← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 96459

الإمامة في الصلاة

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (166 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

٣٢٩ سلسلة مؤلفات سعيد بن علي بن وهف القحطاني _ الإمامة في الصلاة مفهوم، وفضائل، وأنواع، وآداب، وأحكام في ضوء الكتاب والسُّنَّة تأليف الفقير إلى الله تعالى _

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدّمة إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله، وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فهذه رسالة مختصرة في ((الإمامة في الصلاة)) بيّنت فيها بإيجاز: مفهوم الإمامة، وفضل الإمامة في الصلاة والعلم، وحكم طلب الإمامة إذا صلحت النّيّة، وأولى الناس بالإمامة، وأنواع الأئمة والإمامة، وأنواع وقوف المأموم مع الإمام، وأهمية الصفوف في الصلاة وترتيبها، وتسويتها، وألفاظ النبي ﷺ في تسويتها، وفضل الصفوف الأُوَل وميامن الصفوف، وحكم صلاة المنفرد خلف

стр. 3

الصف، وصلاة المأمومين بين السواري، وجواز انفراد المأموم لعذر، وانتقال المنفرد إماماً، والإمام مأموماً، والمأموم إماماً، وأحوال المأموم مع الإمام، وأحكام الاقتداء بالإمام داخل المسجد وخارجه، والاقتداء بمن أخطأ بترك شرط أو ركن ولم يعلم المأموم، والاقتداء بمن ذكر أنه مُحدث وحكم الاستخلاف، وآداب الإمام، وآداب المأموم، وغير ذلك من الأحكام المهمة المتعلقة بالإمامة وآدابها، وكل ذلك بالأدلة من الكتاب والسنة، حسب الإمكان. وقد استفدت كثيراً من تقريرات وترجيحات شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀. والله أسأل أن يجعل هذا العمل مباركاً، نافعاً، خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفعني به في حياتي، وبعد مماتي، وأن ينفع به كل من انتهى إليه؛ فإنه سبحانه خير مسؤول، وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله وسلم وبارك على

стр. 4

عبده ورسوله الأمين، نبينا، وقدوتنا، محمد بن عبد الله، وعلى آله، وأصحابه، ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين. المؤلف حرّر في يوم الأحد الموافق ١٢/ ٦/١٤٢١هـ

стр. 5

الإمامة في الصّلاة أولاً: مفهوم الإمامة والإمام: الإمامة: مصدر أمَّ الناس: صار لهم إماماً يتبعونه في صلاته (١). أي: تقدّم رجل المصلين ليقتدوا به في صلاتهم، والإمامة: رياسة المسلمين، والإمامة الكبرى: رياسة عامة في الدين والدنيا، خلافة عن النبي ﷺ ، والخلافة هي الإمامة الكبرى، وإمام المسلمين: الخليفة ومن جرى مجراه (٢). والإمامة الصغرى: ربط صلاة المؤتم بالإمام بشروط (٣). الإمام: كل من اقتُدِي به، وقُدِّم في الأمور، والنبي ﷺ إمام الأئمة، والخليفة: إمام الرعية، والقرآن إمام المسلمين، وإمام الجند: قائدهم. والإمام جَمْعُهُ: أئمة، والإمام في الصلاة: من يتقدم

стр. 6

المصلين ويتابعونه في حركات الصلاة. والإمام: من يأتم به الناس من رئيس وغيره، محقّاً كان أو مبطلاً، ومنه: إمام الصلاة، والإمام: العالم المقتدى به، وإمام كل شيء: قيِّمه والمصلح له (١). ثانياً: فضل الإمامة في الصلاة والعلم: ١ - الإمامة في الصلاة ولاية شرعية ذات فضل ؛ لقول النبي ﷺ : ((يؤمُّ القوم أقرؤهم لكتاب الله)) (٢). ومعلوم أن الأقرأ أفضل، فقرنها بأقرأ يدل على أفضليتها (٣). ٢ - الإمام في الصلاة يُقتدى به في الخير ، ويدلّ على ذلك عموم قول الله في وصفه لعباد الرحمن، وأنهم

