سلسلة مؤلفات سعيد بن علي بن وهف القحطاني
الجهاد
في سبيل الله تعالى
مفهومه، وحُكْمه، ومراتبه، وضوابطه، وأنواعه، وأهدافه، وفضله، وأسباب النصر على الأعداء
في ضوء الكتاب والسنة
تأليف الفقير إلى الله تعالى
د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني
الطبعة السادسة ١٤٣١هـ
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حقَّ جهاده، فصلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم يبعثون، وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد.
فهذه كلمات مختصرات في ((الجهاد في سبيل الله تعالى))، بَيَّنْتُ فيها: مفهوم الجهاد، وحكمه، ومراتبه، وضوابطه، وأنواع الجهاد في سبيل الله، وأهدافه، والحكمة من مشروعيته، وفضله، والترهيب مِن ترك الجهاد في سبيل الله، وبيان شهداء غير المعركة، وأسباب وعوامل النصر على الأعداء، والله أسال أن ينصر المجاهدين في سبيله في كل مكان، وأن يوفقهم للعمل بعوامل النصر وأسبابه، والإخلاص في القول والعمل، والرغبة فيما عند الله من الثواب العظيم، والتجارة الرابحة، والفوز بسعادة الدنيا والآخرة.
وأسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل القليل مباركًا، وأن ينفعني به في حياتي، وبعد مماتي، وأن ينفع به كل من انتهى إليه؛ فإنه سبحانه أكرم مأمول وخير مسؤول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا
стр. 3
بالله العلي العظيم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
المؤلف
الرياض في ٦/ ٢/١٤١١هـ
стр. 4
المبحث الأول: تعريف الجهاد لغة وشرعاً
أولاً: تعريف الجهاد لغة:
هو: بذل واستفراغ ما في الوسع والطاقة من قول أو فعل (١).
ثانياً: تعريف الجهاد شرعاً:
هو: بذل الجهد من المسلمين في قتال الكفار المعاندين المحاربين، والمرتدين، والبغاة ونحوهم؛ لإعلاء كلمة الله تعالى (٢).
стр. 5
المبحث الثاني: حكم الجهاد في سبيل الله
الجهاد فرض كفاية إذا قام به من يكفي من المسلمين سقط الإثم عن الباقين (١). قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (٢).
قال العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى في فرضية الجهاد: ((لابد فيه من شرط، وهو أن يكون عند المسلمين قدرة وقوة يستطيعون بها القتال، فإن لم يكن لديهم قدرة، فإن إقحام أنفسهم في القتال إلقاء بأنفسهم إلى التهلكة؛ ولهذا لم يوجب الله على المسلمين القتال وهم في مكة؛ لأنهم عاجزون ضعفاء، فلما هاجروا إلى المدينة، وكوَّنوا الدولة الإسلامية، وصار لهم شوكة أُمروا بالقتال، وعلى هذا فلابد من هذا الشرط، وإلا سقط عنهم كسائر الواجبات؛ لأن جميع الواجبات يشترط فيها القدرة؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٣)، وقوله: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (٤)) (٥). انتهى كلامه ﵀.
стр. 6
ويكون الجهاد فرض عين في ثلاث حالات (١):
١ - إذا حضر المسلم المكلَّف القتال والتقى الزحفان وتقابل الصفان ، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٢). وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ*وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (٣). وذكر النبي ﷺ أن التولي يوم الزحف من السبع الموبقات (٤).
٢ - إذا حضر العدو بلداً من بلدان المسلمين تَعيَّن على أهل البلاد قتاله وطرده منها ، ويلزم المسلمين أن ينصروا ذلك البلد إذا عجز أهله عن إخراج العدو ويبدأ الوجوب بالأقرب فالأقرب (٥)، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٦).
٣ - إذا استنفر إمام المسلمين الناس وطلب منهم ذلك ، قال الله تعالى:
стр. 7
﴿انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١)، وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ﴾ (٢).
وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا هجرة بعدَ الفتحِ ولكن جهادٌ ونِيَّةٌ، وإذا استُنْفِرْتُم فانفِروا)) (٣).
