← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 96456

الاختلاط بين الرجال والنساء

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (288 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

تقديم معالي العلامة الدكتور الشيخ صالح بن فوزان الفوزان: عضو هيئة كبار العلماء وعضو اللجنة الدائمة للإفتاء بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد للَّه، وبعد: فقد تصفحت الكتاب الذي هو بعنوان: (الاختلاط بين الرجال والنساء) لفضيلة الشيخ الدكتور: سعيد بن علي بن وهف القحطاني، فوجدته كتاباً وافياً في موضوعه، جيداً في صياغته، وتقاسيمه، وعناوينه، شاملاً لكل أطراف الموضوع، شاملاً لبيان الأدلة، وأقوال العلماء، مما لا يدع مجالاً للتشكيك في هذه المسألة الخطرة التي تنكرها الفطر السليمة، والأخلاق القويمة، لولا ما تلوَّثَتْ به بعض الأفكار من آثار الحضارة الغربية، التي أقحمت المرأة في كل ميدان، مما يحوجها إلى خلع الحجاب؛ لتجاري الوضع السائد؛ لأنها خرجت عن محيط تخصصها إلى مشاركة الرجال، فكان لا بد من بيان الحق، فجزى اللَّه الشيخ سعيداً على ما قام به من مجهود علمي مفيد، قاطعاً لكل لسان يهرف بما لايعرف. وهدى اللَّه المسلمين إلى التمسك بدينهم، وآدابهم، وأخلاقهم، وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. كتبه صالح بن فوزان الفوزان عضو هيئة كبار العلماء في ١٦/ ١٠/ ١٤٣٢هـ

стр. 2

المقدمة إن الحمد للَّه، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مضلَّ له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى اللَّه عليه، وعلى آله، وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلّم تسليماً كثيراً. أما بعد: فهذه رسالة في «الاختلاط بين الرجال والنساء: مفهومه، وأنواعه، وأقسامه، وأحكامه، وأضراره في ضوء الكتاب والسنة وآثار الصحابة» (١)، وقد قسمتها إلى مباحث على النحو الآتي: المبحث الأول: تعريف الاختلاط: لغة واصطلاحاً. المبحث الثاني: أنواع الاختلاط وأقسامه، وبداياته. المبحث الثالث: حكم الاختلاط وتحريم الأسباب الموصلة إليه وبيان عادة الإباحية. المبحث الرابع: الأدلة على تحريم اختلاط النساء بالرجال الأجانب عنهن. المبحث الخامس: أضرار الاختلاط ومفاسده. المبحث السادس: شبهات دعاة الاختلاط والرد عليها.

стр. 3

المبحث السابع: الفتاوى المحققة المعتمدة في تحريم اختلاط النساء بالرجال الأجانب. واللَّه أسأل أن يجعل هذا العمل مباركاً نافعًا، خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفعني به في حياتي، وبعد مماتي، وينفع به من انتهى إليه، وأن يجعله حجةً لنا، لا حجةً علينا؛ فإنه خير مسؤول، وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم، وصلى اللَّه وسلّم، على نبيِّنا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلّم تسليمًا كثيرًا. المؤلف أبو عبد الرحمن سعيد بن علي بن وهف القحطاني حرر في عصر يوم السبت الموافق ٢٢/ ٨/١٤٣٢هـ

стр. 4

المبحث الأول: تعريف الاختلاط: لغة واصطلاحاً أولاً: الاختلاط لغة: يقال: خَلَطَ الشيء بالشيء يَخْلِطُه خَلْطاً، وخَلَّطَه فاخْتَلَطَ: مَزَجَه، واخْتَلَطا وخالطَ الشيءَ مُخالَطة وخِلاطاً: مازَجَه. والخِلاط: اخْتِلاطُ الإِبِل، والناسِ، والمَواشي، ويقال: ... أَخْلاطٌ من الناس، وخَلِيطٌ، وخُلَيْطى، وخُلَّيْطى: أَي أَوْباشٌ مُجْتَمِعُون مُخْتَلِطُون. وخلَط القومَ خَلْطاً، وخالَطَهم: داخَلَهم. والخَلِطُ: المختلط بالناس المُتَحَبِّبُ، يكون للذي يَتَمَلَّقُهم، ويتحَبَّبُ إِليهم، ويكون للذي يُلْقي نساءَه ومتاعَه بين الناس (١). وقال العلامة الفيُّومي ﵀: «خلطت الشيء بغيره خَلْطًا من باب ضرب: ضممته إليه فَاخْتَلَطَ هو، وقد يمكن التمييز بعد ذلك كما في خلط الحيوانات، وقد لا يمكن كَخَلْطِ المائعات فيكون مزجاً ... وقد توسع فيه حتى قيل: رجل خَلِيطٌ إذا اخْتَلَطَ بالناس كثيراً، والجمع: الخُلَطَاءُ» (٢). وقال ابن فارس ﵀: «(خلط): الخاء، واللام، والطاء أصل

стр. 5

واحد ... تقول: خلطت الشيء بغيره فاختلط» (١). ويقال: خلط الشيء بالشيء: ضمه إليه، قال اللَّه تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢). والخليط: المجاور، والشريك، ومنه قول اللَّه تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (٣) (٤). فالاختلاط في اللغة: يطلق على الامتزاج، والاجتماع، والمداخلة بالأبدان، والانضمام والضم، والمجاورة، والاشتراك من الشريك، واللَّه تعالى أعلم. ثانياً: تعريف الاختلاط المحرم في الاصطلاح: ١ - هو اجتماع الرجل بالمرأة التي ليست بمحرم له اجتماعاً يؤدي إلى ريبة (٥). ٢ - وقيل: هو اجتماع الرجال بالنساء غير المحارم في مكان واحد

стр. 6

يمكنهم فيه الاتصال فيما بينهم: بالنظر، أو الإشارة، أو الكلام، أو البدن من غير حائل، أو مانع يدفع الريبة والفساد (١). ٣ - وقيل: الاختلاط هو اجتماع الرجال بالنساء الأجنبيات في مكان واحد، بحكم العمل، أو البيع، أو الشراء، أو النزهة، أو السفر، أو نحو ذلك (٢). ٤ - وقيل: «هو اختلاط جنسي الذكور والإناث اختلاطاً منظماً، ومقنّناً في مجال العلم، أو العمل، أو نحوهما، بمختلف الوجوه، كالاختلاط في الدراسة الجامعية، أو في ميدان العمل بالدوائر الرسمية، والمحلات التجارية، والشركات، والمعامل وغير ذلك» (٣). ٥ - وقيل: هو: «اجتماع الرجال بالنساء في التعليم، والعمل، والمؤتمرات، والندوات، والاجتماعات العامة، والخاصة، وغيرها» (٤). ٦ - وقيل: «هو اختلاط جنسي الذكور والإناث بمختلف الوجوه،

