← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 96465

الربا

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (78 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

سلسلة مؤلفات سعيد بن علي بن وهف القحطاني الربا أضراره وآثاره في ضوء الكتاب والسنة تقديم معالي العلامة الشيخ الدكتور صالح بن فوزان الفوزان عضو هيئة كبار العلماء تأليف الفقير إلى الله تعالى د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، وبعد، فقد تصفحّت هذا الكتاب في موضوع الربا من تأليف الشيخ سعيد بن علي القحطاني، فوجدته كتاباً مفيداً في موضوعه، وتمسّ الحاجة إلى قراءته، والاستفادة منه. وفق الله الشيخ المؤلِّف إلى كلِّ خير، ونفع بما كتب. وصلى الله وسلّم على نبينا محمد. كتبه صالح بن فوزان الفوزان عضو هيئة كبار العلماء ٢٦/ ١/١٤٣١هـ

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١). ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ (٢). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ (٣). أما بعد، فإن أحسن الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشرّ الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. لا شك أن موضوع الربا، وأضراره، وآثاره الخطيرة جدير بالعناية، ومما يجب على كل مسلم أن يعلم أحكامه وأنواعه؛ ليبتعد عنه؛ لأن من

стр. 4

تعامل بالربا فهو محارب لله وللرسول ﷺ . ولأهمية هذا الموضوع جمعت لنفسي، ولمن أراد من القاصرين مثلي الأدلة من الكتاب والسنة في أحكام الربا، وبيّنت أضراره، وآثاره على الفرد والمجتمع. وقد قسمت البحث إلى: مقدمة، وثلاثة أبواب، وخاتمة على النحو الآتي: الباب الأول: الربا قبل الإسلام، واشتمل على فصول: الفصل الأول: تعريف الربا لغة وشرعاً. الفصل الثاني: الربا عند اليهود. الفصل الثالث: الربا في الجاهلية. الباب الثاني: موقف الإسلام من الربا، وشمل ما يأتي: الفصل الأول: التحذير من الربا. الفصل الثاني: ربا الفضل. أولاً: تعريفه. ثانياً: بعض ما ورد في ربا الفضل من النصوص. ثالثاً: حكمه وسائر أنواع الربا. رابعاً: أسباب تحريم الربا وحِكَمُهُ. الفصل الثالث: ربا النسيئة. أولاً: تعريفه.

стр. 5

ثانياً: بعض ما ورد في ربا النسيئة من النصوص. الفصل الرابع: بيع العينة. أولاً: تعريف بيع العينة. ثانياً: حكمه وبعض ما ورد من النصوص في ذَمِّهِ. الباب الثالث: ما يجوز فيه التفاضل والنسيئة: الفصل الأول: جواز التفاضل في غير المكيل والموزون، وبيع الحيوان بالحيوان نسيئة. الفصل الثاني: الصرف وأحكامه. الفصل الثالث: الحثّ على الابتعاد عن الشبهات. الباب الرابع: فتاوى في مسائل من الربا المعاصر. الباب الخامس: مضار الربا، ومفاسده، وآثاره. الخاتمة: وفيها أهم النتائج. والله أسألُ أن يجعل هذا العمل القليل مباركاً، خالصاً لوجهه الكريم، وأن يجعله حجة لي لا حجة عليَّ، وأن ينفعني به في حياتي وبعد مماتي، وينفع به كل من انتهى إليه؛ فإنه تعالى خير مسؤول، وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، وخيرته من خلقه، وأمينه على وحيه، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. المؤلف حرر في عام ١٤٠٥هـ

стр. 6

الباب الأول: الربا قبل الإسلام الفصل الأول: تعريف الربا لغة وشرعاً أولاً: تعريف الربا في اللغة: الربا في اللغة: هو الزيادة، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ (٢)، أي أكثر عدداً يقال: ((أربى فلان على فلان، إذا زاد عليه)) (٣). وأصل الربا الزيادة، إما في نفس الشيء، وإما مقابله كدرهم بدرهمين، ويطلق الربا على كل بيعٍ محرم أيضاً (٤). ثانياً: تعريف الربا شرعاً: الربا في الشرع: هو الزيادة في أشياء مخصوصة، والزيادة على الدَّيْن مُقَابل الأجل مطلقاً. وقيل: هو الزيادة في بيع شيئين يجري فيهما الربا (٥). وهو يطلق على شيئين: يطلق على ربا الفضل، وربا النسيئة (٦).

