← Фикх общий

Фикх общий · id 96453

أحكام الجنائز

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (382 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

أكثر وأصعب بلاء: أي محنة ومصيبة؛ لأنهم لو لم يبتلوا لتوهم فيهم الألوهية؛ وليتوهن على الأمة الصبر على البلية؛ ولأن من كان أشد بلاء كان أشد تضرعاً، والتجاء إلى الله تعالى، ((ثم الأمثل فالأمثل)) أي الفضلاء، والأشرف فالأشرف والأعلى فالأعلى رتبة ومنزلة، فكل من كان أقرب إلى الله يكون بلاؤه أشد؛ ليكون ثوابه أكثر، ((فإن كان في دينه صلباً)) أي قوياً شديدا ((اشتد بلاؤه)) أي كمية وكيفية، ((فما يبرح البلاء)) أي ما يفارق (١). ومما يزيد ذلك وضوحاً وتفسيراً، حديث أبي هريرة ﵁ يرفعه: ((إن الرجل ليكون له عند الله المنزلة فما يبلغها بعمل، فما يزال الله يبتليه بما يكره حتى يبلغه إياها)) (٢). ١٣ - من كان بلاؤه أكثر فثوابه وجزاؤه أعظم وأكمل ؛ لحديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((إن عِظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط)) (٣). المقصود الحث على الصبر على البلاء بعد وقوعه، لا الترغيب في طلبه

стр. 177

للنهي عنه، فمن رضي بما ابتلاه الله به فله الرضى منه تعالى وجزيل الثواب، ومن سَخِطَ: أي كره بلاء الله وفزع ولم يرض بقضائه تعالى، فله السخط منه تعالى وأليم العذاب، ومن يعمل سوءاً يُجز به (١). ولا شك أن الصبر ضياء كما قال النبي ﷺ : ((والصبر ضياء)) (٢). والضياء: هو النور الذي يحصل فيه نوع حرارة وإحراق كضياء الشمس بخلاف القمر، فإنه نور محض فيه إشراق بغير إحراق، ولما كان الصبر شاقّاً على النفوس يحتاج إلى مجاهدة النفس، وحبسها، وكفها عما تهواه، كان ضياءً (٣)؛ ولهذا والله أعلم يُوفَّى الصابرون أجرهم بغير حساب، بفضل الله . ١٤ - ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة حتى يلقى الله وما عليه خطيئة ؛ لأنها زالت بسبب البلاء (٤)؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة: في نفسه، وماله، وولده، حتى يلقى الله وما عليه خطيئة)) (٥). ١٥ - فضل من يموت له ولد فيحتسبه ، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من الناس مسلم يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث (٦)

стр. 178

إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم)) (١).والولد يشمل الذكر والأنثى. وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما تعدّون الرّقوب (٢) فيكم؟)) قال: قلنا: الذي لا يولد له. قال: ((ليس ذاك بالرقوب، ولكنه الرجل الذي لم يقدم من ولده شيئاً)) (٣). ١٦ - من مات له ثلاثة من الولد كانوا له حجاباً من النار؛ ودخل الجنة؛ لحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : ((من مات له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث كان له حجاباً من النار أو دخل الجنة)) (٤). وفي مسلم أنه قال لامرأة مات لها ثلاثة من الولد: ((لقد احتظرت بحظار شديد (٥) من النار)) (٦)؛ ولحديث عتبة بن عبدٍ ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ما من مسلم يموت له ثلاثة من الولد، لم يبلغوا الحنث إلا تلقَّوه من أبواب الجنة الثمانية من أيها شاء دخل)) (٧). ١٧ - من قدم اثنين من أولاده دخل الجنة ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن

стр. 179

رسول الله ﷺ قال لنسوة من الأنصار: ((لا يموت لإحداكن ثلاثة من الولد فتحتسبه إلا دخلت الجنة))، فقالت امرأة منهن: أو اثنين يا رسول الله؟ قال: ((أو اثنين)) (١)، قال النووي ﵀: ((وقد جاء في غير مسلم ((وواحد)) (٢). وعن أبي صالح ذكوان عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا سول الله، ذهب الرجال بحديثك فاجعل لنا من نفسك يوماً نأتيك فيه تعلمنا مما علمك الله، قال: ((اجتمعن يوم كذا وكذا))، فاجتمعن فأتاهن رسول الله ﷺ ، فعلّمهن مما علّمه الله قال: ((ما منكن من امرأة تقدم بين يديها من ولدها ثلاثة إلا كانوا لها حجاباً من النار)) فقالت امرأة: واثنين، واثنين، واثنين؟ فقال رسول الله ﷺ : ((واثنين، واثنين، واثنين)) (٣). ١٨ - من مات له واحد من أولاده فاحتسبه وصبر دخل الجنة ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: يقول الله تعالى: ((ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة)) (٤). قال الحافظ ابن حجر ﵀: ((وهذا يدخل فيه الواحد فما فوقه وهو أصح ما ورد في ذلك، وقوله: ((فاحتسب)) أي صبر راضياً

стр. 180

بقضاء الله راجياً فضله)) (١)، وذكر ابن حجر ﵀ أنه يدخل في ذلك حديث قرة بن إياس، وسيأتي في الحديث الآتي (٢). وسيأتي أيضاً حديث أبي موسى الأشعري ﵁ الذي فيه قوله ﷺ : ((ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد)) فهو يدل على أن من مات له ولد واحد دخل الجنة (٣). ١٩ - من مات له ولد فاحتسبه وجده ينتظره عند باب الجنة ، بفضل الله ورحمته؛ لحديث قرة بن إياس ﵁ أن رجلاً كان يأتي النبي ﷺ ومعه ابن له، فقال له النبي ﷺ : ((أتحبه؟)) فقال: يا رسول الله أحبك الله كما أحبه، ففقده النبي ﷺ ، فقال: ((ما فعل ابن فلان؟)) قالوا: يا رسول الله مات، فقال النبي ﷺ لأبيه: ((أما تحب أن لا تأتي باباً من أبواب الجنة إلا وجدته ينتظرك؟)) فقال رجل: يا رسول الله: أله خاصة أو لكلنا؟ فقال: ((بل لكلكم))، ولفظ النسائي: ((ما يسرك أن لا تأتي باباً من أبواب الجنة إلا وجدته عنده يسعى يفتح لك)) (٤). ٢٠ - المؤمن إذا مات ولده سواء كان ذكراً أو أنثى وصبر واحتسب وحمد الله على تدبيره وقضائه بنى الله له بيتاً في الجنة وسماه بيت الحمد؛

