← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 96463

الخشوع في الصلاة في ضوء الكتاب والسنة

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (419 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وأيضاً الصلاة على النبي ﷺ جاءت على أنواع (١). فإذا فعل المسلم ذلك حصل له الخشوع في صلاته بتوفيق الله تعالى. السبب التاسع والأربعون: الاجتهاد في الدعاء في مواضعه في الصلاة: الدعاء مناجاةٌ لله تعالى، فإذا اجتهد العبد في الدعاء، والتذلُّل لله فيه، والإلحاح، والطلب منه تعالى؛ فإن هذا مما يزيد العبد محبة لربِّه، وخشوعاً، وتذلُّلاً، ورغبة فيما عنده، ورهبة من عذابه، والدعاء في الحقيقة عبادة عظيمة لله تعالى؛ ولهذا قال النبي ﷺ : ((الدعاء هو العبادة، قال ربّكم: ((ادعوني أستجب لكم)) (٢)، وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: ((من لم يسأل الله يغضب عليه)) (٣). وقد شرع الله تعالى الدعاء في الصلاة في مواضع ومواطن أثناء أداء المسلم للصلاة، ومن أعظم هذه المواضع: الدعاء في السجود، فينبغي أن يجتهد المسلم في الدعاء في السجود؛ لقول النبي ﷺ : ((أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء)) (٤)، وقوله ﷺ : (( ... وأما الركوع فعظموا فيه الربّ

стр. 352

[ ]، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن (١) أن يستجاب لكم)) (٢). فحرِيٌّ بالمسلم أن يجتهد في الدعاء في السجود، وقد شرع النبي ﷺ أدعية كثيرة للدعاء في السجود (٣)، وأذكار الركوع، والدعاء بها (٤)، وأذكار الرفع من الركوع، وبعد الاعتدال منه (٥)، وأذكار الجلسة بين السجدتين (٦)، والدعاء قبل السلام بعد التشهد الأخير (٧). فينبغي للمسلم أن يجتهد في ذلك، ويقتدي بالنبي ﷺ في ذلك، ويدعو الله وهو موقن بالإجابة، ويجمع بين الخوف من الله تعالى ورجائه، مع المحبة لله تعالى. قال العلامة ابن القيم ﵀: ((القلب في سيره إلى الله بمنزلة الطائر: فالمحبة رأسه، والخوف والرجاء جناحاه، فمتى سَلِمَ الرأس والجناحان فالطائرُ يطير جيداً، ومتى قطع الرأس مات الطائر، ومتى

стр. 353

فُقِدَ الجناحان: فهو عرضة لكل صائد وكاسر، ولكن السلف استحبوا أن يقوِّي في الصحة جناح الخوف، وعند الخروج من الدنيا يقوِّي جناح الرجاء على جناح الخوف)). وقال بعض السلف: ((أكمل الأحوال: اعتدال الرجاء والخوف، وغلبة الحب، فالمحبة هي المركب، والرجاء حادٍ، والخوف سائق، والله الموصل بمنّه وكرمه)) (١). قال الله : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ (٢). فابتغاء الوسيلة إليه: طلب القرب منه: بالعبوديَّة، والمحبة، فقد ذكر مقامات الإيمان الثلاثة التي عليها بناؤه: الحب، والخوف، والرجاء (٣). ومع ذلك ينبغي أن يكون المسلم قبل دعائه متطهِّراً من الذنوب بالتوبة، ويكون زاهداً ورعاً: وقد ذكر ابن القيم ﵀ عن شيخ الإسلام ابن تيمية حقيقة الزهد والورع فقال: ((الزهد: ترك ما لا ينفع في الآخرة، والورع: ترك ما تخاف ضرره في الآخرة)) (٤). السبب الخمسون: إحسان الطهور وإكماله: لا شك: أن إحسان الطهارة: من الوضوء، والغسل على الوجه

стр. 354

الأكمل يعين على الخشوع في الصلاة، وقد حذَّر النبيُّ ﷺ من النقص في ذلك، وتَرْك استيعاب غسل الأعضاء في الوضوء، فعن أبي هريرة ﵁، قال: أسبغوا الوضوء، فإن أبا القاسم ﷺ قال: ((ويل للأعقاب من النار))، ولفظ مسلم أن النبي ﷺ رأى رجلاً لم يغسل عقبه، فقال: ((ويل للأعقاب من النار))، وفي لفظ لمسلم: أسبغوا الوضوء، فإني سمعت أبا القاسم ﷺ يقول: ((ويل للعراقيب من النار)) (١). وعن رجل من أصحاب النبي ﷺ : أن النبي ﷺ صلَّى الصبح، فقرأ الروم فالْتَبَسَ عليه، فلما صلَّى قال: ((ما بال أقوام يصلُّون معنا لا يحسنون الطُّهورَ، فإنما يَلْبِسُ علينا القرآن أولئك)) (٢)، وفي لفظ لأحمد من حديث أبي روح الكلاعي: ((إنما يلبّسُ علينا الشيطان القراءة من أجل أقوامٍ يأتون الصلاة بغير وضوء، فإذا أتيتم الصلاة فأحسنوا الوضوء))، وفي لفظ: ((صلى الصبح فقرأ فيها الروم، فأوهم ... ))، وفي لفظ له: (( ... أنه صلى مع النبي ﷺ الصبح، فقرأ بالروم فتردَّد في آية، فلما انصرف قال: ((إنه يلْبِسُ علينا القرآن: أن أقواماً منكم معنا لا يُحسنون الوُضُوءَ، فمن شهد الصلاة معنا فليحسن