стр. 7

الفصل الثاني: الربا عند اليهود لا شك أن اليهود لهم حيل، وأباطيل كثيرة كانوا يحتالون بها، ويخادعون بها أنبياءهم عليهم الصلاة والسلام، ومن تلك الحيل الباطلة احتيالهم لأكل الربا وقد نهاهم الله عنه، وحرَّمه عليهم. قال الله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً * وَأَخْذِهِمُ الرِّبا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ (١). قال الإمام الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: ((إن الله قد نهاهم – أي اليهود – عن الربا، فتناولوه، وأخذوه، واحتالوا عليه بأنواع الحيل، وصنوف من الشبه، وأكلوا أموال الناس بالباطل)) (٢). وقد صرف اليهود النص المُحَرِّمَ للربا حيث قصروا التحريم فيه على التعامل بين اليهود، أما معاملة اليهودي لغير اليهودي بالربا، فجعلوه جائزاً لا بأس به. يقول أحد ربانييهم واسمه راب: ((عندما يحتاج النصراني إلى درهم فعلى اليهودي أن يستولي عليه من كل جهة، ويضيف الربا الفاحش إلى الربا الفاحش، حتى يرهقه، ويعجز عن إيفائه ما لم يتخلَّ عن أملاكه، أو حتى يضاهي المال مع الفائدة أملاك النصراني، وعندئذ يقوم اليهودي

стр. 8

على مدينه – غريمه – وبمعاونة الحاكم يستولي على أملاكه)) (١)، فاتّضح من كلام الله تعالى أن الله قد حرّم الربا في التوراة على اليهود، فخالفوا أمر الله، واحتالوا، وحرَّفوا، وبدَّلوا، واعتبروا أن التحريم إنما يكون بين اليهود فقط، أما مع غيرهم فلا يكون ذلك محرماً في زعمهم الباطل؛ ولذلك ذمّهم الله في كتابه العزيز كما بيّنت ذلك آنفاً.

стр. 9

الفصل الثالث: الربا في الجاهلية لقد كان الربا منتشراً في عصر الجاهلية انتشاراً كبيراً، وقد عدّوه من الأرباح العظيمة – في زعمهم – التي تعود عليهم بالأموال الطائلة، فقد روى الإمام الطبري – ﵀ – بسنده في تفسيره عن مجاهد أنه قال: ((كانوا في الجاهلية يكون للرجل على الرجل الدَّين فيقول: لك كذا وكذا، وتؤخر عني فيؤخر عنه)) (١). وغالب ما كانت تفعله الجاهلية أنه إذا حلّ أجل الدَّين قال من هو له لمن هو عليه: أتقضي أم تُربِي؟ فإذا لم يقض زاد مقداراً في المال الذي عليه، وأخّر له الأجل إلى حين. وقد كان الربا في الجاهلية في التضعيف أيضاً، وفي السِّنِّ كذلك، فإذا كان للرجل فضل دَين على آخر فإنه يأتيه إذا حلّ الأجل، فيقول له: تقضيني أو تزيدني؟ فإن كان عنده شيء يقضيه قضاه، وإلا حوّله إلى السّنِّ التي فوق سنِّه من تلك الأنعام التي هي دَين عليه، فإن كان عليه بنت مخاض، جعلها بنت لبون في السنة الثانية، فإذا أتاه في السنة الثانية ولم يستطع القضاء، جعلها حِقّة في السنة الثالثة، ثم يأتيه في نهاية الأجل فيجعلها جذعة، ثم رباعيّاً، وهكذا حتى يتراكم على المدين أموال طائلة. وفي الأثمان يأتيه فإن لم يكن عنده أضعفه في العام القابل، فإن لم يكن عنده في العام القابل أضعفه أيضاً، فإذا كانت مائة جعلها إلى قابل

стр. 10

مائتين، فإن لم يكن عنده من قابل جعلها أربعمائة يضعفها له كل سنة أو يقضيه (١)، فهذا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٢). فالربا في الجاهلية كان يُعدّ – كما ذكرت آنفاً – من الأرباح التي يحصل عليها ربّ المال، ولا يهمه ضرر أخيه الإنسان سواء ربح، أم خسر أصابه الفقر، أم غير ذلك؟ المهم أنه يحصل على المال الطائل، ولو أدّى ذلك إلى إهلاك الآخرين، وما ذلك إلا لقبح أفعال الجاهلية وفساد أخلاقهم، وتغيّر فطرهم التي فطرهم الله عليها، فهم في مجتمع قد انتشرت فيه الفوضى، والرذائل، وعدم احترام الآخرين، فالصغير لا يوقّر الكبير، والغني لا يعطف على الفقير، والكبير لا يرحم الصغير، فالقوم في سكرتهم يعمهون، ومما يؤسف له أن الربا لم يقتصر على عصر الجاهلية الأولى فحسب، بل إنه انتشر في المجتمعات التي تدِّعي الإسلام، وتدَّعي تطبيق أحكام الله تعالى في أرض الله ... ! فيجب على كل مسلم أن يُطبِّق أوامر الله ويُنَفِّذ أحكامه، أما من تعامل بالربا ممن يدّعي الإسلام، فنقول له بعد أن نوجه إليه النصيحة ونُحَذِّرُهُ من هذا الْجُرْمِ الكبير: إنه قد عاد إلى ما كانت عليه الجاهلية الأولى قبل نزول القرآن الكريم بل قبل مبعث النبي محمد ﷺ .

