والبنصر ويحلّق الإبهام مع الوسطى، ويجعل حد مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى؛ لحديث وائل بن حجر ﵁ يرفعه، وفيه: ((فاستقبل القبلة فكبر فرفع يديه حتى حاذتا أذنيه، ثم أخذ شماله بيمينه، فلما أراد أن يركع رفعهما مثل ذلك ووضع يديه على ركبتيه، فلما رفع رأسه من الركوع رفعهما مثل ذلك، فلما سجد وضع رأسه بذلك المنزل من يديه، ثم جلس فافترش رجله اليسرى ووضع يده اليسرى على فخذه اليسرى، وحدّ مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، وقبض اثنتين وحلَّق حلقة - ورأيته يقول: هكذا - وأشار بشر بالسبابة من اليمنى وحلق الإبهام والوسطى)) (١)، وهذا اختيار الإمام ابن القيم-﵀ (٢)
أن المصلي يفعل هذه الصفة بين السجدتين (٣).
стр. 387
١٩ - يقول بين السجدتين: ((ربِّ اغفرْ لي، ربِّ اغفر لي))؛ لحديث حذيفة ﵁ يرفعه: ((وكان يقعد بين السجدتين نحواً من سجوده وكان يقول: ((ربّ اغفر لي، رب اغفر لي)) (١). وإن شاء زاد على ذلك فقال: ((اللهم اغفر لي، وارحمني [وعافني، واهدني] واجبرني، وارزقني، وارفعني))؛ لحديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ كان يقول بين السجدتين: ((اللهم اغفر لي، وارحمني، وعافني، واهدني، وارزقني)) (٢)، ولفظ ابن ماجه: ((ربِّ اغفر لي، وارحمني، واجبرني، وارزقني، وارفعني)) (٣).
وكان النبي ﷺ يطيل هذا الركن بقدر السجود (٤)؛ لحديث البراء ﵁ قال: ((كان ركوع النبي ﷺ وسجوده، وبين السجدتين، وإذا رفع رأسه من
стр. 388
الركوع، ما خلا القيام والقعود قريباً من السواء)) (١).
٢٠ - يسجد السجدة الثانية مكبّراً، ويفعل فيها كما فعل في السجدة الأولى؛ لحديث أبي هريرة ﵁ في حديث المسيء صلاته: ((ثم اسجد حتى تَطمئنَّ ساجداً، ثم ارفع حتى تَطمئنَّ جالساً، ثم اسجدْ حتى تَطمئنَّ ساجداً، ثم افعلْ ذلك في صلاتك كلها)) (٢)؛ ولحديثه ﵁ وفيه: ((ثم يُكبِّر حين يَهوي ساجداً، ثم يكبر حين يرفع رأسه من السجود، ثم يُكبِّر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يفعل ذلك في الصلاة كلها، حتى يقضيها، ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس)) (٣).
٢١ - يرفع رأسه مُكبّراً، ويجلس جلسة خفيفة تسمى جلسة الاستراحة؛ لحديث أبي هريرة ﵁ في قصة المسيء صلاته وفيه: ((ثم اسجدْ حتى تطمئنَّ ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها))، قال أبو أسامة في الأخير: ((حتى تستوي قائماً)) (٤)؛ ولحديثه الآخر، وفيه: ((ثم يكبر حين يرفع رأسه ثم يفعل ذلك في الصلاة كلها حتى يقضيها، ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس)) (٥)، أما جلسة الاستراحة؛ فلحديث مالك بن الحويرث ﵁: ((أنه رأى النبي ﷺ يصلّي فإذا
стр. 389
كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستويَ قاعداً)) (١)، وجاءت جلسة الاستراحة في لفظ آخر من حديث مالك: ((أنه صلى بأصحابه، فكان يجلس إذا رفع رأسه من السجود قبل أن ينهض في الركعة الأولى)) (٢).
وقد ذكرت هذه القعدة في بعض ألفاظ رواية حديث المسيء صلاته، ولفظها: ((ثم اسجدْ حتى تطمئنَّ ساجداً، ثم ارفعْ حتى تطمئنَّ جالساً، ثم اسجدْ حتى تطمئنَّ ساجداً، ثم ارفعْ حتى تطمئنَّ جالساً، ثم افعلْ
ذلك في صلاتك كلها)) (٣)، وجاءت هذه الجلسة من حديث أبي حُميد وفيه: ((ثم يهوي إلى الأرض فيجافي يديه عن جنبيه، ثم يرفع رأسه
ويثني رجله اليسرى فيقعد عليها ويفتح أصابع رجليه إذا سجد،
ثم يسجد، ثم يقول: الله أكبر، ويرفع رأسه ويثني رجله اليسرى فيقعد عليها، حتى يرجع كل عظم إلى موضعه (٤)،ثم يصنع في الأخرى
стр. 390
مثل ذلك)) (١).
