← Фикх общий

Фикх общий · id 96453

أحكام الجنائز

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (382 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

يا رسول الله! ما الكبائر؟ فقال: ((هُنَّ تِسعٌ ... )) فذكر معناه ... زاد ((وعقوق الوالدين المسلمين، واستحلال البيت الحرام قبلتكم أحياءً وأمواتاً)) (١). وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز – ﵀ – يقول عن هذا الحديث: ((له شواهد، وهو دليل على توجيه المحتضر، ووضعه في قبره مستقبلاً القبلة)) (٢). قال الإمام الشوكاني – ﵀ –: ((والأولى الاستدلال لمشروعية التوجيه بما رواه الحاكم والبيهقي عن أبي قتادة أن البراء بن معرور أوصى أن يُوجَّه إلى القبلة إذا احتُضر، فقال رسول الله ﷺ : ((أصاب الفطرة)) (٣). وروى البيهقي عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك في قصةٍ ذكرها، قال: وكان البراء بن معرور أول من استقبل القبلة حيّاً وميتاً (٤). وجاء عن حذيفة ﵁ أنه قال: ((وجِّهوني إلى القبلة)) (٥).

стр. 142

ويذكر عن الحسن قال: ذكر عمر الكعبة، فقال: ((والله ما هي إلا أحجار نصبها الله قبلة لأحيائنا، ونوجه إليها موتانا)) (١). وسئل الإمام شيخنا عبد العزيز ابن باز ﵀: هل يشرع توجيه المحتضر إلى القبلة؟ فأجاب: ((نعم، يستحب ذلك عند أهل العلم، لقوله ﷺ : ((البيت الحرام قبلتكم أحياءً وأمواتاً (٢)) (٣)، وقال ﵀ في كيفية توجيه المحتضر إلى القبلة: ((يجعل على جنبه الأيمن ووجه إلى القبلة كما يوضع في اللحد)) (٤). سابعاً: الآداب الواجبة والمستحبة لمن حضر وفاة المسلم كثيرة، منها: ١ - يغمض إذا خرجت الروح ولا يقول من حضره إلا خيراً؛ لحديث أم سلمة ﵂ قالت: دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة وقد شق بصره، فأغمضه ثم قال: ((إن الروح إذا قُبض تبعه البصر)) فضج ناس من أهله فقال: ((لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير؛ فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون)) ثم قال: ((اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح له في قبره، ونوِّر له فيه)) (٥). ٢ - يُدعى له ؛ لما في حديث أم سلمة السابق فيقال: ((اللهم اغفر

стр. 143

لفلان، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح له في قبره ونوِّر له فيه)). ٣ – يُغطَّى بثوب يستر جميع بدنه ؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: سُجِّي (١) رسول الله حين مات بثوب حَبِرةٍ)) (٢)، ولفظ البخاري: ((أن رسول الله ﷺ حين توفي سُجي ببردٍ حِبَرة)) (٣). ٤ – لا يُغطَّى رأس المحرم ولا وجهه ؛ لحديث ابن عباس ﵄ في الرجل الذي وقصته راحلته وهو محرم، وفيه قول النبي ﷺ : ((اغسلوه بماء وسدر، وكفِّنوه في ثوبيه، ولا تُخمِّروا رأسه ولا وجهه؛ فإنه يُبعث يوم القيامة ملبياًً)) وفي رواية: ((ولا تُحنِّطوه)) وفي رواية: ((ولا تطيِّبوه)) (٤). ٥ – يُعجَّل بتجهيزه وإخراجه إذا بان موته ، وقاموا بحقوقه: من الغسل، والتكفين، والصلاة؛ لحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((أسرعوا بالجنازة فإن تكُ صالحةً فخير تقدمونها إليه، وإن تكُ سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم)) (٥). ٦ – يُدفنُ في البلد الذي مات فيه ، ولا ينقل إلى غيره، لأن النقل ينافي الإسراع المأمور به في حديث أبي هريرة ﵁ المتقدم.

стр. 144

وحديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: لما كان يوم أحد جاءت عمتي بأبي لتدفنه في مقابرنا فنادى منادي رسول الله ﷺ : ((ردوا القتلى إلى مضاجعها)) وفي لفظ أبي داود: ((إن رسول الله ﷺ يأمركم أن تدفنوا القتلى في مضاجعهم، فرددناهم)) (١). ولذلك قالت عائشة ﵂ لما مات أخٌ لها بوادي الحبشة فَحُمِلَ من مكانه: ((ما أجد في نفسي أو يحزنني في نفسي إلا أني وددت أنه كان دفن في مكانه)) (٢). قال الإمام النووي في الأذكار كما ذكر الألباني في أحكام الجنائز (٣): ((وإذا أوصى بأن ينقل إلى بلد آخر لا تنفذ وصيته، فإن النقل حرام على المذهب الصحيح المختار الذي قاله الأكثرون وصرح به المحققون)). وكان شيخنا ابن باز ﵀ يقول: ((حتى لو أوصى الميت أن ينقل إلى مكة أو المدينة لا تُنفذ وصيته؛ لأن الصحابة ﵃ لم يوصوا بذلك)) سمعت ذلك منه ﵀. ٧ - لو مات في غير مولده دفن مكانه وكان خيراً له ؛ لحديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: مات رجل بالمدينة ممن وُلد بها، فصلى عليه

стр. 145

رسول الله ﷺ ، ثم قال: ((يا ليته مات بغير مولده!)) قالوا: ولم ذلك يا رسول الله؟ قال: ((إن الرجل إذا مات بغير مولده قيس من مولده إلى منقطع أثره في الجنة)) (١). ٨ – يُبادر بقضاء دينه بعد موته من ماله ، فإن لم يكن له مال فعلى الدولة، فإن لم تقم به وتطوَّع به بعض الحاضرين جاز؛ لحديث سعد بن الأطول: أن أخاه مات وترك ثلاثمائة درهم، وترك عيالاً قال: فأردت أن أنفقها على عياله، فقال النبي ﷺ : ((إن أخاك محتَبسٌ بدينه فاقضِ عنه))، فقال: يا رسول الله: قد أدَّيت عنه إلا دينارين ادَّعَتْهُما امرأة وليس لها بينة، قال: ((فأعطها فإنها مُحقّة)) (٢). وعن سمرة بن جندب ﵁: ((أن النبي ﷺ صلَّى على جنازة، فلما انصرف قال: ((أهاهنا أحد من آل فلان؟)) [فسكت القوم، وكان إذا ابتدأهم بشيء سكتوا] فقال ذلك مراراً [ثلاثاً لا يجيبه أحد] [فقال رجل: هو ذا] قال: فقام رجل يجرُّ إزاره من مؤخر الناس [فقال له النبي ﷺ : ((ما منعك في المرتين الأوليين أن تكون أجبتني؟] أما إني لم أُنوّه باسمك إلا لخير، إن فلاناً – لرجل منهم – مأسور بدينه [عن الجنة فإن شئتم فافدوه، وإن شئتم فأسلموه إلى عذاب الله])) فلو رأيت أهله ومن يتحرَّون أمره قاموا فقضوا عنه [حتى ما أحد يطلبه شيء] (٣).

