← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 96464

الخلق الحسن في ضوء الكتاب والسنة

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (183 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾ (١). ثالثاً: أمثلة الحلم: المثال الأول: مع من قال هذه قسمة ما عُدِلَ فيها: عن ابن مسعود ﵁ قال: لما كان يوم حنينٍ آثر النبيُّ ﷺ أُناساً في القسمة، فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى عيينة مثل ذلك، وأعطى أُناساً من أشراف العرب فآثرهم يومئذ في القسمة، قال رجل: واللَّه إن هذه القسمة ما عُدِلَ فيها، وما أُريدَ بها وجه اللَّه، فقلت: واللَّه لأُخبرنَّ النبي ﷺ ، فأتيته فأخبرته، فقال: ((فمن يعدلْ إذا لم يعدلِ اللَّه ورسولُه؟! رحم اللَّه موسى فقد أوذي بأكثر من هذا فصبر)) (٢). وهذا من أعظم مظاهر الحلم في الدعوة إلى اللَّه - تعالى - وقد اقتضت حكمة النبي ﷺ أن يقسم الغنائم بين هؤلاء المؤلفة قلوبهم، ويوكِّل من قلبه ممتلئ بالإيمان إلى إيمانه (٣). المثال الثاني: مع من قال: كنا أحقَّ بهذا: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال بعث علي بن أبي طالب ﵁ إلى رسول اللَّه من اليمن بذهيبة (٤) في أديم مقروظ (٥) لم تُحصِّل من

стр. 107

ترابها، قال: فقسمها بين أربعة نفر: بين عيينة بن بدر (١)، وأقرع بن حابس، وزيد الخيل (٢)، والرابع إما علقمة (٣) وإما عامر بن الطفيل، فقال رجل من أصحابه: كنا نحن أحقَّ بهذا من هؤلاء، قال: فبلغ ذلك النبيَّ ﷺ فقال: ((ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحاً ومساء)) قال: فقام رجل غائر العينين، مشرف الوجنتين، ناشز الجبهة، كثّ اللحية، محلوق الرأس، مشمِّر الإزار، فقال: يا رسول اللَّه! اتّقِ اللَّه، قال: ((ويلك، أولست أحقَّ أهل الأرض أن يتقي اللَّه))، قال: ثم ولَّى الرجل، قال خالد بن الوليد: يا رسول اللَّه! ألا أضرب عنقه؟ قال: ((لا، لعله أن يكون يصلي))، فقال خالد: وكم من مصلٍّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه! قال رسول اللَّه ﷺ : ((إني لم أُومر أن أنقِّب قلوب الناس، ولا أشقّ بطونهم))، قال: ثم نظر إليه وهو مُقفٍّ فقال: ((إنه يخرج من ضئضئ هذا قوم يتلون كتاب اللَّه رطباً لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد)) (٤). وهذا من ظواهر حلم النبي ﷺ ، فقد أخذ بالظاهر، ولم يؤمر أن ينقب قلوب الناس، ولا أن يشق بطونهم، والرجل قد استحق القتل

стр. 108

واستوجبه؛ ولكن النبي ﷺ لم يقتله، لئلا يتحدّث الناس أنه يقتل أصحابه، ولاسيما من صلّى (١). المثال الثالث: مع الطفيل: من مواقف الحلم ما فعله رسول اللَّه ﷺ مع الطفيل بن عمرو الدوسي ﵁، فقد أسلم الطفيل ﵁ قبل الهجرة في مكة، ثم رجع إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام، فبدأ بأهل بيته، فأسلم أبوه وزوجته، ثم دعا قومه إلى اللَّه فأبت عليه وعصت، وأبطؤوا عليه، فجاء الطفيل إلى رسول اللَّه ﷺ وذكر له أن دوساً هلكت وكفرت وعصت وأبت. فعن أبي هريرة ﵁ قال: جاء الطفيل بن عمرو الدوسي إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: إن دوساً قد عصت وأبت، فادع اللَّه عليهم، فاستقبل رسول اللَّه القبلة ورفع يديه، فقال الناس: هلكوا. فقال: ((اللَّهم اهد دوساً، وائت بهم، اللَّهم اهد دوساً، وائت بهم)) (٢). وهذا يدلّ على حلم النبي ﷺ وصبره، وتأنِّيه في الدعوة إلى اللَّه ؛ فإنه ﷺ لم يعجل بالعقوبة، أو الدعاء على من ردّ الدعوة؛ ولكنه ﷺ دعا لهم بالهداية، فاستجاب اللَّه دعاءه، وحصل على ثمرة الصبر والتأني وعدم العجلة، فقد رجع الطفيل إلى قومه، ورفق بهم، فأسلم

стр. 109

على يديه خلق كثير، ثم قدم على النبي ﷺ وهو بخيبر، فدخل المدينة بثمانين أو تسعين بيتاً من دوس، ثم لحقوا بالنبي ﷺ بخيبر، فأسهم لهم مع المسلمين (١). اللَّه أكبر! ما أعظمها من حكمة أسلم بسببها ثمانون أو تسعون أسرة. وهذا مما يوجب على الدعاة إلى اللَّه العناية بالحلم في دعوتهم، ولا يحصل لهم ذلك إلا بفضل اللَّه ثم معرفة هدي النبي ﷺ في دعوته. المثال الرابع: مع من أراد قتل النبي ﷺ -: روى البخاري ومسلم، عن جابر بن عبد اللَّه ﵄ قال: غزونا مع رسول اللَّه ﷺ قِبَلَ نجد (٢)، فأدركنا رسول اللَّه ﷺ في وادٍ كثير العضاه، فنزل رسول اللَّه ﷺ تحت شجرة، فعلّق سيفه بغصن من أغصانها، قال: وتفرق الناس في الوادي يستظلّون بالشجر، قال: فقال رسول اللَّه ﷺ : ((إن رجلاً أتاني وأنا نائم، فأخذ السيف فاستيقظت وهو قائم على رأسي، فلم أشعر إلا والسيف صلتاً (٣) في يده، فقال لي: من يمنعنك مني؟ قال: قلت: اللَّه، ثم قال في الثانية: من يمنعك مني؟ قال: قلت: اللَّه، قال: فشام (٤) السيف، فها هو ذا جالس))، ثم لم يعرض له رسول

стр. 110

اللَّه ﷺ (١). اللَّه أكبر! ما أعظم هذا الخلق! وما أكبر أثره في النفس! أعرابي يريد قتل النبي ﷺ ثم يعصمه اللَّه منه، ويمكِّنه من القدرة على قتله، ثم يعفو عنه! إن هذا لخُلُقٌ عظيم، وصدق اللَّه العظيم إذ يقول للنبي ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (٢)، وهذا الخلق العظيم قد أثَّر في حياة الرجل، وأسلم بعد ذلك، فاهتدى به خلق كثير (٣). المثال الخامس: مع زيد الحبر: كان النبي ﷺ يعفو عند القدرة، ويحلم عند الغضب، ويحسن إلى المسيء، وقد كانت هذه الأخلاق العالية من أعظم الأسباب في إجابة دعوته والإيمان به، واجتماع القلوب عليه، ومن ذلك ما فعله مع زيد بن سعنة، أحد أحبار اليهود وعلمائهم الكبار (٤). جاء زيد بن سعنة إلى رسول اللَّه ﷺ يطلبه ديناً له، فأخذ بمجامع قميصه وردائه وجذبه، وأغلظ له القول، ونظر إلى النبي ﷺ بوجهٍ غليظٍ وقال: يا محمد، ألا تقضيني حقي، إنكم يا بني عبد المطلب