стр. 7

كالاختلاط في الدراسة الجامعية، أو في ميدان العمل بالدوائر الرسمية، والمحلات التجارية، والشركات، والمعامل، وغير ذلك» (١). ٧ - وقيل: الاختلاط: هو اجتماع الرجل بالمرأة التي ليست بمحرم اجتماعاً يؤدي إلى ريبة، والأمر بالقرار في البيت وتحريم الخلوة يعتبران نهياً عنه» (٢). ٨ - وقيل: الاختلاط المحرم: هو اجتماع النساء بالرجال الأجانب اجتماعاً خاصاً أو عاماً يحدث بسببه الافتتان» (٣). ٩ - والتعريف الاصطلاحي المختار للاختلاط المحرم هو: انضمام واجتماع ومداخلة الرجال بالنساء غير المحارم في مكان واحد يمكنهم فيه الاتصال فيما بينهم: بالنظر، أو الإشارة، أو الكلام، أو البدن، من غير حائل أو مانع يدفع الريبة والفساد. واللَّه تعالى أعلم. ويؤخذ من هذا التعريف الاصطلاحي للاختلاط المحرم: أنه كل اجتماع بين الرجال الأجانب والنساء غير المحارم، يحصل به انضمام، أو اجتماع، أو مداخلة بالنظر، أو الإشارة، أو الابتسامة والضحك، أو الكلام المحرم، أو ملامسة الأبدان بالاحتكاك أو

стр. 8

المصافحة، أو غير ذلك، مثل ما يحصل: في الدراسة الجماعية في الجامعات المختلطة، أو المدارس المختلطة بين الجنسين، وكذا ما يحصل في ميدان العمل بالدوائر الرسمية، أو البيع أو الشراء، أو النزهة أو السفر، أو العمل بالشركات أو المحلات التجارية، أو المستشفيات: والاختلاط بين الأطباء والطبيبات، وبالممرضين والممرضات، ومن ذلك كل طبيب عنده ممرضة، أو طبيبة عندها ممرض، يخلو بها في بعض الأوقات، أو السكرتيرة للطبيب، والسكرتير للطبيبة، أو الاختلاط في المؤتمرات، أو الندوات، أو المحاضرات، أو الاجتماعات، أو الأكل الجماعي في المطاعم، سواء كانت عامة أو خاصة، أو خدمة النساء للرجال الأجانب، وتقديم الأطعمة أو المشروبات مباشرة بدون حجاب، ولا حائل، كما يحصل في الطائرات وغيرها. فهذا هو الاختلاط المحرم الذي لا شك في تحريمه، نسأل اللَّه السلامة والعافية.

стр. 9

المبحث الثاني: أنواع الاختلاط وأقسامه، وبداياته أولاً: أنواع الاختلاط المحرم، وصوره على النحو الآتي: ١ - اختلاط الأولاد: الذكور والإناث - ولو كانوا إخوة- في المضاجع بعد التمييز، فقد أمر النبي ﷺ بالتفريق بينهم في المضاجع، فعن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «مُرُوا أَوْلاَدَكُمْ بِالصَّلاَةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرِ سِنِينَ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِى الْمَضَاجِعِ» (١). ٢ - اتخاذ الخدم الرجال ، واختلاطهم بالنساء، وحصول الخلوة بهن، رُوِي في بعض الآثار أن فاطمة ﵍ لما ناوَلَت أحَدَ ابنَيْها بلالًا أو أنسًا قال: «رأيت كفًا» يعني أنه لم يَرَ وجهًا (٢)، وقد كان أنس ﵁ خادمًا خاصّاً للنبي ﷺ ، وكان يعيش عنده كأحد أهله. ٣ - اتخاذ الخادمات اللائي يبقين بدون محارم، وقد تحصل بهن الخلوة. ٤ - السماح للخطيبين بالمصاحبة والمخالطة التي تجر إلى الخلوة، ثم

стр. 10

إلى ما لا تحمد عقباه، فيقع العبث بأعراض الناس بحجة التعارف ومدارسة بعضهم بعضًا. ٥ - استقبال المرأة أقارب زوجها الأجانب، وأصدقاءه- في حال غيابه ومجالستهم. ٦ - الاختلاط في دور التعليم كالمدارس ، والجامعات، والمعاهد، والدروس الخصوصية. ٧ - الاختلاط في الوظائف ، والأندية، والمواصلات، والأسواق، والمستشفيات، والزيارات بين الجيران، والأعراس، والحفلات. ٨ - الخلوة في أي مكان ولو بصفة مؤقتة كالمصاعد، والمكاتب، والعيادات، وغيرها (١). ثانياً: أقسام الاختلاط: المباح، والمحرم: له ثلاث حالات: قال العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀: «اختلاط الرجال بالنساء له ثلاث حالات: الأولى: اختلاط النساء بمحارمهن من الرجال ، وهذا لا إشكال في جوازه. الثانية: اختلاط النساء بالأجانب لغرض الفساد ، وهذا لا إشكال في تحريمه.

стр. 11

الثالثة: اختلاط النساء بالأجانب في: دور العلم، والحوانيت، والمكاتب، والمستشفيات، والحفلات، ونحو ذلك، فهذا في الحقيقة قد يظن السائل في بادئ الأمر أنه لا يؤدي إلى افتتان كل واحد من النوعين بالآخر؛ ولكشف حقيقة هذا القسم فإنَّا نجيب عنه من طريق: مجمل، ومفصل: أما المجمل: فهو أن اللَّه تعالى جبل الرجال على القوة والميل إلى النساء، وجبل النساء على الميل إلى الرجال مع وجود ضعف ولين، فإذا حصل الاختلاط نشأ على ذلك آثار تؤدي إلى حصول الغرض السيئ؛ لأن النفوس أمارة بالسوء، والهوى يعمي ويصم، والشيطان يأمر بالفحشاء والمنكر. وأما المفصَّل: فالشريعة مبنية على المقاصد ووسائلها، ووسائل المقصود الموصلة إليه لها حكمه، فالنساء مواضع قضاء وطر الرجال، وقد سدَّ الشارع الأبواب المفضية إلى تعلق كل فرد من أفراد النوعين بالآخر، وينجلي ذلك بما نسوقه لك من الأدلة من الكتاب والسنة. أما الأدلة من الكتاب فستة: ... ». ثم ذكرها ﵀ (١)، ثم قال: «وأما

стр. 12

الأدلة من السنة، فإننا نكتفي بعشرة أدلة»، ثم ساقها ﵀ (١) (٢). ثالثاً: بدايات الاختلاط في أماكن العمل والتعليم في بلاد المسلمين: لم يكن اختلاط الرجال بالنساء في أماكن العمل والتعليم معروفاً في مجتمعات المسلمين، ولم يعرف قبل تمكن الاحتلال الفرنسي والإنجليزي من أرض الإسلام، وقد ذكر صاحب كتاب تاريخ التعليم في العراق ١٩٢١ م- ١٩٣٢ أن أعيان البصرة كتبوا لرئيس مجلس الوزراء في العراق كتاباً يتضمن استنكاراً لما قام به مدير المعارف في وقته من زيارة مدرسة للبنات، واعتبروا ذلك تغريباً وسبيلاً للسفور (٣). وقد دخل الاختلاط في أماكن التعليم بلاد الإسلام في أول الأمر عن طريق المدارس الأجنبية التي أنشأها المحتل الأجنبي (٤)، حيث إن أول مدرسة للبنات فتحها المنصرون في الدولة العثمانية في بيروت عام ١٨٣٠ م، تبع ذلك افتتاح مدارس كثيرة للبنات في مصر والسودان وسوريا والعراق وفلسطين والهند والأفغان، التي بدأت في أول أمرها للبنات، ثم تحولت مختلطة بين الجنسين (٥).