стр. 181

لحديث أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا مات ولد العبد، قال الله لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم، فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم، فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله: ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد)) (١). وعن أبي سلمى راعي رسول الله ﷺ ((بخ بخ - وأشار بيده لخمس - ما أثقلهن في الميزان: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، والولد الصالح يتوفى للمرء المسلم فيحتسبه)) (٢). ٢١ - السقط يجرُّ أمَّه بسرره إلى الجنة ؛ لحديث معاذ بن جبل ﵁ عن النبي ﷺ : قال: ((والذي نفسي بيده إن السقط ليجرُّ أُمَّهُ بسَرَرِه إلى الجنة إذا احتسبته)) (٣). ٢٢ - ومما يشرح صدر المسلم ويبرِّد حرَّ مصيبته أن أولاد المسلمين في الجنة، قال الإمام النووي ﵀ بعد أن ساق الأحاديث في فضل من يموت له ولد فيحتسبه: ((وفي هذه الأحاديث دليل على كون أطفال المسلمين في الجنة، وقد نقل جماعة فيهم إجماع المسلمين))، ونقل عن المازري قوله: ((ونقل جماعة الإجماع في كونهم من أهل الجنة قطعاً؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا

стр. 182

أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ﴾ (١) (٢). ويدل عليه حديث أبي هريرة أن أولاد المسلمين في الجنة، ((وأن أحدهم يلقى أباه فيأخذ بثوبه أو بيده فلا يتركه حتى يدخله الله وأباه أو قال: أبويه الجنة)) (٣). وسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول: ((أجمع المسلمون على أن أولاد المسلمين في الجنة، أما أولاد الكفار ففيهم خلاف، وأصح ما قيل فيهم أنهم يمتحنون يوم القيامة، أو هم من أهل الجنة بدون امتحان وهو أصح)) (٤). وهو الصواب (٥)؛ لحديث سمرة بن جندب ﵁ في الحديث الطويل وفيه: ((وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم، وأما الولدان الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة)) فقال بعض المسلمين: يا رسول الله: وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله ﷺ : ((وأولاد المشركين)) (٦). ٢٣ - من تصبّر ودرّب نفسه على الصبر صبَّره الله وأعانه وسدّده ؛ لحديث أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ ، وفيه: ((ومن يستعفف يعفّه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبَّر يصبّره الله، وما أعطي أحدٌ عطاءً خيراً وأوسع من الصبر)) (٧).

стр. 183

٢٤ - من أراد الله به خيراً أصابه بالمصائب ؛ ليثيبه عليها (١)؛لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من يُرد الله به خيراً يُصِبْ منه)) (٢).وسمعت شيخنا عبدالعزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: ((أي بالمصائب بأنواعها، وحتى يتذكر فيتوب، ويرجع إلى ربه)) (٣). ٢٥ - أمر المؤمن كله خير في السراء والضراء ، وفي الشدة والرخاء؛ لحديث صهيب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سرَّاءُ شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراءُ صبر فكان خيراً له)) (٤). ٢٦ - المصيبة تحطُّ الخطايا حطّاً كما تحطّ الشجرة ورقها؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفَّر الله بها عنه حتى الشوكة يشاكها)) (٥). وعن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حط الله به سيئاته كما تحطُّ الشجرة ورقها)) (٦). وعن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((ما يُصيب

стр. 184

المؤمن من نصب، ولا وصب، ولا همّ، ولا حزن، ولا أذى، ولا غمٍّ حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه)) (١)، وفي لفظ: ((ما يصيب المؤمن من وَصَب (٢)، ولا نَصَب (٣)، ولا سَقم ... )). ٢٧ - يجتهد المسلم في استكمال شروط الصبر التي إذا عمل بها المسلم المصاب حصل على الثواب العظيم والأجر الجزيل، وتتلخص هذه الشروط في ثلاثة أمور: الشرط الأول: الإخلاص لله في الصبر ؛ لقول الله : ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ (٤)، ولقوله في صفات أصحاب العقول السليمة: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ (٥)، وهذا هو الإخلاص في الصبر المبرأ من شوائب الرياء وحظوظ النفس. الشرط الثاني: عدم شكوى الله تعالى إلى العباد ؛ لأن ذلك ينافي الصبر ويخرجه إلى السخط والجزع؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((قال الله تعالى: إذا ابتليت عبدي المؤمن ولم يشكني إلى عوّاده أطلقته من إساري، ثم أبدلته لحماً خيراً من لحمه، ودماً خيراً من دمه، ثم يستأنف العمل)) (٦).

стр. 185

والله در الشاعر الحكيم حيث قال: وإذا عرتك بليّة فاصبر لها ... صبر الكريم فإنه بك أعلم وإذا شكوت إلى ابن آدم إنما ... تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم (١) الشرط الثالث: أن يكون الصبر في أوانه ولا يكون بعد انتهاء زمانه؛ لحديث أنس بن مالك ﵁ قال: مرَّ النبي ﷺ بامرأة تبكي عند قبر فقال: ((اتقي الله واصبري)) [فقالت]: إليك عنِّي فإنك لم تصب بمصيبتي، ولم تعرفه، فقيل لها: إنه النبي، فأتت باب النبي ﷺ فلم تجد عنده بوابين، فقالت: لم أعرفك، فقال: ((إنما الصبر عند الصدمة الأولى)) (٢).أي الصبر الكامل الذي يترتب عليه الأجر الجزيل؛ لكثرة المشقة فيه، وأصل الصدم الضرب في شيء صلب، ثم استعمل مجازاً في كل مكروه حصل بغتة (٣). ٢٨ - أمور لا تنافي الصبر ولا بأس بها ومنها: الأمر الأول: الشكوى إلى الله تعالى ؛ فالتضرع إليه ودعاؤه في أوقات الشدة عبادة عظيمة، فإن الله أخبر عن يعقوب بقوله: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَالله الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ (٤). وقال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى الله أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ

стр. 186

الْحَكِيمُ﴾ (١). وقال: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى الله وَأَعْلَمُ مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (٢). وأيوب ﵊ أخبر الله عنه ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (٣). وقال الله تعالى عنه: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ (٤)، فإذا أصاب العبد مصيبة فأنزلها بالله وطلب كشفها منه فلا ينافي الصبر (٥). الأمر الثاني: الحزن ودمع العين ؛ فإن ذلك قد حصل لأكمل الخلق نبينا محمد بن عبد الله ﷺ ؛ لحديث أنس ﵁ قال: دخلنا مع رسول الله ﷺ على أبي سيف القين (٦) - وكان ظئراً (٧) لإبراهيم ﵇ - فأخذ رسول الله ﷺ إبراهيم فقبَّله وشمَّهُ، ثم دخلنا عليه بعد ذلك وإبراهيم يجود بنفسه (٨)، فجعلت عينا رسول الله ﷺ تذرفان (٩)، فقال له عبد الرحمن بن عوف ﵁: وأنت يا رسول

стр. 187

الله (١)؟ فقال: ((يا ابن عوف إنها رحمة)) ثم أتبعها بأخرى (٢)، فقال: ((إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يَرْضَى ربُّنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون)) (٣).قال الحافظ ابن حجر ﵀: ((ووقع في حديث عبد الرحمن بن عوف نفسه: ((فقلت: يا رسول الله تبكي أو لم تنه عن البكاء؟ وزاد فيه: ((إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند نغمة لهوٍ ولعبٍ ومزامير الشيطان، وصوت عند مصيبة: خمش وجوه، وشق جيوب، ورنة شيطان)). قال: ((إنما هذه رحمة، ومن لا يَرحم لا يُرحم)) (٤). وقال الحافظ ابن حجر ﵀: ((هذا الحديث يفسِّر البكاء المباح، والحزن الجائز، وهو ما كان بدمع العين، ورقة القلب من غير سخط لأمر الله، وهو أبين شيء وقع في هذا المعنى، وفيه مشروعية تقبيل الولد وشمه، ومشروعية الرضاع، وعيادة الصغير، والحضور عند المحتضر، ورحمة العيال، وجواز الإخبار عن الحزن وإن كان الكتمان أولى، وفيه وقوع الخطاب للغير وإرادة غيره بذلك، وكل منهما مأخوذ من مخاطبة النبي ﷺ ولده مع أنه في تلك الحالة لم يكن ممن يفهم الخطاب لوجهين:

стр. 188

أحدهما: صغره، والثاني نزاعه. وإنما أراد بالخطاب غيره من الحاضرين إشارة إلى أن ذلك لم يدخل في نهيه السابق، وفيه جواز الاعتراض على من خالف فعله ظاهر قوله؛ ليظهر الفرق)) (١). وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: ((اشتكى سعد بن عبادة شكوى له فأتاه النبي [ ﷺ ] يعوده مع عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود ﵃، فلما دخل عليه فوجده في غاشية أهله (٢) فقال: ((قد قضى؟)) قالوا: لا يا رسول الله، فبكى النبي ﷺ ، فلما رأى القوم بكاء النبي ﷺ بَكَوْا، فقال: ((ألا تسمعون؟ إن الله لا يعذِّبُ بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا (٣) – وأشار إلى لسانه – أو يرحم (٤)، وإن الميت يعذَّب ببكاء أهله عليه)) (٥)، وكان عمر ﵁ يضرب فيه بالعصا، ويرمي بالحجارة، ويحثي بالتراب)) (٦). قال الحافظ ابن حجر ﵀: ((في هذا إشعار بأن هذه القصة كانت بعد قصة إبراهيم ابن النبي ﷺ ؛ لأن عبد الرحمن بن عوف كان معهم في هذه

стр. 189

ولم يعترضه بمثل ما اعترض به هناك، فدل على أنه تقرر عنده العلم بأن مجرد البكاء بدمع العين من غير زيادة على ذلك لا يضر)) (١). وفي حديث أسامة بن زيد ﵁ في قصة لصبي لإحدى بنات رسول الله ﷺ حينما قال النبي ﷺ لرسول ابنته: ((ارجع إليها فأخبرها: إن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فمرها فلتصبرْ ولتحتسب)) فأرسلتْ إلى رسول الله ﷺ وأقسمت عليه أن يحضر، فقام النبي ﷺ وقام معه سعد بن عبادة، ومعاذ بن جبل، وأسامة معهم، وحينما رفع الصبي للنبي ﷺ وهو في النزع، فاضت عيناه، فقال له سعد: ما هذا يا رسول الله؟ قال: ((هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء)) (٢). وقد روى أنس بن مالك ﵁ قال: ((شهدنا بنتاً لرسول الله ﷺ ، قال: ورسول الله ﷺ جالس على القبر، قال: فرأيت عينيه تدمعان)) (٣). ٢٩ - الأمور التي تعين على الصبر على المصيبة بفقد الأحباب كثيرة منها ما يأتي: الأمر الأول: معرفة جزاء المصيبة وثوابها وهذا من أعظم العلاج الذي يبرد حرارة المصيبة، وتقدمت الأدلة على ذلك. الأمر الثاني: العلم بتكفيرها للسيئات وحطها كما تحط الشجرة ورقها (٤).