قال العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀: ((ولا يشترط أن يكون إماماً عاماً للمسلمين؛ لأن الإمامة العامة انقرضت من أزمنة متطاولة، والنبي ﷺ قال: ((اسمعوا وأطيعوا ولو تأمَّر عليكم عبد حبشي)) (٤)، فإذا تأمر إنسان على جهة ما صار بمنزلة الإمام العام، وصار قوله نافذاً، وأمره مطاعاً، ومن عهد أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ والأمة الإسلامية بدأت تتفرق، فابن الزبير في الحجاز، وابن مروان في الشام، والمختار بن عبيد وغيره في العراق، فتفرقت الأمة، ومازال أئمة الإسلام يدينون بالولاء والطاعة لمن تأمر على ناحيتهم، وإن لم تكن له
стр. 8
الخلافة العامة، وبهذا نعرف ضلال ناشئة نشأت تقول: إنه لا إمام للمسلمين اليوم فلا بيعة لأحد، نسأل الله العافية، ولا أدري أيريد هؤلاء أن تكون الأمور فوضى ليس للناس قائد يقودهم؟ أم يريدون أن يقال كل إنسان أمير نفسه؟ هؤلاء إذا ماتوا من غير بيعة فإنهم يموتون ميتة جاهلية؛ لأن عمل المسلمين من أزمنة متطاولة: على أن من استولى على ناحية من النواحي وصارت له الكلمة العليا فيها فهو إمام فيها، وقد نصَّ على ذلك العلماء مثل صاحب سبل السلام، وقال: إن هذا لا يمكن الآن تحقيقه؛ ولأن الناس لو تَمرَّدُوا في هذا الحال على الإمام لحصل الخلل الكبير على الإسلام، إذ إن العدو سوف يقاتل ويتقدم إذا لم يجد من يقاومه، ويدافعه)) (١).
وجنس الجهاد فرض عين: إما بالقلب، وإما باللسان، وإما بالمال، وإما باليد. فيجب على المسلم أن يجاهد في سبيل الله بنوع من هذه الأنواع حسب الحاجة والقدرة. والأمر بالجهاد بالنفس والمال كثير في القرآن والسنة، وقد ثبت من حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((جاهدوا المشركين بألسنتكم، وأنفسكم، وأموالكم، وأيديكم)) (٢).
стр. 9
وأضاف العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀ حالة رابعة: وهي إذا احتيج إلى المسلم في الجهاد وجب عليه (١).
стр. 10
المبحث الثالث: مراتب الجهاد في سبيل الله
الجهاد له أربع مراتب: جهاد النفس، والشيطان، والكفار، والمنافقين، وأصحاب الظلم والبدع والمنكرات:
المرتبة الأولى: جهاد النفس:
وله أربع مراتب:
١ - جهادها على تعلّم أمور الدين والهدى الذي لا فلاح لها ولا سعادة في معاشها ومعادها إلا به.
٢ - جهادها على العمل به بعد علمه ، وإلا فمجرد العلم بلا عمل إن لم يضرها لم ينفعها.
٣ - جهادها على الدعوة إليه ببصيرة، وتعليمه من لا يعلمه ، وإلا كان من الذين يكتمون ما أنزل الله من الهدى والبينات، ولا ينفعه علمه ولا ينجيه من عذاب الله.
٤ - جهادها على الصبر على مشاق الدعوة إلى الله ، وأذى الخلق، وأن يتحمل ذلك كله لله. فمن عَلِمَ، وعَمِلَ، وصبر، فذاك يُدعى عظيماً في ملكوت السموات.
المرتبة الثانية: جهاد الشيطان وله مرتبتان:
١ - جهاده على دفع ما يلقي إلى العبد من الشبهات والشكوك القادحة في الإيمان.
٢ - جهاده على دفع ما يلقي إليه من الشهوات والإرادات
стр. 11
الفاسدة، فالجهاد الأول بعد اليقين والثاني بعد الصبر، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (١)، والشيطان أخبث الأعداء، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (٢).
المرتبة الثالثة: جهاد الكفار والمنافقين:
وله أربع مراتب:
١ - بالقلب .
٢ - اللسان .
٣ - المال .
٤ - اليد .
و جهاد الكفار أخص باليد وجهاد المنافقين أخص باللسان .
المرتبة الرابعة: جهاد أصحاب الظلم والعدوان، والبدع والمنكرات:
وله ثلاث مراتب:
١ - باليد إذا قدر المجاهد على ذلك .
٢ - فإن عجز انتقل إلى اللسان .
٣ - فإن عجز جاهد بالقلب ، فعن أبي سعيد ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم
стр. 12
يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)) (١).