стр. 13

وظهر التيار التغريبي في مصر - أنموذجاً- وجرى على يديه الاختلاط في أماكن العمل والتعليم عن طريق ثلاثة مسارات: المسار الأول: عن طريق المستغربين [ كأحمد لطفي السيد الهالك سنة ١٣٨٢هـ]، وهو أول من أدخل الفتيات المصريات في الجامعات مختلطات بالطلاب سافرات الوجوه، لأوَّل مرة في تاريخ مصر، يناصره في ذلك طه حسين الهالك سنة ١٣٩٣هـ] (١)، الذين أمسكوا بأزمة الجامعة المصرية، فأدخلوا البنات فيها بشكل تدريجي حتى صارت مختلطة بين الطالبات والطلاب، ولما ثار عليهم علماء الأزهر، قال طه حسين قولته الماكرة: «لاأعلم نصاً في كتاب اللَّه أو سنة نبيه يمنع اختلاط الشبان بالشابات لطلب العلم»!!! (٢). ولما وقعت بعض جرائم الزنا إبان افتتاح الجامعة المصرية قال بكل صراحة: «لا بد من ضحايا» لكنه لم يذكر هذه الضحايا في سبيل ماذا؟!! (٣). المسار الثاني: كتابات بعض المنتسبين للعلم الذين دعوا إلى الاختلاط بين الرجال والنساء ، فكانوا سنداً للمستغربين، وعوناً لهم، كرفاعة الطهطاوي في كتابه «تلخيص الإبريز في تاريخ باريز»، وخير

стр. 14

الدين التونسي في كتابه «أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك» (١)، ومحمد عبده الذي كتب بعض فصول كتاب «تحرير المرأة» لقاسم أمين (٢)، وعبد العزيز جاويش الذي أنشأ مجلة «الهداية»، وهي تستهدف تقريب الدين من الثقافة الغربية الحديثة، وقد نشرت مقالاً لعبد القادر المغربي عن حجاب المرأة دعا فيه إلى السفور والاختلاط، واستشهد فيه - على زعمه - بأحاديث وآثار شرعية!! (٣). المسار الثالث: نشطت الصحافة في نشر الأفكار المنحرفة المتعلقة بعمل المرأة وتعليمها واختلاطها بالرجال، مستهدفة ذلك الحاجز القوي الذي أقامه الإسلام على أساس المحافظة على العِرض والشرف والخلق، حين دعا إلى حماية كرامة المرأة بالفصل بينها وبين الرجل في المجتمعات ودوائر الأعمال، وفي لقاء البيوت والأسر (٤). وهكذا انتشر وباء الاختلاط في مجتمعات المسلمين بعد تآزر قوى الظلام (المستغربون، أدعياء العلم، أقلام الصحافة المسمومة) وحسبنا اللَّه ونعم الوكيل (٥).

стр. 15

المبحث الثالث: حكم الاختلاط وتحريم الأسباب الموصلة إليه وبيان عادة الإباحية أولاً: الاختلاط بين النساء والرجال الأجانب محرّم تحريماً مؤكداً؛ لأن العِفَّة حجاب يُمَزِّقه الاختلاط، ولهذا صار طريق الإسلام التفريق والمباعدة بين المرأة والرجل الأجنبي عنها، فالمجتمع الإسلامي مجتمع فردي لا زوجي، فللرجال مجتمعاتهم، وللنساء مجتمعاتهن، ولا تخرج المرأة إلى مجتمع الرجال إلا لضرورة أو حاجة بضوابط الخروج الشرعية. كل هذا لحفظ الأعراض، والأنساب، وحراسة الفضائل، والبعد عن الرِّيب والرذائل، وعدم إشغال المرأة عن وظائفها الأساسية في بيتها؛ ولذا حُرِّم الاختلاط، سواء في التعليم، أم العمل، والمؤتمرات، والندوات، والاجتماعات العامة، والخاصة، وغيرها؛ لما يترتب عليه من هتك الأعراض ومرض القلوب، وخطرات النفس، وخنوثة الرجال، واسترجال النساء، وزوال الحياء، وتقلص العفة والحشمة، وانعدام الغيرة. ولهذا فإن أهل الإسلام لا عهد لهم باختلاط نسائهم بالرجال الأجانب عنهن، وإنما حصلت أول شرارة قدحت للاختلاط على أرض الإسلام من خلال: «المدارس الاستعمارية الأجنبية العالمية»، التي فتحت أول ما فتحت في بلاد الإسلام في: (لبنان) كما بينه العلامة بكر أبو زيد ﵀ في كتابه: «المدارس الاستعمارية

стр. 16

-الأجنبية العالمية- تاريخها ومخاطرها على الأمة الإسلامية» (١). وقد عُلِم تاريخيّاً أن ذلك من أقوى الوسائل لإذلال الرعايا وإخضاعها؛ بتضييع مقومات كرامتها، وتجريدها من الفضائل، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي الحكيم. كما عُلِمَ تاريخياً أن التبذل والاختلاط من أعظم أسباب انهيار الحضارات، وزوال الدول، كما كان ذلك لحضارة (٢) اليونان والرومان، وهكذا عواقب الأهواء والمذاهب المضلة، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «إن دولة بني أمية كان انقراضها بسبب هذا الجَعْدِ المعطِّل وغيره من الأسباب» (٣). وقال ابن القيم ﵀ ما مختصره: «فصل: ومن ذلك أن وليّ الأمر يجب عليه أن يمنع اختلاط الرجال بالنساء في الأسواق، والفُرَج، ومجامع الرجال ... فالإمام مسؤول عن ذلك، والفتنة به عظيمة قال ﷺ : «ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء» (٤)، ... وفي حديث آخر أنه قال للنساء: «علَيْكُنَّ حافات الطريق» (٥).

