← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 96463

الخشوع في الصلاة في ضوء الكتاب والسنة

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (419 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ولرسوله، ولعباده المؤمنين، وإزالة نفسه من البين)) (١). ومن السكينة: سكينة الخشوع عند القيام بالعبادة لله تعالى، وهو الوقار، والخشوع الذي يحصل لصاحب مقام الإحسان. ولما كان الإيمان موجباً للخشوع، وداعياً إليه، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ (٢) دعاهم من مقام الإيمان إلى مقام الإحسان، يعني: أما آن لهم أن يَصِلُوا إلى الإحسان بالإيمان؟ وتحقيق ذلك بخشوعهم لذكره الذي أنزله إليهم؟)) (٣). ٥ - الإخبات: التواضع والخشوع، واللين، والسكون (٤). وهو من أول مقامات الطمأنينة: كالسكينة، واليقين، والثقة بالله تعالى، ونحوها، فالإخبات مقدماتها، ومبدؤها، والإخبات أوَّلُ مقام يتخلَّص فيه العبد من التردُّد، الذي هو نوع غفلة وإعراض (٥). ٦ - الطمأنينة: قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (٦)، وقال تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي *

стр. 37

وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ (١). (الطمأنينة) سكون القلب إلى الشيء، وعدم اضطرابه وقلقه، ومنه الأثر المعروف: ((دعْ مَا يَرِيْبُكَ إِلَى مَا لاَ يَرِيْبُكَ فَإِنَّ الصِّدْقُ طُمَأْنِينَةٌ، وَإِنَّ الْكَذِبَ رِيبَةٌ)) (٢) أي الصدق يطمئن إليه قلب السامع، ويجد عنده سكوناً إليه، والكذب يوجب له اضطراباً وارتياباً، ومنه قول النَّبيِّ ﷺ : ((الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ)) (٣) أي سكن إليه، وزال عنه اضطرابه وقلقه. وقال الإمام ابن كثير ﵀: ((﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي: تطيب وتركن إلى جانب الله، وتسكن عند ذكره، وترضى به مولىً ونصيراً؛ ولهذا قال: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ أي: هو حقيق بذلك)) (٤). وقال العلامة السعدي ﵀: ((﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي: يزول قلقها واضطرابها، وتحضرها أفراحها ولذاتها.

стр. 38

﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ أي: حقيق بها، وحريٌّ بها أن لا تطمئنَّ لشيء سوى ذكره؛ فإنه لا شيء ألذ للقلوب، ولا أشهى، ولا أحلى من محبة خالقها، والأنس به ومعرفته)) (١). وقال الإمام ابن القيم ﵀: ((وفي قوله تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾ (٢) دليل على أنها لا ترجع إليه إلا إذا كانت مطمئنة، فهناك ترجع إليه، وتدخل في عباده، وتدخل جنته، وكان من دعاء بعض السلف: ((اللهم هب لي نفسا مطمئنة إليك)) (٣).

стр. 39

المبحث السادس: حكم الخشوع في الصلاة الخشوع في الصلاة واجب على الصحيح (١) للأدلة الآتية:

стр. 40

١ - قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ (١). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ((وهذا يقتضي ذم غير الخاشعين ... وإذا كان غير الخاشعين مذمومين دل ذلك على وجوب الخشوع ... فثبت أن الخشوع و (٣) في الصلاة)) (٢). ٢ - قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ* الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ*وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ*وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ*وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ*إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ*فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ*وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ*وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ*أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ*الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٣). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ((وذلك يقتضي أنه لا يرثها غيرهم، وقد دلَّ هذا على وجوب هذه الخصال، إذ لو كان فيها ما يستحب لكانت جنة الفردوس تورث بدونها؛ لأن الجنة تنال

стр. 41

بفعل الواجبات دون المستحبات؛ ولهذا لم يذكر في هذه الخصال إلا ما هو واجب، وإذا كان الخشوع في الصلاة واجباً، فالخشوع يتضمن السكينة، والتواضع جميعاً ... ولهذا كان النبي ﷺ يقول في حال ركوعه: ((اللهم لك ركعتُ، وبك آمنتُ، ولك أسلمتُ، خشع لك سمعي وبصري، ومُخِّي، وعظمي، وعصبي)) (١)، فوصف نفسه بالخشوع في حال الركوع؛ لأن الراكع ساكن متواضع ... )) (٢). وقد جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (٣) أقوال: فقيل: ((خائفون ساكنون))، وقيل: ((الخشوع في القلب))، وقيل: ((الخشوع: الرهبة لله))، وقيل: ((الخشوع في القلب، وأن يلين كنفه للمرء المسلم، وأن لا تلتفت في صلاتك، والخوف، وغض البصر في الصلاة، وخفضه وسكونه ضد تقليبه في الجهات، ومن ذلك خشوع الصوت (٤). فإذا كان الخشوع في الصلاة واجباً، وهو متضمن للسكون والخشوع، فمن نقر نقر الغراب لم يخشع في سجوده، وكذلك من لم يرفع رأسه من الركوع ويستقر قبل أن ينخفض، لم يسكن؛ لأن السكون هو الطمأنينة بعينها، فمن لم يطمئن لم يسكن، ومن لم يسكن لم يخشع في ركوعه، ولا في سجوده، ومن لم يخشع كان

стр. 42

آثماً عاصياً (١). ٣ - مما يدل على وجوب الخشوع في الصلاة: أن الله ينصرف عن من التفت فيها لغير حاجة؛ لحديث أبي ذر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لَا يَزَالُ اللَّهُ مُقْبِلاً عَلَى الْعَبْدِ فِي صَلَاتِهِ، مَا لَمْ يَلْتَفِتْ، فَإِذَا الْتَفَتَ انْصَرَفَ عَنْهُ)) وهذا لفظ أبي داود، ولفظ النسائي وأحمد: ((لَا يَزَالُ اللَّهُ مُقْبِلاً عَلَى الْعَبْدِ فِي صَلَاتِهِ، مَا لَمْ يَلْتَفِتْ، فَإِذَا صَرَفَ وَجْهَهُ انْصَرَفَ عَنْهُ)) (٢). ٤ - ومما يدل على وجوب الخشوع أيضاً: حديث الحارث الأشعري ﵁ الطويل عن النبي ﷺ وفيه: (( ... وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ، فَإِذَا صَلَّيْتُمْ فَلَا تَلْتَفِتُوا؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَنْصِبُ وَجْهَهُ لِوَجْهِ عَبْدِهِ فِي صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ .. )) هذا لفظ الترمذي، ولفظ أحمد: (( ... وَآمُرُكُمْ بِالصَّلَاةِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَنْصِبُ وَجْهَهُ لِوَجْهِ عَبْدِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ، فَإِذَا صَلَّيْتُمْ فَلَا تَلْتَفِتُوا ... )) (٣).

