عمقا بذراع النجار، وهو ذراع وربع.
ولا تنجس
قلتا ماء ولو احتمالا، كأن شك في ماء أبلغهما أم لا، وإن تيقنت قلته قبل بملاقاة نجس ما لم يتغير به، وإن استهلكت النجاسة فيه.
ولا يجب التباعد من نجس في ماء كثير.
ولو بال في البحر مثلا فارتفعت منه رغوة فهي نجسة إن تحقق أنها من عين النجاسة، أو من المتغير أحد أوصافه بها، وإلا فلا.
ولو طرحت فيه بعرة، فوقعت
ــ
قصيرة، وتضرب خمسة الطول في خمسة العرض يكون الحاصل خمسة وعشرين، تضرب في خمسة العمق يكون الحاصل مائة وخمسة وعشرين، وكل ربع يسع أربعة أرطال فتضرب في المائة والخمسة والعشرين تبلغ خمسمائة رطل.
(قوله: وفي المدور ذراع من سائر الجوانب إلخ) بيان ذلك فيه أن العمق ذراعان بذراع النجار، وهو ذراع وربع بذراع الآدمي، فهما به ذراعان ونصف، وأن العرض ذراع، وإذا كان العرض كذلك، يكون المحيط ثلاثة أذرع وسبعا، لأن محيط كل دائرة ثلاثة أمثال عرضها وسبع مثله.
وتبسط كلا من العمق والعرض أرباعا، فيكون العمق عشرة أذرع والعرض أربعة، وإذا كان العرض أربعة كان المحيط اثنى عشر وأربعة أسباع، فتضرب نصف العرض في نصف المحيط يكون الخارج اثنى عشرى وأربعة أسباع، ثم تضرب ما ذكر في عشرة العمق يكون الخارج مائة وخمسة وعشرين وخمسة أسباع.
لأن حاصل ضرب اثنتي عشرة في عشرة بمائة وعشرين، وحاصل ضرب أربعة أسباع في عشرة أربعون سبعا خمسة وثلاثون بخمسة صحيحة - ولا تضر زيادة الأسباع - وكل ربع يسع أربعة أرطال، فتضرب في المائة والخمسة والعشرين يبلغ خمسمائة رطل.
(قوله: ولا تنجس قلتا ماء) للخبر الصحيح: إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث أي لم يقبله.
كما صرحت به ر واية: لم ينجس.
وهي صحيحة أيضا.
(قوله: ولو احتمالا) أي ولو كانت القلتان احتمالا لا يقينا، فلا تنجس لأن الأصل الطهارة.
وقوله: كأن شك الخ تمثيل له.
(قوله: إن تيقنت قلته) غاية للغاية.
وقوله قبل أي قبل الشك بأن كان قليلا يقينا ثم زيد عليه، واحتمل بلوغه وعدمه.
(قوله: بملاقاة نجس) متعلق بتنجس.
(قوله: ما لم يتغير) أي الماء الذي بلغ قلتين.
وقوله: به أي بالنجس.
فإن تغير به تنجس، ولا فرق في التغير بين أن يكون حسيا أو تقديريا، بأن وقع في الماء نجس يوافقه في صفاته - كالبول المنقطع الرائحة
واللون والطعم - فيقدر مخالفا أشد، الطعم طعم الخل واللون لون الحبر والريح ريح المسك.
فلو كان الواقع قدر رطل من البول المذكور مثلا، نقدر ونقول: لو كان الواقع قدر رطل من الخل هل يغير طعم الماء أو لا؟ فإن قالوا: يغيره.
حكمنا بنجاسته.
وإن قالوا: لا يغيره.
نقول: لو كان الواقع قدر رطل من الحبر هل يغير لون الماء أو لا؟ فإن قالوا: يغيره.
حكمنا بنجاسته.
وإن قالوا: لا يغيره.
نقول: لو كان الواقع قدر رطل من المسك هل يغير ريحه أو لا؟ فإن قالوا: يغيره.
حكمنا بنجاسته.
وإن قالوا: لا يغيره.
حكمنا بطهارته.
وهذا إذا كان الواقع فقدت فيه الأوصاف الثلاثة، فإن فقدت صفة واحدة فرض المخالف المناسب لها فقط، كما تقدم في الطاهر.
