الباب الثاني
القول على الله بغير علم
الفصل الأول: الكذب على الله ورسوله ﷺ
وفيه ثلاثة مباحث.
الفصل الثاني: الكذب عموماً.
وفيه أربعة مباحث.
الفصل الثالث: شهادة الزور وقول الزور.
وفيه ثلاثة مباحث.
стр. 37
الفصل الأول: الكذب على الله تعالى ورسوله ﷺ -
المبحث الأول: تعريف الكذب
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: ((واعلم أن مذهب أهل السنة أن الكذب هو الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو، تعمّدت ذلك أم جهلته، لكن لا يأثم في الجهل، وإنما يأثم في العمد)) (١).
فالكذب: الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو، عمداً كان أو سهواً.
المبحث الثاني: الترهيب من الكذب على الله تعالى ورسوله ﷺ -
لا شك أن من كذب على الله وعلى رسوله أشدّ وأعظم ذنباً، وأقبح فعلاً ممن كذب على من سوى الله ورسوله.
قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى الله كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ الله لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (٢).
وقال سبحانه: ﴿وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ (٣).
وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ الله أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ (٤).
стр. 38
وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى الله كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ (١).
وقال : ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ الله وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ﴾ (٢).
وقال : ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى الله الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ﴾ (٣).
وقال : ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ الله وَأُوْلئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ (٤).
وقال : ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى الله الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى الله الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ﴾ (٥).
وقال : ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى الله كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزَلَ الله وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى الله غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٦).
стр. 39
وقال : ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِالله مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (١).
وعن علي ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((لا تكذبوا عليَّ؛ فإنه من كذب عليّ فليلجِ النار)) (٢).
وعن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال: قلت للزبير: إني لا أسمعك تحدّث عن رسول الله ﷺ كما يحدّث فلان وفلان، قال: أما إني لم أفارقه، ولكن سمعته يقول: ((من كذب عليَّ فليتبوّأ مقعده من النار)) (٣).
قال أنس: إنه ليمنعني أن أحدثكم حديثاً كثيراً أن النبي ﷺ قال: ((من تعمّد علي كذباً فليتبوأ مقعده من النار)) (٤).
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((تسموا باسمي ولا تكتنوا
стр. 40
بكنيتي، ومن رآني في المنام فقد رآني؛ فإن الشيطان لا يتمثّل في صورتي، ومن كذب علي متعمّداً فليتبوّأ مقعده من النار)) (١).
وعن سلمة بن الأكوع ﵁: قال سمعت النبي ﷺ يقول: ((من يقلْ عليّ ما لم أقلْ فليتبوّأ مقعده من النار)) (٢).
وفي صحيح مسلم: ((من حدَّث عني بحديث يُرَى أنه كذب فهو أحد الكاذبين)) (٣).
وعن المغيرة بن شعبة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن كَذِباً عليَّ ليس كَكَذِبٍ على أحد، فمن كذب عليّ متعمّداً فليتبوّأ مقعده من النار)) (٤).
وعن واثلة بن الأسقع ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((إن من أعظم الفِرى أن يدَّعي الرجل إلى غير أبيه، أو يُريَ عينه ما لم ترَ، أو يقول على رسول الله ﷺ ما لم يقل)) (٥).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((كفى بالمرء كذباً أن
стр. 41
يحدِّث بكل ما سمع)) (١).
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: ((ما أنت بمحدّثٍ قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة)) (٢).
وقال عمر بن الخطاب ﵁: ((بحسب المرء من الكذب أن يُحَدِّثَ بكل ما سمع)) (٣).
وقال ابن وهب: ((قال لي مالك: اعلم أنه ليس يسلم رجل حدَّث بكل ما سمع، ولا يكون إماماً أبداً وهو يحدِّث بكل ما سمع)) (٤).
وقال عبد الرحمن بن مهدي: ((لا يكون الرجل إماماً يُقتدى به حتى يمسك عن بعض ما سمع)) (٥).
المبحث الثالث: ما يمتاز به الكاذب على رسول الله ﷺ من الوعيد على من كذب على غيره وحكم الكذب عليه ﷺ -
١ - الكذب على النبي ﷺ فاحشة عظيمة وموبقة كبيرة ، ولكن لا يكفر بهذا إلا أن يستحله وهذا مذهب الجمهور.
