سلسلة مؤلفات سعيد بن علي بن وهف القحطاني
الخشوع في الصلاة
في ضوء الكتاب والسنة
مفهوم، وفروق، وفضائل، وعلم، وعمل، وفوائد، وأسباب، وآداب، وأحكام
الفقير إلى الله تعالى
د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه، وعلى آله، وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين، وسلّم تسليماً كثيراً. أما بعد:
فهذه رسالة مُفصَّلة في ((الخشوع في الصلاة)) ذكرت فيها واحداً وعشرين مبحثاً، وذكرت في المبحث الحادي والعشرين ثلاثة وخمسين سبباً من الأسباب التي تزيل الغفلة، وتجلب الخشوع في الصلاة، وهذه المباحث على النحو الآتي:
المبحث الأول: ... مفهوم الخشوع: لغة وشرعاً.
المبحث الثاني: ... الفرق بين خشوع الإيمان وخشوع النفاق.
المبحث الثالث: ... الخشوع في الصلاة: علم نافع وعمل صالح.
المبحث الرابع: ... فضائل الخشوع لله تعالى في الصلاة.
المبحث الخامس: ... الفرق بين الخشوع، والوجل، والقنوت، والسكينة، والإخبات، والطمأنينة.
المبحث السادس: ... حكم الخشوع في الصلاة.
المبحث السابع: ... منزلة الخشوع في الصلاة.
المبحث الثامن: ... حكم الوسوسة في الصلاة.
المبحث التاسع: ... الخشوع في الصلاة من إقامتها.
المبحث العاشر: ... التحذير من ترك الخشوع في الصلاة.
стр. 3
المبحث الحادي عشر: ... الصلاة بخشوع قرةٌ للعين وراحةٌ للقلب.
المبحث الثاني عشر: ... مشاهد الصلاة التي تقرُّ بها العين.
المبحث الثالث عشر: ... أقسام الناس في الخشوع في الصلاة.
المبحث الرابع عشر: ... خشوع النبي ﷺ في صلاته.
المبحث الخامس عشر: ... خشوع الصحابة ﵃ في صلاتهم.
المبحث السادس عشر: ... خشوع التابعين وأتباعهم في صلاتهم.
المبحث السابع عشر: ... الخشوع في قراءة القرآن في الصلاة وغيرها.
المبحث الثامن عشر: ... درجات الخشوع في الصلاة.
المبحث التاسع عشر: ... فوائد الخشوع في الصلاة.
المبحث العشرون: ... الخشوع يثمر التلذذ بطعم الصلاة.
المبحث الحادي والعشرون: ... ما يزيل الغفلة، ويجلب الخشوع في الصلاة.
وتحته ثلاثة وخمسون سبباً من أسباب الخشوع في الصلاة، وهي على النحو الآتي:
السبب الأول: ... معرفة الله تعالى.
السبب الثاني: ... علاج قسوة القلب.
السبب الثالث: ... الابتعاد عن الوسوسة.
السبب الرابع: ... متابعة المؤذن من الأمور التي تجلب الخشوع في الصلاة.
السبب الخامس: ... العمل بآداب المشي إلى الصلاة من أعظم ما يجلب الخشوع.
السبب السادس: ... عدم الالتفات لغير حاجة.
السبب السابع: ... عدم رفع البصر إلى السماء.
السبب الثامن: ... عدم افتراش الذراعين في السجود.
السبب التاسع: ... عدم التَّخصُّر.
السبب العاشر: ... عدم النظر إلى ما يُلهي ويشغل.
стр. 4
السبب الحادي عشر: ... عدم الصلاة إلى ما يشغل ويُلهي.
السبب الثاني عشر: ... عدم الإقعاء المذموم.
السبب الثالث عشر: ... عدم عبث المصلي بجوارحه.
السبب الرابع عشر: ... عدم تشبيك الأصابع، وفرقعتها في الصلاة.
السبب الخامس عشر: ... عدم الصلاة بحضرة الطعام.
السبب السادس عشر: ... عدم مدافعة الأخبثين [البول والغائط].
السبب السابع عشر: ... عدم بصاق المصلي أمامه، أو عن يمينه في الصلاة.
السبب الثامن عشر: ... عدم كف الشعر أو الثوب في الصلاة.
السبب التاسع عشر: ... عدم عقص الرأس في الصلاة.
السبب العشرون: ... عدم تغطية الفم في الصلاة.
السبب الحادي والعشرون: ... عدم السدل في الصلاة.
السبب الثاني والعشرون: ... عدم تخصيص مكان من المسجد للصلاة.
السبب الثالث والعشرون: ... عدم الاعتماد على اليد في الجلوس في الصلاة.
السبب الرابع والعشرون: ... عدم التثاؤب في الصلاة.
السبب الخامس والعشرون: ... عدم الركوع قبل أن يصل إلى الصف.
السبب السادس والعشرون: ... عدم الصلاة في المسجد لمن أكل البصل والثوم.
السبب السابع والعشرون: ... عدم صلاة النفل عند مغالبة النوم.
السبب الثامن والعشرون: ... الصلاة إلى سترة، والدنوِّ منها.
السبب التاسع والعشرون: ... وضع اليد اليمنى على اليسرى على الصدر.
السبب الثلاثون: ... الإشارة بالسبابة، وتحريكها في الدعاء في التشهد.
السبب الحادي والثلاثون: ... النظر إلى موضع السجود، وإلى السبابة.
السبب الثاني والثلاثون: ... العلم بأنَّ المصلِّي يدعو الله ويخاطبه، وأن الله يرَدّ عليه.
السبب الثالث والثلاثون: ... الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم.