стр. 355

الوضوء)) (١)، وأورده ابن كثير في تفسيره في آخر سورة الروم، ثم قال: ((وهذا إسناد حسن، ومتن حسن، وفيه سرٌّ عجيب، ونبأ غريب، وهو أنه ﷺ تأثر بنقصان وضوء من ائتمَّ به، فدلّ ذلك على أن صلاة المأموم متعلقة بصلاة الإمام)) (٢). وقال الإمام ابن كثير ﵀ في موضع آخر: ((فدلَّ هذا على أن إكمال الطهارة يُسهِّلُ القيام في العبادة، ويُعين على إتمامها، وإكمالها، والقيام بمشروعاتها)) (٣). وقال السندي رحمه الله تعالى عن الحديث المذكور: ((وفيه تأثير الصحبة، وأن الأكملين في أكمل الأحوال يظهر فيهم أدنى أثر، والله تعالى أعلم)) (٤). ومما تقدم يتضح: أن النقص في الطهارة يؤثر على المُصلِّي، ويتعدَّى تأثيره إلى الإمام إذا كان ذلك المُقصِّر في الوضوء يصلِّي في جماعة، والله المستعان (٥). السبب الحادي والخمسون: المحافظة على صفة الصلاة الكاملة الخاشعة من كل وجه: أعظم الأسباب الجالبة للخشوع في الصلاة: أن يصلِّي المسلم الصلاة الكاملة من كل وجهٍ، وذلك: بإكمال شروطها قبل الدخول

стр. 356

فيها، والقيام بإكمال أركانها، وواجباتها، وخشوعها، وسننها، والابتعاد عن مبطلاتها، ومكروهاتها. وصفة الصلاة الكاملة من كل وجهٍ: أن يصلي المسلم كما كان النبي ﷺ يصلِّي؛ لحديث مالك بن الحويرث ﵁ أن النبي ﷺ قال: (( ... صلوا كما رأيتموني أصلي)) (١). فينبغي للمسلم أن يصلِّي الصلاة بخشوع النحو الآتي: ١ - يسبغ الوضوء وهو أن يتوضأ كما أمره الله عملاً بقوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النساء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٢)؛ ولحديث عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: ((لا تقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول)) (٣)، فيجب على المسلم العناية بالطهارة، قبل دخول الصلاة (٤). ٢ - يتوجه إلى القبلة، وهي الكعبة، لقول الله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (٥)؛ ولحديث أبي هريرة

стр. 357

- ﵁ في قصة المسيء صلاته: ((إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة ... )) (١). ٣ ـ يجعل له سترة يصلِّي إليها إن كان إماماً أو منفرداً؛ لحديث سبرة بن معبدٍ الجهني قال: قال رسول الله ﷺ : ((ليستترْ أحدُكم في الصلاة ولو بسهمٍ)) (٢)؛ولحديث أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا قام أحدُكم يصلي فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل مؤخرة الرَّحل، فإذا لم يكن بين يديه مثل مؤخرة الرحل فإنه يقطع صلاته: الحمار، والمرأة، والكلب الأسود)) (٣). ويتأكد الدّنوُّ من السترة والصلاة إليها؛ لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((إذا صلى أحدُكم فليصلِّ إلى سترةٍ، وليدنُ منها)) (٤). ويجعل بينه وبين سترته قدر ممر الشاة، أو قدر مكان السجود، ولا يزيد على قدر ثلاثة أذرع، وكذلك بين الصفوف؛ لحديث سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: ((كان بين مصلى رسول الله ﷺ وبين

стр. 358

الجدار ممر الشاة)) (١). وإذا أراد أحد أن يمر بين يديه ردّه، ودافعه؛ فإن لم يمتنع دافعه بقوة؛ لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعْه، فإن أبى فليقاتلْه؛ فإنما هو شيطان)) (٢). وفي رواية لمسلم: ((فإن معه القرين)) (٣). ولا يجوز المرور بين يدي المصلي؛ لحديث أبي جُهيم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لو يعلمُ المارُّ بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيراً له من أن يمرَّ بين يديه)) قال أبو النضر أحد الرواة: لا أدري قال: أربعين يوماً، أو شهراً، أو سنة (٤). وسترة الإمام سترة لمن خلفه؛ لحديث عبد الله بن عباس ﵄ وفيه: أنه أقبل راكباً على حمارٍ أتانٍ، وهو يومئذ قد ناهز الاحتلام، ورسول الله ﷺ قائم بمنى في حجة الوداع يصلي بالناس إلى غير جدار، فسار ابن عباس على حماره بين يدي بعض الصف الأول، ثم نزل عنه فصف مع الناس وراء رسول الله ﷺ ، ولم ينكر ذلك عليه أحد (٥). وسمعت شيخنا

стр. 359

الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀ يقول: ((هذا يدل على أن المأمومين سترتهم سترة إمامهم، فلا يضرهم من مرّ من أمامهم إذا كان لإمامهم سترة)) (١). ٤ - يكبّر تكبيرة الإحرام، قائماً، قاصداً بقلبه فعل الصلاة التي يريدها: من فريضة أو نافلة؛ تقرباً لله تعالى، قائلاً: الله أكبر، ناظراً ببصره إلى محل سجوده، رافعاً يديه مضمومتي الأصابع، ممدودة إلى حذو منكبيه، أو إلى حيال أذنيه؛ لقول النبي ﷺ في حديث المسيء صلاته: ((إذا قمت إلى الصلاة فكبر)) (٢)، ولقول الله تعالى: ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٣)؛ولقول النبي ﷺ لعمران بن حصين ﵁: ((صلِّ قائماً، فإن لم تستطعْ فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جَنْبٍ)) (٤)؛ ولحديث عمر بن الخطاب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((إنما الأعمال بالنيات)) (٥)،ولا ينطق بلسانه بالنية؛ لأن النبي ﷺ لم ينطق بها، ولا أصحابه ﵃ (٦)؛ ولحديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبّر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع، ولا يفعله حين يرفع رأسه من السجود. وفي لفظ: ((وإذا قام