стр. 7

يقولون في دعائهم لربهم: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾ (١). المعنى: اجعلنا أئمة يُقتدى بنا في الخير، وقيل: المعنى: اجعلنا هُداةً مهتدين دعاةً إلى الخير (٢). فسألوا الله أن يجعلهم أئمة التقوى يقتدي بهم أهل التقوى، قال ابن زيد كما قال لإبراهيم: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاما﴾ (٣)، وامتنّ الله على من وفقه للإمامة في الدين فقال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (٤) أي لَمّا كانوا صابرين على أوامر الله وترك نواهيه، والصبر على التعلم والتعليم والدعوة إلى الله، ووصلوا في إيمانهم إلى درجة اليقين - وهو العلم التام الموجب للعمل - كان منهم أئمة يهدون إلى الحق

стр. 8

بأمر الله، ويدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر (١). ٣ - دعاء النبي ﷺ للأئمة بالإرشاد ، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((الإمام ضامنٌ والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين)) (٢). ٤ - الإمامة فضلها مشهور، تولاها النبي ﷺ بنفسه ، وكذلك خلفاؤه الراشدون، وما زال يتولاها أفضل المسلمين علماً وعملاً، ولا يمنع هذا الفضل العظيم أن يكون الأذان له ثواب أكثر؛ لِمَا فيه من إعلان ذكر الله تعالى، ولِمَا فيه من المشقّة، ولهذا اختلف العلماء في أيهما أفضل: الأذان أم الإمامة؟ فمنهم من قال: الإمامة أفضل، لِمَا سبق من الأدلة، ومنهم من قال: الأذان

стр. 9

أفضل، لقوله ﷺ : ((الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين)). ومنزلة الأمانة فوق منزلة الضمان وأعلى منه، والمدعو له بالمغفرة أفضل من المدعو له بالرشد، فالمغفرة أعلى من الإرشاد؛ لأن المغفرة نهاية الخير (١). واختار شيخ الإسلام ﵀ أن الأذان أفضل من الإمامة (٢). وأما إمامة النبي ﷺ وإمامة الخلفاء الراشدين ﵃ فكانت متعينة عليهم؛ فإنها وظيفة الإمام الأعظم ولم يمكن الجمع بينها وبين الأذان، فصارت الإمامة في حقهم أفضل من الأذان؛ لخصوص أحوالهم، وإن كان لأكثر الناس الأذان أفضل (٣).

стр. 10

٥ - عظم شأن الإمامة وخطره على من استهان بأمرها ظاهر في حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((يصلون لكم فإن أصابوا فلكم [ولهم] وإن أخطأوا فلكم وعليهم)) (١). والمعنى: ((يصلون)) أي الأئمة ((لكم)) أي لأجلكم، ((فإن أصابوا)) في الأركان والشروط، والواجبات، والسنن ((فلكم)) ثواب صلاتكم، ((ولهم)) ثواب صلاتهم، ((وإن أخطأوا)) أي ارتكبوا الخطيئة في صلاتهم، ككونهم محدثين ((فلكم))، ثوابها، ((وعليهم)) عقابها (٢). وعن عقبة بن عامر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((مَن أمّ الناس فأصاب الوقت فله ولهم، ومن انتقص من ذلك شيئاً فعليه ولا عليهم)) (٣).

стр. 11

وعن سهل بن سعد ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((الإمام ضامن فإن أحسن فله ولهم، وإن أساء - يعني - فعليه ولا عليهم)) (١). ثالثاً: طلب الإمامة في الصلاة إذا صلحت النية لا بأس به ؛ لحديث عثمان بن أبي العاص ﵁ قال: يا رسول الله، اجعلني إمام قومي، فقال: ((أنت إمامهم واقتدِ بأضعفهم، واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً)) (٢). والحديث يدلّ على جواز طلب الإمامة في الخير، وقد ورد في أدعية عباد الرحمن الذين وصفهم الله بتلك الأوصاف الجميلة أنهم يقولون: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾ (٣). وليس ذلك من طلب الرياسة المكروهة؛ فإن