٢ - والرأي الثاني أن الكذب عليه ﷺ يكفر متعمّده عند بعض أهل
стр. 42
العلم. وهو الشيخ أبو محمد الجويني، لكن ضعفّه ابنه إمام الحرمين ومن بعده. ومال ابن المنيّر إلى اختياره. وَوَجَّهه بأن الكذب عليه في تحليل حرام مثلاً لا ينفكّ عن استحلال ذلك الحرام، أو الحمل على استحلاله، واستحلال الحرام كفر، والحمل على الكفر كفر.
وقال إمام الحرمين عن هذا الرأي - رأي والده - إنه هفوة عظيمة، ورجّح الإمام النووي ﵀ والحافظ ابن حجر رأي الجمهور وهو أنه لا يكفر إلا إذا اعتقد حلَّ ذلك.
٣ - قال الإمام ابن حجر: الكذب عليه ﷺ كبيرة، والكذب على غيره صغيرة فافترقا ، ولا يلزم من استواء الوعيد في حقّ من كذب عليه أو كذب على غيره أن يكون مقرّهما واحداً أو طول إقامتهما سواء، فقد دلّ قوله ﷺ ((فليتبوأ)) على طول الإقامة فيها، بل ظاهره أنه لا يخرج منها؛ لأنه لم يجعل له منزلاً غيره، إلا أن الأدلة القطعية قامت على أن خلود التأبيد مختص بالكافرين، وقد فرَّق النبي ﷺ بين الكذب عليه وبين الكذب على غيره ... فقال ﵊: ((إن كذباً عليّ ليس ككذب على أحد .. )) (١).
٤ - من كذب على النبي ﷺ عمداً في حديث واحد فسق ورُدّت رواياته كلها ، وبطل الاحتجاج بجميعها ... (٢).
стр. 43
٥ - والكذب على رسول الله ﷺ كذب على الله ؛ لأن الله يقول:
﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ (١). فيدخل من كذب على الرسول ﷺ في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى الله الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ﴾ (٢)، والله تعالى أعلم.
стр. 44
الفصل الثاني: الكذب على وجه العموم
المبحث الأول: حكم الكذب
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى (١): ((قد تظاهرت نصوص الكتاب والسنة على تحريم الكذب في الجملة، وهو من قبائح الذنوب وفواحش العيوب، وإجماع الأمة منعقد على تحريمه مع النصوص المتظاهرة ... )).
ثم قال ﵀: ((ويكفي في التنفير منه الحديث المتفق على صحته عن أبي هريرة ﵁)) قال: قال رسول الله ﷺ : ((آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان)) (٢).
المبحث الثاني: الترهيب من الوقوع في الكذب على وجه العموم
قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ (٣).
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكون صدّيقاً، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذّاباً)) (٤).
стр. 45
وفي رواية لمسلم: ((عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرّى الصدق حتى يُكتب عند الله صدّيقاً، وإياكم والكذب؛ فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرّى الكذب حتى يكتب عند الله كَذَّاباً)) (١).
وقد بوّب البخاري في صحيحه بترجمةٍ قال فيها: ((باب ما يمحق الكذبُ والكتمانُ في البيع))، ثم ساق الحديث الذي رواه حكيم بن حزام ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((البيِّعان بالخيار ما لم يتفرَّقا- أو قال حتى يتفرَّقا - فإن صدقا وبيّنا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا مُحقت بركة بيعهما)) (٢).
وعن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال سمعت النبي ﷺ يقول: ((ويلٌ للذي يُحَدِّثُ بالحديث ليضحك به القوم فيكذب، ويلٌ له،
ويلٌ له)) (٣).
стр. 46
وفي حديث سمرة بن جندب الطويل الذي فيه رؤيا النبي ﷺ قال فيه: (( ... لكنِّي رأيت الليلة رجلين أتياني فأخذا بيدي فأخرجاني إلى الأرض المقدسة فإذا رجل جالس ورجل قائم بيده كلوب من حديد - قال بعض أصحابنا عن موسى: كلوب من حديد يدخله في شدقه- حتى يبلغ قفاه، ثم يفعل بشدقه الآخر مثل ذلك ويلتئم شدقه هذا فيعود فيصنع مثله، قلت: ما هذا قالا: انطلق ... )) وفي آخر الحديث قال ﷺ : ((قلت: طوّفتماني الليلة فأخبراني عما رأيت قالا: نعم، أما الذي رأيته يُشقّ شدقه فكذاب يُحَدِّثُ بالكذبة فتحمل عنه حتى تبلغ الآفاق، فيصنع به ما رأيت إلى يوم القيامة ... )) (١). وفي رواية للبخاري أنه قيل للنبي ﷺ : (( .. وأما الرجل الذي أتيت عليه يشرشر شدقه إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه؛ فإنه الرجل يغدُو من بيته فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق)) (٢).