стр. 190

الأمر الثالث: الإيمان بالقدر السابق بها وأنها مقدرة في أم الكتاب كما تقدم. الأمر الرابع: معرفة حق الله في تلك البلوى ، فعليه الصبر والرضا، والحمد والاسترجاع والاحتساب. الأمر الخامس: أن يعلم أن الله قد ارتضاها له واختارها وقسمها، وأن العبودية تقتضي رضاه بما رضي له به سيده ومولاه، فإن لم يوفِ قدر المقام حقه فهو لضعفه، فلينزل إلى مقام الصبر عليها، فإن نزل عنه نزل إلى مقام الظلم وتعدي الحق. الأمر السادس: العلم بترتبها عليه بذنبه ، فإن لم يكن له ذنب كالأنبياء والرسل فلرفع درجاته. الأمر السابع: أن يعلم أن هذه المصيبة دواء نافع ساقه إليه العليم بمصلحته الرحيم به، فليصبر ولا يسخط ولا يشكو إلى غير الله فيذهب نفعه باطلاً. الأمر الثامن: أن يعلم أن عاقبة هذا الدواء: من الشفاء والعافية والصحة وزوال الآلام ما لم تحصل بدونه، قال الله تعالى: ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَالله يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (١). وقال : ﴿فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ الله فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (٢). الأمر التاسع: أن يعلم أن المصيبة ما جاءت لتهلكه وتقتله، وإنما

стр. 191

جاءت لتمتحن صبره وتبتليه، فيتبين حينئذ: هل يصلح لاستخدامه وجعله من أوليائه وحزبه أم لا؟ وفضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. الأمر العاشر: أن يعلم أن الله يربي عبده على السراء والضراء ، والنعمة والبلاء، فيستخرج منه عبوديته في جميع الأحوال (١). الأمر الحادي عشر: معرفة طبيعة الحياة الدنيا على حقيقتها؛ فهي ليست جنة نعيم ولا دار مقام إنما ممر ابتلاء وتكليف؛ لذلك فالكيِّس الفطن لا يفجأ بكوارثها، ولله دَرُّ القائل: إن لله عباداً فطنا ... طلَّقوا الدنيا وخافوا الفتنا نظروا فيها فلما علموا ... أنها ليست لحيٍّ وطنا جعلوها لجةً واتخذوا ... صالح الأعمال فيها سفنا فالحياة الدنيا لا تستقيم على حال ولا يقر لها قرار، فيوم لك ويوم آخر عليك، قال الله تعالى: ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ الله الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَالله لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (٢). وقد أحسن أبو البقاء الرندي القائل: لكل شيء إذا ما تم نقصانُ ... فلا يغر بطيب العيش إنسانُ

стр. 192

هي الأيام كما شاهدتها دول ... فمن سره زمن ساءته أزمان (١) الأمر الثاني عشر: معرفة الإنسان نفسه ؛ فإن الله هو الذي منح الإنسان الحياة فخلقه من عدم إلى وجود، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة، فهو ملك لله أولاً وآخراً، وصدق لبيد بن ربيعة ﵁ القائل: وما المال والأهلون إلا ودائعُ ... ولابد يوماً أن تُرَدَّ الودائعُ الأمر الثالث عشر: اليقين بالفرج ، فنصر الله قريب من المحسنين، وبعد الضيق سعة، ومع العسر يسرٌ؛ لأن الله وعد بهذا ولا يخلف الميعاد، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٢). وقد أحسن القائل: ولرب نازلة يضيق بها الفتى ... ذرْعاً وعند الله منها المخرجُ ضاقت فلما استحكمت ... حلقاتها فُرجت وكنت أظنها لا تفرجُ وقد وعد الله بحسن العوض عما فات؛ فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً كما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي الله مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ * الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (٣). ولله دَرُّ القائل:

стр. 193

وكل كسر فإن الله يجبره ... وما لكسر قناة الدين جبران (١) الأمر الرابع عشر: الاستعانة بالله فما على العبد إلا أن يستعين بربه أن يعينه، ويجبر مصيبته، قال تعالى: ﴿اسْتَعِينُوا بِالله وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِله يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٢)، ومن كانت معية الله معه فهو حقيق أن يتحمل ويصبر على الأذى. الأمر الخامس عشر: التأسي بأهل الصبر والعزائم، فالتأمل في سير الصابرين وما لاقوه من ألوان الابتلاء والشدائد يعين على الصبر ويطفئ نار المصيبة ببرد التأسي، قال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ﴾ (٣). الأمر السادس عشر: استصغار المصيبة ، قال النبي ﷺ : ((يا أيها الناس أيما أحدٍ من الناس أو من المؤمنين أصيب بمصيبة فليتعزَّ بمصيبته بي عن المصيبة التي تصيبه بغيري، فإن أحداً من أمتي لن يصاب بمصيبة بعدي أشد عليه من مصيبتي)) (٤).

стр. 194

وكتب بعض العقلاء إلى أخ له يعزيه عن ابن له يقال له: محمد، فنظم الحديث الآنف شعراً فقال: اصبر لكل مصيبة وتجلد ... واعلم أن المرء غير مخلد (١) وإذا ذكرت محمداً ومصابَهُ ... فاذكر مصابك بالنبي محمد الأمر السابع عشر: العلم أن المصيبة في غير الدين أهون وأيسر عند المؤمن، ولله دَرُّ القائل: وكل كسر فإن الله يجبره ... وما لكسر قناة الدين جبران وذكر أن امرأة من العرب مرت بابنين لها وقد قتلوا فقالت: الحمد لله رب العالمين، ثم قالت: وكل بلوى تصيب المرء عافية ... ما يُصَبْ يوماً يلقى الله في النار (٢) الأمر الثامن عشر: العلم بأن الدنيا فانية وزائلة ، وكل ما فيها يتغير ويزول؛ لأنها إلى الآخرة طريق، وهي مزرعة للآخرة على التحقيق، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة: أما الأدلة من الكتاب: ١ - فقال الله تعالى: ﴿وَلَوْلا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكئوُونَ * وَزُخْرُفًا وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٣).

стр. 195

٢ – وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١). ٣ – وقال : ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا﴾ (٢). ٤ – وقال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِندَ الله خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (٣). ٥ – وقال تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٤). ٦ – وقال تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٥). ٧ – وقال الله تعالى: ﴿فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِندَ الله خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (٦).

стр. 196

٨ - وقال سبحانه: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ (١). ٩ - وقال الله : ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (٢). ١٠ - وقال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ الله وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (٣). ١١ - وقال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ *وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ (٤). ١٢ - وقال تعالى ذاكراً لقول مؤمن آل فرعون: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ (٥). وأما الأدلة من السنة المطهرة ، فقد زهَّد النبي ﷺ الناس في الدنيا، ورغَّبهم في الآخرة، بفعله وقوله ﷺ . ١ - أما فعله فمنه حديث عائشة ﵂ قالت: ((خرج النبي ﷺ من الدنيا ولم يشبع من خبر الشعير)) (٦).

