← Фикх общий

Фикх общий · id 96453

أحكام الجنائز

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (382 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

فكتم عليه غفر له أربعين مرة، ومن كفَّن ميتاً كساه الله من سندس وإستبرق الجنة، ومن حفر لميت قبراً فأجنه فيه أُجري له من الأجر كأجر مسكن أسكنه إلى يوم القيامة)). ولفظ الطبراني في المعجم الكبير: ((من غسل ميتاً فكتم عليه غفر له أربعين كبيرة، ومن حفر لأخيه قبراً حتى يجنه فكأنما أسكنه مسكناً مرة حتى يُبعث))؛ ولقول النبي ﷺ : ((ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ... )) (١)؛ ولحديث ابن عمر ﵄ وفيه: ((ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرَّج عن مسلم كربة فرَّج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة)) (٢)، وغير ذلك من الأدلة والآثار الواردة (٣)، ولا بأس بالإخبار بما يشاهده الغاسل من علامات الخير: كبياض الوجه، أو التبسم، أو غير ذلك من العلامات

стр. 212

التي تبشر بالخير، أما العلامات التي تدل على الشر فلا يخبر بها؛ لأن ذلك يحزن أهل الميت ويؤذيهم، وهو من الغيبة، لكن لو قال: إن بعض الأموات يكون أسودَ، أو غير ذلك فلا بأس (١). قال الإمام ابن قدامة – ﵀: ((وإن رأى حسَناً مثل: أمارات الخير: من وضاءة الوجه، والتبسم، ونحو ذلك استحب إظهاره؛ ليكثر الترحُّم عليه، ويحصل الحث على مثل طريقته والتشبه بجميل سيرته ... )) (٢). الأمر الخامس: معرفة حرمة المسلم ومنزلته وكرامته حيّاً وميتاً ؛ فعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((إن كسر عظم المؤمن ميتاً مثل كسره حيّاً)). وهذا لفظ أحمد، ولفظ أبي داود وابن ماجه: ((كسر عظم الميت ككسره حيّاً)) (٣). وهل يجوز للإنسان أن يتبرع بشيء من أعضائه في حياته أو يوصي بذلك مع موته؟ اختلف العلماء في ذلك (٤).

стр. 213

الأمر السادس: حكم تغسيل الميت: فرض كفاية إذا فعله من فيه كفاية سقط الإثم عن الباقين، وإن تركوه كلهم أثموا كلهم؛ لحديث ابن عباس ﵄ في الذي وقصته راحلته أن النبي ﷺ قال فيه: ((اغسلوه بماءٍ وسدر)) (١)، والأمر يقتضي الوجوب، ومن المعلوم أنه لا يريد من كل واحد من المسلمين أن يغسل هذا الميت إنما يوجه الخطاب للعموم، فإذا قام به بعضهم كفى (٢)؛ ولحديث أمِّ عطية ﵂ وفيه أمر النبي ﷺ للنساء اللاتي يغسلن ابنته ((اغسلنها ثلاثاً أو خمساً، أو سبعاً أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك)) (٣). الأمر السابع: لا يغسل الذكر إلا الرجال أو الزوجة والأمة ، ولا يغسل الأنثى إلا النساء أو الزوج؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: ((رجع رسول الله ﷺ من البقيع فوجدني وأنا أجد صُداعاً في رأسي، وأنا أقول: وارأساه! فقال: ((بل أنا يا عائشة وارأساه!)) ثم قال: ((ما ضرَّك لو مُتِّ قبلي فقمتُ عليك فغسَّلتك، وكفَّنتك، وصليتُ عليك، ودفنتك)) (٤). وعن عائشة ﵂، قالت: ((لو كنت استقبلت من أمري ما

стр. 214

استدبرت ما غسَّل النبي ﷺ غيرُ نسائه)) (١). قال الإمام الشوكاني ﵀: ((فيه دليل على أن المرأة يغسلها زوجها إذا ماتت وهي تغسله قياساً، وبغسل أسماء لأبي بكر لما تقدم، وعلي لفاطمة كما أخرجه الشافعي، والدارقطني، وأبو نعيم والبيهقي بإسناد حسن (٢)،ولم يقع من سائر الصحابة إنكار على عليّ وأسماء فكان إجماعاً)) (٣). وقال الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز–﵀: ((تغسيل المرأة زوجها أمر لا بأس به إذا كانت خبيرة بذلك، وقد غسل علي ﵁ زوجته فاطمة، وغسلت أسماء بنت عميس زوجها أبا بكر الصديق ﵁)) (٤). وقال: ((أما غير الزوجة كالأم والبنت فلا يجوز للرجل تغسيلهما ولا غيرهما من محارمه النساء، ويلحق بالزوجة المملوكة التي يباح له وطؤها فلا بأس بغسلها إذا ماتت؛ لأنها كالزوجة، وهكذا البنت الصغيرة التي دون السبع، لا حرج على الرجل في تغسيلها سواء كان محرماً أو أجنبيّاً عنها؛ لأنها لا عورة لها، وهكذا المرأة لها تغسيل الصبي الذي دون

стр. 215

السبع)) (١). وإن مات رجل بين نساء له سبع سنين فأكثر، فإنهن لا يغسلنه إلا أن يكون معهن زوجة أو مملوكة، وكذلك لو ماتت امرأة بين رجال لها سبع سنين فأكثر؛ فإنهم لا يغسلونها إلا أن يكون أحد الرجال سيداً أو زوجاً، وكذلك لو تعذر تغسيل الميت؛ لكونه محترقاً، أو عند عدم الماء، ففي هذه الصور المتقدمة ييمم الميت؛ لأن التربة الطاهرة تقوم مقام الماء في تغسيل الميت في هذه الأحوال (٢). الأمر الثامن: شهيد المعركة الذي مات في موضعه لا يغسل ؛ لحديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: كان النبي ﷺ يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد، ثم يقول: ((أيهما أكثر أخذاً للقرآن؟)) فإذا أشير له إلى أحدهما قدَّمه في اللحد، وقال: ((أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة))، وأمر بدفنهم في دمائهم، ولم يغسلوا ولم يُصلِّ عليهم)).وفي رواية أنه ﷺ قال: ((ادفنوهم في دمائهم)) يعني يوم أحد ولم يغسلهم (٣).ولفظ أحمد: ((لا تغسلوهم؛ فإن كل جرح أو كل دم يفوح مسكاً يوم القيامة، ولم يصلَّ عليهم)) (٤). وجريح المعركة إذا مات بعدها متأثراً بجراحه يُغَسَّل ويُكفَّن ويُصلَّى