стр. 12

ذلك فيما يتعلق برياسة الدنيا التي لا يعان من طلبها، ولا يستحق أن يُعطاها من سألها (١)، فإذا صلحت النية وتأكدت الرغبة في القيام بالواجب والدعوة إلى الله فلا حرج من طلب ذلك. رابعاً: أولى الناس بالإمامة: الأقرأ (٢) العالم فقه صلاته (٣)، فإن استووا فأفقههم، فإن استووا فأقدمهم

стр. 13

هجرة، فإن استووا فأقدمهم إسلاماً، لحديث أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((يؤمُّ القوم أقرؤهم لكتاب الله (١) فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواءً فأقدمهم هجرة (٢)، فإن كانوا في

стр. 14

الهجرة سواءً فأقدمهم سلماً - وفي رواية - سنّاً (١) ولا يؤمّنَّ الرَّجلُ الرَّجلَ في سلطانه (٢)، ولا يقعد في بيته على تكْرِمَتِه (٣) إلا بإذنه)). وفي لفظ: ((يؤم القوم أقرؤهم

стр. 15

لكتاب الله وأقدمهم قراءة، فإن كانت قراءتهم سواءً ... )) (١). أما حديث مالك بن الحويرث ﵁ الذي فيه: ((فإذا حضرت الصلاة فليؤذِّن لكم أحدُكم ثم ليؤمَّكم أكبرُكم)) (٢). فقدم الأكبر؛ لأنهم استووا في باقي الخصال والشروط؛ لأنهم هاجروا جميعاً، وصحبوا رسول الله ﷺ ولازموه عشرين ليلة، فاستووا في الأخذ عنه، ولم يبق ما يقدم به إلا السن (٣). فالمراتب خمس: يقدم الأقرأ، فالأعلم بالسنة، فالأقدم

стр. 16

هجرة، فالأقدم إسلاماً، فالأكبر سنّاً (١). خامساً: أنواع الإمامة في الصلاة على النحو الآتي: ١ - إمامة الصبي جائزة على الصحيح (٢)؛ لحديث عمرو بن سلمة قال: كنا بماء ممرِّ الناس (٣)، وكان يمرّ بنا الرّكبان فنسألهم ما للناس ما للناس؟ ما هذا الرجل؟ (٤) فيقولون: يزعم أن الله أرسله، أوحى إليه، أوحى الله بكذا، فكنت أحفظ ذاك الكلام، فكأنما يقرُّ في صدري، وكانت العرب تلوَّم بإسلامهم الفتح (٥)، فيقولون اتركوه

стр. 17

وقومه، فإن ظهر عليهم فهو نبي صادق، فلما كانت وقعة أهل الفتح بادر كل قوم بإسلامهم، وبدر أبي قومي بإسلامهم (١)، فلما قَدِمَ قال: ((جئتكم والله من عند النبي ﷺ حقّاً، فقال: ((صلّوا صلاة كذا في حين كذا، وصلّوا صلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصّلاة فليؤذِّن أحدُكم، وليؤمَّكم أكثرُكم قرآناً)) فنظروا فلم يكن أحد أكثر قرآناً منّي؛ لِمَا كنت أتلقَّى من الركبان، فقدّموني بين أيديهم، وأنا ابن ست أو سبع سنين، وكانت عليَّ بردة، كنت إذا سجدت تقلَّصت عني (٢)، فقالت امرأة من الحي: ألا تغطُّون عنا است قارئكم؟ فاشتروا (٣) فقطعوا لي قميصاً فما فرحت بشيء فرحي بذلك القميص)). وفي أبي داود زيادة: ((قال عمرو بن سلمة فما شهدت مجمعاً من جرم إلا كنت إمامهم، وكنت أصلي على جنائزهم إلى

стр. 18

يومي هذا)) (١). وهذا هو الصّواب أنّ إمامة الصّبي تصحّ بالفرض والنّفل إذا قدّمه القوم وكان أكثرهم قرآناً، وقد بلغ سبع سنين؛ لأنه لا قياس في مقابلة النّصّ؛ ولأنّ إمامة عمرو بن سلمة بقومه كانت زمن الوحي، فلو كانت الصّلاة باطلة وعمله منكراً؛ لأنكره الله تعالى؛ ولأنّ الذين قدَّموا عمراً كانوا كلهم صحابة (٢)، وقد قال جابر ﵁: ((كنّا نعزل والقرآن ينزل)) وفي لفظ: ((كنّا نعزل على عهد رسول الله ﷺ )) (٣). وفي رواية مسلم: ((كنّا نعزل والقرآن ينزل، ولو كان شيئاً ينهى عنه لنهانا عنه القرآن)).