فهذه ثلاثة عشرة مرتبة من الجهاد، وأكمل الناس عند الله من كمَّل مراتب الجهاد كلها، والخلق متفاوتون في منازلهم عند الله تفاوتهم في مراتب الجهاد؛ ولهذا كان أكمل الخلق وأكرمهم على الله محمد ﷺ خاتم أنبيائه ورسله؛ فإنه كمّل مراتب الجهاد وجاهد في الله حق جهاده (٢)، فصلوات الله وسلامه عليه ما تتابع الليل والنهار.
ولما كان جهاد أعداء الله في الخارج فرعاً على جهاد العبد نفسه في ذات الله كما قال النبي ﷺ في حديث فضالة بن عبيد الله ﵁: ((ألا أخبركم بالمؤمن؟ من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم، والمسلم من سلم الناس من لسانه ويده، والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله، والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب)) (٣): كان جهاد النفس مقدَّماً على جهاد العدو في الخارج وأصلاً له؛ فإنه ما لم يجاهد نفسه أولاً لتفعل ما أمرها الله به وتترك ما نهاها الله عنه ويحاربها في الله، لم يمكنه جهاد عدوّه في الخارج، فكيف يمكنه جهاد عدوّه والانتصار عليه وعدوّه الذي بين جنبيه غالب
стр. 13
له وقاهر له؟ ولا يمكنه الخروج إلى عدوّه حتى يجاهد نفسه على الخروج. فهذان عدوان (١) وبينهما عدو ثالث لا يمكن للعبد أن يجاهدهما إلا بجهاده، وهو واقف بينهما يُثبِّط الإنسان عن جهادهما ويخوِّفه ويخذله، ولا يزال يُخَوِّفه ما في جهادهما من المشاق، وفوات اللذات، والشهوات، فلا يمكنه أن يجاهد هذين العدوين إلا بجهاد هذا العدو الثالث وهو الأصل لجهادهما وهو الشيطان (٢).
стр. 14
المبحث الرابع: ضوابط الجهاد في سبيل الله تعالى
الضابط الأول: فقه شروط وجوب الجهاد:
قد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى شروطاً للجهاد منها ما ذكره الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى بقوله: ((ويشترط لوجوب الجهاد سبعة شروط: الإسلام، والبلوغ، والعقل، والحرية، والذكورية، والسلامة من الضرر، ووجود النفقة))، ثم شرح ذلك بالتفصيل والتحقيق رحمه الله تعالى (١).
الضابط الثاني: استئذان الوالدين في الخروج إلى الجهاد:
لا شك أن بر الوالدين أفضل الأعمال بعد الصلاة التي هي أعظم دعائم الإسلام؛ لأن النبي ﷺ أخبر بذلك، ورتبه بثمَّ التي تعطي الترتيب والمهلة (٢)، فعن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: سألت رسول الله ﷺ : أيُّ العمل أفضل؟ قال: ((الصلاة لوقتها)) قال: قلت: ثم أيٌّ؟ قال: ((ثم بر الوالدين)) قال: قلت: ثم أيٌّ؟ قال: ((ثم الجهاد في سبيل الله)) (٣)؛ ولأهمية بر الوالدين، وأنه من أعظم القربات، قال النبي ﷺ لِمَن استأذنه في الجهاد: ((أحيٌّ والداك؟)) قال: نعم، قال: ((ففيهما فجاهد)) (٤)، أيّ
стр. 15
خَصِّصهما بجهاد النفس في رضاهما (١)، وقد بيَّن الحافظ ابن حجر ﵀: أن هذا الرجل استفصل (( ... عن الأفضل في أعمال الطاعات؛ ليعمل به؛ لأنه سمع فضل الجهاد فبادر إليه، ثم لم يقنع حتى استأذن فيه فَدُلَّ على ما هو أفضل منه في حقه)) (٢)، فقوله ﷺ : ((ففيهما فجاهد))، قال الحافظ ابن حجر أيضاً: ((أي إن كان لك أبوان فبالغ جهدك في برهما، والإحسان إليهما؛ فإن ذلك يقوم مقام الجهاد)) (٣)؛ لأن المراد بالجهاد في الوالدين: بذل الجهد، والوسع، والطاقة في برهما؛ ولأهمية ذلك بيَّن العلماء أنه لا يجوز الخروج للجهاد إلا بإذن الأبوين بشرط أن يكونا مسلمين؛ لأن برهما فرض عين والجهاد فرض كفاية؛ فإن تعيّن الجهاد وكان فرض عين فلا إذن؛ لأن الجهاد أصبح فرضاً على الجميع: إما باستنفار الإمام، أو هجوم العدوِّ على البلاد، أو حضور الصف (٤)، أما إذا كان الجهاد فرض كفاية فلا يجوز الخروج إليه إلا بإذن الوالدين؛ ولهذا جاء في حديث ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: ((رِضَى الرب في رضى الوالد، وسخط الرب في سخط الوالد)) (٥)، وجاء في حديث جاهمة