стр. 216

عليه، وله أجر الشهيد إذا خلصت نيته، وكذلك المقتول ظلماً يغسل ويصلى عليه، وله أجر الشهيد، وفضل الله يؤتيه من يشاء (١). الأمر التاسع: المحرم لا يُطيَّب ولا يُحنَّط ولا يُغطَّى رأسه ولا وجهه ؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: بينما رجل واقف بعرفة إذ وقع عن راحلته فوقصته (٢)، - أو قال: فأوقصته - فقال رسول الله ﷺ : ((اغسلوه بماءٍ وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تحنِّطوه، ولا تخمِّروا رأسه؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبِّياً))، وفي لفظ لمسلم: (( ... ولا تخمِّروا رأسه ولا وجهه)) (٣). الأمر العاشر: لا يَغْسِلُ الميت إلا: المسلم، العاقل، المميز، الأمين (٤) الثقة، العارف بأحكام الغسل، والأولى به وصيه العدل (٥)؛ لما رُوي أن

стр. 217

أبا بكر الصديق ﵁ أوصى أن تغسله امرأته أسماء بنت عميس ﵂ فقامت بذلك (١)، وأوصى أنس أن يغسله محمد بن سيرين ففعل (٢)، ويتولى غسله إن لم يكن له وصي من كان أعرف بسنة الغسل، لاسيما إذا كان من أهله وأقاربه؛ لأن الذين تولوا غسل النبي ﷺ كانوا كذلك، فقد قال سعيد بن المسيب، قال علي بن أبي طالب ﵁: ((غسلت رسول الله ﷺ ، فذهبت أنظر ما يكون من الميت فلم أرَ شيئاً وكان طيِّباً حيّاً وميتاًً ﷺ ، وولي دفنه وإجنانه دون الناس أربعة: علي، والعباس، والفضل، وصالح مولى رسول الله ﷺ ، ولحد رسول الله ﷺ لحداً، ونصب عليه اللبن نصباًً)). ولفظ ابن ماجه: عن علي ﵁ قال: لما غَسَّل النبي ﷺ ذهب يلتمس منه ما يلتمس من الميت فلم يجده، فقال: ((بأبي الطيِّبُ! طبتَ حيّاً وميتاًً)) (٣). وفي مرسل الشعبي أنه غسل النبي ﷺ مع علي ﵁: الفضل – يعني ابن عباس – وأسامة بن زيد (٤).

стр. 218

الأمر الحادي عشر: صفة غسل الميت: المشتمل على الواجبات والسنن على النحو الآتي: ١ - يُجعل على سرير في مكان مستور عن جميع الأنظار (١)، ويكون المكان مسقوفاً بسقفٍ إن أمكن؛ ليكون أكمل في الستر فيكون في بيت أو خيمة، أو غرفة، أو نحو ذلك (٢). ٢ - لا يحضره إلا من يباشر تغسيله أو من يحتاج إليه المغسل؛ ليساعده؛ لأن الميت ربما كان به عيب يستره في حياته ولا يحب أن يطلع عليه الناس، وربما بدت عورة الميت من غير قصد الغاسل فيشاهدها من يحضر، فلا يحضره أحد أثناء التغسيل (٣) إلا من يضطر المغسل إليه؛ ليساعده على التغسيل، وإذا ظهر عيب وجب أن يستره المغسل ومن يساعده، وإذا ظهرت علامات الخير استحب الإخبار بها؛ ليدعى له ويقتدى بصفاته الحسنة (٤) (٥).

стр. 219

٣ – يليِّن مفاصله، وهو أن يرد ذراعيه إلى عضديه، وعضديه إلى جنبيه ، ثم يردهما، ويرد ساقيه إلى فخذيه، وفخذيه إلى بطنه، ثم يردهما؛ ليكون ذلك أبقى للينه، فيكون ذلك أمكن للغاسل: من تغسيله، وتمديده، وخلع ثيابه، وتكفينه، وقد ذكر الإمام ابن قدامة ﵀: أن ذلك يستحب في موضعين: عقب موته قبل قسوتها وبرودته، وإذا شرع في غسله؛ وإن شق ذلك لقسوة الميت أو غيرها تركه؛ لأنه لا يؤمن أن تنكسر أعضاؤه، ويصير به ذلك إلى المثلة (١). ٤ – يوضع على عورة الميت سِتر من سرته إلى ركبته تدخل من تحت ثيابه وتلف على عورته؛ لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده يرفعه: ((وإذا أنكح أحدكم عبده أو أجيره فلا ينظر إلى شيء من عورته؛ فإنما أسفل من سرته إلى ركبته من عورته)) (٢)، ولا ينظر إلى فخذ حي ولا ميت (٣). ٥ – يُجَرَّد من ثيابه بعد ستر عورته كما تقدم؛ لأن أصحاب النبي ﷺ قالوا حينما مات ﵊: ((والله ما ندري أنجرِّدُ رسول الله ﷺ كما نُجرِّدُ موتانا أم نغسله وعليه ثيابه ... )) (٤) فدل ذلك أنهم كانوا يجرِّدون الموتى وينزعون عنهم الثياب قبل التغسيل. ٦ – تُقلّم أظفاره، ويقص شاربه ؛ لأن هذا من تنظيف الميت إذا كانت

стр. 220

طويلة؛ لأن هذا من نظافة الميت، وتجميله، وتحسينه، قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((ويستحب تقليم أظفار الميت وقصّ شاربه؛ لأن ذلك سنة في حياته)) (١). وقال الإمام ابن باز ﵀: ((يستحب قص شاربه وقلم أظفاره، وأما حلق العانة ونتف الإبط فلا أعلم ما يدل على شرعيته، والأولى ترك ذلك؛ لأنه شيء خفي وليس بارزاً: كالظفر، والشارب)) (٢) (٣).