стр. 43

٥ - ويدل على وجوب الخشوع، حديث جابر بن سمرة ﵁ - قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: ((مَا لِي أَرَاكُمْ رَافِعِي أَيْدِيكُمْ كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْلٍ شُمْسٍ (١)، اسْكُنُوا فِي الصَّلَاةِ .. )) (٢). ٦ - ومما يدل على وجوب الخشوع في الصلاة قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ*الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ (٣)، قال الإمام ابن القيم ﵀: ((وليس السهو عنها تركها، وإلا لم يكونوا مصلين، وإنما هو السهو عن واجبها: إما عن الوقت، كما قال ابن مسعود وغيره، وإما عن الحضور والخشوع، والصواب أنه يعمّ النوعين؛ فإنه سبحانه أثبت لهم صلاة، ووصفهم بالسهو عنها، فهو السهو عن وقتها الواجب، أو عن إخلاصها، وحضورها الواجب؛ ولذلك وصفهم بالسهو، ولو كان السهو تركاً لما كان هناك رياء .. )) (٤). وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن وسواس الرجل في صلاته، وما حد المبطل للصلاة؟ وما حد المكروه منه، وهل يُباح منه شيء في الصلاة؟ وهل يعذّب الرجل في شيء منه؟ وما حدّ الإخلاص في الصلاة؟ ... [وقول بعض السلف]: ((لَيْسَ لِأَحَدِكُمْ مِنْ

стр. 44

صَلَاتِهِ إلَّا مَا عَقَلَ مِنْهَا)) (١). فأجاب: ((الحمد لله، الوسواس نوعان: أحدهما: لا يمنع ما يؤمر به من تدبر الكلم الطيب، والعمل الصالح الذي في الصلاة، بل يكون بمنزلة الخواطر، فهذا لا يبطل الصلاة؛ لكن من سلمت صلاته منه فهو أفضل ممن لم تسلم منه صلاته، الأول شبه حال المقربين، والثاني: شبه حال المقتصدين. وأما الثالث: فهو ما منع الفهم، وشهود القلب، بحيث يصير الرجل غافلاً، فهذا لا ريب أنه يمنع الثواب، كما روى أبو داود في سننه، عن عمار بن ياسر، عن النبي ﷺ قال: (إن الرجل لينصرف من صلاته، ولم يكتب له منها إلا نصفها، إلا ثلثها، إلا ربعها، إلا خمسها، إلا سدسها، حتى قال إلا عشرها)) (٢)، فأخبر ﷺ أنه قد لا يكتب له منها إلا العشر. وقال ابن عباس: ((ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها)) (٣)، ولكن هل يبطل الصلاة ويوجب الإعادة؟ فيه تفصيل، فإنه إن كانت الغفلة في الصلاة أقل من الحضور، والغالب الحضور، لم تجب

стр. 45

الإعادة، وإن كان الثواب ناقصاً، فإن النصوص قد تواترت بأن السهو لا يبطل الصلاة، وإنما يجبر بعضه بسجدتي السهو، وأما إن غلبت الغفلة على الحضور، ففيه للعلماء قولان: أحدهما: لا تصح الصلاة في الباطن، وإن صحت في الظاهر، كحقن الدم؛ لأن مقصود الصلاة لم يحصل، فهو شبيه صلاة المرائي، فإنه بالاتفاق لا يبرأ بها في الباطن، وهذا قول أبي عبد الله ابن حامد، وأبي حامد الغزالي وغيرهما. والثاني: تبرأ الذمة، فلا تجب عليه الإعادة، وإن كان لا أجر له فيها، ولا ثواب، بمنزلة صوم الذي ((لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إلَّا الْجُوعُ وَالْعَطَشُ)) (١)، وهذا هو المأثور عن الإمام أحمد، وغيره من الأئمة، واستدلوا بما في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال ((إذَا أذَّنَ الْمُؤَذِّنُ بِالصَّلاَةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ، حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ، فَإِذَا قَضَى التَّأْذِينَ أَقْبَلَ، حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ، حَتَّى إِذَا قَضَى التَّثْوِيبَ أَقْبَلَ، حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ، يَقُولُ اذْكُرْ كَذَا، اذْكُرْ كَذَا، مَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ، حَتَّى يَظَلَّ لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى، فَإِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ ذَلِكَ، فَلْيَسْجُدْ

стр. 46

سَجْدَتَيْنِ)) (١)، فقد أخبر النبي ﷺ أن الشيطان يذكِّره بأمور حتى لا يدري كم صلى، وأمره بسجدتين للسهو، ولم يأمره بالإعادة، ولم يفرّق بين القليل والكثير. وهذا القول أشبه وأعدل؛ فإن النصوص والآثار إنما دلت على أن الأجر والثواب مشروط بالحضور، لا تدل على وجوب الإعادة، لا باطناً ولا ظاهراً، والله أعلم (٢).

стр. 47

المبحث السابع: منزلة الخشوع في الصلاة الخشوع في الصلاة بمنزلة الروح من الجسد، فإذا فُقِدَت الروح مات الجسد، فالخشوع روح الصلاة، ولبُّها. قال الإمام ابن القيم ﵀: (( ... وكذلك فَوتُ الخشوع في الصلاة، وحضور القلب فيها بين يدي الرب ﵎، الذي هو روحها، ولُبُّها، فصلاةٌ بلا خشوعٍ، ولا حضور، كبدنٍ ميِّتٍ لا روح فيه، أفلا يستحي العبد أن يُهدي إلى مخلوقٍ مثله عبداً ميِّتاً، أو جارية ميِّتة؟ فما ظن هذا العبد أن تقع تلك الهدية ممن قصده بها: من ملكٍ، أو أميرٍ، أو غيره، فهكذا؛ سواء الصلاة الخالية عن الخشوع، وجمع الهمة على الله تعالى فيها، بمنزلة هذا العبد - أو الأمة - الميِّت الذي يريد إهداءه إلى بعض الملوك؛ ولهذا لا يقبلها الله تعالى منه، وإن أسقطت الفرض في أحكام الدنيا، ولا يثيبه عليها؛ فإنه ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل منها .. )) (١). وذكر ابن القيم ﵀ قول من قال: إن غلب على المصلِّي عدم الخشوع في الصلاة، وعدم تعقُّلِها وجب عليه إعادتها، واحتجوا: بأنها صلاة لا يُثاب عليها، ولم يُضمن له فيها الفلاح، فلم تبرأ ذمته منها ... ؛ ولأن الخشوع، والتعقُّلَ: روح الصلاة، ومقصودها، ولبُّها، فكيف يُعتدّ بصلاةٍ فقدت روحها، ولبَّها، وبقيت صورتها وظاهرها؟ وقالوا: ولو ترك العبد واجباً من واجباتها عمداً