стр. 197

٢ – وقالت: ((ما أكل آل محمد أكلتين في يوم إلا إحداهما تمر)) (١). ٣ – وقالت: ((إنا كنا لننظر إلى الهلال ثلاثة أهلة في شهرين وما أُوقِدت في أبيات رسول الله ﷺ نارٌ، فقال عروة: ما كان يقيتكم؟ قالت: الأسودان: التمر والماء)) (٢). ٤ – وقال ﷺ : ((لو كان لي مثل أُحد ذهباً ما يسرني أن لا يمر عليَّ ثلاث وعندي منه شيء إلا أرصُدُهُ لدَيْن)) (٣). ٥ – وقد ثبت عنه ﷺ أنه اضطجع على حصير فأثَّر في جنبه، فدخل عليه عمر بن الخطاب ﵁، ولما استيقظ جعل يمسح جنبه فقال: يا رسول الله لو أخذت فراشاً أَوْثَرَ من هذا؟ فقال ﷺ : ((ما لي وللدنيا، ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار ثم راح وتركها)) (٤). ٦ – وقال أبو هريرة ﵁: ((ما شبع آل محمد من طعام ثلاثة أيام حتى قُبض)) (٥). والمقصود أنهم لم يشبعوا ثلاثة أيام متوالية، والظاهر أن سبب عدم شبعهم غالباً كان بسبب قلة الشيء عندهم، على أنهم قد يجدون

стр. 198

ولكن يؤثرون على أنفسهم (١). ٧ – وعن عائشة ﵂ قالت: ((كان فراش رسول الله ﷺ من أَدَم وحشوُهُ ليف)) (٢). ٨ – ومع هذا كان يقول ﷺ : ((اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً)) (٣). ٩ – وقال ﷺ : ((قد أفلح من أسلم، ورُزِق كفافاً، وقنَّعَهُ الله بما آتاه)) (٤). وأما قوله في التزهيد في الدنيا والتحذير من الاغترار بها، فكثير، ومنه: ١٠ – حديث مطرِّف عن أبيه ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ وهو يقرأ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ قال: ((يقول ابن آدم: مالي، مالي، وهل لك من مالك يا ابن آدم إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت أمضيت)) (٥). ١١ – وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((يقول العبد: مالي مالي إنما له من ماله ثلاث: ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو أعطى فاقتنى، [و] ما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس)) (٦). ١٢ – وقال النبي ﷺ مرة لأصحابه ((أيكم مال وراثه أحب إليه من ماله؟))

стр. 199

قالوا: يا رسول الله ما منا أحد إلا ماله أحب إليه. قال: ((فإن ماله ما قدم ومال وارثه ما أخر)) (١). ١٣ - ودخل النبي ﷺ السوق يوماً فمرَّ بجدي صغير الأذنين ميت، فأخذه بأذنه ثم قال: ((أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟)) قالوا: ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟ قال: ((أتحبون أنه لكم؟)) قالوا: والله لو كان حياً كان عيباً فيه؛ لأنه أسكُّ (٢)، فكيف وهو ميت؟ فقال: ((فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم)) (٣). ١٤ - وعن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء)) (٤). والدنيا مذمومة إذا لم تستخدم في طاعة الله : ١٥ - فعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ألا إن الدنيا ملعونةٌ، ملعون ما فيها إلا ذكرُ الله، وما والاهُ، وعالمٌ، أو متعلمٌ)) (٥)، وهذا يؤكد أن الدنيا مذمومة، مبغوضة من الله وما فيها، مبعدة من رحمة

стр. 200

الله إلا ما كان طاعة لله ؛ ولِهوانها على الله لم يبلِّغ رسوله ﷺ فيها وهو أحب الخلق إليه. ١٦ – فقد مات ودرعه مرهونة عند يهودي في ثلاثين صاعاً من شعير (١). وقوله: ((وما والاه)) أي ما يحبه الله من أعمال البر، وأفعال القرب، وهذا يحتوي على جميع الخيرات، والفاضلات، ومستحسنات الشرع، وقوله: ((وعالم أو متعلم)) العالم والمتعلم: العلماء بالله، الجامعون بين العلم والعمل، فيخرج منه الجهلاء، والعالم الذي لم يعمل بعلمه، ومن يعلم علم الفضول، وما لا يتعلق بالدين. والرفع في ((عالم أو متعلم)) على التأويل: كأنه قيل: الدنيا مذمومة لا يحمدُ مما فيها ((إلا ذكر الله وما والاه، وعالم أو متعلم)) (٢)، فإذا رأى العاقل من ينافسه في الدنيا فعليه أن ينصحه ويحذره وينافسه في الآخرة (٣). ١٧ – وفي قصة أبي عبيدة ﵁ عندما قدم بمال من البحرين فجاءت الأنصار وحضروا مع رسول الله ﷺ صلاة الصبح، فلمَّا صلى بهم الفجر، تعرَّضوا له، فتبسَّم حين رآهم وقال: ((أظنكم قد سمعتم أن أبا عبيدة قد جاء بشيء؟)) قالوا: أجل يا رسول الله، قال: ((فأبشروا، وأمِّلوا ما يسرُّكم، فوالله لا الفقرَ أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تُبسط

стр. 201

عليكم الدنيا كما بُسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم))، وفي رواية: ((وتلهيكم كما ألهتهم)) (١). ١٨ – وفي حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ : ((إن أكثر ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من بركات الأرض)) قيل: وما بركات الأرض؟ قال: ((زهرة الدنيا))، ثم قال: ((إن هذا المال خَضِرَة حلوة ... من أخذه بحقه ووضعه في حقه فنعم المعونة هو، ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع [ويكون عليه شهيداً يوم القيامة])) (٢). ١٩ – وقال خبَّاب ﵁: ((إن المسلم يؤجر في كل شيء ينفقه إلا في شيء يجعله في هذا التراب)) (٣). قال الحافظ ابن حجر ﵀: ((أي الذي يوضع في البنيان، وهو محمول على ما زاد على الحاجة)) (٤). وذكر ﵀ آثاراً كثيرة في ذم البنيان ثم قال: ((وهذا كله محمول على ما لا تمس الحاجة إليه مما لابد منه للتوطن وما يقي البرد والحر)) (٥). والمسلم إذا لم يجعل الدنيا أكبر همه وفقه الله وأعانه.