стр. 221

٧ - يبدأ فيحني الميت حنياً رفيقاً لا يبلغ به الجلوس ، فيرفع رأسه إلى قرب جلوسه ويمرُّ بيده على بطنه فيعصره عصراً رفيقاً، لأجل أن يُخرج منه ما كان مستعدّاً للخروج من النجاسات؛ لئلا يخرج بعد الغسل أو بعد التكفين فيلوث الكفن ويفسد الغسل - ويكثر صب الماء حين العصر صبّاً كثيراً؛ ليذهب بما يخرج من النجاسات فلا تظهر رائحته، والأولى أن يكون في المكان الذي يغسل فيه الميت بخور مما يتدخن به الناس من عود ونحوه؛ لئلا يتأذى برائحة الخارج - إلا الحامل فلا يعصر بطنها؛ لئلا يؤذي الجنين (١). ٨ - يلف الغاسل على يده اليسرى خرقةً أو قفازاً أو كيساً فينجِّيه بها فيغسل فرجه فيصب الماء من تحت الإزار أو المنشفة التي قد وضعت على جميع عورة الميت، ويبالغ في تنظيف الفرجين حتى ينقي ما بهما من

стр. 222

نجاسة، ولا يمس عورته بغير حائل؛ لأن النظر إلى العورة يحرم، فلمسها أولى بالتحريم (١)، ثم يلقي هذه الخرقة أو القفاز. ٩ - يلف الغاسل على يده خرقة أخرى أو ليفة أو نحوهما: كالقفاز؛ لأن الصحابة ﵃ غسلوا رسول الله ﷺ وعليه قميصه يصبون الماء فوق القميص ويدلكونه بالقميص دون أيديهم ... )) (٢). ١٠ - يوضئه وضوءه للصلاة، ثم يبدأ بالميامن وأعضاء الوضوء والقفاز على يده؛ لحديث أم عطية ﵂ أن النبي ﷺ قال: ((ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها)) (٣). فينوي القيام بالوضوء والغسل، ويقول: بسم الله، ثم يغسل يديه ثلاثاً، ثم يأخذ خرقة خشنة فيبلها بالماء ويجعلها على أصبعيه ثم يدخل أصبعيه بين شفتيه فيمسح أسنانه وينظفها، ويدخل أصبعيه في منخريه وينظف المنخرين ولا يدخل الماء في فمه ولا في منخريه، وإنما يكتفي ببل الخرقة وينظف بها أسنانه ومنخريه ثلاثاً؛ ليقوم ذلك مقام المضمضة والاستنشاق؛ لقول النبي ﷺ : ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)) (٤). ويغسل وجهه ثلاثاً، ويغسل يديه: اليمنى إلى المرفق ثلاثاً، ثم اليسرى ثلاثاً، ويمسح رأسه إدباراً وإقبالاً، ثم يُحلّق بأصبعيه على أذنيه فيمسحهما، ويغسل رجله اليمنى إلى الكعب ثلاثاً، واليسرى ثلاثاً.

стр. 223

١١ - يُؤتى بالسدر فيغسل رأسه برغوة السدر ، يبدأ بشق رأسه الأيمن ثم الأيسر، بعد أن يُخَضّ ويُرجّ حتى يكون له رغوة فيغسل رأسه ولحيته؛ يفعل ذلك ثلاث مرات؛ لأن النبي ﷺ كان يبدأ بعد الوضوء بغسل رأسه في الجنابة (١). ١٢ - يبدأ بغسل جسد الميت فيبدأ بشقه الأيمن ؛ لقوله ﷺ : ((ابدأن بميامنها)) (٢) فيغسل يده اليمنى وصفحة عنقه، وشق صدره الأيمن، وجنبه، وفخذه، وساقه، وقدمه فيكون الغسل من كتفه الأيمن حتى نهاية قدمه اليمنى، يدلكه باليد داخل القفاز مع صب الماء وإدخال اليد من تحت الساتر الذي يستر عورة الميت، ويكون الغسل بالماء والسدر مع ثفل السدر (٣) (٤)، ثم يقلبه على جنبه الأيسر ويغسل شق ظهره الأيمن

стр. 224

وما يليه، وكل ما لم يغسله من هذا الجنب، ثم يقلبه فيعيده على ظهره ويغسل يده اليسرى وصفحة عنقه، وشق صدره الأيسر، وجنبه، وفخذه، وساقه، وقدمه، فيكون الغسل من كتفه اليسرى حتى نهاية قدمه اليسرى يدلكه باليد داخل القفازين مع صب الماء وإدخال اليد من تحت الساتر، ويكون الغسل بالماء والسدر كما تقدم، ثم يقلبه على جنبه الأيمن ويغسل شقه الأيسر مع شق ظهره وما يليه، وكل ما لم يغسله من هذا الجنب، ثم يعم سائر جسده بالماء، ويكرر هذا الغسل ثلاث مرات، أو خمس مرات أو سبعاً، أو أكثر من ذلك على حسب ما يرى الغاسل؛ فإن خرج شيء من بطنه أعاد إنجاءه وأعاد الوضوء والغسل، ولا يعد الوضوء إلا إذا خرج شيء، فإن استمر الخارج سد مكانه بالقطن، وأحكمه، ثم أعاد الوضوء والغسل، ويجعل في الغسلة الأخيرة كافوراً، ليشده ويطيبه ويبرده؛ لحديث أم عطية ﵂ أن النبي ﷺ قال: ((اغسلنها ثلاثاً، أو خمساً، أو سبعاً، أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر))، قالت: قلت: وتراً؟ قال: ((نعم، واجعلن في الأخيرة كافوراً أو شيئاً من كافور ... )) (١).

стр. 225

ويُنقض شعر الميت إن كان له شعر، ويُمشط، ويُضفر شعر المرأة ثلاثة قرون: قرنيها، وناصيتها، ويُلقى خلفها؛ لحديث أم عطية ﵂ (١). وسمعت شيخنا الإمام عبدالعزيز ابن باز ﵀ يقول: ((ويضفر الرأس ثلاثة قرون حتى ولو كان رجلاً ويجعل وراءه)) (٢). وإذا فرغ الغاسل من غسل الميت نشفه بمنشفة ثم توضع هذه المنشفة المبللة خفيفاً على الأخرى الساترة للعورة فتسحب المنشفة المبللة كثيراً من تحتها فيكون الميت جاهزاً للتكفين (٣). والسقط لأربعة أشهر أو أكثر يُغسل ويُصلى عليه؛ لحديث المغيرة بن شعبة يرفعه: (( ... والسّقط يُصلَّى عليه ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة)) (٤)، ويُكفّن ويُقبر في مقابر المسلمين، ويُسمَّى، ويُعَقُّ عنه؛ لأن الروح قد نفخت فيه، فهو إنسان)) (٥).