стр. 48

لأبطلها تركه، وغايته أن يكون بعضاً من أبعاضها، بمنزلة فوات عضو من أعضاء العبد المعتق في الكفارة، فكيف إذا عدمت روحها، ولُبَّها، وصارت بمنزلة العبد الميِّت، فإذا لم يعتدّ بالعبد المقطوع اليد، يعتقه تقرّباً لله تعالى في كفارة واجبة، فكيف يعتدّ بالعبد الميت .. ؟؟ وذكر بأن حجج أصحاب هذا القول قويّة ظاهرة. ولكنه ﵀ رجّح القول الثاني الذي لا يوجب الإعادة، وإنما يفُوت المصلِّي غير الخاشع الثواب بقدر ما فاته من الخشوع في صلاته، ويفوته ما يحصل من الدرجات العُلا في الآخرة، ومرافقة المقرّبين، كل هذا يفوته بفوات الحضور والخضوع، وذَكَر أن الرجلين ليكون مقامهما في الصف واحداً، وبين صلاتيهما كما بين السماء والأرض، فإن أراد الإعادة لتحصل هذه الثمرات والفوائد فذاك إليه إن شاء أن يحصِّلها، وإن شاء أن يفوّتها على نفسه فوَّتها، ولا نلزمه بإعادتها ولا نعاقبه على تركها، ولا نرتب عليه أحكام تارك الصلاة، وهذا أرجح القولين (١). وكلام ابن القيم ﵀ هنا مختص بحضور القلب وخشوعه في الصلاة، أما من نقر الصلاة، ولم يتم ركوعها، أو سجودها، أو ترك شيئاً من شروطها، أو أركانها، أو تعمّد ترك واجب من واجباتها، فلا شكّ أن الإعادة تجب عليه. ومما يدل على عظم منزلة الخشوع في الصلاة: أن الله تعالى

стр. 49

يُعرِض عن من التفت بقلبه أو ببصره؛ لحديث أبي ذر ﵁، يرفعه إلى النبي ﷺ : ((لاَ يَزَالُ اللَّهُ مُقْبِلا عَلَى الْعَبْدِ فِي صَلاتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ، فَإِذَا الْتَفَتَ انْصَرَفَ عَنْهُ)) (١)؛ ولحديث الحارث الأشعري يرفعه، وفيه: (( ... وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ، فَإِذَا صَلَّيْتُمْ فَلَا تَلْتَفِتُوا؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَنْصِبُ وَجْهَهُ لِوَجْهِ عَبْدِهِ فِي صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ ... )) (٢). قال الإمام ابن القيم ﵀: ((الالتفات المنهيُّ عنه في الصلاة قسمان: أحدهما: التفات القلب عن الله إلى غير الله تعالى. والثاني: التفات البصر، وكلاهما منهي عنه، ولا يزال الله مقبلاً على عبده ما دام العبد مقبلاً على صلاته، فإذا التفت بقلبه أو بصره، أعرض الله تعالى عنه ... ومثل من يلتفت في صلاته ببصره أو بقلبه مثل رجل قد استدعاه السلطان، فأوقفه بين يديه، وأقبل يناديه ويخاطبه، وهو في خلال ذلك يلتف عن السلطان يميناً وشمالاً، وقد انصرف قلبه عن السلطان، فلا يفهم ما يخاطبه به؛ لأن قلبه ليس حاضراً معه، فما ظنُّ هذا الرجل أن يفعل به السلطان، أفليس أقلّ المراتب في حقه أن ينصرف من بين يديه ممقوتاً مبعداً، قد

стр. 50

سقط من عينيه؟ فهذا المُصلِّي لا يستوي والحاضر القلب المقبل على الله تعالى في صلاته، الذي قد أشعر قلبه عظمة من هو واقف بين يديه، فامتلأ قلبه من هيبته، وذلَّ عُنُقه له، واستحيى من ربه تعالى أن يقبل على غيره، أو يلتفت عنه، وبين صلاتيهما كما قال حسان بن عطية: إن الرجلين ليكونان في الصلاة الواحدة، وإن ما بينهما في الفضل كما بين السماء والأرض؛ وذلك أن أحدهما مقبل بقلبه على الله ، والآخر ساهٍ غافلٌ، فإذا أقبل العبد على مخلوق مثله، وبينه وبينه حجاب لم يكن إقبالاً ولا تقرّباً، فما الظن بالخالق ، وإذا أقبل على الخالق ، وبينه وبينه حجاب: الشهوات، والوساوس، والنفس مشغوفة بها، ملْأى منها، فكيف يكون ذلك إقبالاً، وقد ألهته الوساوس، والأفكار، وذهبت به كل مذهب)) (١).

стр. 51

المبحث الثامن: حكم الوسواس في الصلاة الوسواس في الصلاة يدل على عدم كمال الإيمان، وعلى عدم استحضار العبد عظمة الله، وعدم الإحسان الكامل في الصلاة؛ فإن الإحسان في الصلاة: هو أن يصلّي المُصلِّي كأنه يرى الله؛ فإن لم يكن يراه فإنه يراه، كما قال النبي ﷺ حينما سأله جبريل ﵇ بقوله: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإِحْسَانِ؛ فَقَالَ: ((أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ؛ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ؛ فَإِنَّهُ يَرَاكَ)) (١). وأما حكم الوسواس في الصلاة، فقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عمن يحصل له الحضور في الصلاة تارة، ويحصل له الوسواس تارة، فما الذي يستعين به على دوام الحضور في الصلاة؟ وهل تكون تلك الوساوس مبطلة للصلاة؟ أو منقصة لها أم لا؟ وفي قول عمر: إني لأجهز جيشي وأنا في الصلاة، هل كان ذلك يشغله عن حاله في جمعيَّته أو لا؟؟ فأجاب: ((الحمد لله رب العالمين، الوسواس لا يبطل الصلاة إذا كان قليلاً باتفاق أهل العلم؛ بل ينقص الأجر، كما قال ابن عباس ﵄: ((ليس لك من صلاتك إلا ما عقلْتَ منها)) (٢).

стр. 52

وفي السنن عن النبي ﷺ أنه قال: ((إنَّ الْعَبْدَ لَيَنْصَرِفُ مِنْ صَلَاتِهِ، وَلَمْ يُكْتَبْ لَهُ مِنْهَا إلَّا نِصْفُهَا، إلَّا ثُلُثُهَا، إلَّا رُبُعُهَا، إلَّا خُمُسُهَا، إلَّا سُدُسُهَا، إلَّا سُبُعُهَا، إلَّا ثُمُنُهَا، إلَّا تُسْعُهَا، إلَّا عُشْرُهَا)) (١). ويُقال: إن النوافل شُرِعَتْ لجبر النقص الحاصل في الفرائض، كما في السنن عن النبي ﷺ أنه قال: ((أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ عَلَيْهِ الْعَبْدُ مِنْ عَمَلِهِ الصَّلَاةُ، فَإِنْ أَكْمَلَهَا، وَإِلَّا قِيلَ: اُنْظُرُوا هَلْ لَهُ مِنْ تَطَوُّعٍ، فَإِنْ كَانَ لَهُ تَطَوُّعٌ أُكْمِلَتْ بِهِ الْفَرِيضَةُ، ثُمَّ يُصْنَعُ بِسَائِرِ أَعْمَالِهِ)) (٢)، وهذا الإكمال يتناول ما نقص مطلقاً. وأما الوسواس الذي يكون غالباً على الصلاة، فقد قال طائفة، منهم أبو عبد الله بن حامد، وأبوحامد الغزالي، وغيرهما: إنه يوجب الإعادة أيضاً لما أخرجاه في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((إذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ فَإِذَا قَضَى التَّأْذِينَ أَقْبَلَ، فَإِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ، فَإِذَا قَضَى التَّثْوِيبَ أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطُرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ فَيَقُولَ: اُذْكُرْ كَذَا، اُذْكُرْ كَذَا لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ، حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلَ لاَ يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى، فَإِذَا