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان)) (٣).
المبحث الثالث: الكذب في الرؤيا أو الحُلْم
عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((من تحلَّم بحُلم لم يره كُلِّف أن يعقد بين شعيرتين ولن يفعل، ومن استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون أو يفرُّون منه صُبَّ في أُذنه الآنك يوم القيامة، ومن صور
стр. 47
صورة عُذِّب وكُلِّف أن ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ)) (١).
المبحث الرابع: ما يباح من الكذب
عن أم كلثوم بنت عقبة أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ليس الكذَّابُ الذي يصلح بين الناس فينمي خيراً، أو يقول خيراً)) (٢).
وفي رواية لمسلم عن أم كلثوم أيضاً: ((ولم أسمعه يُرخِّص في شيء مما يقول الناس إلا في ثلاث: بمثل ما جعله يونس من قول ابن شهاب)) (٣).
قلت: وقول ابن شهاب هو ما رواه مسلم عن ابن شهاب أنه قال: ((ولم أسمَعْ يرخّص في شيء مما يقول الناسُ كذبٌ إلا في ثلاث: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها)) (٤).
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: ((وهذا الحديث صريح في إباحة بعض الكذب للمصلحة، وقد ضبط العلماء ما يُباح منه، وأحسن ما رأيته ما ذكره الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى قال: ((الكلام وسيلة إلى المقاصد، فكل مقصود محمود يمكن التوصل إليه بالصدق والكذب جميعاً، فالكذب فيه حرام، لعدم الحاجة إليه، وإن أمكن التوصّل إليه
стр. 48
بالكذب ولم يكن بالصدق، فالكذب فيه مباح إن كان تحصيل ذلك المقصود مباحاً، وواجب إن كان المقصود واجباً.
فإذا اختفى مسلم من ظالم وسأل عنه وجب الكذبُ بإخفائه، وكذا لو كان عنده أو عند غيره وديعة، وسأل عنها ظالم يريد أخذها وجب عليه الكذب بإخفائها ... ولو استحلفه عليه لزمه أن يحلف ويورّي في يمينه ... وهذا إن لم يحصل الغرض إلا بالكذب، والاحتياط في هذا كله أن يورّي [في يمينه]، ومعنى التورية أن يقصد بعبارته مقصوداً صحيحاً ليس هو كاذباً بالنسبة إليه، وإن كان كاذباً في ظاهر اللفظ، ولو لم يقصد هذا بل أطلق عبارة الكذب فليس بحرام في هذا الموضع ... وكذا كلما ارتبط به غرض مقصود صحيح له أو لغيره، فالذي له مثل: أن يأخذه ظالم ويسأله عن ماله ليأخذه فله أن ينكره، أو يسأله السلطان عن فاحشة بينه وبين الله تعالى فله أن ينكرها ... وأما غرض غيره فمثل أن يُسأل عن سر أخيه فينكره ونحو ذلك ... وينبغي أن يقابل بين مفسدة الكذب والمفسدة المترتبة على الصدق، فإن كانت المفسدة في الصدق أشد ضرراً فله الكذب وإن كان عكسه، أو شكّ، حرم عليه الكذب ... )) (١).
وقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى: بعض ما رُويَ عن السلف من المعاريض التي تخلصوا بها من الكذب ، ومن هذه المعاريض ما يأتي:
١ - رُويَ عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: ((إن في معاريض الكلام ما
стр. 49
يغني الرجل عن الكذب)) (١).
٢ - وروي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: ((ما يسرني بمعاريض الكلام حمر النعم)) (٢).
٣ - وقال بعض السلف كان لهم كلام يدرؤون به عن أنفسهم العقوبة والبلايا (٣).
٤ - وقد رُويَ أنه لقي رسول الله ﷺ طليعة للمشركين وهو في نفر من أصحابه فقال المشركون: ((ممن أنتم؟ فذُكِرَ أن النبي ﷺ قال: ((نحن من ماء)) فنظر بعضهم إلى بعض فقالوا: أحياء اليمن كثيرة لعلهم منهم، وانصرفوا)) (٤).
٥ - والمراد ﷺ بقوله: (نحن من ماء) قوله تعالى: ﴿خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ﴾ (٥).
٦ - وكان حمّاد رحمه الله تعالى: إذا جاء من لا يريد الاجتماع به وضع يده على ضرسه ثم قال: ((ضرسي ضرسي)).