стр. 19

وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يرجّح صحّة إمامة الصبي الذي بلغ سبع سنين في الفرض والنّفل، وأنه يعتدّ بالصّبي في المصافة في الصّلاة، وأنّ الأصل في الفرائض والنّوافل سواء إلا ما خصّه الدّليل (١). ٢ - إمامة الأعمى صحيحة بلا كراهة؛ لحديث أنس ﵁ أنّ النبي ﷺ استخلف ابن أمِّ مكتوم يؤمُّ الناس وهو أعمى (٢)، وفي رواية عنه أن النبي ﷺ استخلف ابن أمِّ مكتوم على المدينة مرتين (٣). وقد عُدَّت مراتُ استخلاف ابن أم مكتوم فبلغت ثلاث عشرة مرة، وهذا دليل على

стр. 20

صحّة إمامة الأعمى من دون كراهة في ذلك (١)، ويدلّ على ذلك ما رواه محمود بن الربيع الأنصاري ﵁ أن عتبان بن مالك كان يؤمُّ قومَهُ وهو أعمى، وأنه قال لرسول الله ﷺ ، يا رسول الله: إنها تكون الظلمة والسيل، وأنا رجل ضرير البصر، فصلِّ يا رسول الله في بيتي مكاناً أتخذه مُصلَّى، فجاءه رسول الله ﷺ فقال: ((أين تحبّ أن أصلّي))؟ فأشار إلى مكان من البيت فصلّى فيه رسول الله ﷺ (٢). ٣ - إمامة العبد والمولى صحيحة ؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: لَمّا قَدِمَ المهاجرون الأوّلون العقبة - موضع بقباء - قبل مقدم رسول الله ﷺ كان يؤمُّهم سالم مولى أبي حذيفة ﵁ وكان أكثرهما قرآناً (٣). وفي رواية: عن ابن عمر ﵄ قال: كان سالم مولى أبي حذيفة يؤم المهاجرين الأولين وأصحاب النبي ﷺ في

стр. 21

مسجد قباء، فيهم أبو بكر، وعمر، وأبو سلمة، وزيد، وعامر بن ربيعة (١). وكان سالم مولى امرأة من الأنصار فأعتقته، وكانت إمامته بهم قبل أن يُعتق، وإنما قيل له: مولى أبي حذيفة؛ لأنه لازم أبا حذيفة بعد أن أعتق فتبناه، فلما نهوا عن ذلك قيل له: مولاه، وسبب تقديمهم له؛ لأنه كان أكثرهم قرآناً (٢)، قال البخاري ﵀: ((باب إمامة العبد المولى، وكانت عائشة يؤمها عبدها ذكوان من المصحف. وولد البغي والأعرابي والغلام الذي لم يحتلم، لقول النبي ﷺ : ((يؤمُّهم أقرؤهم لكتاب الله)) ولا يُمنع العبد من الجماعة بغير علة)) (٣). ٤ - إمامة المرأة للنساء صحيحة ؛ لحديث أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث أن رسول الله ﷺ كان يزورها في بيتها، وجعل لها مؤذناً يؤذن لها، وأمرها أن تؤمَّ أهل دارها.

стр. 22

قال عبد الرحمن بن خلاَّد الراوي عنها: ((أنا رأيتُ مؤذنها شيخاً كبيراً)) (١). وهذا يدلّ على مشروعية صلاة النساء جماعة منفردات عن الرجال (٢)، ورجح الإمام ابن القيم ﵀ استحباب صلاة النساء جماعة؛ لحديث أم ورقة؛ ولأن عائشة ﵂ أمَّت نسوة في المكتوبة فأمتهنَّ بينهن وسطاً (٣)؛ ولأن أم سلمة ﵂ أمَّت نساء فقامت وسطهن (٤)، ولو لم يكن في المسألة إلا عموم قوله ﷺ :

