← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 96455

آفات اللسان في ضوء الكتاب والسنة

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (106 стр.). Показаны 71–106 · переход к 76.

стр. 71

النوع الثالث: تغيير الحالة التي عليها الغضبان، بالجلوس، أو الاضطجاع ، أو الخروج، أو الإمساك عن الكلام، أو غير ذلك (١). النوع الرابع: استحضار ما ورد في فضل كظم الغيظ من الثواب ، وما ورد في عاقبة الغضب من الخذلان العاجل والآجل، قال النبي ﷺ : ((من كظم غيظاً وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يُخيِّرهُ من الحور ما شاء)) (٢).

стр. 72

الفصل الثالث: بذاءة اللسان المبحث الأول: الترهيب من الوقوع في بذاءة اللسان قال الله تعالى: ﴿لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاءَ مَرْضَاتِ الله فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١). قال ابن كثير ﵀: ﴿لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ﴾ يعني كلام الناس (٢). وقال سبحانه: ﴿لاَّ يُحِبُّ الله الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ الله سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ (٣). أي ولا يحب الله الفحش في القول، ولا الإيذاء باللسان، إلا المظلوم فإنه يباح له أن يجهر بالدعاء على ظالمه، وأن يذكره بما فيه من السوء. قال ابن عباس ﵄: ((المعنى لا يحب الله أن يدعو أحد على أحد إلا أن يكون مظلوماً)) (٤). وقال الله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (٥). وقال

стр. 73

تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ (١). وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، أي المسلمين أفضل؟ قال: ((من سلم المسلمون من لسانه ويده)) (٢). وعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبيّن فيها، يزلُّ بها في النار أبعد ما بين المشرق)) (٣). وفي رواية مسلم: ((إن العبد ليتكلّم بالكلمة ما يتبيّن ما فيها، يهوي بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب)) (٤). وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يُلقي لها بالاً يَرفَعُ الله بها درجات، وإن العبد ليتكلّم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم)) (٥). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الرجل ليتكلّم بالكلمة من سخط الله لا يرى بها بأساً، فيهوي بها في نار جهنم سبعين خريفاً)) (٦).

стр. 74

وعن أبي هريرة ﵁ أيضاً قال: قال رسول الله ﷺ : ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يُؤذِ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه)) (١). وعن سهل بن سعد ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: ((من يضمن لي ما بين لحييه، وما بين رجليه أضمن له الجنة)) (٢). وعن المغيرة قال: إني سمعته ﷺ يقول عند انصرافه من الصلاة: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير)) ثلاث مرات، وقد كان ينهى عن: ((قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال، ومنعٍ وهات، وعقوق الأمهات، ووأد البنات)) (٣). وعن بلال بن الحارث المزني ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إن الرجل ليتكلّم بالكلمة من رضوان الله ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن الرجل ليتكلّم بالكلمة من سخط الله ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها سخطه إلى يوم يلقاه)) (٤).

стр. 75

وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: ((اجتمع عند البيت قرشيان، وثقفي، أو ثقفيان وقرشي، كثيرة شحم بطونهم، قليلة فقه قلوبهم، فقال أحدهم: أترون أن الله يسمع ما نقول؟ قال الآخر: يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا. وقال الآخر: إن كان يسمع إذا جهرنا فإنه يسمع إذا أخفينا. فأنزل الله : ﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ ... ﴾ الآية (١). وعن سفيان بن عبد الله ﵁ قال: قلت: يا رسول الله حدثني بأمر أعتصم به، قال: ((قل ربي الله ثم استقم)) قال: قلت: يا رسول الله، ما أخوف ما تخاف علي؟ فأخذ بلسان نفسه ثم قال: ((هذا)) (٢). وعن عمر ﵁ أنه دخل على أبي بكر ﵁ وهو يجبذ لسانه، فقال له عمر: مَهْ، غفر الله لك، فقال أبو بكر: ((إن هذا أوردني الموارد)) (٣). وعن جندب ﵁ أن رسول الله ﷺ حدث أن رجلاً قال: والله لا يغفر الله لفلان، وإن الله تعالى قال: من ذا الذي يتألَّى عليَّ أن لا أغفر لفلان، فإني قد غفرت لفلان، وأحبطت عملك))،أو كما قال. ويُذكر أن أبا هريرة ﵁

стр. 76

قال: ((والذي نفسي بيده لتكلّم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته)) (١). وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله؛ فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله تعالى قسوة للقلب، وإن أبعد الناس من الله تعالى القلب القاسي)) (٢). وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفر (٣) اللسان، فتقول: اتق الله فينا فإنما نحن بك، فإن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا)) (٤). وعن معاذ بن جبل ﵁ في حديثه الطويل وفي عجزه ((ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟)) قلت: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسانه ثم قال: ((كفّ عليك هذا))، قلت: يا رسول الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلّم به؟ فقال: ((ثكلتك أمك، وهل يكبُّ الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم)) (٥). وعن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: ((إن أبغض الرجال إلى الله