стр. 11

الباب الثاني: موقف الإسلام من الربا الفصل الأول: التحذير من الربا لقد ورد في التحذير من الربا نصوص كثيرة من نصوص الكتاب والسنة؛ وبما أن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ هما المصدران الصافيان، فمن أخذ بهما واتبع ما جاء فيهما، فقد فاز وأفلح، ومن أعرض عنهما فإن له معيشة ضنكاً، وسيحشر يوم القيامة أعمى، ونسمع بعض ما ورد في شأن الربا من نصوص الكتاب والسنة، والله المستعان، وعليه التكلان. ١ - قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (١). ٢ - وقال : ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ (٢). ٣ - وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ (٣).

стр. 12

قال ابن عباس ﵄: ((هذه آخر آية نزلت على النبي ﷺ )) (١). ٤ - وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٢). ٥ - وقال في شأن اليهود حينما نهاهم عن الربا وحرمه عليهم، فسلكوا طريق الحيل لإبطال ما أمرهم به، قال سبحانه في ذلك: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ (٣). ٦ - وقال : ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ (٤). ٧ - وعن جابر ﵁ قال: ((لعن رسول الله ﷺ : آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه))، وقال: ((هم سواء)) (٥). ٨ - وعن سمرة بن جندب ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((رأيت الليلة رجلين أتياني فأخرجاني إلى أرض مُقَدَّسة، فانطلقنا حتى أتينا على نهر من دم فيه رجل قائم، وعلى وسط النهر رجل بين يديه حجارة، فأقبل الرجل الذي في النهر، فإذا أراد أن يخرج رمى الرجل بحجر في فيه، فَرُدَّ حيث كان فجعل

стр. 13

كلما جاء ليخرج رمى في فيه بحجر فيرجع كما كان، فقلت: ما هذا؟ فقال: الذي رأيته في النهر آكل الربا)) (١). ٩ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((اجتنبوا السبع الموبقات))، قالوا: يا رسول الله، وما هن؟ قال: ((الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرّم اللَّهُ إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتّولّي يوم الزّحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات)) (٢). ١٠ - وعن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((ما أحدٌ أكثر من الربا إلا كان عاقبة أمره إلى قِلَّة)) (٣). ١١ - وعن سلمان بن عمرو عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ في حجة الوداع يقول: ((ألا إن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع، لكم رؤوس أموالكم لا تَظلمون ولا تُظلمون، ألا وإن كل دم من دم الجاهلية موضوع، وأول دم أضع منها دم الحارث بن عبد المطلب كان مسترضعاً في بني ليث فقتلته هذيل، قال: اللهم هل بلّغت؟ قالوا: نعم، ثلاث

стр. 14

مرات. قال: اللهم اشهد ثلاث مرّات)) (١). ففي هذا الحديث أن ما أدركه الإسلام من أحكام الجاهلية فإنه يلقاه بالرّدّ والتّنكير، وأنّ الكافر إذا أربى في كفره ثم لم يقبض المال حتى أسلم، فإنه يأخذ رأس ماله، ويضع الربا، فأما ما كان قد مضى من أحكامهم، فإن الإسلام يلقاه بالعفو فلا يتعرض لهم فيما مضى، وقد عفا الله عن الماضي، فالإسلام يَجبّ ما قبله من الذنوب (٢). ١٢ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((ليأتينّ على الناس زمان لا يبالي المرء بما أخذ المال أمِنَ الحلال أم مِنَ الحرام)) (٣)، أخبر النبي ﷺ بهذا تحذيراً من فتنة المال، فهو من بعض دلائل نبوته ﷺ لإخباره بالأمور التي لم تكن في زمنه، ووجه الذّمّ من جهة التّسوية بين الأمرين، وإلا فأخذ المال من الحلال ليس مذموماً من حيث هو، والله أعلم (٤). ١٣ - وعن أبي جحيفة عن أبيه ﵁ أن رسول الله ﷺ : ((نهى عن ثمن الدم، وثمن الكلب، وَكَسْبِ الأَمَةِ، ولعن الواشمة، والمستوشمة، وآكل الربا، وموكله، ولعن المصوِّر)) (٥).

стр. 15

١٤ - وعن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((الربا ثلاثة وسبعون باباً أيسرها مثل أن ينكح الرجل أُمَّهُ، وإنَّ أربى الربا عرض الرجل المسلم)) (١). ١٥ - ورُوِيَ عن عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشدُّ من ستٍّ وثلاثين زنية)) (٢). ١٦ - وعن ابن عباس ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ أن تُشْتَرى الثمرة حتى تُطْعَم، وقال: ((إذا ظهر الزنا والربا في قرية فقد أحلّوا بأنفسهم عذاب الله)) (٣).