стр. 111

قوم مُطْلٌ، وشدّد له في القول، فنظر إليه عمر وعنياه تدوران في رأسه كالفلك المستدير، ثم قال: يا عدو اللَّه، أتقول لرسول اللَّه ﷺ ما أسمع، وتفعل ما أرى، فوالذي بعثه بالحق لولا ما أحاذر لومه لضربت بسيفي رأسك، ورسول اللَّه ﷺ ينظر إلى عمر في سكون وتُؤَدَةٍ وتَبَسُّمٍ، ثم قال: ((أنا وهو كنا أحوج إلى غير هذا منك يا عمر، أن تأمرني بحسن الأداء، وتأمره بحسن التقاضي، اذهب به يا عمر فاقضه حقه، وزده عشرين صاعاً من تمرٍ))، فكان هذا سبباً لإسلامه، فقال: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وكان زيد قبل هذه القصة يقول: ((لم يبق شيء من علامات النبوة إلا وقد عرفتها في وجه محمد ﷺ إلا اثنتين لم أخبرهما منه: يسبق حلمه جهله، ولا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلماً)) (١). فاختبره بهذه الحادثة فوجده كما وُصِفَ، فأسلم وآمن وصدق، وشهد مع النبي ﷺ مشاهده، واستشهد في غزوة تبوك مقبلاً غير مدبر (٢). فقد أقام محمد ﷺ براهين عديدة من أخلاقه على صدقه، وأن ما يدعو إليه حق.

стр. 112

المثال السادس: مع ثمامة: روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: بعث رسول اللَّه ﷺ خيلاً قِبَلَ نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة، يقال له ثمامة بن أُثال، سيد أهل اليمامة، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه رسول اللَّه ﷺ فقال: ((ماذا عندك يا ثمامة؟)) فقال: عندي يا محمد خير، إن تقتل تقتل ذا دم (١)، وإن تُنعم تُنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تُعطَ منه ما شئت؛ فتركه رسول اللَّه حتى كان بعد الغد، فقال: ((ما عندك يا ثمامة؟)) فقال: ما قلت لك، إن تُنعم تُنعم على شاكر، وإن تقتل تقتل ذا دم، وإن كنت تريد المال فسل تعطَ منه ما شئت؟ فتركه رسول اللَّه ﷺ حتى كان من الغد، فقال: ((ماذا عندك يا ثمامة))، فقال: عندي ما قلت لك، إن تُنعم تُنعم على شاكر، وإن تقتل تقتل ذا دم، وإن كنت تريد المال فسل تُعطَ منه ما شئت؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : ((أطلقوا ثمامة)) , فانطلق إلى نخلٍ قريبٍ من المسجد، فاغتسل، ثم دخل المسجد فقال: ((أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، يا محمد! واللَّه ما كان على الأرض وجه أبغضَ إليَّ من وجهك، فقد أصبح وجهك أحبَّ الوجوه كلها إليَّ، واللَّه ما كان من دين أبغضَ إليَّ من دينك، فأصبح دينك أحبَّ الدين كله إليَّ، واللَّه ما كان من بلد أبغض إليَّ من بلدك، فأصبح بلدك أحبَّ البلاد كلها إليَّ، وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة فماذا ترى؟ فبشّره رسول اللَّه ﷺ ، وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة قال

стр. 113

له قائل: أصبوت؟ فقال: [لا واللَّه]، ولكني أسلمت مع رسول اللَّه ﷺ ، ولا واللَّه لا يأتيكم من اليمامة حبّة حنطة حتى يأذن فيها رسول اللَّه ﷺ )) (١). ((ثم خرج ﵁ إلى اليمامة فمنعهم أن يحملوا إلى مكة شيئاً، فكتبوا إلى رسول اللَّه ﷺ : إنك تأمر بصلة الرحم، وإنك قد قطعت أرحامنا، وقد قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع، فكتب رسول اللَّه ﷺ إلى ثمامة أن يخلي بينهم وبين الحمل)) (٢). وذكر ابن حجر أن ابن منده روى بإسناده عن ابن عباس قصة إسلام ثمامة ورجوعه إلى اليمامة، ومنعه قريش عن الميرة، ونزول قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ (٣). وقد ثبت ثمامة على إسلامه لما ارتدّ أهل اليمامة، وارتحل هو ومن أطاعه من قومه فلحقوا بالعلاء بن الحضرمي فقاتل معه المرتدين من أهل البحرين (٤). اللَّه أكبر، ما أحلم النبي محمداً ﷺ ، وما أعظمه من موقف، فقد كان ﷺ يتألف القلوب، ويلاطف من يُرجى إسلامه من الأشراف

стр. 114

الذين يتبعهم على إسلامهم خلق كثير. وهكذا ينبغي للدعاة إلى اللَّه أن يعظّموا أمر الحلم والعفو عن المسيء، لأن ثمامة أقسم أن بغضه انقلب حبًّا في ساعة واحدة؛ لما أسداه النبي ﷺ إليه من الحلم والعفو والمنّ بغير مقابل، وقد ظهر لهذا العفو الأثر الكبير في حياة ثمامة، وفي ثباته على الإسلام ودعوته إليه (١)؛ ولهذا قال: أهمّ بترك القول ثم يردّني ... إلى القول إنعامُ النّبيّ محمّدِ شكرتُ له فكّي من الغلِّ بعدما ... رأيت خيالاً من حسامٍ مهنّدِ (٢) المثال السابع: مع من جذب النبي ﷺ بردائه: عن أنس بن مالك ﵁ قال: كنت أمشي مع النبي ﷺ وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجذبه بردائه جذبةً شديدة حتى نظرت إلى صفحة عاتق النبي ﷺ قد أثّرت به حاشية الرداء من شدة جذبته، ثم قال: يا محمد، مُرْ لي من مال اللَّه الذي عندك، فالتفت إليه رسول اللَّه ﷺ فضحك، ثم أمر له بعطاء (٣). وهذا من روائع حلمه ﷺ وكماله، وحسن خلقه، وصفحه الجميل، وصبره على الأذى في النفس، والمال، والتجاوز على جفاء من يريد تألفه على الإسلام؛ وليتأسّى به الدعاة إلى اللَّه،

стр. 115

والولاة بعده في حلمه، وخُلُقه الجميل من الصفح، والإغضاء، والعفو، والدفع بالتي هي أحسن (١). المثال الثامن: اللَّهم اغفر لقومي: ومن عظيم حلمه عدم دعائه على من آذاه من قومه، وقد كان باستطاعته أن يدعو عليهم، فيهلكهم اللَّه، ويدمرهم، ولكنه ﷺ حليم حكيم يهدف إلى الغاية العظمى، وهي رجاء إسلامهم، أو إسلام ذرياتهم؛ ولهذا قال عبد اللَّه بن مسعود ﵁: كأني أنظر إلى رسول اللَّه ﷺ يحكي نبيّاً من الأنبياء، صلوات اللَّه وسلامه عليهم، ضربه قومه فأدْمَوْهُ وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: ((اللَّهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون)) (٢). المثال التاسع: مع من سبّ: ومن وراء الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، يأتي الدعاة إلى اللَّه والصالحون من أتباعهم، وإذا كان اللَّه قد جعل محمداً ﷺ مثلاً عالياً في الحلم، فقد أراد لأتباعه أن يسيروا على نهجه وسنته، ولذلك يقول اللَّه - تعالى - عن الأخيار من هؤلاء: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ (٣). فمن صفاتهم أنهم أصحاب حلم، فإذا سفه عليهم الجهال بالقول السيئ لم يقابلوهم عليه بمثله، بل يعفون ويصفحون، ولا يقولون إلا