٢٢ - ينهض على صدور قدميه وركبتيه مكبّراً قائماً إلى الركعة الثانية، معتمداً على فخذيه إن تيسر له ذلك؛ لحديث وائل وفيه: ((وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه)) (٢)، وإن شقَّ عليه اعتمد على الأرض؛ لحديث مالك بن الحويرث، وفيه: ((وإذا رفع رأسه من السجدة الثانية جلس واعتمد على الأرض ثم قام)) (٣).
٢٣ - يصلي الركعة الثانية كالأولى؛ لقوله ﷺ للمسيء صلاته: ((ثم افعلْ ذلك في صلاتك كلها)) (٤) إلا في خمسة أمور:
الأمر الأول: تكبيرة الإحرام، فلا يكبر تكبيرة الإحرام؛ لأنها للدخول في الصلاة.
الأمر الثاني: السكوت فلا يسكت في الركعة الثانية؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: ((كان رسول الله ﷺ إذا نهض للركعة الثانية استفتح القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ولم يسكت)) (٥).
стр. 391
الأمر الثالث: الاستفتاح، فلا يستفتح في الركعة الثانية؛ لأن الاستفتاح تفتتح به الصلاة بعد تكبيرة الإحرام؛ لحديث أبي هريرة ﵁: ((كان رسول الله ﷺ إذا نهض للركعة الثانية استفتح القراءة بـ ((الحمد لله رب العالمين)) (١).
الأمر الرابع: لا يُطوِّلها كالأولى؛ بل تكون أقصر من الأولى في كل صلاة؛ لحديث أبي قتادة ﵁ وفيه: ((يُطوِّل في الأولى ويُقصِّر في الثانية)) (٢). وكان ﷺ يُطوِّل الأوليين ويُقصِّر الأخريين من كل صلاة (٣).
الأمر الخامس: لا يجدد النية؛ للاكتفاء باستصحابها؛ لأنه لو نوى الدخول بنية جديدة في الركعة الثانية لبطلت الركعة الأولى لقطعه استصحاب النية (٤).أما التعوذ فقيل: يشرع في كل ركعة؛ لأنه حال بين القراءتين أذكار وأفعال فيستعيذ بالله من الشيطان الرجيم في كل ركعة؛ ولقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (٥)، وهذا هو الأفضل (٦)، وقيل: تختص الاستعاذة بالركعة
стр. 392
الأولى؛ لأن الصلاة جملة واحدة لم يتخلل القراءتين فيها سكوت، بل ذكر، فالقراءة فيها كلها كالقراءة الواحدة فيكفي فيها استعاذة واحدة (١)، إلا إذا لم يستعذ في الركعة الأولى فيتعوذ في الثانية (٢).
وأما البسملة فتستحب في كل ركعة؛ لأنها تستفتح بها السورة (٣).
٢٤ - إذا كانت الصلاة ثنائية: أي ركعتين: كصلاة الفجر، والجمعة، والعيدين، جلس للتشهد بعد فراغه من السجدة الثانية من الركعة الثانية، ناصباً رجله اليمنى، مفترشاً رجله اليسرى؛ لحديث أبي حُميد ﵁ يرفعه وفيه: ((وإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى)) (٤)،وصفة جلوسه في هذا كجلوسه بين السجدتين سواء (٥)،فيضع يده اليسرى على فخذه اليسرى أو ركبته اليسرى، ويضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ويقبض أصابع اليمنى كلها إلا السبابة فيشير بها إلى التوحيد؛ لحديث ابن عمر ﵄: ((أن رسول الله ﷺ كان إذا جلس في الصلاة وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى وقبض أصابعه كلها، وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام، ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى)) (٦)،أو يُحَلِّق الإبهام والوسطى، ويقبض الخنصر والبنصر، ويشير بالسبابة؛ لحديث وائل بن حجر ﵁ قال: ((رأيت النبي ﷺ قد
стр. 393
حلَّق الإبهام والوسطى ورفع التي تليها يدعو بها في التشهد)) (١)،
أو يعقد ثلاثاً وخمسين ويشير بالسبابة، وصفتها أن يجعل الإبهام
مفتوحة تحت المسبِّحة، وهي أن يجعل الإبهام في أصل الوسطى أو
يعطف الإبهام إلى أصلها (٢) لحديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ
كان إذا قعد في التشهد وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى
ووضع يده اليمنى على ركبته اليمنى (٣)،
وعقد ثلاثاً وخمسين (٤)، وأشار
стр. 394
بالسبابة)) (١) فظهر ثلاثة أنواع لليد اليمنى:
النوع الأول: قبض الأصابع كلها، والإشارة بالسبابة.