стр. 360

من الركعتين رفع يديه)) (١)، وفي حديث مالك بن الحويرث ﵁ أن رسول الله ﷺ كان إذا كبر رفع يديه حتى يُحاذيَ بهما أذنيه، وإذا ركع رفع يديه حتى يحاذيَ بهما أذنيه، وإذا رفع رأسه من الركوع فقال: ((سمع الله لمن حمده))، فعل مثل ذلك، وفي لفظ لمسلم: ((حتى يحاذي بهما فروع أذنيه)) (٢). والأحاديث الواردة في ابتداء رفع اليدين جاءت على وجوهٍ ثلاثة: الوجه الأول: جاء ما يدل على أنه ﷺ رفع يديه ثم كبّر، فعن ابن عمر ﵄ قال: ((كان رسول الله ﷺ إذا قام للصلاة رفع يديه حتى تكونا حذو منكبيه، ثم كبر)) (٣)؛ ولحديث أبي حُميد الساعدي ﵁ يُحدِّث به في عشرة من أصحاب رسول الله ﷺ وفيه: ((كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يرفع يديه حتى يُحاذيَ بهما منكبيه ثم يُكبِّر)) (٤). الوجه الثاني: جاء ما يدل على أنه ﷺ كبر ثم رفع يديه، فعن أبي قلابة أنه ((رأى مالك بن الحويرث إذا صلى كبَّر ثم رفع يديه ... وحدَّث أن رسول الله ﷺ كان يفعل هكذا)) (٥). الوجه الثالث: جاء ما يدل على أنه ﷺ رفع يديه مع التكبير، وانتهى منه مع انتهائه، فعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: ((رأيت رسول الله ﷺ

стр. 361

افتتح التكبير في الصلاة، فرفع يديه حين كبّر حتى جعلهما حَذْوَ منكبيه)) (١). فمن فعل صفة من هذه الصفات فقد أصاب السنة (٢). وأما النظر إلى موضع السجود، ومطأطأة الرأس، ورمي البصر نحو الأرض؛ فلما رواه البيهقي والحاكم، وشهد له حديث عشرة من أصحاب النبي ﷺ (٣). وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((لينتهين أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم، أو لتُخْطَفَنَّ أبصارُهم)) (٤). ٥ - يضع يديه على صدره بعد أن ينزلهما من الرفع، اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرسغ والساعد؛ لحديث وائل بن حُجْر قال: ((صليت مع النبي ﷺ فوضع يده اليمنى على اليسرى على صدره)) (٥)، وفي لفظ: ((ثم وضع يده اليمنى على ظهر كفِّه اليسرى والرُّسغ والساعد)) (٦)، وهذا يَعمُّ

стр. 362

القيام بعد الرفع من الركوع؛ لحديث وائل ﵁ في لفظ آخر، قال: رأيت رسول الله ﷺ ((إذا كان قائماً في الصلاة قبض بيمينه على شماله)) (١)، وهذا الحديث فيه صفة القبض، والأحاديث الأخرى فيها صفة وضع اليد اليمنى على اليسرى على الصدر، قال العلامة ابن عثيمين ﵀: ((إذن هاتان صفتان: الأولى قبض، والثانية وضع)) (٢)، وعن سهل بن سعد ﵁ قال: ((كان الناس يؤمرون أن يضع الرَّجُلُ يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة)). قال أبو حازم: لا أعلمه إلا ينمي ذلك إلى النبي ﷺ )) (٣)، وسمعت سماحة العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: ((وهذا يحتمل أن يكون نوعاً ثانياً، ويحتمل أن يكون المراد مثل حديث وائل)) (٤). ٦ - يستفتح الصلاة بدعاء الاستفتاح وهو أنواع، يأتي بواحد منها ولا يجمع بينها، ولكن ينوِّع لكل صلاة، ومنها: أ- عن أبي هريرة ﵁ قال: ((كان رسول الله ﷺ ، إذا كبر في الصلاة سكت هُنيَّة (٥) قبل أن يقرأ، فقلت: يا رسول الله! بأبي أنت وأمي! أرأيتَ سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال: ((أقول: اللهم باعِدْ بيني

стр. 363

وبين خَطايايَ كما باعَدْتَ بين المشرق والمغرب، اللهم نَقِّني من خَطايايَ كما يُنقَّى الثوبُ الأبيضُ من الدَّنس، اللهم اغْسلْني من خَطايايَ بالثلج والماء والبَرَدِ)) (١). ب - وإن شاء قال: ((سبحانك اللهم وبحمدك (٢)، وتبارك اسمك، وتعالى جدُّك، ولا إلهَ غيرُك)) (٣). ج - وإن شاء قال ما ثبت عن علي بن أبي طالب ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه كان إذا قام إلى الصلاة (٤) قال: ((وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونُسُكي، ومحياي،

стр. 364

ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك، وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك)) (١). وإن شاء قال ما ثبت عن النبي ﷺ من الأنواع الأخرى في الاستفتاح (٢).

стр. 365

٧ - يقول: ((أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)) لقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (١)، أو يقول: ((أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من همزه (٢)، ونفخه (٣)، ونفثه (٤))) (٥).