стр. 146

وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: ((مات رجل فغسلناه، وكفناه، وحنطناه، ووضعناه لرسول الله ﷺ حيث توضع الجنائز، عند مقام جبريل، ثم آذنا رسول الله ﷺ بالصلاة، فجاء معنا [فتخطى] خُطىً، ثم قال: ((لعلَّ على صاحبكم ديناً؟)) قالوا: نعم ديناران، فتخلّف [قال: ((صلوا على صاحبكم))] فقال له رجل منا يقال له: أبو قتادة: يا رسول الله هما عليَّ، فجعل رسول الله ﷺ يقول: ((هما عليك، والميت منهما برئ؟)) فقال: نعم، فصلى عليه، فجعل رسول الله ﷺ إذا لقي أبا قتادة يقول: (وفي رواية: ثم لقيه من الغد فقال): ما صنعت الديناران؟ [قال: يا رسول الله إنما مات أمس] حتى كان آخر ذلك (وفي الرواية الأخرى: ثم لقيه من الغد فقال: (ما فعل الديناران؟) قال: قد قضيتهما يا رسول الله، قال: ((الآن حين بردت عليه جلده)) (١). وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يُؤتى بالرجل الميت عليه الدين، فيسأل: ((هل ترك لدينه من قضاء؟)) فإن حُدِّث أنه ترك وفاء صلى عليه، وإلا قال: ((صلُّوا على صاحبكم)) ولما فتح الله عليه الفتوح قال: ((أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفي وعليه دين فعليَّ قضاؤه، ومن ترك مالاً فلورثته)) (٢).

стр. 147

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين)) (١). ٩ - تُنفَّذ وصيته: الثلث فأقل ؛ لأن إنفاذ الوصية واجب، والإسراع بالتنفيذ إما واجب أو مستحب؛ لأن الوصية إن كانت في واجب، فللإسراع في إبراء ذمته، وإن كانت في تطوع فللإسراع في الأجر له، والوصية إما واجبة وإما تطوع، قال أهل العلم: فينبغي أن تنفذ قبل أن يدفن (٢). وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدَّى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله)) (٣). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((نفس المؤمن معلقة بدَيْنه حتى يُقضَى عنه)) (٤). ثامناً: الأمور التي تجوز للحاضرين وغيرهم كثيرة، منها ما يأتي: ١ - كشف وجه الميت . ٢ - تقبيله . ٣ - البكاء عليه بدمع العين .

стр. 148

وفي ذلك أحاديث منها على سبيل الإيجاز ما يأتي: الحديث الأول: عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: لما أصيب أبي يوم أحد فجعلت أكشف الثوب عن وجهه وأبكي وجعلوا ينهونني، ورسول الله ﷺ لا ينهاني، قال: وجعلت فاطمة بنت عمرو تبكيه، فقال رسول الله ﷺ : ((تبكيه أو لا تبكيه، مازالت الملائكة تظلّه بأجنحتها حتى رفعتموه)) (١). الحديث الثاني: عن عائشة ﵂ قالت: أقبل أبو بكر ﵁ على فرسه من مسكنه بالسنح حتى نزل فدخل المسجد [وعمر يكلم الناس]، فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة ﵂ فتيمم النبي ﷺ وهو مُسجَّىً ببردة حبرة، فكشف عن وجهه ثم أكب عليه، فقبل [بين عينيه]، ثم بكى فقال: بأبي أنت وأمي يا نبي الله، لا يجمع الله عليك موتتين: أما الموتة الأولى التي كتبت لك فقد متها))، وفي رواية: ((لقد مت الموتة التي لا تموت بعدها)) (٢). الحديث الثالث: عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قّبَّل عثمان بن مظعون وهو ميت، وهو يبكي، أو قال: عيناه تذرفان. ولفظ ابن ماجه: ((قَبَّل رسول الله ﷺ عثمان بن مظعون وهو ميِّتٌ، فكأني أنظر إلى دموعه تسيل على خدَّيه)) (٣).

стр. 149

الحديث الرابع: عن أنس ﵁ قال: دخلنا مع رسول الله ﷺ على أبي أسيف القين (١) – وكان ظئراً (٢) –لإبراهيم ﵇ – فأخذ رسول الله ﷺ إبراهيم فقبّله وشمه، ثم دخلنا عليه بعد ذلك، وإبراهيم يجود بنفسه (٣)، فجعلت عينا رسول الله ﷺ تذرفان، فقال له عبد الرحمن بن عوف ﵁: وأنت يا رسول الله؟ فقال: ((يا ابن عوف إنها رحمة))، ثم أتبعها بأخرى، فقال: ((إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يَرْضَى ربُّنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون)) (٤). الحديث الخامس: حديث عبد الله بن جعفر ﵁ أن النبي ﷺ أمهل آل جعفر – ثلاثاً – أن يأتيهم ثم أتاهم فقال: ((لا تبكوا على أخي بعد اليوم ... )) (٥). ٤ – صنع الطعام لأهل الميت ؛ لحديث عبد الله بن جعفر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((اصنعوا لآل جعفر طعاماً؛ فإنه قد أتاهم أمر يشغلهم)) (٦).

стр. 150

تاسعاً: الأمور الواجبة على أقارب الميت وغيرهم عديدة، منها ما يأتي: ١ - الصبر والرضا بالقدر لقوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (١). وعن أنس بن مالك ﵁ قال: ((مر رسول الله ﷺ بامرأة عند قبرٍ وهي تبكي، فقال لها: ((اتقي الله واصبري))، فقالت: إليك عني، فإنك لم تصب بمصيبتي! قال: ولم تعرفه! فقيل لها: هو رسول الله ﷺ فأخذها مثل الموت، فأتت باب رسول الله ﷺ فلم تجدعنده بوابين، فقالت: يا رسول الله إني لم أعرفك، فقال رسول الله ﷺ : ((إنما الصبر عند أول الصدمة)) (٢). ٢ - الاسترجاع ، وهو أن يقول: ((إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها)) (٣)، ويأتي التفصيل في ذلك في فضل الصبر على المصائب بعد صفحات إن شاء الله تعالى. ولا ينافي الصبر أن تمتنع المرأة من الزينة كلِّها، حداداً على وفاة ولدها أو غيره إذا لم تزد على ثلاثة أيام، إلا على زوجها، فتحد أربعة أشهر وعشراً؛ لحديث زينب بنت أبي سلمة قالت: ((دخلت على أم حبيبة زوج النبي ﷺ فقالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا يحلُّ لامرأةٍ تؤمن بالله