стр. 16

الفصل الثاني: ربا الفضل أولاً: تعريف ربا الفضل: هو الزيادة في مبادلة مال ربوي بمال ربويٍّ من جنسه (١). ثانياً: بعض ما ورد في ربا الفضل من النصوص: ١ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لا تبيعوا الذهب بالذهب، إلا مثلاً بمثل، ولا تَشفوا بعضها على بعض (٢)، ولا تبيعوا الوَرِق بالورِق إلا مِثْلاً بِمِثْلٍ، ولا تَشفُّوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائباً بناجز)) (٣)، والمراد بالناجز الحاضر، وبالغائب المؤجّل. ٢ - وعن عثمان بن عفان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لا تبيعوا الدينار بالدينارين، ولا الدّرهم بالدّرهمين)) (٤). ٣ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلاً بمثل، يداً بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ

стр. 17

والمعطي فيه سواء)) (١). ٤ـ وعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلاً بمثل، سواء بسواء، يداً بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يداً بيد)) (٢). ٥ - وعن معمر بن عبد الله أنه أرسل غلامه بصاع قمح، فقال: بِعْهُ ثم اشترِ به شعيراً، فذهب الغلام فأخذ صاعاً وزيادة بعض صاع، فلما جاء معمراً أخبره بذلك، فقال له معمر: لم فعلت ذلك؟ انطلق فردَّه ولا تأخذنَّ إلا مثلاً بمثل، فإني كنت أسمع رسول الله ﷺ يقول: ((الطعام بالطعام مثلاً بمثل))، قال: وكان طعامنا يومئذ الشعير، قيل له: فإنه ليس بمثله، قال: إني أخاف أن يضارع (٣) (٤). واحتج مالك بهذا الحديث في كون الحنطة والشعير صنفاً واحداً لا يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلاً، أما مذهب الجمهور فهو خلاف ما ذهب إليه الإمام مالك رحمه الله تعالى؛ فإن الجمهور على أن الحنطة

стр. 18

صنف، والشعير صنف آخر يجوز التفاضل بينهما إذا كان البيع يداً بيد، كالحنطة مع الأرز، ومن أدلة الجمهور قوله ﷺ : ((فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد)) (١). ٦ـ وقوله ﷺ : ((لا بأس ببيع البر بالشعير والشعير أكثر يداً بيد، وأما نسيئة فلا)) (٢)، وأما حديث معمر السابق فلا حجة فيه كما قال ذلك الإمام النووي ﵀؛ لأنه لم يُصرِّح بأن البر والشعير جنس واحد، وإنما خاف من ذلك فتورّع عنه احتياطاً (٣). وعلى هذا فلا إشكال في ذلك والحمد لله، فيكون الشعير جنساً مستقلاً، والبر جنساً آخر يجوز التفاضل بينهما إذا كان البيع يداً بيد، والقبض قبل التفرق. ٧ - وعن سعيد بن المسيب ﵀ أن أبا هريرة، وأبا سعيد ﵄ حدثاه أن رسول الله ﷺ بعث أخا بني عدي الأنصاري فاستعمله على خيبر، فقدم بتمر جنيب (٤)، فقال رسول الله ﷺ : ((أكلّ تمر خيبر هكذا؟))

стр. 19

قال: لا والله يا رسول الله، إنَّا لنشتري الصاع بالصاعين من الجمع (١)، فقال رسول الله ﷺ : ((لا تفعلوا، ولكن مثلاً بمثل، أو بيعوا هذا واشتروا بثمنه من هذا، وكذلك الميزان)) (٢). ٨ - وعن أبي سعيد قال: جاء بلال بتمر برني فقال له رسول الله ﷺ : ((من أين هذا))؟ فقال بلال: تمر كان عندنا رديء بعت منه صاعين بصاع لمطعم النبي ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ عند ذلك ((أوّه (٣)، عين الربا (٤)، لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري فبعه ببيع آخر، ثم اشترِ به)) (٥). ٩ـ وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كنا نُرْزَق تمر الجمع على عهد رسول الله ﷺ ، وهو الخلط (٦) من التمر، فَكُنَّا نبيع صاعين بصاع، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: ((لا صاعي تمر بصاع، ولا صاعي حنطة بصاع، ولا درهم بدرهمين)) (٧). ١٠ - عن فضالة بن عبيد الله الأنصاري ﵁ قال: أُتِيَ رسول الله ﷺ وهو بخيبر بقلادة فيها خرز، وذهب، وهي من المغانم تباع، فأمر رسول الله ﷺ