стр. 53

وَجَدَ أَحَدُكُمْ ذَلِكَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ)) (١)، وقد صحّ عن النبي ﷺ : الصلاة مع الوسواس مطلقاً، ولم يفرق بين القليل والكثير. ولا ريب أن الوسواس كلّما قلّ في الصلاة، كان أكمل، كما في الصحيحين من حديث عثمان ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((أنَّ مَنْ تَوَضَّأَ مِثْلَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُحَدِّثْ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)) (٢)، وكذلك فى الصحيح أنه قال: ((مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ يُقْبِلُ عَلَيْهِمَا بِوَجْهِهِ، وَقَلْبِهِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)) (٣). وما زال في المصلين من هو كذلك، كما قال سعد بن معاذ ﵁: ((فيَّ ثلاث خصال، لو كنت في سائر أحوالي أكون فيهن: كنت أنا أنا؛ إذا كنت في الصلاة لا أُحَدِّث نفسي بغير ما أنا فيه، وإذا سمعت من رسول الله حديثاً لا يقع في قلبي ريب أنه الحق، وإذا كنت في جنازة لم أُحَدِّث نفسي بغير ما تقول، ويقال لها)) (٤).

стр. 54

وكان مسلمة بن بشار يصلي في المسجد، فانهدم طائفة منه، وقام الناس وهو في الصلاة لم يشعر (١). وكان عبد الله بن الزبير ﵁ يسجد، فأتى المنجنيق فأخذ طائفة من ثوبه، وهو في الصلاة لا يرفع رأسه (٢). وقالوا لعامر بن عبد القيس أتُحَدِّثُ نفسك بشيء في الصلاة؟ فقال أو شيء أحب إليّ من الصلاة أُحَدِّثُ به نفسي؟ قالوا: إنا لنحدث أنفسنا في الصلاة، فقال: أبالجنة والحور، ونحو ذلك؟ فقالوا: لا، ولكن بأهلينا وأموالنا، فقال: لأن تختلف الأسنّة فيَّ أحبُّ إليَّ، وأمثال هذا متعدد (٣). والذي يُعين على ذلك شيئان: قوة المقتضى، وضعف الشاغل: أما الأول: فاجتهاد العبد في أن يعقل ما يقوله ويفعله، ويتدبّر القراءة، والذكر، والدعاء، ويستحضر أنه مناجٍ لله تعالى، كأنه يراه، فإن المصلي إذا كان قائماً فإنما يناجي ربه، والإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، ثم كلما ذاق العبد حلاوة الصلاة كان انجذابه إليها أوكد، وهذا يكون بحسب قوة الإيمان، والأسباب المقوية للإيمان كثيرة؛ ولهذا كان النبي ﷺ يقول: ((حُبِّبَ

стр. 55

إلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمْ: النِّسَاءُ، وَالطِّيبُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ)) (١)، وفي حديث آخر أنه قال: ((أَرِحْنَا يَا بِلَالُ بِالصَّلَاةِ)) (٢)، ولم يقل أرحنا منها. وفي أثر آخر: ((ليس بمستكملٍ للإيمان من لم يزل مهموماً حتى يقوم إلى الصلاة)) (٣)، أو كلام يقارب هذا، وهذا باب واسع. فإن ما في القلب من معرفة الله ومحبته وخشيته، وإخلاص الدين له، وخوفه ورجائه، والتصديق بأخباره، وغير ذلك، مما يتباين الناس فيه، ويتفاضلون تفاضلاً عظيماً، ويقوى ذلك كلما ازداد العبد تدبراً للقرآن وفهماً، ومعرفة: بأسماء الله، وصفاته، وعظمته، وتفقره إليه في عبادته، واشتغاله به، بحيث يجد اضطراره إلى أن يكون تعالى معبوده ومستغاثه أعظم من اضطراره إلى الأكل والشرب؛ فإنه لا صلاح له إلا بأن يكون الله هو معبوده الذي يطمئن إليه، ويأنس به، ويلتذّ بذكره، ويستريح به، ولا حصول لهذا إلا بإعانة الله، ومتى كان للقلب إله غير الله فسد، وهلك هلاكاً لا صلاح معه، ومتى لم يعنه الله على ذلك لم يصلحه، ولا حول ولا قوة إلا به، ولا ملجأ،

стр. 56

ولا منجا منه إلا إليه. وأما زوال العارض: فهو الاجتهاد في دفع ما يشغل القلب من تفكر الإنسان فيما لا يعينه، وتدبر الجواذب التي تجذب القلب عن مقصود الصلاة، وهذا في كل عبد بحسبه؛ فإن كثرة الوسواس بحسب كثرة الشبهات والشهوات، وتعليق القلب بالمحبوبات التي ينصرف القلب إلى طلبها، والمكروهات التي ينصرف القلب إلى دفعها. والوساوس إما من قبيل الحب، من أن يخطر بالقلب ما قد كان أو من قبيل الطلب، وهو أن يخطر في القلب ما يريد أن يفعله. ومن الوساوس ما يكون من خواطر الكفر والنفاق، فيتألَّم لها قلب المؤمن تألُّماً شديداً، كما قال الصحابة: ((يَا رَسُولَ اللَّهِ! إنَّ أَحَدَنَا لَيَجِدُ فِي نَفْسِهِ مَا لَأَنْ يَخِرَّ مِنَ السَّمَاءِ أَحَبُّ إلَيْهِ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ، فَقَالَ: أَوَجَدْتُمُوهُ؟ قَالُوا: نَعَمْ قَالَ: ذَلِكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ))، وَفِي لَفْظٍ: ((إنَّ أَحَدَنَا لَيَجِدُ فِي نَفْسِهِ مَا يَتَعَاظَمُ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَدَّ كَيْدَهُ إلَى الْوَسْوَسَةِ)) (١). قال كثير من العلماء: فكراهة ذلك وبغضه، وفرار القلب منه، هو صريح الإيمان، والحمد لله الذي كان غاية كيد الشيطان الوسوسة؛