стр. 23

((تفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة)) (١) لكفى (٢). وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول عن حديث ورقة: ((وأنه يدلّ على مشروعية ذلك، ولا بأس به، ويستحب ذلك، والحديث وإن كان في إسناده كلام، ولكن مثله نوع مستقل ويعمل به، ويعضده ما جاء عن عائشة، وأم سلمة أنهما كانتا تؤمان أهل بيتهما، لكن تقف في وسط النساء، وصلاة الجماعة لا تجب عليهن، ولكن تستحب)) (٣). ٥ - إمامة الرجل للنساء فقط صحيحة ؛ لأخبار وردت في ذلك (٤)؛ ولأن الأصل صحة صلاة الجماعة وانعقادها

стр. 24

بالنساء مع الرجل، بل بالمرأة مع الرجل ومن منع فعليه الدليل (١)، إلا إذا كانت أجنبية وحدها فإنه يحرم أن يؤمَّها؛ لحديث ابن عباس ﵄ يرفعه: ((لا يخلونَّ أحدُكم بامرأة إلا مع ذي محرم)) (٢)، والصحيح أن إمامة النساء لا تكره إلا إذا خاف الفتنة؛ ابتعد عن ذلك؛ لأن ما كان ذريعة إلى حرام فهو حرام (٣)، وقد كان ذكوان مولى عائشة ﵄ يؤمها من المصحف (٤). ٦ - إمامة المفضول للفاضل صحيحة ؛ لحديث المغيرة بن شعبة ﵁ حينما كان مع النبي في غزوة تبوك، وذكر وضوء النبي ﷺ وأنه جاء معه قال: حتى نجد الناس قد قدَّموا عبد الرحمن بن عوف فصلى بهم حين كان وقت الصلاة، قال: ووجدنا عبد الرحمن وقد صلى بهم ركعة من صلاة

стр. 25

الفجر، فقام رسول الله ﷺ فصفَّ مع المسلمين فصلى وراء عبد الرحمن بن عوف الركعة الثانية، فلما سلَّم عبد الرحمن قام رسول الله ﷺ يتمُّ صلاته، قال: فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته أقبل عليهم ثم قال: ((أحسنتم))، أو ((قد أصبتم))، يغبطهم أن صلّوا الصلاة لوقتها (١)، وهذا يدلّ على صحّة إمامة المفضول للفاضل. ٧ - إمامة المتيمم للمتوضئ جائزة ؛ لحديث عمرو بن العاص ﵁ قال: احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد في غزوة ذات السلاسل فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فقال: ((يا عمرو صلّيت بأصحابك وأنت جنب))؟ فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال، وقلت: إني سمعت الله يقول: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ (٢)، فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئاً (٣). وفي

стр. 26

رواية: ((فغسل مغابنه وتوضأ وضوءه للصلاة ثم صلّى بهم ... )) (١). قال الحافظ ابن حجر ﵀: ((وقال البيهقي: يمكن الجمع بين الروايات بأنه توضأ ثم تيمم عن الباقي، وقال النووي: وهو متعيّن)) (٢).وفي لفظ البخاري: ((فذكر للنبي ﷺ فلم يعنِّف))، ووقع في رواية ((فلم يعنِّفه))، قال الحافظ ابن حجر ﵀: ((وفي هذا الحديث جواز التيمم لمن يتوقع من استعمال الماء الهلاك، سواء كان من أجل برد أو غيره، وجواز صلاة المتيمم بالمتوضئين .. )) (٣). قال ابن قدامة ﵀: ((ويصحَّ ائتمام المتوضئ بالمتيمم لا أعلم فيه خللاً)) (٤).ولكن لا يتيمم لشدة البرد من أمكنه

стр. 27

أن يسخن الماء أو يستعمله على وجه يأمن الضرر منه (١). ٨ - إمامة المسافر للمقيم صحيحة ويتم المقيم بعد سلام المسافر ؛ للآثار في ذلك (٢) والإجماع، قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((أجمع أهل العلم على أن المقيم إذا ائتم بالمسافر وسلم المسافر من ركعتين أن على المقيم إتمام الصلاة)) (٣). وعن عمر ﵁ أنه كان إذا قدم بمكة صلى بهم ركعتين ثم يقول: ((يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قومٌ سفْرٌ)) (٤). فظهر من ذلك أن المقيم إذا صلى خلف المسافر صلاة