стр. 366

٨ - يقول: ((بسم الله الرحمن الرحيم، سرّاً؛ لحديث أنس ﵁ قال: ((صلَّيْتُ خلف رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، فلم يجهروا ببسم الله الرحمن الرحيم)) (١)، والبسملة آية مستقلة (٢). ٩ - يقرأ الفاتحة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ* الرحمن الرَّحِيمِ* مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ* إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ* اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ* صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾؛ لحديث عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)) (٣). وقراءة الفاتحة تجب على كل مصلٍّ، ويدخل في ذلك المأموم في الصلاة الجهرية والسرية؛ لرواية حديث عبادة ﵁ السابق، يرفعه: ((لعلكم تقرؤون خلف إمامكم)) قلنا: نعم، هذّاً يا رسول الله:،قال: ((لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب؛ فإنه لا صلاةَ لمن لم يقرأْ بها)) (٤).وعن محمد بن أبي عائشة عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال:

стр. 367

قال رسول الله ﷺ : ((لعلكم تقرؤون والإمام يقرأ))؟ قالوا: إنا لنفعل، قال: ((لا، إلا أن يقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب)) (١)،وتسقط الفاتحة عن مسبوقٍ أدرك الإمام راكعاً، لحديث أبي بكرة ﵁ أنه انتهى إلى النبي ﷺ وهو راكع فركع قبل أن يصل إلى الصف، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: ((زادك الله حرصاً ولا تَعُدْ)) (٢). ولم يأمره النبي ﷺ بقضاء الركعة التي أدرك ركوعها دون قراءتها، ولو كانت الركعة غير صحيحة لأمره ﷺ بإعادتها. وتسقط عن المأموم مع السهو والجهل (٣). ١٠ - يقول بعد الانتهاء من قراءة الفاتحة: ((آمين)) يجهر بها في الجهرية، ويُسرُّ في السِّرية، [ومعناها: اللهم استجب]؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: ((كان رسول الله ﷺ إذا فرغ من قراءة أمِّ القرآن رفع صوته وقال: ((آمين)) (٤)؛ ولحديثه ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((إذا أمَّن الإمام فأمِّنوا؛ فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه)) (٥)؛ ولحديثه ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا قال الإمام: غير المغضوب عليهم ولا الضالين،

стр. 368

فقولوا: آمين؛ فإنه من وافق قوله قول الملائكة غُفر له ما تقدَّم من ذنبه)) (١). ومن لم يستطعْ قراءة الفاتحة وعجز عنها قرأ غيرها مما تيسَّر من القرآن، فإن لم يكن عنده شيء قال: ((سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم))؛ لحديث عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئاً، فعلِّمْني ما يجزئني منه، فقال: ((قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم)) (٢). ١١ - يقرأ سورة بعد الفاتحة، أو ما تيسر من القرآن في ركعتي الصبح، والجمعة، وفي الركعتين الأوليين: من صلاة الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، وفي جميع ركعات النفل؛ لحديث أبي قتادة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقرأ في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر بفاتحة الكتاب وسورتين يُطوِّل في الأولى ويُقصِّر في الثانية، ويُسْمِعُ الآية أحياناً، وكان يقرأ في العصر بفاتحة الكتاب وسورتين، وكان يُطوِّل في الأولى، وكان يُطوِّل في الركعة الأولى من صلاة الصبح ويُقصِّر في الثانية)) (٣). وفي لفظ: ((كان النبي ﷺ يقرأ في الركعتين من الظهر والعصر بفاتحة

стр. 369

الكتاب وسورة سورة، ويسمعنا الآية أحياناً)) (١)، وأما صلاة الظهر خاصة فقد ثبت ما يدل على أنه ربما قرأ في الركعتين الأخريين زيادة مع سورة الفاتحة، فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: ((كنا نحزر (٢) قيام رسول الله ﷺ في الظهر والعصر، فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر قدر قراءة ﴿الم، تَنزِيلُ﴾ السجدة، وحزرنا قيامه في الأخريين قدر النصف من ذلك، وحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من العصر على قدر قيامه من الأخريين من الظهر، وفي الأخريين على النصف من ذلك)). وفي لفظ: ((كان يقرأ في صلاة الظهر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر ثلاثين آية، وفي الأخريين قدر خمس عشرة آية [في كل ركعة] أو قال: نصف ذلك، وفي العصر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر قراءة خمس عشرة آية، وفي الأخريين قدر نصف ذلك)) (٣).وهذا الحديث يدل على أنه ﷺ كان يقرأ أحياناً بزيادة على الفاتحة في الركعتين الأخريين من الظهر (٤). وعن سليمان بن يسار عن أبي هريرة ﵁ قال: ما رأيت رجلاً أشبه صلاة برسول الله ﷺ من فلان لإمام كان بالمدينة، قال سليمان بن يسار: فصليت خلفه فكان يطيل الأوليين من الظهر ويخفف الأخريين، ويخفف العصر، ويقرأ في الأوليين من المغرب بقصار المفصل، ويقرأ في الأوليين من العشاء من وسط المفصل، ويقرأ في الغداة بطوال المفصل)) (٥)، وربما طول النبي ﷺ القراءة في صلاة الظهر أكثر مما تقدَّمَ؛

стр. 370

لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: ((لقد كانت صلاة الظهر تقام فيذهب الذاهب إلى البقيع فيقضي حاجته ثم يتوضأ، ثم يأتي ورسول الله ﷺ في الركعة الأولى مما يُطوِّلُها)) (١)، وثبت من حديث أبي برزة الأسلمي ﵁ أن النبي ﷺ ((كان يصلي الصبح وينصرف الرجل فيعرف جليسه، وكان يقرأ في الركعتين أو إحداهما ما بين الستين إلى المائة)) (٢)، وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول في القراءة في الصلوات الخمس: ((الأفضل في الفجر من طوال المفصل (٣)، وفي الظهر والعصر والعشاء من أواسطه، وفي المغرب من قصاره؛ لفعل النبي ﷺ في الأغلب، ولا بأس أن يقرأ من قصاره في الصبح في السفر والمرض، لكن الأفضل ما تقدم؛ لحديث سليمان بن يسار عن أبي هريرة ﵁ (٤) عن النبي ﷺ )) (٥). وقال الإمام ابن القيم ﵀ في قراءته ﷺ بعد الفاتحة: ((فإذا فرغ من الفاتحة أخذ في سورة غيرها، وكان يطيلها تارة، ويخففها

стр. 371

لعارض من سفر أو غيره، ويتوسط فيها غالباً)) (١). قلت: الأفضل في ذلك مراعاة فعل النبي ﷺ في جميع الأوقات، والأحوال، والأزمان (٢).