стр. 20

بالذهب الذي في القلادة فنُزِعَ وحده، ثم قال لهم رسول الله ﷺ : ((الذهب بالذهب وزناً بوزن)) (١). ١١ - وعن فضالة أيضاً قال: اشتريت يوم خيبر قلادة باثني عشر دينارًا فيها ذهب وخرز، ففصلتها (٢)، فوجدت فيها أكثر من اثني عشر ديناراً، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: ((لا تباع حتى تُفْصَل)) (٣). ففي هذا الحديث أنه لا يجوز بيع ذهب مع غيره بذهب حتى يُفْصَل، فيباع الذهب بوزنه ذهباً، ويباع الآخر بما أراد، وكذا لا تباع فضة مع غيرها بفضة، وكذا الحنطة لا تباع مع غيرها بحنطة، والملح مع غيره بملح، وكذا سائر الربويات بل لا بد من فصلها، وهذه المسألة المشهورة والمعروفة بمسألة ((مُدُّ عَجْوَة))، وصورتها باع مدّ عجوة ودرهماً بمدَّي عجوة أو بدرهمين لا يجوز؛ لهذا الحديث، وهذا منقول عن عمر بن الخطاب وابنه ﵄، وجماعة من السلف، وهو مذهب الشافعي، وأحمد بن حنبل (٤).

стр. 21

ثالثاً: حكم الربا: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: ((أجمع المسلمون على تحريم الربا في الجملة، وإن اختلفوا في ضابطه وتعاريفه)) (١)، ونص النبي ﷺ على تحريم الربا في ستة أشياء: الذهب، والفضة، والبر، والشعير، والتمر، والملح. قال أهل الظاهر: لا ربا في غير هذه الستة، بناء على أصلهم في نفي القياس. وقال جميع العلماء سواهم: لا يختص بالستة، بل يتعدّى إلى ما في معناها، وهو ما يشاركها في العلَّة. واختلفوا في العلَّة التي هي سبب تحريم الربا في الستة: فقال الشافعية: العلة في الذهب، والفضة: كونهما جنس الأثمان، فلا يتعدَّى الربا منهما إلى غيرهما من الموزونات، وغيرها؛ لعدم المشاركة، والعلَّة في الأربعة الباقية: كونها مطعومة فيتعدَّى الربا منها إلى كل مطعوم. ووافق مالك الشافعي في الذهب والفضة. أما في الأربعة الباقية فقال: العلَّة فيها: كونها تُدَّخَر للقوت وتصلح له. وأما مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى: فهو أن العلَّة في الذهب والفضة الوزن، وفي الأربعة الكيل، فيتعدَّى إلى كل موزون ... وإلى كل مكيل. ومذهب أحمد، والشافعي في القديم، وسعيد بن المسيب: أن العلَّة في

стр. 22

الأربعة كونها مطعومة موزونة، أو مكيلة، بشرط الأمرين (١). قال الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ((اتفق جمهور الصحابة، والتابعين، والأئمة الأربعة على أنه لا يباع الذهب، والفضة، والحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، بجنسه إلا مثلاً بمثل، إذ الزيادة على المثل أكلٌ للمال بالباطل)) (٢). وأجمع العلماء كذلك على أنه لا يجوز بيع الربوي بجنسه وأحدهما مُؤجَّل، وعلى أنه لا يجوز التفاضل إذا بيع بجنسه حالاً: كالذهب بالذهب، وأجمعوا على أنه لا يجوز التفرق قبل التقابض إذا باعه بجنسه: كالذهب بالذهب، أو التمر بالتمر - أو بغير جنسه مما يشاركه في العلَّة، كالذهب بالفضة والحنطة بالشعير (٣)، وقال الإمام ابن قدامة ﵀ في حكم الربا: ((وهو محرم بالكتاب والسنة والإجماع)) (٤). والحاصل مما تقدم أن العلة في جريان الربا في الذهب والفضة: هو مطلق الثمنية، وهو رواية عن الإمام أحمد، واختارها شيخ الإسلام ابن تيمية (٥)، فيلحق بالذهب والفضة ما كان في معناهما، ويكون ثمناً للأشياء.

стр. 23

أما الأربعة الباقية فكل ما اجتمع فيه الكيل، أو الوزن، والطعم من جنس واحد ففيه الربا، مثل: البر، والشعير، والذرة، والأرز، والدخن، وهو رواية عن الإمام أحمد، واختارها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (١). وأما ما انعدم فيه الكيل، والوزن، والطعم واختلف جنسه فلا ربا فيه، وهو قول أكثر أهل العلم، مثل: القت، والنوى (٢). رابعاً: أسباب تحريم الربا وحِكَمَهُ: لا يشك المسلم في أَنَّ الله لا يأمر بأمر ولا ينهى عن شيء، إلا وله فيه حكمة عظيمة، فإن عَلِمْنا بالحكمة، فهذا زيادة علم ولله الحمد، وإذا لم نعلم بتلك الحكمة، فليس علينا جناح في ذلك، إنما الذي يُطلب منَّا هو أن نُنَفِّذْ ما أمر الله به، وننتهي عما نهى الله عنه ورسوله ﷺ . ومن هذه الأسباب ما يأتي: ١ - الربا ظلم، والله حرم الظلم. ٢ - قطع الطريق على أصحاب النفوس المريضة. ٣ - الربا فيه غبن. ٤ - المحافظة على المعيار الذي تقوم به السلع. ٥ - الربا مضاد لمنهج الله تعالى (٣).