стр. 28

الفريضة: كالظهر، والعصر، والعشاء، فإنه يلزمه أن يكمل صلاته أربعاً، أما إذا صلى المقيم خلف المسافر طلباً لفضل الجماعة، وقد صلى المقيم فريضته، فإنه يصلي مثل صلاة المسافر: ركعتين؛ لأنها في حقه نافلة (١). وإذا أمّ المسافر المقيمين فأتمَّ بهم فصلاتهم تامّة صحيحة وخالف الأفضل (٢). ٩ - إمامة المقيم للمسافر صحيحة، ويتمّ المسافر مثل صلاة إمامه ، سواء أدرك جميع الصلاة، أو ركعة، أو أقل، وحتى لو دخل معه في التشهد الأخير قبل السلام فإنه يتم، وهذا هو الصواب من قولي أهل العلم، لِمَا ثبت عن ابن عباس ﵄ من حديث موسى بن سلمة ﵀

стр. 29

قال: كنّا مع ابن عباس بمكة فقلت: إنا إذا كُنّا معكم صلّينا أربعاً وإذا رجعنا إلى رحالنا صلينا ركعتين، قال: ((تلك سنّة أبي القاسم ﷺ )) (١). وكان ابن عمر ﵄ إذا صلّى مع الإمام صلّى أربعاً وإذا صلاها وحده صلّى ركعتين (٢). وذكر الإمام ابن عبد البر ﵀ أن في إجماع الجمهور من الفقهاء على أن المسافر إذا دخل في صلاة المقيمين فأدرك منها ركعة أنه يلزمه أن يصلي أربعاً (٣). وقال: ((قال أكثرهم إنه إذا أحرم المسافر خلف المقيم قبل سلامه أنه تلزمه صلاة المقيم، وعليه الإتمام)) (٤). ومما يدلّ على أنّ المسافر إذا صلى خلف المقيم يلزمه

стр. 30

الإتمام عموم قوله ﷺ : ((إنما جُعل الإمام ليؤتمّ به فلا تختلفوا عليه، فإذا كبَّر فكبِّروا ... (١)) (٢). ١٠ - إمامة من يؤدي الصلاة بمن يقضيها صحيحة على القول الصحيح من قولي أهل العلم، مثال ذلك رجل وجد الناس يصلون ظهر اليوم وذكر أن عليه صلاة الظهر بالأمس، فإنه يدخل معهم خلف الإمام وينوي ظهر أمس؛ فصلاته صحيحة، لأنه قاضٍ صلى خلف مؤدٍّ؛ ولأنّ التّرتيب بين الصّلوات واجب فيصلي الصّلاة بنيّة الفائتة ثم يصلي الحاضرة (٣). ١١ - إمامة من يقضي الصلاة بمن يؤديها عكس المسألة السابقة صحيحة على القول الصحيح، فيكون الإمام هو

стр. 31

الذي يقضي والمأموم هو الذي يؤدي، مثال ذلك رجل عليه ظهر أمس فصلى فدخل معه من يصلي ظهر اليوم، فالإمام يصلي بنية ظهر أمس، والمأموم بنية ظهر اليوم، فصحّة المؤداة خلف المقضية وبالعكس؛ لأنّ الصلاة واحدة وإنما اختلف الزّمن (١). ١٢ - إمامة المفترض للمتنفل صحيحة بلا خلاف ؛ لحديث أبي سعيد ﵁ أن رسول الله ﷺ أبصر رجلاً يصلي وحده، فقال: ((ألا رجل يتصدّق على هذا فيصلي معه)) (٢)؛ ولأحاديث إعادة صلاة الجماعة لمن أدرك الجماعة وقد صلى قبل ذلك (٣)، ومنها حديث يزيد بن الأسود وفيه:

стр. 32

((إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم فإنها لكما نافلة)) (١). قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((ولا نعلم بين أهل العلم فيه اختلافاً)) (٢). ١٣ - إمامة المتنفل للمفترض جائزة على القول الصحيح ؛ لحديث جابر ﵁ أن معاذ بن جبل ﵁ ((كان يصلي مع رسول الله ﷺ العشاء ثم يأتي مسجد قومه فيصلي بهم تلك الصلاة)) (٣). ومعلوم أن الصلاة الأولى هي الفريضة والثانية لمعاذ هي النافلة، ولم ينكر عليه النبي ﷺ . وقد صلى النبي ﷺ في بعض أنواع صلاة الخوف بالطائفة الأولى ركعتين، ثم سلم، ثم صلى بالطائفة الثانية ركعتين ثم

стр. 33

سلم (١)، فالصلاة الأولى فرض النبي ﷺ ، والثانية نفلاً (٢)، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٣). فعلى هذا تجوز صلاة العشاء خلف من يصلي صلاة التراويح وغيرها (٤).وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول عن هذين الحديثين: ((وهذا واضح في جواز إمامة المتنفل بالمفترض)) (٥). ١٤ - إمامة من يصلي العصر أو غيرها بمن يصلي الظهر أو غيرها جائزة على القول الصحيح؛ لأنها فرع من إمامة المتنفل بالمفترض على الصحيح، وهي مثلها في الحكم، بل هنا أولى؛ لصحة صلاة من يصلي الظهر خلف من يصلي

стр. 34

الجمعة، فلو أدرك المأموم الإمام في صلاة الجمعة بعد الرفع من الركوع في الركعة الثانية من صلاة الجمعة دخل معه بنية الظهر فإذا سلم الإمام قام فصلى أربعاً ظهراً (١). وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وشيخنا الإمام ابن باز وغيرهما ﵏ (٢). وأما قول النبي ﷺ : ((إنّما جُعِل الإمام ليؤتمّ به فلا تختلفوا عليه ... )) (٣). فالاختلاف المراد به في الحديث الاختلاف في الأفعال والأقوال (٤)، كما جاء مفسراً بقوله: ((إنّما جُعل الإمام ليؤتمَّ به، فإذا كبّر فكبروا ولا تكبروا حتى يُكبِّر، وإذا ركع فاركعوا ولا تركعوا حتى يركع، وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربّنا لك الحمد،

стр. 35

وإذا سجد فاسجدوا ولا تسجدوا حتى يسجد، وإذا صلى قائماً فصلوا قياماً، وإذا صلّى قاعداً فصلّوا قعوداً أجمعون)) (١). قال الإمام الصنعاني ﵀: ((الحديث لم يشترط المساواة في النية، فدلّ أنها إذا اختلفت نية الإمام والمأموم - كأن ينوي أحدهما فرضاً والآخر نفلاً، أو ينوي هذا عصراً، والآخر ظهراً أنها تصحّ الصلاة جماعة)) (٢). وسمعت سماحة شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول في شرحه لهذا الحديث: ((فقد ذكر الأفعال والأقوال ولم يذكر النية فدلّ على أن النية مغتفرة)) (٣)، فعلى ذلك لا يؤثر اختلاف النية: فتصح إمامة من يصلي الظهر بمن يصلي العشاء، وإمامة من يصلي الظهر بمن يصلي العصر، ومن يصلي العصر بمن يصلي الظهر، ومن يصلي صلاة أكثر بمن يصلي أقل، ومن يصلي أقل بمن يصلي أكثر

стр. 36

مثال من يصلي صلاة أكثر خلف من يصلي أقل: كمن يصلي العشاء خلف من يصلي المغرب، فإنه يصلي مع الإمام فإذا سلّم إمامه قام وأتى بركعة. ومثال من يصلي صلاة أقل خلف من يصلي صلاة أكثر، كمن يصلي المغرب خلف من يصلي العشاء، فإنه إن أدرك الإمام في الركعة الثانية فما بعدها فلا إشكال؛ لأنه يتابع إمامه ويسلم معه، وإن دخل في الركعة الثالثة أتى بعده بركعة، وإن دخل في الرابعة أتى بعده بركعتين، لكن إن أدرك الإمام في الركعة الأولى فإنه يلزمه إذا قام الإمام إلى الرابعة أن يجلس ولا يقوم معه بل ينتظر في التشهد حتى يسلم مع إمامه، هذا هو الأفضل، وإن نوى الانفراد وقرأ التشهد الأخير ثم سلم فلا حرج (١)، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٢)، وشيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز (٣)، والشيخ العلامة محمد بن إبراهيم آل