стр. 226

الأمر الثاني عشر: السنة الاغتسال من غسل الميت ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((من غسل الميت فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ)).ولفظ ابن ماجه: ((من غسل ميتاً فليغتسل)) (١)، وهذا الأمر للوجوب ولكن يصرف الوجوب إلى الاستحباب أحاديث أخرى، فقد جاء عن ابن عباس ﵄: ((ليس عليكم في غسل ميتكم غسل إذا غسلتموه، فإن ميتكم ليس بنجس، فحسبكم أن تغسلوا أيديكم)) (٢)، وقول ابن عمر ﵄: ((كنا نغسل الميت، فمنا من يغتسل ومنا من لم يغتسل)) (٣). فيعمل بالأحاديث كلها، فيكون الغسل من غسل الميت سنة وليس بواجب (٤). قال سماحة الشيخ عبد العزيز ابن باز ﵀: ((وقال: بعضهم إن الحكمة في ذلك – والله أعلم – جبر ما يحصل للغاسل من الضعف بسبب مشاهدة الميت، وذكر الموت، وما بعده، وهو معنى مناسب)) (٥)، والله أعلم (٦).

стр. 227

الخامس عشر: تكفين الميت يراعى في تكفين الميت الأمور الآتية: الأمر الأول: حكم تكفين الميت المسلم، فرض كفاية ، إذا فعله من فيه كفاية سقط الحرج والإثم عن الباقين، وإن تركوه كلهم أثموا كلهم؛ لحديث ابن عباس ﵄ في قصة الرجل الذي وقصته راحلته؛ أن النبي ﷺ قال فيه: ((اغسلوه بماء وسدر، وكفّنوه في ثوبيه)) (١)، وهذا أمر والأصل في الأمر الوجوب. الأمر الثاني: معرفة الفضل والأجر العظيم لمن تولَّى تكفين الميت المسلم ؛ لحديث أبي رافع، وفيه: أن النبي ﷺ قال: (( ... ومن كفَّن ميتاً كساه الله من سندس وإستبرق الجنة ... )) (٢). الأمر الثالث: الكفن أو ثمنه من مال الميت ؛ لحديث ابن عباس ﵄، وفيه أن النبي ﷺ قال في المحرم: ((اغسلوه بماء وسدر، وكفّنوه في ثوبيه)) (٣)؛ ولحديث خباب ﵁ في قصة مصعب بن عمير ﵁ وأنه كفن في نمرة له، وفي لفظ: بردة (٤)، ولكن لو تبرع أحد بكفنه فلا بأس

стр. 228

ولا حرج (١). الأمر الرابع: يُكفَّن المحرم في ثوبيه الذي مات فيهما ولا يُغطَّى رأسه، ولا وجهه، ولا يُطيَّب؛ لحديث ابن عباس ﵄ في الذي وقصته راحلته: ((اغسلوه بماء وسدر وكفِّنوه في ثوبيه، ولا تحنِّطوه، ولا تخمِّروا رأسه فإنه يُبعث يوم القيامة ملبياً)). وفي لفظ لمسلم: ((ولا تخمِّروا رأسه ولا وجهه ... )) (٢). الأمر الخامس: يكفن الشهيد في ثيابه التي قتل فيها ، ويستحب تكفينه بثوب واحد أو أكثر فوق ثيابه، أما تكفينه في ثيابه التي مات فيها؛ فلحديث عبد الله بن ثعلبة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال يوم أحد: ((زمِّلوهم في ثيابهم)) قال: وجعل يدفن في القبر الرهط، قال: وقال: ((قدِّموا أكثرهم قرآناً)). ولفظ النسائي: ((زمِّلوهم بدمائهم، فإنه ليس كَلْمٌ يُكْلَمُ إلا يأتي يوم القيامة يَدْمَى: لونه لون الدم، وريحه ريح المسك)) (٣)؛ ولحديث جابر ﵁: ((وأمر بدفنهم في دمائهم، ولم يغسلوا ولم يصلَّ

стр. 229

عليهم)) (١). وأما استحباب تكفينه بثوب واحد أو أكثر فوق ثيابه التي قتل فيها؛ فلحديث شداد بن الهاد ﵁ (٢)، ولحديث الزبير بن العوام ﵁ (٣).

стр. 230

الأمر السادس: يكون الكفن سابغاً طائلاً يستر جميع بدن الميت ؛ لحديث جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ خطب يوماً فذكر رجلاً من أصحابه قُبِضَ فكُفِّن في كفن غير طائل وقُبِرَ ليلاً فزجر النبيُّ ﷺ أن يُقبر الرجل بالليل حتى يُصلَّى عليه إلا أن يضطر الإنسان إلى ذلك، وقال النبي ﷺ : ((إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه)) (١). الأمر السابع: إذا ضاق الكفن ستر به رأس الميت وما طال من جسده ، ويجعل على الباقي المكشوف شيئاً من الإذخر أو الحشيش أو غيره؛ لحديث خباب ﵁ في قصة مصعب بن عمير، وأن النبي ﷺ قال في نمرة أو بردة مصعب: ((غطّوا بها رأسه، واجعلو على رجليه من الإذخر)) أو قال: ((ألقوا على رجليه من الإذخر)). وفي لفظ: ((فأمرنا النبي ﷺ أن نغطي رأسه وأن نجعل على رجليه من الإذخر)) (٢) (٣).

стр. 231

الأمر الثامن: إذا قلَّت الأكفان وكثر الموتى جاز تكفين الجماعة منهم في الكفن الواحد، ويقدم أكثرهم قرآناً إلى القبلة؛ لحديث أنس بن مالك ﵁ قال: ((أتى رسول الله ﷺ على حمزة يوم أحد، فوقف عليه، فرآه قد مُثِّل به، فقال: ((لولا أن تجدَ صفية في نفسها لتركته حتى تأكله العافية، حتى يحشر يوم القيامة في بطونها)). قال: ثم دعا بنمرة فكفنه فيها، فكانت إذا مُدَّت على رأسه بدت رجلاه، وإذا مُدَّت على رجليه بدا رأسه، قال: فكثر القتلى وقلَّت الثياب، قال: فكُفِّن الرجل والرجلان والثلاثة في الثوب الواحد، ثم يدفنون في قبر واحد، فجعل رسول الله ﷺ يسأل عنهم؛ أيهم أكثر قرآناً فيقدِّمه إلى القبلة، قال: فدفنهم رسول الله ﷺ ولم يصلِّ عليهم)) (١).وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أن معنى الحديث أنه كان يقسم الثوب الواحد بين الجماعة فيكفن كل واحد في بعضه للضرورة، وإن لم يستر إلا بعض بدنه، يدل عليه تمام الحديث أنه كان يسأل عن أكثرهم قرآناً فيقدِّمه في اللحد، فلو أنهم في ثوب واحد جملة لسأل عن أفضلهم قبل ذلك كيلا يؤدي إلى نقض التكفين وإعادته)) (٢). الأمر التاسع: إحسان الكفن ؛ لحديث جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ قال: ((إذا كفّن أحدكم أخاه فليحسن كفنه)) (٣)؛ ولحديث أبي