стр. 5
السبب الرابع والثلاثون: ... تدبّر القرآن في الصلاة يجلب الخشوع، ويطرد الغفلة.
السبب الخامس والثلاثون: ... تحسين القراءة بالقرآن وترتيله.
السبب السادس والثلاثون: ... سجود التلاوة في الصلاة.
السبب السابع والثلاثون: ... المحافظة على سنن الصلاة: القولية والفعلية.
السبب الثامن والثلاثون: ... ذكر الموت في الصلاة.
السبب التاسع والثلاثون: ... الحذر من الغفلة.
السبب الأربعون: ... الاستجابة لله ولرسوله، مع العلم أن الله يحول بين العبد وقلبه.
السبب الحادي والأربعون: ... سؤال الله تعالى الخشوع في الصلاة.
السبب الثاني والأربعون: ... العلم بأن العبد ليس له من صلاته إلا ما عقل منها.
السبب الثالث والأربعون: ... معرفة خشوع النبي ﷺ في صلاته.
السبب الرابع والأربعون: ... معرفة خشوع الصحابة والتابعين وأتباعهم ﵏.
السبب الخامس والأربعون: ... العلم بما ثبت في التحذير من ترك الخشوع، وما ثبت من الترغيب في الخشوع.
السبب السادس والأربعون: ... فهمُ وتدبُّر معاني أفعال الصلاة يجلب الخشوع فيها.
السبب السابع والأربعون: ... فهم وتدبُّر معاني أقوال الصلاة.
السبب الثامن والأربعون: ... التنويع في الاستفتاح، والقراءة، والأذكار في الصلاة.
السبب التاسع والأربعون: ... الاجتهاد في الدعاء في مواضعه في الصلاة.
السبب الخمسون: ... إحسان الطهور، وإكماله.
السبب الحادي والخمسون: ... المحافظة على صفة الصلاة الكاملة من كل وجه.
السبب الثاني والخمسون: ... المحافظة على الأذكار أدبار الصلوات المفروضة.
السبب الثالث والخمسون: ... المحافظة على السنن الرواتب قبل الفريضة وبعدها.
وقد استفدت كثيراً من تقريرات وترجيحات شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز رحمه الله تعالى.
стр. 6
والله أسأل أن يجعل هذا العمل القليل: خالصاً لوجهه الكريم، مباركاً، نافعاً لي في حياتي، وبعد مماتي، وأن ينفع به كل من انتهى إليه، وأن يجعله حجةً لنا، لا حجَّةً علينا؛ فإنه تعالى أكرم مسؤول، وأحسن مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول، ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمد بن عبد الله، وعلى آله، وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.
أبو عبد الرحمن
سعيد بن علي بن وهف القحطاني
حرر بعد ظهر يوم السبت ٢٠/ ٦/١٤٣٠هـ
стр. 7
المبحث الأول: مفهوم الخشوع: لغة وشرعاً
أولاً: الخشوع لغة: قال ابن فارس ﵀: ((خشع: الخاء والشين والعين أصلٌ واحدٌ، يدل على التَّطامُن، يقال: خشع إذا تطامن وطأطأ رأسه، ويخشع خشوعاً، وهو قريب المعنى من الخضوع، إلا أن الخضوع في
البدن ... والخشوع في الصوت والبصر، قال الله تعالى: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾ (١)، قال ابن دريد: الخاشع: المستكين والراكع ... )) (٢).
وقال ابن منظور ﵀: ((خشع يخشع خشوعاً، واختشع وتخشَّع: رمى ببصره نحو الأرض، وغضّه، وخفض صوته .. وقيل: الخشوع قريب من الخضوع، إلا أن الخضوع في البدن ... والخشوع: في البدن، والصوت، والبصر، كقوله تعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ (٣)، أي: سكنت، وكل ساكن خاضع خاشع ... )) (٤).
وقال الفيروزأبادي ﵀: ((الخشوع: الخضوع، كالاختشاع - والفعل كمنع - أو قريب من الخضوع، أو هو في البدن والخشوع في الصوت والبصر، والخشوع: السكون والتذلل ... )) (٥).
стр. 8
وقال محمد بن أبي بكر الرازي ﵀: ((الخشوع: الخضوع، وبابهما واحد، يقال: خشع واختشع، وخشع ببصره: أي غضه ... والتخشُّع: تكلّف الخشوع ... )) (١).
وقال الفيُّومي ﵀: ((خشع خشوعاً: إذا خضع، وخشع في صلاته ودعائه: أقبل بقلبه على ذلك، وهو مأخوذ من خشعت الأرض، إذا سكنت واطمأنت)) (٢).
وقال أبوالسعادات ابن الأثير ﵀: (( ... والخشوع في الصوت والبصر كالخضوع في البدن)) (٣).
وقال الراغب الأصفهاني: ((الخشوع الضراعة، وأكثر ما يستعمل الخشوع فيما يوجد على الجوارح، والضراعة أكثر ما تستعمل فيما يوجد في القلب ... )) (٤).
وقال الجرجاني ﵀: ((الخشوع، والخضوع، والتواضع: بمعنى واحد ... )) (٥).
وقال الإمام ابن القيم ﵀: ((والخشوع في أصل اللغة: الانخفاض، والذّل، والسكون، قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ
стр. 9
لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً﴾ (١)، أي سكنت، وذلَّت، وخضعت، ومنه وصف الأرض بالخشوع، وهو يبسها، وانخفاضها، وعدم ارتفاعها بالري والنبات، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢)(٣).
ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ (٤)، وقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ (٥)، وقال سبحانه: ﴿خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ (٦)، وقال : ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ * أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ * يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ﴾ (٧). وقال تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾ (٨).
وهذا المعنى الذي دار في هذه الآيات: يدلُّ على الخضوع، والسكون، والتذلُّل لجميع الأعضاء كلها.
ثانياً: الخشوع اصطلاحاً: قال الجرجاني ﵀: ((الخشوع ... في
стр. 10
اصطلاح أهل الحقيقة ... الانقياد للحق، وقيل: هو الخوف الدائم في القلب، قيل من علامات الخشوع: أن العبد إذا غضب أو خُولف أو رُدَّ عليه استقبل ذلك بالقبول)) (١).
وقال الإمام ابن القيم ﵀: ((الخشوع: قيام القلب بين يدي الرب بالخُضُوع والذُّلِّ ... )) (٢).
وقيل: ((الخشوع: الانقياد للحق، وهذا من موجبات الخشوع، فمن علامته: أن العبد إذا خولف ورُدَّ عليه بالحق، استقبل ذلك بالقبول والانقياد)) (٣).
وقيل: ((الخشوع تذلّل القلوب لعلاَّم الغيوب)) (٤).
قال الإمام ابن القيم ﵀: ((وأجمع العارفون على أن الخشوع محله القلب، وثمرته على الجوارح، وهي تظهره)) (٥).
وقال الإمام ابن رجب ﵀: ((وأصل الخشوع: هو لين القلب ورقته، وسكونه، وخضوعه، وانكساره، وحرقته، فإذا خشع القلب تبعه خشوع جميع الجوارح، والأعضاء؛ لأنها تابعة له، كما قال النبي ﷺ : (( ... ألاَ وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ
стр. 11
الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلاَ وَهِيَ الْقَلْبُ)) (١).
فإذا خشع القلب خشع: السمع، والبصر، والرأس، والوجه، وسائر الأعضاء، وما ينشأ منها حتى الكلام؛ [و] لهذا كان النبي ﷺ يقول في ركوعه في الصلاة: (( .. اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، خَشَعَ لَكَ سَمْعِي، وَبَصَرِي، وَمُخِّي، وَعَظْمِي، وَعَصَبِي، .. )) [((وَمَا اسْتَقَلَّتْ بِهِ قَدَمِي))] (٢).
وقيل: الخشوع: الخضوع، والتواضع (٣).
وقال العلامة السعدي ﵀: ((الخوف، والخشية، والخضوع، والإخبات، والوَجَل: معانيها متقاربة، فالخوف يمنع العبد من محارم الله، وتشاركه الخشية في ذلك، وتزيد أنَّ خوفه مقرون بمعرفة الله، وأما الخضوع، والإخبات، والوجل، فإنها تنشأ عن الخوف، والخشية، فيخضع العبد لله، ويخبت إلى ربه منيباً إليه بقلبه، ويحدث له الوجل، وأما الخشوع، فهو حضور القلب وقت تلبّسه بطاعة الله، وسكون ظاهره وباطنه، فهذا خشوع خاص، وأما الخشوع الدائم الذي هو وصف خواصّ المؤمنين، فينشأ من كمال معرفة العبد بربه، ومراقبته، فيستولي ذلك على القلب كما تستولي
стр. 12
المحبة)) (١).
والتعريف المختار: الخشوع: لين القلب، وخضوعه، ورقته، وسكونه، وحضوره وقت تَلبُّسه بطاعة الله، فتتبعه جميع الجوارح والأعضاء ظاهراً وباطناً؛ لأنها تابعة للقلب، وهو أميرها، وهي جنوده، والله تعالى أعلم.
стр. 13
المبحث الثاني: الفرق بين خشوع الإيمان وخشوع النفاق
إذا ظهرت آثار الخشوع على الجوارح، ولم يكن في القلب شيء منه، فهذا خشوع النفاق؛ ولهذا قال حذيفة ﵁: ((إياكم وخشوع النفاق، فقيل له: وما خشوع النفاق؟ قال: أن ترى الجسد خاشعاً، والقلب ليس بخاشع)) (١).
قال الإمام ابن القيم ﵀: ((وقال بعض العارفين: حسن أدب الظاهر عنوان أدب الباطن، ورأى بعضهم رجلاً خاشع المنكبين والبدن، فقال: يا فلان، الخشوع ها هنا - وأشار إلى صدره- لا ها هنا- وأشار إلى منكبيه-، ... )) (٢)، ورأى عمر بن الخطاب ﵁ رجلاً طأطأ رقبته في الصلاة فقال: ((يا صاحب الرقبة، ارفع رقبتك، ليس الخشوع في الرقاب، إنما الخشوع في القلوب)) (٣).
ورأت عائشة ﵂ شباباً يمشون ويتماوتون في مشيتهم، فقالت لأصحابها: من هؤلاء؟ قالوا نُسَّاك (أي عُبَّاد)، فقالت: ((كان عمر بن الخطاب إذا مشى أسرع، وإذا قال أسمع، وإذا ضرب أوجع، وإذا أطعم أشبع، وكان هو الناسك حقّاً)) (٤).
стр. 14
وقال الفضيل: ((كان يُكْرَهُ أن يُرِيَ الرجلُ من الخشوع أكثر مما في قلبه)) (١).
وقال حذيفة ﵁: ((أول ما تفقدون من دينكم الخشوع، وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة، ورُبَّ مُصَلٍّ لا خير فيه، ويوشك أن تدخل مسجد الجماعة، فلا ترى فيهم خاشعاً)) (٢).
وقال سهل: ((من خشع قلبه لم يقرب منه الشيطان)) (٣)(٤).
قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: ((والفرق بين خشوع الإيمان وخشوع النفاق، أن خشوع الإيمان هو خشوع القلب لله بالتعظيم، والإجلال، والوقار، والمهابة، والحياء، فينكسر القلب لله كسرة ملتئمة من الوجل، والخجل، والحب، والحياء، وشهود نعم الله وجناياته هو، فيخشع القلب لا محالة، فيتبعه خشوع الجوارح.
وأما خشوع النفاق، فيبدو على الجوارح تصنُّعاً وتكلُّفاً، والقلب غير خاشع، وكان بعض الصحابة يقول: أعوذ بالله من خشوع النفاق، قيل له: وما خشوع النفاق؟ قال: أن يُرى الجسد خاشعاً، والقلب غير خاشع، فالخاشع لله عبد قد خمدت نيران شهوته،
стр. 15
وسكن دخانها عن صدره، فانجلى الصدر، وأشرق فيه نور العظمة، فماتت شهوات النفس للخوف والوقار الذي حُشِيَ به، وخمدت الجوارح، وتوقّر القلب، واطمأنّ إلى الله وذكره بالسكينة التي نزلت عليه من ربه، فصار مُخبِتاً له، والمخبت (١) المطمئنّ، فإن الخبت من الأرض ما اطمأنّ (٢) فاستنقع فيه الماء.
فكذلك القلب المخبت قد خشع واطمأن (٣) كالبقعة المطمئنة من الأرض التي يجري إليها الماء فيستقر فيها، وعلامته أن يسجد بين يدي ربه - إجلالاً، وذُلاًّ، وانكساراً بين يديه - سجدة، لا يرفع رأسه عنها حتى يلقاه ... فهذا خشوع الإيمان.
وأما التماوت، وخشوع النفاق، فهو حالُ عبدٍ تكلَّف إسكان الجوارح تَصنُّعاً، ومراعاة، ونفسه في الباطن شابة طرية ذات شهوات، وإرادات، فهو يتخشع (٤) في الظاهر، وحية الوادي، وأسد الغابة رابض بين جنبيه ينتظر الفريسة)) (٥).
стр. 16
المبحث الثالث: الخشوع لله في الصلاة علم نافع وعمل صالح
الخشوع علم نافع، وهو عمل صالح من أعمال القلوب، ويتبعها عمل الجوارح، للأحاديث الآتية:
١ - عن جبير بن نفير، عن أبي الدرداء ﵁ قال: ((كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَشَخَصَ بِبَصَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ قَالَ: ((هَذَا أَوَانُ يُخْتَلَسُ الْعِلْمُ مِنَ النَّاسِ، حَتَّى لَا يَقْدِرُوا مِنْهُ عَلَى شَيْءٍ)) فَقَالَ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ ﵁: كَيْفَ يُخْتَلَسُ مِنَّا، وَقَدْ قَرَأْنَا الْقُرْآنَ؟! فَوَاللَّهِ لَنَقْرَأَنَّهُ وَلَنُقْرِئَنَّهُ نِسَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا! فَقَالَ: ((ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ (١) يَا زِيَادُ! إِنْ كُنْتُ لَأَعُدُّكَ مِنْ فُقَهَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، هَذِهِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ عِنْدَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَمَاذَا تُغْنِي عَنْهُمْ؟)).
قَالَ جُبَيْرٌ: فَلَقِيتُ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ، فَقُلْتُ: أَلَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ؟ فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ، قَالَ: صَدَقَ أَبُو الدَّرْدَاءِ، إِنْ شِئْتَ لَأُحَدِّثَنَّكَ بِأَوَّلِ عِلْمٍ يُرْفَعُ مِنْ النَّاسِ: الْخُشُوعُ؛ يُوشِكُ أَنْ تَدْخُلَ مَسْجِدَ الجَامِعِ فَلَا تَرَى فِيهِ رَجُلاً خَاشِعاً)) (٢).
стр. 17
٢ - عن شداد بن أوس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((أوَّلُ ما يُرْفَعُ مِنَ النّاسِ الخُشُوعُ)) (١).
٣ - عن زيد بن أرقم ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال في دعائه: (( ... اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا)) (٢).
وقلب لا يخشع: علمه لا ينفع، وصوته لا يسمع، ودعاؤه لا يرفع (٣).
قال الإمام ابن رجب ﵀: ((فالعلم النافع هو ما باشر القلوب، فأوجب لها السكينة، والخشية، والإخبات لله، والتواضع، والانكسار، وإذا لم يباشر القلب ذلك من العلم، وإنما كان على اللسان، فهو حجة الله على ابن آدم يقوم على صاحبه، وغيره كما قال ابن مسعود ﵁: إن أقواماً يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب يرسخ فيه نفع صاحبه.
وقال الحسن ﵀: العلم علمان: علم باللسان، وعلم
стр. 18
بالقلب، فعلم القلب هو العلم النافع، وعلم اللسان حجة الله على ابن آدم)) (١).
وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ (٢)، وقال : ﴿أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٣).
ووصف اللَّه العلماء من أهل الكتاب قبلنا بالخشوع، فقال سبحانه: ﴿قُلْ آَمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّداً * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً * وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً﴾ (٤)، وقوله سبحانه في وصف هؤلاء الذين أوتوا العلم، ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعاً: مدحٌ لمن أوجب له سماع كتاب الخشوع لله في قلبه)) (٥).