стр. 372

١٢ - إذا فرغ من القراءة كلها سكت سكتة بقدر ما يترادُّ إليه نَفَسُه حتى لا يصل القراءة بالركوع، بخلاف السكتة الأولى قبل قراءة الفاتحة؛ فإنه يقرأ فيها دعاء الاستفتاح فتكون بقدره؛ لحديث الحسن عن سمرة عن النبي ﷺ ((أنه كان يسكت سكتتين: إذا استفتح الصلاة وإذا فرغ من القراءة كلها)) (١). قال الترمذي: ((وهو قول غير واحد من أهل العلم يستحبون للإمام أن يسكت بعدما يفتتح الصلاة، وبعد الفراغ من القراءة وبه يقول أحمد وإسحاق وأصحابنا)) (٢).

стр. 373

١٣ - يركع مكبراً رافعاً يديه إلى حذو منكبيه، أو أذنيه، جاعلاً رأسه حيال ظهره، واضعاً يديه على ركبتيه، مفرقاً أصابع يديه؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون﴾ (١)؛ ولحديث أبي هريرة ﵁ في قصة المسيء صلاته وفيه: ((ثم اركع حتى تطمئنَّ راكعاً)) (٢)؛ ولحديث أبي هريرة ﵁ قال: ((كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع)) (٣)، وفي لفظ: ((إنه كان يصلي بهم فيكبر كلما خفض ورفع فإذا انصرف قال: إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ )) (٤)؛ ولحديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ ((كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبر للركوع ... )) (٥)،وفي حديث مالك بن الحويرث ﵁: ((كان إذا كبر رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه وإذا ركع رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه)) (٦)؛ ولحديث عائشة ﵂: ((وكان إذا ركع لم

стр. 374

يشخص رأسه (١) ولم يصوِّبه ولكن بين ذلك)) (٢)؛ ولحديث أبي حميد الساعدي ﵁ أنه قال لنفر من أصحاب النبي ﷺ : ((أنا كنت أحفظكم لصلاة رسول الله ﷺ ، رأيته إذا كبر جعل يديه حذو منكبيه، وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه [وفرج بين أصابعه] ثم هصر (٣) ظهره ... )) (٤). وفي لفظ: ((ثم ركع فوضع يديه على ركبتيه، كأنه قابضٌ عليهما، ووتَّر (٥) يديه فتجافى عن جنبيه .. )) (٦).وفي حديث رفاعة بن رافع عن النبي ﷺ : ((وإذا ركعت فضع راحتيك على ركبتيك وامدد ظهرك)) (٧)، وعن وابصة بن معبد ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ يصلي، فكان إذا ركع سوَّى ظهره حتى لو صُبَّ عليه الماء لاستقرّ)) (٨). ويطمئن في ركوعه؛ لقول حذيفة ﵁ لرجلٍ

стр. 375

رآه لا يتمُّ الركوع والسجود، فقال له: ((ما صلَّيتَ، ولو مُتَّ مُتَّ على غير الفطرة التي فطر الله [عليها] محمداً ﷺ )) (١)، وعن البراء بن عازب ﵄ قال: ((كان ركوع النبي ﷺ ، وسجوده، وقعوده بين السجدتين، وإذا رفع رأسه من الركوع ما خلا القيام والقعود قريباً من السواء)) (٢). ١٤ - يقول في الركوع: ((سبحان ربي العظيم)) والأفضل [ثلاثاً]؛ لحديث حذيفة بن اليمان ﵁ أنه صلى مع النبي ﷺ فكان يقول في ركوعه: ((سبحان ربي العظيم)) وفي سجوده ((سبحان ربي الأعلى)) (٣)، وفي رواية: ((سبحان ربي العظيم)) ثلاث مرات، وإذا سجد قال: ((سبحان ربي الأعلى)) ثلاث مرات (٤)، وإن شاء زاد على ذلك ما ثبت عن النبي ﷺ ومن ذلك ما يأتي: أولاً: حديث عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: ((سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي)) يتأوَّل القرآن (٥).

стр. 376

ثانياً: وقالت ﵂: كان ﷺ يقول في ركوعه وسجوده: ((سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، ربُّ الملائكة والروح)) (١). ثالثاً: وعن عوف بن مالك الأشجعي ﵁ أن النبي ﷺ يقول في ركوعه: ((سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة))، ثم سجد بقدر قيامه، ثم قال في سجوده مثل ذلك (٢). رابعاً: وفي حديث علي ﵁ أن النبي ﷺ إذا ركع قال: ((اللهم لك ركعتُ، وبك آمنتُ، ولك أسلمتُ، خشع لك سمعي وبصري ومُخّي وعظمي وعَصَبي)) (٣). ونهى النبي ﷺ عن قراءة القرآن في الركوع والسجود فقال: ((ألا وإني نُهيت أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً، وأما الركوع فعظِّموا فيه الرب ، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقَمِنٌ (٤) أن يُستجاب لكم)) (٥). ١٥ - يرفع رأسه من الركوع (٦) رافعاً يديه حذو منكبيه أو أذنيه (٧) قائلاً: سمع الله لمن حمده - إذا كان إماماً أو منفرداً - ويقولان بعد قيامهما: ((ربنا