стр. 17

ويجب عليه منع النساء من الخروج متزينات متجملات، ومنعهن من الثياب التي يكنَّ بها كاسيات عاريات، كالثياب الواسعة، والرقاق، ومنعهنّ من حديث الرجال في الطرقات، ومنع الرجال من ذلك. وإن رأى وليّ الأمر أن يفسد على المرأة - إذا تجملت وتزينت وخرجت - ثيابها بحبر ونحوه، فقد رخّص في ذلك بعض الفقهاء وأصاب، وهذا من أدنى عقوبتهن المالية. وله أن يحبس المرأة إذا أكثرت الخروج من منزلها، ولا سيما إذا خرجت متجملة؛ بل إقرار النساء على ذلك إعانة لهن على الإثم والمعصية، واللَّه سائلٌ وليّ الأمر عن ذلك. وقد منع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ النساء من المشي في طريق الرجال، والاختلاط بهم في الطريق. فعلى وليِّ الأمر أن يقتدي به في ذلك. وقال الخلال في جامعه: أخبرني محمد بن يحيى الكحال: أنه قال لأبي عبد اللَّه: أرى الرجل السوء مع المرأة؟ قال: صِحْ به، وقد أخبر النبيّ ﷺ : «أن المرأة إذا تطيَّبت وخرجت من بيتها فهي زانية» (١).

стр. 18

ويمنع المرأة إذا أصابت بخوراً أن تشهدَ عشاء الآخرة في المسجد، فقد قال النبي ﷺ : «المرأة إذا خرجت استشرفها الشيطان» (١). ولا ريب أن تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال، أصل كل بلية وشرّ، وهو من أعظم أسباب نزول العقوبات العامة، كما أنه من أسباب فساد أمور العامة والخاصة، واختلاط الرجال بالنساء سبب لكثرة الفواحش والزنا، وهو من أسباب الموت العام والطواعين المتصلة (٢). ولما اختلط البغايا بعسكر موسى، وفشت فيهم الفاحشة، أرسل اللَّه عليهم الطاعون، فمات في يوم واحد سبعون ألفاً، والقصة مشهورة في كتب التفاسير. فمن أعظم أسباب الموت العام: كثرة الزنا، بسبب تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال، والمشي بينهم متبرجات متجملات، ولو علم أولياء الأمر ما في ذلك من فساد الدنيا والرعية -قبل الدين - لكانوا أشد شيء منعاً لذلك» انتهى كلامه ﵀ (٣).

стр. 19

ثانياً: تحريم الأسباب الموصلة إلى الاختلاط بين النساء والرجال غير المحارم؛ ولهذا قال العلامة بكر أبو زيد ﵀ بعد أن ساق كلام ابن القيم ﵀ آنف الذكر: «ولهذا حرمت الأسباب المفضية إلى الاختلاط، وهتك سنة المباعدة بين الرجال والنساء ... » (١)، ثم ذكر ﵀ الأسباب التي توصل إلى الاختلاط على النحو الآتي: ١ - تحريم الدخول على الأجنبية والخلوة بها ، للأحاديث المستفيضة كثرة وصحة، ومنها: خلوة السائق، والخادم، والطبيب وغيرهم بالمرأة، وقد تنتقل من خلوة إلى أخرى، فيخلو بها الخادم في البيت، والسائق في السيارة، والطبيب في العيادة، وهكذا!!. ٢ - تحريم سفر المرأة بلا محرم ، والأحاديث فيه متواترة معلومة. ٣ - تحريم النظر العمد من أيٍّ منهما إلى الآخر، بنص القرآن والسنة. ٤ - تحريم دخول الرجال على النساء ، حتى الأحماء -وهم أقارب الزوج- فكيف بالجلسات العائلية المختلطة، مع ما هن عليه من الزينة، وإبراز المفاتن، والخضوع بالقول، والضحك .. ؟. ٥ - تحريم مسّ الرجل بدن الأجنبية ، حتى المصافحة للسلام. ٦ - تحريم تشبه أحدهما بالآخر (٢).

стр. 20

ثم قال ﵀: «وشرع لها صلاتها في بيتها، فهي من شعائر البيوت الإسلامية، وصلاة المرأة في بيتها خير لها من صلاتها في مسجد قومها، وصلاتها في مسجد قومها خير من صلاتها في مسجد رسول اللَّه ﷺ ، كما ثبت الحديث بذلك. ولهذا سقط عنها وجوب الجمعة، وأُذِنَ لها بالخروج للمسجد وفق الأحكام الآتية: الأول: أن تؤمن الفتنة بها وعليها. الثاني: أن لا يترتب على حضورها محذور شرعي. الثالث: أن لا تزاحم الرجال في الطريق ولا في الجامع. الرابع: أن تخرج تَفِلةً غير متطيبة. الخامس: أن تخرج متحجبة غير متبرجة بزينة. السادس: إفراد باب خاص للنساء في المساجد، يكون دخولها وخروجها معه، كما ثبت الحديث بذلك في سنن أبي داود وغيره. السابع: تكون صفوف النساء خلف الرجال. الثامن: خير صفوف النساء آخرها بخلاف الرجال. التاسع: إذا نابَ الإمامَ شيء في صلاته سَبَّح رجل، وصفقت امرأة. العاشرة: تخرج النساء من المسجد قبل الرجال، وعلى الرجال الانتظار حتى انصرافهن إلى دُورهن، كما في حديث أم سلمة

стр. 21

- ﵂، في صحيح البخاري وغيره. إلى غير ذلك من الأحكام التي تباعد بين أنفاس النساء والرجال، واللَّه أعلم». (١) ثالثاً: عادة الإباحية للاختلاط بين الرجال والنساء الأجانب ، قال العلامة بكر أبو زيد ﵀: «ولا بد من التنبيه إلى أن دعاة الإباحية، لهم بدايات تبدو خفيفة، وهي تَحْمِلُ مكايد عظيمة، منها في وضع لبنة الاختلاط، يبدؤون بها من رياض الأطفال، وفي برامج الإعلام، وركن التعارف الصحفي بين الأطفال، وتقديم طاقات -وليس باقات- الزهور من الجنسين في الاحتفالات». ثم قال ﵀: «إذا كان الاختلاط بين الجنسين في رياض الأطفال مرفوضاً؛ لأنه ليس من عمل المسلمين على مدى تاريخهم الطويل في تعليم أولادهم في الكتاتيب وغيرها؛ ولأنه ذريعة إلى الاختلاط فيما فوقها من مراحل التعليم، فالدعوة إلى الاختلاط في الصفوف الأولى من الدراسة الابتدائية مرفوضة من باب أولى، فاحذروا أن تخدعوا أيها المسلمون!!. وهكذا .. من دواعي كسر حاجز النفرة من الاختلاط، بمثل هذه البدايات، التي يستسهلها كثير من الناس.

стр. 22

فليتق اللَّه أهلُ الإسلام في مواليهم، وليحسبوا خطوات السير في حياتهم، وليحفظوا ما استرعاهم اللَّه عليه من رعاياهم، والحذر الحذر من التفريط والاستجابة لفتنة: الاستدراج إلى مدارج الضلالة، وكل امرئٍ حسيب نفسه» (١).