النوع الثاني: تحليق الإبهام والوسطى، وقبض الخنصر والبنصر، والإشارة بالسبابة.
النوع الثالث: عقد ثلاثاً وخمسين، والإشارة بالسبابة، وكلها صحيحة، وينظر أثناء جلوسه إلى إشارة سبابته؛ لحديث عبد الله بن الزبير ﵁: ((أن رسول الله ﷺ كان إذا قعد في التشهد وضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى، وأشار بالسبابة، لا يجاوز بصره إشارته)) (٢)؛ ولحديث عبد الله بن عمر ﵄ وفيه: ((فوضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام في القبلة، ورمى ببصره إليها أو
стр. 395
نحوها، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يصنع)) (١).
ويشير بالسبابة عند ذكر الله حال الدعاء موجهة إلى القبلة، هذا هو السنة (٢) يحركها إلى القبلة عند ذكر الله تعالى يدعو بها (٣)،
ولا يحركها في غير ذكر الله والدعاء، بل تبقى منصوبة (٤)، ويدل على تحريكها عند الدعاء حديث وائل بن حجر ﵁ وفيه: ((ثم قعد وافترش رجله اليسرى، ووضع كفه اليسرى على فخذه وركبته اليسرى، وجعل حدَّ مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، ثم قبض اثنتين من أصابعه وحلَّق
стр. 396
حلقة، ثم رفع إصبعه فرأيته يحركها يدعو بها)) (١)،ودلَّ على عدم تحريكها دائماً حديث عبد الله بن الزبير ﵄: ((أن النبي ﷺ كان يشير بإصبعه إذا دعا ولا يحرِّكها)) (٢)، فالجمع بين الحديثين سهل: فنفي التحريك يراد به التحريك الدائم، وإثبات التحريك يراد به التحريك عند الدعاء (٣)،
وتكون الإشارة بالسبَّاحة من اليد اليمنى، وقد أمر النبي ﷺ بالإشارة بإصبع واحدة، فعن أبي هريرة ﵁ أن رجلاً كان يدعو بإصبعيه فقال رسول الله ﷺ : ((أحِّدْ، أحِّدْ)) (٤) وعن سعد قال: مرَّ عليَّ رسول الله ﷺ وأنا أدعو بأصابعيَّ، فقال: ((أحِّدْ، أحِّدْ)) وأشار بالسبابة (٥)، والحكمة في الإشارة بالسبَّاحة إلى أن المعبود واحد، وينوي بالإشارة التوحيد والإخلاص فيه، فيكون جامعاً في التوحيد بين القول، والفعل،
стр. 397
والاعتقاد (١)،
فعلى ما تقدم يشير بالسبَّاحة عند ذكر الله يدعو بها (٢).
٢٥ - يقرأ التشهد في هذا الجلوس، فيقول: ((التحيات لله، والصلوات، والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا
وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله [وحده لا شريك له]
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله)) (٣)، وهذا أصح ما ثبت في
التشهد (٤)
ثم يقول: ((اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت
стр. 398
على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد)) (١)، وهذا أكمل ما ثبت في الصلاة عن النبي ﷺ (٢)،
ويستعيذ بالله من
стр. 399
أربع: فيقول: ((اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال))؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا تشهد أحدُكم فليستعِذْ بالله من أربعٍ، يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم .. الحديث)). ولفظ مسلم: ((إذا فرغ أحدُكم من التشهد الآخر، فليتعوَّذْ بالله من أربعٍ: من
стр. 400
عذاب جهنم ... الحديث)) (١)، ويدعو بما شاء، ومن ذلك ما يلي:
أولاً: عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يدعو في الصلاة: ((اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، اللهم إني أعوذ بك من المأثَم والمغرَم)) قالت: فقال له قائل: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم يا رسول الله! فقال: ((إن الرجل إذا غرم حدَّث فكذَب ووعدَ فأخلَف)) (٢).