٧ - وسُئِل أحمد عن المروزي وهو عنده ولم يُرِدْ أن يخرج إلى السائل
стр. 50
فوضع أحمد أصبعه في كفه وقال: ليس المروزي هاهنا وماذا يصنع المروزي هاهنا .. ؟
ثم ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى أن الحيل ثلاثة أنواع:
النوع الأول: قربة وطاعة وهو من أفضل الأعمال عند الله تعالى .
النوع الثاني: جائز مباح لا حرج على فاعله، ولا على تاركه ، وترجح فعله على تركه أو عكس ذلك تابع لمصلحته.
النوع الثالث: محرم، ومخادعة لله تعالى ورسله ، متضمن لإسقاط ما أوجبه وإبطال ما شرعه، وتحليل ما حرّمه، وإنكار السلف والأئمة وأهل الحديث إنما هو لهذا النوع ... (١).
стр. 51
الفصل الثالث: شهادة الزور
المبحث الأول: تعريف الزّور
الأصل في الزور، تحسين الشيء، ووصفه بخلاف صفته، حتى يُخَيَّل إلى من يسمعه أو يراه أنه خلاف ما هو به.
والشرك قد يدخل في ذلك؛ لأنه محسّن لأهله حتى قد ظنُّوا أنه حق وهو باطل. ويدخل فيه الغناء؛ لأنه أيضاً مما يحّسنه ترجيع الصوت حتى يستحلّ سَامِعُهُ سَمَاعَه.
والكذب أيضاً: قد يدخل فيه؛ لتحسين صاحبه إياه حتى يظن صاحبه أنه حق.
فكل ذلك مما يدخل في معنى الزور؛ فإن كان ذلك كذلك فأولى الأقوال بالصواب ... أن يقال: إن الزور كل باطل سواء كان ذلك، شركاً، أو غناء، أو كذباً، أو غيره، وكل ما لزمه اسم الزور؛ لأن الله عمّ في وصفه عباد الرحمن أنهم لا يشهدون الزور، فلا ينبغي أن يُخصّ من ذلك شيئاً إلا بحجة (١).
المبحث الثاني: الترهيب من الوقوع في شهادة الزور
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لله وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَالله أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ الله كَانَ بِمَا
стр. 52
تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (١).
وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لله شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ الله إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٢).
وقال : ﴿وَالَّذِينَ هُم بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ﴾ (٣).
وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ (٤).
وقال : ﴿وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (٥).
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ الله وَمَا الله بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (٦).
وقال : ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لله ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِالله
стр. 53
وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾ (١).
وقال سبحانه: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ الله فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأَنْعَامُ إِلاّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ (٢).
وقال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ (٣).
وقال : ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِالله مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (٤).
قال الإمام عبد الرحمن بن الجوزي - رحمه الله تعالى -: ((قوله تعالى:
﴿وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ عامٌّ في تحريم القول في الدين من غير يقين)) (٥).
وعن أبي بكرة قال: قال النبي ﷺ : ((ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ ثلاثاً))، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ((الإشراك بالله، وعقوق الوالدين)) وجلس وكان متكئاً فقال: ((ألا وقَولُ الزور)) فمازال يكررها حتى قلنا ليته
стр. 54
سكت (١).
وعن خريم بن فاتك الأسدي قال: صلى النبي ﷺ الصبح فلما انصرف قام قائماً فقال: ((عدلت شهادة الزور بالإشراك بالله ثم تلا هذه الآية:
﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ * حُنَفَاء لله غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾)) (٢).
وعن أنس ﵁ قال: سُئلَ رسول الله ﷺ عن الكبائر قال: ((الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، وشهادة الزور)) (٣).
وقد ترجم البخاري ﵀ في صحيحه فقال: ((باب ما قيل في شهادة الزور لقول الله ))، والذين لا يشهدون الزور، وكتمان الشهادة لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (٤).
وقد ترجم البخاري ﵀ في صحيحه باباً قال فيه: ((باب لا يشهد على شهادة جور إذا أُشهِد)).
стр. 55
عن النعمان بن بشير ﵄ قال: سألت أمي أبي بعض الموهبة لي من ماله. ثم بدا له فوهبها لي. فقالت: لا أرضى حتى تشهد النبي ﷺ ، فأخذ بيدي وأنا غلام فأتى بي النبي ﷺ فقال: إن أمه بنت رواحة سألتني بعض الموهبة لهذا، قال: ((ألك ولد سواه؟)) قال: نعم، قال فأراه قال: ((لا تشهدني على جور))، وفي رواية: ((لا أشهد على جور)) (١).
وعن عمران بن حصين ﵄ قال: قال النبي ﷺ : ((خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)) قال عمران: ((لا أدري أذكر النبي ﷺ بَعد قرنين أو ثلاثة)).