стр. 16
أنه جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أردت أن أغزوَ وقد جئت أستشيرك، فقال ﷺ : ((هل لك من أُمٍّ؟))، قال: نعم، قال: ((فالزمها فإن الجنة تحت (١) رجليها)) (٢)، وعن أبي الدرداء ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((الوالد أوسط أبواب الجنة فإن شئت فأضِعْ ذلك الباب أو احفظه)) (٣)؛ ولهذه الأحاديث لا يجوز الخروج إلى جهاد التطوع، وفرض الكفاية إلا بإذن الوالدين، والبقاء معهما، والإحسان إليهما أفضل من الخروج بإذنهما، أما إذا تعين الجهاد فلا؛ لأنه أصبح فرضاً على الجميع.
الضابط الثالث: أمر الجهاد موكول إلى إمام المسلمين واجتهاده:
ويلزم الرعية طاعته فيما يراه من ذلك؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ
стр. 17
فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ (١)؛ ولقول النبي ﷺ : ((من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني)) (٢)، وفي حديث حذيفة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال له: ((تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك، وأخذ مالك، فاسمع وأطع)) (٣).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ((فطاعة الله ورسوله واجبة على كل أحد، وطاعة ولاة الأمر واجبة؛ لأمر الله بطاعتهم، فمن أطاع الله ورسوله بطاعة ولاة الأمر فأجره على الله، ومن كان لا يطيعهم إلا لما يأخذه من الولاية والمال فإن أعطوه أطاعهم وإن منعوه عصاهم: فما له في الآخرة من خلاق)) (٤).
ومن طاعة ولي الأمر عدم الجهاد إلا بإذنه؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ يستأذنه في الجهاد فقال: ((أحي
стр. 18
والداك))؟ قال: نعم، قال: ((ففيهما فجاهد)) (١)؛ ولحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((إنما الإمام جُنَّة يُقاتل من ورائه، ويُتَّقَى به، فإن أمر بتقوى الله وعدل كان له بذلك أجر، وإن أمر بغيره كان عليه منه)) (٢) ومما يُفَسِّر ذلك قول الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: ((وأمر الجهاد موكول إلى الإمام واجتهاده ويلزم الرعية طاعته فيما يراه من ذلك)) (٣)، وقال الإمام الخرقي ﵀: ((وواجب على الناس إذا جاء العدو أن ينفروا: المقلّ منهم والمُكثر، ولا يخرجون إلى العدوِّ إلا بإذن الأمير، إلا أن يفجأهم عدوٌّ يخافون كلبَهُ – أي شره وأذاه – فلا يُمْكِنهم أن يستأذنوه)) (٤)، قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((فإذا ثبت هذا فإنهم لا يخرجون إلا بإذن الأمير؛ لأن أمر الحرب موكول إليه، وهو أعلم بكثرة العدو وقِلَّتهم، ومكامن العدو، وكيدهم، فينبغي أن يُرجع إلى رأيه؛ لأنه أحوط للمسلمين إلا أن يتعذر استئذانه؛ لمفاجأة عدوهم لهم، فلا يجب استئذانه؛ لأن المصلحة تتعين في قتالهم، والخروج إليه؛ لتعيّن الفساد في
стр. 19
تركهم، ولذلك لما أغار الكفار على لقاح النبي ﷺ (١) فصادفهم سلمة بن الأكوع خارجاً من المدينة تبعهم فقاتلهم من غير إذن، فمدحه النبي ﷺ بقوله (٢): ((وخير رجَّالتنا سلمة)) فأعطاه النبي ﷺ سهمين: سهم الفارس وسهم الراجل (٣)، وذكر الإمام الخرقي وابن قدامة أيضاً أنه لا يجوز حتى الخروج من العسكر إلا بإذن الأمير، ولا يحدث حدثاً إلا بإذنه (٤)؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (٥)؛ ولأن الأمير أعرف بحال العدو، ومكامنهم، ومواضعهم، وقربهم، وبعدهم فإذا خرج خارج بغير إذنه لم يأمن أن يصادف كميناً للعدوِّ فيأخذه ... )) (٦).
