← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 96456

الاختلاط بين الرجال والنساء

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (288 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وقد ذكر العلامة ابن عثيمين ﵀: «جواباً عما يقوله أخو الزوج: لماذا لا تثق بي؟! ولماذا لا تتركني أدخل بيتك؟! فهذا مما يوجب التقاطع بين الأقارب، فقال: (إنه إذا حصل التقاطع بطاعة اللَّه فليكن، ما دمت أنا فعلت ذلك طاعة للَّه ورسوله فليكن، أليس اللَّه يقول: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ (١)، يعني: لو بذلا غاية الجهد، وبلغا منك المشقة في التزين لا تطعهما، فأنا إذا أطعت اللَّه لا يهمني، إذا كان يريد أن يقطع الصلة بيني وبينه فليقطعهما، أما أن أخضع لأمر نهى عنه الشرع من أجل مراعاة هذا الرجل، وأنا أخشى على أهلي وعلى فراشي، فهذا لا يجوز أبداً» (٢). الدليل الرابع: حديث ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ - أنّه سَأَلَهُ رَجُلٌ: شَهِدْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْعِيدَ أَضْحًى، أَوْ فِطْرًا؟ قَالَ: نَعَمْ، ولَوْلاَ مَكَانِي مِنْهُ مَا شَهِدْتُهُ، يَعْنِي مِنْ صِغَرِهِ- قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى، ثُمَّ خَطَبَ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَذَانًا، وَلاَ إِقَامَةً، ثمَّ أَتَى النِّسَاءَ فَوَعَظَهُنَّ وَذَكَّرَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، فَرَأَيْتُهُنَّ يَهْوِينَ إِلَى آذَانِهِنَّ وَحُلُوقِهِنَّ، يَدْفَعْنَ إِلَى بِلاَلٍ ثُمَّ ارْتَفَعَ هُوَ وَبِلاَلٌ إِلَى بَيْتِهِ» (٣). قال ابن حجر ﵀: «قَولُهُ: (ثُمَّ أَتَى النِّساءَ) يُشعِرُ بِأَنَّ النِّساءَ كُنَّ

стр. 37

عَلَى حِدَةٍ مِنَ الرِّجالِ غَيرَ مُختَلِطاتٍ بِهِم» (١). فإذا كانت الشريعة قد شرعت فصل الرجال عن النساء في أفضل الأماكن وأطهر البقاع، وهي المساجد، فالفصل في أماكن العمل والتعليم من باب أولى وأحرى. الدليل الخامس: حديث أَبِي أُسَيْدٍ الأَنْصَارِيِّ ﵁ -، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ وَهُوَ خَارِجٌ مِنَ الْمَسْجِدِ فَاخْتَلَطَ الرِّجَالُ مَعَ النِّسَاءِ فِي الطَّرِيقِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلنِّسَاءِ: «اسْتَأْخِرْنَ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَكُنَّ أَنْ تَحْقُقْنَ الطَّرِيقَ، عَلَيْكُنَّ بِحَافَاتِ الطَّرِيقِ». فَكَانَتِ الْمَرْأَةُ تَلْتَصِقُ بِالْجِدَارِ، حَتَّى إِنَّ ثَوْبَهَا لَيَتَعَلَّقُ بِالْجِدَارِ مِنْ لُصُوقِهَا بِهِ» (٢). وإذا مُنِعَ الاختلاط في الطريق مع كونه عابرًا عارضًا فمنعه في المجالس، وأماكن العمل والتعليم أولى، وهذا قياسٌ أولويٌ، وقال ابن حجر معلّقًا على حديث أم سلمة في انصراف النساء قبل الرجال: «وَفِيهِ اِجْتِنَاب مَوَاضِع التُّهَم، وَكَرَاهَة مُخَالَطَة الرِّجَال لِلنِّسَاءِ فِي الطُّرُقَات فَضْلًا عَنْ الْبُيُوت» (٣). وقال العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀: «وجه الدلالة: أن رسول اللَّه ﷺ إذا منعهنّ من الاختلاط في الطريق؛ لأنه يؤدي إلى

стр. 38

الافتتان، فكيف يقال بجواز الاختلاط في غير ذلك؟!» (١). الدليل السادس: حديث أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ - قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سَلَّمَ قَامَ النِّسَاءُ حِينَ يَقْضِي تَسْلِيمَهُ، وَمَكَثَ يَسِيرًا قَبْلَ أَنْ يَقُومَ» (٢). قَالَ ابْنُ شِهَابٍ الزهري ﵀: «نَرَى -وَاللَّهُ أَعْلَمُ- أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لِكَيْ يَنْصَرِفَ النِّسَاءُ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُنَّ أَحَدٌ مِنْ الرِّجَالِ» (٣). يؤخذ من هذا الحديث: أنّ النساء كنّ يقمن عقب الصلاة مباشرة، بإقرار من النبي ﷺ وعلمه، مما يدلُّ على مشروعية ذلك، ومع ثبوت الفضل في بقاء المصلي في مصلاه في قوله ﷺ : «الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ، تَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْه» (٤)، إلا أنهنّ كنّ يبادرن بالانصراف تجنبًا للاختلاط بالرجال، وهذا يدل على أنّ درء مفسدة الاختلاط مقدّمة على نافلة البقاء في المصلّى لتحصيل الفضل المذكور. وقد بوّب البيهقي الشافعي ﵀ في السنن الكبرى على هذا الحديث بقوله: «باب مكث الإمام في مكانه إذا كانت معه نساء كي ينصرفن قبل الرجال» (٥).

стр. 39

وقال بدر الدين العيني الحنفي في شرحه هذا الحديث: «فيه خروج النساء إلى المساجد، وسبقهن بالانصراف والاختلاط بهن مظنة الفساد» (١). وقال ابن بطال المالكي في شرحه: «وفي حديث أم سلمة من الفقه: أن خروج النساء ينبغي أن يكون قبل خروج الرجال» (٢). وقال ابن حجر العسقلاني الشافعي في شرح الحديث: «وَفِي الْحَدِيث مُرَاعَاة الْإِمَام أَحْوَالَ الْمَأْمُومِينَ، وَالِاحْتِيَاط فِي اِجْتِنَاب مَا قَدْ يُفْضِي إِلَى الْمَحْذُور، وَفِيهِ اِجْتِنَاب مَوَاضِع التُّهَم، وَكَرَاهَة مُخَالَطَة الرِّجَال لِلنِّسَاءِ فِي الطُّرُقَات فَضْلًا عَنْ الْبُيُوت» (٣). واستدلالاً بهذا الحديث قال البهوتي الحنبلي -كما في الإقناع مع شرحه-: «(فَإِنْ كَانَ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ) مَأْمُومِينَ بِهِ (اسْتُحِبَّ لَهُنَّ) أَيْ لِلنِّسَاءِ (أَنْ يَقُمْنَ عَقِبَ سَلَامِهِ) وَيَنْصَرِفْنَ؛ لِأَنَّهُنَّ عَوْرَةٌ فَلَا يَخْتَلِطْنَ بِالرِّجَالِ، (وَ) اسْتُحِبَّ (أَنْ يَثْبُتَ الرِّجَالُ قَلِيلًا بِحَيْثُ لَا يُدْرِكُونَ مَنْ انْصَرَفَ مِنْهُنَّ)» (٤). الدليل السابع: حديث أمِّ سلَمةَ ﵂ -: «إنَّ النِّسَاءَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كُنَّ إذَا سَلَّمَ مِنَ الْمَكْتُوبَةِ قُمْنَ, وَثَبَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَنْ

стр. 40

صَلَّى مِنَ الرِّجَالِ مَا شَاءَ اللَّهُ, فَإِذَا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَامَ الرِّجَالُ» (١). قال ابن قدامة ﵀: «إذَا كَانَ مَعَ الْإِمَامِ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ, فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَثْبُتَ هُوَ وَالرِّجَالُ بِقَدْرِ مَا يَرَى أَنَّهُنَّ قَدْ انْصَرَفْنَ, وَيَقُمْنَ هُنَّ عَقِيبَ تَسْلِيمِهِ؛ لأن الإخلالَ بذلك من أحد الفريقين يفضي إلى اختلاط الرجال بالنساء» (٢). وقال الكشميري: «قوله: (كُنَّ إذا سَلَّمْنَ مِنْ المَكْتوبةِ قُمْنَ، وَثَبت رسولُ اللَّهِ ﷺ وَمَنْ صَلَّى مِن الرِّجَالِ)، وذلك لئلا يلزمَ الاختلاطُ في الطريق» (٣). الدليل الثامن: حديث عائشة ﵂ - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي الصُّبْحَ بِغَلَسٍ، فَيَنْصَرِفْنَ نِسَاءُ الْمُؤْمِنِينَ لاَ يُعْرَفْنَ مِنَ الْغَلَسِ، أَوْ لاَ يَعْرِفُ بَعْضُهُنَّ بَعْضًا» (٤). قال ابن بطال: «هذه السنة المعمول بها أن تنصرف النساء في الغلس قبل الرجال ليخفين أنفسهن، ولا يَتَبَيَّنَّ لمن لقيهنّ من الرجال؛ فهذا يدل أنهن لا يُقِمْنَ في المسجد بعد تمام الصلاة، وهذا كله من باب قطع الذرائع، والتحظير على حدود اللَّه، والمباعدة بين الرجال والنساء خوف الفتنة ودخول الحرج، ومواقعة

стр. 41

الإثم في الاختلاط بهن» (١). وقال ابن رجب: «وهذا يدل على سرعة خروجهن من المسجد عقيب انقضاء الصلاة مبادرة لما بقي من ظلام الغلس، حتى ينصرفن فيه، فيكون أستر لهن» (٢). الدليل التاسع: حديث أسامة بن زيد ﵁ - قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ النِّسَاءِ» (٣). وهذا الحديث يدل على أن المرأة فتنة ضارّة على الرجال، واتقاء الفتنة الضارة أو المضلة، واجب شرعي لأدلة كثيرة، وقد بوّب البخاري ﵀ في كتاب الإيمان بقوله: «بابٌ من الدين الفرار من الفتن» (٤)، وذكر حديث النبي ﷺ : «يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَنِ» (٥)، وقد قال النبي ﷺ : «تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ» (٦)، فإذا ثبت أن النساء فتنة للرجال، وأنّ اتقاء الفتنة واجبٌ، ثبت أن مخالطة الرجال للنساء محرمة لتضمنها ترك الواجب.

стр. 42

وأفاد الحديث: أنّ فتنة النساء أضرّ الفتن على الرجال، والقاعدة في الشريعة: «تحريم كل ما فيه ضرر»؛ لحديث: «لا ضرر ولا ضرار» (١). وما قيل في حق الرجال مع النساء يقال في حق النساء مع الرجال؛ لأن ما ثبت للرجل يثبت نظيره للمرأة إلا ما دلّ الدليل على اختصاصه بالرجال؛ ولأنّ اختلاطها بالرجل إيقاع للضرر عليه، وإيقاع الضرر بالغير محرم للحديث السابق. وأفاد الحديث أن هذا الحكم عام في جميع الرجال، وجميع النساء، وذلك من قوله ﷺ : «على الرجال من النساء»، غير أنّه يستثنى من هذا الحكم الزوج، والمحارم للأدلة المشهورة على جواز مخالطتهم. قال العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀: «قوله ﷺ : «ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء» ... وجه الدلالة: أنه وصفهن بأنهن فتنة، فكيف يجمع بين الفاتن والمفتون» (٢). ومعنى قوله ﷺ : «ما تركت بعدي فتنة أضرّ على الرجال من

стр. 43

النساء»، هذا حديث عظيم، يدل على أنه من مشكاة النبوة، وله صلة كبيرة بموضوعنا؛ لأن اختلاط النساء بالرجال هو من أعظم الفتن التي تدخل في خشية رسول اللَّه ﷺ على أمته بعد وفاته من فتن النساء. وقد شرح العلماء هذا الحديث شرحاً واضحاً قال ابن بطال ﵀، وفي حديث أسامة أن فتنة النساء أعظم الفتن؛ مخافة على العباد؛ لأنه ﷺ عمّم جميع الفتن بقوله: «ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء»، ... فالمحنة بالنساء أعظم المحن على قدر الفتنة بهن» (١). وقال القرطبي ﵀: «ففتنة النساء أشدّ من جميع الأشياء، ويقال: في النساء فتنتان، وفي الأولاد فتنة واحدة، فأما اللتان في النساء، فإحداهما: أن تودي إلى قطع الرحم؛ لأن المرأة تأمر زوجها بقطعه عن الأمهات والأخوات. والثانية: يبتلى بجمع المال من الحلال والحرام» (٢). وقال الحافظ ابن حجر ﵀: «وفي الحديث أن الفتنة بالنساء أشد من الفتنة بغيرهن» (٣). وقال المناوي ﵀: «لأن المرأة لا تأمر زوجها إلا بشر، ولا تحثه إلا على شر، وأقل فسادها أن ترغبه في الدنيا؟ ليتهالك فيها،

стр. 44

وأي فساد أضر من هذا، مع ما هنالك من مَظِنَّةِ الميل بالعشق، وغير ذلك من فتن وبلايا ومحن، يضيق عنها نطاق الحصر» (١). وقال المباركفوري: «لأن الطباع كثيراً تميل إليهن، وتقع في الحرام لأجلهن، وتسعى للقتال والعداوة بسببهن، وأقل ذلك أن ترغبه في الدنيا، وأي فساد أضر من هذا» (٢). وقال العلامة ابن عثيمين: «يجب علينا أن نبصر هؤلاء القوم الذين يدعون إلى سفور المرأة وتبرجها ومخالطتها للرجال، وأن نبين لهم أن هذا هدم للأخلاق والأديان والمستقبل؛ لأن الشعوب إذا أصبحت بهيمية ليس لها إلا شهوة الفرج وملء البطن، أصبحت لا قيمة لها، وأصبحت ذليلة إما للدنيا واما لجبابرة الخلق» (٣). وهذا الحديث فيه ثلاثة عمومات: العموم الأول: قوله: (فتنة) فهذه اللفظة نكرة في سياق النفي، والنكرة في سياق النفي من ألفاظ العموم عند علماء الأصول، فهي تعم جميع الفتن، فالافتتان بالنساء أعظم من الافتتان بغيرهن!!. العموم الثاني: قوله: (على الرجال) فهو لفظ يعم جميع الرجال المعنيين به، ويدل على هذا العموم حديث أبي سعيد الخدري ﵁: «مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ

стр. 45

إِحْدَاكُن» (١)، والحازم هنا هو القوي في الإيمان التقي للرحمن، فإذا فتن بالنساء التقي، فمن باب أولى أن يفتن بهن الشقي!!. العموم الثالث: قوله: (من النساء) فالنساء عموماً يفتنّ الرجال، وكما يقال: لكل ساقطة لاقطة، فالنساء وإن تفاوتن في كيدهن وجمالهن ودينهن، إلا أنهن مما تحصل الفتنة بهن. وقد يشكل على القارئ القول بأن الافتتان بالنساء أعظم من كل فتنة؛ لأنه يدخل في ذلك أن الافتتان بهن أعظم من الشرك والكفر والإلحاد. والجواب عن هذا الإشكال هو موجود في قول الرسول ﷺ : «فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ» (٢)، ومعناه: أن بني إسرائيل كانوا على خير وصلاح، فانحدروا إلى المعاصي، ثم إلى الشرك والكفر بسبب فساد من فسد من نسائهم، وهذا يظهر جلياً بمعرفة أمرين اثنين: الأول: أن النساء أسرع إلى المعاصي من الرجال؛ لكثرة الجهل فيهن، ولضعف عقولهن، إلا من رحم اللَّه، فهن يقبلن على اللهو والترف والغفلة والتأخر عن الطاعات أكثر من الرجال، بل يدفعن الرجال إلى ذلك، ويكلفنهم جمع المال من حلال أو حرام؛ من