стр. 19
المبحث الرابع: فضائل الخشوع لله تعالى في الصلاة:
ثبت في الخشوع في الصلاة فضائل كثيرة، منها الفضائل الآتية:
١ - من فرَّغ قلبه لله تعالى في صلاته انصرف من خطيئته كيوم ولدته أمه ؛ لحديث عمرو بن عبسة السُّلمي ﵁ الطويل، وفيه أن النبي ﷺ قال بعد أن ذكر فضائل الوضوء: (( .... فَإِنْ هُوَ قَامَ فَصَلَّى، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَمَجَّدَهُ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ، وَفَرَّغَ قَلْبَهُ لِلَّهِ إِلاَّ انْصَرَفَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ .. )) وذكر عمرو بن عبسة ﵁ أنه سمع هذا من النبي ﷺ أكثر من سبع مرات (١).
٢ - من صلى ركعتين لا يُحَدِّث فيهما نفسَه غفر الله له ما تقدم من ذنبه ؛ لحديث عثمان ﵁، أنه حين توضأ وضوءاً كاملاً قال: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ قَالَ: "مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لاَ يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غَفَرَ اللَهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)) (٢).
٣ - من صلَّى صلاةً مكتوبةً فأحسن خشوعها كانت كفّارةً لما قبلها من الذنوب؛ لحديث عثمان ﵁ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((مَا مِنِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ تَحْضُرُهُ صَلَاةٌ مَكْتُوبَةٌ، فَيُحْسِنُ وُضُوءَهَا، وَخُشُوعَهَا، وَرُكُوعَهَا إِلاَّ كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَهَا مِنْ الذُّنُوبِ، مَا لَمْ
стр. 20
يأْتِ كَبِيرَةً، وَذَلِكَ الدَّهْرَ كُلَّهُ)) (١).
٤ - من صَلَّى ركعتين مقبلاً عليهما بقلبه ووجهه وجبت له الجنة ؛ لحديث عقبة بن عامر ﵁، أنه سمع النبي ﷺ يقول: ((مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، مُقْبِلٌ عَلَيْهِمَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ إِلاَّ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ)) (٢).
٥ - الفوز والنجاح والسعادة في الدنيا والآخرة للخاشعين في صلاتهم، قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ *الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (٣).
والخشوع في الصلاة: هو حضور القلب بين يدي الله تعالى، مستحضراً لقربه، فيسكن لذلك قلبه، وتطمئن نفسه، وتسكن حركاته، ويقلُّ التفاته، متأدِّباً بين يدي ربه، مستحضراً جميع ما يقوله ويفعله في صلاته من أول صلاته إلى آخرها، فتنتفي بذلك الوساوس والأفكار الرديئة، وهذا روح الصلاة، والمقصود منها، وهو الذي يكتب للعبد، فالصلاة التي لا خشوع فيها، ولا حضور قلب، وإن كانت مجزئة مثاباً عليها، فإن الثواب على حسب ما يعقل القلب منها (٤).
٦ - المغفرة والأجر العظيم للخاشعين ؛ لقول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ
стр. 21
أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (١).
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ (٢).
٧ - الخاشعون والخاضعون لله مُبشَّرون بكل خير في الدنيا والآخرة ؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ (٣).
قال الراغب الأصفهاني ﵀: ((الخبت: المطمئن من الأرض ... ثم استعمل الإخباتُ استعمال اللين والتواضع، قال الله تعالى: ﴿وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٤).
стр. 22
وقال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ (١)، أي المتواضعين، نحو: ﴿الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ (٣) أي تلين وتخشع، والإخبات هنا قريب من الهبوط في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ (٤).
وقال ابن منظور ﵀: ((الخبت ما اطمأن من الأرض واتَّسع ... ﴿وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ (٥) أي تواضعوا، وقال الفرّاء: أي تخشَّعوا لربهم ... وأخبت لله: خشع، وأخبت: تواضع، وكلاهما من الخبت، وفي التنزيل العزيز: ﴿فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾﴾ (٦) فسَّره ثعلب بأنه التواضع، وفي حديث الدعاء: ((وَاجْعَلْنِي لَكَ مُخْبِتَاً)) (٧) أي خاشعاً مطيعاً، والإخبات: الخشوع والتواضع (٨).
وقال ابن الأثير ﵀: ((وَاجْعَلْنِي لَكَ مُخْبِتَاً)) (٩) أي خاشعاً
стр. 23
مطيعاً، والإخبات: الخشوع والتواضع، وقد أخبت لله: يخبت .. وأصلها من الخبت المطمئن من الأرض)) (١).
وذكر الإمام ابن القيم ﵀ هذه المعاني السابقة، ثم قال: ((والخبت في أصل اللغة: المكان المنخفض من الأرض ... ))، ثم قال: ((وقال إبراهيم النخعي: المصلُّون المخلصون، وقال الكلبي: هم الرقيقة قلوبهم .. وهذه الأقوال تدور على معنيين: التواضع، والسكون إلى الله ... )) (٢).
٨ - الخشوع والتواضع لله من أعظم أسباب دخول الجنة ، والنجاة من النار؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٣).
٩ - الخشوع لله تعالى يورث هداية الله تعالى وتثبيته؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٤).
قال العلامة السعدي ﵀: ((﴿فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ أي تخشع، وتخضع، وتسلِّم لحكمته، وهذا من هدايته إياهم ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ بسبب إيمانهم ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ علم بالحق، وعمل بمقتضاه، فيثبِّت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة
стр. 24
الدنيا وفي الآخرة، وهذا النوع من تثبيت الله لعبده)) (١).