стр. 23

المبحث الرابع: الأدلة على تحريم اختلاط النساء بالرجال الأجانب عنهن لما حرَّم الله الزنا حرَّم الأسباب الموصلة إليه؛ ولهذا قال العلامة بكر أبو زيد ﵀: «قاعدة الشرع المطهّر: أن اللَّه سبحانه إذا حرّم شيئاً حرّم الأسباب والطرق والوسائل المفضية إليه، تحقيقاً لتحريمه، ومنعاً من الوصول إليه، أو القرب من حماه ... وفاحشة الزنا من أعظم الفواحش، وأقبحها وأشدها خطراً وضرراً، وعاقبةً على ضروريات الدين؛ ولهذا صار تحريم الزنا معلوماً من الدين بالضرورة. قال اللَّه تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ (١). ولهذا حرِّمت الأسباب الموصلة إليه من: السفور ووسائله، والتبرج ووسائله، والاختلاط ووسائله، وتشبه المرأة بالرجل، وتشبهها بالكافرات .. وهذا من أسباب الرِّيبة، والفتنة، والفساد» (٢). أولاً: الأدلة من القرآن العظيم على تحريم اختلاط النساء بالرجال الأجانب عنهن: الدليل الأول: قول اللَّه تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ (٣).

стр. 24

يأمر اللَّه تعالى نبيه ﵊ أن يبلغ المؤمنين والمؤمنات وجوب غض البصر، وحفظ الفرج عن الزنا، ومعلوم أن حفظ الفرج من الفاحشة إنما يكون باجتناب وسائلها، واختلاط النساء بالرجال في أماكن العمل والتعليم من أعظم وسائل وقوع الفاحشة (١). وقال العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀: « ... فإذا نهى الشارع عن النظر إليهن؛ لما يؤدي إليه من المفسدة، وهو حاصل في الاختلاط، فكذلك الاختلاط ينهى عنه؛ لأنه وسيلة إلى ما لا تحمد عقباه من التمتع بالنظر، والسعي إلى ما هو أسوأ منه» (٢). الدليل الثاني: قال اللَّه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ (٣). «يقول اللَّه تعالى آمرًا رسوله ﷺ أن يأمر النساء المؤمنات خاصة أزواجه وبناته لشرفهن بأن يدنين عليهن جلابيبهن ليتميزن عن سمات نساء الجاهلية (٤). فلا يتعرض لهن من في قلبه مرض، فإذا كانت الشريعة تأمر المرأة بالحجاب عند خروجها لئلا يتعرض لها

стр. 25

من في قلبه مرض، أفيتصور أن تجيز هذه الشريعة اجتماع الرجال بالنساء السافرات في أماكن العمل والتعليم مع ما يفرضه ذلك على المرأة من التبذل، ومن ثمَّ جرأة الفساق عليها؟!. الدليل الثالث: قول اللَّه تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (١). ومعنى هذه الآية الكريمة الأمر بلزوم البيت، وإن كان الخطاب لنساء النبي ﷺ فقد دخل غيرهن فيه بالمعنى، هذا لو لم يرد دليل يعم جميع النساء بالمعنى «فإذا كانت أمهات المؤمنين الطاهرات قد أُمرن بذلك فغَيْرهن من باب أولى؛ ولأنهن القدوة لنساء الأمة» (٢)، كيف والشريعة جاءت بلزوم النساء بيوتهن، والانطفاف عن الخروج منها إلا لضرورة (٣)، وإذا كانت الشريعة قد جاءت بمنع المرأة من الخروج من بيتها لغير حاجة درءاً للفتنة، وصيانة للمرأة، فهل يصحّ أن يكون خروجها للعمل والدراسة مع الرجال التي هي مواضع فتنة جائزاً شرعاً؟ ويؤخذ من قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ﴾ الأمر بالقرار في البيوت سداً لباب الاختلاط؛ لأنه خروج لغير ضرورة معتبرة فاتح لباب الاختلاط، ويؤخذ من قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ

стр. 26

الجَاهِلِيَّةِ﴾ أن تبرج المرأة يدعو إلى القرب منها، واللقاء بها، والمحادثة معها، فترك التبرج يحميها من الاختلاط (١). الدليل الرابع: قول اللَّه تعالى: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ (٢). قال العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ مفتي الديار السعودية في وقته: «وجه الدلالة أنه لما حصل اختلاط بين امرأة عزيز مصر وبين يوسف ﵇ ظهر منها ما كان كامناً، فطلبت منه أن يوافقها، ولكن أدركه اللَّه برحمته، فعصمه منها، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٣)، وكذلك إذا حصل اختلاط بالنساء، اختار كل من النوعين من يهواه من النوع الآخر، وبذل بعد ذلك الوسائل للحصول عليه» (٤). الدليل الخامس: قول اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ (٥).

стр. 27

أمر اللَّه تعالى المؤمنين إذا سألوا نساء النّبيّ ﷺ حاجة - ويدخل في ذلك جميع النساء بالمعنى - أن يسألوهم من وراء حجاب (١)، والأمر بكون سؤالهن من وراء حجاب دليل واضح على لزوم الحواجز وعدم الاختلاط (٢). الدليل السادس: قول اللَّه تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ (٣). ففي هذه الآية بيّن جلّ وعلا أن ابنتي شيخ مدين لا تسقيان الماء حتى يصدر الرعاء لئلا يختلطا بالرجال (٤)، وهذا فيه مدح وثناء على هذا الخُلُق والسلوك كما هو بيِّنٌ من السياق. الدليل السابع: قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ (٥). قال السعدي ﵀: «والنهي عن قربانه أبلغ من النهي عن مجرد فعله؛ لأن ذلك يشمل النهي عن جميع مقدماته ودواعيه فإن: «من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه» خصوصاً هذا الأمر الذي في

стр. 28

كثير من النفوس أقوى داع إليه» (١). وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀: «ولا يصح لعاقل أن يشك في أن اختلاط الجنسين في غاية الشباب ونضارته وحسنه أنه أكبر وسيلة وأنجح طريق إلى انتشار الفاحشة وفشو الرَّذيلة بين الجنسين» (٢). وقال أيضاً: «ومعلوم أن اختلاط الجنسين في الجامعات على الحالات المعهودة في جامعات أوروبا ونحوها أنه فتح للباب على مصراعيه لذريعة الزنا كما هو مشاهد مشاهدة لا يمكن معها الجدال إلا من مكابر» (٣). الدليل الثامن: قول اللَّه تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ (٤)، قال العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ مفتي الديار السعودية في وقته: «وجه الدلالة أن اللَّه تعالى وصف العين التي تسارق النظر إلى ما لا يحل النظر إليه من النساء بأنها خائنة، فكيف بالاختلاط» (٥). ثانياً: الأدلة من السنة النبوية المطهرة على تحريم اختلاط النساء بالرجال: الدليل الأول: حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا وَشَرُّهَا آخِرُهَا وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا

стр. 29

وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا» (١). فدلّ هذا الحديث العظيم على: أن تفضيل الصفوف الأخيرة مع فوات أجر التقدم (٢) يدلّ على مشروعية بعد المرأة عن الرجال، وأنها كلما كانت أبعد عنهم كانت أقرب إلى الخير، وكلما قربت منهم كانت أقرب إلى الشر، فدلّ على أن الاختلاط شر، والبعد عنه خير. قال الإمام النووي ﵀: «وَإِنَّمَا فَضَّلَ آخِر صُفُوف النِّسَاء الْحَاضِرَات مَعَ الرِّجَال؛ لِبُعْدِهِنَّ مِنْ مُخَالَطَة الرِّجَال، وَرُؤْيَتهمْ، وَتَعَلُّق الْقَلْب بِهِمْ عِنْد رُؤْيَة حَرَكَاتهمْ، وَسَمَاع كَلَامهمْ وَنَحْو ذَلِكَ، وَذَمَّ أَوَّلَ صُفُوفهنَّ لِعَكْسِ ذَلِكَ. وَاَللَّه أَعْلَم» (٣). وقال الشوكاني ﵀: «قوله: «خير صفوف النساء آخرها» إنما كان خيرها لما في الوقوف فيه من البعد عن مخالطة الرجال» (٤). وقال السندي ﵀ في حاشيته على سنن النسائي: «أي أقلها أجراً، وفي النساء بالعكس؛ وذلك لأن مقاربة أنفاس الرجال للنساء يخاف منها أن تشوش المرأة على الرجل والرجل على المرأة، ثم

стр. 30

هذا التفصيل في صفوف الرجال على إطلاقه، وفي صفوف النساء عند الاختلاط بالرجال كذا قيل، ويمكن حمله على إطلاقه؛ لمراعاة الستر. فتأمل واللَّه تعالى أعلم» (١). وقال سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ بعد هذا الحديث: «فإذا كان الشرع توقع حصول ذلك في مواطن العبادة، مع أنه لم يحصل اختلاط، فحصول ذلك إذا وقع اختلاط من باب أولى، فيمنع الاختلاط من باب أولى» (٢). وقال العلامة ابن عثيمين ﵀: «ولا ينبغي أن يغرَّنا ما يدعو إليه أهل الشر والفساد من المقلِّدين للكفار من الدعوة إلى اختلاط المرأة بالرجال؛ فإن ذلك من وحي الشيطان والعياذ باللَّه، هو الذي يُزيّن ذلك في قلوبهم، وإلاّ فلا شكَّ أنّ الأمم التي كانت تُقدّم النساء وتجعلهن مع الرجال مختلطات، لا شكَّ أنّها اليوم في ويلات عظيمة من هذا الأمر، يتمنون الخلاص منه، فلا يستطيعون» (٣). الدليل الثاني: حديث عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود ﵁ -: عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «صَلَاةُ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي حُجْرَتِهَا وَصَلَاتُهَا فِي

стр. 31

مَخْدَعِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي بَيْتِهَا» (١). قال في عون المعبود: «(صلاة المرأة في بيتها) أي الداخلاني لكمال سترها (أفضل من صلاتها في حجرتها) أي صحن الدار، قال ابن الملك: أراد بالحجرة ما تكون أبواب البيوت إليها، وهي أدنى حالاً من البيت، (وصلاتها في مخدعها) - بضم الميم، وتفتح وتكسر، مع فتح الدال في الكل- وهو البيت الصغير الذي يكون داخل البيت الكبير، يحفظ فيه الأمتعة النفيسة من الخدع، وهو إخفاء الشيء، أي في خزانتها أفضل من صلاتها في بيتها؛ لأن مبنى أمرها على التستر» (٢). فإذا فُضِّلَ في حقّ المرأة الصلاة في بيتها بُعداً عن الفتنة، ومخالطة الرجال، فمنعها من الاختلاط بالرجال في أماكن العمل والتعليم من باب أولى. وقال المباركفوري ﵀: «فائدة: اعلم أن صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد، ومع هذا لو استأذنت للصلاة إلى المسجد لا تُمنع، بل تؤذن لكن لا مطلقاً، بل بشروط قد وردت في الأحاديث.

стр. 32

قال النووي ﵀: قوله ﷺ : «لا تمنعوا إماء اللَّه مساجد اللَّه»، هذا وشبهه من أحاديث الباب ظاهر في أنها لا تمنع المسجد، لكن بشروط ذكرها العلماء مأخوذةً من الأحاديث، وهي أن لا تكون مطيبةً ولا متزينةً، ولا ذات خلاخل يسمع صوتها، ولا ثياب فاخرة، ولا مختلطة بالرجال، ولا شابةً ونحوها ممن يفتتن بها، وأن لا يكون في الطريق ما يخاف به مفسدة ونحوها. وهذا النهي عن منعهن من الخروج محمول على التنزيه إذا كانت المرأة ذات زوج أو سيد، ووجدت الشروط المذكورة؛ فإن لم يكن لها زوج ولا سيد حرم المنع إذا وجدت الشروط. انتهى كلام النووي (١). وقال الحافظ ابن حجر ﵀: «قالَ ابن دَقِيق العِيد: هَذا الحَدِيث عامّ فِي النِّساء، إِلاَّ أَنَّ الفُقَهاء خَصُّوهُ بِشُرُوطٍ، مِنها: أَن لا تَتَطَيَّب، وهُو فِي بَعض الرِّوايات: «وليَخرُجنَ تَفِلات» (٢) أي غَير مُتَطَيِّبات ...

стр. 33

ولِمُسلِمٍ مِن حَدِيث زَينَب امرَأَة ابن مَسعُود: «إِذا شَهِدَت إِحداكُنَّ المَسجِد فَلا تَمَسَّنَّ طِيبًا» (١). قالَ: ويَلحَق بِالطِّيبِ ما فِي مَعناهُ؛ لأَنَّ سَبَب المَنع مِنهُ ما فِيهِ مِن تَحرِيك داعِيَة الشَّهوة كَحُسنِ المَلبَس والحُلِيّ الَّذِي يَظهَر، والزِّينَة الفاخِرَة، وكَذا الاختِلاط بِالرِّجالِ» (٢). وقال العلامة الشنقيطي ﵀: «وَإِذَا عَلِمْتَ أَنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ الْمُتَطَيِّبَةَ لَيْسَ لَهَا الْخُرُوجُ إِلَى الْمَسْجِدِ; لِأَنَّهَا تُحَرِّكُ شَهْوَةَ الرِّجَالِ بِرِيحِ طِيبِهَا، فَاعْلَمْ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ أَلْحَقُوا بِالطِّيبِ مَا فِي مَعْنَاهُ: كَالزِّينَةِ الظَّاهِرَةِ، وَصَوْتِ الْخَلْخَالِ، وَالثِّيَابِ الْفَاخِرَةِ، وَالِاخْتِلَاطِ بِالرِّجَالِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، بِجَامِعِ أَنَّ الْجَمِيعَ سَبَبُ الْفِتْنَةِ بِتَحْرِيكِ شَهْوَةِ الرِّجَالِ، وَوَجْهُهُ ظَاهِرٌ كَمَا تَرَى» (٣). الدليل الثالث: حديث عقبة بن عامر ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ»، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ؟ قَالَ: «الْحَمْوُ الْمَوْتُ» (٤).