стр. 232

قتادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا ولي أحدكم أخاه فليحسن كفنه)) (١). الأمر العاشر: يستحب في الكفن ما يأتي: ١ - يستحب البياض ؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم، وكفِّنوا فيها موتاكم، وإن خير أكحالكم الإثمد، يجلو البصر وينبت الشعر)) (٢). ٢ - يكون ثلاثة أثواب ؛ لحديث عائشة ﵂ ((أن رسول الله ﷺ كُفِّن في ثلاثة أثواب بيض سحولية، ليس فيها قميص ولا عمامة)) (٣). ٣ - تجمير الكفن ثلاثاً لغير المحرم، وهو التبخير بالعود أو غيره؛ لحديث جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا أجمرتم الميت فأجمروه ثلاثاً)) (٤). قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((وأوصى أبو سعيد، وابن عمر، وابن عباس أن تجمر أكفانهم بالعود، وقال أبو هريرة: يجمر الميت)) (٥).

стр. 233

الأمر الحادي عشر: لا يغالى في الكفن ولا يزاد فيه على ثلاثة أثواب ؛ لحديث عائشة ﵂ أن أبا بكر نظر إلى ثوب عليه كان يمرض فيه به ردع من زعفران، فقال: اغسلوا ثوبي هذا وزيدوا عليه ثوبين فكفِّنوني فيها، قلت: إن هذا خلق؟ قال: إن الحيَّ أحقُّ بالجديد من الميت، إنما هو للمهلة)) (١). وسمعت شيخنا الإمام ابن باز يقول: ((يكفي الوسط المناسب ولا يتحرَّى أحسن شيء، ولا يتكلَّف؛ لأن مصيره إلى الدود والفناء والزوال في القبر، فيكفي الخام الأبيض)) (٢). الأمر الثاني عشر: كفن الرجل والمرأة، الواجب فيه الثوب الساتر لجميع بدن الميت، والمستحب ثلاثة أثواب، وإذا كُفِّنت المرأة في خمسة أثواب فحسن: إزار، وخمار، وقميص، ولفافتين، فتؤز بالمئزر، ثم تلبس القميص، ثم تخمّر، ثم تلفّ باللفافتين، قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((قال ابن المنذر: أكثر من نحفظ عنه من أهل العلم يرى أن تكفن المرأة في خمسة أثواب، وإنما استحب ذلك؛ لأن المرأة تزيد في حال حياتها على الرجل في الستر؛ لزيادة عورتها على عورته، فكذلك بعد الموت، ولما كانت تلبس المخيط في إحرامها وهو أكمل أحوال الحياة استحب إلباسها إياه بعد موتها، والرجل بخلاف ذلك، فافترقا في اللبس بعد الموت لافتراقهما فيه في الحياة، واستويا في الغسل بعد الموت لاستوائهما

стр. 234

فيه في الحياة)) (١) (٢).

стр. 235

الأمر الثالث عشر: صفة تكفين الميت: أولى الناس بتكفين الميت هو أولى الناس بغسله كما تقدم، وصفة التكفين الكامل المشتمل على الواجبات والسنن على النحو الآتي: ١ - تُقصُّ الأربطة من نفس عرض الكفن وتكون وترية: سبعة، أو خمسة، أو غير ذلك، ثم توضع على النعش بالتساوي. ٢ - تجمّر الأكفان (١) ثلاث مرات بعد رشها بماء ورد أو غيره ليعلق فيها البخور والرائحة. ٣ - يكفن الرجل في ثلاث لفائف بيض . ٤ - تبسط اللفافة الأولى على النعش أو على سرير تكفين الميت ، ثم يذرُّ عليها حنوطاً، وهو أخلاط من الطيب ويجعل عليها كافوراً. ٥ - ثم يبسط فوق اللفافة الأولى اللفافة الثانية ويجعل فوقها حنوطاً وكافوراً. ٦ - ثم يبسط فوق اللفافة الثانية اللفافة الثالثة ويجعل فوقها حنوطاً وكافوراً ولا يجعل فوق العليا من الظاهر وعلى النعش حنوطاً؛ لأن أبا بكر ﵁ قال: ((لا تجعلوا على أكفاني حنوطاً)) (٢). ٧ - يوضع على اللفائف خرقة مثل التبان (٣) مشقوقة الطرف من

стр. 236

الأعلى ومن الأسفل ويجعل عليها حنوطاً في قطن، وهذه الخرقة تمسك الحنوط المخلوط من المسك والكافور ليكون بين إليتي الميت. ٨ - يُنقل الميت على الأكفان بساتر العورة الذي يستر عورته ، ويجعل الزائد من أطراف الكفن عند رأسه أطول مما عند رجليه، ويجعل الميت مستلقياً على ظهره. ٩ - يُؤتى بدهن العود أو المسك أو غير ذلك من الأطياب الطيبة، وقد قال النبي ﷺ : ((والمسك أطيب الطيب)) (١)، ويجعل من الطيب على مواضع السجود: على ركبتيه، ويديه، وجبهته وأنفه، وأطراف قدميه تشريفاً وإكراماً لهذه الأعضاء؛ لسجودها لله تعالى، ويوضع من هذا الطيب على حلقه، وعلى عينيه، وأنفه، وتحت إبطيه، وعلى سرته، وعلى أذنيه؛ لأن ابن عمر ﵄ كان يتتبع مغابن الميت ومرافقه بالمسك)) (٢). وإن طيب جسد الميت كله فلا بأس؛ لأن أنس بن مالك ﵁ طُلي بالمسك (٣)، وطلي ابن عمر ميتاً بالمسك (٤). ١٠ - تُوضع يداه محاذيتين لجنبيه، ويربط التبان بأخذ شقه الأعلى