стр. 77

الألدُّ الخصم)) (١). والألد الخصم شديد الخصومة، مأخوذ من لديدي الوادي وهما جانباه؛ لأنه كلما احتُجّ عليه بحجة أخذ في جانب آخر (٢). وعن أبي هريرة ﵁ قال: سُئل رسول الله ﷺ عن أكثر ما يدخل الناس الجنة قال: ((تقوى الله وحسن الخلق))، وسُئل عن أكثر ما يدخل الناس النار قال: ((الفم والفرجُ)) (٣). المبحث الثاني: الاسستسقاء بالأنواء عن زيد بن خالد الجهني قال: صَلَّى بنا رسول الله ﷺ الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: ((هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر؛ فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي وكافر بالكواكب؛ وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي ومؤمن بالكواكب)) (٤).

стр. 78

المبحث الثالث: الحلف بغير الله تعالى عن بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من حلف بالأمانة فليس منا)) (١). وعن عمر قال: قال لي رسول الله ﷺ : ((إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم))، فوالله ما حلفت بها منذ سمعت النبي ﷺ ذاكراً ولا آثراً (٢). وعن ابن عمر أيضاً: أنه أدرك عمر بن الخطاب في ركب وهو يحلف بأبيه فناداهم رسول الله ﷺ : ((ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفاً فليحلف بالله وإلا فليصمت)) (٣). وعن ابن عمر ﵄ أنه سمع رجلاً يقول: لا والكعبة، فقال ابن عمر: لا يُحلف بغير الله، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من حلف بغير الله فقد كفر، أو أشرك)) (٤). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من حلف فقال في حلفه: واللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله، ومن قال لصاحبه: تعال

стр. 79

أقامرك فليتصدق)) (١). المبحث الرابع: الحلف الكاذب والمنُّ بالعطية قال الله تعال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى﴾ الآية (٢). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: رجل كان له فضل ماء بالطريق فمنعه من ابن السبيل، ورجل بايع إمامه لا يبايعه إلا لدنيا، فإن أعطاه منها رضي، وإن لم يُعطِهِ منها سخط، ورجل أقام سلعته بعد العصر فقال: والله الذي لا إله غيره لقد أُعطيت بها كذا وكذا، فصدَّقه رجل، ثم قرأ هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً﴾)) الآية (٣). وعن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((ثلاثة لا يكلّمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكّيهم، ولهم عذاب أليم))، قال: قرأها رسول الله ﷺ ثلاث مرار، قال أبو ذر: خابوا وخسروا، مَنْ هم يا رسول الله؟ قال: ((المُسبل إزارَه، والمنّان، والمُنفق سلعته بالحلف الكاذب)) (٤). وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((الحلف منفقة

стр. 80

للسلعة ممحقة للبركة)) (١). المبحث الخامس: التسمي بملك الأملاك وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أخنع الأسماء عند الله رجل تسمَّى بمَلِك الأملاك)) (٢). المبحث السادس: سبّ الدّهر عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((قال الله : يؤذيني ابن آدم يسبُّ الدهر وأنا الدهر، بيدي الأمر، أُقلِّب الليل والنهار)) (٣). المبحث السابع: النياحة على الميت عن أم عطية ﵂ قالت: ((أخذ علينا النبي ﷺ عند البيعة أن لا ننوح، فما وفَّتْ منا امرأة غير خمس نسوة: أم سُليم، وأم العلاء، وابنة أبي سبرة امرأة مُعَاذ، وامرأتين، أو ابنة أبي سبرة وامرأة معاذ، وامرأة أخرى)) (٤). وعن أبي مالك الأشعري: ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((أربعٌ في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب،

стр. 81

والاستسقاء بالنجوم، والنياحة)) وقال: ((النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب)) (١). وقد وجع أبو موسى وجعاً شديداً فغشي عليه ورأسه في حجر امرأة من أهله، فلم يستطع أن يردّ عليها شيئاً، فلما أفاق قال: ((أنا بريء ممن برئ منه رسول الله ﷺ ،إن رسول الله ﷺ برئ من الصالقة (٢)،والحالقة، والشّاقّة)) (٣). وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ليس منا من ضرب الخدود، وشقَّ الجيوب، ودعا بدعوَى الجاهلية)) (٤). المبحث الثامن: النّجش عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لا تلقوا الركبان، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، ولا تناجشوا ولا يبع حاضر لبادٍ، ولا تصرّوا (٥) الغنم، ومن ابتاعها فهو بخير النظرين بعد أن يحتلبها، إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردّها وصاعاً من تمرٍ)) (٦). المبحث التاسع: المدح المذموم الذي يفتن الممدوح أو فيه إفراط عن أبي بكر ﵁ قال: أثنى رجلٌ على رجلٍ عند النبي ﷺ فقال: ((ويلك