ولمِا تقدم لا يجوز لأحد من أفراد رعية الإمام المسلم – وإن كان عاصياً – أن يخرج إلى الجهاد إلا بإذنه على حسب ما تقدم. قال الإمام
стр. 20
الخرقي ﵀: ((ويُغزى مع كل برٍّ وفاجرٍ))، قال ابن قدامة: ((يعني مع كل إمام)) (١).
ولا يجوز لأحد من رعية الإمام أن يدعو الناس إلى الجهاد بدون إذن الإمام؛ لما في ذلك من المفاسد، والأضرار، ومخالفة إمام المسلمين الذي أمرنا الله بطاعته. وعلى كل مسلم أن يسأل أهل العلم إن لم يعلم؛ ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ((والواجب أن يُعتبر في أمور الجهاد برأي أهل الدين الصحيح، في الباطن الذين لهم خبرة بما عليه أهل الدنيا، فأما أهل الدنيا الذين يغلب عليهم النظر في ظاهر الدين فلا يؤخذ برأيهم، ولا برأي أهل الدين الذين لا خبرة لهم في الدنيا)) (٢).
ومما يؤكد أهمية السمع والطاعة ما حصل للصحابة مع رسول الله ﷺ في صلح الحديبية حينما اشتد عليهم الكرب بمنعهم من العمرة، وما رأوا من غضاضة على المسلمين في الظاهر، ولكنهم امتثلوا أمر رسول الله ﷺ فكان ذلك فتحاً قريباً، وخلاصة ذلك أن سهيل بن عمرو قال للنبي ﷺ حينما كتب: بسم الله الرحمن الرحيم: أكتب باسمك اللهم، فوافق معه النبي ﷺ على ذلك، ولم يوافق سهيل على كتب محمد رسول الله، فتنازل النبي ﷺ وأمر أن يكتب محمد بن عبد الله، ومنع سهيل في الصلح أن تكون العمرة في هذا العام، وإنما في العام المقبل، وفي الصلح أن من أسلم
стр. 21
من المشركين يرده المسلمون، ومن جاء من المسلمين إلى المشركين لا يُردُّ، وأول من نُفِّذ عليه الشرط أبو جندل بن سهيل بن عمرو، فردّه النبي ﷺ بعد محاورة عظيمة، وحينئذ غضب الصحابة لذلك حتى قال عمر ﵁ للنبي ﷺ : ألست نبي الله حقّاً؟ قال: ((بلى))، قال: ألسنا على الحقّ، وعدوُّنا على الباطل؟ قال: ((بلى))، قال: فَلِمَ نعطي الدنية في ديننا إذاً؟ قال: ((إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري))، قال عمر: فَعَمِلْتُ لذلك أعمالاً، فلما فرغ الكتاب أمر النبي ﷺ الناس أن ينحروا ويحلقوا فلم يفعلوا، فدخل على أم سلمة ﵂ فشكا ذلك فقالت: انحر واحلق فخرج فنحر، وحلق، فنحر الناس وحلقوا حتى كاد يقتل بعضهم بعضاً (١)، فحصل بهذا الصلح من المصالح ما الله به عليم، ونزلت سورة الفتح، ودخل في السنة السادسة والسابعة في الإسلام مثل ما كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر، ثم دخل الناس في دين الله أفواجاً بعد الفتح في السنة الثامنة.
وهذا ببركة طاعة الله ورسوله؛ ولهذا قال سهيل بن حنيف ﵁: ((اتهموا رأيكم، رأيتني يوم أبي جندل لو أستطيع أن أردّ أمر النبي ﷺ لرددته)) (٢). وهذا يدل على مكانة الصحابة ﵃ وتحكيمهم رسول الله ﷺ ،
стр. 22
فحصل لهم من الفتح والنصر ما حصل ولله الحمد والمنة.