стр. 237

والأسفل من اليمين، ثم يربط جيداً، ثم يؤخذ شقه الأعلى والأسفل من اليسار ثم يربط جيداً مثل ربط الحفائظ؛ لكي تمسك هذه الحفاظة الحنوط بين إليتي الميت، وتشد وتجمع مثانته وإليتيه؛ ليمنع ما ينزل من بطن الميت على الأكفان لو حصل ذلك حتى تستمر طهارتها إلى أن يوضع في قبره. ولا يطيب الميت بالورس ولا الزعفران؛ لأنهما إنما يستعملان للغذاء والزينة، وهو غير لائق بالميت؛ ولأنه ربما ظهر لونه على الكفن، ولا فرق في ذلك بين المرأة والرجل. ١١ - يبدأ بإحكام الكفن فيرد طرف اللفافة الأولى التي من جانب الميت الأيسر على طرفها الذي على شق الميت الأيمن، ثم يُردّ طرفها الأيمن على شقه الأيسر، من رأسه إلى رجليه، قال ابن قدامة ﵀: ((وإنما استحب ذلك؛ لئلا يسقط عنه الطرف الأيمن إذا وضع على يمينه في القبر)) (١). ثم يسحب ساتر العورة، ثم يأخذ شق اللفافة الثانية الأيسر فيرده على شقه الأيمن، ثم يرد الأيمن على شقه الأيسر، ثم يأخذ شق اللفافة الثالثة الأيسر فيرده على الأيمن، ثم شقها الأيمن على شقه الأيسر، ويجعل أكثر الزائد عند رأسه كما تقدم؛ لأن رأسه أحق بالستر من رجليه؛ ولشرفه، ويدل على ذلك تكفين مصعب بن عمير كما تقدم. ١٢ - يبدأ بالأربطة، فيبدأ بالرباط على الرأس وما زاد من اللفائف يرد على وجه الميت، ويربط بالزائد من الرباط نفسه، ثم يربط ما تحت الرجلين، وما زاد من اللفائف يرد على رجليه ويربط بالزائد من الرباط نفسه، فإن كانت الأربطة سبعة، فالرباط الثالث على صدره، والرابع على بطنه، والخامس على إليتيه،

стр. 238

والسادس على فخذيه، والسابع على ساقيه، وإن كانت خمسة أربطة أو ثلاثة فلا بأس، لكن توزع على أعلاه، ووسطه، وأسفله، قال الإمام ابن باز ﵀: ((ليس في ذلك حد، لكن الثلاثة تكفي في أعلاه، وأسفله، ووسطه، وإن اكتفي باثنين فلا بأس، لكن المهم ضبط الكفن حتى لا ينتشر)) (١). ويكون ربط الأربطة من ناحية جنبه الأيسر ربطاً يسهل حله إذا وضع في القبر على جنبه الأيمن. ١٣ - تكفن المرأة في خمسة أثواب بيض من قطن إن تيسر البياض: إزار، وخمار، وقميص، ولفافتين؛ لما تقدم، وإن كفنت كالرجل فلا بأس، لكن الأفضل أن تكفن في خمسة أثواب. والواجب ثوب يستر جميع جسد الميت، سواء كان كبيراً، أو صغيراً، ذكراً كان أو أنثى، وأما ما تقدم فهو الأفضل والأكمل (٢). السادس عشر: الصلاة على الميت يراعى في الصلاة على الميت الأمور الآتية: الأمر الأول: حكم الصلاة على الميت: فرض كفاية ؛ لمفهوم قول الله تعالى: ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِالله وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (٣)، فلما نهى عن الصلاة على المنافقين دلَّ على أن الصلاة على

стр. 239

المؤمنين شريعة قائمة وهو كذلك (١)؛ ولأن النبي ﷺ كان يصلي على أموات المسلمين باستمرار، وكان يقول أحياناً: ((صلوا على صاحبكم)) (٢). الأمر الثاني: فضل الصلاة على الميت ، لقد تفضل الله على عباده المؤمنين بأن وعدهم بالأجر العظيم على الصلاة على أموات المسلمين، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من اتّبع جنازة مسلم إيماناً واحتساباً وكان معه حتى يُصلَّى عليها، ويفرغ من دفنها، فإنه يرجع من الأجر بقيراطين، كل قيراط مثل أحد، ومن صلى عليها ثم رجع قبل أن تدفن فإنه يرجع بقيراط)) (٣). وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه كان قاعداً عند عبدالله بن عمر إذا طلع خباب صاحب المقصورة، فقال: يا عبدالله بن عمر، ألا تسمع ما يقول أبو هريرة؟ إنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ((من خرج مع جنازة من بيتها وصلى عليها، ثم تبعها حتى تدفن كان له قيراطان من أجر كل قيراط مثل أحد، ومن صلى عليها ثم رجع كان له من الأجر مثل أحد)) فأرسل ابن عمر خباباً إلى عائشة يسألها عن قول أبي هريرة ثم يرجع إليه فيخبره ما قالت؟ وأخذ ابن عمر قبضة من حصباء المسجد يقلبها في يده حتى رجع إليه الرسول فقال: قالت عائشة: صدق أبو هريرة، فضرب ابن عمر بالحصى الذي كان في يده الأرض،

стр. 240

ثم قال: لقد فرطنا في قراريط كثيرة)).وفي لفظ: ((قيل لابن عمر: إن أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من تبع جنازة فله قيراط من الأجر)). فقال ابن عمر: أكثر أبو هريرة علينا، فبعث إلى عائشة فسألها فصدقت أبا هريرة، فقال ابن عمر، لقد فرطنا في قراريط كثيرة)) (١). وسئل شيخنا ابن باز ﵀ عمن صلى على خمس جنائز فهل له بكل جنازة قيراط؟ فأجاب: نرجو له قراريط بعدد الجنائز، لقوله ﷺ : ((من صلى على جنازة فله قيراط، ومن تبعها حتى تدفن فله قيراطان)) (٢). وما جاء في معنى ذلك من الأحاديث وكلها دالة على أن القراريط تتعدد بعدد الجنائز .. وهذا من فضل الله سبحانه وجوده وكرمه على عباده فله الحمد والشكر لا إله غيره ولا رب سواه والله ولي التوفيق (٣). وسئل شيخنا ابن باز ﵀ عن حكم السفر لأجل الصلاة على الميت؛ فقال: ((لا حرج في ذلك)) (٤). الأمر الثالث: فضل الله على عبده المسلم الميت بشرعية الصلاة عليه ، وقبول شفاعة إخوانه فيه؛ لحديث عائشة ﵂، عن النبي ﷺ أنه قال: ((ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه)) (٥)؛ ولحديث ابن عباس ﵄ قال:

стр. 241

سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً إلا شفعهم الله فيه)) (١). وقد جمع أهل العلم بين حديث المائة، والأربعين، فسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀ يقول: ((قال أهل العلم في الجمع بين حديث المائة وحديث الأربعين: إن حديث المائة أولاً، ثم تفضل الله وجعل الأربعين يقومون مقام المائة في قبول الشفاعة، وبكل حال فالحديثان يدلان على استحباب كثرة الجمع على الجنائز)) (٢). الأمر الرابع: شهيد المعركة لا يُصلَّى عليه ؛ لحديث جابر بن عبد الله ﵄ وفيه: (( ... وأمر بدفنهم في دمائهم، ولم يُغسَّلوا ولم يصلَّ عليهم)) (٣). أما الذي يُجرح في المعركة ثم يموت بعد ذلك فإنه يُصلّى عليه، وكذلك شهداء غير المعركة يُصلى عليهم، كالذي يموت بالهدم، والغرق، والسل، والمقتول ظلماً على الصحيح، وغيرهم من الشهداء

стр. 242

الذين يموتون في غير معركة الجهاد، يغسلون ويصلى عليهم. الأمر الخامس: السقط والطفل يصلى عليهما ويُدعى لوالديهما؛ لحديث المغيرة بن شعبة ﵁ يرفعه وفيه: ((والسقط يُصلَّى عليه ويُدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة)). وفي لفظ: ((والطفل يُصلَّى عليه)) (١). الأمر السادس: الإمام الأعظم لا يصلِّي على الغال وقاتل نفسه ، بل يصلي عليه سائر الناس؛ لحديث زيد بن خالد الجهني: أن رجلاً من المسلمين توفي بخيبر، وأنه ذُكِرَ لرسول الله ﷺ فقال: ((صلّوا على صاحبكم)) قال: فتغيرت وجوه القوم لذلك، فلما رأى الذي بهم قال: ((إن صاحبكم غلَّ في سبيل الله)) ففتشنا متاعه فوجدنا فيه خرزاً من خرز اليهود ما يساوي درهمين)) (٢)؛ ولحديث جابر بن سمرة، قال: أُتي النبي ﷺ برجل قتل نفسه بمشاقص فلم يصلِّ عليه)) (٣). وسمعت الإمام ابن باز ﵀ يقول عن حديث زيد بن خالد: ((دل الحديث على فوائد: أن ولي الأمر لا يصلي على الغال، وأنه يُصلِّي على

стр. 243

العاصي)) وقال عن حديث جابر: ((قاتل نفسه أتى جريمة عظيمة فلا يصلي عليه الإمام أو كبار البلد والجماعة ويصلي عليه غيرهم)) (١). الأمر السابع: يُصلى على من قُتل حدّاً ؛ لحديث جابر ﵁ أن رجلاً من أسلم جاء إلى النبي ﷺ فاعترف بالزنا، فأعرض عنه حتى شهد على نفسه أربع مرات، فقال له النبي ﷺ : ((أبك جنون؟)) قال: لا. قال: ((أحصنت؟)) قال: نعم، فأمر به فرجم بالمصلى، فلما أذلفته الحجارة فرَّ، فأُدرِك فَرُجِم حتى مات، فقال له النبي ﷺ خيراً وصلّى عليه)) (٢). وقد صح عنه ﵊ أنه صلى على الغامدية (٣)، وصلى على الجهنية (٤). وسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول عن هذا الحديث: ((يدل على أنه يُصلَّى على من أُقيم عليه الحد؛ لأن الحد قد طهره، ورواية من قال لم يصلِّ على ما عز أثبت منها من أثبت الصلاة عليه، فالصواب أنه صلى على ماعز)) (٥). الأمر الثامن: الصلاة على الغائب بالنية ، فيستقبل القبلة ويصلى عليه إن لم يصلَّ عليه أو كان له شأن في الإسلام، وقد ثبت أن النبي ﷺ صلى على النجاشي؛ لحديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ صلى على النجاشي، فكنت في الصف الثاني أو الثالث، وفي لفظ قال النبي ﷺ : ((قد توفي اليوم رجل صالح من الحبش فهلمَّ فصلُّوا عليه)). قال: فصففنا فصلى النبي ﷺ

стр. 244

ونحن صفوف. وفي لفظ: ((أن النبي ﷺ صلى على أصحمة النجاشي فكبّر عليه أربعاً)). وفي لفظ: ((قوموا فصلوا على أخيكم أصحمة)) (١). وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ نعى النجاشيَّ في اليوم الذي مات فيه، خرج إلى المصلى فصف بهم، وكبر أربعاً. وفي لفظ: ((نعى لنا رسول الله ﷺ النجاشي صاحب الحبشة في اليوم الذي مات فيه فقال: ((استغفروا لأخيكم)). وفي لفظ: ((وكبر عليه أربع تكبيرات)) (٢). وعن عمران بن حصين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن أخاكم قد مات فقوموا فصلوا عليه)) يعني النجاشي (٣). وفي لفظ للترمذي: قال لنا رسول الله ﷺ : ((إن أخاكم النجاشي قد مات، فقوموا فصلوا عليه)). قال: فقمنا فصففنا كما يصفُّ على الميت، وصلينا عليه كما يُصلَّى على الميت)) (٤)، والأقرب والله تعالى أعلم: أنه يُصلَّى على الميت الغائب (٥) في حالتين:

стр. 245

الحالة الأولى: أن يموت في أرض ليس بها من يصلي عليه . الحالة الثانية: إذا كان فيه منفعة عظيمة للمسلمين: كالعالم الكبير الذي نفع الله بعلمه فانتفع به الناس، أو كالإمام الذي نفع الله به البلاد والعباد؛ فأقام العدل بين الناس وذَبَّ عن شريعة الإسلام، أو غير ذلك ممن نفع الله بهم الإسلام نفعاً ظاهراً، وهذا ما اختاره شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀ فقد سمعته يقول: ((دلَّ ذلك على أنه يُصلى على الغائب صلاة الغائب على الخواص: كالعالم، أما من قال: إن الصلاة على النجاشي؛ لأنه لم يصلَّ عليه فهذا بعيد؛ لأنه ملك عظيم [فكيف] لا يصلي عليه أحد من رعيته، هذا من أبعد الأشياء، أو مستحيل، والمعروف والعادة أن الملوك إذا أسلموا تبعهم بعض خواصهم)) (١)،وسمعته ﵀ يقول أيضاً: ((واختلف العلماء في الصلاة على الغائب: [فـ] منهم من قال: لا يُصلَّى على أحد إلا النجاشي، ومنهم من قال: يقاس على النجاشي من كان مثله، فيصلى على من له شأن في نصر الإسلام والمسلمين، وهذا عليه أئمة الدعوة)) (٢) (٣).