١٠ - أفضل الناس أخشعهم لله تعالى ، فالخشوع لله تعالى إذا كان بسبب معرفة الله بأسمائه وصفاته، وأفعاله، والرغبة فيما عنده، والخشية من عقابه، ومبْنيٌّ على حبه، وخوفه مع رجائه، فهذا كلُّه يجعل العبد أفضل الناس؛ ولهذا قال سفيان رحمه الله تعالى: ((أجهل الناس من ترك ما يعلم، وأعلم الناس من عمل بما يعلم، وأفضل الناس أخشعهم لله)) (٢).
وقال سفيان أيضاً: ((يراد للعلم: الحفظ، والعمل، والاستماع، والإنصات، والنشر)) (٣).
وقال سفيان أيضاً ﵀: ((كان يُقال: العلماء ثلاثة: عالم بالله يخشى الله، ليس بعالم بأمر الله، وعالمٌ بالله، عالم بأمر الله، يخشى الله، فذاك العالم الكامل، وعالم بأمر الله، ليس بعالم بالله، لا يخشى الله، فذلك العالم الفاجر)) (٤).
وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: ((هذه الكلمات ينبغي أن تنقل)) (٥).
١١ - مَنْ أتمَّ الصَّلوات الخمس بخشوع كان له على الله عهد أن يغفر له ؛ لحديث عبادة بن الصامت ﵁ قال ... أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ
стр. 25
رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((خَمْسُ صَلَوَاتٍ افْتَرَضَهُنَّ اللَّهُ تَعَالَى، مَنْ أَحْسَنَ وُضُوءَهُنَّ، وَصَلاَّهُنَّ لِوَقْتِهِنَّ، وَأَتَمَّ رُكُوعَهُنَّ، وَخُشُوعَهُنَّ، كَانَ لَهُ عَلَى اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ، وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَيْسَ لَهُ عَلَى اللَّهِ عَهْدٌ، إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ)) (١).
١٢ - مدح الله تعالى الخاشعين في طاعته ووصفه لهم بالعلم ؛ لقوله تعالى: ﴿أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٢)، والقنوت هنا هو الخشوع في الطاعة؛ ولهذا قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى: (( ... القنوت يرد في القرآن على قسمين: قنوت عام، كقوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ (٣) أي الكل عبيد خاضعون لربوبيّته، وتدبيره، والنوع الثاني: وهو الأكثر في القرآن: القنوت الخاص، وهو دوام الطاعة لله على وجه الخشوع، مثل قوله تعالى: ﴿أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً﴾ (٤)، وقوله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٥)، وقوله: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي﴾ (٦)، وقوله:
стр. 26
﴿وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾ (١)، ونحوها)) (٢).
وقد قال الراغب الأصفهاني ﵀: ((القنوت لزوم الطاعة مع الخضوع، وفُسِّرَ بكل واحد منهما في قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾﴾ (٣)، وقوله: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ (٤) قيل: خاضعون، وقيل: طائعون، وقيل: ساكتون، ولم يُعْنَ به كل السكوت، وإنما عُنِيَ به ما قال عليه الصلاة السلام: ((إِنَّ هَذِهِ الصَّلاَةَ لاَ يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلاَمِ النَّاسِ، إِنَمَّا هُوَ التَّسْبِيحُ، وَالتَّكْبِيرُ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ)) (٥)، وعلى هذا قيل: أي الصلاة أفضل؟ قال: ((طُولُ القُنُوتِ)) (٦) أي الاشتغال بالعبادة، ورفض كل ما سواه، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً﴾ (٧)، وقال: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ (٨)، وقال: ﴿أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً﴾ (٩)، وقال: ﴿اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ (١٠)، وقال:
﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (١١)، وقال: ﴿وَالْقَانِتِينَ
стр. 27
وَالْقَانِتَاتِ﴾ (١)، وقال : ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ﴾ (٢)(٣).
والقنوت في الحديث يُروَى بمعانٍ متعددةٍ، فيطلق على: الخشوع، والطاعة، والصلاة، والدعاء، والعبادة، والقيام، وطول القيام، والسكوت، والسكون، وإقامة الطاعة، والخضوع (٤)، وقد ذكر الحافظ ابن حجر ﵀ أن ابن العربي ذكر أن القنوت ورد لعشرة معانٍ، نظمها الحافظ زين الدين العراقي، فقال:
((ولفظ القنوت اعدد معانيه تجد ... مزيداً على عشرة معاني مرضيَّه
دعاءٌ، خشوعٌ، والعبادة، طاعة ... إقامتها، إفراده بالعبودية
سكوتٌ، صلاة، ٌ والقيام، وطوله ... كذا دوام الطاعة الرابح القنية)) (٥)
ويصرف كل واحدة من هذه المعاني إلى ما يدل عليه الحديث، أو الكلام الوارد فيه، وما يقتضيه سياقه (٦).
١٣ - أثنى الله على من يوجل قلبه لذكر الله بأنه يخافه ويخشاه، ووصفه بالإيمان الكامل، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ
стр. 28
الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ * قَالُوا لَا تَوْجَلْ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ * الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ (٤).
ووجل القلب: الوجل: استشعار الخوف، يقال: وَجِلَ يَوْجَلُ وَجَلاً، فهو وَجِل (٥).
قال ابن كثير ﵀: ((﴿وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾: فرقت: أي فزعت وخافت، وهذه صفة المؤمن ... الذي إذا ذكر الله وجل قلبه: أي خاف منه، ففعل أوامره، وترك زواجره)) (٦).