стр. 202

٢٠ – فعن معقل بن ياسر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((يقول ربكم ﵎: يا ابن آدم تفرَّغ لعبادتي أملأ قلبك غنىً وأملأ يديك رزقاً، يا ابن آدم لا تباعد عني فأملأ قلبك فقراً وأملأ يديك شغلاً)) (١). ٢١ – وفي حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((إن الله تعالى يقول: يا ابن آدم تفرَّغ لعبادتي أملأ صدرك غنىً وأسدُّ فقرك، وإن لم تفعل ملأت يديك شغلاً ولم أسدَّ فقرك)) (٢). قال ذلك عندما تلا: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ﴾ (٣). ولاشك أن كل عمل صالح يُبتغى به وجه الله فهو عبادة، بل وحتى الأعمال المباحة. ٢٢ – وعن زيد بن ثابت ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من كانت الدنيا همَّه فرَّق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيته جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة)) (٤).

стр. 203

٢٣ - وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه؛ جعل الله فقره بين عينيه، وفرَّق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قُدِّر له)) (١). ٢٤ - وعن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((من أحب دنياه أضرَّ بآخرته، ومن أحب آخرته أضر بدنياه، فآثروا ما يبقى على ما يفنى)) (٢). ٢٥ - وعن أبي موسى الأشعري ﵁ أنه لما حضرته الوفاة قال: يا معشر الأشعريين ليُبلِّغِ الشاهد الغائب، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((حلاوة الدنيا مرةُ الآخرة، ومرةُ الدنيا حلاوة الآخرة)) (٣). الأمر التاسع عشر: العلم بأن الله تعالى يجمع بين المؤمن وذريته ، ووالديه وأهله، ومن يحب في الجنة، وهذا الاجتماع الذي لا فراق بعده؛ لقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ﴾ (٤)، قال الإمام ابن كثير ﵀: ((يخبر الله

стр. 204

تعالى عن فضله وكرمه، وامتنانه، ولطفه بخلقه، وإحسانه: أن المؤمنين إذا اتبعتهم ذريتهم في الإيمان يُلحقهم بآبائهم في المنزلة وإن لم يبلغوا عملهم؛ لتقر أعين الآباء بالأبناء عندهم في منازلهم، فيجمع بينهم على أحسن الوجوه بأن يرفع الناقص العمل بكامل العمل ولا ينقص ذلك من عمله ومنزلته، للتساوي بينه وبين ذلك)) (١). وهذا فضله تعالى على الأولاد ببركة عمل الآباء، وأما فضله على الآباء ببركة دعاء الأولاد فثبت في حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة فيقول: يا رب أنَّى لي هذه؟ فيقول: باستغفار ولدك لك)) (٢)، قال العلامة السعدي ﵀: ((وهذا من تمام نعيم أهل الجنة أن ألحق الله بهم ذريتهم الذين اتبعوهم بإيمان: أي الذين لحقوهم بالإيمان الصادر من آبائهم فصارت الذرية تبعاً لهم بالإيمان، ومن باب أولى إذا تبعتهم ذريتهم بإيمانهم الصادر منهم أنفسهم، فهؤلاء المذكورون يُلحقهم الله بمنازل آبائهم في الجنة وإن لم يبلغوها جزاء لآبائهم وزيادة في ثوابهم، ومع ذلك لا ينقص الله الآباء من أعمالهم شيئاً)) (٣).وهذا هو الفوز العظيم. نسأل الله تعالى أن يجمعنا في الفردوس الأعلى مع آبائنا، وذرياتنا، وأزواجنا، وجميع أهلينا، وأحبابنا إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير. ولاشك أن من فارق ذريته وأهله، وأحبابه في الآخرة فقد خسر

стр. 205

خسراناً مبيناً، كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ (١)، أي تفارقوا فلا التقاء لهم أبداً، وسواء ذهب أهلوهم إلى الجنة وقد ذهبوا هم إلى النار، أو أن الجميع أسكنوا النار ولكن لا اجتماع لهم ولا سرور، وهذا هو الخسران المبين الظاهر الواضح)) (٢). وقال الله : ﴿وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِن وَلِيٍّ مِّن بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ * وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُّقِيمٍ﴾ (٣)، قال الإمام ابن كثير ﵀: ((أي ذُهِبَ بهم إلى النار فعدموا لذتهم في دار الأبد، وخسروا أنفسهم، وفُرِّق بينهم وبين أحبابهم، وأصحابهم، وأهاليهم، وقراباتهم فخسروهم)) (٤). وقَدْ ذُكِرَ أن بعض الصالحين مات له ابن فجزع عليه جزعاً شديداً، حتى امتنع عن الطعام والشراب، فبلغ ذلك الإمام محمد بن إدريس الشافعي، فكتب إليه، ومما كتب إليه: إني معزِّيك لا أنِّي على ثقةٍ ... من الحياة ولكن سنة الدين فما المعزَّى بباقٍ بعد ميته ... ولا المعزِّي ولو عاشا إلى حين (٥)

стр. 206

الرابع عشر: غسل الميت يراعى في تغسيل الميت الأمور الآتية: الأمر الأول: معرفة العلامات التي تدل على خروج الروح بالموت (١). ١ - شخوص البصر: أي انفتاحه ؛ لحديث أمِّ سلمة ﵂ قالت: دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة وقد شق بصره، فأغمضه، ثم قال: ((إن الروح إذا قبض تبعه البصر)) (٢). ٢ - انخساف الصدغين ؛ لارتخاء الفك السفلي؛ ولارتخاء الأعضاء عموماً. ٣ - ميل الأنف إلى اليمين أو الشمال . ٤ - انفصال الكفين ؛ لاسترخاء عصب اليد فتبقى كأنها منفصلة. ٥ - استرخاء الرجلين ، فتلين وتسترسل بعد خروج الروح؛ لصلابتها قبله. ٦ - سكون القلب ووقوف ضرباته تماماً . ٧ - امتداد جلدة الوجه أحياناً (٣) (٤).