стр. 246

قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((وتتوقف الصلاة على الغائب بشهر كالصلاة على القبر)) (١)، والله أحكم الحاكمين والموفق للصواب (٢). وصفة الصلاة على الغائب كصفة الصلاة على الجنازة الحاضرة. الأمر التاسع: مشروعية الصلاة على القبر إلى شهر ، وحكم الصلاة على الجنازة وتكرارها؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: ((انتهى رسول

стр. 247

الله ﷺ إلى قبر رطب، فصلَّى عليه، وصفوا خلفه، وكبر أربعاً)) (١)؛ ولحديث أبي هريرة ﵁:أن امرأة سوداء كانت تقمّ المسجد - أو شاباً - ففقدها رسول الله ﷺ فسأل عنها - أو عنه - فقالوا: مات، قال: ((أفلا كنتم آذنتموني؟)) قال: فكأنهم صغَّروا أمرها - أو أمره - فقال: ((دلوني على قبره)) فدلوه فصلى عليها ثم قال: ((إن هذه القبور مملوءة ظلمةً على أهلها، وإن الله ينوِّرها لهم بصلاتي عليهم)) (٢). وعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ صلى على قبر (٣). وعن سعيد بن المسيب ﵁ ((أن أمَّ سعدٍ ماتت والنبي ﷺ غائب، فلما قدم صلى عليها، وقد مضى لذلك شهر)) (٤). وعن ابن عباس ﵄ ((أن النبي ﷺ صلى على قبر بعد شهر)) (٥). وعنه ((أن النبي ﷺ صلى على ميت بعد ثلاث)) (٦). وعن زيد بن ثابت ﵁:أنهم خرجوا مع رسول الله ﷺ ذات يوم فرأى قبراً جديداً، فقال: ((ما هذا؟)) قالوا: هذه فلانة - مولاة بني فلان، فعرفها رسول الله ﷺ - ماتت ظهراً وأنت نائم قائل، فلم نُحبَّ أن نوقظك بها، فقام

стр. 248

رسول الله ﷺ وصف الناس خلفه وكبر عليها أربعاً، ثم قال: ((لا يموت فيكم ميت ما دمت بين أظهركم إلا آذنتموني به، فإن صلاتي له رحمة)) (١). قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((وجملة ذلك أن من فاتته الصلاة على الجنازة، فله أن يصلي عليها ما لم تدفن، فإن دفنت فله أن يصلي على القبر إلى شهر، هذا قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، روي ذلك عن أبي موسى، وابن عمر، وعائشة ﵃ .... )) (٢). وسمعت الإمام شيخنا ابن باز رحمه الله تعالى يقول عن الأحاديث السابقة: ((هذه الأحاديث فيها تحديد الصلاة على الميت بعد موته في حدود شهر، وفي ذلك تواضع النبي ﷺ ، فلم ينقل عن النبي ﷺ الصلاة على الميت أكثر من شهر، والصلاة توقيفية، أما رواية صلاته على الشهداء بعد ثمان سنوات فيقال: بأنه دعا لهم ولم يصلِّ عليهم)) (٣)، وسمعته يقول: ((هذا يدل على رحمته ﷺ بالمسلمين، وفيه فضل كناسة المساجد، ومشروعية الصلاة على القبر، وأكثر ما ورد في الصلاة على القبر شهر؛ لأنه ﷺ صلى على أم سعدٍ بعد شهر، أما ما زاد فالأصل عدم ذلك، أما ما ذكر من صلاته على قتلى أحد، فيحتمل أنه دعا لهم كدعوات الجنازة، ويحتمل أن هذا خاص به يودع الأحياء والأموات)) (٤). والله أعلم (٥).

стр. 249

وأما إعادة الصلاة على الجنازة وتكرارها فالصواب من أقوال أهل العلم: ((إنه لا بأس ولا مانع من إعادة صلاة الجنازة لسببٍ، كمن يُصلِّيها مع الناس، ثم يعيدها مع من يصلِّيها؛ وهذا مثل من يصلِّي الفريضة في مسجد ثم يذهب لمسجدٍ آخر لحاجةٍ، فوجد الناس يصلُّون فيه؛ فإنه يعيدها معهم، وتكون له نافلة، فكذلك صلاة الجنازة، أما إعادة الفريضة بدون سببٍ فلا، وكذلك لا تعاد صلاة الجنازة بدون سببٍ على الصحيح)) (١) (٢).

стр. 250

وصفة الصلاة على القبر كصفة الصلاة على الجنازة؛ لهذه الأحاديث. الأمر العاشر: موقف الإمام من الرجل والمرأة في صلاة الجنازة ، يقف عند رأس الرجل ووسط المرأة؛ لحديث أبي غالب قال: صليت مع أنس بن مالك على جنازة رجل فقام حيال رأسه، ثم جاؤوا بجنازة امرأة من قريش، فقالوا: يا أبا حمزة صلِّ عليها، فقام حيال وسط السرير، فقال له العلاء بن زياد: هكذا رأيت النبي ﷺ قام على الجنازة مقامك منها؟ ومن الرجل مقامك منه؟ قال: نعم، فلما فرغ قال: احفظوا)) (١). وعن سمرة بن جندب ﵁ قال: ((صليت وراء النبي ﷺ على امرأة ماتت في نفاسها فقام رسول الله ﷺ للصلاة عليها وَسْطَهَا)) (٢). قال الإمام ابن القيم ﵀: ((وكان من هديه ﷺ أنه كان يقوم عند
следующие страницы →