стр. 57

فإن شيطان الجن إذا غُلب وسوس، وشيطان الإنس إذا غلب كذب، والوسواس يعرض لكل من توجَّه إلى الله تعالى بِذكرٍ أو غيره، لا بُدّ له من ذلك، فينبغي للعبد أن يثبت ويصبر، ويلازم ما هو فيه من الذكر والصلاة، ولا يضجر؛ فإنه بملازمة ذلك ينصرف عنه كيد الشيطان: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً﴾ (١)، وكلما أراد العبد توجّهاً إلى الله تعالى بقلبه، جاء من الوسواس أمور أخرى؛ فإن الشيطان بمنزلة قاطع الطريق، كلما أراد العبد يسير إلى الله تعالى أراد قطع الطريق عليه؛ ولهذا قيل لبعض السلف: ((إن اليهود والنصارى يقولون: لا نوسوس، فقال: صدقوا، وما يصنع الشيطان بالبيت الخراب)) (٢)، وتفاصيل ما يعرض للسالكين طويل موضعه. وأما ما يروى عن عمر بن الخطاب ﵁ من قوله: ((إنِّي لَأُجَهِّزُ جَيْشِي، وَأَنَا فِي الصَّلَاةِ)) (٣)، فذاك لأن عمر كان مأموراً بالجهاد، وهو أمير المؤمنين، فهو أمير الجهاد، فصار بذلك من بعض الوجوه بمنزلة المصلِّي الذي يصلِّي صلاة الخوف حال معاينة العدو، إما حال القتال، وإما غير حال القتال، فهو مأمور بالصلاة ومأمور بالجهاد، فعليه أن يؤدي الواجبين بحسب الإمكان، وقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ

стр. 58

تُفْلِحُونَ﴾ (١). ومعلوم أن طمأنينة القلب حال الجهاد لا تكون كطمأنينته حال الأمن، فإذا قُدِّرَ أنه نقص من الصلاة شيء لأجل الجهاد، لم يقدح هذا في كمال إيمان العبد وطاعته؛ ولهذا تخفف صلاة الخوف عن صلاة الأمن، ولما ذكر صلاة الخوف قال: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾ (٢)، فالإقامة المأمور بها حال الطمأنينة لا يؤمر بها حال الخوف. ومع هذا: فالناس متفاوتون في ذلك، فإذا قوي إيمان العبد كان حاضر القلب في الصلاة، مع تدبره للأمور بها، وعمر قد ضرب الله الحق على لسانه وقلبه، وهو المُحَدَّث المُلْهَم، فلا ينكر لمثله أن يكون له مع تدبيره جيشه في الصلاة من الحضور ما ليس لغيره، لكن لا ريب أن حضوره مع عدم ذلك يكون أقوى، ولا ريب أن صلاة رسول الله ﷺ حال أمنه كانت أكمل من صلاته حال الخوف فى الأفعال الظاهرة، فإذا كان الله قد عفا حال الخوف عن بعض الواجبات الظاهرة، فكيف بالباطنة؟. وبالجملة فَتَفَكُّر المُصلِّي في الصلاة في أمر يجب عليه قد يضيق وقته ليس كتفكُّره فيما ليس بواجب، أو فيما لم يضق وقته، وقد يكون عمر لم يمكنه التفكر في تدبير الجيش إلا في تلك الحال،

стр. 59

وهو إمام الأمة والواردات عليه كثيرة، ومثل هذا يعرض لكل أحد بحسب مرتبته، والإنسان دائماً يذكر في الصلاة ما لا يذكره خارج الصلاة، ومن ذلك ما يكون من الشيطان، كما يُذكر أن بعض السلف: ((ذَكَرَ لَهُ رَجُلٌ أنَّه دفن مالاً وقد نسي موضعه، فقال: قم فصلّ، فقام فصلَّى، فذكره، فقيل له: من أين علمت ذلك؟ قال: علمت أن الشيطان لا يدعه في الصلاة حتى يُذَكِّره بما يشغله، ولا أهم عنده من ذكر موضع الدفن)) (١)، لكن العبد الكيِّس يجتهد في كمال الحضور، مع كمال فعل بقية المأمور، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم)) (٢).

стр. 60

المبحث التاسع: الخشوع في الصلاة من إقامتها لا شك أن الخشوع في الصلاة من إقامتها؛ فإن إقامة الصلاة لا تكون إلا بإقامة: شروطها، وأركانها، وواجباتها، والخشوع واجب على الصحيح؛ لأمر الله ورسوله ﷺ بذلك، قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (١)، فأمرنا بإقامتها، وهو الإتيان بها: قائمة تامة القيام، والركوع، والسجود، والأذكار، وقد علّق الله سبحانه الفلاح بخشوع المُصلِّي في صلاته، فمن فاته خشوع الصلاة لم يكن من أهل الفلاح، ويستحيل حصول الخشوع مع العجلة والنقر قطعاً؛ بل لا يحصل الخشوع قط إلا مع الطمأنينة، وكلما زاد طمأنينة ازداد خشوعاً، وكلما قلّ خشوعه اشتدت عجلته، حتى تصير حركة يديه بمنزلة العبث الذي لا يصحبه خشوع، ولا إقبال على العبودية، ولا معرفة حقيقة العبودية، والله سبحانه قد قال: ﴿﴾ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (٢)، وقال: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ (٣)، وقال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ (٤)، وقال: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (٥)، وقال: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ (٦)، وقال إبراهيم ﵇: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ﴾ (٧)، وقال لموسى: ﴿فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (٨)، فلن تكاد تجد ذكر الصلاة

стр. 61

في موضع من التنزيل إلا مقروناً بإقامتها، فالمصلُّون في الناس قليل، ومقيم الصلاة منهم أقل القليل، كما قال عمر ﵁: ((الحاج قليل والركب كثير)) (١). فالعاملون يعملون الأعمال المأمور بها على الترويج تحلَّةَ القسم، ويقولون: يكفينا أدنى ما يقع عليه الاسم، وليتنا نأتي به، ولو علم هؤلاء أن الملائكة تصعد بصلاتهم فتعرضها على الربّ ﷻ بمنزلة الهدايا التي يتقرب بها الناس إلى ملوكهم وكبرائهم، فليس من عمد إلى أفضل ما يقدر عليه، فيُزيِّنه ويُحسِّنه ما استطاع، ثم يتقرّب به إلى من يرجوه ويخافه، كمن يعمد إلى أسقط ما عنده وأهونه عليه، فيستريح منه، ويبعثه إلى من لا يقع عنده بموقع (٢). وليس من كانت الصلاة ربيعاً لقلبه، وحياةً له، وراحةً، وقرةً لعينه، وجلاءً لحزنه، وذهاباً لهمه وغمه، ومفزعاً له إليه في نوائبه ونوازله، كمن هي سحت لقلبه، وقيد لجوارحه، وتكليف له، وثِقَلٌ عليه، فهي كبيرة على هذا، وقرّةُ عينٍ وراحة لذلك. قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ*الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (٣)، فإنما كبرت على غير هؤلاء لخلوّ قلوبهم من محبّة الله تعالى، وتكبيره، وتعظيمه، والخشوع له، وقلَّة رغبتهم فيه؛ فإن حضور العبد