стр. 34

قال الحافظ ابن حجر ﵀: «وتَضَمَّنَ مَنعَ الدُّخُول مَنع الخَلوة بِها بِطَرِيقِ الأَولَى» (١). وقال الأمين الشنقيطي ﵀: «وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ التَّحْذِيرُ مِنَ الدُّخُولِ عَلَيْهِنَّ، وَلَوْ لَمْ تَحْصُلِ الْخَلْوَةُ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ كَذَلِكَ، فَالدُّخُولُ عَلَيْهِنَّ، وَالْخَلْوَةُ بِهِنَّ، كِلَاهُمَا مُحَرَّمٌ تَحْرِيمًا شَدِيدًا بِانْفِرَادِهِ، كَمَا قَدَّمْنَا أَنَّ مُسْلِمًا ﵀ أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي بَابِ تَحْرِيمِ الْخَلْوَةِ بِالْأَجْنَبِيَّةِ وَالدُّخُولِ عَلَيْهَا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ كِلَيْهِمَا حَرَامٌ» (٢). وقال أيضاً: «فتأمّلوا قوله ﷺ في دخول قريب الزوج على زوجته: «الحمو الموت» لتدركوا أن اختلاط الرجال الأجانب بالنساء الأجنبيات أنه هو الموت» (٣). وفيه التنصيص على عدم استثناء أقارب الزوج من هذا العموم. وقال القاضي عياض ﵀: «يريد لما فيه من الغرر المؤدي إلى الموت، فكذلك الخلو بالأحماء مؤدٍّ إلى الفتنة والهلاك في الدين؛ فجعله كهلاك الموت، فأورد هذا الكلام مورد التغليظ والتشديد، والأشبه أنه في غير أبي الزوج، ومن عدا المحارم منهم، واللَّه أعلم» (٤). وقال القرطبي ﵀: «وقوله: «إياكم والدخول على المغيبات»؛ هذا

стр. 35

تحذير شديد، ونهيٌ وكيد ... وقال: وقوله: «الحمو الموت»؛ أي: دخوله على زوجة أخيه يشبه الموت في الاستقباح والمفسدة؛ أي: فهو مُحرَّم معلوم التحريم، وإنَّما بالغ في الزجر عن ذلك، وشبهه بالموت؛ لتسامح الناس في ذلك من جهة الزوج والزوجة، لإلْفِهِم لذلك، حتى كأنه ليس بأجنبي من المرأة عادة، وخرج هذا مخرج قول العرب: الأسد الموت، والحرب الموت، أي: لقاؤه يفضي إلى الموت، وكذلك دخول الحمو على المرأة يفضي إلى موت الدِّين، أو إلى موتها بطلاقها عند غيرة الزوج، أو برجمها إن زنت معه» (١). وقال الإمام النووي ﵀: «وَالْمُرَاد بِالْحَمْوِ هُنَا: أَقَارِب الزَّوْج غَيْر آبَائِهِ وَأَبْنَائِهِ، فَأَمَّا الْآبَاء وَالْأَبْنَاء فَمَحَارِم لِزَوْجَتِهِ تَجُوز لَهُمْ الْخَلْوَة بِهَا، وَلَا يُوصَفُونَ بِالْمَوْتِ، وَإِنَّمَا الْمُرَاد: الْأَخ، وَابْن الْأَخ، وَالْعَمّ، وَابْنه، وَنَحْوهمْ مِمَّنْ لَيْسَ بِمَحْرَمٍ، وَعَادَة النَّاس الْمُسَاهَلَة فِيهِ، وَيَخْلُو بِامْرَأَةِ أَخِيهِ، فَهَذَا هُوَ الْمَوْت، وَهُوَ أَوْلَى بِالْمَنْعِ مِنَ الْأَجْنَبِيّ لِمَا ذَكَرْنَاهُ» (٢). وقال ابن الأثير: «يعني أنّ خَلْوة الحَمِ معها أشدّ من خلوة غيره من الغُرَباء؛ لأنه ربما حَسَّن لها أشياء، وحَمَلها على أمور تَثْقُل على الزَّوج من الْتِماس ما ليس في وُسْعه» (٣).

стр. 36

وقد ذكر العلامة ابن عثيمين ﵀: «جواباً عما يقوله أخو الزوج: لماذا لا تثق بي؟! ولماذا لا تتركني أدخل بيتك؟! فهذا مما يوجب التقاطع بين الأقارب، فقال: (إنه إذا حصل التقاطع بطاعة اللَّه فليكن، ما دمت أنا فعلت ذلك طاعة للَّه ورسوله فليكن، أليس اللَّه يقول: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ (١)، يعني: لو بذلا غاية الجهد، وبلغا منك المشقة في التزين لا تطعهما، فأنا إذا أطعت اللَّه لا يهمني، إذا كان يريد أن يقطع الصلة بيني وبينه فليقطعهما، أما أن أخضع لأمر نهى عنه الشرع من أجل مراعاة هذا الرجل، وأنا أخشى على أهلي وعلى فراشي، فهذا لا يجوز أبداً» (٢). الدليل الرابع: حديث ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ - أنّه سَأَلَهُ رَجُلٌ: شَهِدْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْعِيدَ أَضْحًى، أَوْ فِطْرًا؟ قَالَ: نَعَمْ، ولَوْلاَ مَكَانِي مِنْهُ مَا شَهِدْتُهُ، يَعْنِي مِنْ صِغَرِهِ- قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى، ثُمَّ خَطَبَ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَذَانًا، وَلاَ إِقَامَةً، ثمَّ أَتَى النِّسَاءَ فَوَعَظَهُنَّ وَذَكَّرَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، فَرَأَيْتُهُنَّ يَهْوِينَ إِلَى آذَانِهِنَّ وَحُلُوقِهِنَّ، يَدْفَعْنَ إِلَى بِلاَلٍ ثُمَّ ارْتَفَعَ هُوَ وَبِلاَلٌ إِلَى بَيْتِهِ» (٣). قال ابن حجر ﵀: «قَولُهُ: (ثُمَّ أَتَى النِّساءَ) يُشعِرُ بِأَنَّ النِّساءَ كُنَّ