قال النبي ﷺ : ((إن بعدكم قوماً يخونون ولا يؤتمنون، ويشهدون ولا يستشهدون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن)) (٢).
وعن عبيدة عن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء أقوام تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته)).
قال إبراهيم: ((وكانوا يضربوننا على الشهادة، والعهد)) (٣).
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله ما الكبائر؟ قال: ((الإشراك بالله))،قال: ثم ماذا؟
стр. 56
قال: ((ثم عقوق الوالدين))،قال: ثم ماذا؟ قال: ((اليمين الغموس))، قلت: وما اليمين الغموس؟ قال: ((الذي يقتطع مال امرئٍ مسلم هو فيها كاذب)) (١).
واليمين الغموس سُمّيت بذلك؛ لأنها تغمس صاحبها في الإثم ثم في النار، ولا كفّارة فيها؛ لأنها يمين غير منعقدة؛ ولأن المنعقد ما يمكن حلّه، ولا يَتَأتَّى في اليمين الغموس البر أصلاً (٢).
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((من لم يدع قول الزور والعمل به، والجهل، فليس لله حاجة أن يدع طعامه، وشرابه)) (٣).
فنجد أن الله ﵎ حرّم شهادة الزور؛ لكونها سبباً لإبطال الحق، وحرم كتمانها؛ لكونه سبباً أيضاً لإبطال الحق (٤).
المبحث الثالث: ما يترتب على شهادة الزور من الجرائم
شهادة الزور عظيمة الخطر والضرر؛ لأنه يترتب عليها جرائم كثيرة، منها ما يأتي:
١ - تضليل الحاكم عن الحق والتسبب في الحكم بالباطل ؛ لأن الحكم ينبني على أمور منها: ((البينة على المدعي واليمين على من أنكر، فإذا كانت البينة كاذبة أثَّرت على الحكم، فكان بخلاف الحق، والإثم على
стр. 57
الشاهد؛ ولذلك قال النبي ﷺ : ((إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إليَّ، ولعلّ أحدَكم ألحن بحجته من الآخر فأقضي له نحو ما أسمع)) (١).
٢ - الظلم لمن شهد له؛ لأنه ساق إليه ما ليس بحق بسبب شهادة الزور ، فوجبت له النار لقول النبي ﷺ : ((إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له بحق أخيه شيئاً بقوله فإنما أقطع له قطعة من النار، فلا يأخذها)) (٢).
٣ - الظلم لمن شهد عليه حيث أخذ منه ماله أو حقه بالشهادة الكاذبة ، فيتعرض الشاهد بذلك لدعوة المشهود عليه بغير الحق ظلماً، ودعوة المظلوم مستجابة لا تُرَدُّ، وليس بينها وبين الله حجاب كما قال النبي ﷺ : ((ثلاثة لا تردّ دعوتهم ... )) وذكر منهم (( ... دعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام وتفتح لها أبواب السماء ويقول الربُّ: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين)) (٣)،وقال ﷺ : ((من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرَّم عليه الجنة))، فقال له رجلٌ: وإن كان شيئاً يسيراً يا رسول الله؟ قال: ((وإن قضيباً من
стр. 58
أراك)) (١).
٤ - تخليص المجرمين من عقوبة الجريمة بالشهادة الباطلة ، وذلك يسبب للناس الرغبة في ارتكاب الجرائم اتكالاً على وجود شهادة الزور.
٥ - يترتب على شهادة الزور انتهاك المحرمات، وإزهاق النفوس المعصومة ، وأكل الأموال بالباطل، والحاكم والمحكوم له وعليه بالباطل خصماء لشاهد الزور عند أحكم الحاكمين يوم القيامة.
٦ - يحصل بشهادة الزور تزكية المشهود له وهو ليس أهلاً لذلك ، ويحصل بها جرح المشهود عليه بالباطل، والتزكية شهادة للمزكى، فإذا كان حال المزكى وواقعه بخلاف مضمون التزكية؛ فإن المزكي شاهد بالزور حيث شهد بخلاف الحق، أو بما لا يعلم حقيقته.
فكذلك شاهد الزور و٠هو مُزَكٍّ للظالم، ومُجَرِّحٌ للمظلوم.