стр. 46

أجل أن يتحقق لهنّ ذلك، وهنّ أسرع تصديقاً لأهل الدجل والسحر والتنجيم وغيرهم من الرجال، بل ويدفعن الرجال إلى ذلك، وهذا أمر معلوم؛ فهذا منشأ كل فساد. الثاني: سرعة استجابة كثير منهنّ لمطالب الرجال الشهوانية المنحرفة، فإذا أرادوا الرقص طلبوا النساء فتقدمن إلى ذلك، واذا شربوا الخمور أرادوا النساء فاستجبن لذلك، واذا تاجروا بهنّ استسلمن لذلك، فترى الرجال المنحرفين يصطحبون النساء معهم، ويتوسعون في الفجور والميوعة، حتى يحصل الهلاك، والتاريخ مليء بهذا، فلو أن النساء لم يستجبن للرجال، لبقيت الحياة هينة» (١). الدليل العاشر: حديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ؛ فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ» (٢). فقد أمر النبي ﷺ باتقاء النساء، والأمر يفيد وجوب المأمور به، فيجب على الرجال اتقاء النساء، ولا يتحقق هذا إلا بترك الاختلاط بهنّ، ومن وجه آخر فإنّ الأمر بالشيء نهي عن أضداده، فيكون نهيًا عن مخالطة النساء؛ لأن المخالطة مضادة للاتقاء، والنهي يقتضي التحريم. ثم إنّ الأمر بالاتقاء معلل بكون النساء فتنة، فيدلّ على المنع

стр. 47

من كل ما فيه فتنة؛ لأن (العلة تعمم معلولها). وفي قوله ﷺ : «فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ» مشروعية أخذ العبرة من المجتمعات التي وقعت فيها الفتن والضياع الأخلاقي بسبب مخالفة هذا الأمر (وَاتَّقُوا النِّسَاءَ). قال العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀: «وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمر باتقاء النساء، وهو أمر يقتضي الوجوب، فكيف يحصل الامتثال مع الاختلاط؟!» (١). الدليل الحادي عشر: حديث أبي سعيد الخدري ﵁ - عن النبي ﷺ قال: «لا تمنعوا إماء اللَّه مساجد اللَّه، وليخرجن وهن تَفِلات» (٢). قال الخطابي في معالم السنن: «التفل: سوء الرائحة، يقال: امرأة تفلة: إذا لم تتطيّب ونساء تفلات» (٣). قال القاضي عياض: «خروج النساء للمساجد مباح لهنّ، ولكن على شروط كما جاء الحديث. وقاله العلماء: ألا يخرجن متطيبات ولا متزينات ولا مزاحمات للرجال» (٤). وقال النووي ﵀: «هَذَا وَشَبَهه مِنْ أَحَادِيث الْبَاب ظَاهِر فِي أَنَّهَا لَا تُمْنَع الْمَسْجِد لَكِنْ بِشُرُوطٍ ذَكَرَهَا الْعُلَمَاء مَأْخُوذَة مِنْ الْأَحَادِيث،

стр. 48

وَهُوَ أَلَّا تَكُون مُتَطَيِّبَة، وَلَا مُتَزَيِّنَة، وَلَا ذَات خَلَاخِل يُسْمَع صَوْتهَا، وَلَا ثِيَاب فَاخِرَة، وَلَا مُخْتَلِطَة بِالرِّجَالِ ... » (١). وهذا يدل على تحريم التطيب على مريدة الخروج إلى المساجد؛ لما فيه من تحريك داعية شهوة الرجال (٢). قال الحافظ ابن حجر ﵀: «قالَ ابن دقيق العيد: ويَلحَق بِالطِّيبِ ما فِي مَعناهُ لأَنَّ سَبَب المَنع مِنهُ ما فِيهِ مِن تَحرِيك داعِيَة الشَّهوة كَحُسنِ المَلبَس والحُلِيّ الَّذِي يَظهَر والزِّينَة الفاخِرَة وكَذا الاختِلاط بِالرِّجالِ» (٣). وقال ابن الملقن ﵀: «وقال بعض العلماء: لا تخرج المرأة إلا بخمسة شروط: أن يكون ذلك لضرورة، وأن تلبس أدنى ثيابها، وأن لا يظهر عليها الطيب، وما في معناه من البخور، وأن يكون خروجها في طرفي النهار، وأن تمشي في طرفي الطرقات دون وسطها لئلا تختلط بالرجال» (٤). الدليل الثاني عشر: حديث زَينَب الثقفية امرَأَة ابن مَسعُود: «إِذا شَهِدَت إِحداكُنَّ المَسجِد فَلا تَمَسَّ طِيبًا» (٥).

стр. 49

قال الزرقاني: «لا تمس طيباً وسبب منع الطيب ما فيه من تحريك داعية الشهوة فيلحق به ما في معناه: كحلي يظهر أثره، وحسن ملبس، وزينة فاخرة، والاختلاط بالرجال، وأن لا يكون في الطريق ما يخاف منه مفسدة، ونحوها، وأن لا تكون شابة مخشية الفتنة» (١). الدليل الثالث عشر: حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَصَابَتْ بَخُورًا فَلاَ تَشْهَدْ مَعَنَا الْعِشَاءَ الآخِرَةَ» (٢). قال ابن القيم: «نهى [الشرع] المرأة اذا خرجت إلى المسجد أن تتطيب أو تصيب بخوراً؛ وذلك لأنه ذريعة إلى ميل الرجال وتشوفهم إليها؛ فإن رائحتها وزينتها وصورتها، وإبداء محاسنها تدعو إليها، فأمرها أن تخرج تَفِلَةً، وأن لا تتطيّب وأن تقف خلف الرجال، وأن لا تُسَبِّحَ في الصلاة إذا نابها شيء؛ بل تصفق ببطن كفها على ظهر الأخرى، كل ذلك سداً للذريعة، وحماية عن المفسدة» (٣). فدل هذا الحديث والحديثان قبله على أن المرأة ممنوعة من الخروج إلى المسجد إذا كانت متطيبة، فمنعها من الخروج إلى أماكن العمل والتعليم المختلطة من باب أولى. الدليل الرابع عشر: حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :

стр. 50

«لَيْسَ لِلنِّسَاءِ وَسَطُ الطَّرِيقِ» (١). قال ابن حبان: «قوله ﷺ : (ليس للنساء وسط الطريق) لفظة إخبار مرادها الزجر عن شيء مضمر فيه، وهو مماسة النساء الرجال في المشي، إذ وسط الطريق الغالب على الرجال سلوكه، والواجب على النساء أن يتخللن الجوانب حذر ما يتوقع من مماستهم إياهن» (٢). الدليل الخامس عشر: حديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁ -، عن النبي ﷺ قال: «إن المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان، وأقرب ما تكون بروْحَة ربها وهي في قَعْر بيتها» (٣). والمعنى ما دامت المرأة في خدرها لم يطمع الشيطان فيها وفي إغواء الناس بها، فإذا خرجت طمع وأطمع (٤)، فكيف إذا كان خروجها للجلوس مع الرجال؟. قالت نبيلة بنت زيد بن سعد: «ومعنى الحديث: أن المرأة يستقبح بروزها وظهورها، فإذا خرجت استشرفها الشيطان، فأمعن النظر إليها ليغويها بغيرها، ويغوي غيرها بها، ليوقعهما أو أحدهما في الفتنة» (٥).