ثانياً: ((اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم))؛ لحديث أبي بكر ﵁ أنه قال لرسول الله ﷺ : علمني دعاءً أدعو به في صلاتي، قال: ((قل اللهم ... )) الحديث (٣). وفي رواية لمسلم: ((علمني دعاءً أدعو به في صلاتي وفي بيتي)) (٤).
ثالثاً: ((اللهم اغفر لي ما قدَّمْتُ، وما أخَّرتُ، وما أسررْتُ، وما أعلنتُ، وما أنت أعلمُ به مني، أنت المقدِّم، وأنت المؤخِّر، لا إله إلا أنت))؛ لحديث علي بن أبي طالب ﵁ وفيه: ثم يكون من آخر ما يقول
стр. 401
بين التشهد والتسليم: ((اللهم اغفر لي ... )) الحديث (١).
رابعاً: ((اللهم إني أعوذ بك من البخل، وأعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك [من] أن أُردّ إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، وأعوذ بك من عذاب القبر))؛ لحديث سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه كان يعلِّم بنيه هؤلاء الكلمات كما يعلم الغلمان الكتابة ويقول: ((إن رسول الله ﷺ كان يتعوذ منهن دبر الصلاة)) (٢). وفي رواية: ((كان النبي ﷺ يعلمنا هؤلاء الكلمات كما تُعلَّم الكتابةُ)) (٣).
خامساً: ((اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك)) لحديث معاذ ﵁ أن رسول الله ﷺ أخذ بيده، وقال: ((يا معاذ، والله إني لأحبك، والله إني لأحبك)) فقال: ((أوصيك يا معاذ، لا تَدَعَنَّ دُبُرَ كلِّ صلاةٍ تقول: اللهم أعني ... )) الحديث (٤).
سادساً: ((اللهم إني أسألك الجنة وأعوذ بك من النار))؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لرجلٍ: ((ما تقول في الصلاة؟)) قال: أتشهد، ثم أسأل الله الجنة وأعوذ به من النار، أما والله ما أُحسنُ دندنَتَك، ولا دندنةَ مُعاذ، قال: ((حولها نُدندِنُ)) (٥).
стр. 402
سابعاً: ((اللهم إني أسألك يا الله بأنك الواحد، الأحد، الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، أن تغفر لي ذنوبي إنك أنت الغفور الرحيم))؛لحديث مِحْجَن بن الأدرع أن رسول الله ﷺ دخل المسجد، فإذا هو برجل قد قضى صلاته، وهو يتشهد، ويقول: ((اللهم إني أسألك يا الله .. )) وفي آخره فقال رسول الله ﷺ : ((قد غفر له)) ثلاثاً (١).
ثامناً: ((اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، المنان، بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم إني أسألك ... ]؛ لحديث أنس ﵁ أنه كان مع رسول الله ﷺ جالساً، ورجل يصلي، ثم دعا: ((اللهم إني أسألك بأن لك الحمد ... )) الحديث وفي آخره، فقال النبي ﷺ : ((لقد دعا الله باسمه العظيم الذي إذا دُعيَ به أجاب، وإذا سُئلَ به أَعطَى)) (٢).
تاسعاً: ((اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت، الأحد، الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد))؛ لحديث بريدة ﵁ أن رسول الله ﷺ سمع رجلاً يقول: ((اللهم إني أسألك ... )) الحديث، وفي آخره، فقال رسول الله ﷺ : ((والذي نفسي بيده لقد سأل
стр. 403
الله باسمه الأعظم الذي إذا دُعيَ به أجاب، وإذا سُئلَ به أعطى)) (١).
عاشراً: ((اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، أحيني ما علمت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا علمت الوفاة خيراً لي، اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق في الرضى والغضب، وأسألك القصد في الغنى والفقر، وأسألك نعيماً لا ينفدُ، وأسألك قرة عين لا تنقطع، وأسألك الرضا بعد القضاء، وأسألك بَرْدَ العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مُضرَّة ولا فتنة مُضلَّة، اللهم زيِّنا بزينة الإيمان، واجعلنا هداةً مهتدين))؛ لحديث عمار ﵁ أنه صلى بأصحابه فأوجز في صلاته، فقال له بعض القوم: لقد خففت أو أوجزت الصلاة، فقال: أمَّا على ذلك فقد دعوت فيها بدعوات سمعتهن من رسول الله ﷺ ، ثم ذكر هذه الدعوات (٢).