٧ - يترتب على شهادة الزور القول في دين الله بغير حق وبغير علم ؛ فإن ذلك من أعظم الفتن، ومن أخطر أسباب الصدّ عن سبيل الله، ومن أفحش عوامل الضلال للناس، وهو من الجرأة على الله، ومن أوضح الأدلة على جهل قائله خاصة إذا تبيّن له الحق فلم يرجع إليه، أو على نفاقه وإلحاده، قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى الله الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى الله الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ﴾ (٢).فما أكثر شهادة الزور اليوم، ومثلهم الذين يحرّمون ما أحل الله لهم من طعام أو غيره.
стр. 59
وأخطر من ذلك قوم يكتمون الحق مع علمهم به، ويظهرون الباطل ويدعون إليه الناس ويُزَيِّنُونَهُ لهم نسأل الله العافية في الدنيا والآخرة (١).
стр. 60
الباب الثالث: القذف والخصومات وبذاءة اللسان
الفصل الأول: القذف
وفيه مبحثان.
الفصل الثاني: الجدال والخصومة.
وفيه ثلاثة مباحث.
الفصل الثالث: بذاءة اللسان بقبيح الكلام.
وفيه خمسة وعشرون مبحثاً.
الفصل الرابع: وجوب حفظ اللسان.
стр. 61
الفصل الأول: القذف
المبحث الأول: تعريف القذف
يقال: قذف بالحجارة (أي) رمى بها، والمحصنة رماها بزنية ... والتقاذف الترامي ... (١).
وهو في الأصل رمي الشيء بقوة، ثم استعمل في الرمي بالزنا ونحوه (٢).
المبحث الثاني: الترهيب من الوقوع في القذف
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٣).
وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِالله إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ الله عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِالله إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ الله عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (٤).
وقال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ
стр. 62
وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ الله دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ الله هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ (١).
وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ الآيات (٢).
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((اجتنبوا السبع الموبقات)) قالوا: يا رسول الله ما هن؟ قال: ((الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولّي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات)) (٣).
وعن ابن عمر ﵄ قال: قال النبي ﷺ بمنى: ((أتدرون أيَّ يومٍ هذا؟)) قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ((فإن هذا يوم حرام. أتدرون أي بلد هذا؟)) قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ((بلد حرام. أتدرون أيَّ شهر هذا؟)) قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ((شهر حرام)) قال: ((فإن الله حرم عليكم دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا)) (٤).
стр. 63
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: ((والغرض - من هذا الحديث- بيان تحريم العِرْض - الذي هو موضع المدح والذم من الشخص - أعمّ من أن يكون في نفسه، أو نسبه، أو حسبه)) (١).
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وعرضه، وماله)) (٢).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من قذف مملوكه وهو بريء مما قال، جُلِدَ يوم القيامة إلا أن يكون كما قال)) (٣).
وحديث الإفك الطويل فيه أحكام كثيرة، لا يتسع المقام لذكرها (٤).
стр. 64
الفصل الثاني: الخصومات والجدال
المبحث الأول: الجدال بالباطل
الجدل: اللّدد في الخصومة والقدرة عليها (١)، يُقال: جادل مُجادلةً وجدالاً: إذا خاصم بما يشغل عن ظهور الحق ووضوح الصواب (٢)، والجدال نوعان:
النوع الأول: الجدال المحمود الممدوح: وهو كل جدال أيّد الحق أو أوصل إليه بنية صالحة خالصة وطريق صحيح (٣).
قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٤). وقال : ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ (٥).
والمجادلة بالتي هي أحسن هي التي تكون عن علم، وبصيرة، وبحسن الخلق، ولطف، ورفق، ولين، وحسن خطاب، ودعوة إلى الحق، وتحسينه، وردّ الباطل، وبيان قبحه بأقرب طريق موصل إلى ذلك، وأن لا يكون القصد منها مجرد المغالبة وحبّ العلو، بل يكون القصد بيان
стр. 65
الحق وهداية الخلق (١).
النوع الثاني: الجدال المذموم: وهو كل جدال أيد الباطل أو أوصل إليه، أو كان بغير علم وبصيرة.
وهذا النوع هو من أعظم آفات اللسان، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي الله بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ * كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ (٢).
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي الله بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُّنِيرٍ * ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ الله لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ (٣).
﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنذِرُوا هُزُوًا﴾ (٤).
﴿فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ (٥).
وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: إن النبي ﷺ قال: ((لا تعلّموا العلم لتُباهوا به العلماء؛ ولا لتُماروا به السفهاء، ولا لتَخيّروا به المجالس، فمن
стр. 66
فعل ذلك فالنار النار)) (١).
وقال ابن مسعود ﵁: ((لا تعلّموا العلم لثلاث: لتماروا به السفهاء، وتجادلوا به العلماء، ولتصرفوا به وجوه الناس إليكم، وابتغوا بقولكم ما عند الله، فإنه يدوم ويبقى، وينفد ما سواه)) (٢).
