قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((وتتوقف الصلاة على الغائب بشهر كالصلاة على القبر)) (١)، والله أحكم الحاكمين والموفق للصواب (٢).
وصفة الصلاة على الغائب كصفة الصلاة على الجنازة الحاضرة.
الأمر التاسع: مشروعية الصلاة على القبر إلى شهر ، وحكم الصلاة على الجنازة وتكرارها؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: ((انتهى رسول
стр. 247
الله ﷺ إلى قبر رطب، فصلَّى عليه، وصفوا خلفه، وكبر أربعاً)) (١)؛ ولحديث أبي هريرة ﵁:أن امرأة سوداء كانت تقمّ المسجد - أو شاباً - ففقدها رسول الله ﷺ فسأل عنها - أو عنه - فقالوا: مات، قال: ((أفلا كنتم آذنتموني؟)) قال: فكأنهم صغَّروا أمرها - أو أمره - فقال: ((دلوني على قبره)) فدلوه فصلى عليها ثم قال: ((إن هذه القبور مملوءة ظلمةً على أهلها، وإن الله ينوِّرها لهم بصلاتي عليهم)) (٢).
وعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ صلى على قبر (٣).
وعن سعيد بن المسيب ﵁ ((أن أمَّ سعدٍ ماتت والنبي ﷺ غائب، فلما قدم صلى عليها، وقد مضى لذلك شهر)) (٤).
وعن ابن عباس ﵄ ((أن النبي ﷺ صلى على قبر بعد شهر)) (٥). وعنه ((أن النبي ﷺ صلى على ميت بعد ثلاث)) (٦).
وعن زيد بن ثابت ﵁:أنهم خرجوا مع رسول الله ﷺ ذات يوم فرأى قبراً جديداً، فقال: ((ما هذا؟)) قالوا: هذه فلانة - مولاة بني فلان، فعرفها رسول الله ﷺ - ماتت ظهراً وأنت نائم قائل، فلم نُحبَّ أن نوقظك بها، فقام
стр. 248
رسول الله ﷺ وصف الناس خلفه وكبر عليها أربعاً، ثم قال: ((لا يموت فيكم ميت ما دمت بين أظهركم إلا آذنتموني به، فإن صلاتي له رحمة)) (١).
قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((وجملة ذلك أن من فاتته الصلاة على الجنازة، فله أن يصلي عليها ما لم تدفن، فإن دفنت فله أن يصلي على القبر إلى شهر، هذا قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، روي ذلك عن أبي موسى، وابن عمر، وعائشة ﵃ .... )) (٢).
وسمعت الإمام شيخنا ابن باز رحمه الله تعالى يقول عن الأحاديث السابقة: ((هذه الأحاديث فيها تحديد الصلاة على الميت بعد موته في حدود شهر، وفي ذلك تواضع النبي ﷺ ، فلم ينقل عن النبي ﷺ الصلاة على الميت أكثر من شهر، والصلاة توقيفية، أما رواية صلاته على الشهداء بعد ثمان سنوات فيقال: بأنه دعا لهم ولم يصلِّ عليهم)) (٣)، وسمعته يقول: ((هذا يدل على رحمته ﷺ بالمسلمين، وفيه فضل كناسة المساجد، ومشروعية الصلاة على القبر، وأكثر ما ورد في الصلاة على القبر شهر؛ لأنه ﷺ صلى على أم سعدٍ بعد شهر، أما ما زاد فالأصل عدم ذلك، أما ما ذكر من صلاته على قتلى أحد، فيحتمل أنه دعا لهم كدعوات الجنازة، ويحتمل أن هذا خاص به يودع الأحياء والأموات)) (٤). والله أعلم (٥).
стр. 249
وأما إعادة الصلاة على الجنازة وتكرارها فالصواب من أقوال أهل العلم: ((إنه لا بأس ولا مانع من إعادة صلاة الجنازة لسببٍ، كمن يُصلِّيها مع الناس، ثم يعيدها مع من يصلِّيها؛ وهذا مثل من يصلِّي الفريضة في مسجد ثم يذهب لمسجدٍ آخر لحاجةٍ، فوجد الناس يصلُّون فيه؛ فإنه يعيدها معهم، وتكون له نافلة، فكذلك صلاة الجنازة، أما إعادة الفريضة بدون سببٍ فلا، وكذلك لا تعاد صلاة الجنازة بدون سببٍ على الصحيح)) (١)(٢).
стр. 250
وصفة الصلاة على القبر كصفة الصلاة على الجنازة؛ لهذه الأحاديث.
الأمر العاشر: موقف الإمام من الرجل والمرأة في صلاة الجنازة ، يقف عند رأس الرجل ووسط المرأة؛ لحديث أبي غالب قال: صليت مع أنس بن مالك على جنازة رجل فقام حيال رأسه، ثم جاؤوا بجنازة امرأة من قريش، فقالوا: يا أبا حمزة صلِّ عليها، فقام حيال وسط السرير، فقال له العلاء بن زياد: هكذا رأيت النبي ﷺ قام على الجنازة مقامك منها؟ ومن الرجل مقامك منه؟ قال: نعم، فلما فرغ قال: احفظوا)) (١).
وعن سمرة بن جندب ﵁ قال: ((صليت وراء النبي ﷺ على امرأة ماتت في نفاسها فقام رسول الله ﷺ للصلاة عليها وَسْطَهَا)) (٢).
قال الإمام ابن القيم ﵀: ((وكان من هديه ﷺ أنه كان يقوم عند
стр. 251
رأس الرجل ووسط المرأة)) (١).