стр. 62

في الصلاة، وخشوعه فيها، وتكميله لها، واستفراغه وِسْعَه في إقامتها، وإتمامها على قدر رغبته في الله ... وها هنا عجيبة تحصل لمن تفقَّه قلبه في معاني القرآن من عجائب الأسماء والصفات، وخالط بشاشة الإيمان بها قلبه؛ بحيث يرى لكل اسم وصفة موضعاً من صلاته، ومحلاًّ منها، فإنه إذا انتصب قائماً بين يدي الرب ﵎ شاهد بقلبه قيُّوميَّته، وإذا قال: ((الله أكبر)) شاهد كبرياءه، وإذا قال: ((سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك)) شاهد بقلبه رباً مُنزَّهاً عن كل عيب، سالماً من كل نقص، محموداً بكل حمد، فَحَمْدُهُ يتضمن وصفه بكل كمال، وذلك يستلزم براءته من كل نقص، تبارك اسمه، فلا يُذكُر على قليلٍ إلا كثَّرهُ، وعلى خيرٍ إلا أنماه، وبارك فيه، ولا على آفةٍ إلا أذهبها، ولا على شيطانٍ إلا ردَّه خاسئاً داحراً، وكمال الاسم من كمال مُسمَّاه، فإذا كان شأن اسمه الذي لا يضر معه شيء في الأرض ولا في السماء، فشأن المُسمَّى أعلى وأجل، وتعالى جدُّه، أي ارتفعت عظمته، وجلت فوق كل عظمة، وعلا شأنه على كل شأن، وقهر سلطانه على كل سلطان، فتعالى جدُّه أن يكون معه شريك في ملكه وربوبيَّتِه، أو في إلهيَّته، أو في أفعاله، أو في صفاته، كما قال مؤمن الجنّ: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَداً﴾ (١)، فكم في هذه الكلمات من تجلٍّ لحقائق الأسماء والصفات على قلب العارف بها غير المُعطِّل لحقائقها.

стр. 63

وإذا قال: ((أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)) فقد أوى إلى ركنه الشديد، واعتصم بحوله وقوته من عدوِّه الذي يريد أن يقطعه عن ربه، ويبعده عن قربه؛ ليكون أسوأ حالاً. فإذا قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وقف هُنَيْهَةً يسيرة ينتظر جواب ربه له بقوله: ((حمدني عبدي))، فإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ انتظر الجواب بقوله: ((أثنى عليَّ عبدي)) فإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ انتظر جوابه: ((مَجَّدني عبدي)) فيا لّذة قلبه، وقرّة عينه، وسرور نفسه بقول ربه: عبدي ثلاث مرات، فوالله لولا ما على القلوب من دخان الشهوات، وغيم النفوس، لاستطيرت فرحاً وسروراً بقول ربها، وفاطرها، ومعبودها: ((حمدني عبدي، أثنى عليَّ عبدي، مجدني عبدي)) ... فإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [انتظر جواب ربه بقوله: ((هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل))]، ففيها سر الخلق والأمر، والدنيا والآخرة، وهي متضمنة لأجلّ الغايات، وأفضل الوسائل، فأجل الغايات عبوديته، وأفضل الوسائل إعانته، فلا معبود يستحق العبادة إلا هو، ولا معين على عبادته غيره، فعبادته أعلى الغايات، وإعانته أجلّ الوسائل. فإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ* صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ انتظر جواب ربه بقوله: ((هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل)) ثم يشهد الداعي شدة فاقته، وضرورته إلى هذه المسألة التي ليس هو إلى شيء أشدّ فاقة، وحاجة منه إليها البتة؛ فإنه محتاج إليه في كل نَفَسٍ، وطرفة عين، وهذا المطلوب من

стр. 64

هذا الدعاء لا يتمّ إلا بالهداية إلى الطريق الموصل إليه سبحانه، والهداية فيه، وهي هداية التفصيل، وخلق القدرة على الفعل، وإرادته، وتكوينه، وتوقيعه لإيقاعه له على الوجه المرضي المحبوب للرب ، وحفظه عليه من مفسداته حال فعله، وبعد فعله. ولما كان العبد مفتقراً في كل حالٍ إلى هذه الهداية في جميع ما يأتيه ويذره ... فرض الله سبحانه عليه أن يسأله هذه الهداية في أفضل أحواله مرات متعددة في اليوم والليلة. ثم بيَّن أن أهل هذه الهداية هم المختصُّون بنعمته دون المغضوب عليهم، وهم الذين عرفوا الحق ولم يتبعوه، ودون الضالين، وهم الذين عبدوا الله بغير علم، فالطائفتان اشتركتا في القول في خلقه وأمره وأسمائه وصفاته بغير علم، فسبيل المنعم [عليهم] مغايرة لسبيل أهل الباطل كلها عِلْماً وعملاً. فلما فرغ من هذا الثناء، والدعاء، والتوحيد، شُرِعَ له أن يطبع على ذلك بطابع من التأمين، يكون كالخاتم له، وافق فيه ملائكة السماء، وهذا التأمين من زينة الصلاة، كرفع اليدين الذي هو زينة الصلاة، واتباع للسنة، وتعظيم أمر الله، وعبودية اليدين وشعار الانتقال من ركن إلى ركن (١). وقد تَبيَّن بما تقدم: أن الخشوع يدخل في الأمر بإقامة الصلاة، والله أعلم.

стр. 65

المبحث العاشر: التحذير من ترك الخشوع في الصلاة ترك الخشوع في الصلاة يسبب: ترك أركانها، وواجباتها، فلا يمكن للخاشع لله في صلاته أن ينقر صلاته، أو يترك شيئاً من أركانها أو واجباتها على أقل الأحوال؛ لأنه يستحضر عظمة الله تعالى، ويخاف عقابه، ويرجو ثوابه؛ ولهذا جاءت النصوص الثابتة بالتحذير من الأمور الآتية: الأمر الأول: التحذير من نقر الصلاة، وعدم إتمامها: ١ - قد يُصلِّي المرء ستين سنة، وما قبل الله منه صلاة واحدة؛ لحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((إنَّ الرَّجُلَ لَيُصَلِّي سِتِّينَ سَنَةً، ومَا تُقْبَلُ لَهُ صَلاَةٌ، لَعَلَّهُ يُتِمُّ الرُّكُوعَ، وَلاَ يُتِمُّ السُّجُودَ، وَيُتِمُّ السُّجُودَ، وَلاَ يُتِمُّ الرُّكُوعَ)) (١). ٢ - أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته؛ لحديث أبي قتادة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أَسْوَأُ النَّاسِ سَرِقَةً الَّذِي يَسْرِقُ مِنْ صَلَاتِهِ)) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ يَسْرِقُ مِنْ صَلَاتِهِ؟ قَالَ: ((لَا يُتِمُّ رُكُوعَهَا وَلَا سُجُودَهَا))، أَوْ قَالَ: ((لَا يُقِيمُ صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ)) (٢).