وعن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما ضلّ قومٌ بعد هُدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل، ثم تلا: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾)) (٣).
وقد ضَمِنَ النبيُّ ﷺ بيتاً في الجنة لمن ترك الجدال بالباطل من أجل الله فقال ﵊: ((أنا زعيم ببيتٍ في رَبَضِ الجنة لمن ترك المراء وإن كان مُحقاً، وببيتٍ في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خُلُقه)) (٤).
الأسباب الباعثة على الجدال بالباطل
لا شك أن الأسباب الباعثة على الجدال بالباطل كثيرة، منها:
١ - الغرور، والكبرياء، والخيلاء .
стр. 67
٢ - إظهار العلم والفضل .
٣ - الاعتداء على الغير بإظهار نقصه، وقصد أذاه .
وعلاج ذلك بالتوبة إلى الله تعالى، وبأن يكسر الكبر الباعث له على إظهار فضله، والعدوان الباعث على احتقار غيره وتنقّصه (١).
المبحث الثاني: الخصومة والنِّزاع
قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ الله عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَالله لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ الله أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ (٢).
وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((إن أبغض الرجال إلى الله الألدُّ الخصِمُ)) (٣).
والألدُّ: هو شديد اللّدد، كثير الخصومة.
والخَصِمُ الذي يخصم أقرانه ويُحَاجُّهم بالباطل، ولا يقبل الحق (٤).
وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الشيطان قد أيس أن يعبده
стр. 68
المصلّون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم)) (١). فالشيطان يحرش بين المصلين بالخصومات والشحناء، والحروب، والإغراء بين الناس بأنواع المعاصي والفتن وغيرها (٢).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله يبغض كل جعظريّ، جوَّاظ، سخّاب في الأسواق، جيفة بالليل، حمار بالنهار، عالم بأمر الدنيا، جاهل بأمر الآخرة)) (٣).
الجعظري: الفظُّ الغليظُ المتكبر.
والجوّاظ: الجَموع المَنوع.
والسخّاب: كالصخّاب: كثير الضجيج والخصام المتكبر.
جيفة: أي كالجيفة؛ لأنه يعمل كالحمار طوال النهار لدنياه، وينام طوال ليله كالجيفة التي لا تتحرك (٤).
عالم بأمر الدنيا: أي بما يُبْعِدُهُ عن الله من السعي في تحصيلها. جاهل بأمر الآخرة، أي بما يقربه ويدنيه من الآخرة (٥).
стр. 69
وقال النبي ﷺ : ((إن الله لا يحبّ الفاحش المتفحّش)) (١)، والفاحش الذي يرسل لسانه بما لا ينبغي، وذو الفحش وهو القبيح في الأقوال والأفعال. والمتفحش: الذي يتكلّف ذلك ويتعاطاه ويستعمله (٢).
وقال النبي ﷺ : ((هلك المتنطِّعون)) قالها ثلاثاً (٣).
التنطُّع في الكلام: التعمّق فيه والتفاصح: فهم المتعمّقون، الغالون، المتجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم (٤).
وقال النبي ﷺ : ((إن الله يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه كما تتخلّل البقرة بلسانها)) (٥). وهو الذي يظهر التفاصح تَيْهاً على الغير، وتفاصحاً واستعلاءً، ووسيلة إلى الاقتدار على تصغير عظيم، أو تعظيم حقير، أو بقصد تعجيزه، أو تزيين الباطل في صورة الحق أو عكسه، أو يقصد إجلال الحكام له ووجاهته وقبول شفاعته. وهو يتشدّق بلسانه كما تتشدّق البقرة بلسانها.
стр. 70
ووجه الشبه: إدارة لسانه حول أسنانه وفمه حال التكلم كما تفعل البقرة بلسانها حال الأكل. وهذا كله ما كان على جهة الإعجاب والتعاظم (١).
المبحث الثالث: علاج الخصومات والغضب
من أسباب السلامة من اللّجاج والخصومات كظم الغيظ، والابتعاد عن الغضب وأسبابه، وعلاج الغضب بالأدوية المشروعة يكون بطريقتين:
الطريقة الأولى: الوقاية ، ومعلوم أن الوقاية خير من العلاج، وتحصل الوقاية من الغضب قبل وقوعه باجتناب أسبابه والابتعاد عنها، ومن هذه الأسباب التي ينبغي لكل مسلم أن يُطَهِّرَ نفسه منها: الكِبْر، والإعجاب بالنفس، والافتخار، والتَّيْه، والحِرص المذموم، والمزاح في غير مناسبة، أو الهزل، أو ما شابه ذلك (٢).