стр. 82

قطعت عنق صاحبك، قطعت عنق صاحبك)) مراراً، ثم قال: ((من كان منكم مادحاً أخاه لا محالة فليقل: أحسب فلاناً والله حسيبه، ولا أزكي على الله أحداً، أحسبه كذا وكذا، إن كان يعلم ذلك منه)) (١). وعن أبي موسى ﵁ قال: سمع النبي ﷺ رجلاً يثني على رجل، ويطريه في مدحه فقال: ((أهلكتم، أو قطعتم ظهر الرجل)) (٢). قال ابن بطال: ((حاصل النهي أن من أفرط في مدح آخر بما ليس فيه لم يأمن على الممدوح العجب؛ لظنه أنه بتلك المنزلة فربما ضيَّع العمل والازدياد من الخير اتِّكالاً على ما وُصف به؛ ولذلك تأوّل العلماء في الحديث ... ((احثوا في وجوه المدَّاحين التراب)) (٣). أن المراد من يمدح الناس في وجوههم بالباطل. وقال عمر ﵁: ((المدح هو الذبح)) (٤). وعن همام بن الحارث أن رجلاً جعل يمدح عثمان ﵁، فعمد المقداد فجثا على ركبتيه وكان رجلاً ضخماً فجعل يحثو في وجهه الحصباء، فقال له عثمان: ما شأنك؟ فقال: إن رسول الله ﷺ قال: ((إذا رأيتم المدَّاحين، فاحثوا في وجوههم التراب)) (٥)، وفي رواية عن المقداد أيضاً: ((أمرنا

стр. 83

رسول الله ﷺ أن نحثي في وجوه المدّاحين التراب)) (١). المبحث العاشر: ما يجوز من المدح لا شك أن المدح من آفات اللسان، إذا كان المدح يعود بالفتنة على الممدوح، أو فيه مجازفة، أو إفراط، أما إذا لم يكن كذلك فلا بأس. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: ((باب من أثنى على أخيه بما يعلم)). ثم قال: قال سعد: ((ما سمعت النبي ﷺ يقول لأحد يمشي على الأرض إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام)) (٢). وعن موسى بن عقبة عن سالم عن أبيه أن رسول الله ﷺ حين ذكر في الإزار ما ذكر، قال أبو بكر: يا رسول الله، إن إزاري يسقط من أحد شقيه. قال: ((إنك لست منهم)) (٣). فهذا جائز ومستثنى من الذي قبله. والضابط أن لا يكون المدح مجازفة، ويُؤْمَن على الممدوح الإعجاب والفتنة ... ومن جملة ذلك الأحاديث في مناقب الصحابة ﵃، ووصف كل واحد منهم بما وُصف به من الأوصاف الجميلة، كقوله ﷺ لعمر:

стр. 84

((ما لقيك الشيطان سالكاً فجّاً إلا سلك فجّاً غير فجّك)) (١). فمن مُدِح بما فيه فلا يدخل في النهي، فقد مُدح النبي ﷺ في الشعر، والخطب، والمخاطبة، ولم يحثُ في وجه مادحه تراباً (٢). قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: ((قد جاءت أحاديث كثيرة في الصحيحين بالمدح في الوجه، قال العلماء: وطريق الجمع بينها أن النهي محمول على المجازفة في المدح، والزيادة في الأوصاف، أو على من يُخاف على فتنته من إعجاب ونحوه إذا سمع المدح. وأما من لا يُخاف عليه ذلك لكمال تقواه ورسوخ عقله، ومعرفته، فلا نهي في مدحه في وجهه إذا لم يكن فيه مجازفة؛ بل إن كان يحصل بذلك مصلحة كنشطه للخير والازدياد منه، أو الدوام عليه، والاقتداء به كان مستحباً والله أعلم)) (٣). المبحث الحادي عشر: هتك الإنسان ستر نفسه عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجانة أن يعمل الرجل بالليل عملاً، ثم يصبح وقد ستره الله فيقول: ((يا فلان عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه))، ولفظ مسلم: ((وإن من الإجهار

стр. 85

والمجانة عدم المبالاة بالقول والفعل)) (١). المبحث الثاني عشر: السب والشتم، والسخرية بالمؤمنين قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٢). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مُدّ أحدهم ولا نصيفَه)) (٣). قال النووي رحمه الله تعالى: ((واعلم أن سبَّ الصحابة ﵃ حرام من فواحش المحرَّمات، سواء من لابس الفتن منهم، وغيره؛ لأنهم مجتهدون في تلك الحروب متأوّلون ... )) (٤). وعن أبي ذر ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: ((لا يرمي رجل رجلاً بالفسق ولا يرميه بالكفر إلا ارتدّت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك)) (٥).