(قوله: وإن استهلكت النجاسة فيه) يحتمل ارتباط هذه الغاية بقوله: ولا تنجس قلتا ماء بملاقاة نجس إن لم يتغير به، سواء كان النجس الواقع في الماء متميزا عنه، بحيث يرى بأن كان جامدا، أو استهلك فيه بأن كان مائعا، أو امتزج بالماء بحيث صار لم يبق له طعم ولا لون ولا ريح.
ويحتمل ارتباطه بمفهوم قوله: ما لم يتغير، أي فإن تغير به تنجس، سواء استهلكت النجاسة فيه أم لا، والأول أقرب.
(قوله: ولا يجب التباعد من نجس في ماء كثير) يعني ولا يجب التباعد من النجس الكائن في ماء كثير حال الاغتراف منه، بل له إن يغترف من حيث شاء، حتى من أقرب موضع إلى النجاسة، كما صرح بذلك في النهاية.
قال في الروض: فإن غرف دلوا من ماء قلتين فقط، وفيه نجاسة جامدة لم يغرفها مع الماء، فباطن الدلو طاهر لانفصال ما فيه عن الباقي قبل أن ينقص عن قلتين، لا ظاهر لتنجسه بالباقي المتنجس بالنجاسة لقلته.
فإن غرفها مع الماء بأن دخلت معه أو قبله في الدلو انعكس الحكم.
اه.
(قوله: ولو بال في البحر مثلا) أي أو في ماء كثير.
(قوله: فارتفعت منه) أي من البحر بسبب البول.
وقوله: رغوة هي الزبد الذي يرتفع على وجه الماء.
(قوله: فهي) أي الرغوة، نجسة.
وقوله: إن تحقق أنها أي الرغوة، من عين النجاسة، أي البول.
كأن كانت برائحة البول أو طعمه أو لونه.
وقوله: أو من المتغير الخ أي أو تحقق أنها من الماء المتغير أحد أوصافه بذلك البول.
(قوله: وإلا فلا) أي وإن لم يتحقق أنها من ذلك فلا يحكم عليها بالنجاسة.
(قوله: ولو طرحت فيه) أي في البحر مثلا.
وقوله: بعرة
стр. 37
من أجل الطرح قطرة على شئ لم تنجسه، وينجس قليل الماء - وهو ما دون القلتين - حيث لم يكن واردا بوصول نجس إليه يرى بالبصر المعتدل، غير معفو عنه في الماء، ولو معفوا عنه في الصلاة، كغيره من رطب ومائع، وإن كثر.
لا بوصول ميتة لا دم لجنسها سائل عند شق عضو منها، كعقرب ووزع، إلا إن تغير ما أصابته
ــ
أي ونحوها من كل نجاسة جامدة.
(قوله: فوقعت إلخ) في الكلام حذف، أي فارتفعت من أجل قوة الطرح قطرة منه فوقعت على شئ.
وقوله لم تنجسه جواب لو.
أي لم تنجس تلك القطرة الشئ الذي وقعت عليه لطهارتها.
(قوله: وينجس قليل الماء إلخ) أي لمفهوم الحديث المتقدم، إذ مفهومه أن ما دونهما يحمل الخبث، أي يتأثر به.
وقوله: حيث لم يكن واردا أي حيث لم يكن الماء واردا على النجس، فإن كان واردا ففيه تفصيل يأتي.
وحاصله: أنه إذا ورد الماء على المحل
النجس ولم ينفصل عنه فهو طاهر مطهر.
فإن انفصل عنه، ولم يتغير ولم يزد وزنه بعد اعتبار ما يأخذه المحل، وطهر المحل، فهو طاهر غير مطهر.
فإن فقد واحد من هذه القيود فهو نجس.
(قوله: بوصول نجس إليه) أي إلى الماء القليل، وهو متعلق بينجس، وخرج به ما إذا كان بقرب الماء جيفة مثلا وتغير الماء بها فإنه لا يؤثر.
وقوله: يرى بالبصر المعتدل خرج به غير المرئي به، فإنه لا يؤثر.
وإن كان بمواضع متفرقة، وكان بحيث لو جمع لرؤي، وكان المجموع قليلا ولو من مغلظ وبفعله عند م ر.
وقوله: غير معفو عنه في الماء خرج به المعفو عنه فيه.