الضابط الرابع: الاعتصام بالكتاب والسنة وخاصة أيام الفتن:
يجب على المسلم أن يعتصم بالكتاب والسنة وخاصة في أيام الفتن؛ ولهذا حذَّر النبي ﷺ من الفتن واستعاذ منها، وأمر بلزوم جماعة المسلمين، فقال ﷺ : ((تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن)) (١)، وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((يتقارب الزمان، وينقص العمل، ويُلقى الشح، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج)) قالوا: يا رسول الله، أيما هو؟ قال: ((القتل، القتل)). وفي لفظ: ((يتقارب الزمان، وينقص العلم ... )) (٢).
وقد بيّن النبي ﷺ أنه لا يأتي زمان إلا والذي بعده أشرّ منه، فعن الزبير بن عدي قال: أتينا أنس بن مالك فشكونا إليه ما يلقون من الحجاج فقال: ((اصبروا فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده أشر منه حتى تلقوا ربكم)) سمعته من نبيكم ﷺ (٣).
وحث النبي ﷺ على الأعمال الصالحة قبل الانشغال عنها بما يحدث من الفتن الشاغلة المتكاثرة، فقال: ((بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ فِتَناً كَقِطَعِ اللَّيْلِ
стр. 23
المُظلمِ، يُصبحُ الرَّجلُ مُؤمِناً ويُمْسِي كَافراً، أو يُمْسِي مُؤمِناً ويُصْبِحُ كَافراً، يَبيعُ دِينَه بعَرَضٍ مِنَ الدُّنيا)) (١).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ستكون فتنٌ القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، ومن تشرَّف لها تستشرفه، ومن وجد ملجأ أو معاذاً فليعذ به)) (٢).
والمخرج من جميع الفتن المضلة التمسك بالكتاب والسنة، ولزوم جماعة المسلمين وإمامهم؛ لأن من خالف ذلك فهو من الضالين.
قال الله : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُّبِينًا﴾ (٣)، وقال : ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ (٤).
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ (٥)، وقال تعالى فيمن
стр. 24
يخالف أمر النبي ﷺ : ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١).
وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: ((وَجُعِلَ الذُّلُّ والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم)) (٢)، وجاء في السنن والمسانيد ما أُثر عن النبي ﷺ أنه قال: ((لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكة (٣) يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: بيننا وبينكم هذا القرآن، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرَّمناه، ألا وإني أُوتيتُ الكتاب ومثله معه ألا وإنه مثل القرآن أو أعظم)) (٤).
стр. 25
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀: ((فعلى كل مؤمن أن لا يتكلم في شيء من الدين إلا تبعاً لما جاء به الرسول ﷺ ، ولا يتقدم بين يديه، بل ينظر ما قال فيكون قوله تبعاً لقوله، وعمله تبعاً لأمره، فهكذا كان الصحابة ﵃، ومن سلك سبيلهم من التابعين لهم بإحسان، وأئمة المسلمين؛ فلهذا لم يكن أحد منهم يعارض النصوص بمعقوله، ولا يؤسس ديناً غير ما جاء به الرسول ﷺ ، وإذا أراد معرفة شيء من الدين نظر فيما قاله الله والرسول ﷺ فمنه يتعلم، وبه يتكلم، وفيه ينظر، وبه يستدل، فهذا أصل أهل السنة)) (١).
ولا شك أن الاختلاف يسبب الشرور الكثيرة، والفرقة، والعذاب؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٢).
وقد بيّن النبي ﷺ بقوله: ((افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة))، قيل: من هم يا رسول الله، قال: ((هم من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي)) وفي لفظ: ((الجماعة)) (٣)
стр. 26
أي: هم من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي.
وعن حذيفة ﵁ قال: ((كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كُنَّا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: ((نعم)) قلت: هل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: ((نعم وفيه دخن))، قلت: وما دخنه؟ قال: ((قوم يستنون بغير سنتي ويهتدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر)) فقلت: هل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: ((نعم دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها)). فقلت: يا رسول الله صفهم لنا، قال: ((نعم، قوم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا))، قلت: يا رسول الله، فما ترى إن أدركني ذلك؟ قال: ((تلزم جماعة المسلمين وإمامهم))، فقلت: فإن لم تكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: ((فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك)) (١).
قال الإمام النووي – ﵀: ((وفي حديث حذيفة هذا: لزوم
стр. 27
جماعة المسلمين، وإمامهم، ووجوب طاعته، وإن فسق، وعمل المعاصي: من أخذ الأموال، وغير ذلك فتجب طاعته في غير معصية، وفيه معجزات لرسول الله ﷺ ، وهي هذه الأمور التي أخبر بها وقد وقعت كلها)) (١).