стр. 86

وعن عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)) (١). وعن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((أيما رجل قال لأخيه يا كافر، فقد باء بها أحدهما)) (٢). وفي رواية مسلم: ((أيما امرئ قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال، وإلا رجعت عليه)) (٣). وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((المستبّان ما قالا فعلى المبتدئ منهما ما لم يعتدِ المظلوم)) (٤)، ومعنى الحديث أن المتشاتمين الَّلذَين يسب كل منهما الآخر يكون إثمهما على الذي ابتدأ بالشتم ما لم يعتدِ المظلوم الحدَّ بأن سبّه أكثر وأفحش منه، أما إذا اعتدى كان إثم ما اعتدى عليه والباقي على البادي. والحاصل إذا سبَّ كل واحد الآخر، فإثم ما قالا على الذي بدأ بالسبّ، وهذا إذا لم يعتدِ ويتجاوز المظلوم الحد، والله أعلم (٥). وعن أبي ذر ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ((أيما رجل ادَّعى لغير

стр. 87

أبيه وهو يعلمه إلا كفر، ومن ادّعى ما ليس له فليس منَّا، وليتبوأ مقعده من النار، ومن دعا رجلاً بالكفر، أو قال: عدوّ الله، وليس كذلك إلا حار عليه)) (١). قال الإمام النووي ﵀: هذا الحديث مما عدّه بعض العلماء من المشكلات من حيث إن ظاهره غير مراد، وذلك أن مذهب أهل الحق أنه لا يكفر المسلم بالمعاصي: كالقتل، والزنا، وكذا قوله لأخيه يا كافر، من غير اعتقاد بطلان دين الإسلام، وإذا عرف ما ذكرناه فقيل في تأويل الحديث أوجه: أحدها: أنه محمول على المستحلّ لذلك، وهذا يكفر، وعلى هذا معنى باء بها- أي بكلمة الكفر- وكذا حار عليه، وهو معنى رجعت إليه- أي كلمة الكفر - فباء، وحار، ورجع بمعنى واحد. والوجه الثاني: معناه رجعت عليه نقيصته لأخيه، ومعصية تكفيره. الوجه الثالث: أنه محمول على الخوارج المكفِّرين للمؤمنين، وهذا نقله القاضي عياض ﵀ عن الإمام مالك وهو ضعيف؛ لأن المذهب المختار الذي اختاره المحققون أن الخوارج لا يكفرون كسائر أهل البدع. والوجه الرابع: معناه أن ذلك يؤول به إلى الكفر، وذلك أن المعاصي كما قالوا: بريد الكفر، ويخاف على المكثر منها أن يكون عاقبة شؤمها المصير إلى الكفر ...

стр. 88

والوجه الخامس: فقد رجع عليه تكفيره، فليس الراجع حقيقة الكفر بل التكفير لكونه جعل أخاه المسلم كافراً، فكأنه كفّر نفسه، إما لأنه كفّر من هو مثله، وإما لأنه كفر من لا يكفره إلا كافر يعتقد بطلان دين الإسلام، والله أعلم. وأما قوله: فيمن ادّعى لغير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه كفر. فقيل فيه تأويلان: التأويل الأول: أنه في حقّ المستحلّ. التأويل الثاني: أنه كفر النعمة، والإحسان، وحق الله تعالى، وحق أبيه، وليس المراد الكفر الذي يُخرجه من ملّة الإسلام، وهذا كما قال ﷺ : ((تكفرن))، ثم فسّره بكفرانهن الإحسان، وكفران العشير (١). ونصّ الحديث كما ورد في مسلم: ((يا معشر النساء تصدّقن وأكثرن الاستغفار، فإني رأيتكنّ أكثر أهل النار)) فقالت امرأة منهن جَزْلَةٌ: وما لنا يا رسول الله، أكثر أهل النار؟ قال: ((تُكثرن اللعن، وتكفرن العشير، وما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لبٍّ منكنّ)) قالت: يا رسول الله، وما نقصان العقل والدين؟ قال: ((أما نقصان العقل فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل، فهذا نقصان العقل، وتمكث الليالي ما تصلي، وتفطر رمضان فهذا نقصان الدين)) (٢). قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: ((ومن الألفاظ المذمومة المستعملة

стр. 89

في العادة قول الشخص لمن يخاصمه: يا حمار، يا تيس، يا كلب، ونحو ذلك، فهذا قبيح من وجهين: أحدهما: أنه كذب. والآخر: أنه إيذاء ... (١). والسبّ والشتم منهي عنه حتى للحيوان أو الطير والبهائم، فعن زيد بن خالد قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تسبّوا الديك فإنه يوقظ للصلاة)) (٢). المبحث الثالث عشر: شتم الرجل والديه من كبائر الذنوب عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((من الكبائر شتم الرجل والديه))، قالوا: يا رسول الله، وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: ((نعم يسبّ أبا الرجل فيسبُّ أباه، ويسبُّ أمه فيسبُّ أمه)) (٣). المبحث الرابع عشر: اللعن اللعن هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله، ومن صفات المؤمن أن لا يكون لعّاناً، ولا طعّاناً ولا فاحشاً، ولا بذيئاً، إنما ذلك من سمات وأخلاق الفسّاق ناقصي الإيمان. عن ثابت بن الضحاك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لعن المؤمن