стр. 51

وإذا كان خروج المرأة مصيدة الشيطان لها، فاصطياده لها عند اختلاطها بالرجال الأجانب أعظم وأولى. الدليل السادس عشر: حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵁ -، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «مُرُوا أَوْلاَدَكُمْ بِالصَّلاَةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرِ سِنِينَ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ» (١). قال العلامة بكر بن عبد اللَّه أبو زيد ﵀: «فهذا الحديث نص في النهي عن بداية الاختلاط داخل البيوت، إذا بلغ الأولاد عشر سنين، فواجب على الأولياء التفريق بين أولادهم في مضاجعهم، وعدم اختلاطهم، لغرس العفة والاحتشام في نفوسهم، وخوفاً من غوائل الشهوة التي تؤدّي إليها هذه البداية في الاختلاط، ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه. قال إبراهيم الحربي ﵀: أول فساد الصبيان بعضهم من بعض. كما في [ذم الهوى لابن الجوزي] (٢)» (٣). (٤).

стр. 52

وقد أمر النبي ﷺ في هذا الحديث بالتفريق بين الأولاد، وعدم اختلاطهم ذكوراً وإناثاً، أو إناثاً أو ذكوراً مع أنهم أبناء عشر سنين، فكيف بمن هم أكبر منهم، وهذا تنبيه بالأدنى على الأعلى (١)، «وفي هذا ردّ على من يرى اختلاط الذكور بالإناث في الصفوف الأولى من الدراسة» (٢). الدليل السابع عشر: حديث عَائِشَةَ، أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، ﵂ -، قَالَتِ: اسْتَأْذَنْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي الْجِهَادِ فَقَالَ: «جِهَادُكُنَّ الْحَجُّ» (٣). قال ابن بطال: «هذا الحديث يدل على أن النساء لا جهاد عليهن واجب، وأنهن غير داخلات في قوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً﴾ وهذا إجماع من العلماء، وليس في قوله ﷺ : «جهادكن الحج» دليل أنه ليس لهن أن يتطوعن بالجهاد، وإنما فيه أنه الأفضل لهن، وإنما كان الحج أفضل لهن من الجهاد؛ لأنهن لسن من أهل القتال للعدو، ولا قدرة لهن عليه ولا قيام به، وليس للمرأة أفضل من الاستتار، وترك المباشرة للرجال بغير قتال، فكيف في حال القتال التي هي أصعب؟ والحج يمكنهن فيه مجانبة الرجال والاستتار عنهم؛ فلذلك كان أفضل لهن من الجهاد» (٤). ففي هذا الحديث بيان أنه ليس على النساء قتال؛ لأن في ذلك

стр. 53

تعريضاً لهن لمخالطة الرجال، أفتمنع الشريعة المرأة من القتال، وهو عبادة؛ لأنه مظنة الاختلاط بالرجال، وتجيز لها الاختلاط بالرجال في أماكن العمل والتعليم؟! حاشا للَّه. الدليل الثامن عشر: حديث عَلِيٍّ ﵁ -، قَالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَإِذَا نِسْوَةٌ جُلُوسٌ، فَقَالَ: «مَا يُجْلِسُكُنَّ؟» قُلْنَ: نَنْتَظِرُ الْجَنَازَةَ، قَالَ: «هَلْ تَغْسِلْنَ؟»، قُلْنَ: لاَ، قَالَ: «هَلْ تَحْمِلْنَ؟» قُلْنَ: لاَ، قَالَ: «هَلْ تُدْلِينَ فِيمَنْ يُدْلِي؟» قُلْنَ: لاَ، قَالَ: «فَارْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ» (١). قال العيني: «قوله: «خرج رسول اللَّه ﷺ ... »؛ لأن الرجال أقوى لذلك، والنساء ضعيفات، ومظنة للانكشاف غالباً، خصوصاً إذا باشرن الحمل؛ ولأنهن إذا حملنها مع وجود الرجال لوقع اختلاطهن بالرجال، وهو محل الفتنة ومظنة الفساد» (٢). الدليل التاسع عشر: حديث أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ - زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: «شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنِّي أَشْتَكِي، فَقَالَ: «طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ»، فَطُفْتُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَئِذٍ يُصَلِّي إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ وَهُوَ يَقْرَأُ: ﴿وَالطُّورِ* وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ (٣)» (٤).

стр. 54

فقد أمرها النبي ﷺ أن يكون طوافها من وراء الناس غير مخالطة للرجال، والأمر يفيد الوجوب، وإذا ثبت ذلك في الطواف ثبت في غيره لعدم الفارق، ويبينه تبويب البخاري؛ حيث بوب عليه بقوله: «باب طواف النساء مع الرجال». قال الحافظ ابن حجر الشافعي ﵀ في شرحه: «قَوله: «باب طَواف النِّساء مَعَ الرِّجال» أَي هَل يَختَلِطنَ بِهِم أَو يَطُفنَ مَعَهُم عَلَى حِدَة بِغَيرِ اختِلاط أَو يَنفَرِدنَ؟» (١). وقال الإمام النووي ﵀ في شرح هذا الحديث: «إِنَّمَا أَمَرَهَا ﷺ بِالطَّوَافِ مِنْ وَرَاء النَّاس لِشَيْئَيْنِ: أَحَدهمَا: أَنَّ سُنَّة النِّسَاء التَّبَاعُد عَنِ الرِّجَال فِي الطَّوَاف. وَالثَّانِي: أَنَّ قُرْبهَا يُخَاف مِنْهُ تَأَذِّي النَّاس بِدَابَّتِهَا» (٢). وقال البدر العيني الحنفي في شرحه لهذا الحديث: «وإنما أمرها بالطواف من وراء الناس لأن سنة النساء التباعد عن الرجال في الطواف ولأن قربها يخاف منه تأذي الناس بدابتها» (٣). وقال ابن بطال المالكي في شرحه: «كذلك ينبغي أن تخرج النساء إلى حواشي الطرق، وقد استنبط بعض العلماء من هذا الحديث طواف

стр. 55

النساء بالبيت من وراء الرجال لعلة التزاحم والتناطح، قال غيره: طواف النساء من وراء الرجال هي السنة؛ لأن الطواف صلاة، ومن سنة النساء في الصلاة أن يكن خلف الرجال، فكذلك الطواف» (١). وقال السندي في حاشية النسائي: «ففيه أن الاحتراز عن طواف النساء مع الرجال مهما أمكن أحسن، حيث أجاز لها في حال إقامة الصلاة التي هي حالة اشتغال الرجال بالصلاة، لا في حال طواف الرجال، واللَّه تعالى أعلم» (٢). وقال الباجي المالكي في شرح الموطأ: «(مسألة): وأما طواف النساء من وراء الرجال فهو للحديث الذي ذكرناه «طوفي من وراء الناس وأنت راكبة»، ولم يكن لأجل البعير، فقد طاف رسول اللَّه ﷺ على بعيره يستلم الركن بمحجنه، وذلك يدل على اتصاله بالبيت» (٣). وعلل الزرقاني المالكي في شرح الموطأ أمرها بالطواف من وراء الناس بقوله: «لأن سنة النساء التباعد عن الرجال في الطواف» (٤). وقال القاضي عياض المالكي: «وكونها من وراء الناس؛ لأن ذلك سنة طواف النساء مع الرجال؛ لئلا يختلطن بهم» (٥).