стр. 116

خيراً كما كان رسول اللَّه ﷺ لا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلماً (١). فعن النعمان بن مقرن المزني ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ وسبّ رجل رجلاً عنده، فجعل المسبُوبُ يقول: عليك السلام، فقال رسول اللَّه ﷺ : ((أما إنَّ ملكاً بينكما يذبّ عنك كلما يشتمك هذا، قال له: بل أنت وأنت أحقّ به، وإذا قال له: عليك السلام، قال: بل لك، أنت أحق به)) (٢). فهؤلاء الدعاة إلى اللَّه والصالحون إذا خاطبهم الجاهلون قالوا صواباً وسداداً، ويردّون المعروف من القول على من جهل عليهم (٣)؛ لأن من أخلاقهم العفو والصفح عمن أساء إليهم، فقد تخلّقوا بمكارم الأخلاق، ومحاسن الشيم، فصار الحلم لهم سجية، وحسن الخلق لهم طبيعةً، حتى إذا أغضبهم أحد بمقاله أو فعاله كظموا ذلك الغضب فلم يُنفِّذُوه، ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ (٤)، فترتّب على هذا الحلم، والعفو، والصفح من المصالح ودفع المفاسد في أنفسهم وغيرهم شيء كثير (٥)، كما قال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (٦).

стр. 117

المثال العاشر: مع عيينة: ومما يُبيّن حلم أصحاب النبي ﷺ من بعده وإن كانوا خلفاء وأمراء، ما رواه البخاري عن ابن عباس ﵁ قال: قدم عيينة بن حصن بن حذيفة فنزل على أخيه الحرّ بن قيس، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر، وكان القرّاء أصحاب مجالس عمر ومشاورته كهولاً كانوا أو شباناً، فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي، لك وجه عند هذا الأمير، فاستأذن لي عليه، قال: سأستأذن لك عليه، قال ابن عباس: فاستأذن الحر لعيينة فأذن له عمر، فلما دخل عليه قال: هي يا ابن الخطاب، فواللَّه ما تعطينا الجزل، ولا تحكم بيننا بالعدل، فغضب عمر حتى همّ به، فقال له الحر: يا أمير المؤمنين، إن اللَّه - تعالى - قال لنبيّه ﷺ : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (١)، وإن هذا من الجاهلين، واللَّه ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقَّافاً عند كتاب اللَّه (٢). وهذا الرجل قد جفا عمر أمير المؤمنين بعدة أمور تثير الغضب، وتجعله عرضة للانتقام والتأديب. أول هذه الأمور: قوله: هي يا ابن الخطاب، ولم يقل: يا أمير المؤمنين. والثاني: قوله: واللَّه ما تعطينا الجزل، يعني العطاء الكثير. والثالث: وهو أقبح الأمور الثلاثة، قوله: ولا تحكم بيننا بالعدل.

стр. 118

ومع هذا كله حلم عنه عمر وعفا عنه، وصفح بعدما سمع الآية، وسمع قول الحر: إن هذا من الجاهلين، ووقف عند الآية: ولم يعمل بغير ما دلت عليه، بل عمل بمقتضاها، ﵁ وأرضاه (١)، وهذا يدل على كمال حلمه وحكمته التي استفادها من هدي رسول اللَّه ﷺ فرسخت في ذهنه حتى كانت هيئة راسخة ثابتة في نفسه وخُلُقه. وهذا يحتاج في بداية الأمر إلى جهاد وقوة؛ ولهذا قال النبي ﷺ : ((ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب)) (٢). ولاشك أن الغضب يهدم الحلم وينافيه، وصاحب الغضب لا يكون حليماً، ولهذا قال ﷺ لمن قال أوصني: ((لا تغضب)) (٣). والداعية إلى اللَّه يستطيع أن يتّصف بالحلم؛ ليكون حكيماً، وذلك بعلاج الغضب (٤)، إذا حلّ به ونزل، ولا يكون العلاج النافع إلا بما شرعه اللَّه، وبينه نبيه ﷺ ، فقد عمل على تربية المسلمين تربية قولية وفعلية وعملية حتى يكونوا حلماء، حكماء.

стр. 119

المبحث التاسع عشر: الأناة والتثبت أولاً: تعريف الأناة والتثبت: الأناة في اللغة: التثبت وعدم العجلة، يقال: تَأنَّى في الأمر: مكث ولم يعجل، والاسم منه: أناة (١). ويقال: تأنَّى في الأمر: ترفَّق، وتنظّر، وتَمهّلَ، واستأنى به: انتظر به وأمهله (٢). وتأتي الأناة بمعنى التبيّن والتثبّت في الأمور، يقال: تَبيّنَ في الأمر والرأي: تثبّت، وتأنّى فيه ولم يعجل (٣). ويأتي التبين بمعنى: التبصر: التعرف والتأمل، يقال: تبصّر الشيء، وتأمل في رأيه: تبين ما يأتيه من خيرٍ أو شرٍ (٤). وعلى ضوء ما تقدم تكون الأناة هي: التصرف الحكيم بين العجلة والتباطؤ (٥). والأناة مظهر من مظاهر خُلق الصبر، وهي من صفات أصحاب العقل والرزانة، بخلاف العجلة فإنها من صفات أصحاب الرعونة والطيش، وهي تدل على أن صاحبها لا يملك الإرادة القوية القادرة على ضبط نفسه تجاه انفعالاته العجولة، وبخلاف التباطؤ والتواني

стр. 120

فهما من صفات أصحاب الكسل والتهاون بالأمور، ويدلاّن على أن صاحبهما لا يملك القدرة على دفع همّته للقيام بالأعمال التي تحقّق له ما يرجوه، أو ليس لديه همة عالية تنشد الكمال، فهو يرضى بالدنيات، إيثاراً للراحة، وكسلاً عن القيام بالواجب. ثانياً: أهمية الأناة والتثبت: والأناة عند المسلم الصادق تسمح له بأن يُحكِّم أموره، ويضع الأشياء في مواضعها، فهي ركن من أركان الحكمة، بخلاف العجلة فإنها تعرّضه لكثير من الأخطاء والإخفاق، والتعثر، والارتباك، ثم تعرضه للتخلف من حيث يريد السبق، ومن استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه، وبخلاف التباطؤ والكسل فهو أيضاً يعرضه للتخلف والحرمان من تحقق النتائج التي يرجوها (١). والداعية مطلوب منه أن يتخلّق بخُلُق الأناة، ولكن ما يتطلب من الأمور عملاً سريعاً فالحكمة السرعة إذن، وهي لا تخرج عن الأناة، فالقضية نسبية، وما يتطلب من الأمور عملاً بطيئاً فالحكمة البطء إذن، وهو لا يخرج عن الأناة؛ لأن الأمر نسبي، وليس للأناة مقادير زمنية ثابتة؛ ولكنها تختلف باختلاف حاجة الأشياء إلى مقدار السرعة الزمنية التي تحتاجها وتستدعيها النتائج المطلوبة، فالأشياء مربوطة بأوقاتها، والعجلة فيها مع معرفة أوقاتها المطلوبة خُلُقٌ مذموم يدل على ضعف الهمة والإخلاد إلى الراحة والكسل، أما الأناة فليست تعجلاً ومسابقة لأوقات الأشياء، ولا تباطؤاً وكسلاً،