وهو ما أشار إليه بقوله: لا بوصول ميتة.
وقوله: ولو معفوا عنه في الصلاة أي ولو كان النجس الذي لا يعفى عنه في الماء معفوا عنه في الصلاة فإنه يضر، وذلك كقليل دم أجنبي غير مغلظ، أو كثير من نحو براغيث.
فإن ما ذكر يعفى عنه إذا كان في نحو ثوب المصلي، ولا يعفى عنه في الماء.
(قوله: كغيره) أي كغير الماء وهو مرتبط بقوله: وينجس إلخ.
أي وينجس قليل الماء بما ذكر، كما أن غيره من المائعات ينجس به أيضا إلا أنه لا يتقيد بالقلة.
وقوله: من رطب ومائع بيان للغير ثم إن كان المراد بالرطب الجامد كان عطف ما بعده عليه للمغايرة.
إلا أنه يشكل عليه أن الجامد إنما ينجس ظاهره الملاقي للنجس، لا كله، كما سيأتي، وإن كان المراد به ما يعم المائع كان العطف عليه من عطف الخاص على العام، ويشكل عليه أيضا ما ذكر.
وظاهر عبارة الروض تخصيص الرطب بالمائع، ونص عبارته مع شرحه: ودونهما - أي القلتين - قليل فينجس هو ورطب غيره كزيت، وإن كثر بملاقاة نجاسة مؤثرة في التنجس وإن لم يتغير.
ثم قال: وخرج بالرطب الجامد الخالي عن رطوبة عند الملاقاة، وبالمؤثرة غيرها مما يأتي.
اه.
وقوله: وإن كثر أي ينجس غير الماء وإن كان كثيرا.
والفرق بينه حيث تنجس مطلقا بوصول النجاسة إليه وبين الماء حيث اختص بالقلة، أن غير الماء ليس في معناه لقوة الماء ومشقة حفظه من النجس، بخلاف غيره.
(قوله: لا بوصول ميتة الخ) أي لا ينجس قليل الماء وغيره من المائعات بوصول ما ذكر للعفو عنه في الماء.
وقوله: لا دم لجنسها سائل تعبيره بذلك أولى من تعبير غيره بقوله لا دم لها سائل، إذ العبرة بجنسها لا بها.
فلو فرض أن لها دما يسيل وجنسها ليس له ذلك ألحقت به، ولا يضر وقوعها فيه.
أو فرض أنها ليس لها دم يسيل وجنسها له ذلك ألحقت به وضر وقوعها.
(فائدة) خبر لا في هذا التركيب محذوف تقديره موجود، وسائل صفة ويجوز فيه الرفع على أنه صفة لاسم لا مراعاة له قبل دخولها لأنه كان مرفوعا بالابتداء، والنصب على أنه صفة له باعتبار محله، إذ محله نصب بلا، ولا يجوز بناؤه على الفتح لوجود الفاصل بينهما.
كما قال إبن مالك: وغير ما يلي وغير المفردلا تبن وانصبه أو الرفع اقصد
وقوله: عند شق عضو منها متعلق بسائل، أي: سائل عند شق عضو منها في حياتها أو عند قتلها.
ويحرم الشق المذكور أو القتل بالقصد للتعذيب، واختلف فيما شك في سيل دمه وعدمه، فهل يجوز شق عضو منه أو لا؟ قال بالأول الرملي تبعا للغزالي، لأنه لحاجة.
وقال بالثاني ابن حجر تبعا لإمام الحرمين، لما فيه من التعذيب، وله حكم ما لا يسيل دمه - فيما يظهر من كلامهم - عملا بكون الأصل في الماء الطهارة فلا ننجسه الشك، ويحتمل عدم العفو، لأن العفو رخصة فلا يصار إليها إلا
стр. 38
- ولو يسيرا - فحينئذ ينجس.
لا سرطان وضفدع فينجس بهما، خلافا لجمع، ولا بميتة كان نشؤها من الماء كالعلق، ولو طرح فيه ميتة من ذلك نجس، وإن كان الطارح غير مكلف، ولا أثر لطرح الحي مطلقا.
واختار كثيرون من أئمتنا مذهب مالك: أن الماء لا ينجس مطلقا إلا بالتغير، والجاري كراكد وفي القديم: لا ينجس قليله بلا تغير، وهو مذهب مالك.