стр. 37

الشيخ (١) - رحمهم الله تعالى - (٢). وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: (( ... وهكذا على الأرجح لو جاء وهم يصلون العشاء وهو لم يصل المغرب بسبب السفر أو المرض [فقد] اختلف العلماء: فقيل يصلي معهم العشاء نافلة ثم يصلي المغرب، وقيل: يجوز عدم الترتيب، وقيل: يصلي معهم المغرب بنية المغرب فإذا قاموا إلى الرابعة جلس ينتظرهم ثم يسلم معهم، وهذا قول حسن وجيد وهو معذور في الجلوس كما يجلس المسبوق ثم يتم صلاته، حتى ولو لم يدرك إلا ركعة جلس معهم ثم أتم، فالتأخر لعذر والمتابعة لعذر شرعي)) (٣). ١٥ - إمامة الفاسق الذي تصحّ صلاته لنفسه صحيحة على القول الصحيح من قولي أهل العلم، إذا كانت معصيته أو بدعته لا تخرجه عن الإسلام، لكن ينبغي أن

стр. 38

لا يرتب إماماً في الصلاة وغيرها (١). ومما يدلّ على صحّة إمامة الفاسق حديث أبي ذر ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : ((كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يُؤَخِّرون الصلاة عن وقتها أو يميتون الصلاة عن وقتها))؟ قال: قلت فما تأمرني؟ قال: ((صلِّ الصلاة لوقتها، فإذا أدركتها معهم فصلِّ فإنها لك نافلة [ولا تقل إني قد صلّيت فلا أصلي])) (٢)؛ ولحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((يصلّون لكم فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم)) (٣)؛ ولأن جمعاً من الصحابة ﵃ كانوا يصلون الجمعة، والجماعة، والأعياد خلف الأئمة الفجار ولا يعيدون الصلاة، كما كان عبد الله بن

стр. 39

عمر يصلي خلف الحجاج بن يوسف (١)، وابن عمر كان ﵁ من أشدّ الناس تحرّياً لاتباع السنة، واحتياطاً لها، والحجاج معروف بأنه من أفسق الناس. وكذا أنس ﵁ كان يصلي خلف الحجاج، وكذلك عبد الله بن مسعود ﵁ وغيره من الصحابة كانوا يصلّون خلف الوليد بن أبي معيط، وقد صلّى بهم الصبح يوماً ركعتين، ثم قال: أزيدكم؟ فشهد عليه رجلان عند عثمان ﵁ فأقام عليه الحدّ، فجلده أربعين، ثم قال: جلد النبي ﷺ أربعين، وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكلٌّ سنة وهذا أحب إليّ (٢). وفي الصحيح عن عبيد الله بن عدي بن خيار أنه دخل على عثمان بن عفان ﵁ وهو محصور فقال: إنك إمام عامة ونزل بك ما نرى ويصلي لنا إمام فتنة ونتحرج، فقال: ((الصلاة أحسن ما يعمل الناس، فإذا أحسن الناس

стр. 40

فأحسن معهم، وإذا أساءوا فاجتنب إساءتهم)) (١). وصلى أبو سعيد الخدري ﵁ خلف مروان بن الحكم صلاة العيد في قصة تقديمه الخطبة على الصلاة (٢). قال الإمام الشوكاني ﵀: (( ... وقد ثبت إجماع أهل العصر الأول من بقية الصحابة ومن معهم من التابعين إجماعاً فعليّاً، ولا يبعد أن يكون قوليّاً على الصلاة خلف الجائرين؛ لأن الأمراء في تلك الأعصار كانوا أئمة الصلوات الخمس، فكان الناس لا يؤمهم إلا أمراؤهم، في كل بلدة فيها أمير)) (٣). وقال: ((والحاصل أن الأصل عدم اشتراط العدالة وأن كل من صحّت صلاته لنفسه صحت صلاته لغيره ... واعلم أن محلّ النّزاع إنما هو صحة الجماعة خلف من لا عدالة له، وأما أنها مكروهة فلا خلاف في
следующие страницы →