стр. 56

وأمرها بالطواف من وراء الناس ووقتَ صلاتهم مع أنّ الأصل أن الاقتراب من الكعبة حال الطواف أفضل من الابتعاد (١) يدلُّ على أنّ مصلحة البُعدُ عن الاختلاط بالرجال قدرَ الإمكان أهم وأولى، والقاعدة الشرعية تقديم أعظم المصلحتين على أدناهما. ويوضح هذا الحديث ويقويه ماجاء في صحيح البخاري: عن ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ: إِذْ مَنَعَ ابْنُ هِشَامٍ النِّسَاءَ الطَّوَافَ مَعَ الرِّجَالِ. قَالَ: كَيْفَ يَمْنَعُهُنَّ وَقَدْ طَافَ نِسَاءُ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ الرِّجَالِ!. قُلْتُ: أَبَعْدَ الْحِجَابِ أَوْ قَبْلُ؟. قَالَ: إِي لَعَمْرِي لَقَدْ أَدْرَكْتُهُ بَعْدَ الْحِجَابِ. قُلْتُ: كَيْفَ يُخَالِطْنَ الرِّجَالَ!. قَالَ: لَمْ يَكُنَّ يُخَالِطْنَ كَانَتْ عَائِشَةُ ﵂ تَطُوفُ حَجْرَةً مِنْ الرِّجَالِ لَا تُخَالِطُهُمْ فَقَالَتْ امْرَأَةٌ: انْطَلِقِي نَسْتَلِمْ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَتْ: انْطَلِقِي عَنْكِ وَأَبَتْ. يَخْرُجْنَ مُتَنَكِّرَاتٍ بِاللَّيْلِ فَيَطُفْنَ مَعَ الرِّجَالِ وَلَكِنَّهُنَّ كُنَّ إِذَا دَخَلْنَ الْبَيْتَ قُمْنَ حَتَّى يَدْخُلْنَ وَأُخْرِجَ الرِّجَالُ» (٢). قال ابن حجر في شرحه: «قَوْله: (وَقَدْ طَافَ نِسَاء النَّبِيّ ﷺ مَعَ الرِّجَال) أَيْ غَيْر مُخْتَلِطَات بِهِنَّ» (٣)، وقال: «قَوْله: (حَجْرَة) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون الْجِيم بَعْدهَا رَاءٍ أَيْ نَاحِيَة، قَالَ الْقَزَّاز: هُوَ مَأْخُوذ

стр. 57

مِنْ قَوْلهمْ: نَزَلَ فُلَان حَجْرَة مِنْ النَّاس أَيْ مُعْتَزِلًا» (١). وهذا الحديث يدل على أمور، منها: الأول: أنّ استعمال لفظة «الاختلاط» على هذا المعنى معروفٌ من فجر الإسلام، فهو لفظ أصيل واستعمالٌ سلفيٌّ معروف، وليس مصطلحًا دخيلاً كما ادّعى البعض!. الثاني: أنّ ترك الاختلاط بالرجال، حتى في الطواف هو هدي الصالحات الطاهرات أمهات المؤمنين، مع أنهنّ أبعد النساء عن الافتتان ونحوه. الثالث: أن الاختلاط بالرجال مستنكرٌ في ذلك الزمن المفضّل؛ ولذلك قال ابن جريج متعجبًا مستنكرًا: «كَيْفَ يُخَالِطْنَ الرِّجَالَ!». الرابع: أنّ الفرق بين الاختلاط الممنوع، وبين وجود النساء مع الرجال في مكان واحد مع التباعد التام بينهم والتميُّز - كمؤخرة المسجد ونهاية المطاف وحافة الطريق- كان مستقرًّا عندهم (٢). الدليل العشرون: حديث ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ - قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ، وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا رَجُلٌ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ» (٣). ففي هذا الحديث النهي عن الدخول على المرأة إلا أن يكون معها

стр. 58

ذو محرم، فدل ذلك على منع الاختلاط في أماكن العمل والتعليم. الدليل الحادي والعشرون: حديث ابْنِ عُمَرَ ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَوْ تَرَكْنَا هَذَا الْبَابَ لِلنِّسَاءِ».قَالَ نَافِعٌ: فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ ابْنُ عُمَرَ حَتَّى مَاتَ» (١). قوله ﷺ : «لو تركنا ... » فيه حثٌّ على تخصيص ذلك الباب للنساء دون الرجال؛ فإنّ من معاني «لو» العرض، والتحضيض، قال في شرح الكوكب المنير: «وتأتي لو أيضاً للعرض نحو: لو تنزل عندنا فتصيب خيراً، وتأتي [لو] أيضاً للتحضيض نحو لو فعلت كذا، أي: افعل كذا، والفرق بينهما: أن العرض: طلب بلين ورفق، والتحضيض: طلب بِحَثٍّ» (٢)، وعلى كلا المعنين تدلُّ على الطلب، والقاعدة في الأصول: «أنّ الطلب الجازم يدلُّ على الوجوب، والطلبُ غير الجازم يدلُ على الاستحباب» (٣)، وبالنظر في علة ذلك نجد أن العلة المناسبة هي: الفصل بين الرجال والنساء، وعدم الاختلاط بينهما، والقاعدة في الأصول: «أنّ من مسالك إثبات العلّة: المناسبة» (٤)، ولذلك بوّب عليه أبو داود في سننه بقوله: «بَاب

стр. 59

فِي اعْتِزَالِ النِّسَاءِ فِي الْمَسَاجِدِ عَنِ الرِّجَالِ» (١)، وإذا ثبتَ هذا في محل الدخول والخروج مع عدم مكثهنّ فيه، ثبتَ في أمكنة الدراسة والعمل والمجالس التي يطول البقاء فيها، وهذا ما يعرف في علم أصول الفقه بـ «قياس الأولى» (٢)، والنتيجة: أنّ الفصل بين الرجال والنساء وعدم الاختلاط مطلوبٌ شرعًا. قال شمس الحق العظيم آبادي: «قوله: «لو تركنا هذا الباب» أي باب المسجد الذي أشار النبي ﷺ «للنساء» لكان خيراً وأحسن لئلا تختلط النساء بالرجال في الدخول والخروج من المسجد، والحديث فيه دليل أن النساء لا يختلطن في المساجد مع الرجال، بل يعتزلن في جانب المسجد، ويصلين هناك بالاقتداء مع الإمام» (٣). وقد رُويَ الحديث عن ابْنِ عُمَرَ ﵁، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا بَنَى الْمَسْجِدَ جَعَلَ بَابًا لِلنِّسَاءِ، وَقَالَ: «لاَ يَلِجَنَّ مِنْ هَذَا الْبَابِ مِنَ الرِّجَالِ أَحَدٌ» قَالَ نَافِعٌ: فَمَا رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ دَاخِلاً مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ وَلاَ خَارِجًا مِنْهُ» (٤). فإذا كان النساء بحاجة الى باب خاص بهن؛ ليصلن إلى

стр. 60

مسجدهن، وهن في حال الإتيان إلى العبادة، فمن باب أولى أن يكون لهن أبواب خاصة بهن في المدارس والجامعات والمعاهد، وتكون لهن أماكن خاصة بهن للتدريس (١). الدليل الثاني والعشرون: حديث أبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ - قال: «قَالَتِ النِّسَاءُ لِلنَّبِيِّ ﷺ : غَلَبَنَا عَلَيْكَ الرِّجَالُ، فَاجْعَلْ لَنَا يَوْمًا مِنْ نَفْسِكَ، فَوَعَدَهُنَّ يَوْمًا» (٢). قال العيني: «قوله: (غلبنا عليك الرجال) معناه: أن الرجال يلازمونك كل الأيام، ويسمعون العلم وأمور الدين، ونحن نساء ضعفة لا نقدر على مزاحمتهم، فاجعل لنا يوماً من الأيام نسمع العلم، ونتعلم أمور الدين» (٣). فهذا الحديث واضح الدلالة في منع اختلاط النساء بالرجال في أماكن التعليم؛ وذلك لأن النبي ﷺ جعل للنساء يوماً على حدة، ولم بجعلهن مع الرجال. الدليل الثالث والعشرون: حديث أَبِي سَعِيدٍ ﵁ -: «جَاءَتْ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَهَبَ الرِّجَالُ بِحَدِيثِكَ، فَاجْعَلْ لَنَا مِنْ نَفْسِكَ يَوْمًا نَأْتِيكَ فِيهِ، تُعَلِّمُنَا مِمَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ، فَقَالَ: «اجْتَمِعْنَ فِي يَوْمِ كَذَا وَكَذَا فِي مَكَانِ كَذَا وَكَذَا»، فَاجْتَمَعْنَ فَأَتَاهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ

стр. 61

- ﷺ فَعَلَّمَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَهُ اللَّهُ» (١)، وبوب له البخاري بقوله: (باب هل يُجعل للنساء يوم على حدة في العلم. قال الحافظ: «قوله: (على حدة) أي ناحية وحدهن (٢). فأين الذين استجازوا لأنفسهم تعليم النساء مع الرجال من هذا الحديث وأمثاله، أم أن الديمقراطية قد طغت على عقولهم فلا يفقهون حديثاً؟! وإلا فالحديث يبيّن أن الأمر كان واضحاً جدّاً عند النساء والرجال في عهد النبوة من أنه لا قبول لاختلاط النساء بالرجال في التعليم، وأما في عصرنا فالديمقراطية قد أباحت لأهلها أن يختلط النساء بالرجال حتى في المحاضرات الدينية، فنقول لعمرو خالد حامل لواء اختلاط النساء بالرجال وأمثاله: تبّاً لك، ثم تباً!! افعلوا ما شئتم؟ إن اللَّه بما تعملون بصير، وقال الرسول ﷺ فيكم وفي أمثالكم: «إذا لم تستحْي فاصنع ما شئت» (٣). الدليل الرابع والعشرون: حديث أبي موسى الأشعري ﵁ - عن النبي ﷺ قال: «إذا استعطرت المرأة فخرجت على القوم؛ ليجدوا ريحها، فهي زانية، وكل عين رأتها زانية» (٤).

стр. 62

قال أحمد شاكر: «انظروا إلى هذا وإلى ما يفعل بعض نساء عصرنا، وهن ينتسبن إلى الإسلام، يساعدهن الرجال الفجار الأجرياء على اللَّه وعلى رسوله، وعلى بديهيات الإسلام، يزعمون جميعاً أن لا بأس بسفور المرأة وبخروجها عارية باغية، وباختلاطها بالرجال في الأسواق وأماكن اللهو والفجور، ويجترئون جميعاً، فيزعمون أن الإسلام لم يحرم على المرأة الاختلاط» (١). الدليل الخامس والعشرون: حديث أنس بن مالك ﵁ - قال: صليت أنا ويتيم في بيتنا خلف النبي ﷺ وأمي أمُّ سليم خلفنا (٢)، وقد بوب له بقوله: باب المرأة وحدها تكون صفّاً. قال الحافظ ﵀: «فيه أن المرأة لا تصفّ مع الرجال، وأصله ما يخشى من الافتتان بها، فلو خالفت أجزأت صلاتها عند الجمهور» (٣). وقال ابن رشد ﵀: «(الأقرب أن البخاري قصد أن يبيَّن أن هذا مستثنى من عموم الحديث الذي فيه: «لا صلاة لمنفرد خلف الصف» يعني: أنه مختص بالرجال» (٤). فقد أفاد الحديث أن فتنة النساء لا تؤمن، حتى في محل الأمان! ألا ترى أن أم سليم ﵂ صلت وحدها، والذي أمامها هو ابنها، وغلام دون البلوغ؟!!

стр. 63

الدليل السادس والعشرون: حديث أبي بكرة ﵁ - أن رسول اللَّه ﷺ قال: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» (١). ومعنى الحديث واضح، وهو يتضمّن تحريم اختلاط الرجال بالنساء؛ لأن منع المرأة من الولايات العامة هو من أجل أمور، ومنها: احتياجها إلى مخالطة الرجال، وهذا قاله الجمهور.: «عند جمهور الفقهاء والعلماء القدامى أن النساء أمرن بالقرار في البيوت؛ لأن مبنى حالهن على الستر، ومعظم أحكام الإمامة تستدعي الظهور والبروز، فالإمام لا يستغني عن الاختلاط بالرجال، والمشاورة معهم في الأمور، والمرأة ممنوعة من ذلك» (٢). الدليل السابع والعشرون: حديث أم حميد امرأة أبي حميد الساعدي ﵂ - أنها جاءت النبي ﷺ فقالت: يا رسول اللَّه، إني أحب الصلاة معك؟! قال: «قد علمت أنك تحبين الصلاة معي، وصلاتك في بيتك خير لك من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير لك من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير لك من صلاتك في مسجدي» قال: فأمرت فبني لها مسجد في أقصى شيء من بيتها وأظلمه، فكانت تصلي فيه حتى لقيت اللَّه » (٣).

стр. 64

قال الحافظ ابن حجر ﵀: «ووجه كون صلاتها في الإخفاء أفضل: تحقق الأمن فيه من الفتنة، ويتأكد ذلك بعد وجود ما أحدث النساء من التبرج والزينة» (١). وقال العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀: «إذا شرع في حقها أن تصلي في بيتها وأنه أفضل حتى من الصلاة في مسجد الرسول ﷺ ومعه، فلئن يمنع الاختلاط من باب أولى» (٢). الدليل الثامن والعشرون: حديث فاطمة بنت قيس ﵂ - أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة وهو غائب، فأرسل إليها وكيله بشعير فسخطته! فقال: واللَّه ما لك علينا من شيء! فجاءت رسول اللَّه ﷺ ؛ فذكرت ذلك له، فقال: «ليس لك عليه نفقة»، فأمرها أن تَعْتَدَّ في بيت أم شريك، ثم قال: «تلك امرأة يغشاها أصحابي! اعتدي عند ابن أم مكتوم؛ فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك، فاذا حللت فآذنيني» (٣). الدليل التاسع والعشرون: حديث علي بن أبي طالب ﵁ - في قصة الفضل بن عباس والمرأة الخثعمية أن رسول اللَّه ﷺ قال: «رَأَيْتُ شَابًّا وَشَابَّةً فَلَمْ آمَنِ الشَّيْطَانَ عَلَيْهِمَا» (٤).

стр. 65

وجه الدلالة في هذا الحديث: أن اختلاط المرأة بالرجال غير المحارم داعٍ إلى الإفساد لهما عن طريق الشيطان، فمن يأمن على نفسه من هذا العدو وهو الذي تسبب في إخراج الأبوين من الجنة، فلا نجاة من إفساد هذا العدو إلا بترك الاختلاط. الدليل الثلاثون: حديث معقل بن يسار ﵁ -: قال رسول اللَّه ﷺ : «لأَنْ يُطْعَنَ فِي رَأْسِ أَحَدِكُمْ بِمِخْيَطٍ مِنْ حَدِيدٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمَسَّ امْرَأَةً لا تَحِلُّ لَهُ» (١). وهذا الحديث فيه تحريم مصافحة الأجنبية، وهو متضمّن لتحريم الاختلاط بهن؛ لأن المصافحة لا تقع منهما إلا بعد حصول الاختلاط بينهما. الدليل الحادي والثلاثون: حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ - قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا تُبَاشِرُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ فَتَنْعَتَهَا لِزَوْجِهَا -يعني تصفها- كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا» (٢). فالزوجة منهية عن وصف المرأة الأجنبية لزوجها كأنه ينظر إليها، لأنه ينفتن بها قلبه، ويزهِّده في زوجته من حيث لا تَشعر، ويتشوَّف للموصوفة، ويتمنى رؤيتها، فكيف يستقيم مثل هذا النهي للمرأة أن تصف، ويؤذن لزوجها أن يجالس المرأة الموصوفة ويخالطها في العمل