стр. 151

واليوم الآخر [أن] تحدَّ على ميِّتٍ فوق ثلاث، إلا على زوجٍ أربعة أشهر وعشراً)) ثم دخلت على زينب بنت جحش حين توفي أخوها فدعت بطيب فمست، ثم قالت: ما لي بالطيب من حاجة، غير أني سمعت رسول الله ﷺ يقول ... )) فذكرت الحديث (١). ولكنها إذا لم تحد على غير زوجها، إرضاءً للزوج وقضاءً لوطره منها، فهو أفضل لها، ويُرجى لهما من وراء ذلك خير كثير كما وقع لأم سُليْمٍ وزوجها أبي طلحة الأنصاري ﵄ ولا بأس من أن أسوق هنا قصتهما في ذلك – على طولها – لما فيها من الفوائد والعظات والعبر، قال أنس ﵁: ((قال مالك أبو أنس لامرأته أم سليم – وهي أم أنس – إن هذا الرجل – يعني النبي ﷺ يحرم الخمر – فانطلق حتى أتى الشام فهلك هناك فجاء أبو طلحة، فخطب أم سُليم، فكلمها في ذلك، فقالت: يا أبا طلحة! ما مثلك يرد، ولكنك امرؤ كافر، وأنا امرأة مسلمة لا يصح لي أن أتزوجك! فقال: ما ذاك دهرك! قالت: وما دهري! قال: الصفراء والبيضاء! قالت: فإني لا أريد صفراء ولا بيضاء، أريد منك الإسلام، [فإن تُسلِم فذاك مَهري، ولا أسألك غيره]، قال: فمن لي بذلك؟ قالت: لك بذلك رسول الله ﷺ ، فانطلق أبو طلحة يريد النبي ﷺ ورسول الله ﷺ جالس في أصحابه، فلما رآه قال: جاءكم أبو طلحة غُرَّةُ الإسلام بين عينيه، فأخبر رسول الله ﷺ بما قالت أم سليم، فتزوجها على ذلك. قال ثابت (وهو البناني أحد رواة القصة عن أنس): فما بلغنا أن مَهْراً كان أعظم منه أنها رضيت الإسلام مهراً، فتزوجها وكانت امرأة مليحة

стр. 152

العينين، فيها صغرٌ، فكانت معه حتى ولد له بُني، وكان يحبه أبو طلحة حبّاً شديداً، ومرض الصبي [مرضاً شديداً]، وتواضع أبو طلحة لمرضه أو تضعضع له، [وكان أبو طلحة يقوم صلاة الغداة يتوضأ، ويأتي النبي ﷺ فيصلي معه، ويكون معه إلى قريب من نصف النهار، ويجيء يقيل ويأكل، فإذا صلى الظهر تهيأ وذهب، فلم يجئ إلى صلاة العتمة] فانطلق أبو طلحة عشية إلى النبي ﷺ (وفي رواية: إلى المسجد) ومات الصبي فقالت أم سليم: لا ينعين إلى أبي طلحة أحد ابنه حتى أكون أنا الذي أنعاه له، فهيأت الصبي [فسجت عليه] ووضعته [في جانب البيت]، وجاء أبو طلحة من عند رسول الله ﷺ حتى دخل عليها [ومعه ناس من أهل المسجد من أصحابه] فقال: كيف ابني؟ فقالت: يا أبا طلحة ما كان منذ اشتكى أسكن منه الساعة [وأرجو أن يكون قد استراح!] فأتته بعشائه [فقربته إليهم فتعشوا، وخرج القوم] [قال: فقام إلى فراشه، فوضع رأسه]، ثم قامت فتطيبت، [وتصنعت له أحسن ما كانت تَصَنَّع قبل ذلك]، [ثم جاءت حتى دخلت معه الفراش، فما هو إلا أن وجد ريح الطيب كان منه ما يكون من الرجل إلى أهله]، [فلما كان آخر الليل] قالت: يا أبا طلحة أرأيت لو أن قوماً أعاروا قوماً عارية لهم، فسألوهم إياها أكان لهم أن يمنعوهم؟ فقال: لا؛ قالت: فإن الله كان أعارك ابنك عارية، ثم قبضه إليه، فاحتسب واصبر! فغضب ثم قال: تركتِني حتى إذا وقعت بما وقعت به نعيتِ إلي ابني! [فاسترجع، وحمد الله] [فلما أصبح اغتسل]، ثم غدا إلى رسول الله ﷺ [فصلى معه] فأخبره، فقال رسول الله ﷺ : ((بارك الله لكما في غابر ليلتكما))، فثقلت من ذلك الحمل،

стр. 153

وكانت أم سليم تسافر مع النبي ﷺ ، تخرج إذا خرج، وتدخل معه إذا دخل، وقال رسول الله ﷺ : ((إذا ولدت فأتوني بالصبي)). [قال: فكان رسول الله ﷺ في سفر وهي معه، وكان رسول الله ﷺ إذا أتى من سفر لا يطرقها طروقاً، فدنوا من المدينة، فضربها المخاض، واحتبس عليها أبو طلحة، وانطلق رسول الله ﷺ ، فقال أبو طلحة: يا رب إنك لتعلم أنه يعجبني أن أخرج مع رسولك إذا خرج، وأدخل معه إذا دخل، وقد احتُبست بما ترى، قال: تقول أم سُليم: يا أبا طلحة ما أجد الذي كنت أجد فانطلقا، قال: وضربها المخاض حين قدموا] فولدت غلاماً، وقالت لابنها أنس: [يا أنس! لا يطعم شيئاً حتى تغدو به إلى رسول الله ﷺ ، [وبعثت معه بتمرات]، قالت: فبات يبكي، وبت مجنحاً عليه (١)، أكالئه حتى أصبحت، فغدوت إلى رسول الله ﷺ ]، [وعليه بردة]، وهو يسم إبلاً أو غنماً [قدمت عليه]، فلما نظر إليه، قال لأنس: ((أولدت بنت ملحان؟)) قال: نعم، [فقال: ((رويدك أفرغ لك))]، قال: فألقى ما في يده، فتناول الصبي وقال: (([أمعه شيء؟)) قالوا: نعم، تمرات]، فأخذ النبي ﷺ [بعض] التمر [فمضغهن، ثم جمع بزاقه]، [ثم فغر فاه، وأوجره إياه]، فجعل يحنك الصبي، وجعل الصبي يتلمظ: [يمص بعض حلاوة التمر وريق رسول الله ﷺ ، فكان أول من فتح أمعاء ذلك الصبي على (٢) ريق رسول الله ﷺ فقال: ((انظروا إلى حب الأنصار التمر))، [قال: قلت: يا رسول الله: سمّه، قال:] [فمسح وجهه] وسماه عبد الله، [فما كان في

стр. 154

الأنصار شاب أفضل منه]، [قال: فخرج منه رَجِل (١) كثير، واستشهد عبد الله بفارس])) (٢). عاشراً: الأمور المحرمة على أقارب الميت وغيرهم كثيرة، منها ما يأتي: ١ - النياحة ؛ لحديث أبي مالك الأشعري: أن النبي ﷺ قال: ((أربعٌ في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركوهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة)) وقال: ((النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب)) (٣). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((اثنتان في الناس هما بهما كفر: الطعن في الأنساب والنياحة على الميت)) (٤). وعن أم عطية ﵂ قالت: أخذ علينا رسول الله ﷺ مع البيعة ألا ننوح فما وفّت منا امرأة إلا خمس: أم سليم، وأم العلاء، وابنة أبي سبرة امرأة معاذ - أو ابنة أبي سبرة وامرأة معاذ)) (٥). وعن أبي موسى ﵁ قال: لما أصيب عمر ﵁ أقبل صهيب من منزله