ويدعو بما يشاء من خير الدنيا والآخرة، وإذا دعا لوالديه أو غيرهما من المسلمين فلا بأس، سواء كانت الصلاة فريضة أو نافلة، لعموم قول النبي ﷺ لابن مسعود ﵁ لَمَّا علمه التشهد: ((ثم ليتخيّرْ من الدعاء أعجبه إليه فيدعو)) وفي لفظ: ((ثم ليتخيّرْ من المسألة ما شاء)) (٣)، وهذا يعمّ جميع ما ينفع في الدنيا والآخرة (٤).
стр. 404
٢٦ - ثم يسلِّم عن يمينه وشماله قائلاً: ((السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله))؛ لحديث جابر بن سمرة ﵁ قال: كنا إذا صلينا مع رسول الله ﷺ قلنا: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، فقال رسول الله ﷺ : ((علام تُومئون بأيديكم كأنها أذناب خيلٍ شُمُسٍ، إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه ثم يسلم على أخيه، من على يمينه وشماله)) (١)،وعن أبي معمر أن أميراً كان بمكة يُسلِّمُ تسليمتين، فقال عبد الله: أنَّى عَلِقَها؟ (٢) قال الحكم في حديثه: ((إن رسول الله ﷺ كان يفعله)) (٣)،وعن عامر بن سعد عن أبيه قال: ((كنت أرى رسول الله ﷺ يُسلِّم عن يمينه وعن يساره حتى أرى بياض خده)) (٤)، وينصرف عن يمينه وعن شماله لا حرج في شيء من ذلك (٥).
٢٧ - إن كانت الصلاة ثلاثية: كصلاة المغرب، أو رباعية: كالظهر، والعصر، والعشاء، اكتفى بالتشهد الأول والأفضل أن يصلي على النبي ﷺ (٦)
стр. 405
كما تقدّم آنفاً، ثم ينهض على صدور قدميه وعلى ركبتيه معتمداً على فخذيه مكبراً رافعاً يديه حذو أذنيه أو منكبيه؛ لحديث وائل ﵁، وفيه: ((وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه)) (١)؛ ولحديث عبد الله بن عمر ﵄ وفيه: ((وإذا قام من الركعتين رفع يديه)) (٢)؛ ولحديث أبي حُميد الساعدي ﵁ وفيه: ((ثم إذا قام من الركعتين كبَّر ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه كما كبر عند افتتاح الصلاة ثم يصنع ذلك في بقية صلاته)) (٣)، ويضع يديه على صدره؛ لحديث وائل بن حجر ﵁ وفيه: ((رأيت رسول الله ﷺ إذا كان قائماً في الصلاة قبض يمينه على شماله)) (٤)، ويقرأ الفاتحة سرّاً فقط، وإن قرأ في الثالثة والرابعة من الظهر زيادة على الفاتحة في بعض الأحيان فلا بأس؛ لحديث أبي سعيد ﵁ (٥). ويصلي الثالثة من المغرب، والثالثة والرابعة من الظهر والعصر والعشاء كالركعة الثانية كما تقدّم؛ لقوله ﷺ في حديث
стр. 406
المسيء صلاته بعد أن علَّمه الركعة الأولى: ((ثم افعل ذلك في صلاتك كلها)) (١).
٢٨ - يجلس في التشهد الأخير متورِّكاً (٢)؛
لحديث أبي حُميد الساعدي ﵁ وفيه: ((فإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى، وإذا جلس في الركعة الآخرة قدم رجله اليسرى
ونصب الأخرى وقعد على مقعدته)) (٣). وفي لفظ: ((حتى إذا
كانت السجدة التي فيها التسليم أخّر رجله اليسرى وقعد متوركاً
على شقه الأيسر)) قالوا: صدقت هكذا كان يصلي ﷺ (٤) وهذا
هو الأفضل: أن يفترش في التشهد الأول (٥)، ويتورك في
٢٩ - يقرأ التشهد مع الصلاة على النبي ﷺ ،والدعاء بما يحب بعد الثالثة من المغرب، وبعد الرابعة من الظهر والعصر، والعشاء، كما تقدم تفصيلاً (١).
٣٠ - يُسلِّم عن يمينه وشماله، قائلاً: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله (٢).