стр. 66

أو الدراسة مخالطة مستديمة (١). فخلاصة هذه الأحاديث وأمثالها: أنها تدل عل تحريم اختلاط النساء بالرجال لغير ضرورة. ودلالتها إما ظاهرة وإما متضمنة. وهذا التضمن يجري في الحكم على الظاهر؛ لاتفاق ما تضمنته مع الأدلة الظاهرة، ومع الأدلة المتنوعة الآتية؛ ولموافقتها للضوابط الشرعية والقواعد المرعية المتعلقة بصيانة المرأة المسلمة والمحافظة عليها. فالذين أجازوا اختلاط النساء بالرجال محجوجون بهذه الأحاديث وبغيرها من الأدلة القويمة، فأين يذهبون إن لم يقبلوها ويذعنوا لها، ويثبتوا على العمل بها؟! فلا شك ولا ريب أن من كان متحريّاً للحق باحثاً عنه راغباً فيه، أنه سيفرح بهذه الأحاديث وبأقوال أهل العلم المعتبرين فيه، وأما من كان متبعاً لهواه؛ فإنه سيعاند هذه الأحاديث وأمثالها بكل ما أوتي ويقيم الدنيا ولا يقعدها! وهذا الصنف نخوفه باللَّه الذي قلوب العباد بين إصبعين من أصابعه، يقلبها كيف شاء، فنخاف عليه من زيغ القلب؛ فليتق اللَّه وليخش أن يصيبه قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (٢)، ونعلمه أن الحق باق ومنصور بنصر اللَّه، وأن الباطل مضمحل وزائل بإذن اللَّه، فلأن يكون المسلم ذَنَباً في الحق، خير له من أن يكون رأساً في الباطل، يدعو إلى تبرج

стр. 67

المسلمات واختلاطهن بالرجال (١). ثالثاً: الآثار عن الصحابة ﵃ في تحريم اختلاط النساء بالرجال الأجانب عنهن: الأثر الأول: عن ابن جُرَيْجٍ «قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ إِذْ مَنَعَ ابْنُ هِشَامٍ النِّسَاءَ الطَّوَافَ مَعَ الرِّجَالِ قَالَ: كَيْفَ يَمْنَعُهُنَّ وَقَدْ طَافَ نِسَاءُ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ الرِّجَالِ؟ قُلْتُ: أَبَعْدَ الْحِجَابِ أَوْ قَبْلُ؟ قَالَ: إِي لَعَمْرِي، لَقَدْ أَدْرَكْتُهُ بَعْدَ الْحِجَابِ، قُلْتُ: كَيْفَ يُخَالِطْنَ الرِّجَالَ؟ قَالَ: لَمْ يَكُنَّ يُخَالِطْنَ، كَانَتْ عَائِشَةُ ﵂ تَطُوفُ حَجْرَةً مِنْ الرِّجَالِ لَا تُخَالِطُهُمْ» (٢). قال ابن حجر: «قَوله: «وقَد طافَ نِساء النَّبِيّ ﷺ مَعَ الرِّجال»؛ أَي: غَير مُختَلِطات بِهِنَّ ... قَوله: «حَجرَة» - بِفَتحِ المُهمَلَة، وسُكُون الجِيم بَعدها راءٍ- أَي: ناحِيَة» (٣). وقال المهلب: «قول عطاء: قد طاف الرجال مع النساء، يريد أنهم طافوا في وقت واحد غير مختلطات بالرجال؛ لأن سنتهن أن يطفن ويصلين وراء الرجال ويستترن عنهم» (٤). فهذا الأثر صريح الدلالة في أن النساء في عهد النبي ﷺ وأصحابه يتجنبن مخالطة الرجال حال الطواف، والنساء تطوف من وراء الرجال.

стр. 68

الأثر الثاني: عَنْ إِبْرَاهِيمَ النخعي قَالَ: نَهَى عُمَرُ ﵁ أَنْ يَطُوفَ الرِّجَالُ مَعَ النِّسَاءِ، قَالَ: فَرَأَى رَجُلًا مَعَهُنَّ فَضَرَبَهُ بِالدِّرَّةِ» (١). ففي هذا الأثر بيان أن من هدي الصحابة ﵃ منع اختلاط الرجال بالنساء في الطواف، فمنعه في أماكن العمل والتعليم من باب أولى. الأثر الثالث: عَنْ مَنْبُوذِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ أُمِّهِ، أَنَّهَا كَانَتْ عِنْدَ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ فَدَخَلَتْ عَلَيْهَا مَوْلاَةٌ لَهَا، فَقَالَتْ لَهَا: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ! طُفْتُ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، وَاسْتَلَمْتُ الرُّكْنَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا، فَقَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ ﵂: لاَ آجَرَكِ اللَّهُ، لاَ آجَرَكِ اللَّهُ، تُدَافِعِينَ الرِّجَالَ! أَلاَ كَبَّرْتِ وَمَرَرْتِ؟ ّ» (٢). ففي هذا الأثر أنكرت عائشة ﵂ على المرأة التي تزاحم الرجال لاستلام الركن، فكيف يجوز للمرأة مخالطة الرجال في أماكن العمل والتعليم. الأثر الرابع: عَنْ عَلِيٍّ بن أبي طالب ﵁ -، قَالَ: «أَمَا تَغَارُونَ أَنْ تَخْرُجَ نِسَاؤُكُمْ؟ .. أَلَا تَسْتَحْيُونَ أَوْ تَغَارُونَ؟ فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ نِسَاءَكُمْ

стр. 69

يَخْرُجْنَ فِي الْأَسْوَاقِ يُزَاحِمْنَ الْعُلُوجَ» (١). ففي هذا الأثر ينكر علي بن أبي طالب ﵁ خروج النساء إلى الأسواق ومزاحمتهن للرجال، وإنكار ما يحصل في أماكن العمل والتعليم من باب أولى. الأثر الخامس: عن أبي سلامة الخبيبي قال: «رأيت عمر بن الخطاب ﵁ أتى حياضاً عليها الرجال والنساء يتوضؤون جميعاً، فضربهم بالدّرّة، ثم قال لصاحب الحوض: اجعل للرجال حياضاً، وللنساء حياضاً» (٢). ففي هذا الأثر أنكر عمر ﵁ اختلاط الرجال بالنساء عند حياض الماء، وإنكار اختلاطهن في أماكن العمل والتعليم من باب أولى. الأثر السادس: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود ﵁ -، قَالَ: «لأَنْ يُزَاحِمَنِي بَعِيرٌ مَطْلِيٌّ بِقَطِرَانٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ تُزَاحِمَنِي امْرَأَةٌ عَطِرَةٌ» (٣).

стр. 70

ففي هذا الأثر تفضيل ابن مسعود ﵁ مزاحمة البعير المطلي بالقطران من مزاحمة امرأة في الطريق، وهذا في الطريق، فكيف يقول عن أماكن التعليم والعمل؟! (١). وغير ذلك من الآثار الكثير. رابعاً: إجماع العلماء على تحريم اختلاط النساء بالرجال الأجانب: لا أعلم أحداً من علماء الإسلام الأعلام عصر النبي ﷺ إلى عصرنا هذا قال بجواز الاختلاط الذي يدعو إلى الريبة والفساد. قال أبو بكر العامري (ت ٥٣٠ هـ): «اتفقت علماء الأمة أن من اعتقد حِلَّ هذه المحظورات، وإباحة امتزاج الرجال بالنسوان الأجانب فقد كفر واستحق القتل بردته، وإن اعتقد تحريمه وفعله، وأقر عليه، ورضي به فقد فسق، لا يسمع له قول، ولا تقبل له شهادة» (٢). وممن أشار إلى هذا الاتفاق الشيخ محمد الخضر حسين شيخ الأزهر في وقته (ت ١٣٧٨هـ) حيث قال: «وتحريم الدين لاختلاط الجنسين على النحو الذي يقع في الجامعة معروف لدى عامة المسلمين، كما عرفه الخاصة من علمائهم، وأدلة المنع واردة في الكتاب والسنة، وسيرة السلف الذين عرفوا لباب الدين، وكانوا على بصيرة من حكمته السامية» (٣). وممن نص على اتفاق العلماء الشيخ صالح بن فوزان الفوزان