الأمر الحادي عشر: الصلاة على أنواع من الجنائز ، إذا اجتمعت جنائز عديدة من الرجال والنساء صُلِّي عليها صلاة واحدة، وجعلت الذكور ولو كانوا صغاراً مما يلي الإمام، وجنائز الإناث مما يلي القبلة؛ لحديث نافع أن ابن عمر صلى على تسع جنائز جميعاً فجعل الرجال يلون الإمام، والنساء يلين القبلة، فصفهن صفّاً واحداً، ووضعت جنازة أم كلثوم بنت علي، امرأة عمر بن الخطاب وابن لها يقال له زيد، وضعا جميعاً، والإمام يومئذ سعيد بن العاص، وفي الناس ابن عمر، وأبو هريرة، وأبو سعيد، وأبو قتادة، فوضِعَ الغلام مما يلي الإمام، فقال رجل فأنكرت ذلك، فنظرت إلى ابن عباس وأبي هريرة، وأبي سعيد، وأبي قتادة فقلت: ما هذا؟ قالوا: هي السنة)) (٢).
وعن عمار مولى الحارث بن نوفل ((أنه شهد جنازة أم كلثوم وابنها فجعل الغلام مما يلي الإمام، فأنكر ذلك، وفي القوم ابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وأبو قتادة، وأبو هريرة، فقالوا: هذه السنة)) (٣).
وعن مالك بن أنس بلغه: أن عثمان بن عفان، وأبا هريرة، وابن عمر، كانوا يصلون على الجنائز بالمدينة: الرجال، والنساء، فيجعلون الرجال مما يلي الإمام، والنساء مما يلي القبلة (٤).
стр. 252
وسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول عن هذه الأحاديث: ((أفادت هذه الأحاديث أن السنة أن يقف الإمام حذاء وسط المرأة ويصلي عند رأس الرجل، وإذا كانوا جماعة يجمعون: يجعل الرجل مما يلي الإمام، والصبي وراءه، والمرأة وراءهما، والطفلة الصغيرة وراء المرأة مما يلي القبلة، وكون سعيد سوَّى بين رأس الرجل والمرأة ليس بجيد وإنما الصواب أن يجعل رأس الرجل حذاء وسط المرأة حتى يقف الإمام منهما موقف السنة)) (١)(٢).
قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((ولا خلاف بين أهل العلم في جواز الصلاة على الجنائز دفعة واحدة، وإن أفرد كل جنازة بصلاة جاز)) (٣).
فإن كان الأموات نوعاً واحداً أي إذا تعدد الرجال مثلاً قدم إلى الإمام أفضلهم؛ لأن النبي ﷺ كان يسأل الصحابة عن أكثر الشهداء أخذاً للقرآن فيقدمه في اللحد (٤)، وهذا يؤخذ منه أن الأفضل أو العالم هو الذي يقدم مما يلي الإمام، ثم الأفضل فالأفضل (٥).
الأمر الثاني عشر: جواز الصلاة على الجنائز في المسجد ؛ لحديث عائشة
стр. 253
رضي الله عنها: أنها أمرت أن يُمرَّ بجنازة سعد بن أبي وقاص في المسجد فتصلي عليه، فأنكر الناس ذلك عليها، فقالت: ما أسرع ما نسي الناس، ما صلى رسول الله ﷺ على سهيل بن البيضاء إلا في المسجد)). وفي لفظ: ((ما أسرع الناس إلى أن يعيبوا ما لا علم لهم به، عابوا علينا أن يُمرَّ بجنازة في المسجد، وما صلى رسول الله ﷺ على سهيل بن بيضاء إلا في جوف المسجد)).
وفي لفظ: ((والله لقد صلَّى رسول الله ﷺ على ابني بيضاء في المسجد: سهيل وأخيه)) (١).
قال الإمام ابن القيم ﵀: قال الخطابي: ((وقد ثبت أن أبا بكر وعمر ﵄ صُلِّي عليهما في المسجد، ومعلوم أن عامة المهاجرين والأنصار شهدوا الصلاة عليهما، وفي تركهم الإنكار دليل على جوازه)) (٢)، وقال ابن القيم ﵀: ((ولم يكن من هديه ﷺ الراتب الصلاة عليه في المسجد، وإنما كان يصلي على الجنازة خارج المسجد، وربما كان يصلي أحياناً على الميت في المسجد كما صلى على سهيل بن بيضاء وأخيه في المسجد، ولكن لم يكن ذلك سنته وعادته (٣).
ثم قال ﵀ بعد ذكر بعض أقوال العلماء في ذلك: ((والصواب ما ذكرناه أولاً، وأن سنته وهديه الصلاة على الجنازة خارج المسجد إلا
стр. 254
لعذر، وكلا الأمرين جائز، والأفضل الصلاة عليها خارج المسجد، والله أعلم)) (١).
وسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول: ((لا بأس بالصلاة على الجنازة في المسجد لهذين الحديثين، لكن لو جعل مصلى واسع للصلاة على الجنائز والعيد كان أفضل إذا تيسر)) (٢).
وسمعته يقول عن حديث عائشة ﵂: ((هذا يدل على جواز الصلاة في المسجد وإن كان في الغالب يُصلَّى على الجنائز في المصلى كما يُصلَّى في مُصلَّى العيد، والسر في ذلك والله أعلم أن الجنائز قد يكثر فيها الأتباع، وصُلّي على النبي ﷺ في المسجد، وعلى الصديق وعمر في المسجد، ولو جعل مصلى خارج المسجد أو في البلد فلا بأس)) (٣)، والله تعالى الموفق للصواب (٤).
الأمر الثالث عشر: مشروعية تكثير الجمع والصفوف على صلاة الجنازة ، أما تكثير الجمع في صلاة الجنازة؛ فلحديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: ((ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه)) (٥)؛ ولحديث ابن عباس ﵄ قال:
стр. 255
سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً إلا شفعهم الله فيه)) (١).