السبب الثاني والخمسون: المحافظة على الأذكار أدبار الصلوات المفروضة:
لا شك أن مما يُعين على تثبيت الخشوع في القلب المحافظة على الأذكار المشروعة أدبار الصلوات المفروضة، وفيها من الفوائد مع ما يحصل بسبب ذلك من تثبيت الخشوع في القلب: أن المُصلِّي يستغفر ربه عمَّا حصل من التقصير في صلاته، وعما حصل من الخلل في الخشوع، ولا شك أن الأذكار بعد الصلاة مما يجبر النقص فيها، وقد شرع رسول الله ﷺ أذكاراً ودعواتٍ أدبار الصلوات المفروضة وهي على النحو الآتي:
أولاً: ((أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام))؛ لحديث ثوبان ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثاً، وقال: ((اللهم أنت السلام ... )) الحديث (٣). وعن عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ إذا سلّم لم يقعد إلا مقدار ما يقول: ((اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت
стр. 409
يا ذا الجلال والإكرام)) (١)، ومقصودها ﵂: لم يقعد مستقبل القبلة إلا مقدار هذا الدعاء ثم يستقبل الناس بوجهه؛ ولحديث سمرة ﵁: ((كان النبي ﷺ إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه)) (٢).
ثانياً: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير)) ثلاث مرات؛ لحديث المغيرة ﵁ ولفظه: عن ورَّاد كاتب المغيرة بن شعبة: أن معاوية كتب إلى المغيرة: أن اكتب إليّ بحديث سمعته من رسول الله ﷺ ، قال: فكتب إليه المغيرةُ: إني سمعته يقول عند انصرافه من الصلاة: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير)) [ثلاث مرات] قال: وكان ينهى عن قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال، ومنعٍ وهات، وعقوق الأمهات، ووأد البنات)) (٣).
ثالثاً: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد [يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير] (٤)، وهو على كل شيء قدير،
стр. 410
اللهم لا مانعَ لما أعطيتَ، ولا مُعطيَ لما منعتَ [ولا رادّ لما قضيتَ] (١)، ولا ينفع ذا الجدِّ منك الجدُّ))؛لحديث المغيرة ﵁ فعن ورَّاد مولى المغيرة بن شعبة قال: كتب المغيرة إلى معاوية بن أبي سفيان ﵁:أن رسول الله ﷺ كان يقول دبر كل صلاة إذا سلم: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له ... )) الحديث (٢).
رابعاً: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون))؛ لحديث عبد الله بن الزبير ﵄ أنه كان يقولها في دبر كل صلاة حين يسلم ... ثم قال: ((كان رسول الله ﷺ يُهَلِّل بهن دبر كل صلاة)) (٣).
خامساً: ((سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر (ثلاثاً وثلاثين) لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير))؛ لحديث أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: ((من سبَّحَ الله دُبُرَ كلِّ صلاةٍ ثلاثاً وثلاثين، وحمد الله ثلاثاً وثلاثين، وكبّر الله ثلاثاً وثلاثين، فتلك تسعة وتسعون، وقال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، غفرت خطاياه ولو كانت مثل زَبَدِ البَحْرِ)) (٤).
والتسبيح والتحميد، والتكبير وَرَدَ على عدة أنواع ينبغي للمسلم أن
стр. 411
ينوع بينها إذا شاء، فيقول هذا في صلاة، ويقول الآخر في صلاة أخرى؛ لأن في ذلك فوائد منها: اتباع السنة، وإحياء السنة، وحضور القلب (١)، ومن هذه الأنواع في التسبيح، والتحميد، والتكبير، ما يأتي:
النوع الأول: ((سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ثلاثاً وثلاثين، ويختم بلا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير)) فتكون مائة؛ لحديث أبي هريرة السابق (٢).
النوع الثاني: ((سبحان الله، ثلاثاً وثلاثين، والحمد لله ثلاثاً وثلاثين، والله أكبر أربعاً وثلاثين)) فتكون مائة؛ لحديث كعب بن عجرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: ((مُعقِّبات (٣) لا يخيب قائلُهن أو فاعلُهن دُبرَ كلِّ صلاةٍ مكتوبةٍ: ثلاثاً وثلاثين تسبيحة، وثلاثاً وثلاثين تحميدة، وأربعاً وثلاثين تكبيرة)) (٤).