стр. 155

حتى دخل على عمر، فقام بحياله يبكي، فقال له عمر: علام تبكي؟ أعليَّ تبكي؟ قال: إي والله لعليك أبكي يا أمير المؤمنين، فقال: والله لقد علمت أن رسول الله ﷺ قال: ((من يُبكى عليه يُعذَّب)) وفي رواية لمسلم عن أنس أن عمر بن الخطاب لما طُعِنَ عَوَّلَتْ عليه حفصة فقال: يا حفصة أما سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((المُعوَّلُ عليه يعذب)) وعَوَّل عليه صهيبٌ فقال عمر: يا صهيب أما علمت: ((أن المعوَّل عليه يعذب)) وفي لفظ للبخاري: أن عمر لما أصيب دخل صهيب يبكي يقول: واأخاه، واصاحباه، فقال ﵁: يا صهيب أتبكي عليَّ، وقد قال رسول الله ﷺ : ((إن الميت يعذب ببعض بكاء أهله عليه))، وفي رواية للبخاري: ((إن الميت ليعذب ببكاء الحي)) (١). واختلف العلماء ﵏ في المراد بهذا الحديث، ومن ذلك قول الجمهور: وهو أن الحديث محمول على من أوصى بالنوح عليه، أو لم يُوصِ بتركه مع علمه بأن الناس يفعلونه عادة. وقيل: معنى ((يُعذَّب)) أي يتألَّم بسماعه بكاء أهله ويرق لهم ويحزن، وذلك في البرزخ، ونصر ابن تيمية وابن القيم هذا القول (٢). وسمعت شيخنا ابن باز – ﵀ – يقول: الميت يعذب ببكاء أهله، والله أعلم بالكيفية (٣).

стр. 156

٢ – الدعوى بدعاء الجاهلية. ٣ – ضرب الخدود . ٤ – شق الجيوب ؛ لحديث ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية)) وفي لفظ للبخاري: ((ليس منَّا من لطم الخدود ... )) (١). ٥ – رفع الصوت عند المصيبة . ٦ – حلق الشعر ؛ لحديث أبي بردة عن أبي موسى قال: وجع أبو موسى وجعاً فغشي عليه ورأسه في حجر امرأته من أهله، فصاحت امرأةٌ من أهله، فلم يستطع أن يرد عليها شيئاً، فلما أفاق قال: أنا بَرِيءٌ مما برئ منه رسول الله ﷺ ؛فإن رسول الله ﷺ : ((بَرِئ من الصالقة، والحالقة، والشاقة)) (٢). ٧ – الويل والدعاء به . ٨ – نشر الشعر ؛ لحديث امرأة من المبايعات قالت: كان فيما أخذ علينا رسول الله ﷺ في المعروف الذي أخذ علينا أن لا نعصيه فيه: أن لا تخمش وجهاً، ولا ندعو ويلاً، ولا نشق جيباً، ولا ننثر شَعراً)) (٣).

стр. 157

٩ - النعي المحرم ، وهو ما كانت الجاهلية يفعلونه، فقد كانوا يرسلون من يعلن بخبر موت الميت على أبواب الأحياء والأسواق، أو يركب المخبر على دابة ويصيح في الناس (١)، قال ابن الأثير ﵀: ((يقال: نعى الميت ينعاه نعياً ونعيَّا: إذا أذاع موته وأخبر به، وإذا ندبه .. والمشهور في العربية أن العرب كانوا إذا مات منهم شريف، أو قُتِلَ بعثوا راكباً إلى القبائل ينعاه إليهم، يقول نعاءِ فلاناً، أو يا نعاء العرب: أي هلك فلان أو هلكت العرب بموت فلان)) (٢). ومن ذلك أن الناعي يصعد على الجبل، أو السور المرتفع، أو على سطوح المنازل وينادي يصيح: أنعى فلاناً (٣)، أو الإخبار بإتيان الآتي إلى الحي من الأحياء وصياحه: أنعى إليكم فلان بن فلان (٤)، فهذا النعي محرم، ومن عادات الجاهلية، فلا يجوز للمسلم أن يعمل هذا العمل ولا يرضى به، وقد ظهر مما تقدم: أن النعاة: هم المخبرون بموت من مات، وأن الناعية: هي النائحة (٥)، وأن المحرم من النعي ما كان على عادة الجاهلية، أما المباح من النعي فسيأتي بضوابطه إن شاء الله تعالى. الحادي عشر: النعي المباح الجائز: يجوز الإخبار بالوفاة إذا لم يقترن بذلك، ما يشبه نعي الجاهلية، وقد

стр. 158

يجب إذا لم يكن عنده من يقوم بالواجب من حقوق الميت المسلم، من: الغسل، والتكفين، والصلاة عليه، ودفنه. ومن النصوص التي تدل على جواز هذا النعي حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، خرج إلى المصلى فصفَّ بهم وكبَّر أربعاً. ولفظ مسلم: ((أن رسول الله ﷺ نعى للناس النجاشي في اليوم الذي مات فيه فخرج بهم إلى المصلى وكبر أربع تكبيرات))، وفي لفظ: ((نعى لنا رسول الله ﷺ النجاشي صاحب الحبشة في اليوم الذي مات فيه فقال: ((استغفروا لأخيكم)) (١). وعن جابر ﵁ ((أن رسول الله ﷺ صلَّى على النجاشي فكنت في الصف الثاني أو الثالث)) وفي لفظ: (( ... أصحمة النجاشي)) وفي لفظ: قال النبي ﷺ حين مات النجاشي: ((مات اليوم رجل صالح فقوموا صلوا على أخيكم)). وفي لفظ لمسلم: ((فكبر عليه أربعاً)). وفي لفظ له: ((مات اليوم عبد لله صالح)). وفي لفظ: ((إن أخاً لكم مات فقوموا فصلوا عليه)) (٢). وعن أنس بن مالك ﵁ قال: ال النبي ﷺ : ((أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها عبدالله بن رواحة فأصيب))، وإن عيني رسول الله ﷺ لتذرفان، ((ثم أخذها خالد بن الوليد من غير إمرة ففُتِحَ له)) (٣).

стр. 159

وقد ترجم الإمام البخاري – ﵀ – لحديث أبي هريرة وأنس، بقوله: ((باب الرجل ينعى إلى أهل الميت بنفسه)). وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى على هذه الترجمة: ((وفائدة هذه الترجمة: الإشارة إلى أن النعي ليس ممنوعاً كله، وإنما نهى عما كان أهل الجاهلية يصنعونه، فكانوا يرسلون من يعلن بخبر موت الميت على أبواب الدور، والأسواق ... )) ثم قال: ((وقال ابن المرابط: مراده أن النعي الذي هو إعلام الناس بموت قريبهم مباح، وإن كان فيه إدخال الكرب والمصائب على أهله، لكن في تلك المفسدة مصالح جمة؛ لما يترتب على معرفة ذلك من المبادرة لشهود الجنازة، وتهيئة أمره، والصلاة عليه، والدعاء له، والاستغفار، وتنفيذ وصاياه، وما يترتب على ذلك من الأحكام)). ثم قال: قال ابن العربي: يؤخذ من مجموع الأحاديث ثلاث حالات: الأولى: إعلام الأهل والأصحاب فهذا سنة. الثانية: دعوة الحفل للمفاخرة فهذه تكره. الثالثة: الإعلام بنوع آخر: كالنياحة، ونحو ذلك فهذا حرام)) (١). وعن ابن عباس ﵄ قال: ((مات إنسان كان رسول الله ﷺ يعوده، فمات بالليل فدفنوه ليلاً، فلما أصبح أخبروه فقال: ((ما منعكم أن تعلموني؟)) قالوا: كان الليل فكرهنا – وكانت ظلمة – أن نشق عليك، فأتى قبره فصلى عليه)) (٢).