ولا شك أن أمة محمد ﷺ لا تزال فيهم طائفة على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى تقوم الساعة؛ لحديث معاوية ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا تزال طائفةٌ من أمتي قائمةً بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم، أو خالفهم حتى يأتي أمر الله، وهم ظاهرون على الناس)) (٢).
стр. 28
المبحث الخامس: أنواع الجهاد في سبيل الله
الجهاد في سبيل الله أنواع منها ما يلي:
النوع الأول: جهاد الكفار وهو نوعان: جهاد الطلب، وجهاد الدفع (١).
النوع الثاني: جهاد المنافقين، والمرتدين (٢).
النوع الثالث: جهاد البغاة المعتدين الذين يخرجون على الإمام المسلم ولهم تأويل سائغ وشوكة، وفيهم منعة وقوة (٣)، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ* إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٤)، وعن عرفَجَة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إنه ستكون هناتٌ وهناتٌ (٥) فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي
стр. 29
جميع فاضربوه بالسيف كائناً من كان))، وفي لفظ: ((من أتاكم وأمرُكُم جميعٌ على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه)) (١).
النوع الرابع: الدفاع عن الدين، والنفس، والأهل، والمال . ويدخل في هذا النوع جهاد قطاع الطرق (٢)، وعن سعيد بن زيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من قُتِل دون ماله فهو شهيد، ومن قُتِل دون أهله فهو شهيد، ومن قُتِل دون دينه فهو شهيد، ومن قُتِل دون دمه فهو شهيد)) (٣)، وعن عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال لخالد بن العاص: أما علمت أن رسول الله ﷺ قال: ((من قُتِلَ دون ماله فهو شهيد)) (٤).
وعن مخارق ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: الرجل يأتيني يريد مالي؟ قال: ((ذكِّرهُ بالله)) قال فإن لم يذكر؟ قال: ((فاستعن عليه من
стр. 30
حولك من المسلمين))، قال: فإن لم يكن حولي أحد من المسلمين؟ قال: ((فاستعن عليه السلطان)) قال: فإن نأى السلطان عني [وعجل عليَّ] قال: ((قاتل دون مالك حتى تكون من شهداء الآخرة أو تمنع مالك)) (١).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: ((فلا تعطه مالك)) قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: ((قاتله)) قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: ((فأنت شهيد)) قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: ((هو في النار)) (٢).
стр. 31
المبحث السادس: أهداف الجهاد والحكمة من مشروعيته
بيَّن الله الحكمة والغاية من الجهاد في سبيل الله تعالى، قال سبحانه: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للَّهِ فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (١)، وقال : ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لله فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (٢).
قال الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ في المقصود من الجهاد: ((الجهاد نوعان: جهاد طلب وجهاد دفاع والمقصود منهما جميعاً هو تبليغ دين الله، ودعوة الناس إليه، وإخراجهم من الظلمات إلى النور، وإعلاء دين الله في أرضه، وأن يكون الدين كله لله وحده ... )) ثم قال رحمه الله تعالى بعد أن أورد الآيتين السابقتين، وقال في سورة التوبة: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (٣)، والآيات في هذا المعنى كثيرة، وقال النبي ﷺ : ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام
стр. 32
وحسابهم على الله )) (١)، انتهى كلامه ﵀ (٢)، فعلى هذا تكون أهداف الجهاد، والحكمة من مشروعيته على النحو الآتي:
الهدف الأول: إعلاء كلمة الله تعالى ؛ لحديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل ليُذكر، والرجل يقاتل ليُرى مكانه، فمن في سبيل الله؟ قال: ((من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)) (٣).
الهدف الثاني: نصر المظلومين ، قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾ (٤).
الهدف الثالث: رد العدوان وحفظ الإسلام ، قال الله تعالى: ﴿الشَّهْرُ
المبحث السابع: فضل الجهاد في سبيل الله تعالى
جاء في فضل الجهاد نصوص كثيرة وأنواع من الثواب الجزيل ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر ما يأتي:
١ - الجهاد في سبيل الله تجارة رابحة:
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (١)، وقد بيّن الله تعالى الصفات الجميلة، والأعمال الجليلة لهؤلاء الأبطال الذين وعدهم الله بهذه البشارة، فقال تعالى: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ (٢) الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣)، وقال تعالى في تجارة المجاهدين الرابحة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ* يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ
стр. 35
ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١)، وقال : ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٢).