стр. 24

الفصل الثالث: ربا النسيئة أولاً: تعريف ربا النسيئة: هو تأخير القبض في بيع كل جنسين اتفقا في علة ربا الفضل (١). وقيل: ربا النسيئة: هو بيع الربوي بجنسه نسيئة (٢). والأقرب - والله أعلم - أن يقال: هو تأخير القبض في بيع الربوي بالربوي، سواء كان من جنسه أو من غير جنسه إذا اتفقا في العلة. وربا النسيئة: هو الذي كان مشهوراً في الجاهلية؛ لأن الواحد منهم كان يدفع ماله لغيره إلى أجل، على أن يأخذ منه كل شهر قدراً معيناً، ورأس المال باق بحاله، فإذا حلّ طالبه برأس ماله، فإن تعذر عليه الأداء زاد في الحق والأجل، وتسمية هذا نسيئة مع أنه يصدق عليه ربا الفضل؛ لأن النسيئة هي المقصودة منه بالذات. وكان ابن عباس ﵄ لا يُحرِّمُ إلا ربا النسيئة محتجّاً بأنه المتعارف بينهم (٣). وسيأتي ذكر أدلّة رجوعه عن قوله ﵁ قريباً، وانضمامه إلى الصحابة في تحريم ربا الفضل، وربا النسيئة جميعاً، فلا إشكال في ذلك، ولله الحمد

стр. 25

والمنة. ثانياً: بعض ما ورد في ربا النسيئة من النصوص: لا شك أن ربا النسيئة لا خلاف في تحريمه بين الأمة جمعاء، إنما الخلاف في ربا الفضل بين الصحابة وابن عباس وذكر عن ابن عمر أيضاً ﵃ أجمعين، وقد ثبت عن ابن عباس أنه رجع عن قوله، وانضمّ إلى الصحابة في القول بتحريم ربا الفضل. أما بالنسبة لربا النسيئة، فتحريمه ثابت بالكتاب، والسنة، والإجماع: عن أبي صالح قال: سمعت أبا سعيد الخدري ﵁ يقول: ((الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم، مثلاً بمثل، فمن زاد أو استزاد فقد أربى))، فقلت له: إن ابن عباس يقول غير هذا، فقال: لقد لقيت ابن عباس فقلت له: أرأيت هذا الذي تقول، أشيء سمعته من رسول الله ﷺ ، أو وجدته في كتاب الله ؟ فقال: لم أسمعه من رسول الله ﷺ ، ولم أجده في كتاب الله، ولكن حدثني أسامة بن زيد أن النبي ﷺ قال: ((الربا في النسيئة)) (١). وفي رواية عن ابن عباس ﵄ قال: حدثني أسامة بن زيد أن رسول الله ﷺ قال: ((ألا إنما الربا في النسيئة)) (٢).

стр. 26

قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: ((كان معتمد ابن عباس، وابن عمر حديث أسامة بن زيد: ((إنما الربا في النسيئة))، ثم رجع ابن عمر، وابن عباس عن ذلك، وقالا بتحريم بيع الجنس بعضه ببعض متفاضلاً حين بلغهما حديث أبي سعيد كما ذكره مسلم من رجوعهما صريحاً، وهذه الأحاديث التي ذكرها مسلم تدلّ على أن ابن عمر، وابن عباس لم يكن بلغهما حديث النهي عن التفاضل في غير النسيئة، فلما بلغهما رجعا إليه. وأما حديث أسامة: ((لا ربا إلا في النسيئة)) فقال قائلون: ((بأنه منسوخ بهذه الأحاديث، وقد أجمع المسلمون على ترك العمل بظاهره وهذا يدل على نسخه)) (١). قال الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀: ((اتفق العلماء على صحة حديث أسامة، واختلفوا في الجمع بينه وبين حديث أبي سعيد، فقيل: منسوخ، لكن النسخ لا يثبت بالاحتمال. وقيل: المعنى في قوله: ((لا ربا)) الربا الأغلظ الشديد المتوعد عليه بالعقاب الشديد، كما تقول العرب: لا عالم في البلد إلا زيد، مع أن فيها علماء غيره، وإنما القصد نفي الأكمل، لا نفي الأصل، وأيضاً نفي تحريم ربا الفضل من حديث أسامة إنما هو بالمفهوم، فيقدم عليه حديث أبي سعيد؛ لأن دلالته بالمنطوق، ويحمل حديث أسامة على الربا الأكبر كما

стр. 27

تقدّم، والله أعلم)) (١). فاتّضح مما تقدّم تحريم: ربا الفضل، وربا النسيئة، فلا إشكال في ذلك، ولله الحمد.