стр. 160

وقد ترجم الإمام البخاري – ﵀ – لهذا الحديث بقوله: ((باب الإذن بالجنازة)) قال الحافظ ابن حجر ﵀: ((والمعنى الإعلام بالجنازة إذا انتهى أمرها؛ ليُصلَّى عليها، قيل هذه الترجمة: تغاير التي قبلها من جهة: أن المراد بها الإعلام بالنفس وبالغير، قال الزين بن المنير: هي مرتبة على التي قبلها؛ لأن النعي إعلام من لم يتقدم له علم بالميت، والإذن إعلام بتهيئة أمره وهو حسن)) (١). وعن أبي هريرة ﵁ أن امرأة سوداء كانت تقمُّ المسجد أو شابّاً فقدها رسول الله ﷺ فسأل عنها أو عنه، فقالوا: مات، قال: ((أفلا كنتم آذنتموني)) قال فكأنهم صغروا أمرها أو أمره، فقال: ((دلّوني على قبره)) فدلوه فصلى عليها، ثم قال: ((إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها وإن الله ينورها بصلاتي عليهم)) (٢). ويستحب للمخبر أن يطلب من الناس أن يستغفروا للميت؛ لحديث أبي هريرة المتقدم في قصة النجاشي، وفي بعض رواياته: لما نعى للناس النجاشي قال: ((استغفروا لأخيكم)) (٣). وحديث أبي قتادة في قصة إخبار النبي ﷺ بقتل زيد بن حارثة، وجعفر، وعبد الله بن رواحة، وفي القصة: ((ألا أخبركم عن جيشكم هذا الغازي؟ إنهم انطلقوا فلقوا العدوَّ فأصيب زيدٌ شهيداً، فاستغفروا له،

стр. 161

فاستغفر له الناس، ثم أخذ اللواء جعفر بن أبي طالب فشدَّ على القوم حتى قُتِلَ شهيداً أشهد له بالشهادة، فاستغفروا له، ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة فأثبت قدميه حتى قتل شهيداً، فاستغفروا له، ثم أخذ اللواء خالد بن الوليد ... )) (١) الحديث (٢). وقال الإمام ابن الملقن – رحمه الله تعالى –: ((النعي على ضربين: أحدهما: مجرد إعلام؛ لقصد ديني كطلب كثرة الجماعة تحصيلاً للدعاء للميت، وتتميماً للعدد الذي وُعِدَ بقبول شفاعتهم له: كالأربعين، والمائة مثلاً، أو لتشييعه وقضاء حقه في ذلك، وقد ثبت في معنى ذلك قوله ﵊: ((هلا آذنتموني به)) (٣)، ونعيه ﵊ أهل مؤتة: جعفراً، وزيد بن حارثة، وعبد الله بن رواحة (٤). الثاني: فيه أمر محرم مثل: نعي الجاهلية المشتمل على ذكر مفاخر الميت، ومآثره، وإظهار التفجع عليه، وإعظام حال موته، فالأول مستحب، والثاني محرم، وعليه يُحمل نهيه ﵊ عن النعي كما أخرجه الترمذي وصححه (٥)، وهذا التفصيل هو الذي تقتضيه الأحاديث الصحيحة (٦).

стр. 162

الثاني عشر: العلامات التي تدل على حسن الخاتمة ، كثيرة منها ما يأتي: ١ - نطقه بالشهادة عند الموت من أعظم البشارات بحسن الخاتمة؛ لحديث معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من كان آخر كلامه: لا إله إلا الله دخل الجنة)) (١). ٢ - الموت برشح الجبين ؛ لحديث بريدة بن الحصيب ﵁ أنه كان بخراسان فعاد أخاً له وهو مريض، فوجده بالموت، وإذا هو بعرق جبينه، فقال: الله أكبر سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((موت المؤمن بعرق الجبين)) (٢)، وكلام بريدة في رواية الإمام أحمد صريح في أن العرق على ظاهره، وفي معنى الحديث قولان: أحدهما: أنه عبارة عما يكابده من شدة السياق الذي يعرق دون جبينه، وذلك تمحيصاً لذنوبه. والثاني: أنه كناية عن كدِّ المؤمن في طلب الحلال وتضييقه على نفسه بالصوم والصلاة حتى يلقى الله تعالى (٣). ٣ - الموت ليلة الجمعة أو نهارها ، لما رُوي وذُكِرَ عن عبد الله بن عمرو

стр. 163

قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من مسلم يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر)) (١). ٤ – الاستشهاد في ساحة القتال ؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ الله مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ *يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ الله وَفَضْلٍ وَأَنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢). وعن المقدام بن مَعْدِيكرب ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: ((للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة من دمه، ويُرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن الفزع الأكبر، ويُحلَّى حلية الإيمان، ويزوج من الحور العين، ويُشَفَّع في سبعين إنساناً من أقاربه)) (٣). وهذه بشارة عظيمة، وعلامة على حسن الخاتمة، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن شهداء أمة النبي ﷺ كثير: منهم من قتل في سبيل الله كما تقدم، ومنهم ما يأتي:

стр. 164

٥ – من مات في سبيل الله تعالى فهو شهيد ، يعني لم يباشر الحرب ولو لم يشاهده وبأي صفة مات. ٦ – المطعون شهيد ، وهو الذي يموت بالطاعون، وهو الوباء. ٧ – المبطون شهيد ، وهو الذي يموت من علة البطن، كالاستسقاء وهو انتفاخ الجوف، والإسهال، وقيل: هو الذي يموت بداء بطنه مطلقاً. ٨ – الغَرِقُ شهيد ، وهو الذي يموت غريقاً في الماء، يروى بغير ياء كحذِر، ويروى بالياء، وهو للمبالغة: كعليم. ٩ – وصاحب الهدم شهيد ، وهو الذي يموت تحت الهدم. ١٠ – والحريق شهيد ، وهو الذي يموت بحرق النار، ومن فرط في هذه الثلاثة ولم يتحرز حتى أصابه شيء من ذلك فمات فهو عاصٍ وأمره إلى الله، إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه (١). ١١ – صاحب ذات الجنب شهيد ، وهي قرحة تكون في الجنب وورم شديد باطناً. ١٢ – المرأة تموت بُجمع شهيدة ، ويقال بضم الجيم وكسرها وهي المرأة تموت حاملاً، وقد جمعت ولدها في بطنها، وقيل: هي البكر، وصحح القرطبي والنووي الأول (٢). ١٣ – من قتل دون ماله فهو شهيد . ١٤ – من قتل دون أهله فهو شهيد .