стр. 66

٣ - لا ينظر الله إلى صلاة عبدٍ لا يُقيم صلبه بين ركوعها وسجودها؛ لحديث طلق بن علي الحنفي ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى صَلَاةِ عَبْدٍ لَا يُقِيمُ فِيهَا صُلْبَهُ بَيْنَ رُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا)) (١). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى صَلَاةِ رَجُلٍ لَا يُقِيمُ صُلْبَهُ بَيْنَ رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ)) (٢). ٤ - من مات وهو لا يُتمّ ركوعه، وينقر في سجوده، مات على غير ملّة محمد ﷺ ؛ لحديث أبي عبد الله الأشعري ﵁: أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً لا يُتمّ ركوعه [و] ينقر في سجوده وهو يصلي، فقال رسول الله ﷺ : ((لَوْ مَاتَ هَذَا عَلَى حَالِهِ هَذِهِ، مَاتَ عَلَى غَيْرِ مِلَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ )) ثُمَّ قَالَ ﷺ : ((مَثَلُ الَّذِي لَا يُتِمُّ رُكُوعَهُ، وَيَنْقُرُ فِي سُجُودِهِ، مَثَلُ الْجَائِعِ يَأْكُلُ التَّمْرَةَ وَالتَّمْرَتَيْنِ لَا يُغْنِيَانِ عَنْهُ شَيْئاً)) (٣). ٥ - قد ينصرف المصلِّي ولم يكتب له من صلاته إلا عشرها؛ لحديث عمار بن ياسر ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إِنَّ الرَّجُلَ

стр. 67

لَيَنْصَرِفُ وَمَا كُتِبَ لَهُ إِلَّا عُشْرُ صَلَاتِهِ، تُسْعُهَا، ثُمْنُهَا، سُبْعُهَا، سُدْسُهَا، خُمْسُهَا، رُبْعُهَا، ثُلُثُهَا، نِصْفُهَا)) (١). وعن أبي اليَسَر: كعب بن عمرو السلمي ﵁، أن رسول الله ﷺ ، قال: ((مِنْكُمْ مَنْ يُصَلِّي الصَّلَاةَ كَامِلَةً، وَمِنْكُمْ مَنْ يُصَلِّي النِّصْفَ، وَالثُّلُثَ، وَالرُّبُعَ))، حَتَّى بَلَغَ: ((الْعُشْرَ)) (٢). ٦ - قد يُصلّي المرء أربعين سنة، ولا يكتب له صلاة واحدة؛ لحديث حذيفة موقوفاً عليه: أنَّهُ دَخَلَ المَسْجِدَ، فَإَذَا رَجُلٌ يُصَلِّي، فَجَعَلَ لاَ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَلاَ السُّجُودَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ: مُنْذُ كَمْ تُصَلِّي هَذِهِ الصَّلَاةَ؟ قَالَ: مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَقَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ: ((مَا صَلَّيْتَ مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَلَوْ مِتَّ وَهَذِهِ صَلاتُكَ لَمِتَّ عَلَى غَيْرِ الفِطْرَةِ الَّتِي فُطِرَ عَلَيْهَا مُحَمَّدٌ ﷺ ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِ يُعَلِّمُهُ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ لَيُخَفِّفُ فِي صَلاتِهِ وإنَّهُ لَيُتِمُّ الرُّكُوعَ والسُّجُودَ)) (٣). ٧ - نقر الصلاة كنقر الغراب، أو الطائر بمنقاره من علامات النفاق الخالص؛ لحديث أنس بن مالك ﵁، قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِ يَجْلِسُ يَرْقُبُ الشَّمْسَ حَتَّى إِذَا كَانَتْ

стр. 68

بَيْنَ قَرْنَيْ الشَّيْطَانِ قَامَ فَنَقَرَهَا أَرْبَعاً لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلاً)) (١)، ورجَّح النووي ﵀: أن قول النبي ﷺ : ((بين قرني شيطان)) على حقيقته، وظاهر لفظه، والمراد: أن الشيطان يحاذي الشمس عند غروبها بقرنيه، وكذا عند طلوعها؛ لأن الكفار يسجدون لها حينئذٍ فيقارنها ليكون الساجدون لها في صورة الساجدين له، ويُخيَّل لنفسه ولأعوانه أنهم إنما يسجدون له (٢). وقال الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀: ((فَوَصَفَهُ بإضاعة الوقت بقوله: ((يرقب الشمس))، وبإضاعة الأركان، بذكره النقر، وبإضاعة حضور القلب بقوله: ((لا يذكر الله فيها إلا قليلاً)))) (٣). ٨ - بكاءُ أنس بن مالك ﵁ على تأخير الصلاة عن وقتها وتضييعها، فعن الزهري ﵀ قال: دَخَلْتُ عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ بِدِمَشْقَ وَهُوَ يَبْكِي، فَقُلْتُ: مَا يُبْكِيكَ؟ فَقَالَ: ((لَا أَعْرِفُ شَيْئاً مِمَّا أَدْرَكْتُ إِلَّا هَذِهِ الصَّلَاةَ، وَهَذِهِ الصَّلَاةُ قَدْ ضُيِّعَتْ)) (٤)، ومعنى تضييعها: أي تأخيرها عن وقتها، قال الحافظ ابن حجر ﵀: ((وقد صحَّ أنّ الحَجَّاج وأميره الوليد وغيرهما كانوا يؤخِّرون الصلاة عن وقتها، والآثار في ذلك مشهورة)) (٥).

стр. 69

الأمر الثاني: التحذير من ترك شيء من أركان الصلاة: أفعال الصلاة وأقوالها تنقسم إلى ثلاثة أقسام: أركان: وهي ما لا يسقط جهلاً، ولا عمداً، ولا سهواً، وواجبات: وهي ما تبطل به عمداً ويسقط جهلاً وسهواً، ويجبر بسجود السهو، وسنن: وهي ما لا تبطل به عمداً ولا سهواً. والركن في اللغة: جانب الشيء الأقوى، الذي لا يقوم ولا يتم إلا به، وسميت أركان الصلاة: تشبيهاً لها بأركان البيت الذي لا يقوم إلا بها، والركن في الاصطلاح: ماهية الشيء والذي يتركب منه ويكون جزءاً من أجزائه، ولا يوجد ذلك الشيء إلا به، وهو عبارة عن جزء الماهية: وهي الصورة (١). وأركان الصلاة أربعة عشر ركناً على النحو الآتي: الأول: القيام في الفرض مع القدرة؛ لقول الله تعالى: ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ للهِ قَانِتِينَ﴾ (٢)؛ ولحديث عمران بن حصين ﵁ قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي ﷺ عن الصلاة؟ فقال: ((صلِّ قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطعْ فعلى جنب)) (٣)؛ ولحديث مالك بن الحويرث ﵁ عن النبي ﷺ : ((صلّوا كما رأيتموني أصلّي)) (٤).