النوع الثالث: ((سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ثلاثاً وثلاثين، فتلك تسعة وتسعون))؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: ذهب أهل الدثور (٥) من الأموال بالدرجات العلا، والنعيم المقيم [فقال: ((وما ذاك))؟ قالوا:] يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضل أموال يحجون بها، ويعتمرون، ويجاهدون، ويتصدقون فقال [((أفلا أُعلِّمكم شيئاً تُدركون به من سبقكم، وتَسبقون به
стр. 412
مَنْ بَعْدكم، ولا يكون أحدٌ أفضلَ منكم إلا من صنع مثلَ ما صنعتم))؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ((تُسبّحون، وتُكبّرون، وتَحْمَدون في دُبُرِ كلِّ صلاةٍ ثلاثاً وثلاثين مرة)) فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله، فقال رسول الله ﷺ : ((ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء))] (١).
النوع الرابع: ((سبحان الله)) عشر مرات ((والحمد لله)) عشر مرات)) والله أكبر ((عشر مرات))؛ لحديث عبد الله بن عمرو ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : ((خصلتان لا يُحصيهما رجل مسلم إلا دخل الجنة، وهما يَسيرٌ ومن يعمل بهما قليل)) قال رسول الله ﷺ : ((الصلوات الخمس، يُسبح أحدكم في دبر كل صلاة عشراً، ويحمد عشراً، ويُكبر عشراً، فهي خمسون ومائة في اللسان (٢)، وألف وخمسمائة في الميزان)) (٣) فرأيت رسول الله ﷺ يعقدهن بيده، ((وإذا أوى أحدُكم إلى فراشه أو مضجعه، سبّح ثلاثاً وثلاثين، وحمد ثلاثاً وثلاثين، وكبّر أربعاً وثلاثين، فهي مائة على اللسان، وألف في الميزان)) قال: قال رسول الله ﷺ : ((فأيّكم يعمل في كل يوم وليلة ألفين وخمسمائة سيئة))؟ قيل: يا رسول الله وكيف لا نحصيهما؟ فقال: ((إن الشيطان يأتي أحدَكم وهو في صلاته، فيقول: اذكرْ كذا، اذكرْ كذا، ويأتيه عند منامه، فينيمه))، وفي لفظ ابن ماجه: ((فلا يزال
стр. 413
ينوِّمه حتى ينام)) (١).
وعن أبي هريرة ﵁ يرفعه وفيه: ((تُسبّحون في دُبُرِ كل صلاة عشراً، وتَحْمَدون عشراً، وتُكبِّرون عشراً)) (٢).
النوع الخامس: ((يُسبِّح إحدى عشرة، ويَحْمَدُ إحدى عشرة، ويُكبِّر إحدى عشرة)) (٣)؛ لحديث أبي هريرة في فقراء المهاجرين، ففي رواية من روايات هذا الحديث عن سهيل عن أبيه، يقول سهيل: ((إحدى عشرة إحدى عشرة، فجميع ذلك كله ثلاثة وثلاثون)) (٤).
النوع السادس: ((سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر)) يقول ذلك كله خمساً وعشرين مرة؛ لحديث زيد بن ثابت ﵁،وثبت عن ابن عمر يرفعه أيضاً ﵄ (٥).
стр. 414
سادساً: يقرأ آية الكرسي: ﴿اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ إلى آخرها؛ لحديث أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((مَنْ قرأ آية الكرسي دُبُرَ كلِّ صلاةٍ مكتوبةٍ لم يمنعْه من دخول الجنة إلا الموتُ)). وزاد الطبراني: و ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ (١).
سابعاً: يقرأ المعوذات الثلاث: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ
الفلق﴾، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الناس﴾ دبر كل صلاة؛ لحديث عقبة بن عامر ﵁ قال: ((أمرني رسول الله ﷺ أن أقرأ بالمعوذات دُبُرَ كلّ صلاة)) (٢).
ثامناً: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت [بيده الخير] (٣) وهو على كل شيء قدير)) عشر مرات عقب صلاة الفجر وعقب صلاة المغرب؛ لحديث أبي ذر، ومعاذ، وأبي عياش الزرقي، وأبي أيوب، وعبد الرحمن بن غنم الأشعري، وأبي
стр. 415
الدرداء، وأبي أمامة، وعمارة بن شبيب السبائي ﵃ (١).
ومجموع ما في أحاديثهم ﵃ أن من قالها بعد صلاة المغرب أو صلاة الصبح عشر مرات، بعث الله له مسلحة (٢) يحرسونه من الشيطان حتى يصبح، ومن حين يصبح حتى يمسي، ورفع له عشر درجات، وكان
стр. 416
في حرزٍ من كل مكروه يومه ذلك، وكتب الله له بها عشر حسنات موجبات، ومحا عنه عشر سيئات موبقات، وكانت له كعدل عشر رقبات مؤمنات، ولم ينبغِ لذنب أن يدركه في ذلك اليوم إلا الشرك بالله)) وكان من أفضل الناس عملاً إلا رجلاً يفضله بقول أفضل مما قال.