стр. 28

الفصل الرابع: بيع العينة أولاً: تعريف العينة: العينة: هي أن يبيع شيئاً من غيره بثمن مؤجل ويُسلِّمه إلى المشتري، ثم يشتريه قبل قبض الثمن بثمن نقد أقل من ذلك القدر (١). قلت: ومثال ذلك: أن يبيع شخص سلعة على شخص آخر بمبلغ مائة ريال مؤجلة لمدة سنة، ثم في نفس الوقت يشتري البائع سلعته من المشتري بمبلغ خمسين ريالاً نقداً، وتبقى المائة في ذمة المشتري الأول! ثانياً: بعض ما ورد في ذلك من النصوص: عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلّط الله عليكم ذُلاًّ لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم)) (٢)، وللحديث روايات أخرى (٣). وقد ذهب إلى عدم جواز بيع العينة جمع من العلماء، منهم: الإمام مالك بن أنس، والإمام أبو حنيفة، والإمام أحمد، والهادوية، وبعض

стр. 29

الشافعية. قال الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى: ((ومن المعلوم أن العينة عند من يستعملها إنما يسميها بيعاً، وقد اتفقا – أي البائع والمشتري – على حقيقة الربا الصريح قبل العقد، ثم غيّر اسمها إلى المعاملة وصورتها إلى التبايع الذي لا قصد لهما فيه البتة، إنما هو حيلة ومكر، وخديعة لله، فمن أسهل الحيل على من أراد فعله: أن يعطيه مثلاً: ألفاً إلا درهماً باسم القرض، ويبيعه خرقة تساوي درهماً بخمسمائة درهم. وقوله ﷺ : ((إنما الأعمال بالنيات)) (١) أصل في إبطال الحيل، فإن من أراد أن يعامله معاملة يعطيه فيها ألفاً بألف وخمسمائة، إنما نوى بالإقراض تحصيل الربح الزائد الذي أظهر أنه ثمن الثوب، فهو في الحقيقة أعطاه ألفاً حالة بألف وخمسمائة مؤجلة، وجعل صورة القرض وصورة البيع محللاً لهذا المحرم، ومعلوم أن هذا لا يرفع التحريم، ولا يرفع المفسدة التي حُرِّم الربا لأجلها بل يزيدها قوة، وتأكيداً من وجوه، منها: أنه يقدم على مطالبة الغريم المحتاج من جهة السلطان والحكام إقداماً لا يفعله المربي؛ لأنه واثق بصورة العقد الذي تحيّل به)) (٢).

стр. 30

الباب الثالث: ما يجوز فيه التفاضل، والنسيئة الفصل الأول: ما يجوز فيه التفاضل والنساء أولاً: جواز التفاضل إذا انتفت العلة: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: ((أجمع العلماء على جواز بيع ربوي بربوي لا يشاركه في العلة متفاضلاً، ومؤجلاً؛ وذلك كبيع الذهب بالحنطة، وبيع الفضة بالشعير، وغيره من المكيل. وأجمعوا كذلك على أنه يجوز التفاضل عند اختلاف الجنس إذا كان يداً بيد، كصاع حنطة بصاعي شعير، ولا خلاف بين العلماء في شيء من هذا)) (١). ثانياً: جواز التفاضل في غير المكيلات، والموزونات: قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: ((باب بيع العبيد، والحيوان بالحيوان نسيئة)) (٢). قلت: اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في جواز بيع الحيوان بالحيوان نسيئة؛ فذهب الجمهور من علماء الأمة إلى الجواز، واحتجوا بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص، فعنه ﵁ قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أبعث

стр. 31

جيشاً على إبل كانت عندي، قال: فحملت الناس عليها حتى نفدت الإبل، وبقيت بقية من الناس لا ظهر لهم، قال: فقال لي رسول الله ﷺ : ((ابتع علينا بقلائص (١) من إبل الصدقة إلى محلها حتى نفذ هذا البعث))، قال: فكنت أبتاع البعير بالقلوصين والثلاث من إبل الصدقة إلى محلها، حتى نفَّذت ذلك البعث، قال: فلما حلت الصدقة أدَّاها رسول الله ﷺ (٢). وعن جابر ﵁ قال: جاء عبد فبايع النبي ﷺ على الهجرة، ولم يشعر أنه عبد، فجاء سيده يريده، فقال له النبي ﷺ : ((بعنيه)) فاشتراه بعبدين أسودين، ثم لم يبايع أحداً بعد، حتى يسأله: ((أعبد هو))؟ (٣). وهذا فيه جواز بيع عبد بعبدين سواء كانت القيمة متفقة أو مختلفة، وهذا مجمع عليه إذا بيع نقداً، وكذا حكم سائر الحيوانات (٤). فإن باع عبداً بعبدين، أو بعيراً ببعيرين إلى أجل، فالراجح الجواز كما سبق، وهذا هو مذهب الشافعي، والجمهور (٥). فظهر مما تقدم أن الراجح في بيع الحيوان بالحيوان متفاضلاً ونسيئة:

стр. 32

هو الجواز، والآثار عن بعض الصحابة والتابعين تدلّ على جواز ذلك، قال البخاري ﵀ في صحيحه: ١ـ ((اشترى ابن عمر راحلة بأربعة أبعرة مضمونة عليه، يوفيها صاحبها بالربذة)) (١). ٢ـ واشترى رافع بن خديج بعيراً ببعيرين، أعطاه أحدهما، وقال: آتيك بالآخر غداً رهواً (٢) إن شاء الله. ٣ـ وقال ابن عباس: ((قد يكون البعير خيراً من البعيرين)). ٤ـ وقال ابن المسيب: ((لا ربا في البعير بالبعيرين، والشاة بالشاتين إلى أجل)) (٣).