стр. 377

ولك الحمد))؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا قال: ((سمع الله لمن حمده)) قال: ((اللهم ربنا ولك الحمد)) (١). أما إن كان مأموماً فإنه يقول عند الرفع: ((ربنا ولك الحمد))؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربَّنا لك الحمد؛ فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه)) (٢). وقوله: ((اللهم ربَّنا لك الحمد)) ثبت لها أربعة أنواع: النوع الأول: ((ربنا لك الحمد)) لحديث أبي هريرة ﵁:كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركوع، ثم يقول وهو قائم: ((ربنا لك الحمد)) (٣). النوع الثاني: ((ربنا ولك الحمد))؛ لحديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((إنما جُعل الإمام ليُؤتمَّ به، فإذا صلى قائماً فصلوا قياماً، وإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد)) (٤). النوع الثالث: ((اللهم ربَّنا لك الحمد))؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربَّنا

стр. 378

لك الحمد، فإنه من وافق قولُه قولَ الملائكة غُفر له ما تقدَّم من ذنبه)) (١). النوع الرابع: ((اللهم ربَّنا ولك الحمد))؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا قال: سمع الله لمن حمده، قال: ((اللهم ربنا ولك الحمد)) (٢)، فالأفضل أن يقول هذا تارة، وهذا تارة، وهذا تارة، وهذا تارة؛ لثبوته عن النبي ﷺ ،والأفضل للإمام والمنفرد والمأموم أن يزيدوا بعد: ((ربنا ولك الحمد)) فيقولوا: ((حمداً كثيراً طيباً مُباركاً فيه)) (٣) ((ملء السموات، وملء الأرض، [وما بينهما] وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحقّ ما قال العبد، وكلنا لك عبد، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا مُعطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد)) ((اللهم طهِّرْني بالثلج، والبَرَدِ، والماء البارد، اللهم طهِّرْني من الذنوب والخطايا كما يُنَقَّى الثوبُ الأبيضُ من الوسخ (٤))) (٥)، ((لربي الحمد)) يكررها؛ لحديث حذيفة ﵁ يرفعه: ((ثم رفع رأسه من الركوع فكان قيامه نحواً من ركوعه يقول: (لربي الحمد)) (٦).

стр. 379

والأفضل للإمام والمنفرد والمأموم أن يضع كل منهم يده اليمنى على اليسرى على صدره بعد الرفع من الركوع كما فعل في قيامه قبل الركوع؛ لحديث وائل ﵁ قال: ((رأيت رسول الله ﷺ إذا كان قائماً في الصلاة قبض بيمينه على شماله)) (١). ويطمئنُّ في قيامه بعد الرفع من الركوع، فعن ثابت عن أنس ﵁ قال: إني لا آلو أن أصلِّيَ بكم كما رأيت رسول الله ﷺ يصلي بنا، قال: فكان أنس يصنع شيئاً لا أراكم تصنعونه، كان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائماً، حتى يقول القائل قد نسي، وإذا رفع رأسه من السجدة مكث حتى يقول القائل قد نسي (٢). ويقول في هذا الركن الأذكارَ المشروعةَ سوى ما تقدم إذا شاء (٣). ١٦ـ يسجد مُكبِّراً، واضعاً ركبتيه قبل يديه إذا تيسر ذلك، فإن شقَّ عليه قدّم يديه قبل ركبتيه، لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٤)؛ولحديث أبي هريرة ﵁ في قصة المسيء صلاته: ((ثم اسجدْ حتى تطمئنَّ ساجداً)) (٥)؛ ولحديث أبي هريرة ﵁ وفيه: ((ثم يُكبّر حين يهوي ساجداً)) (٦)؛ ولحديث

стр. 380

وائل بن حُجْرٍ ﵁ قال: ((رأيت النبي ﷺ إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه)) (١). ويستقبل بأصابع يديه ورجليه القبلة؛ لحديث أبي حُمَيد الساعدي ﵁ وفيه: ((فإذا سجد وضع يديه غير مفترشٍ ولا قابضهما، واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة)) (٢)، ويضمُّ أصابعَ يديه ويمدّها؛ لحديث علقمة بن واثلة عن أبيه: أن النبي ﷺ كان إذا سجد ضمّ أصابعه (٣)؛ ولحديث وائل ﵁ أن النبي ﷺ ((كان إذا ركع فرَّج بين أصابعه وإذا سجد ضمّ أصابعه)) (٤)؛ ولحديث أبي حُميد، وفيه:

стр. 381

((واستقبل بأطراف أصابعه القبلة)) (١)، ويفتح أصابع رجليه؛ لحديث أبي حميد وفيه: ((ثم جافى عضدَيْه عن جنبيه وفتح أصابع رجليه)) (٢)، ويكون سجوده على أعضائه السبعة: الجبهة مع الأنف، واليدين، والركبتين، وبطون أصابع الرجلين؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ : ((أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة - وأشار بيده على أنفه - واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين، ولا نكفُت الثياب والشعر)) وفي لفظ لمسلم: ((ولا أكفّ ثوباً ولا شعراً)) (٣)، ويجافي عضديه عن جنبيه؛ لحديث عبد الله بن مالك بن بُحينة أن النبي ﷺ ((كان إذا صلَّى فرَّج بين يديه حتى يبدو بياض إبطيه)) (٤)، ويجافي بطنه عن فخذيه، وفخذيه عن ساقيه، ويفرّج بين فخذيه؛ لحديث أبي حميد ﵁ وفيه: ((وإذا سجد فرَّج بين فخذيه، غير حامل بطنه على شيء من فخذيه)) (٥)، ويجعل كفيه حذو منكبيه؛ لحديث أبي حُميد ﵁ وفيه: ((ثم سجد فأمكن أنفه وجبهته، ونحَّى يديه عن جنبيه ووضع كفيه حذو