стр. 90

كقتله)) (١). وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لا ينبغي لصدّيق أن يكون لعّاناً)) (٢). وعن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يكون الّلعّانون شفعاء، ولا شهداء يوم القيامة)) (٣). وعن سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تلاعنوا بلعنة الله، ولا بغضبه، ولا بالنار)) (٤). وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ليس المؤمن بالطّعّان، ولا الّلعان، ولا الفاحش، ولا البذيء)) (٥). وعن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن العبد إذا لعن شيئاً صعدت اللعنة إلى السماء، فتُغلق أبواب السماء دونها ثم تهبط إلى الأرض فتغلق أبوابها دونها، ثم تأخذ يميناً وشمالاً، فإذا لم تجد مَسَاغاً رجعت إلى

стр. 91

الذي لُعِنَ، فإن كان لذلك أهلاً، وإلا رجعت إلى قائلها)) (١). وعن ابن عباس ﵄ أن رجلاً لعن الريح عند النبي ﷺ فقال ﷺ : ((لا تلعن الريح فإنها مأمورة، وإنه من لعن شيئاً ليس له بأهل رجعت اللعنة عليه)) (٢). وعن عمران بن حصين ﵁ قال: بينما رسول الله ﷺ في بعض أسفاره وامرأة من الأنصار على ناقة فضجرت فلعنتها، فسمعها رسول الله ﷺ فقال: ((خذوا ما عليها ودعوها فإنها ملعونة)) قال عمران: فكأني أراها الآن تمشي في الناس ما يعرض لها أحد (٣). وعن أبي برزة ﵁ قال: بينما جارية على ناقة عليها بعض متاع القوم إذ بصرت النبي ﷺ وتضايق بهم الجبل، فقالت: حَلْ (٤) اللهم العنها، فقال النبي ﷺ : ((لا تصاحبنا ناقة عليها لعنة)) (٥)، وفي رواية: ((لا تصاحبنا راحلة عليها لعنة من الله)) (٦).

стр. 92

المبحث الخامس عشر: جواز لعن أصحاب المعاصي والكفار عموماً بدون تعيين أحد بعينه قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: ((اعلم أن لعن المسلم المصون حرام بإجماع المسلمين، ويجوز لعن أصحاب الأوصاف المذمومة، كقولك: ((لعن الله الظالمين، لعن الله الكافرين، لعن الله اليهود والنصارى، لعن الله الفاسقين، ولعن الله المصوّرين ونحو ذلك ... )) (١). ثم ساق ﵀ أدلة كثيرة منها: ١ - قول النبي ﷺ : ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) (٢). ٢ - قوله ﷺ : ((لعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من آوى محدثاً، ولعن الله من لعن والديه، ولعن الله من غيَّر المنار)) وفي رواية ((منار الأرض)) (٣). ٣ - وقوله ﷺ : في حديث جابر ﵁ حينما رأى حماراً قد وُسِم في وجهه فقال -: ((لعن الله الذي وسمه)) (٤). ٤ - وقوله ﷺ : ((اللهم الْعَنْ رعلاً وذكوان، وعُصيَّة عصت الله ورسوله)) (٥). وهذه ثلاث قبائل من العرب.

стр. 93

((وأما لعن الإنسان بعينه ممن اتصف بشيء من المعاصي كيهودي أو نصراني، أو ظالم، أو زانٍ، أو مصوِّر، أو سارقٍ، أو آكل ربا، فظواهر الأحاديث أنه ليس بحرام. وأشار الغزالي إلى تحريمه إلا في حق من علمنا أنه مات على الكفر، كأبي لهب، وأبي جهل، وفرعون، وهامان، وأشباههم، قال: لأن اللعن هو الإبعاد عن رحمة الله تعالى، وما ندري ما يُختم به لهذا الفاسق أو الكافر، قال: ويقرب من اللعن الدعاء على الإنسان بالشر حتى الدعاء على الظالم كقول الإنسان: لا أصحّ الله جسمه، ولا سلّمه الله، وما جرى مجراه ... )) (١). قلت والأصوب - والله أعلم - ما ذهب إليه الغزالي من أنه لا يجوز لعن من اتصف بشيء من المعاصي إذا كان معلوماً بعينه إلا في حق من عُلِم بعينه، وقد علمنا أنه مات على الكفر، وذلك لأننا لا ندري ما يختم به لهذا الفاسق أو الكافر، فكم رأينا وكم سمعنا من أناس كانوا متلبسين بالمعاصي، أو الكفر، فهداهم الله وختم لهم بخير، فأصبحوا من أنصار الحق بعد أن كانوا من أنصار الباطل (٢). ثم أن النبي ﷺ قد نهى عن سب الأموات، وبيّن ﷺ أنهم قد وصلوا إلى ما قدموا لأنفسهم، قال ﷺ : ((لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما

стр. 94

قدّموا)) (١)، وروى الترمذي عن المغيرة بن شعبة عن النبي ﷺ : ((لا تسبوا الأموات فتؤذو الأحياء)) (٢). المبحث السادس عشر: قول: ما شاء الله وشاء فلان، أو لولا الله وفلان عن حذيفة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا ما شاء الله، ثم شاء فلان)) (٣). والمراتب في ذلك ثلاث: ١ - ما شاء الله وحده، أو لولا الله وحده، وهذه أفضل المراتب . ٢ - ما شاء الله ثم شاء فلان، أو لولا الله ثم فلان، وهذه المرتبة لا بأس بها . ٣ - ما شاء الله وشاء فلان، أو لولا الله وفلان، وهذه المرتبة لا تجوز . المبحث السابع عشر: اللّو وعدم تفويض الأقدار لله تعالى عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف وفي كلٍّ خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدّر الله وما شاء فعل. فإنَّ لو تفتح عمل الشيطان)) (٤).