وقال السعدي ﵀: ((أي خافت ورهبت فأوجبت لهم خشية الله تعالى الانكفاف عن المحارم، فإن خوف الله تعالى أكبر علاماته أن يحجز صاحبه عن الذنوب)) (٧)، وقال ﵀: ((الخوف، والخشية، والخضوع، والإخبات، والوجل معانيها متقاربة، فالخوف يمنع العبد من محارم الله، وتشاركه الخشية في ذلك، وتزيد أن خوفه مقرون بمعرفة الله، وأما الخضوع، والإخبات،
стр. 29
والوجل، فإنها تنشأ عن الخوف، والخشية، فيخضع العبد لله، ويخبت إلى ربه منيباً إليه بقلبه، ويحدث له الوجل، وأما الخشوع: فهو حضور القلب وقت تلبّسه بطاعة الله، وسكون ظاهره وباطنه، فهذا خشوع خاص، وأما الخشوع الدائم الذي هو وصف خوّاص المؤمنين، فينشأ من كمال معرفة العبد ربه، ومراقبته، فيستولي ذلك على القلب، كما تستولي المحبة)) (١).
١٤ - وصف الله من يقشعر جلده عند قراءة القرآن بالخشية لله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (٢)، فحصل لهم قشعريرة الجلد، ثم لين القلب والجلد.
قال الراغب الأصفهاني ﵀: ((﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ (٣) أي يعلوها قشعريرة)) (٤).
وقال الإمام ابن كثير ﵀: ((هذه صفة الأبرار عند سماع كلام الجبار، المهيمن العزيز الغفار؛ لما يفهمونه من الوعد والوعيد، والتخويف والتهديد، تقشعر منه جلودهم من الخشية والخوف، ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ كما يرجون
стр. 30
ويؤملون من رحمته ولطفه ... )) (١).
وقال العلامة السعدي ﵀: ((﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ لما فيه من التخويف والترهيب المزعج ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي عند ذكر الرجاء والترغيب، فهو تارة يرغبهم لعمل الخير، وتارة يرهبهم من عمل الشر)) (٢).
стр. 31
المبحث الخامس: الفرق بين الخشوع والوجل والقنوت والسكينة والإخبات والطمأنينة
الفرق بين هذه الأمور على النحو الآتي:
١ - الخشوع: لين القلب وخضوعه، ورقته، وسكونه، وحضوره وقت تلبُّسه بالطاعة، فتتبعه جميع الجوارح والأعضاء: ظاهراً وباطناً؛ لأنها تابعة للقلب، وهو أميرها، وهي جنوده، والله تعالى أعلم (١).
٢ - الوجل: الخوف الموجب لخشية الله تعالى، وأكبر علاماته: أن يقوم صاحبه بفعل أوامر الله، وترك نواهيه رغبة فيما عنده من الثواب، وخوفاً مما عنده من العقاب، والله تعالى أعلم (٢).
٣ - القنوت: القنوت يرد في القرآن على قسمين:
القسم الأول: قنوت عام لجميع المخلوقات، كقوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ (٣)، والمعنى: الكل عبيد خاضعون لربوبيَّته، وتدبيره ، لا معبود بحق سواه.
القسم الثاني، وهو الأكثر في القرآن الكريم: القنوت الخاص: وهو دوام الطاعة لله على وجه الخشوع، مثل قوله تعالى: ﴿أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً﴾ (٤)، ونحو ذلك (٥)، والقنوت أيضاً
стр. 32
يرد لعشرة معانٍ أخرى، تقدم ذكرها بالتفصيل (١).
٤ - السكينة:
قيل: السكينة: المهابة والرَّزانة والوقار (٢).
وقيل: ما يجده القلب من الطمأنينة ... وهي نور في القلب يسكن إلى شاهده، ويطمئن وهو مبادئ عين اليقين (٣).
وقيل: السكينة: الطمأنينة (٤)، وتأتي السكينة بمعنى: الوقار، والتَّأنِّي في الحركة والسير: ((السكينةَ، السكينةَ)) أي الزموا السكينة (٥)، وفي حديث الخروج إلى الصلاة: ((فليأتِ وعليه السكينة)) (٦).
وقد ذكر الله سبحانه ((السكينة)) في كتابه في ستة مواضع:
الأول: قوله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٧).
الثاني: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى
стр. 33
الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١).
الثالث: قوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾ (٢).
الرابع: قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ (٣).
الخامس: قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾ (٤).
السادس: قوله تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٥).
قال الإمام ابن القيم ﵀: ((وأصل السكينة هي الطمأنينة والوقار، والسكون الذي ينزله الله في قلب عبده، عند اضطرابه من شدة المخاوف، فلا ينزعج بعد ذلك لما يرد عليه، ويوجب له زيادة الإيمان، وقوة اليقين والثبات.
стр. 34
ولهذا أخبر سبحانه عن إنزالها على رسوله ﷺ ، وعلى المؤمنين في مواضع القلق والاضطراب، كيوم الهجرة، إذ هو وصاحبه في الغار، والعدو فوق رؤوسهم، لو نظر أحدهم إلى ما تحت قدميه لرآهما، وكيوم حُنَيْن، حين وَلَّوْا مدبرين من شدة بأس الكفار، لا يلوي أحد منهم على أحد، وكيوم الحديبية حين اضطربت قلوبهم من تحكُّمِ الكفار عليهم، ودخولهم تحت شروطهم التي لا تحملها النفوس، وحسبك بضعف عمر ﵁ عن حملها، وهو عمر، حتى ثَبَّتَهُ اللَّهُ بالصِّدِّيق ﵁.
قال ابن عباس ﵄: ((كل سكينة في القرآن فهي طمأنينة، إلا التي في سورة البقرة)) (١).