تاسعاً: اللهم إني أسألك علماً نافعاً، ورزقاً طيباً، وعملاً مُتَقَبَّلاً)) بعد السلام من صلاة الفجر؛ لحديث أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ كان يقول إذا صلى الصبح حين يسلم: ((اللهم إني أسألك علماً نافعاً ... )) الحديث (١).
عاشراً: ((ربِّ قني عذابك يوم تبعث عبادك))؛لحديث البراء ﵁ قال: كنا إذا صلينا خلف رسول الله ﷺ أحببنا أن نكون عن يمينه، يقبل علينا بوجهه، قال: فسمعته يقول: ((ربِّ قني عذابك يوم تبعث عبادك أو تجمع عبادك)) (٢).
الحادي عشر: رفع الصوت بالذكر عند انصراف الناس من الفريضة سنة؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: ((كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله ﷺ بالتكبير)) (٣)، وفي لفظ للبخاري: ((أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي ﷺ )) (٤). قال الحافظ ابن حجر ﵀: ((فكان المراد أن رفع الصوت بالذكر: أي التكبير، وكأنهم كانوا يبدؤون بالتكبير بعد الصلاة قبل التسبيح
стр. 417
والتحميد)) (١)، وقد فسَّر ذلك ووضَّحه ما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ أن أبا صالح قال: ((الله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، حتى تبلغ من جميعهن ثلاثاً وثلاثين (٢)، فبدأ بالتكبير.
السبب الثالث والخمسون: المحافظة على السنن الرواتب قبل الفريضة وبعدها:
المحافظة على أداء السنن الرواتب التي قبل الصلاة يوقظ القلب السَّلِيم، ويهيئه للخشوع في الفريضة، والمحافظة على السنن الرواتب التي بعد الصلاة يجبر نقصها، ويجبر ما حصل من الخلل في خشوعها، وقد شرع رسول الله ﷺ هذه الرواتب؛
لحديث عائشة ﵂: أن النبي ﷺ كان لا يدع أربعاً قبل الظهر وركعتين قبل الغداة)) (٣)؛ولحديث أم حبيبة أم المؤمنين ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من صلَّى اثنتي عشرةَ ركعةً في يوم وليلة بُنِيَ له بهنَّ بيتٌ في الجنة))،وفي لفظ: ((ما من عبد مسلم يصلي لله كل يوم ثنتي عشرة ركعة تطوعاً غير فريضة إلا بنى الله له بيتاً في الجنة، أو إلا بُنيَ له بيتٌ في الجنة)) (٤)، وزاد الترمذي في تفسيرها: ((أربعاً قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل الفجر صلاة الغداة (٥)؛ ولحديث عبد الله بن عمر ﵄
стр. 418
قال: ((حفظت من النبي ﷺ عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته، وركعتين قبل صلاة الصبح))، وفي رواية ((وركعتين بعد الجمعة في بيته)) (١).
فالرواتب عشر، كما قال ابن عمر ﵄ أو اثنتي عشرة، كما قالت أم حبيبة وعائشة ﵄ وسمعت شيخنا الإمام العلامة ابن باز ﵀ يذكر أن من أخذ بحديث ابن عمر قال: الرواتب عشر، ومن أخذ بحديث عائشة قال: اثنتي عشرة، ويؤيد حديث عائشة ما رواه الترمذي في تفسيرها، ويدل عليه حديث أم حبيبة في فضل هذه الرواتب، ويحتمل أن رسول الله ﷺ كان تارة يصلي ثنتي عشرة، كما في حديث أم حبيبة وعائشة، وتارة يصلي عشراً، كما في حديث ابن عمر، فإذا نشط المسلم صلى ثنتي عشرة، وإذا كان هناك شاغل صلى عشراً، وكلها رواتب، والكمال والتمام أن يصلي كما في حديث عائشة وأم حبيبة (٢).
وإن أراد المسلم أن يحافظ على أربع قبل الظهر وأربع بعدها حرمه الله على النار؛ لحديث أم حبيبة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر، وأربع بعدها حرمه الله على النار)) (٣).
стр. 419
وإن أراد المسلم أن يصلي أربعاً قبل العصر ﵀؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((رحم الله امرءاً صلى أربعاً قبل العصر)) (١).
وصلى الله، وسلَّم، وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد، وعلى آله، وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.