стр. 71

حيث قال: «الاختلاط بين الرجال والنساء على وجه يثير الفتنة أمر محرم بالكتاب والسنة والإجماع» (١). وقال الشيخ محمد الخطيب وهو من علماء لبنان: «إن الاختلاط لا يختلف في حرمته اثنان من المسلمين، ولا ينكر مساوئه ومفاسده من له قلب، أو ألقى السمع وهو شهيد» (٢). وقال الشيخ عبد اللَّه بن جار اللَّه ﵀: «وجهت جمعية الإصلاح الاجتماعي في الكويت سؤالاً إلى أربعة عشر عالماً وفقيهاً من علماء المسلمين في مختلف الأقطار الإسلامية عن حكم الإسلام في اختلاط الطلبة والطالبات، وبيان الأضرار الناجمة عن الاختلاط في التعليم، فأفتى كل منهم بتحريم ذلك، وأيدوا فتاواهم بالآيات القرآنية من سورة النور والأحزاب الدالة على تحريم الاختلاط والسفور والتبرج، ووجوب الحجاب والقرار في البيوت» (٣). وقال الشيخ فريح البهلال: «ويؤيد الاتفاق والإجماع المذكورين توارد أهل العلم على إفراد هذه المسألة بالتأليف، الذين بلغت

стр. 72

مؤلفاتهم فيما وقفت عليه منها: ما يزيد على ثلاثمائة مؤلف، والتي اتفقت على وجوب ستر وجوه المؤمنات عن الأجانب، وخطر السفور والتبرج والاختلاط». وقال أيضاً: «اعلم - أخي الكريم- يا من ترجو اللَّه والدار الأخرة أن الأدلة ثبتت على فرضية احتجاب نساء المؤمنين عن الرجال الأجانب، وتحريم خروجهن سافرات الوجوه، وتبرجهن بالزينة، واختلاطهن بالرجال من كتاب ربك سبحانه، وسنة نبيك محمد ﷺ ، وإجماع علماء المسلمين، والاعتبار الصحيح، والقياس المطرد، ومن تجربة من ذاق مرارة التبرج والسفور، واختلاط النساء بالرجال». ومما يقوي هذا الإجماع سير علماء الإسلام من عهد السلف إلى عصرنا هذا على منع الاختلاط، ولا يعلم أن أحداً منهم تزعم مسألة الاختلاط، ودعا إليها أو نافح عنها، وأيضاً لم يعرف الاختلاط منذ انحرفت الأمة عن دينها إلا من قِبَل دعاة النفاق والشقاق: كالرافضة، والصوفية، وأمثالهما، أو من قبل البدو والجهال، حتى جاءت الديمقراطية الوثنية في هذا العصر، فأباحت اختلاط النساء بالرجال بجميع أشكاله» (١). خامساً: الأئمة الأربعة، وجَمْعٌ من العلماء عبر القرون يحرمون الاختلاط بين النساء والرجال الأجانب على وجه الريبة

стр. 73

وتفصيل ذلك على النحو الآتي: ١ - روى مُغيرة، عَنْ إِبْرَاهِيم النخعي [ ت ٩٦ هـ] , قَالَ: «كَانُوا يَكْرَهُونَ السَّيْرَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ، فَهَذَا إِبْرَاهِيمُ يَقُولُ هَذَا, وَإِذَا قَالَ: (كَانُوا) فَإِنَّمَا يَعْنِي بِذَلِكَ أَصْحَابَ عَبْدِ اللَّهِ, فَقَدْ كَانُوا يَكْرَهُونَ هَذَا, ثُمَّ يَفْعَلُونَهُ لِلْعُذْرِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ أَفْضَلُ مِنْ مُخَالَطَةِ النِّسَاءِ إِذَا قَرُبْنَ مِنَ الْجِنَازَةِ» (١). ٢ - قال إمام التفسير من التابعين مجاهد بن جبر [ ٢١ - ١٠٤هـ]، ببدعة اجتماع الرجال بالنساء، كما رواه ابن سعد في الطبقات (٢). قال مجاهد في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ (٣):كانت المرأة تخرج فتمشي بين الرجال، فذلك تبرج الجاهلية. ٣ - قال فقيه البصرة التابعي الجليل الحسن البصري [ ٢٢ - ١١٠هـ]: إن اجتماع الرجال والنساء لبدعة. رواه الخلال (٤). ٤ - ومنع أبو حنيفة [ت ١٥٠ هـ]: المرأة الشابة من شهود الصلوات الخمس في زمن الصلاح والتقى (٥).

стр. 74

٥ - قال الإمام مالك بن أنس: [ ت ١٧٩هـ]: «أرى للإمام أن يتقدم إلى الصُّنَّاع في قعود النساء إليهم، وأرى ألا تترك المرأة الشابة تجلس إلى الصُّنَّاع، فأمَّا المرأة المُتَجالَّةُ (١)، والخادم الدون التي لا تتهم على القعود، ولا يتهم من تقعد عنده فإني لا أرى بذلك بأساً» (٢). ٦ - والإمام الشافعي [ت ٢٠٤هـ] يقول في النساء الجماعات في الطرقات وأمام الناس، وليس الواحدة مع الواحد: إن خرجوا متميزين - يعني في الطرقات لقضاء الحوائج وشهود الصلوات - لم أمنعهم، وكلهم كره خروج النساء الشواب إلى الاستسقاء، ورخصوا في خروج العجائز (٣). وقال أيضاً كما في مختصر المزني (٤): ولا يثبت - يعني الإمام - ساعة يسلِّم إلا أن يكون معه نساء، فيثبت لينصرفن قبل الرجال. ٧ - وقال أَشْهَبُ المالكي [ مصري، ت ٢٠٤هـ]: «أَرَى أَنْ يَبْدَأَ بِالنِّسَاءِ كُلَّ يَوْمٍ أَوْ بِالرِّجَالِ، فَذَلِكَ لَهُ عَلَى اجْتِهَادِهِ صَحِيحٌ إمَّا لِكَثْرَةِ الرِّجَالِ عَلَى النِّسَاءِ، أَوْ لِكَثْرَتِهِنَّ عَلَى الرِّجَالِ، وَلَا يُقَدِّمُ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ مُخْتَلِطِينَ، وَإِنْ رَأَى أَنْ يَجْعَلَ لِلنِّسَاءِ يَوْمًا مَعْلُومًا أَوْ

стр. 75

يَوْمَيْنِ فَعَلَ» (١). ٨ - قال أحمد بن عبد الرؤوف القرطبي المالكي [ت ٢٤٢هـ] في آداب المحتسب: «ويمنع اختلاط النساء مع الرجال عند الصلاة، وفي الأعياد، وفي المحافل، ويفرق بينهم» (٢). ٩ - وقال محمد بن سحنون المالكي [ ت ٢٥٦هـ]: «وأكره للمعلم أن يعلم الجواري، ولا يختلطن مع الغلمان؛ لأن في ذلك فساداً لهن» (٣). ١٠ - وقال ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ المالكي [مصري، ت ٢٦٨هـ]: «أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُفْرِدَ لِلنِّسَاءِ يَوْمًا» (٤). ١١ - وقال الخلال [ت ٣١١هـ] في جامعه: سئل أحمد عن رجل يجد امرأة مع رجل، قال: صِحْ به» (٥). ١٢ - إمام الحنفية في وقته أبو جعفر أحمد بن محمد الطحاوي الحنفي: [ ٢٢٩ - ٣٢١ هـ] , منع من الاختلاط (٦).
следующие страницы →