стр. 121

وكل من العجلة والتباطؤ يضيعان على أصحابهما الجهد والزمن، وما بذلوه، والأناة هي الكفيلة - بإذن اللَّه تعالى - بتحقيق المطلوب، وتفادي الخسارة. وقد ذم الإسلام الاستعجال ونهى عنه، وذم التباطؤ والكسل ونهى عنه، ومدح الأناة وأمر بها، وعمل على تربية المسلمين على الأناة والتثبت الحكيم بالأعمال وتصريف الأمور (١). قال اللَّه - تعالى - للنبي ﷺ تربية له وتعليماً: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ (٢). فأمر اللَّه سبحانه نبيه بعدم العجلة ومسابقة الملَك في قراءته، وتكفل اللَّه له أن يجمعه في صدره، وأن ييسره لأدائه على الوجه الذي ألقاه إليه، وأن يبيِّنه له ويفسِّره (٣). وقال تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (٤). وأمر سبحانه عباده المؤمنين والدعاة إلى اللَّه - تعالى - بالتأني في الأمور والتثبت فيها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (٥)، قرأ الجمهور (فتبينوا) من التبين، وهو التأمل، وقرأ حمزة والكسائي:

стр. 122

(فتَثبَّتوا)، والمراد من التبيّن التعرّف والتفحّص، ومن التثبّت: الأناة وعدم العجلة، والتبصر في الأمر الواقع والخبر الوارد حتى يتضح ويظهر (١). والدعاة إلى اللَّه أولى بامتثال أمر اللَّه - تعالى - وبالتأنِّي والتثبُّت من الأقوال والأفعال، والاستيثاق من مصدرها قبل الحكم عليها أو لها، وعليهم أن يتدبروا الأمور على مهلٍ، غير متعجلين؛ لتظهر لهم جلية واضحة، لا غموض فيها ولا التباس (٢). والداعية إلى اللَّه - تعالى - إذا أبصر العاقبة أمِنَ الندامة، ولا يكون ذلك إلا إذا تدبّر الأمور التي تعرض له، ويواجهها، فإذا كانت رشداً، وحقاً، وصواباً فليمض، وإذا كانت غيَّا، وضلالاً، وظنًّا خاطئاً، فليقف ولينتهِ حتى يتضح له الحق. والمشاهَد والواقع أن عدم التثبت وعدم التأني يؤدِّيان إلى كثير من الأضرار والمفاسد، فقد يسمع الإنسان خبراً، أو يقرأ نبأ في صحيفة، أو مجلة، فيسارع بتصديقه، ويعادي ويصادق، ويبني على ذلك التصرفات والأعمال التي يصدرها للمقاومة أو الموافقة، على أساس أنه حق واقع، ثم يظهر أنه كان مكذوباً، أو مُحرّفاً، أو مزوَّراً، أو مبالغاً فيه، أو مراداً به غير ما فهمه الإنسان، ومن هنا يكتوي المتسرع بلهب الندم والحسرة بسبب استعجاله وعدم تثبته. وقد يصاب الداعية أو غيره من المسلمين بأذى دون أن يعرف مصدره، فيستعجل ويسارع فيتّهم هذا، أو يسبّ ذاك، فيندم ويحصد

стр. 123

ثمرة عجلته وعدم تثبته، ولو أنه تأنَّى، وتبيَّن، وتثبَّت؛ لأدرك مصدر الأذى على حقيقته، وحينئذ يصدر التصرف على أساس البينة والبرهان، فلا يفقد أصدقاء له، ولا يضيف إلى أعداءه عدواً جديداً منهم. ويدخل في العجلة وعدم التثبت تعجل الإنسان في المدح أو الذم، دون دراية أو دون موجب لذلك، أو يتعجل بالكلام قبل أن يديره على عقله، أو بالفتوى قبل أن يعرف دليله وبرهانه الذي اعتمد عليه، وبنى عليه فتواه، وبعد ذلك يحصد الغم والأسف (١)، قال : ﴿وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً﴾ (٢). ولعظم أمر الأناة والتبين التي أمر اللَّه بها حتى في جهاد الكفار في سبيل اللَّه الذي هو من أعظم وسائل الدعوة إلى اللَّه تعالى، فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّه عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (٣). ومن المعلوم أن الأمور قسمان: أمور واضحة، وأمور غير واضحة. فالواضحة البينة لا تحتاج إلى تثبيت وتبين، لأن ذلك تحصيل حاصل.

стр. 124

وأما الأمور المشكلة غير الواضحة فإن الداعية خاصة والمسلمين عامةً بحاجة إلى التثبت فيها والتبين؛ فإن ذلك يحصل فيه من الفوائد الكثيرة، والكفّ عن شرور عظيمة ما يجعل المسلم في سلامة عن الزلل، وبذلك يُعرفُ دين العبد وعقله ورزانته (١). ومما يزيد الآية السابقة وضوحاً ما رواه البخاري في صحيحه عن ابن عباس ﵄ ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ قال: كان رجل في غُنَيمة له فلحقه المسلمون، فقال: السلام عليكم فقتلوه وأخذوا غُنَيمته، فأنزل اللَّه في ذلك إلى قوله: ﴿عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ تلك الغُنَيمة، وقرأ ابن عباس: السلام (٢). ثالثاً: أمثلة الأ ناة والتثبت: المثال الأول: مع أسامة: عن أسامة بن زيد ﵄ قال: بعثنا رسول اللَّه ﷺ إلى الحرقة من جهينة، قال: فصبَّحنا القوم فهزمناهم، قال: ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم، قال: فلما غشيناه قال: لا إله إلا اللَّه، قال: فكف عنه الأنصاري، فطعنته برمحي حتى قتلته، قال: فلما قدمنا بلغ ذلك النبي ﷺ قال: فقال لي: ((يا أسامة، أقتلته بعدما قال لا إله إلا اللَّه)) قال: قلت: يا رسول اللَّه، إنما كان متعوِّذاً، قال: فقال: ((أقتلته بعدما قال لا إله إلا اللَّه))، قال، فمازال يُكرّرها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل

стр. 125

ذلك اليوم (١). وفي رواية: قال: قلت يا رسول اللَّه: إنما قالها خوفاً من السلاح، قال: ((أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا))، فمازال يكررها حتى تمنيت أني أسلمت يومئذٍ (٢). وفي رواية: ((كيف تصنع بلا إله إلا اللَّه إذا جاءت يوم القيامة))، قال: يا رسول اللَّه: استغفر لي، قال: ((وكيف تصنع بلا إله إلا اللَّه إذا جاءت يوم القيامة)). قال فجعل لا يزيده على أن يقول: ((كيف تصنع بلا إله إلا اللَّه إذا جاءت يوم القيامة)) (٣). ولهذا كان النبي ﷺ أعظم الناس أناةً وتثبُّتاً، فكان لا يُقاتل أحداً من الكفار إلا بعد التأكد بأنهم لا يقيمون شعائر الإسلام، فعن أنس بن مالك ﵁: ((أن النبي ﷺ كان إذا غزا بنا قوماً لم يكن يغزو بنا حتى يصبح وينظر، فإن سمع أذاناً كف عنهم، وإن لم يسمع أذاناً أغار عليهم ... )) (٤). المثال الثاني: قبل القتال: كان النبي ﷺ يُعلِّم ويربِّي أصحابه على الأناة والتثبُّت في دعوتهم إلى اللَّه - تعالى - ومن ذلك أنه كان يأمر أمير سريته أن يدعوَ عدوَّه قبل القتال إلى ثلاث خصال:

стр. 126

الخصلة الأولى: الإسلام والهجرة، أو إلى الإسلام دون الهجرة، ويكونون كأعراب المسلمين. الخصلة الثانية: فإن أبوا الإسلام دعاهم إلى بذل الجزية. الخصلة الثالثة: فإن امتنعوا عن ذلك كله استعان باللَّه وقاتلهم (١). المثال الثالث: في الصلاة: ومن تربيته لأصحابه ﷺ على الأناة وعدم العجلة قوله: ((إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تَسْعون، وأتوها تمشون، وعليكم السكينة فما أدركْتُمْ فصلّوا، وما فاتكم فأتموا)) (٢). وقوله ﷺ : ((إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني قد خرجت)) (٣). ولِسُمُوِّ الأناة أحبها اللَّه ، قال رسول اللَّه ﷺ للأشج: ((إن فيك خصلتين يحبهما اللَّه: الحلم، والأناة)) (٤). والرسل عليهم الصلاة والسلام هم صفوة الخلق وقدوتهم، وهم أكمل الناس أناة وحلماً، وأعظمهم في ذلك وأوفرهم حظاً محمد ﷺ . المثال الرابع: في الغزو: عن أنس ﵁ قال: كان رسول اللَّه ﷺ يغير إذا طلع الفجر، وكان يستمع الأذان فإن سمع أذاناً أمسك وإلا أغار، فسمع رجلاً يقول: اللَّه

стр. 127

أكبر، اللَّه أكبر فقال رسول اللَّه ﷺ : ((على الفطرة))، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا اللَّه أشهد أن لا إله إلا اللَّه، فقال رسول اللَّه ﷺ : ((خرجت من النار)) (١). وعنه ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا غزا بنا قوماً لم يغزُ بنا حتى يصبح وينظر فإن سمع أذاناً كف عنهم وإن لم يسمع أذاناً أغار عليهم ... (٢). وهذا يدل على تثبته ﷺ وعدم عجلته، وهو أسوة الدعاة إلى اللَّه تعالى وقدوتهم. وعن عبد اللَّه بن سرجس المزني ﵁،أن النبي ﷺ قال: ((السَّمْتُ الحسن (٣)، والتُّؤَدَةُ، والاقتصاد (٤)، جزء من أربعةٍ وعشرين جزءاً من النبوة)) (٥). وبهذا يُعلم أن الأناة في كل شيء محمودة وخيرٌ إلا ما كان من أمر الآخرة، بشرط مراعاة الضوابط التي شرعها اللَّه حتى تكون المسارعة مما يحبه اللَّه تعالى (٦).

стр. 128

المبحث العشرون: الرفق واللين أولاً: تعريف الرفق واللين: الرفق لغة: اللطف ولين الجانب (١)، وهو ضد العنف (٢)، واللين: ضد الخشونة (٣)، قال اللَّه تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾ (٤). ومعنى ﴿لِنتَ لَهُمْ﴾: سهَّلت لهم أخلاقك، وكثرة احتمالك، ولم تسرع إليهم بالغضب فيما كان منهم (٥). فظهر من هذه التعريفات اللغوية أن الرفق واللين يتضمن: لين الجانب بالقول والفعل، والأخذ بالأسهل والأيسر وحسن الخلق، وكثرة الاحتمال، وعدم الإسراع بالغضب والتعنيف (٦). ويُطلق الرفق واللين على المداراة إذا كان في ذلك دفع برفق، يُقال: ((دَارَأهُ)) أي لاينه واتقاه (٧)، ودفعه (٨)، ولاطفه ولاينه اتقاءً لشرِّه (٩)، وفي الحديث: ((أن رسول اللَّه ﷺ كان يصلي فجاءت بهمة

стр. 129

تمرّ بين يديه فمازال يُدارئُها)) أي يدافعها (١)، وقد بوّب البخاري ﵀ باباً في صحيحه فقال: (باب المداراة مع الناس) ثم أورد حديث عائشة أنه استأذن على النبي ﷺ رجل فقال: ((ائذنوا له فبئس ابن العشيرة)) - أو بئس أخو العشيرة))، فلما دخل ((ألان له الكلام)). قالت عائشة: فقلت له: يا رسول اللَّه قلت ما قلت ثم ألنت له في القول. فقال: ((أي عائشة إن شر الناس منزلة عند اللَّه من تركه - أو ودعه - الناس اتِّقاء فُحشه)) (٢)، ويذكر عن أبي الدرداء ﵁: ((إنا لنكشِرُ (٣) في وجوه أقوام وإن قلوبنا تلعنهم)) (٤). فظهر أن المداراة هي: الدفع برفق ولين. والمداراة ليست من المداهنة: قال ابن بطال ﵀: المداراة من أخلاق المؤمنين وهي خفض الجناح للناس، ولين الكلمة، وترك الإغلاظ لهم في القول، وذلك من أقوى أسباب الألفة. قال: وظن بعضهم أن المداراة هي المداهنة فغلط؛ لأن المداراة مندوب إليها، والمداهنة محرمة، والفرق: أن المداهنة من الدهان وهو الذي يظهر على الشيء ويستر باطنه، وفسرها العلماء بأنها معاشرة الفاسق وإظهار الرضى بما هو فيه من غير إنكار عليه. والمداراة هي الرفق بالجاهل في التعليم، وبالفاسق في النهي عن فعله وترك الإغلاظ عليه حيث لا يظهر ما هو فيه، والإنكار عليه

стр. 130

بلطف القول والفعل لاسيما إذا احتيج إلى تألفّه ونحو ذلك (١). وقد قال اللَّه تعالى لموسى وهارون: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولا لَهُ قَوْلا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (٢)، ومعنى: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَّيِّنًا﴾: يقول: دارياه وارفقا به (٣)، وقد استدل بهذه الآية المأمون عندما عنّفه واعظ وشدّد عليه القول، فقال: يا رجل ارفق، فقد بعث اللَّه من هو خير منك إلى من هو شر مني وأمره بالرفق، فقال: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (٤)، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّه لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾ (٥). ولهذا قال القائل: وإذا عجزت عن العدوِّ فداره ... وامزح له إن المزاحَ وفاقُ فالنارُ بالماء الذي هو ضدُّها ... تُعطي النِّضاح وطبعُها الإحراقُ فظهر مما تقدم: ١ - أن الرفق واللين: لين الجانب بالقول، والفعل، والأخذ بالأسهل والأيسر، وحسن الخلق، وكثرة الاحتمال، وعدم الإسراع بالغضب والتعنيف والشدة والخشونة.