стр. 165

١٥ – من قتل دون دينه فهو شهيد . ١٦ – من قتل دون دمه فهو شهيد . ١٧ – من قتل دون مظلمته فهو شهيد . ١٨ – السِّلُّ شهادة ، بكسر السين، وضمها وتشديد اللام، وهو داءٌ يحدث في الرئة يؤول إلى ذات الجنب، وقيل: زكام أو سعال طويل مع حمى هادية، وقيل: غير ذلك (١). فقد بيّن النبي ﷺ الشهداء في غير المعركة في عدة أحوال، وخصال، وأدلة هذه الخصال ثابتة في السنة، فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((الشهداء خمسة: المطعون، والمبطون، والغَرِقُ، وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله)) (٢). وعن أنس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((الطاعون شهادة لكل مسلم)) (٣). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما تعدون الشهيد فيكم؟)) قالوا: يا رسول الله، من قتل في سبيل الله فهو شهيد، قال: ((إن شهداء أمتي إذاً لقليل)) قالوا: فمن هم يا رسول الله؟ قال: ((من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في الطاعون فهو شهيد، ومن مات في البطن فهو شهيد)) وفي رواية: ((والغريق شهيد)) (٤).

стр. 166

وعن جابر بن عتيك ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((الشهداء سبعة، سوى القتل في سبيل الله: المطعون شهيد، والغَرِقُ شهيد، وصاحب ذات الجنب شهيد، والمبطون شهيد، والحَرِقُ شهيد، والذي يموت تحت الهدم شهيد، والمرأة تموت بجُمعٍ شهيد)) (١). وعن عبادة بن الصامت ﵁ يرفعه إلى النبي ﷺ : ((إن في القتل شهادة، وفي الطاعون شهادة، وفي البطن شهادة، وفي الغرق شهادة، وفي النفساء يقتلها ولدها جمعاء شهادة)) (٢). وعن راشد بن حبيش أن رسول الله ﷺ دخل على عبادة بن الصامت يعوده في مرضه، فقال رسول الله ﷺ : ((أتعلمون من الشهيد من أمتي؟)) فقال عبادة ﵁:يا رسول الله الصابر المحتسب، فقال رسول الله ﷺ : ((إن شهداء أمتي إذاً لقليل: القتل في سبيل الله شهادة، والطاعون شهادة، والبطن شهادة، والنفساء يجرها ولدها بسره إلى الجنة، والحرق، والسِّلُّ)) (٣). وعن سعيد بن زيد ﵁ يرفعه للنبي ﷺ : ((من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل

стр. 167

دون دمه فهو شهيد)) (١). وعن سويد بن مقرن يرفعه: ((من قتل دون مظلمته فهو شهيد)) (٢). قال الحافظ ابن حجر – ﵀ –: ((والذي يظهر أنه ﷺ أُعلِمَ بالأقل ثم أُعْلِمَ زيادة على ذلك، فذكرها في وقت آخر، ولم يقصد الحصر في شيء من ذلك، وقد اجتمع لنا من الطرق الجيدة أكثر من عشرين خصلة، فإن مجموع ماقدمته مما اشتملت عليه الأحاديث التي ذكرتها أربع عشرة خصلة)) (٣). قلت: وهي التي اشتملت عليها هذه الأحاديث التي ذكرتها فيما تقدم. ١٩ – الموت مرابطاً في سبيل الله تعالى ؛ لحديث سلمان ﵁ قال: معت رسول الله ﷺ يقول: ((رباط يوم وليلة في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأُجري عليه رزقه، وأمن الفتان)) (٤). ٢٠ – الموت على عمل صالح ؛ لحديث حذيفة ﵁ عن النبي ﷺ : ((من قال: لا إله إلا الله ابتغاء وجه الله ختم له بها دخل الجنة، ومن صام يوماً ابتغاء وجه الله خُتِمَ له بها دخل الجنة، ومن تصدق بصدقة ابتغاء وجه الله

стр. 168

ختم له بها دخل الجنة)) (١). وعن أنس يرفعه: ((إذا أراد الله بعد خيراً استعمله)) فقيل: كيف يستعمله يا رسول الله؟ قال: ((يوفقه لعمل صالح قبل الموت)) (٢). وعن عمر بن المحبق يرفعه: ((إذا أراد الله بعبد خيراً عسله)) قالوا: وكيف يعسله؟ قال: ((يفتح الله له عملاً صالحاً بين يدي موته حتى يرضى عنه جيرانه أو من حوله)) (٣). وعن جابر يرفعه: ((من مات على شيء بُعِثَ عليه)) (٤). ٢١ – ثناء الناس على الميت ؛ من جمع من المؤمنين الصادقين أقلهم اثنان من جيرانه العارفين به من ذوي الصلاح والعلم موجب له الجنة بفضل الله ومن علامات حسن الخاتمة؛ لحديث أنس ﵁ قال: مُرَّ على النبي ﷺ بجنازة فأثنوا عليها خيراً، فقال: ((وجبت)) ثم مرَّ بأخرى فأثنوا عليها شرّاً أو قال غير ذلك، فقال: ((وجبت)) فقيل: يا رسول الله! قلت لهذا: وجبت، ولهذا: وجبت، فقال: ((شهادة القوم للمؤمن شهادة الله في الأرض)). وفي لفظ: فقال عمر بن الخطاب ﵁: ما وجبت؟ قال: ((هذا أثنيتم عليه خيراً فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرّاً فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض)). ولفظ مسلم: ((وجبت، وجبت، وجبت،

стр. 169

أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض)) (١). وفي حديث عمر ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة)) قلنا: وثلاثة: قال: ((وثلاثة)) قلنا: واثنان؟ قال: ((واثنان)) ثم لم نسأله عن الواحد (٢). وفي حديث أنس زيادة عند الحاكم: ((ما من مسلم يموت يشهد له أربعة من أهل أبيات جيرانه الأقربين أنهم لا يعلمون منه إلا خيراً إلا قال الله ﵎: قد قبلت قولكم أو قال: هادتكم وغفرت له ما لا تعلمون)) (٣). وفي حديث أنس عند الحاكم أيضاً: (( ... إن لله ملائكة تنطق على ألسنة بني آدم بما في المرء من خير أو شر)) (٤). وعن أبي هريرة ﵁: (( ... الملائكة شهداء الله في السماء وأنتم شهداء الله في الأرض)) (٥). والله أكرم الأكرمين وهو أرحم الراحمين (٦). الثالث عشر: فضائل الصبر والاحتساب على المصائب ، كثيرة منها ما يأتي: ١ - صلوات الله ورحمته وهدايته للصابرين: قال الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ

стр. 170

بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (١). ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ أي بشرهم بأنهم يُوفَّوْن أجورهم بغير حساب، فالصابرون هم الذين فازوا بالبشارة العظيمة، والمنحة الجسيمة، ثم وصفهم بقوله: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ﴾ وهي كل ما يؤلم القلب أو البدن، أو كليهما، كما تقدم في الآيات، ومن ذلك موت الأحباب، والأولاد، والأقارب، والأصحاب، ومن أنواع الأمراض في بدن العبد أو بدن من يحبه، ﴿قَالُواْ إِنَّا لِله﴾ أي مملوكون لله، مدبرون تحت أمره، وتصريفه، فليس لنا من أنفسنا وأولادنا، وأموالنا شيء، فإذا ابتلانا بشيء فقد تصرف أرحم الراحمين بمماليكه وأموالهم فلا اعتراض عليه، بل من كمال عبودية العبد: علمه بأن وقوع البلية من المالك الحكيم الذي أرحم بعبده من نفسه ووالدته، فيوجب له ذلك الرضا عن الله، والشكر له على تدبيره؛ لما هو خير لعبده وإن لم يشعر بذلك، ومع أننا مملوكون لله فإنا إليه راجعون يوم المعاد، فمجاز كل عامل بعمله، فإن صبرنا واحتسبنا وجدنا أجرنا موفراً عنده، وإن جزعنا وسخطنا لم يكن حظنا إلا السخط وفوات الأجر، فكون العبد لله وراجع إليه من أقوى أسباب الصبر ﴿أُولَئِكَ﴾ الموصوفون بالصبر المذكور ﴿عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ﴾ أي ثناء من الله عليهم ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ عظيمة، ومن رحمته إياهم أن وفقهم للصبر الذي ينالون به كمال الأجر ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ الذين

стр. 171

عرفوا الحق، وهو في هذا الموضع علمهم بأنهم لله، وأنهم إليه راجعون، وعملوا به، وهو هنا: صبرهم لله (١). قال أمير المؤمنين عمر ﵁: ((نعم العدلان ونعمة العلاوة ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ فهذان العدلان، ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ فهذه العلاوة، وهي ما توضع بين العدلين، وهي زيادة في الحمل، فكذلك هؤلاء أعطوا ثوابهم وزيدوا أيضا)) (٢). ٢ - الاستعانة بالصبر من أسباب السعادة ، قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ﴾ (٣). ٣ - محبة الله للصابرين ، قال الله : ﴿وَالله يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ (٤). ٤ - معية الله للصابرين: قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ الله مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٥). ٥ - استحقاق دخول الجنة لمن صبر ، قال الله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا﴾ (٦). ٦ - الصابرون يوفون أجورهم بغير حساب ، فلا يوزن لهم، ولا يكال

стр. 172

لهم إنما يغرف لهم غرفا، وبدون عدٍّ ولا حدٍّ، ولا مقدار (١)، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٢). ٧ - جميع المصائب مكتوبة في اللوح المحفوظ ، من قبل أن يخلق الله الخليقة ويبرأ النسمة، وهذا أمر عظيم لا تحيط به العقول بل تذهل عنده أفئدة أولي الألباب، ولكنه على الله يسير (٣)، قال الله : ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى الله يَسِيرٌ * لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَالله لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (٤). ٨ - ما أصاب من مصيبة في النفس، والمال والولد، والأحباب، ونحوهم إلا بقضاء الله وقدره ، قد سبق بذلك علمه وجرى به قلمه، ونفذت به مشيئته، واقتضته حكمته، فإذا آمن العبد أنها من عند الله فرضي بذلك وسلم لأمره، فله الثواب الجزيل والأجر الجميل، في الدنيا والآخرة، ويهدي الله قلبه فيطمئن ولا ينزعج عند المصائب، ويرزقه الله الثبات عند ورودها، والقيام بموجب الصبر فيحصل له بذلك ثواب عاجل، مع ما يدخره الله له يوم الجزاء من الثواب (٥)، قال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلا بِإِذْنِ الله وَمَن يُؤْمِن بِالله يَهْدِ قَلْبَهُ وَالله بِكُلِّ

стр. 173

شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١)، قال علقمة عن عبد الله: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِالله يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ هو الرجل الذي أصابته مصيبة رضي بها وعرف أنها من الله)) (٢). وما أحسن ما قال ابن ناصر الدين الدمشقي رحمه الله تعالى: سبحان من يبتلي أناساً ... أحبَّهم والبلاءُ عطاءُ فاصبرْ لبلْوى وكن راضياً ... فإن هذا هو الدواءُ سلِّم إلى الله ما قضاه ... ويفعل الله ما يشاءُ (٣) ٩ – الله تعالى يجزي الصابرين بأحسن ما كانوا يعملون ، قال تعالى: ﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ الله بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (٤) قَسَمٌ من الرب تعالى مؤكَّدٌ باللام أنه يجازي الصابرين بأحسن أعمالهم: الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مائة ضعف إلى أضعاف كثيرة؛ فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً: أي ويتجاوز عن سيئاتهم (٥)، ولله دَرُّ أبي يعلى الموصلي القائل: إني رأيت وفي الأيام تجربة ... للصبر عاقبة محمودة الأثر وقلّ من جدَّ في أمره يحاوله ... واستصحب الصبر إلا فاز بالظفر (٦) ١٠ – ما يقال عند المصيبة والجزاء والثواب والأجر العظيم على ذلك،

стр. 174

فعن أم المؤمنين أم سلمة ﵂ أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، اللهم أْجُرْني في مصيبتي وأخلف لي خيراً منها إلا أجره الله في مصيبته واخلف له خيراً منها)) قالت أم سلمة، فلما توفي أبو سلمة ﵁ قلت كما أمرني رسول الله ﷺ ، فأخلف الله لي خيراً منه رسول الله ﷺ ، وفي لفظ: ((ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله: ((إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، اللهم أْجُرْني في مصيبتي وأخلِفْ لي خيراً منها ... )) الحديث (١). وفي لفظ ابن ماجه: ((إنَّا لله وإنا إليه راجعون، اللهم عندك أحتسب مصيبتي فأْجُرْني فيها وعوِّضني خيراً منها)) (٢). وحديث أبي موسى الأشعري عن النبي ﷺ أنه قال: ((إذا مات ولد العبد قال الله لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم، فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم، فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول: ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسمُّوه بيت الحمد)) (٣). قال ابن ناصر الدين رحمه الله تعالى: يجري القضاء وفيه الخير نافلة ... لمؤمن واثق بالله لا لاهي إن جاءه فرحٌ أو نابه ترحٌ ... في الحالتين يقول الحمد لله (٤) ١١ – الأجر العظيم والثواب الكثير والفوز بالجنة لمن مات حبيبه

стр. 175

المصافي فصبر وطلب الأجر من الله تعالى، فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: يقول الله تعالى: ((ما لعبدي المؤمن عندي جزاءٌ إذا قبضت صفيَّه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة)) (١)، قوله: ((جزاء)) أي ثواب وقوله: ((إذا قبضت صَفِيَّه))، وهو الحبيب المصافي: كالولد، والأخ، وكل ما يحبه الإنسان، والمراد بالقبض قبض روحه وهو الموت: ... وقوله: ((ثم احتسبه إلا الجنة)) والمراد: صبر على فقده راجياً من الله الأجر والثواب على ذلك. والاحتساب: طلب الأجر من الله تعالى خالصاً. ووجه الدلالة من هذا الحديث أن الصفي أعم من أن يكون ولداً أم غيره، وقد أفرد ورتب الثواب بالجنة لمن مات له فاحتسبه)) (٢). وسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول: ((صفيه: حبيبه: كولده، أو أبيه، أو أمه، أو زوجته)) (٣). ١٢ – أشد الناس بلاءً: الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل؛ لحديث مصعب بن سعد عن أبيه ﵁ قال: قلت: يا رسول الله أيُّ الناس أشدُّ بلاءً؟ قال: ((الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل: يُبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان في دينه صُلباً اشتدَّ بلاؤه، وإن كان في دينه رقّةٌ ابتلي على قدر دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة)) (٤).