стр. 207

ويُغني عن ذلك كله شهادة الأطباء الثقات بأن فلاناً قد مات وخرجت روحه من جسده تماماً بلا شك ولا ريب. الأمر الثاني: آدابٌ يحتاج إليها الميت عقب موته ، من أهمها: ١ - تغميض عينيه ؛ لحديث أمِّ سلمة ﵂ (١). ٢ - يُدعى له ؛ لحديث أمِّ سلمة السابق، فيقال: ((اللهم اغفر لفلان [باسمه] وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح له في قبره ونوِّر له فيه)) (٢). ٣ - شد لحييه ؛ لإقفال فمه، قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((ويستحب شدُّ لحييه بعصابة عريضة يربطها من فوق رأسه؛ لأن الميت إذا كان مفتوح العينين والفم فلم يغمض حتى يبرد، بقي مفتوحاً فيقبح منظره، ولا يؤمن دخول الهوام فيه، والماء في وقت غسله)) (٣) (٤)، ومعلوم أنه بعد أن يبرد تبقى العينان مغمضتين والفم مغلقاً، فيحسن منظره. ٤ - تليين مفاصله ، مفاصل اليدين، والرجلين، وهو أن يرد ذراعيه

стр. 208

إلى عضديه، وعضديه إلى جنبيه، ثم يردهما، ويرد ساقيه إلى فخذيه، وفخذيه إلى بطنه، ثم يردهما؛ ليكون ذلك أبقى للينه، فيكون ذلك أمكن للغاسل: من غسله، وتكفينه، وتمديده، وخلع ثيابه، وهذه الصفة تستحب في موضعين: عقب موته قبل قسوتها ببرودته، وإذا شُرِعَ في غسله، وإن شق ذلك لقسوة عظام الميت أو غيرها تركه؛ لأنه لا يؤمن أن تنكسر أعضاؤه ويصير به ذلك إلى المثلة (١). ٥ - تخلع ثيابه ويستر بثوب يكون شاملاً للبدن كله ، أما خلع الثياب؛ فلقول الصحابة ﵃ حينما مات رسول الله ﷺ ، قالت عائشة ﵂: لما أرادوا غسل النبي ﷺ قالوا: والله ما ندري أنجرِّدُ رسول الله ﷺ كما نجرِّدُ موتانا؟ أم نغسله وعليه ثيابه؟ فلما اختلفوا، ألقى الله عليهم النوم، حتى ما منهم رجل إلا وذَقْنُهُ في صدره، ثم كلمهم مكلم من ناحية البيت، لا يدرون من هُوَ: أن اغسلوا النبي ﷺ وعليه ثيابه، فقاموا إلى رسول الله ﷺ فغسلوه وعليه قميصُهُ، يصبون الماء فوق القميص، ويدلكونه بالقميص دون أيديهم، وكانت عائشة تقول: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسله إلا نساؤه)) (٢). قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((ويستحب خلع ثياب الميت؛ لئلا يخرج منه شيء يفسُدُ به، ويتلوث بها إذا نزعت عنه ... )) (٣).

стр. 209

وأما ستره بثوب يغطي جميع بدنه؛ فلحديث عائشة ﵂، قالت: ((سُجِّي رسول الله ﷺ حين مات بثوب حَبِرةٍ)) (١)،إلا المحرم، فلا يغطى رأسه ولا وجهه؛ لحديث ابن عباس ﵄، وفيه: ((ولا تخمِّروا رأسه ولا وجهه ... )) (٢). ٦ - يوضع على بطنه شيء ثقيل ، ليمنع انتفاخه إذا لم يعجل بتغسيله، قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((ويُجعل على بطنه شيء من الحديد كمرآة أو غيرها؛ لئلا ينتفخ بطنه ... )) (٣). وقد ورد ذلك في بعض الآثار عن أنس ﵁، وعن الشعبي ﵀ (٤)، ولكن إذا أُسرع بالجنازة في تجهيزها، أو وُضعت في ثلاجة وأُمِنَ من انتفاخ البطن فلا داعي لذلك (٥). ٧ - يُجعل على سرير غسله أو لوح ؛ لأنه أحفظ له، ولا يُترك على الأرض؛ لئلا يُسرع إليه التغير، ويجعل منحدراً نحو رجليه (٦)، قال الإمام البيهقي ﵀، عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: ((لما فُرغَ من جهاز

стр. 210

رسول الله ﷺ يوم الثلاثاء وُضِعَ على سريره في بيته ﷺ )) (١). الأمر الثالث: الإسراع بتجهيزه ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((أسرعوا بالجنازة فإن تكُ صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن تكُ سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم)) (٢)؛ ولحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا وُضعت الجنازة فاحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت: قدِّموني قدِّموني، وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها أين تذهبون بها؟ يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعها الإنسان لصعق)) (٣). الأمر الرابع: معرفة الفضل والأجر العظيم، لمن تولَّى غسل الميت المسلم ، وستر عليه ما يكره، وأخلص في ذلك ابتغاء وجه الله تعالى، لا يريد به جزاء ولا شكوراً إلا من الله ، ولا يريد شيئاً من أمور الدنيا؛ لحديث أبي رافع ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من غسل مسلماً فكتم عليه، غفر الله له أربعين مرة، ومن حفر له فأجنه أُجريَ عليه كأجر مسكن أسكنه إياه إلى يوم القيامة، ومن كفّنه كساه الله يوم القيامة من سندس وإستبرق الجنة)) (٤). وهذا لفظ البيهقي، ولفظ الحاكم: ((من غسل ميتاً