стр. 131

٢ - أن المداراة تطلق على الرفق واللين إذا كان فيها مدافعة، كتعليم الجاهل، ونهي الفاسق عن فسقه. والمداراة من أخلاق المؤمنين. ٣ - أن المداهنة مذمومة محرمة، وهي: معاشرة الفاسق ومخاللته مع الرضى بما هو عليه من المعاصي وعدم الإنكار عليه، واللَّه الموفق. ثانياً: أهمية الرفق واللين: عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال لها: ((إنه من أُعطي حظّه من الرفق فقد أُعطي حظّه من خير الدنيا والآخرة، وصلة الرحم، وحسن الخُلُق، وحسن الجوار يعمران الديار ويزيدان في الأعمار)) (١). فقد عظّم النبي ﷺ شأن الرفق في الأمور كلها، وبين ذلك بفعله وقوله بياناً شافياً كافياً؛ لكي تعمل أمّتهُ بالرفق في أمورها كلها، وخاصة الدعاة إلى اللَّه ؛ فإنهم أولى الناس بالرفق في دعوتهم، وفي جميع تصرّفاتهم، وأحوالهم. وهذا الحديث السابق وغيره من الأحاديث التي ستأتي تُبيّن فضل الرفق، والحث على التخلّق به، وبغيره من الأخلاق الحسنة، وذمّ العنف وذمّ من تخلَّق به. فالرفق سبب لكل خير؛ لأنه يحصل به من الأغراض ويسهل من المطالب، ومن الثواب ما لا يحصل بغيره، وما لا يأتي من ضده (٢).

стр. 132

وقد حذّر النبي ﷺ من العنف، وعن التشديد على أمته ﷺ ، فعن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول في بيتي هذا: ((اللَّهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فشقّ عليهم، فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به)) (١)، وكان ﷺ إذا أرسل أحداً من أصحابه في بعض أموره أمرهم بالتيسير ونهاهم عن التنفير. فعن أبي موسى ﵁ قال: كان رسول اللَّه ﷺ إذا بعث أحداً من أصحابه في بعض أموره قال: ((بشِّرُوا ولا تُنفِّرُوا، ويسِّرُوا ولا تُعسِّرُوا)) (٢). وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : ((إذا أراد اللَّه بأهل بيتٍ خيراً أدخل عليهم الرفق)) (٣). وقال النبي ﷺ لأبي موسى الأشعري ومعاذ ﵄ حينما بعثهما إلى اليمن: ((يسَّرا ولا تعسِّرا، وبشِّرا ولا تنفِّرا، وتطاوَعَا ولا تختلِفَا)) (٤). وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : ((يسِّرُوا ولا تعسِّرُوا، وبشِّرُوا ولا تنفِّرُوا)) (٥).

стр. 133

في هذه الأحاديث الأمر بالتيسير والنهي عن التنفير، وقد جمع النبي ﷺ في هذه الألفاظ بين الشيء وضده؛ لأن الإنسان قد يفعل التيسير في وقتٍ والتعسير في وقت، ويبشر في وقت وينفر في وقت آخر، فلو اقتصر على يسّروا لصدق ذلك على من يسِّر مرّة أو مرّات، وعسّر في معظم الحالات، فإذا قال: ولا تعسِّرُوا انتفى التعسير في جميع الأحوال من جميع وجوهه، وهذا هو المطلوب، وكذا يقال في يسّرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا؛ لأنهما قد يتطاوعان في وقت ويختلفان في وقت وقد يتطاوعان في شيء ويختلفان في شيء، والنبي ﷺ قد حثّ في هذه الأحاديث وفي غيرها على التبشير بفضل اللَّه وعظيم ثوابه، وجزيل عطائه، وسعة رحمته، ونهى عن التنفير بذكر التخويف وأنواع الوعيد محضة من غير ضمها إلى التبشير، وهذا فيه تأليف لمن قرب إسلامه وترك التشديد عليه، وكذلك من قارب البلوغ من الصبيان، ومن بلغ، ومن تاب من المعاصي كلهم ينبغي أن يتدرج معهم ويُتلطّف بهم في أنواع الطاعات قليلاً قليلاً، وقد كانت أمور الإسلام في التكليف على التدريج فمتى يُسِّرَ على الداخل في الطاعة، أو المريد للدخول فيها سهلت عليه وكانت عاقبته غالباً الازدياد منها، ومتى عُسِّرت عليه أوْشَكَ أن لا يدخل فيها، وإن دخل أوشك أن لا يدوم ولا يستحليها (١)، وهكذا تعليم العلم ينبغي أن يكون بالتدريج؛ ولهذا كان النبي ﷺ يتخوّل أصحابه بالموعظة في الأيام كراهة السَّآمة عليهم (٢).

стр. 134

فصلوات اللَّه وسلامه عليه فقد دلّ أمته على كل خير، وحذّرهم من كل شرّ، ودعا على من شقّ على أمته، ودعا لمن رفق بهم كما تقدم في حديث عائشة، وهذا من أبلغ الزواجر عن المشقة على الناس، وأعظم الحث على الرفق بهم (١). ثالثاً: أمثلة الرفق واللين: المثال الأول: مع شاب استأذن في الزنا: عن أبي أمامة ﵁ قال: إن فتىً شاباً أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول اللَّه، ائذن لي بالزنا، فأقبل القوم عليه فزجروه، وقالوا له: مه مه! فقال له: ((ادنه))، فدنا منه قريباً، قال: ((أتحبّه لأمك)) قال: لا واللَّه، جعلني اللَّه فداءك، قال: ((ولا الناس يحبّونه لأمهاتهم)). قال: ((أفتحبّه لابنتك؟)) قال: لا واللَّه يا رسول اللَّه، جعلني اللَّه فداءك. قال: ((ولا الناس يحبونه لبناتهم)). قال: ((أفتحبه لأختك؟)) قال: لا واللَّه جعلني اللَّه فداءك. قال: ((ولا الناس يحبونه لأخواتهم)). قال: ((أفتحبه لعمتك؟)) قال: لا واللَّه، جعلني اللَّه فداءك. قال: ((ولا الناس يحبونه لعماتهم)). قال: ((أفتحبه لخالتك؟)) قال: لا واللَّه جعلني اللَّه فداءك. قال: ((ولا الناس يحبونه لخالاتهم)). قال: فوضع يده عليه، وقال: ((اللَّهم اغفر ذنبه، وطهِّر قلبه، وحصّن فرجه))، فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء (٢). وهذا الموقف العظيم مما يؤكد على الدعاة إلى اللَّه أن يعتنوا