وأما تكثير الصفوف في صلاة الجنازة؛ فلحديث مالك بن هبيرة وفيه ابن إسحاق وقد عنعن كما تقدم: ((ما من مسلم يموت فيصلي عليه ثلاثة صفوف من المسلمين إلا أوجب))، قال فكان مالك إذا استقل أهل الجنازة جزأهم ثلاثة صفوف للحديث (٢).
قال العلامة الألباني: ((ويستحب أن يصفوا وراء الإمام ثلاثة صفوف فصاعداً لحديثين رويا في ذلك: الأول عن أبي أمامة قال: ((صلى رسول الله ﷺ على جنازة ومعه سبعة نفر فجعل ثلاثة صفّاً، واثنين صفّاً، واثنين صفّاً)) (٣)، والثاني عن مالك بن هبيرة.
ثم ذكره كما قد تقدم وقد سبق أن حديث ابن هبيرة فيه ابن إسحاق وقد عنعن (٤).
وقال الإمام البخاري ﵀: ((باب الصفوف على الجنازة)) قال الحافظ ابن حجر ﵀ على هذه الترجمة: ((وأشار المصنف بصيغة
стр. 256
الجمع إلى ما ورد في استحباب ثلاثة صفوف وهو ما رواه أبو داود وغيره من حديث مالك بن هبيرة مرفوعاً: ((من صلى عليه ثلاثة صفوف فقد أوجب))، وحسنه الترمذي وصححه الحاكم، وفي رواية له: ((إلا غفر له))، قال الطبري: ينبغي لأهل الميت إذا لم يخشوا عليه التغير أن ينتظروا به اجتماع قوم يقوم منهم ثلاثة صفوف لهذا الحديث)) انتهى كلام الحافظ ﵀ (١).
وقال الإمام الشوكاني ﵀: ((وأقل ما يسمى صفّاً رجلان، ولا حد لأكثره)) (٢)(٣)، والله الموفق للصواب (٤).
الأمر الرابع عشر: تحريم الصلاة على الكفار والمنافقين ؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِالله وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (٥). وقد نزلت عندما صلى رسول الله ﷺ على عبد الله بن أبي سلول المنافق المعروف (٦).
стр. 257
وعن سعيد بن المسيب عن أبيه أنه أخبره: أنه لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله ﷺ فوجد عنده أبا جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، قال رسول الله ﷺ لأبي طالب: ((يا عم قل: لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها عند الله)) فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله ﷺ يعرضها عليه ويعودان بتلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، فقال رسول الله ﷺ : ((أما والله لأستغفرنَّ لك ما لم أنه عنك)) فأنزل الله تعالى فيه: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ (١)، وأنزل الله تعالى في أبي طالب فقال لرسول الله ﷺ : ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ الله يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (٢)(٣).
فلا يُصلَّى على المشركين ولا المنافقين، ولا يُدْعَى لهم بالرحمة ولا المغفرة، ولا يُتَرحّم عليهم، ويُلحَق بالمشركين والكفار من أتى بناقض من نواقض الإسلام ولم يتب منه ومات عليه، ولا يُصلَّى على تارك الصلاة متعمداً جاحداً لوجوبها بالإجماع، وكذلك على الصواب لا يُصلَّى على تارك الصلاة مطلقاً ولو لم يجحد وجوبها؛ لأن الصواب من أقوال أهل العلم: أن تارك الصلاة يكفر كفراً أكبر والعياذ بالله.
стр. 258
الأمر الخامس عشر: وقت صلاة الجنازة يُصلى على الجنازة في أي وقت إلا في ثلاثة أوقات:
الأول: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع .
والثاني: حين يقوم قائم الظهيرة - أي حال استواء الشمس في وسط السماء ومعناه حين لا يبقى للقائم في الظهيرة ظل في المشرق ولا في المغرب - حتى تميل الشمس إلى جهة الغروب.
والثالث: حين يغيب حاجب الشمس حتى تغرب ؛ لحديث عقبة بن عامر الجهني ﵁ قال: ((ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن أو نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تضيَّف الشمس للغروب حتى تغرب)) (١). وهذه الأوقات الثلاثة قصيرة جداً لا يؤثر الانتظار فيها على الميت ولا يشق على الناس، أما أوقات النهي الأخرى: بعد صلاة الصبح، وبعد العصر فلا حرج في الصلاة على الجنازة فيها؛ لأن صلاة الجنازة من الصلوات ذوات الأسباب التي يجوز أن تصلى في أوقات النهي؛ ولهذا قال عبد الله بن عمر ﵄: ((يصلى على الجنازة بعد الصبح، وبعد العصر، إذا صليتا لوقتهما)) (٢). وثبت عن ابن عمر أيضاً أنه قال لأهل جنازة جيء بها بعد صلاة الصبح بغلس وكان الوقت يتسع للصلاة عليها
стр. 259
قبل طلوع الشمس: ((إما أن تصلوا على جنازتكم الآن، وإما تتركوها حتى ترتفع الشمس)) (١)، وكان ابن عمر ﵄ لا يصلي إلا طاهراً ولا يصلي عند طلوع الشمس ولا غروبها ويرفع يديه)) (٢).
وعن ابن جريج قال: ((أخبرني زياد أن عليّاً أخبره أن جنازة وضعت في مقبرة أهل البصرة حين اصفرت الشمس فلم يُصلَّ عليها حتى غربت الشمس فأمر أبو برزة المنادي فنادى بالصلاة، ثم أقامها فتقدم أبو برزة فصلى بهم المغرب، وفي الناس أنس بن مالك، وأبو برزة من الأنصار، من أصحاب النبي ﷺ ثم صلوا على الجنازة)) (٣).