قال في المجموع: سواء كانت النجاسة مائعة أو جامدة.
والماء القليل إذا تنجس يطهر ببلوغه قلتين - ولو بماء متنجس - حيث لا تغير به، والكثير يطهر بزوال تغيره بنفسه أو بماء زيد عليه
ــ
بيقين.
(قوله: كعقرب ووزغ) تمثيل للميتة التي ليس لجنسها دم سائل.
(قوله: إلا إن تغير) استثناء من عدم التنجس بوصول الميتة وقوله: فيحنئذ ينجس أي فحين إذ تغير بها ينجس.
والفاء واقعة في جواب الشرط.
(قوله: لا سرطان وضفدع) عطف على كقعرب ووزع.
وقوله: فينجس بهما أي بالسرطان والضفدع، لأن لجنسهما دما سائلا.
(قوله: خلافا لجمع) أي قالوا بعدم التنجس بهما.
(قوله: ولا بميتة) عطف على لا بوصول ميتة، أي ولا ينجس أيضا بوصول ميتة، إلخ.
وقوله: كالعلق بفتحتين، دود الماء.
(قوله: ولو طرح فيه ميتة من ذلك) ظاهره عود اسم الإشارة على المذكور من الميتة التي لا دم لجنسها سائل والتي نشؤها من الماء، وهو ما جرى عليه جمع.
وجرى الشيخان على أن ما كان نشؤه من الماء لا يضر طرحه مطلقا.
وظاهر كلام ابن حجر تأييده.
ونص عبارة التحفة: ولا أثر لطرح الحي مطلقا أو الميتة التي نشؤها منه.
كما هو ظاهر كلامهما.
وفرض كلامهما في حي طرح فيما نشؤه منه ثم مات فيه بدليل كلام التهذيب ممنوع.
اه.
وظاهر كلام الرملي يؤيد الأول ونص عبارته، وحاصل المعتمد في ذلك كما اقتضاه كلام البهجة منطوقا ومفهوما، واعتمده الوالد ﵀ وأفتى به، أنها إن طرحت حية لم يضر، سواء كان نشؤها منه أم لا، وسواء أماتت فيه بعد ذلك أم لا، إن لم تغيره.
وإن طرحت ميتة ضر، سواء كان نشؤها منه أم لا.
وإن وقوعها بنفسها لا يضر مطلقا، أي حية أو ميتة، فيعفى عنه كما يعفى عما يقع بالريح، وإن كان ميتا ولم يكن نشؤه منه، إن لم يغير، وليس الصبي - ولو غير مميز - والبهيمة كالريح لأن لهما اختيارا في الجملة.
اه.
وكتب ع ش ما نصه: قوله: والبهيمة كالريح قال ابن حجر: وإن كان الطارح غير مكلف لكن من جنسه، وهي تخرج البهيمة لأنها ليست من جنس الصبي.
وقال سم على المنهج: وفي إلحاق البهيمة بالآدمي تأمل.
(قوله: ولا أثر لطرح الحي مطلقا) أي سواء كان نشؤه منه أم لا.
(قوله: واختار كثيرون الخ) مرتبط بقوله وينجس قليل الماء الخ.
(قوله: لا ينجس مطلقا) أي قليلا كان أو كثيرا.
قال ابن حجر: وكأنهم نظروا للتسهيل على الناس، وإلا فالدليل ظاهر في التفصيل.
(قوله: والجاري كراكد) أي في جميع ما مر من التفرقة بين القليل والكثير، وأن الأول يتنجس بمجرد الملاقاة.
لكن
العبرة في الجاري بالجرية نفسها لا مجموع الماء.
فإذا كانت الجرية - وهي الدفعة التي بين حافتي النهر - في العرض دون قلتين تنجست بمجرد الملاقاة، ويكون محل تلك الجرية من النهر نجسا ويطهر بالجرية بعدها، وتكون في حكم غسالة النجاسة.
هذا في نجاسة تجري بجري الماء، فإن كانت جامدة واقفة فذلك المحل نجس وكل جرية تمر بها نجسة إلى أن يجتمع قلتان في حوض.
وبه يلغز فيقال: ماء ألف قلة غير متغير وهو نجس، أي لأنه ما دام لم يجتمع فهو نجس، وإن طال محل جري الماء.