стр. 95

المبحث الثامن عشر: قول الرجل هلك الناس عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا قال الرجل هلك الناسُ فهو أهلكهُم)) (١). ومعنى الحديث فهو أشدهم هلاكاً، وقد اتفق العلماء على أن هذا الذّمّ إنما هو فيمن قاله على سبيل الإزراء على الناس واحتقارهم، وتفضيل نفسه عليهم، وتقبيح أحوالهم؛ لأنه لا يعلم سر الله في خلقه، فأما من قال ذلك تحزناً لما يرى في نفسه وفي الناس من النقص في أمر الدين فلا بأس عليه (٢). وقيل معناه لا يزال الرجل يعيب الناس ويذكر مساويهم ويقول فسد الناس وهلكوا، ونحو ذلك، فإذا فعل ذلك فهو أهلكهم وأسوأ حالاً منهم بما يلحقه من الإثم في عيبهم والوقيعة فيهم، وربما أوصله ذلك إلى العجب بنفسه وأنه خير منهم، والله أعلم (٣). المبحث التاسع عشر: الغناء والشعر المحرم قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ الله بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ * وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٤). والصحابة ﵃ هم أعلم بكتاب الله تعالى؛ ولهذا قال ابن مسعود في تفسير

стр. 96

هذه الآية: ((الغناء والله الذي لا إله إلا هو - يرددها ثلاث مرات)) (١). وقال النبي ﷺ : ((ليكوننّ من أمتي أقوام يستحلون الحِرَ والحريرَ، والخمر والمعازف ... )) (٢). قال تعالى: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلاَ تَبْكُونَ * وَأَنتُمْ سَامِدُونَ﴾ (٣). والشعر نوعان: النوع الأول: ما فيه مدح للإسلام والمسلمين، ونصرة للحق وأهله، وهذا لا بأس به . النوع الثاني: ما فيه مدح قوم بباطل، أو ذم قوم بباطل، أو قول زور وبهتان فهذا النوع محرم، ومن أعظم آفات اللسان. قال تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ * إِلاّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا الله كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ (٤). المبحث العشرون: الوعد الكاذب قال النبي ﷺ : ((آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف،

стр. 97

وإذا ائْتُمِنَ خان)) (١). وقال ﷺ : ((أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا ائْتُمِنَ خان، وإذا حدّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر)) (٢). المبحث الحادي والعشرون: من يأمر بالمعروف ولا يفعله وينهى عن المنكر ويفعله عن أسامة بن زيد ﵁ قيل له: لو أتيت فلاناً فكلمته، قال: إنكم لترون أني لا أكلمه إلا أسمعكم. إني أكلمه في السر دون أن أفتح باباً لا أكون أول من فتحه، ولا أقول لرجل إن كان عليَّ أميراً: إنه خير الناس بعد شيء سمعته من رسول الله ﷺ . قالوا: وما سمعته يقول؟ قال: سمعته يقول: ((يُجاء بالرجل يوم القيامة فيُلقى في النار، فَتَنْدَلِقُ أقتابه، فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار عليه، فيقولون: أي فلان ما شأنك؟ أليس كنت تَأمُرُنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه)) (٣). وهذا لا يعني أن الإنسان لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن منكر حتى يكون كاملاً، فلو لم يأمر بالمعروف إلا من كَمُلَ لما أمر بالمعروف أحد إلا

стр. 98

ما شاء الله. والمقصود أن على المسلم واجبين: الواجب الأول: أن يأمر نفسه بالمعروف وينهاها عن المنكر ويكون عاملاً بما عَلِمَ ، يرجو ثواب الله تعالى، ويخشى عقابه. الواجب الثاني: أن يأمر غيره بالمعروف وينهى عن المنكر عن علم وبصيرة فإذا قام بأحد الواجبين وترك الآخر بقي عليه ما ترك وسقط عنه ما قام به إذا خلصت نيته، والله تعالى أعلم. المبحث الثاني والعشرون: إفشاء سر الزوجة أو الزوج قال النبي ﷺ : ((إن من أشرّ الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته (١)، وتفضي إليه ثم ينشر سرّها)) (٢). وهذا أعظم خيانة الأمانة (٣). المبحث الثالث والعشرون: من حلف على ملةٍ غير الإسلام عن ثابت بن الضحاك عن النبي ﷺ قال: ((من حلف على ملة غير الإسلام كاذباً فهو كما قال، وليس على ابن آدم نذر فيما لا يملك، ومن قتل نفسه بشيء [عُذِّب به في نار جهنم]، ومن لعن مؤمناً فهو كقتله، ومن قذف مؤمناً بكفر فهو كقتله)) (٤).