قال الإمام الخطابي ﵀ ما ملخصه: ((واختلف الناس في جواز الصلاة على الجنازة والدفن في هذه الساعات الثلاث، فذهب أكثر أهل العلم إلى كراهية الصلاة عليها في هذه الأوقات، وروي عن ابن عمر وهو قول: عطاء، والنخعي، والأوزاعي، والثوري، وأصحاب الرأي، وأحمد، وإسحاق بن راهويه، وكان الشافعي يرى الصلاة والدفن أي ساعة من ليل أو نهار، وقول الجماعة أولى لموافقة الحديث)) (٤).
стр. 260
وقال شيخنا ابن باز ﵀ عن حديث عقبة بن عامر في النهي عن الصلاة على الجنازة في الساعات الثلاث المذكورة في الحديث: (( ... لا تجوز الصلاة في هذه الأوقات على الميت ولا دفنه فيها؛ لهذا الحديث الصحيح)) (١)(٢). وهذا يعمُّ الصلاة عليه في القبر، فلا يُصلَّى على القبر في هذه الأوقات الثلاثة، أما في وقت النهي الموسَّع فهي من ذوات الأسباب كما تقدم (٣).
الأمر السادس عشر: أحق الناس بالإمامة في صلاة الجنازة: وصيُّه الذي أوصى أن يصلِّي عليه ثم الوالي، أما الوصي؛ فلأنه إجماع الصحابة على ذلك، قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((وأولى الناس بالصلاة عليه من أوصى إليه بذلك؛ لإجماع الصحابة على الوصية بها؛ فإن أبا بكر أوصى أن يصلي عليه عمر (٤)، وعمر أوصى أن يصلي عليه صهيب (٥)، [وقيل: أوصى عمر إلى الزبير فصلى عليه] (٦)، وابن مسعود أوصى بذلك الزبير (٧)، وأبو بكرة أوصى أبا برزة (٨)، وأم سلمة أوصت به سعيد بن زيد (٩)، وعائشة أوصت إلى أبي هريرة (١٠)، وأوصى به أبو سريحة إلى زيد بن أرقم فجاء
стр. 261
عمر بن حريث وهو أمير الكوفة ليتقدم، فقال ابنه: أيها الأمير إن أبي أوصى أن يصلي عليه زيد بن أرقم فقدَّم زيداً (١)؛ولأنها حق للميت فقُدِّم وصيه بها كتفريق ثلثه)) (٢)، وأوصى يونس بن جبير أن يصلي عليه أنس بن مالك (٣).
قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((وهذه قضايا انتشرت فلم يظهر لها مخالف فكان إجماعاً ... )) (٤).
وأما الوالي أو وكيله فيكون أولى الناس بالصلاة على الميت بعد الوصي، قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((أكثر أهل العلم يرون تقديم الأمير على الأقارب في الصلاة على الميت ... )) (٥)، قال أبو حازم: ((إني لشاهد يوم مات الحسن بن علي، فرأيت الحسين بن علي يقول لسعيد بن العاص – ويطعن في عنقه ويقول: تقدم فلولا أنها سنة ما قدمتك، [وسعيد أمير على المدينة يومئذ]، وكان بينهم شيء)) (٦).
وإن صلِّي عليه في المسجد فإمام المسجد الراتب أولى؛ لقول النبي ﷺ : ((لا يؤمن الرجلُ الرجلَ في سلطانه)) (٧)، وإمام المسجد سلطان في مسجده، قال العلامة ابن عثيمين ﵀: ((فإن كان في مكان غير المسجد
стр. 262
فأولى الناس به وصيه، فإن لم يكن له وصي فأقرب الناس إليه)) (١)، قلت: بشرط أن يكون القريب أعلم الحاضرين والله أعلم، وإلا صلى عليه الأعلم الأفقه ثم من يليه على حسب الترتيب في أولى الناس بالإمامة.
وإمام المسجد أولى بالصلاة على الجنازة من الشخص الموصى له بأن يصلي على الميت. قال الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀: ((إمام المسجد أولى بالصلاة على الجنازة من الشخص الموصى له؛ لقول النبي ﷺ : ((لا يؤمن الرجلُ الرجلَ في سلطانه)) (٢)، وإمام المسجد هو صاحب السلطان في مسجده)) (٣).
الأمر السابع عشر: أركان صلاة الجنازة وشروطها:
قال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: ((الواجب في صلاة الجنازة: النية، والتكبيرات، والقيام، وقراءة الفاتحة، والصلاة على النبي ﷺ ، وأدنى دعاء للميت، وتسليمة واحدة، ويشترط لها شرائط المكتوبة إلا الوقت، وتسقط بعض واجباتها عن المسبوق ... )) (٤).
وقال العلامة مرعي بن يوسف في دليل الطالب: ((وشروطها ثمانية: النية والتكليف (٥)، واستقبال القبلة، وستر العورة، واجتناب النجاسة، وحضور الميت إن كان بالبلد، وإسلام المصلي والمصلى عليه، وطهارتهما ولو
стр. 263
بتراب لعذر، وأركانها سبعة: القيام في فرضها، والتكبيرات الأربع، وقراءة الفاتحة، والصلاة على محمد ﷺ ، والدعاء للميت، والسلام، والترتيب)) (١).
وذكر ابن قدامة في الكافي: أن سننها سبع: رفع اليدين مع كل تكبيرة، والاستعاذة قبل القراءة، والإسرار بالقراءة، يدعو لنفسه ولوالديه وللمسلمين بدعاء النبي ﷺ ، يقف بعد التكبيرة الرابعة قليلاً، يضع يمينه على شماله على صدره، الالتفات على يمينه في التسليم)) (٢).