والفرض أن كل جرية أقل من قلتين.
(قوله: لا ينجس قليله) أي الجاري لقوته بوروده على النجاسة، فأشبه الماء الذي نطهرها به.
وعليه فمقتضاه أن يكون طاهرا لا طهورا.
اه نهاية.
(قوله: وهو مذهب مالك) أي ما في القديم من جملة ما ذهب إليه الإمام مالك.
(قوله: قال في المجموع إلخ) هذا مرتبط بقوله فيما تقدم وينجس قليل الماء بوصول نجس، فهو تعميم في النجس، أي سواء كان جامدا أو مائعا.
(قوله: والماء القليل إذا تنجس) أي بوقوع نجاسة فيه وقوله: يطهر ببلوغه قلتين أي بانضمام ماء إليه لا بانضمام مائع فلا يطهر، ولو استهلك فيه وقوله: ولو بماء متنجس أي ولو كابلوغه ما ذكر بانضمام ماء متنجس إليه، أي أو بماء مستعمل أو متغير أو بثلج أو برد أذيب.
قال في التحفة: ومن بلوغهما به ما لو كان النجس أو الطهور بحفرة أو حوض آخر وفتح بينهما حاجز واتسع بحيث يتحرك ما في كل بتحرك الآخر تحركا عنيفا، وإن لم تزل كدورة أحدهما ومضى زمن يزول فيه تغير لو كان.
وقوله: حيث لا تغير به أي يطهر بما ذكر، حيث لم يوجد فيه تغير لا حسا ولا تقديرا، فإن وجد فيه ذلك لم يطهر.
(قوله: والكثير يطهر بزوال تغيره) أي الحسي والتقديري.
وقوله: بنفسه
стр. 39
أو نقص عنه وكان الباقي كثيرا.
(و) ثانيها: (جري ماء على عضو) مغسول، فلا يكفي أن يمسه الماء بلا جريان لانه لا يسمى غسلا.
(و) ثالثها: (أن لا يكون عليه) أي على العضو (مغير للماء تغيرا ضارا) كزعفران وصندل، خلافا لجمع.
(و) رابعها: (أن لا يكون على العضو حائل) بين الماء والمغسول، (كنورة) وشمع
ــ
أي لا بانضمام شئ إليه، كأن زال بطول المكث.
وقوله: أو بماء زيد عليه أي أو زال تغيره بانضمام ماء إليه.
أي ولو كان متنجسا أو مستعملا أو غير ذلك، لا إن زال بغير ذلك كمسك وخل وتراب فلا يطهر للشك في أن التغير استتر أو زال، بل الظاهر أنه استتر.
وقوله: أو نقص عنه أي أو زال التغير أو بماء نقص عنه.
وقوله: وكان الباقي كثيرا قيد في الأخيرة.
أي وكان الباقي بعد نقص شئ منه كثيرا، أي يبلغ قلتين.
(تتمة) لم يتعرض المؤلف للاجتهاد مع أنه وسيلة للماء، ولنتعرض له تكميلا للفائدة، فنقول: اعلم أنهم ذكروا للاجتهاد شروطا، أحدها: بقاء المشتبهين إلى تمام الاجتهاد.
فلو انصب أحدهما أو تلف امتنع الاجتهاد، ويتيمم ويصلي بلا إعادة.
ثانيها: أن يتأيد الاجتهاد بأصل الحل، فلا يجتهد في ماء اشتبه ببول وإن كان يتوقع ظهور العلامة، إذ لا أصل للبول في حل المطلوب، وهو التطهير هنا.
ثالثها: أن يكون للعلامة فيه مجال، أي مدخل، كالأواني والثياب، فلا يجتهد فيما إذا
اشتبهت محرمه بأجنبيات محصورات للنكاح لأنه يحتاط له.
رابعها: الحصر في المشتبه به، فلو اشتبه إناء نجس بأوان غير محصورة فلا اجتهاد بل يأخذ منها ما شاء إلى أن يبقى عدد محصور - عند ابن حجر - وزاد بعضهم: سعة الوقت.
فلو ضاق الوقت عن الاجتهاد تيمم وصلى، والأوجه خلافه.