стр. 176

أكثر وأصعب بلاء: أي محنة ومصيبة؛ لأنهم لو لم يبتلوا لتوهم فيهم الألوهية؛ وليتوهن على الأمة الصبر على البلية؛ ولأن من كان أشد بلاء كان أشد تضرعاً، والتجاء إلى الله تعالى، ((ثم الأمثل فالأمثل)) أي الفضلاء، والأشرف فالأشرف والأعلى فالأعلى رتبة ومنزلة، فكل من كان أقرب إلى الله يكون بلاؤه أشد؛ ليكون ثوابه أكثر، ((فإن كان في دينه صلباً)) أي قوياً شديدا ((اشتد بلاؤه)) أي كمية وكيفية، ((فما يبرح البلاء)) أي ما يفارق (١). ومما يزيد ذلك وضوحاً وتفسيراً، حديث أبي هريرة ﵁ يرفعه: ((إن الرجل ليكون له عند الله المنزلة فما يبلغها بعمل، فما يزال الله يبتليه بما يكره حتى يبلغه إياها)) (٢). ١٣ - من كان بلاؤه أكثر فثوابه وجزاؤه أعظم وأكمل ؛ لحديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((إن عِظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط)) (٣). المقصود الحث على الصبر على البلاء بعد وقوعه، لا الترغيب في طلبه

стр. 177

للنهي عنه، فمن رضي بما ابتلاه الله به فله الرضى منه تعالى وجزيل الثواب، ومن سَخِطَ: أي كره بلاء الله وفزع ولم يرض بقضائه تعالى، فله السخط منه تعالى وأليم العذاب، ومن يعمل سوءاً يُجز به (١). ولا شك أن الصبر ضياء كما قال النبي ﷺ : ((والصبر ضياء)) (٢). والضياء: هو النور الذي يحصل فيه نوع حرارة وإحراق كضياء الشمس بخلاف القمر، فإنه نور محض فيه إشراق بغير إحراق، ولما كان الصبر شاقّاً على النفوس يحتاج إلى مجاهدة النفس، وحبسها، وكفها عما تهواه، كان ضياءً (٣)؛ ولهذا والله أعلم يُوفَّى الصابرون أجرهم بغير حساب، بفضل الله . ١٤ - ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة حتى يلقى الله وما عليه خطيئة ؛ لأنها زالت بسبب البلاء (٤)؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة: في نفسه، وماله، وولده، حتى يلقى الله وما عليه خطيئة)) (٥). ١٥ - فضل من يموت له ولد فيحتسبه ، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من الناس مسلم يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث (٦)

стр. 178

إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم)) (١).والولد يشمل الذكر والأنثى. وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما تعدّون الرّقوب (٢) فيكم؟)) قال: قلنا: الذي لا يولد له. قال: ((ليس ذاك بالرقوب، ولكنه الرجل الذي لم يقدم من ولده شيئاً)) (٣). ١٦ - من مات له ثلاثة من الولد كانوا له حجاباً من النار؛ ودخل الجنة؛ لحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : ((من مات له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث كان له حجاباً من النار أو دخل الجنة)) (٤). وفي مسلم أنه قال لامرأة مات لها ثلاثة من الولد: ((لقد احتظرت بحظار شديد (٥) من النار)) (٦)؛ ولحديث عتبة بن عبدٍ ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ما من مسلم يموت له ثلاثة من الولد، لم يبلغوا الحنث إلا تلقَّوه من أبواب الجنة الثمانية من أيها شاء دخل)) (٧). ١٧ - من قدم اثنين من أولاده دخل الجنة ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن

стр. 179

رسول الله ﷺ قال لنسوة من الأنصار: ((لا يموت لإحداكن ثلاثة من الولد فتحتسبه إلا دخلت الجنة))، فقالت امرأة منهن: أو اثنين يا رسول الله؟ قال: ((أو اثنين)) (١)، قال النووي ﵀: ((وقد جاء في غير مسلم ((وواحد)) (٢). وعن أبي صالح ذكوان عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا سول الله، ذهب الرجال بحديثك فاجعل لنا من نفسك يوماً نأتيك فيه تعلمنا مما علمك الله، قال: ((اجتمعن يوم كذا وكذا))، فاجتمعن فأتاهن رسول الله ﷺ ، فعلّمهن مما علّمه الله قال: ((ما منكن من امرأة تقدم بين يديها من ولدها ثلاثة إلا كانوا لها حجاباً من النار)) فقالت امرأة: واثنين، واثنين، واثنين؟ فقال رسول الله ﷺ : ((واثنين، واثنين، واثنين)) (٣). ١٨ - من مات له واحد من أولاده فاحتسبه وصبر دخل الجنة ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: يقول الله تعالى: ((ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة)) (٤). قال الحافظ ابن حجر ﵀: ((وهذا يدخل فيه الواحد فما فوقه وهو أصح ما ورد في ذلك، وقوله: ((فاحتسب)) أي صبر راضياً

стр. 180

بقضاء الله راجياً فضله)) (١)، وذكر ابن حجر ﵀ أنه يدخل في ذلك حديث قرة بن إياس، وسيأتي في الحديث الآتي (٢). وسيأتي أيضاً حديث أبي موسى الأشعري ﵁ الذي فيه قوله ﷺ : ((ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد)) فهو يدل على أن من مات له ولد واحد دخل الجنة (٣). ١٩ - من مات له ولد فاحتسبه وجده ينتظره عند باب الجنة ، بفضل الله ورحمته؛ لحديث قرة بن إياس ﵁ أن رجلاً كان يأتي النبي ﷺ ومعه ابن له، فقال له النبي ﷺ : ((أتحبه؟)) فقال: يا رسول الله أحبك الله كما أحبه، ففقده النبي ﷺ ، فقال: ((ما فعل ابن فلان؟)) قالوا: يا رسول الله مات، فقال النبي ﷺ لأبيه: ((أما تحب أن لا تأتي باباً من أبواب الجنة إلا وجدته ينتظرك؟)) فقال رجل: يا رسول الله: أله خاصة أو لكلنا؟ فقال: ((بل لكلكم))، ولفظ النسائي: ((ما يسرك أن لا تأتي باباً من أبواب الجنة إلا وجدته عنده يسعى يفتح لك)) (٤). ٢٠ - المؤمن إذا مات ولده سواء كان ذكراً أو أنثى وصبر واحتسب وحمد الله على تدبيره وقضائه بنى الله له بيتاً في الجنة وسماه بيت الحمد؛
следующие страницы →