الأمر الثامن عشر: صفة الصلاة على الجنازة المشتملة على الواجبات والسنن على النحو الآتي:
١ - يتوضأ كما أمر الله تعالى ؛ ولقول النبي ﷺ : ((لا تُقبل صلاة بغير طهور)) (٣).
٢ - يقوم الإمام عند رأس رجل ووسط امرأة ؛ لحديث أنس بن مالك ﵁ أنه صلى عند رأس جنازة رجل وعند وسط امرأة، ورفع ذلك إلى النبي ﷺ (٤)؛ولحديث سمرة ﵁ ((أن النبي ﷺ صلى على امرأة فقام للصلاة عليها وسْطها)) (٥).
٣ - يصف المأمومون خلف الإمام كصفوف الصلاة المفروضة ؛
стр. 264
لحديث جابر ﵁: ((أن النبي ﷺ صلَّى على النجاشي فكنت في الصف الثاني أو الثالث)). وفي لفظ: ((فصففنا فصلى النبي ﷺ ونحن صفوف)) (١).
٤ - يسوي الإمام الصفوف؛ لعموم الأدلة في ذلك (٢).
٥ - يستقبل القبلة والجنائز أمامه على الصفة المذكورة آنفاً (٣).
٦ - يكبر التكبيرة الأولى تكبيرة الإحرام قائماً قاصداً بقلبه فعل الصلاة على الجنازة أو الجنائز، متقرباً لله تعالى، قائلاً: ((الله أكبر)) رافعاً يديه مضمومتي الأصابع ممدودة إلى حذو منكبيه أو إلى حيال أذنيه؛ لما تقدم من الأدلة (٤)؛ ولحديث أبي هريرة، وجابر ((أن النبي ﷺ صلى على النجاشي وكبر عليه أربع تكبيرات)) (٥). أما رفع اليدين في التكبيرة الأولى من صلاة الجنازة؛ فلحديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ : ((كبر على جنازة فرفع يديه في أول تكبيرة ووضع اليمنى على اليسرى)) (٦).
قال الإمام ابن المنذر ﵀: ((وأجمعوا على أن المصلي على الجنازة
стр. 265
يرفع يديه في أول تكبيرة يكبرها)) (١).
٧ - يضع يده على صدره بعد أن ينزلهما من الرفع: اليمنى يقبضها على ظهر كفه اليسرى، والرسغ والساعد؛ لحديث أبي هريرة المذكور آنفاً؛ ولحديث وائل بن حُجر (٢)، وحديث سهل بن سعد (٣).
٨ - يقول: ((أعوذ بالله من الشيطان الرجيم سرّاً ؛ لقول الله تعالى:
﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِالله مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (٤).
٩ - يقول: ((بسم الله الرحمن الرحيم)) سرّاً؛ لحديث أنس ﵁ (٥).
١٠ - يقرأ الفاتحة سرّاً ؛ لحديث عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)) (٦)؛ ولحديث أبي أمامة أنه قال: ((السنة في الصلاة على الجنازة أن يقرأ في التكبيرة الأولى بأم القرآن مخافتة، ثم يكبر ثلاثاً، والتسليم عند الآخرة)) (٧)؛
ولحديث ابن عباس ﵄، ((قال طلحة بن عبد الله بن عوف قال: صليت خلف ابن عباس ﵄ على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب، قال:
стр. 266
لتعلموا أنها سنة)) (١).
وقال شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز رحمه الله تعالى عن حكم قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة: ((واجبة، كما قال ﷺ : ((صلوا كما رأيتموني أصلي ... )) (٢). وقال ﵊: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)) متفق عليه)) (٣). وقال ﵀ عن الجهر بالفاتحة أحياناً: ((الجهر بها في بعض الأحيان لا بأس به، وإن قرأ معها سورة قصيرة فلا بأس أيضاً، بل هو أفضل؛ لأنه قد ثبت عن النبي ﷺ من حديث ابن عباس ﵄، وإن اقتصر على الفاتحة كفى)) (٤).
١١ - يقرأ سورة قصيرة بعد الفاتحة، أو بعض الآيات القصيرة وهذه القراءة سنة؛ لحديث ابن عباس ﵄، قال طلحة بن عبد الله بن عوف: صليت خلف ابن عباس على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة، وجهر حتى أسمعنا، فلما فرغ أخذت بيده فسألته فقال: ((سنة وحق)) (٥).
وقال شيخنا ابن باز رحمه الله تعالى في حكم قراءة سورة بعد الفاتحة في صلاة الجنازة: ((قراءة سورة بعد الفاتحة أفضل كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ من حديث ابن عباس ﵄)، وقال في موضع آخر: ((الصلاة على الميت صفتها: أن يكبر الإمام ويتعوذ، ويسمي، ويقرأ الفاتحة، ويستحب
стр. 267
أن يقرأ معها سورة قصيرة مثل: الإخلاص، أو العصر، أو بعض الآيات ... )) (١).
١٢ - يكبر التكبيرة الثانية رافعاً يديه حذو منكبيه أو حذو أذنيه ، ثم يردهما على صدره؛ لما تقدم من الأدلة؛ ولما رُوِيَ عن عبد الله بن عمر
﵄: ((أن النبي ﷺ كان إذا صلى على الجنازة رفع يديه في كل تكبيرة)) (٢). وأورد البخاري أن عبد الله بن عمر: كان يرفع يديه: أي في كل تكبيرة على الجنازة)) (٣). وقال الحافظ ابن حجر ﵀: ((وقد صح عن ابن عباس أنه كان يرفع يديه في تكبيرات الجنازة، رواه سعيد بن منصور)) (٤)، ورُوِيَ عن خلق من السلف أنهم كانوا يرفعون أيديهم في
стр. 268
كل تكبيرة في صلاة الجنازة (١)(٢).