واشترط بعضهم أيضا أن يكون الإنآن لواحد، فإن كانا لاثنين، لكل واحد، توضأ كل بإنائه، والأوجه - كما في الإحياء - خلافه عملا بإطلاقهم إذا علمت ذلك.
فلو اشتبه ماء طاهر أو تراب كذلك بماء متنجس أو تراب كذلك، أو اشتبه ماء طهور أو تراب كذلك بماء مستعمل أو بمتنجس أو تراب كذلك، اجتهد في المشتبهين جوازا إن قدر على طاهر بيقين، ووجوبا إن لم يقدر على ذلك، واستعمل ما ظنه بالاجتهاد طاهرا أو طهورا، ويسن له قبل الاستعمال أن يريق المظنون نجاسته لئلا يغلط فيستعمله أو يتغير اجتهاده فيشتبه عليه الأمر، فإن تركه بلا إراقة وتغير ظنه باجتهاده ثانيا لم يعمل بالثاني من الاجتهادين لئلا ينقض الاجتهاد بالاجتهاد إن غسل ما أصابه ماء الأول بماء الثاني ويصلي بنجاسة إن لم يغسله.
ولا يعمل بالاجتهاد الأول أيضا عند م ر، فلا يصلي بالوضوء الحاصل منه.
واعتمد ابن حجر خلافه.
أو اشتبه ماء وبول أو ماء وماء ورد فلا يجتهد، بل في الأول يريقهما أو أحدهما، أو يخلط أحدهما أو شيئا منه على الآخر ثم يتيمم ولا إعادة عليه.
فلو تيمم قبل ذلك لا يصح تيممه، لأن شرط صحته أن لا يتيمم بحضرة ماء متيقن الطهارة، ويتوضأ بكل مرة في الثاني.
ومثل الاجتهاد في الماء والتراب الاجتهاد في الثياب والأطعمة والحيوانات، فلو اشتبه عليه ثوب نجس بثوب طاهر، أو طعام نجس بطعام طاهر، أو اشتبه عليه شاته بشاة غيره، اجتهد في ذلك، فما أداه اجتهاده إلى أنه طاهر أو ملكه، عمل به، وما لا فلا.
(قوله: وثانيها) أي وثاني شروط الوضوء.
(قوله: على عضو مغسول) أي كالوجه واليدين والرجلين، وخرج به الممسوح كالرأس فلا يشترط فيه الجري.
(قوله: فلا يكفي أن يمسه الماء) قال في العباب: ومن ثم لم يجز الغسل بالثلج والبرد إلا إن ذابا وجريا على العضو.
(قوله: لأنه لا يسمى غسلا) أي لأن المس المذكور لا يسمى غسلا، مع أن المأمور به في الآية الشريفة الغسل.
قال في النهاية: ولا يمنع من عد هذا شرطا كونه معلوما من مفهوم الغسل لأنه قد يراد به - أي الغسل - ما يعم النضح.
اه.
(قوله: وثالثها) أي ثالث شروط الوضوء.
(قوله: تغيرا ضارا) بأن يكون كثيرا بحيث يمنع إطلاق اسم الماء عليه كما تقدم.
(قوله: كزعفران وصندل) تمثيل للمغير الذي على العضو.
(قوله: خلافا لجمع) أي قالوا: يغتفر ما على العضو.
(قوله: ورابعها) أي رابع شروط الوضوء.
(قوله: حائل) أي جرم كثيف يمنع وصول الماء للبشرة.
(قوله: بين الماء
стр. 40
ودهن جامد وعين حبر وحناء، بخلاف دهن جار أي مائع - وإن لم يثبت الماء عليه - وأثر حبر وحناء.
وكذا يشترط - على ما جزم به كثيرون - أن لا يكون وسخ تحت ظفر يمنع وصول الماء لما تحته، خلافا لجمع منهم الغزالي والزركشي وغيرهما، وأطالوا في ترجيحه وصرحوا بالمسامحة عما تحتها من الوسخ دون نحو العجين.
وأشار الاذرعي وغيره إلى ضعف مقالتهم.
وقد صرح في التتمة وغيرها، بما في الروضة وغيرها، من عدم
المسامحة بشئ مما تحتها حيث منع وصول الماء بمحله.
وأفتى البغوي في وسخ حصل من غبار بأنه يمنع صحة الوضوء، بخلاف ما نشأ من بدنه وهو العرق المتجمد.