стр. 382

منكبيه)) (١)، أو يجعلهما حذو أذنيه؛ لحديث وائل بن حجر ﵁ وفيه: ((ثم سجد فجعل كفيه بحذاء أذنيه)) (٢)، وهو مثل حديث البراء عندما سئل: أين كان النبي ﷺ يضع وجهه إذا سجد؟ فقال: ((بين كفيه)) (٣)، ويرفع ذراعيه عن الأرض؛ لحديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((اعتدلوا في السجود، ولا يبسُطْ أحدُكم ذراعيه انبساطَ الكلب)) (٤)؛ ولحديث البراء ﵁ يرفعه: ((إذا سَجَدْتَ فضَعْ كفيك وارفعْ مرفقيك)) (٥). ويضم قدميه؛ لحديث عائشة ﵂ وفيه: ((فوجدته ساجداً راصّاً عقبيه مستقبلاً بأطراف أصابعه القبلة)) (٦)، وينصبهما؛ لحديث عائشة ﵂ وفيه: ((فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدمه [وفي نسخة قدميه] وهو في المسجد، وهما منصوبتان)) (٧). ١٧ـ يقول في السجود: ((سبحان ربي الأعلى)) والأفضل ثلاثاً؛

стр. 383

لحديث حذيفة ﵁ (١)، وإن شاء زاد على ذلك ما ثبت في الأحاديث الأخرى عن النبي ﷺ ومن ذلك ما يأتي: أولاً: ((سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي)) لحديث عائشة ﵂ (٢). ثانياً: ((سُبُّوحٌ، قُدُّوسٌ، ربُّ الملائكة والروح))؛ لحديث عائشة ﵂ (٣). ثالثاً: ((سبحان ذي الجبروت، والملكوت، والكبرياء، والعظمة)) (٤). رابعاً: ((اللهم لك سجدتُ، وبك آمنتُ، ولك أسلمتُ، سجد وجهي للذي خلقه وصوَّره، وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين))؛ لحديث علي ﵁ (٥). خامساً: ((اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك))؛لحديث عائشة ﵂ (٦). سادساً: ((اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقّه وجلّه، وأوّله وآخره، وعلانيته وسرّه))؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ كان يقول ذلك في سجوده (٧). ويكثر من الدعاء في السجود، ويسأل ربه من خيري: الدنيا،

стр. 384

والآخرة، سواءٌ كانت الصلاة فرضاً أو نفلاً؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء)) (١)؛ ولحديث ابن عباس ﵄ وفيه: ((أما الركوع فعظموا فيه الرب ، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمِنٌ أن يُستجاب لكم)) (٢). ١٨ - يرفع رأسه من السجود مكبّراً، ويعتدل جالساً؛ لحديث أبي هريرة ﵁ في قصة المسيء صلاته، وفيه: ((ثم ارفع حتى تطمئن جالساً)) (٣)؛ ولحديثه ﵁ وفيه: ((ثم يكبر حين يرفع رأسه من السجود)) (٤)، ويفرش قدمه اليسرى ويجلس عليها، وينصب اليمنى ويستقبل بأصابعه القبلة؛ لحديث عائشة ﵂ وفيه: ((وكان يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى)) (٥)؛ ولحديث ابن عمر ﵄ قال: ((من سنة الصلاة أن تنصب القدم اليمنى واستقباله بأصابعه القبلة، والجلوس على اليسرى)) (٦)، ويضع يديه على فخذيه؛ لحديث عبد الله بن الزبير عن أبيه ﵄ يرفعه، وفيه: ((كان رسول الله ﷺ إذا قعد يدعو، وضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ويده اليسرى على فخذه اليسرى)) (٧)،أو يضع كفيه على ركبتيه؛

стр. 385

لحديث عبد الله بن عمر ﵄ يرفعه: ((أن النبي ﷺ كان إذا جلس في الصلاة وضع يديه على ركبتيه)) (١)، أو يضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ويده اليسرى على فخذه اليسرى ويلقم كفه اليسرى ركبته))؛ لحديث عبد الله بن الزبير عن أبيه ﵄ (٢)، فعلى هذا حصل ثلاث صفات لوضع الكفين هي: أولاً: الكف اليمنى على الفخذ اليمنى، واليسرى على اليسرى. ثانياً: الكف اليمنى على الركبة اليمنى، واليسرى على اليسرى. ثالثاً: الكف اليمنى على الفخذ اليمنى، واليسرى على الفخذ اليسرى، ويلقم كفه اليسرى ركبته (٣). أما كيفية: وضع الكفين؛ فإنه يبسط يده اليسرى؛ لحديث ابن عمر ﵄ يرفعه، وفيه: ((ويده اليسرى على ركبته باسطها عليها)) (٤)، ويضع ذراعيه على فخذيه؛ لحديث وائل بن حجر ﵁ يرفعه، وفيه: ((وضع ذراعيه على فخذيه)) (٥)، أما اليد اليمنى فيقبض منها الخنصر

стр. 386

والبنصر ويحلّق الإبهام مع الوسطى، ويجعل حد مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى؛ لحديث وائل بن حجر ﵁ يرفعه، وفيه: ((فاستقبل القبلة فكبر فرفع يديه حتى حاذتا أذنيه، ثم أخذ شماله بيمينه، فلما أراد أن يركع رفعهما مثل ذلك ووضع يديه على ركبتيه، فلما رفع رأسه من الركوع رفعهما مثل ذلك، فلما سجد وضع رأسه بذلك المنزل من يديه، ثم جلس فافترش رجله اليسرى ووضع يده اليسرى على فخذه اليسرى، وحدّ مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، وقبض اثنتين وحلَّق حلقة - ورأيته يقول: هكذا - وأشار بشر بالسبابة من اليمنى وحلق الإبهام والوسطى)) (١)، وهذا اختيار الإمام ابن القيم-﵀ (٢) أن المصلي يفعل هذه الصفة بين السجدتين (٣).