стр. 135

بالرفق والإحسان إلى الناس، ولاسيما من يُرغَبُ في استئلافهم ليدخلوا في الإسلام، أو ليزيد إيمانهم ويثبتوا على إسلامهم. وكما يبين لنا الرسول ﷺ الرّفق بفعله بينه لنا بقوله وأمرنا بالرفق في الأمر كله. المثال الثاني: مع اليهود: عن عائشة ﵂ قالت: دخل رهط من اليهود على رسول اللَّه ﷺ فقالوا: السامُ عليكم، قالت عائشة: ففهمتها فقلت: وعليكم السامُ واللعنة. قالت: فقال رسول اللَّه ﷺ : ((مهلاً يا عائشة إن اللَّه يُحبّ الرفق في الأمر كله))، فقلت: يا رسول اللَّه أو لم تسمع ما قالوا؟ قال رسول اللَّه ﷺ : ((قد قلت وعليكم)) (١). وقال رسول اللَّه ﷺ : ((يا عائشة إن اللَّه رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يُعطي على العُنْف، وما لا يُعطي على ما سواه)) (٢). وقال النبي ﷺ : ((إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا يُنْزع من شيء إلا شانه)) (٣). وبين رسول اللَّه ﷺ أن من حُرِمَ الرفق فقد حرم الخير، قال ﷺ : ((من يحرم الرفق يحرم الخير)) (٤). وعن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((من أٌعطيَ حظه من الرفق فقد أعطي حظه من الخير، ومن حُرِمَ حظه من الرفق فقد

стр. 136

حرم حظه من الخير)) (١)، وعنه ﵁ يبلغ به قال: ((من أعطي حظه من الرفق أعطي حظه من الخير، وليس شيء أثقل في الميزان من الخُلُق الحسن)) (٢). المثال الثالث: مع من بال في المسجد: عن أنس بن مالك ﵁ قال: بينما نحن في المسجد مع رسول اللَّه ﷺ إذ جاء أعرابي، فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول اللَّه ﷺ : مَهْ مَهْ (٣)، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : ((لا تزرموه (٤)، دعوه))، فتركوه حتى بال، ثم إن رسول اللَّه ﷺ دعاه فقال له: ((إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول، ولا القذر، إنما هي لذكر اللَّه، والصلاة، وقراءة القرآن))، أو كما قال رسول اللَّه ﷺ . قال: فأمر رجلاً من القوم فجاء بدلو من ماء فشنّه (٥) عليه (٦). وقد ثبت في البخاري وغيره أن هذا الرجل هو الذي قال: ((اللَّهم

стр. 137

ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً))، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قام رسول اللَّه ﷺ وقمنا معه، فقال أعرابي وهو في الصلاة: اللَّهم ارحمني ومحمداً، ولا ترحم معنا أحداً، فلما سلم النبي ﷺ قال للأعرابي: ((لقد حجّرت واسعاً)) يريد رحمة اللَّه (١). وتُفسّر هذه الرواية الروايات الأخرى عند غير البخاري، فعن أبي هريرة ﵁ قال: دخل رجل أعرابي المسجد فصلى ركعتين، ثم قال: اللَّهم ارحمني ومحمداً، ولا ترحم معنا أحداً! فالتفت إليه رسول اللَّه ﷺ فقال: ((لقد تحجّرت واسعاً))، ثم لم يلبث أن بال في المسجد، فأسرع الناس إليه، فقال لهم رسول اللَّه ﷺ : ((إنما بُعثتم مُيسِّرين، ولم تُبعثوا مُعسِّرين، أهريقوا عليه دلواً من ماء، أو سجلاً من ماء)) (٢). قال: يقول الأعرابي بعد أن فقه: ((فقام النبي ﷺ إليّ بأبي وأمي فلم يسبّ، ولم يؤنّب، ولم يضرب)) (٣). النبي ﷺ أحكم خلق اللَّه، فمواقفه وتصرفاته كلها مواقف حكمة مشرفة، ومن وقف على أخلاقه ورفقه وعفوه وحلمه، ازداد يقينه وإيمانه بذلك. وهذا الأعرابي قد عمل أعمالاً تثير الغضب، وتسبّب عقوبته وتأديبه من الحاضرين؛ ولذلك قام الصحابة إليه، واستنكروا أمره، وزجروه، فنهاهم النبي ﷺ أن يقطعوا عليه بوله.

стр. 138

وهذا في غاية الرفق والحلم والرحمة، ويجمع ذلك كله الحكمة، فقد أنكر النبي ﷺ بالحكمة على هذا الأعرابي عمله، فقال له حينما قال: ((اللَّهم ارحمني ومحمداً، ولا ترحم معنا أحداً)): ((لقد حجّرت واسعاً))، يريد ﷺ رحمة اللَّه، فإن رحمة اللَّه قد وسعت كل شيء، قال : ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (١)، فقد بخل هذا الأعرابي برحمة اللَّه على خلقه. وقد أثنى اللَّه من فعل خلاف ذلك حيث قال: ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ (٢). وهذا الأعرابي قد دعا بخلاف ذلك، فأنكر عليه النبي ﷺ بالحكمة (٣). وحينما بال في المسجد أمر النبي ﷺ بتركه؛ لأنه قد شرع في المفسدة، فلو منع ذلك لزادت المفسدة، وقد حصل تلويث جزء من المسجد، فلو منعه ﷺ بعد ذلك لدار بين أمرين: ١ - إما أن يقطع عليه بوله فيتضرّر الأعرابي بحبس البول بعد خروجه. ٢ - وإما أن يقطعه فلا يأمن من تنجيس بدنه، أو ثوبه، أو مواضع أخرى من المسجد. فأمر النبي ﷺ بالكفّ عنه للمصلحة الراجحة، وهي دفع أعظم المفسدتين أو الضررين باحتمال أيسرهما، وتحصيل أعظم

стр. 139

المصلحتين بترك أيسرهما (١). وهذا من أعظم الحكم العالية، فقد راعى النبي ﷺ هذه المصالح، وما يقابلها من المفاسد، ورسم ﷺ لأمته والدعاة من بعده كيفية الرفق بالجاهل، وتعليمه ما يلزمه من غير تعنيف، ولا سبٍّ ولا إيذاء ولا تشديد، إذا لم يكن ذلك منه عناداً ولا استخفافاً، وقد كان لهذا الاستئلاف والرحمة والرفق الأثر الكبير في حياة هذا الأعرابي وغيره، فقد قال بعد أن فقه - كما تقدّم - وفي رواية الإمام أحمد: فقام النبي ﷺ إليّ بأبي وأمي، فلم يسبّ، ولم يؤنّب، ولم يضرب (٢). فقد أثّر هذا الخلق العظيم في حياة الرجل (٣). المثال الرابع: مع معاوية بن الحكم: عن معاوية بن الحكم السلمي ﵁ قال: بينا أنا أصلي مع رسول اللَّه ﷺ إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك اللَّه! فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أمّياه، ما شأنكم تنظرون إليَّ؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يُصمتونني، لكنّي سكتُّ، فلما صلى رسول اللَّه ﷺ فبأبي هو وأمي ما رأيت معلِّماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه، فواللَّه ما كهرني (٤) ولا ضربني ولا شتمني، قال: ((إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن))، أو كما قال رسول اللَّه ﷺ .