стр. 70

الثاني: تكبيرة الإحرام؛ لقول النبي ﷺ في حديث المسيء صلاته: ((إذا قمت إلى الصلاة فكبر)) (١)؛ ولحديث علي ﵁ يرفعه: ((مفتاح الصلاة الطّهور، وتحريمُها التكبير، وتحليلُها التسليم)) (٢). الثالث: قراءة الفاتحة مرتبة في كل ركعة؛ لحديث عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لا صلاةَ لمَنْ لم يقرأْ بفاتحة الكتاب)) (٣)، وفيها إحدى عشرة تشديدة، فإن ترك حرفاً ولم يأت بما ترك لم تصحَّ صلاته. الرابع: الركوع؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ (٤)؛ ولحديث أبي هريرة ﵁ في قصة المسيء صلاته، وفيه: ((ثمّ اركعْ حتى تطمئنَّ راكعاً)) (٥). الخامس: الرفع من الركوع والاعتدال قائماً؛ لقوله ﷺ في حديث المُسيء صلاته، وفيه: ((ثمّ ارفعْ حتى تعدلَ قائماً)) (٦). السادس: السجود على الأعضاء السبعة؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا

стр. 71

الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ (١)؛ ولحديث أبي هريرة ﵁ في قصة المسيء صلاته، وفيه: ((ثمّ اسجدْ حتى تطمئنَّ ساجداً)) (٢)؛ ولحديث ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ : ((أُمرتُ أن أسجدَ على سبعة أعْظُمٍ: على الجبهة - وأشار بيده على أنفه - واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين)) (٣). السابع: الرفع من السجود؛ لقوله ﷺ : ((ثم ارفع حتى تطمئن جالساً)) (٤). الثامن: الجلسة بين السجدتين؛ لقوله ﷺ : ((حتى تطمئن جالساً)) (٥). التاسع: الطمأنينة في جميع الأركان؛ لأن النبي ﷺ لَمّا علَّمَ المسيء صلاته كان يقول له في كل ركن: ((حتى تطمئنَّ)) (٦) والطمأنينة: هي السكون بقدر الذكر الواجب، فلو لم يسكن لم يطمئن (٧).

стр. 72

العاشر: التشهد الأخير؛ لحديث عبد الله بن مسعود ﵁ وفيه: ((لا تقولوا: السلامُ على الله، فإن الله هو السلام، ولكن قولوا: التحيات لله ... )) (١). ولفظه عند النسائي: كنا نقول في الصلاة قبل أن يُفرض التشهد: السلام على الله، السلام على جبريل، وميكائيل، فقال رسول الله ﷺ : ((لا تقولوا هكذا، فإنَّ اللهَ هو السلام، ولكن قولوا: التحياتُ لله ... )) (٢). الحادي عشر: الجلوس للتشهد الأخير؛ لأن النبي ﷺ فعله جالساً، وداوم عليه، كما تقدم في الأحاديث، وقد أمرنا ﷺ بالصلاة كصلاته، فقال: ((صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي)) (٣). الثاني عشر: الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأخير؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ (٤)؛ ولحديث كعب بن عجرة (٥) ﵁ وفيه: ((يا رسول الله قد علمنا كيف نُسلِّمُ عليك، فكيف نُصلِّي عليك؟ قال: ((قولوا: اللهم صلِّ على محمد ... )) الحديث)) (٦)؛ ولحديث عبد الله بن

стр. 73

مسعود ﵁ وفيه: ((أمرنا الله أن نصلي عليك يا رسول الله، فكيف نصلي عليك؟ فسكت رسول الله ﷺ حتى تمنينا أنه لم يسأله، ثم قال رسول الله ﷺ : ((قولوا: اللهمَّ صلِّ على محمد ... )) الحديث (١). الثالث عشر: الترتيب بين أركان الصلاة؛ لأن النبي ﷺ عَلَّم المسيء صلاته مرتبة بـ ((ثُمَّ))، فقال: ((إذا قمت إلى الصلاة فكبِّرْ، ثم اقرأْ ما تيسَّرَ معك مِنَ القرآن، ثمَّ اركعْ حتى تطمئنَّ راكعاً، ثم ارفعْ حتى تعتدلَ قائماً، ثمَّ اسجدْ حتى تطمئنَّ ساجداً، ثمَّ ارفعْ حتى تطمئنَّ جالساً، ثمَّ اسجدْ حتى تطمئنَّ ساجداً، ثمَّ ارفعْ حتى تطمئنَّ جالساً، ثم افعلْ ذلك في صلاتك كلها)) (٢)، وقال أبو أسامة في الأخير: ((حتى تستويَ قائماً)) (٣)؛ ولأن النبي ﷺ واظب على هذا الترتيب، وقال: ((صلّوا كما رأيتموني أصلّي)) (٤). الرابع عشر: التسليمتان؛ لحديث علي ﵁ يرفعه: ((مفتاح الصلاة الطّهور، وتحريمها التّكْبير، وتحليلُها التسليم)) (٥)؛ولحديث عامر بن سعد عن أبيه ﵁ قال: ((كنت أرى رسول الله ﷺ يسلم عن يمينه وعن يساره حتى أرى بياض خدّه)) (٦).

стр. 74

الأمر الثالث: التحذير من ترك شيء من واجبات الصلاة: واجبات الصلاة ثمانية، تبطل الصلاة بتركها عمداً، وتسقط سهواً وجهلاً، وتجبر بسجود السهو، وهي على النحو الآتي: الأول: جميع التكبيرات غير تكبيرة الإحرام (١)؛ لحديث أنس ﵁ يرفعه: ((إنما جُعلَ الإمامُ ليؤتمَّ به، فإذا كبَّر فكبروا)) (٢)؛ولحديث ابن عباس ﵄ قال عكرمة: رأيت رجلاً عند المقام يكبّر في كل خفض ورفع، وإذا قام وإذا وضع، فأخبرت ابن عباس ﵄ فقال: ((أوليس تلك صلاة النبي ﷺ لا أم لك؟)) (٣). وفي رواية: ((صليت خلف شيخ بمكةَ فكبّر ثنتين وعشرين تكبيرة، فقلت لابن عباس: إنه أحمق، فقال: ثكلتك أمك، سُنّة أبي القاسم ﷺ )) (٤)؛ ولحديث أبي هريرة ﵁ قال: ((كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يكبّر حين يقوم، ثم يكبّر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركوع، ثم يقول وهو قائم: ربنا لك الحمد، ثم يكبر حين يهوي، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يكبر حين يسجد، ثم

стр. 75

يكبر حين يرفع رأسه، ثم يفعل ذلك في الصلاة كلها، حتى يقضيها، ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس)) (١). الثاني: قول: سبحان ربي العظيم في الركوع؛ لحديث حذيفة ﵁ يرفعه: ((فكان يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم)) (٢)؛ ولقول النبي ﷺ : ((وأما الركوع فعظِّمُوا فيه الربَّ )) (٣). الثالث: قول: ((سمع الله لمن حمده)) للإمام والمنفرد؛ لحديث أبي هريرة ﵁ يرفعه وفيه: ((ثم يقول: سمع الله لمن حمده إذا رفع صلبه من الركوع)) (٤). الرابع: قول: ربنا ولك الحمد للكل [الإمام، والمنفرد، والمأموم] أما الإمام والمنفرد؛ فلحديث أبي هريرة ﵁ يرفعه وفيه: ((ثم يقول وهو قائم: ربنا ولك الحمد)) (٥). وأما المأموم؛ فلحديث أنس ﵁ يرفعه وفيه: ((وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد)) (٦). الخامس: قول: سبحان ربي الأعلى في السجود؛ لحديث حذيفة يرفعه
следующие страницы →