٢ - فضل الرباط في سبيل الله تعالى:
الثغور التي يمكن أن تكون منافذ ينطلق منها العدو إلى دار الإسلام يجب أن تُحصَّن تحصينًا منيعًا حتى لا تكون جانب ضعف يستغله العدو، ويجعله منطلقًا له؛ ولهذا جعل الله للمرابطين في سبيله الثواب العظيم، فعن سلمان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأُجري عليه رزقه، وأمن الفُتَّان (٣))) (٤).
٣ - فضل الحراسة في سبيل الله تعالى:
عن أبي ريحانة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((حُرّمت النار على عين دمعت أو بكت من خشية الله، وحُرِّمت النار على عين سهرت
стр. 36
في سبيل الله)) (١)، وعن ابن عباس ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله)) (٢).
٤ - فضل الغدوة أو الروحة في سبيل الله:
عن سهل بن سعد ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد في سبيل الله أو الغدوة خير من الدنيا وما عيها)) (٣)، وعن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((لغدوةٌ في سبيل الله أو روحةٌ خير من الدنيا وما فيها)) (٤)(٥).
стр. 37
٥ - فضل من اغبرَّت قدماه في سبيل الله:
عن عبد الرحمن بن جبر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((ما اغبرت قدما عبد في سبيل الله فتمسه النار)) (١)، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع، ولا يجتمع على عبد غبار في سبيل الله ودخان جهنم)) (٢).
٦ - الجنة تحت ظلال السيوف:
عن عبد الله بن أبي أوفى ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((أيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف)) (٣).
٧ - الجهاد لا يعدله شيء:
عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: دلّني على عمل يعدل الجهاد؟ قال: ((لا أجده))، قال: ((هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتر، وتصوم ولا تفطر))؟ قال:
стр. 38
ومن يستطيع ذلك؟ (١).
٨ - درجات المجاهدين في سبيل الله:
عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((إن في الجنة مائة درجة أعدّها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجَّر أنهار الجنة)) (٢).
٩ - ضيافة الشهداء عند ربهم:
عن المقدام بن مَعْدِيكرب، عن رسول الله ﷺ قال: ((للشهيد عند الله ستُّ خصال: يغفرُ له في أول دُفعة من دمه، ويُرى مقعده من الجنة، ويُجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويُحلَّى حلية الإيمان، ويُزوّج من الحور العين، ويُشفَّع في سبعين إنسانًا من أقاربه)) (٣)، وفي حديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال في وصف الحور العين: ((ولو أن امرأة من أهل الجنة اطلعت إلى الأرض لأضاءت ما بينهما ولملأته ريحًا، ولنصيفها (٤) على
стр. 39
رأسها خير من الدنيا وما فيها)) (١).
١٠ - دم الشهيد يوم القيامة:
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((والذي نفسي بيده لا يُكلم (٢) أحد في سبيل الله والله أعلم بمن يُكلم في سبيله إلا جاء يوم القيامة واللون لون الدم والريح ريح المسك)) (٣).
١١ - تمني الشهيد أن يقتل عشر مرات:
عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((ما من عبد يموت له عند الله خير يسره أن يرجع إلى الدنيا وأن له الدنيا وما فيها، إلا الشهيد؛ لما يرى من فضل الشهادة ... )). وفي لفظ: ((ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض من شيء، إلا الشهيد يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات؛ لما يرى من الكرامة)) (٤).
стр. 40
١٢ - أرواح الشهداء تسرح في الجنة:
سُئل عبد الله بن مسعود ﵁ عن هذه الآية: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (١)، قال: أما إنا قد سألنا عن ذلك، فقال: ((أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع عليهم ربهم اطلاعة، فقال: هل تشتهون شيئًا؟ قالوا: أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا)) (٢).
١٣ - ما يجد الشهيد من ألم القتل:
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((الشهيد لا يجد مَسَّ القتل إلا كما يجد أحدكم القرصة يُقرصُها)) (٣).
١٤ - فضل النفقة في سبيل الله تعالى:
قال تعالى: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ واللَّهُ وَاسِعٌ