وجزم به في الانوار.
(و) خامسها: (دخول وقت
ــ
والمغسول) مثله الممسوح كما هو ظاهر.
(قوله: كنورة إلخ) تمثيل للحائل.
(قوله: بخلاف دهن جار) أي بخلاف ما إذا كان على العضو دهن جار فإنه لا يعد حائلا فيصح الوضوء معه، وإن لم يثبت الماء على العضو لأن ثبوت الماء ليس بشرط.
(قوله: وأثر حبر وحناء) أي وبخلاف أثر حبر وحناء فإنه لا يضر.
والمراد بالأثر مجرد اللون بحيث لا يتحصل بالحت مثلا منه شئ.
(قوله: أن لا يكون وسخ تحت ظفر) أي من أظفار اليدين أو الرجلين.
قال الزيادي: وهذه المسألة مما تعم بها البلوى، فقل من يسلم من وسخ تحت أظفار يديه أو رجليه، فليتفطن لذلك.
(قوله: خلافا لجمع) أي قالوا بعدم اشتراط ذلك.
(قوله: وأطالوا في ترجيحه) أي مستدلين بأنه ﷺ كان يأمر بتقليم الأظفار ورمي ما تحتها ولم يأمرهم بإعادة الصلاة.
قال في شرح العباب: وما في الإحياء - مما نقله الزركشي عن كثيرين، وأطال هو وغيره في ترجيحه، وأنه الصحيح المعروف من المسامحة عما تحتها من الوسخ دون نحو العجين - ضعيف، بل غريب كما أشار إليه الأذرعي اه.
(قوله: بشئ مما تحتها) أي سواء كان من الوسخ أو من العجين.
(قوله: حيث منع) أي ذلك الشئ - وسخا أو غيره - وقوله: بمحله أي ذلك الشئ.
(قوله: وأفتى البغوي في وسخ إلخ) لا يختص هذا بما تحت الأظفار بل يعم سائر البدن وعبارة ابن حجر: وكوسخ تحت الأظفار، خلافا للغزالي، وكغبار على البدن، بخلاف العرق المتجمد عليه لأنه كالجزء منه.
ومن ثم نقض مسه.
اه.
(قوله: وهو العرق المتجمد) قضيته وإن لم يصر كالجزء ولم يتأذ بإزالته - وهو ظاهر لكثرة تكرره والمشقة في إزالته - لكن في ابن عبد الحق: نعم، هن صار الجرم المتولد من العرق جزءا من البدن لا يمكن فصله عنه فله حكمه، فلا يمنع صحة الوضوء ولا النقض بمسه.
اه ع ش.
(قوله: وخامسها) أي وخامس شروط الوضوء.
وبقي من الشروط: عدم المنافي من حيض ومس ذكر، وعدم الصارف ويعبر عنه بدوام النية حكما، والإسلام، والتمييز، ومعرفة كيفية الوضوء بأن لا يقصد بفرض معين نفلا، وغسل ما لا يتم الواجب إلا به.
وقد عد بعضهم شروط الوضوء خمسة عشر شرطا، ونظمها في قوله: أيا طالبا مني شروط وضوئه فخذها على الترتيب، إذ أنت سامع شروط وضوء عشرة ثم خمسة فخذ عدها والغسل للطهر جامع طهارة أعضاء نقاء وعلمه بكيفية المشروع والعلم نافع وترك مناف في الدوام وصارف عن الرفع والإسلام قد تم سابع وتمييزه واستثن فعل وليه إذا طاف عنه وهو بالمهد راضع ولا حال نحو الشمع والوسخ الذي حوى ظفر والرمص في العين مانع
وجري على عضو وإيصال مائه وويل لأعقاب من النار واقع وتخليل ما بين الأصابع واجب إذا لم يصل إلا ما هو قالع وماء طهور والتراب نيابة وبعد دخول الوقت إن فات رافع كتقطير بول ناقض واستحاضة وودي ومذي أو مني يدافع وليس يضر البول من ثقبة علت كجرح على عضو به الدم ناقع ونيته للاغتراف محلها إذا تمت الأولى من الوجه تابع ونية غسل بعدها فانو واغترف وإلا فالاستعمال لا شك واقع
следующие страницы →