وفي الصحيحين عن البراء بن عازب ﵄ قال: ((رأيت النبي ﷺ نقل من تراب الخندق، حتى وارى الترابُ جلدةَ بطنه، وهو يرتجز بكلمة عبد الله بن رواحة ﵁:
اللَّهُمَّ لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقْنا ولا صلَّينا
فأنزلنْ سكينةً علينا ... وثبِّت الأقدام إن لاقينا
إنَّ الأُلى قد بَغَوا علينا ... وإنْ أرادوا فتنة أبينا)) (٢)(٣)
стр. 35
وقال العلامة السعدي ﵀: ((والسكينة ما يجعله الله في القلوب وقت القلاقل، والزلازل، والمفظعات، مما يثبِّتها، ويسكِّنها، ويجعلها مطمئنة، وهي من نعم الله العظيمة على العباد)) (١)، وهي: ((الثبات والطمأنينة، والسكون المُثَبِّتَة للفؤاد)) (٢).
قال الإمام ابن القيم ﵀: (((السكينة) إذا نزلت على القلب اطمأنّ بها، وسكنت إليها الجوارح، وخشعت، واكتسبت الوقار، وأنطقت اللسان بالصواب، والحكمة، وحالت بينه وبين قول الخنا، والفحش، واللغو، والهجر، وكل باطل. قال ابن عباس ﵄: ((كُنَّا نَتَحدَّث أن السكينة تنطق على لسان عمر وقلبه)) (٣).
وكثيراً ما ينطق صاحب (السكينة) بكلام لم يكن عن فكرة منه، ولا روِّية، ولا هبة، ويستغربه هو من نفسه، كما يستغرب السامع له، وربّما لا يعلم بعد انقضائه بما صدر منه.
وأكثر ما يكون: هذا عند الحاجة، وصدق الرغبة من السائل، والمجالس، وصدق الرغبة منه: هو إلى الله، والإسراع بقلبه إلى بين يديه، وحضرته، مع تجرُّدِه من الأهواء، وتجريده النصيحة لله
стр. 36
ولرسوله، ولعباده المؤمنين، وإزالة نفسه من البين)) (١).
ومن السكينة: سكينة الخشوع عند القيام بالعبادة لله تعالى، وهو الوقار، والخشوع الذي يحصل لصاحب مقام الإحسان.
ولما كان الإيمان موجباً للخشوع، وداعياً إليه، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ (٢) دعاهم من مقام الإيمان إلى مقام الإحسان، يعني: أما آن لهم أن يَصِلُوا إلى الإحسان بالإيمان؟ وتحقيق ذلك بخشوعهم لذكره الذي أنزله إليهم؟)) (٣).
٥ - الإخبات: التواضع والخشوع، واللين، والسكون (٤).
وهو من أول مقامات الطمأنينة: كالسكينة، واليقين، والثقة بالله تعالى، ونحوها، فالإخبات مقدماتها، ومبدؤها، والإخبات أوَّلُ مقام يتخلَّص فيه العبد من التردُّد، الذي هو نوع غفلة وإعراض (٥).
٦ - الطمأنينة: قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (٦)، وقال تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي *
стр. 37
وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ (١).
(الطمأنينة) سكون القلب إلى الشيء، وعدم اضطرابه وقلقه، ومنه الأثر المعروف: ((دعْ مَا يَرِيْبُكَ إِلَى مَا لاَ يَرِيْبُكَ فَإِنَّ الصِّدْقُ طُمَأْنِينَةٌ، وَإِنَّ الْكَذِبَ رِيبَةٌ)) (٢) أي الصدق يطمئن إليه قلب السامع، ويجد عنده سكوناً إليه، والكذب يوجب له اضطراباً وارتياباً، ومنه قول النَّبيِّ ﷺ : ((الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ)) (٣) أي سكن إليه، وزال عنه اضطرابه وقلقه.
وقال الإمام ابن كثير ﵀: ((﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي: تطيب وتركن إلى جانب الله، وتسكن عند ذكره، وترضى به مولىً ونصيراً؛ ولهذا قال: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ أي: هو حقيق بذلك)) (٤).
وقال العلامة السعدي ﵀: ((﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي: يزول قلقها واضطرابها، وتحضرها أفراحها ولذاتها.
стр. 38
﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ أي: حقيق بها، وحريٌّ بها أن لا تطمئنَّ لشيء سوى ذكره؛ فإنه لا شيء ألذ للقلوب، ولا أشهى، ولا أحلى من محبة خالقها، والأنس به ومعرفته)) (١).
وقال الإمام ابن القيم ﵀: ((وفي قوله تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾ (٢) دليل على أنها لا ترجع إليه إلا إذا كانت مطمئنة، فهناك ترجع إليه، وتدخل في عباده، وتدخل جنته، وكان من دعاء بعض السلف: ((اللهم هب لي نفسا مطمئنة إليك)) (٣).
стр. 39
المبحث السادس: حكم الخشوع في الصلاة
الخشوع في الصلاة واجب على الصحيح (١)
للأدلة الآتية:
стр. 40
١ - قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ (١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ((وهذا يقتضي ذم غير الخاشعين ... وإذا كان غير الخاشعين مذمومين دل ذلك على وجوب الخشوع ... فثبت أن الخشوع و (٣) في الصلاة)) (٢).
٢ - قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ* الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ*وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ*وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ*وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ*إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ*فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ*وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ*وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ*أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ*الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٣).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ((وذلك يقتضي أنه لا يرثها غيرهم، وقد دلَّ هذا على وجوب هذه الخصال، إذ لو كان فيها ما يستحب لكانت جنة الفردوس تورث بدونها؛ لأن الجنة تنال