стр. 140

قلت: يا رسول اللَّه! إني حديث عهد بجاهلية، وقد جاء اللَّه بالإسلام، وإنا منا رجالاً يأتون الكهان، قال: ((فلا تأتهم)). قال: ومنا رجال يتطيرون، قال: ((ذاك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدّنّهم)) (١)، (قال ابن الصلاح: فلا يصدّنكم)، قال: قلت: ومنا رجال يخطّون، قال: ((كان نبي من الأنبياء يخطّ، فمن وافق خطّه فذاك)) (٢). قال: وكانت لي جارية ترعى غنماً لي قِبَلَ أُحُد والجوَّانية (٣)، فاطلعت ذات يوم فإذا الذئب قد ذهب بشاة من غنمها، وأنا رجل من بني آدم، آسف كما يأسفون، لكني صككتها صكة، فأتيت رسول اللَّه ﷺ فعظَّم ذلك عليَّ، قلت: يا رسول اللَّه! أفلا أعتقها، قال: ((ائتني بها))، فأتيته بها، فقال لها: ((أين اللَّه؟)) قالت: في السماء، قال: ((من أنا؟)) قالت: أنت رسول اللَّه. قال: ((أعتقها فإنها مؤمنة)) (٤). وهذا الموقف من أعظم الحكم البارزة السامية التي أوتيها النبي ﷺ ، وقد ظهر أثر ذلك في حياة ونفس معاوية ﵁؛ لأن النفوس مجبولة على حبّ من أحسن إليها، ولهذا قال معاوية ﵁: ما رأيت معلِّماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه.

стр. 141

المثال الخامس: مع من كانت يده تطيش: عن عمر بن أبي سلمة ﵁ قال: كنت غلاماً في حجر رسول اللَّه ﷺ وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي رسول اللَّه ﷺ : ((يا غلام سم اللَّه، وكل بيمينك، وكل مما يليك))، فمازالت تلك طعمتي بعد (١). المثال السادس: مع من أصاب من امرأته قبل الكفارة: عن سلمة بن صخر الأنصاري ﵁ قال في حديثه: (( ... خرجت فأتيت النبي ﷺ فأخبرته خبري فقال لي: ((أنت بذاك))؟ فقلت: أنا بذاك، فقال: ((أنت بذاك))؟ فقلت: أنا بذاك، فقال: ((أنت بذاك))؟ فقلت: نعم ها أنذا فامضِ فيَّ حكمك فإني صابر له، قال: ((أعتق رقبة))، قال: فضربت صفحة رقبتي بيدي وقلت: لا والذي بعثك بالحق ما أصبحت أملك غيرها. قال: ((فصم شهرين)) قال: قلت: يا رسول اللَّه وهل أصابني ما أصابني إلا في الصيام، قال: ((فتصدق)) قال: فقلت: والذي بعثك بالحق لقد بتنا ليلتنا هذه وحشاً ما لنا عشاء، قال: ((اذهب إلى صاحب صدقة بني زريق فقل له فليدفعها إليك، فأطعم عنك منها وسقاً ثم استعن بسائره عليك وعلى عيالك))، قال فرجعت إلى قومي فقلت: وجدت عندكم الضيق وسوء الرأي، ووجدت عند رسول اللَّه ﷺ السعة والبركة وقد أمر لي بصدقتكم فادفعوها لي، قال: فدفعوها لي)) (٢).

стр. 142

المثال السابع: مع من بكت عند القبر: عن أنس ﵁ قال: مرَّ النبي ﷺ بامرأة تبكي عند قبر فقال: ((اتقِ اللَّه واصبري)) قالت: إليك عنّي فإنك لم تُصَبْ بمصيبتي، ولم تعرفه، فقيل لها: إنه النبي ﷺ ، فأتت النبي ﷺ فلم تجد عنده بوّابين، فقالت: لم أعرفك، فقال: ((إنما الصبر عند الصدمة الأولى)) (١)، وهذا فيه الدلالة على رفق النبي ﷺ بالجاهل، وترك المؤاخذة. المثال الثامن: من رفق صلة بن أشيم: ومن المواقف التطبيقية ما فعله صلة بن أشيم ﵀ حين مر رجل قد أسبل ثيابه يسحبها ويجرّها على الأرض، فأخذ الناس يسبّونه ويُغلظون له في القول، فساءه ذلك، وأراد أن يريهم درساً عملياً للرفق واللين في الإنكار فقال لهم: دعوني أكفكم أمره، ثم قال: يا ابن أخي إنّ لي إليك حاجة. قال: ما هي؟ قال: أحب أن ترفع إزارك، قال: نعم ونعمى عيني - أي أقر عينك بطاعتك واتباع أمرك - فرفع إزاره. فقال: صلة لأصحابه: هذا كان أمثل مما أردتم، فإنكم لو شتمتموه وآذيتموه لشتمكم (٢).

стр. 143

المبحث الحادي والعشرون: الصبر أولاً: تعريف الصبر: الصبر لغة: الحبس والمنع، وهو ضدّ الجزع، ويقال: صبر صبراً: تجلَّد ولم يجزع، وصبر: انتظر، وصبّر نفسه: حبسها وضبطها، وصبر فلاناً: حبسه، وصبرت صبراً: حبست النفس عن الجزع، وسُمّي الصوم صبراً لما فيه من حبس النفس عن الطعام، والشراب، والنكاح (١). فتبين بذلك أن الصبر هو: منع وحبس النفس عن الجزع، واللسان عن التشكِّي، والجوارح عن التشْويش: كلطم الخدود، وشقّ الجيوب ونحوهما (٢). و حقيقة الصبر: هو خُلُقٌ فاضل من أخلاق النفس يمنع صاحبه من فعل ما لا يَحْسُنُ، ولا يجمل، وهو قوة من قوى النفس التي بها صلاح شأنها، وقوام أمرها (٣). وهذه القوة تمكِّن الإنسان من ضبط نفسه لتحمّل المتاعب، والمشاق، والآلام (٤). والصبر ينبغي: أن يُبيَّن مفهومه، وأهميته في حياة المسلم،

стр. 144

ومجالاته، وأنواعه، وحكمه، وطرق تحصيله، وأمثلة تطبيق الصبر والشجاعة، وقد بيَّنت ذلك كله في رسالة مستقلة، وللَّه الحمد، فأغنى عن التفصيل هنا (١).

стр. 145

المبحث الثاني والعشرون: الرحمة وسأقتصر في هذا المبحث على رحمة النبي؛ لأنها جامعة مانعة: أولاً: عموم رحمته ﷺ للإنس والجن، والمؤمنين والكافرين والحيوان: قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (١)، فالمؤمنون به ﷺ قبلوا هذه الرحمة، وشكروها، وغيرهم كفرها، وبدَّلوا نعمة اللَّه كفراً، وأبوا رحمة اللَّه ونعمته (٢). قال ابن عباس ﵄: ((من آمن باللَّه واليوم الآخر كتب له الرحمة في الدنيا والآخرة، ومن لم يؤمن باللَّه ورسوله عوفي مما أصاب الأمم من الخسف والقذف)) (٣). قال الإمام الطبري ﵀: ((أولى القولين في ذلك بالصواب القول الذي رُوي عن ابن عباس: وهو أن اللَّه أرسل نبيه محمداً ﷺ رحمة لجميع العالم: مؤمنهم وكافرهم، فأما مؤمنهم فإن اللَّه هداه به وأدخله بالإيمان به وبالعمل بما جاء به من عند اللَّه الجنة، وأما كافرهم فإنه دفع به عنه عاجل البلاء الذي كان ينزل بالأمم المكذبة رسلها من قبله)) (٤). ومما يدل على أن رحمة النبي ﷺ عامة للعالم؛ حديث أبي هريرة ﵁ قال: قيل: يا رسول اللَّه! ادعُ على المشركين، قال: «إني لم أُبعث
следующие страницы →