стр. 99

المبحث الرابع والعشرون: تسويد الفاسق عن بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تقولوا للمنافق سيد، فإنه إن يكُ سيّداً فقد أسخطتم ربكم )) (١). المبحث الخامس والعشرون: سبّ الحمى عن جابر بن عبد الله ﵁ أن رسول الله ﷺ دخل على أم السائب أو أم المسيَّب فقال: ((مالك يا أم السائب أو أم المسيب تزفزفين)) (٢)، قالت: الحُمّى لا بارك الله فيها، فقال: ((لا تَسُبِّي الحُمَّى، فإنها تُذْهِب خطايا بني آدم كما يُذْهِب الكير خبث الحديد)) (٣). المبحث السادس والعشرون: الرّدّة بالقول الردة بالقول من نواقض الإسلام، وهي أخطر آفات اللسان على الإنسان، مثل: أن يدعوَ غير الله، أو يستغيث بغير الله، أو ينذر لغير الله، أو يَكذِب على الله، أو يُكذّب أحداً من رسله عليهم الصلاة والسلام، أو يُكذِّب بعض ما جاء به الرسول ﷺ ، أو يستهزئ بالله، أو بأحدٍ من رسله، أو بشيء من دين الرسول ﷺ ، أو ثوابه، أو عقابه، أو يسب الله، أو يسبّ الرسول ﷺ ، أو يسب دين الرسول ﷺ ، أو يصف الله بالنقص أو العيب، أو بما لا يليق به تعالى، أو يقول: إن هدي غير الرسول ﷺ أكمل

стр. 100

من هديه، أو حكم غيره أحسن من حكمه، أو يساويه، أو يجوِّز الحكم بغير حكم الله تعالى، أو يُصحِّح مذهب المشركين، أو يجوّز الخروج عن شريعة محمد ﷺ (١).

стр. 101

الفصل الرابع: وجوب حفظ اللسان قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: ((اعلم أنه ينبغي لكل مكلَّف أن يحفظ لسانه عن جميع الكلام، إلا كلاماً تظهر المصلحة فيه، ومتى استوى الكلام وتركه في المصلحة، فالسنة الإمساك عنه؛ لأنه قد ينجرّ الكلام المباح إلى حرام، أو مكروه، بل هذا كثير أو غالب في العادة، والسلامة لا يعدلها شيء)) (١). وقد قال النبي الكريم ﷺ : ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)) (٢). قال الشاعر: احفظ لسانك أيها الإنسان ... لا يلدغنَّك إنه ثعبانُ كم في المقابر من قتيل لسانه ... كانت تهاب لقاءَه الشجعانُ وقال الآخر: يموت الفتى من عثرة بلسانه ... وليس يموت المرءُ من عثرةِ الرِّجل فعثرته بلسانه تُذْهِبُ رأسه ... وعثرته برجله تبرأ على مهل فينبغي للإنسان المسلم أن لا يخرج لفظةً ضائعة، فعليه أن يحفظ ألفاظه بأن لا يتكلم إلا فيما يرجو فيه الربح والزيادة في دينه، فإذا أراد أن يتكلَّم بالكلمة نظر: هل فيها ربح وفائدة أم لا؟ فإن لم يكن فيها ربح أمسك عنها، وإن كان فيها ربح نظر: هل يفوت بها كلمة هي أربح

стр. 102

منها؟ فلا يضيعها بهذه، وإذا أردت أن تستدل على ما في القلب فاستدل عليه بحركة اللسان، فإنه يُطلعك على ما في القلب شاء صاحبه أم أبى. قال يحيى بن معاذ: ((القلوب كالقدور تغلي بما فيها، وألسنتها مغارفها، فانظر إلى الرجل حين يتكلم، فإن لسانه يغترف لك مما في قلبه، حلو وحامض وعذب، وأجاج، وغير ذلك وَيُبَيِّن لك طعم قلبه اغتراف لسانه)) (١) أي كما تطعم بلسانك طعم ما في القدور من الطعام فتدرك العلم بحقيقة ذلك، كذلك تطعم ما في قلب الرجل من لسانه فتذوق ما في قلبه من لسانه كما تذوق ما في القدر بلسانك. ومن العجب: أن الإنسان يهون عليه التَّحَفُّظ والاحتراز من أكل الحرام، والظلم، والزنا، والسرقة، وشرب الخمر، ومن النظر المحرم وغير ذلك من المحرمات، ويصعب عليه التحرّز من حركة لسانه، حتى ترى الرجل يشار إليه بالدِّين، والزهد، والعبادة، وهو يتكلم بالكلمات من سخط الله لا يلقى لها بالاً، ينزل بالكلمة الواحدة منها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب، وكم ترى من رجل متورّع عن الفواحش والظلم، ولسانه يفري في أعراض الأحياء والأموات ولا يبالي ... وإذا أردت أن تعرف ذلك فانظر إلى ما رواه مسلم من حديث جُندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان، فقال الله : من ذا الذي يتألَّى عليّ أن لا أغفر لفلان، فإني قد غفرت لفلان، وأحبطت عملك)) (٢).