وقال العلامة ابن عثيمين ﵀ عن أثر ابن عمر: ((صح عن ابن عمر موقوفاً، وله حكم الرفع؛ لأن مثله لا يثبت بالاجتهاد)) (٣).
وقال شيخنا الإمام ابن باز ﵀: ((السنة رفع اليدين مع التكبيرات الأربع كلها؛ لما ثبت عن ابن عمر، وابن عباس، أنهما كانا يرفعان مع التكبيرات كلها، ورواه الدارقطني مرفوعاً من حديث ابن عمر بسند جيد)) (٤)(٥).
١٣ - يصلي على النبي ﷺ كما يصلي في التشهد في صلاة الفريضة ؛ لحديث أبي أمامة ﵁ أنه أخبره رجل من أصحاب النبي ﷺ : أن السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر الإمام، ثم يقرأ بفاتحة الكتاب، بعد التكبيرة الأولى سرّاً في نفسه، ثم يصلي على النبي ﷺ ، ويخلص الدعاء للجنازة في التكبيرات [الثلاث] لا يقرأ في شيء منهن، ثم يسلم تسليماً خفيّاً [حين ينصرف] [عن يمينه] والسنة أن يفعل من وراءه مثلما فعل إمامه])) (٦).
стр. 269
قال الإمام ابن باز ﵀: (( ... ويصلي على النبي ﷺ مثل ما يصلي عليه في التشهد الأخير ... )) (١).
١٤ - يكبر التكبيرة الثالثة رافعاً يديه حذو منكبيه أو حذو أذنيه ، ثم يرد يديه على صدره؛ لما تقدم من الأدلة.
١٥ - يدعو للميت بالدعاء المأثور ويخلص له الدعاء ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء)) (٢)، فيقول:
أ - ((اللهم اغفر لحيِّنا وميِّتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفَّه على الإيمان، اللهم لا تحرمنا أجره ولا تُضلَّنا بعده)) (٣).
ب - ((اللهم اغفر له، وارحمه، وعافه، واعف عنه، وأكرم نُزُلَه، ووسِّعْ مُدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقِّهِ من الخطايا كما يُنقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله داراً خيراً من داره، وأهلاً خيراً من أهله، وزوجاً خيراً من زوجه، وأدخله الجنة، وأعذه من عذاب القبر ومن
стр. 270
عذاب النار)) [وفي لفظ: [وقِهِ فتنةَ القبر] (١).
ج – ((اللهم إن فلان بن فلان في ذمتك، وحبل جوارك، فقه من فتنة القبر، وعذاب القبر، وأنت أهل الوفاء والحق، اللهم اغفر له وارحمه إنك أنت الغفور الرحيم)) (٢).
د - ((اللهم عبدك، وابن أمتك، أحتاج إلى رحمتك، وأنت غني عن عذابه، إن كان محسناً فزد في إحسانه، وإن كان مسيئاً فتجاوز عنه)) [ثم يدعو ما شاء الله أن يدعو] (٣).
هـ - الدعاء للطفل في الصلاة عليه صلاة الجنازة، يقول: ((اللهم اغفر لحينا وميتنا، وحاضرنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأُنثانا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان، اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضلنا بعده)) (٤).
* ((اللهم أعذه من عذاب القبر)) (٥).
стр. 271
* ((اللهم اجعله لنا فرطاً (١) وسلفاً وأجراً)) (٢).
((اللهم اغفر لوالديه وارحمهما)) (٣).
* وإن قال: ((اللهم اجعله فرطاً لوالديه، وذخراً، وسلفاً، وأجراً، وأفرغ الصبر على قلوبهما، ولا تفتنهما بعده، ولا تحرمهما أجره، اللهم ثقِّل به موازينهما، وأعظم به أجورهما، اللهم اجعله في كفالة إبراهيم، وألحقه بصالح سلف المؤمنين، وأجره برحمتك من عذاب الجحيم، وأبدله داراً خيراً من داره، وأهلاً خيراً من أهله، اللهم اغفر لأسلافنا، وأفراطنا، ومن سبقنا بالإيمان)) (٤) فحسن.
١٦ - يكبر التكبيرة الرابعة رافعاً يديه حذو منكبيه أو أذنيه ، ويردهما على صدره؛
١٨ - يسلم تسليمة واحدة عن يمينه قائلاً: ((السلام عليكم ورحمة الله)) ؛ لأن التسليمة الواحدة ثبتت عن عشرة من أصحاب النبي ﷺ أنهم كانوا يسلمون في صلاة الجنازة تسليمة واحدة خفيفة عن يمينه، وهم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وأبو هريرة، وواثلة بن الأسقع، وابن أبي أوفى، وزيد بن ثابت، وعلي بن أبي طالب، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وأبو أمامة بن سهل بن حنيف، قال الإمام ابن القيم: ((فهؤلاء عشرة من الصحابة)) ﵃ (١) وكان عبد الله بن عمر إذا صلى على
стр. 275
الجنازة يسلم حتى يسمع من يليه)) (١).
الأمر التاسع عشر: المسبوق في صلاة الجنازة ، يستحب له أن يقضي ما فاته من صلاة الجنازة؛ لقول النبي ﷺ : ((فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا)) (٢)، قال الإمام عبدالعزيز بن عبد الله ابن باز ﵀: (( ... فإذا أدرك الإمام في التكبيرة الثالثة كبر وقرأ الفاتحة، وإذا كبر الإمام الرابعة كبر بعده وصلى على النبي ﷺ ، فإذا سلم الإمام كبر المأموم المسبوق ودعا للميت موجزاً، ثم يكبر الرابعة ويسلم)) (٣).