стр. 37

عَلَى حِدَةٍ مِنَ الرِّجالِ غَيرَ مُختَلِطاتٍ بِهِم» (١). فإذا كانت الشريعة قد شرعت فصل الرجال عن النساء في أفضل الأماكن وأطهر البقاع، وهي المساجد، فالفصل في أماكن العمل والتعليم من باب أولى وأحرى. الدليل الخامس: حديث أَبِي أُسَيْدٍ الأَنْصَارِيِّ ﵁ -، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ وَهُوَ خَارِجٌ مِنَ الْمَسْجِدِ فَاخْتَلَطَ الرِّجَالُ مَعَ النِّسَاءِ فِي الطَّرِيقِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلنِّسَاءِ: «اسْتَأْخِرْنَ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَكُنَّ أَنْ تَحْقُقْنَ الطَّرِيقَ، عَلَيْكُنَّ بِحَافَاتِ الطَّرِيقِ». فَكَانَتِ الْمَرْأَةُ تَلْتَصِقُ بِالْجِدَارِ، حَتَّى إِنَّ ثَوْبَهَا لَيَتَعَلَّقُ بِالْجِدَارِ مِنْ لُصُوقِهَا بِهِ» (٢). وإذا مُنِعَ الاختلاط في الطريق مع كونه عابرًا عارضًا فمنعه في المجالس، وأماكن العمل والتعليم أولى، وهذا قياسٌ أولويٌ، وقال ابن حجر معلّقًا على حديث أم سلمة في انصراف النساء قبل الرجال: «وَفِيهِ اِجْتِنَاب مَوَاضِع التُّهَم، وَكَرَاهَة مُخَالَطَة الرِّجَال لِلنِّسَاءِ فِي الطُّرُقَات فَضْلًا عَنْ الْبُيُوت» (٣). وقال العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀: «وجه الدلالة: أن رسول اللَّه ﷺ إذا منعهنّ من الاختلاط في الطريق؛ لأنه يؤدي إلى

стр. 38

الافتتان، فكيف يقال بجواز الاختلاط في غير ذلك؟!» (١). الدليل السادس: حديث أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ - قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سَلَّمَ قَامَ النِّسَاءُ حِينَ يَقْضِي تَسْلِيمَهُ، وَمَكَثَ يَسِيرًا قَبْلَ أَنْ يَقُومَ» (٢). قَالَ ابْنُ شِهَابٍ الزهري ﵀: «نَرَى -وَاللَّهُ أَعْلَمُ- أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لِكَيْ يَنْصَرِفَ النِّسَاءُ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُنَّ أَحَدٌ مِنْ الرِّجَالِ» (٣). يؤخذ من هذا الحديث: أنّ النساء كنّ يقمن عقب الصلاة مباشرة، بإقرار من النبي ﷺ وعلمه، مما يدلُّ على مشروعية ذلك، ومع ثبوت الفضل في بقاء المصلي في مصلاه في قوله ﷺ : «الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ، تَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْه» (٤)، إلا أنهنّ كنّ يبادرن بالانصراف تجنبًا للاختلاط بالرجال، وهذا يدل على أنّ درء مفسدة الاختلاط مقدّمة على نافلة البقاء في المصلّى لتحصيل الفضل المذكور. وقد بوّب البيهقي الشافعي ﵀ في السنن الكبرى على هذا الحديث بقوله: «باب مكث الإمام في مكانه إذا كانت معه نساء كي ينصرفن قبل الرجال» (٥).

стр. 39

وقال بدر الدين العيني الحنفي في شرحه هذا الحديث: «فيه خروج النساء إلى المساجد، وسبقهن بالانصراف والاختلاط بهن مظنة الفساد» (١). وقال ابن بطال المالكي في شرحه: «وفي حديث أم سلمة من الفقه: أن خروج النساء ينبغي أن يكون قبل خروج الرجال» (٢). وقال ابن حجر العسقلاني الشافعي في شرح الحديث: «وَفِي الْحَدِيث مُرَاعَاة الْإِمَام أَحْوَالَ الْمَأْمُومِينَ، وَالِاحْتِيَاط فِي اِجْتِنَاب مَا قَدْ يُفْضِي إِلَى الْمَحْذُور، وَفِيهِ اِجْتِنَاب مَوَاضِع التُّهَم، وَكَرَاهَة مُخَالَطَة الرِّجَال لِلنِّسَاءِ فِي الطُّرُقَات فَضْلًا عَنْ الْبُيُوت» (٣). واستدلالاً بهذا الحديث قال البهوتي الحنبلي -كما في الإقناع مع شرحه-: «(فَإِنْ كَانَ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ) مَأْمُومِينَ بِهِ (اسْتُحِبَّ لَهُنَّ) أَيْ لِلنِّسَاءِ (أَنْ يَقُمْنَ عَقِبَ سَلَامِهِ) وَيَنْصَرِفْنَ؛ لِأَنَّهُنَّ عَوْرَةٌ فَلَا يَخْتَلِطْنَ بِالرِّجَالِ، (وَ) اسْتُحِبَّ (أَنْ يَثْبُتَ الرِّجَالُ قَلِيلًا بِحَيْثُ لَا يُدْرِكُونَ مَنْ انْصَرَفَ مِنْهُنَّ)» (٤). الدليل السابع: حديث أمِّ سلَمةَ ﵂ -: «إنَّ النِّسَاءَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كُنَّ إذَا سَلَّمَ مِنَ الْمَكْتُوبَةِ قُمْنَ, وَثَبَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَنْ

стр. 40

صَلَّى مِنَ الرِّجَالِ مَا شَاءَ اللَّهُ, فَإِذَا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَامَ الرِّجَالُ» (١). قال ابن قدامة ﵀: «إذَا كَانَ مَعَ الْإِمَامِ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ, فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَثْبُتَ هُوَ وَالرِّجَالُ بِقَدْرِ مَا يَرَى أَنَّهُنَّ قَدْ انْصَرَفْنَ, وَيَقُمْنَ هُنَّ عَقِيبَ تَسْلِيمِهِ؛ لأن الإخلالَ بذلك من أحد الفريقين يفضي إلى اختلاط الرجال بالنساء» (٢). وقال الكشميري: «قوله: (كُنَّ إذا سَلَّمْنَ مِنْ المَكْتوبةِ قُمْنَ، وَثَبت رسولُ اللَّهِ ﷺ وَمَنْ صَلَّى مِن الرِّجَالِ)، وذلك لئلا يلزمَ الاختلاطُ في الطريق» (٣). الدليل الثامن: حديث عائشة ﵂ - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي الصُّبْحَ بِغَلَسٍ، فَيَنْصَرِفْنَ نِسَاءُ الْمُؤْمِنِينَ لاَ يُعْرَفْنَ مِنَ الْغَلَسِ، أَوْ لاَ يَعْرِفُ بَعْضُهُنَّ بَعْضًا» (٤). قال ابن بطال: «هذه السنة المعمول بها أن تنصرف النساء في الغلس قبل الرجال ليخفين أنفسهن، ولا يَتَبَيَّنَّ لمن لقيهنّ من الرجال؛ فهذا يدل أنهن لا يُقِمْنَ في المسجد بعد تمام الصلاة، وهذا كله من باب قطع الذرائع، والتحظير على حدود اللَّه، والمباعدة بين الرجال والنساء خوف الفتنة ودخول الحرج، ومواقعة
следующие страницы →