стр. 103

فهذا العابد الذي قد عبد الله ما شاء الله أن يعبده أحبطت هذه الكلمة الواحدة عمله كله. وقد كان السلف يحاسب أحدهم نفسه في قوله: ((يوم حار ويوم بارد)). ولقد رُؤيَ بعض الأكابر من أهل العلم في النوم فسئل عن حاله فقال: أنا موقوف على كلمةٍ قلتها، قلت: ما أحوج الناس إلى غيث، فقيل لي: وما يدريك؟ أنا أعلم بمصلحة عبادي. وقال بعض الصحابة لجاريته يوماً: هاتي السفرة نعبث بها، ثم قال: أستغفر الله ما أتكلم بكلمة إلا وأنا أخطمها وأزمُها إلا هذه الكلمة خرجت مني بغير خطام ولا زمام، أو كما قال (١). وقال ابن بريدة رأيت ابن عباس ﵄ آخذاً بلسانه وهو يقول: ويحك قل خيراً تغنم، أو اسكت عن سوءٍ تسلم، وإلا فاعلم أنك ستندم، فقيل له: يا ابن عباس لِمَ تقول هذا؟ قال: إنه بلغني أن الإنسان أراه قال: ليس على شيءٍ من جسده أشد حنقاً وغيظاً يوم القيامة منه على لسانه، إلا من قال خيراً أو أملى به خيراً (٢). وكان ابن مسعود ﵁ يحلف بالله الذي لا إله إلا هو ما على الأرض شيء أحوج إلى طول سجن من لساني (٣).

стр. 104

وقال يونس بن عبيد: ما رأيت أحداً لسانه منه على بال إلا رأيت ذلك في سائر عمله، ولا فسد منطق رجل قط إلا عرفت ذلك في سائر عمله (١). واعلم أن أيسر حركات الجوارح حركة اللسان، وهي أضرّها على العبد. واختلف السلف والخلف هل يُكْتَبُ جميع ما يلفظ به أو الخير والشرّ فقط؟ على قولين: أظهرهما القول الأول. واعلم أن في اللسان آفتين عظيمتين، إن خلص من إحداهما لم يخلص من الأخرى: آفة الكلام، وآفة السكوت، وقد يكون كلُّ منهما أعظم إثماً من الأخرى في وقتها. فالساكت عن الحق شيطان أخرس، عاصٍ لله، ومراء مداهن إذا لم يخف على نفسه. والمتكلم بالباطل شيطان ناطق عاصٍ لله، وأكثر الخلق منحرف في كلامه وسكوته، فهم بين هذين النوعين، وأهل الوسط - وهم أهل الصراط المستقيم - كفّوا ألسنتهم عن الباطل، وأطلقوها فيما يعود عليهم نفعُه في الآخرة، فلا ترى أحدهم يتكلم بكلمة تذهب عليه ضائعة بلا منفعة، فضلاً أن تضرّه في آخرته، وإن العبد ليأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال، فيجد لسانه قد هدمها عليه كلها، ويأتي بسيئات أمثال الجبال فيجد لسانه قد هدمها من كثرة ذكر الله وما اتصل به (٢). ولهذا جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: عظني وأوجز فقال ﷺ : ((إذا قمت

стр. 105

في صلاتك فصلِّ صلاة مودِّع، ولا تكلّم بكلام تعتذر منه غداً، وأجمع اليأس ممّا في أيدي الناس)) (١). فهذه الوصايا الثلاث يا لها من وصايا، إذا أخذ بها العبد تمت أموره وأفلح (٢). ولهذا قال عقبة بن عامر ﵁: يا رسول الله، ما النجاة؟ فقال ﷺ : ((أمسك عليك لسانك، وليسعْك بيتُكَ، وابكِ على خطيئتك)) (٣). وينبغي للمسلم أن يشغل لسانه بذكر الله تعالى، وما يعود عليه بالنفع في الدنيا والآخرة؛ فإن من لم يشغل نفسه، ولسانه بالخير، انشغل وأشغله لسانه، وأشغلته نفسه بما يضرّه. كما قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: كل العلوم سوى القرآن مشغلة ... إلا الحديث وعلم الفقه في الدين العلم ما قال فيه حدَّثنا ... وما سوى ذاك وسواس الشياطين هذا وأسأل الله العلي العظيم بأسمائه الحسنى، وصفاته العلا أن يجعل أعمالنا خالصة لوجه الكريم، وأن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح،

стр. 106

وأن ينفعنا بما علّمنا، إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير. ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ* وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ* وَالْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١). وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، وخيرته من خلقه، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.