الطريقة الثانية: العلاج إذا وقع الغضب، وينحصر في أربعة أنواع كالآتي:
النوع الأول: الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم (٣).
النوع الثاني: الوضوء (٤).
стр. 71
النوع الثالث: تغيير الحالة التي عليها الغضبان، بالجلوس، أو الاضطجاع ، أو الخروج، أو الإمساك عن الكلام، أو غير ذلك (١).
النوع الرابع: استحضار ما ورد في فضل كظم الغيظ من الثواب ، وما ورد في عاقبة الغضب من الخذلان العاجل والآجل، قال النبي ﷺ : ((من كظم غيظاً وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يُخيِّرهُ من الحور ما شاء)) (٢).
стр. 72
الفصل الثالث: بذاءة اللسان
المبحث الأول: الترهيب من الوقوع في بذاءة اللسان
قال الله تعالى: ﴿لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاءَ مَرْضَاتِ الله فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١).
قال ابن كثير ﵀: ﴿لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ﴾ يعني كلام الناس (٢).
وقال سبحانه: ﴿لاَّ يُحِبُّ الله الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ الله سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ (٣).
أي ولا يحب الله الفحش في القول، ولا الإيذاء باللسان، إلا المظلوم فإنه يباح له أن يجهر بالدعاء على ظالمه، وأن يذكره بما فيه من السوء.
قال ابن عباس ﵄: ((المعنى لا يحب الله أن يدعو أحد على أحد إلا أن يكون مظلوماً)) (٤).
وقال الله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (٥). وقال
стр. 73
تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ (١).
وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، أي المسلمين أفضل؟ قال: ((من سلم المسلمون من لسانه ويده)) (٢).
وعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبيّن فيها، يزلُّ بها في النار أبعد ما بين المشرق)) (٣).
وفي رواية مسلم: ((إن العبد ليتكلّم بالكلمة ما يتبيّن ما فيها، يهوي بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب)) (٤).
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يُلقي لها بالاً يَرفَعُ الله بها درجات، وإن العبد ليتكلّم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم)) (٥).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الرجل ليتكلّم بالكلمة من سخط الله لا يرى بها بأساً، فيهوي بها في نار جهنم سبعين خريفاً)) (٦).
стр. 74
وعن أبي هريرة ﵁ أيضاً قال: قال رسول الله ﷺ : ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يُؤذِ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه)) (١).
وعن سهل بن سعد ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: ((من يضمن لي ما بين لحييه، وما بين رجليه أضمن له الجنة)) (٢).
وعن المغيرة قال: إني سمعته ﷺ يقول عند انصرافه من الصلاة: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير)) ثلاث مرات، وقد كان ينهى عن: ((قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال، ومنعٍ وهات، وعقوق الأمهات، ووأد البنات)) (٣).
وعن بلال بن الحارث المزني ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إن الرجل ليتكلّم بالكلمة من رضوان الله ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن الرجل ليتكلّم بالكلمة من سخط الله ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها سخطه إلى يوم يلقاه)) (٤).
стр. 75
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: ((اجتمع عند البيت قرشيان، وثقفي، أو ثقفيان وقرشي، كثيرة شحم بطونهم، قليلة فقه قلوبهم، فقال أحدهم: أترون أن الله يسمع ما نقول؟ قال الآخر: يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا. وقال الآخر: إن كان يسمع إذا جهرنا فإنه يسمع إذا أخفينا. فأنزل الله : ﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ ... ﴾ الآية (١).
وعن سفيان بن عبد الله ﵁ قال: قلت: يا رسول الله حدثني بأمر أعتصم به، قال: ((قل ربي الله ثم استقم)) قال: قلت: يا رسول الله، ما أخوف ما تخاف علي؟ فأخذ بلسان نفسه ثم قال: ((هذا)) (٢).
وعن عمر ﵁ أنه دخل على أبي بكر ﵁ وهو يجبذ لسانه، فقال له عمر: مَهْ، غفر الله لك، فقال أبو بكر: ((إن هذا أوردني الموارد)) (٣).
وعن جندب ﵁ أن رسول الله ﷺ حدث أن رجلاً قال: والله لا يغفر الله لفلان، وإن الله تعالى قال: من ذا الذي يتألَّى عليَّ أن لا أغفر لفلان، فإني قد غفرت لفلان، وأحبطت عملك))،أو كما قال. ويُذكر أن أبا هريرة ﵁