стр. 211

فكتم عليه غفر له أربعين مرة، ومن كفَّن ميتاً كساه الله من سندس وإستبرق الجنة، ومن حفر لميت قبراً فأجنه فيه أُجري له من الأجر كأجر مسكن أسكنه إلى يوم القيامة)). ولفظ الطبراني في المعجم الكبير: ((من غسل ميتاً فكتم عليه غفر له أربعين كبيرة، ومن حفر لأخيه قبراً حتى يجنه فكأنما أسكنه مسكناً مرة حتى يُبعث))؛ ولقول النبي ﷺ : ((ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ... )) (١)؛ ولحديث ابن عمر ﵄ وفيه: ((ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرَّج عن مسلم كربة فرَّج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة)) (٢)، وغير ذلك من الأدلة والآثار الواردة (٣)، ولا بأس بالإخبار بما يشاهده الغاسل من علامات الخير: كبياض الوجه، أو التبسم، أو غير ذلك من العلامات

стр. 212

التي تبشر بالخير، أما العلامات التي تدل على الشر فلا يخبر بها؛ لأن ذلك يحزن أهل الميت ويؤذيهم، وهو من الغيبة، لكن لو قال: إن بعض الأموات يكون أسودَ، أو غير ذلك فلا بأس (١). قال الإمام ابن قدامة – ﵀: ((وإن رأى حسَناً مثل: أمارات الخير: من وضاءة الوجه، والتبسم، ونحو ذلك استحب إظهاره؛ ليكثر الترحُّم عليه، ويحصل الحث على مثل طريقته والتشبه بجميل سيرته ... )) (٢). الأمر الخامس: معرفة حرمة المسلم ومنزلته وكرامته حيّاً وميتاً ؛ فعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((إن كسر عظم المؤمن ميتاً مثل كسره حيّاً)). وهذا لفظ أحمد، ولفظ أبي داود وابن ماجه: ((كسر عظم الميت ككسره حيّاً)) (٣). وهل يجوز للإنسان أن يتبرع بشيء من أعضائه في حياته أو يوصي بذلك مع موته؟ اختلف العلماء في ذلك (٤).

стр. 213

الأمر السادس: حكم تغسيل الميت: فرض كفاية إذا فعله من فيه كفاية سقط الإثم عن الباقين، وإن تركوه كلهم أثموا كلهم؛ لحديث ابن عباس ﵄ في الذي وقصته راحلته أن النبي ﷺ قال فيه: ((اغسلوه بماءٍ وسدر)) (١)، والأمر يقتضي الوجوب، ومن المعلوم أنه لا يريد من كل واحد من المسلمين أن يغسل هذا الميت إنما يوجه الخطاب للعموم، فإذا قام به بعضهم كفى (٢)؛ ولحديث أمِّ عطية ﵂ وفيه أمر النبي ﷺ للنساء اللاتي يغسلن ابنته ((اغسلنها ثلاثاً أو خمساً، أو سبعاً أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك)) (٣). الأمر السابع: لا يغسل الذكر إلا الرجال أو الزوجة والأمة ، ولا يغسل الأنثى إلا النساء أو الزوج؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: ((رجع رسول الله ﷺ من البقيع فوجدني وأنا أجد صُداعاً في رأسي، وأنا أقول: وارأساه! فقال: ((بل أنا يا عائشة وارأساه!)) ثم قال: ((ما ضرَّك لو مُتِّ قبلي فقمتُ عليك فغسَّلتك، وكفَّنتك، وصليتُ عليك، ودفنتك)) (٤). وعن عائشة ﵂، قالت: ((لو كنت استقبلت من أمري ما

стр. 214

استدبرت ما غسَّل النبي ﷺ غيرُ نسائه)) (١). قال الإمام الشوكاني ﵀: ((فيه دليل على أن المرأة يغسلها زوجها إذا ماتت وهي تغسله قياساً، وبغسل أسماء لأبي بكر لما تقدم، وعلي لفاطمة كما أخرجه الشافعي، والدارقطني، وأبو نعيم والبيهقي بإسناد حسن (٢)،ولم يقع من سائر الصحابة إنكار على عليّ وأسماء فكان إجماعاً)) (٣). وقال الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز–﵀: ((تغسيل المرأة زوجها أمر لا بأس به إذا كانت خبيرة بذلك، وقد غسل علي ﵁ زوجته فاطمة، وغسلت أسماء بنت عميس زوجها أبا بكر الصديق ﵁)) (٤). وقال: ((أما غير الزوجة كالأم والبنت فلا يجوز للرجل تغسيلهما ولا غيرهما من محارمه النساء، ويلحق بالزوجة المملوكة التي يباح له وطؤها فلا بأس بغسلها إذا ماتت؛ لأنها كالزوجة، وهكذا البنت الصغيرة التي دون السبع، لا حرج على الرجل في تغسيلها سواء كان محرماً أو أجنبيّاً عنها؛ لأنها لا عورة لها، وهكذا المرأة لها تغسيل الصبي الذي دون

стр. 215

السبع)) (١). وإن مات رجل بين نساء له سبع سنين فأكثر، فإنهن لا يغسلنه إلا أن يكون معهن زوجة أو مملوكة، وكذلك لو ماتت امرأة بين رجال لها سبع سنين فأكثر؛ فإنهم لا يغسلونها إلا أن يكون أحد الرجال سيداً أو زوجاً، وكذلك لو تعذر تغسيل الميت؛ لكونه محترقاً، أو عند عدم الماء، ففي هذه الصور المتقدمة ييمم الميت؛ لأن التربة الطاهرة تقوم مقام الماء في تغسيل الميت في هذه الأحوال (٢). الأمر الثامن: شهيد المعركة الذي مات في موضعه لا يغسل ؛ لحديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: كان النبي ﷺ يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد، ثم يقول: ((أيهما أكثر أخذاً للقرآن؟)) فإذا أشير له إلى أحدهما قدَّمه في اللحد، وقال: ((أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة))، وأمر بدفنهم في دمائهم، ولم يغسلوا ولم يُصلِّ عليهم)).وفي رواية أنه ﷺ قال: ((ادفنوهم في دمائهم)) يعني يوم أحد ولم يغسلهم (٣).ولفظ أحمد: ((لا تغسلوهم؛ فإن كل جرح أو كل دم يفوح مسكاً يوم القيامة، ولم يصلَّ عليهم)) (٤). وجريح المعركة إذا مات بعدها متأثراً بجراحه يُغَسَّل ويُكفَّن ويُصلَّى
следующие страницы →