وإذا أدرك الإمام بين تكبيرتين كبر في الحال وقرأ الفاتحة، ثم يكبر بعد إمامه التكبيرة التي أدركها فيصلي على النبي ﷺ ، ثم إذا سلم الإمام يكبر ويدعو للميت بإيجاز، ثم يكبر ويسلم، وهكذا يعتبر ما أدركه هو أول صلاته، وما يقضيه هو آخرها؛ لقول النبي ﷺ : ((فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا)) (٤)(٥).
стр. 276
السابع عشر: حمل الجنازة واتباعها وتشييعها:
يراعى في حمل الجنازة واتباعها وتشييعها الأمور الآتية:
الأمر الأول: حكم حمل الجنازة فرض كفاية إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين (١).
الأمر الثاني: أقسام اتباعها: ثلاثة أقسام:
١ - يصلي عليها ثم ينصرف ، وله قيراط من الأجر؛ للحديث الآتي.
стр. 277
٢ - يتبعها إلى القبر ثم يقف حتى تدفن ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ((من خرج مع جنازة من بيتها وصلى عليها ثم تبعها حتى تدفن كان له قيراطان أجر كل قيراط مثل أُحُدٍ، ومن صلى عليها ثم رجع كان له مثل أحُدٍ)) (١).
٣ - يقف بعد الدفن يستغفر للميت ويسأل الله له التثبيت ؛ لحديث عثمان بن عفان ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال: ((استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت؛ فإنه الآن يسأل)) (٢). والجمع بين هذه الأقسام أكمل في عظم الأجر واتباع السنة.
الأمر الثالث: فضل اتباع الجنائز ، فقد ثبت في حديث أبي هريرة ﵁ السابق أن النبي ﷺ قال: ((من اتبع جنازة مسلم إيماناً واحتساباً وكان معه حتى يُصلى عليها ويفرغ من دفنها فإنه يرجع من الأجر بقيراطين، كل قيراط مثل أحد، ومن صلى عليها ثم رجع قبل أن تدفن؛ فإنه يرجع بقيراط)) وفي لفظ: قيل: وما القيراطان؟ قال: ((مثل الجبلين العظيمين)). وفي لفظ لمسلم: ((قيل وما القيراطان؟ قال: ((أصغرهما مثل أحد)) (٣)؛ ولحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أصبح اليوم منكم صائماً؟)) قالو أبو بكر: أنا. قال: ((فمن اتبع منكم اليوم جنازة؟)) قال أبو بكر: أنا، قال: ((فمن أطعم منكم اليوم مسكيناً؟)) قال أبو بكر: أنا، قال:
стр. 278
((فمن عاد منكم اليوم مريضاً؟)) قال أبو بكر: أنا، فقال رسول الله ﷺ : ((ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة)) (١).
ولفظ البخاري في الأدب المفرد: ((ما اجتمعت هذه الخصال في رجل في يوم إلا دخل الجنة)) (٢).
الأمر الرابع: اتباع الجنازة حق على المسلم لأخيه المسلم ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((حق المسلم على المسلم ست))، قيل: ما هن يا رسول الله؟ قال: ((إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمِّتْه، وإذا مرض فعُدْه، وإذا مات فاتبعه)) (٣).
وعن البراء بن عازب ﵁ قال: أمرنا رسول الله ﷺ بسبع ونهانا عن سبع: ((أمرنا باتباع الجنائز، وعيادة المريض، وإجابة الداعي، ونصر المظلوم، وإبرار المقسم، ورد السلام، وتشميت العاطس ... )) الحديث (٤)؛ ولحديث أبي سعيد الخدري ﵁ يرفعه: ((عودوا المريض، واتبعوا الجنائز تذكركم الآخرة)) (٥).
الأمر الخامس: يحمل الميت على حسب الحال والتيسير ، ولا يتكلف
стр. 279
الإنسان ما لم يرد بذلك سنة صحيحة فالأمر فيه واسع (١).
الأمر السادس: لا تتبع الجنازة بصوت ولا نار ولا بما يخالف الشرع ؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: ((نهى رسول الله ﷺ أن تُتبع جنازة معها
стр. 280
رانَّةٌ)) (١)(٢).
وعن أبي بردة قال: ((أوصى أبو موسى الأشعري حين حضره الموت فقال: لا تتَّبعوني بمجمرٍ، قالوا له: أسمعت فيه شيئاً؟ قال: نعم، من رسول الله ﷺ )) (٣).
وأوصى عمرو بن العاص في وصيته: ((فإذا أنا مت فلا تصحبني نائحة، ولا نار)) (٤)(٥).
وقال قيس بن عباد: ((كان أصحاب النبي ﷺ يكرهون رفع الصوت عند الجنائز)) (٦).
الأمر السابع: القيام للجنازة إذا مرت مشروع ؛ لحديث عبد الله بن عمر عن عامر بن ربيعة عن النبي ﷺ قال: ((إذا رأى أحدكم جنازة فإن لم يكن ماشياً معها فليقم حتى يخلِّفها أو تخلِّفَهُ أو توضع من قبل أن تُخلِّفه)).
стр. 281
وفي لفظ: ((إذا رأيتم الجنازة فقوموا حتى تُخلِّفكم (١) أو توضع)) (٢).
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((إذا رأيتم الجنازة فقوموا، فمن تبعها فلا يقعد حتى توضع)) (٣).
وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: مر بنا جنازة، فقام لها النبي ﷺ فقلنا: يا رسول الله، إنها جنازة يهودي؟ قال: ((إذا رأيتم الجنازة فقوموا)) (٤)، ولفظ مسلم: ((إن الموتَ فزعٌ فإذا رأيتم الجنازة فقوموا)).
وعن سهل بن حنيف وقيس بن سعد بن أبي ليلى أنهما كانا قاعدين بالقادسية فمرُّوا عليهما بجنازة فقاما، فقيل لهما: إنها من أهل الأرض – أي من أهل الذمة – فقالا: إن النبي ﷺ مرت به جنازة فقام، فقيل له: إنها جنازة يهودي، فقال: ((أليست نفساً)) (٥).
والصواب أن هذه الأحاديث تدل على مشروعية القيام للجنازة إذا مرت لمن كان قاعداً؛ لأمر النبي ﷺ بذلك؛ ولفعله ﵊، أما حديث علي بن أبي طالب ﵁ أن النبي ﷺ ((قام ثم قعد))، وفي لفظ:
стр. 282
((رأينا رسول الله ﷺ قام فقمنا، وقعد فقعدنا –يعني في الجنازة–)) (١) فهذا يدل على أن الأمر بالقيام للجنازة للاستحباب، والقعود للجواز، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى بعد أن ذكر خلاف العلماء: ((فيكون الأمر للندب والقعود بياناً للجواز، ولا يصح دعوى النسخ في مثل هذا؛ لأن النسخ إنما يكون إذا تعذر الجمع بين الأحاديث ولم يتعذر والله أعلم)) (٢)(٣).
ورجح الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى ما ذهب إليه الإمام النووي في الجمع بين الأحاديث (٤).
وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: ((وهذا يدل على أن السنة القيام للجنازة ولو كانت كافرة؛ فإن للموت فزعاً، وهذا القيام سنة وليس بواجب؛ لأن النبي ﷺ قام وقعد، فدل ذلك
стр. 283
على أن القيام ليس بواجب وإنما هو سنة)) (١).
الأمر الثامن: من تبع الجنازة فلا يجلس حتى توضع على الأرض ؛ لحديث أبي سعيد ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((إذا رأيتم الجنازة فقوموا، فمن تبعها فلا يقعد حتى توضع)) (٢). وقد فسّر الإمام البخاري ﵀ قوله: ((حتى توضع)) فقال: ((باب من تبع جنازة حتى توضع عن مناكب الرجال فإن قعد أمر بالقيام)) (٣)، وهذا يوضح أن معنى قوله ﷺ : ((حتى توضع)) أي على الأرض قبل اللحد. وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀: ((والصواب أن الجنازة إذا وضعت في الأرض جلسوا: أي قبل اللحد)) (٤).
وحديث علي ﵁ أن النبي ﷺ قام ثم قعد يدل على أن القيام حتى توضع للاستحباب.
قال شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀: ((السنة لمن تبع الجنازة ألا يجلس حتى توضع من أعناق الرجال على الأرض، وأما الانصراف فإن المشروع لمتبعها ألا ينصرف حتى توضع في القبر ويفرغ من دفنها، وهذا كله على سبيل الاستحباب ... )) (٥).
стр. 284
الأمر التاسع: النساء لا يتبعن الجنائز؛ ويصلين عليها ؛ لحديث أم عطية ﵂ قالت: ((نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا)) (١).
قال شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀: ((المقصود بالنهي: النهي عن اتباعها إلى المقبرة، أما الصلاة عليها فمشروعة للرجال والنساء، وكان النساء يصلين على الجنائز مع النبي ﷺ ،ويفهم [من قول أم عطية ولم يعزم علينا] أن النهي عندها غير مؤكد، والأصل في النهي التحريم؛ لقول النبي ﷺ : ((ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم)) (٢).وذلك يدل على تحريم اتباع النساء للجنائز إلى المقبرة، أما الصلاة على الميت فإنها مشروعة لهن كالرجال، والله ولي التوفيق.
الأمر العاشر: الإسراع بالجنازة من غير رمل مشروع ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((أسرعوا بالجنازة، فإن تكُ صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن تكُ سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم)) (٣)؛ ولحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا وضعت الجنازة فاحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت: قدِّموني قدِّموني، وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها أين تذهبون بها؟ يسمع
стр. 285
صوتها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعها الإنسان لصعق)) (١).
قال الإمام شيخنا ابن باز ﵀ في المقصود بالإسراع بالجنازة: ((المقصود: المشي، ويدخل ضمناً الصلاة عليها، وتغسيلها، والسرعة في تجهيزها، وظاهر الحديث يعم الجميع من حيث المعنى)) (٢).
وسمعته ﵀ يقول: ((السنة الإسراع بالجنازة، ومعنى ذلك أن يكون مشياً قوياً دون الرمل؛ ليقدمها إلى الخير إن كانت صالحة)) (٣).
الأمر الحادي عشر: الماشي يمشي مع الجنازة كيف شاء ، والراكب خلفها؛ لحديث المغيرة بن شعبة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((الراكب [يسير] خلف الجنازة، والماشي حيث شاء منها، [خلفها، وأمامها، وعن يمينها، وعن يسارها، قريباً منها]،والطفل يصلى عليه، [ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة])) (٤).
وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: ((والسنة المشي لمن قدر عليه، ولا بأس بالركوب عند الحاجة، والراكب يمشي خلف الجنازة، والماشي أمامها، وعن يمينها، وعن شمالها، [ومن خلفها])) (٥).
الأمر الثاني عشر: المشي في تشييع الجنازة أفضل من الركوب ؛ لحديث ثوبان ﵁ أن رسول الله ﷺ أُتي بدابة وهو مع الجنازة فأبى أن يركبها، فلما