стр. 387

١٩ - يقول بين السجدتين: ((ربِّ اغفرْ لي، ربِّ اغفر لي))؛ لحديث حذيفة ﵁ يرفعه: ((وكان يقعد بين السجدتين نحواً من سجوده وكان يقول: ((ربّ اغفر لي، رب اغفر لي)) (١). وإن شاء زاد على ذلك فقال: ((اللهم اغفر لي، وارحمني [وعافني، واهدني] واجبرني، وارزقني، وارفعني))؛ لحديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ كان يقول بين السجدتين: ((اللهم اغفر لي، وارحمني، وعافني، واهدني، وارزقني)) (٢)، ولفظ ابن ماجه: ((ربِّ اغفر لي، وارحمني، واجبرني، وارزقني، وارفعني)) (٣). وكان النبي ﷺ يطيل هذا الركن بقدر السجود (٤)؛ لحديث البراء ﵁ قال: ((كان ركوع النبي ﷺ وسجوده، وبين السجدتين، وإذا رفع رأسه من

стр. 388

الركوع، ما خلا القيام والقعود قريباً من السواء)) (١). ٢٠ - يسجد السجدة الثانية مكبّراً، ويفعل فيها كما فعل في السجدة الأولى؛ لحديث أبي هريرة ﵁ في حديث المسيء صلاته: ((ثم اسجد حتى تَطمئنَّ ساجداً، ثم ارفع حتى تَطمئنَّ جالساً، ثم اسجدْ حتى تَطمئنَّ ساجداً، ثم افعلْ ذلك في صلاتك كلها)) (٢)؛ ولحديثه ﵁ وفيه: ((ثم يُكبِّر حين يَهوي ساجداً، ثم يكبر حين يرفع رأسه من السجود، ثم يُكبِّر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يفعل ذلك في الصلاة كلها، حتى يقضيها، ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس)) (٣). ٢١ - يرفع رأسه مُكبّراً، ويجلس جلسة خفيفة تسمى جلسة الاستراحة؛ لحديث أبي هريرة ﵁ في قصة المسيء صلاته وفيه: ((ثم اسجدْ حتى تطمئنَّ ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها))، قال أبو أسامة في الأخير: ((حتى تستوي قائماً)) (٤)؛ ولحديثه الآخر، وفيه: ((ثم يكبر حين يرفع رأسه ثم يفعل ذلك في الصلاة كلها حتى يقضيها، ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس)) (٥)، أما جلسة الاستراحة؛ فلحديث مالك بن الحويرث ﵁: ((أنه رأى النبي ﷺ يصلّي فإذا

стр. 389

كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستويَ قاعداً)) (١)، وجاءت جلسة الاستراحة في لفظ آخر من حديث مالك: ((أنه صلى بأصحابه، فكان يجلس إذا رفع رأسه من السجود قبل أن ينهض في الركعة الأولى)) (٢). وقد ذكرت هذه القعدة في بعض ألفاظ رواية حديث المسيء صلاته، ولفظها: ((ثم اسجدْ حتى تطمئنَّ ساجداً، ثم ارفعْ حتى تطمئنَّ جالساً، ثم اسجدْ حتى تطمئنَّ ساجداً، ثم ارفعْ حتى تطمئنَّ جالساً، ثم افعلْ ذلك في صلاتك كلها)) (٣)، وجاءت هذه الجلسة من حديث أبي حُميد وفيه: ((ثم يهوي إلى الأرض فيجافي يديه عن جنبيه، ثم يرفع رأسه ويثني رجله اليسرى فيقعد عليها ويفتح أصابع رجليه إذا سجد، ثم يسجد، ثم يقول: الله أكبر، ويرفع رأسه ويثني رجله اليسرى فيقعد عليها، حتى يرجع كل عظم إلى موضعه (٤)،ثم يصنع في الأخرى

стр. 390

مثل ذلك)) (١). ٢٢ - ينهض على صدور قدميه وركبتيه مكبّراً قائماً إلى الركعة الثانية، معتمداً على فخذيه إن تيسر له ذلك؛ لحديث وائل وفيه: ((وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه)) (٢)، وإن شقَّ عليه اعتمد على الأرض؛ لحديث مالك بن الحويرث، وفيه: ((وإذا رفع رأسه من السجدة الثانية جلس واعتمد على الأرض ثم قام)) (٣). ٢٣ - يصلي الركعة الثانية كالأولى؛ لقوله ﷺ للمسيء صلاته: ((ثم افعلْ ذلك في صلاتك كلها)) (٤) إلا في خمسة أمور: الأمر الأول: تكبيرة الإحرام، فلا يكبر تكبيرة الإحرام؛ لأنها للدخول في الصلاة. الأمر الثاني: السكوت فلا يسكت في الركعة الثانية؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: ((كان رسول الله ﷺ إذا نهض للركعة الثانية استفتح القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ولم يسكت)) (٥).
следующие страницы →