стр. 33

الفصل الثاني: الصرف وأحكامه أولاً: المراطلة: المراطلة: مفاعلة من الرطل. وهي عرفاً: بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة وزناً (١). قال الإمام مالك رحمه الله تعالى: ((الأمر عندنا في بيع الذهب بالذهب، والورق بالورق مراطلة؛ أنه لا بأس بذلك؛ أن يأخذ أحد عشر ديناراً بعشرة دنانير، يداً بيد؛ إذا كان وزن الذهبين سواء عيناً بعين، وإن تفاضل العدد، والدراهم أيضاً في ذلك بمنزلة الدنانير)) (٢). فعلى هذا فالمعتبر في بيع الذهب بالذهب، وبيع الورق بالورق هو الوزن لا العدد، فلو كان عند رجل عشر قطع من الذهب ثم باعها بخمس قطع من الذهب، والوزن لعشر قطع يساوي وزن الخمس قطع، فهذا جائز، وهذا ما قصده الإمام مالك بالمراطلة. ثانياً: الصرف: لا شك أن الصرف مما يحتاج إليه الناس، لتحويل العملات من عملة إلى عملة أخرى، فلما كان الأمر كذلك لم يغفله الإسلام؛ بل أوضحه للناس، الجائز منه وغير الجائز.

стр. 34

عن مالك بن أوس بن الحدثان أنه قال: أقبلت أقول: من يصطرف الدراهم، قال طلحة بن عبيد الله – وهو عند عمر بن الخطاب –: أرنا ذهبك، ثم ائتنا إذا جاء خادمنا نعطيك ورقك، فقال عمر بن الخطاب: كلا والله لتعطينَّه ورقه، أو لَتَرُدَّنَّ إليه ذهبه، فإن رسول الله ﷺ قال: ((الورق بالذهب ربا إلا هاء، وهاء، والبر بالبر ربا إلا هاء، وهاء (١)، والشعير بالشعير ربا إلا هاء، وهاء، والتمر بالتمر ربا إلا هاء، وهاء)) (٢). قال الإمام النووي ﵀: ((قال العلماء: ومعناه التقابض، ففيه اشتراط التقابض في بيع الربوي بالربوي إذا اتفقا في عِلّة الربا، سواء اتفق جنسهما كذهب بذهب، أم اختلف كذهب بفضة، ونبّه النبي ﷺ بمختلف الجنس على متفقه ... وأما طلحة بن عبيد الله ﵁ عندما أراد أن يصارف صاحب الذهب، فيأخذ الذهب ويؤخّر دفع الدراهم إلى مجيء الخادم، فإنما قاله؛ لأنه ظن جوازه كسائر المبيعات، وما كان بلغه حكم المسألة، فأبلغه إياه عمر ﵁ فترك المصارفة)) (٣). وعن سفيان بن عيينة عن عمرو عن أبي المنهال قال: باع شريك لي ورقاً بنسيئة إلى الموسم، أو إلى الحج، فجاء إليّ فأخبرني فقلت: هذا أمر لا يصلح، قال: قد بعته في السوق فلم ينكر ذلك عليّ أحد، فأتيت البراء بن

стр. 35

عازب فسألته، فقال: قدم النبي ﷺ المدينة، ونحن نبيع هذا البيع، فقال: ((ما كان يداً بيد فلا بأس به، وما كان نسيئة فهو ربا))، وائت زيد بن أرقم فإنه كان أعظم تجارة مني، فأتيته، فسألته، فقال مثل ذلك (١). قال البخاري ﵀: ((باب بيع الذهب بالورق يداً بيد))، ثم ذكر حديث أبي بكرة ﵁ ((نهى النبي ﷺ عن الفضة بالفضة، والذهب بالذهب إلا سواء بسواء، وأمرنا أن نبتاع الذهب بالفضة كيف شئنا، والفضة بالذهب كيف شئنا)) (٢). وروى البخاري رحمه الله تعالى عن البراء بن عازب، وزيد بن أرقم ﵄ أن النبي ﷺ : ((نهى عن بيع الذهب بالورق ديناً)) (٣). ومن الأحاديث السابقة اتضح ما يأتي: ١ - أن صرف الفضة بالفضة، والذهب بالذهب جائز، على أن يكون الصرف مثلاً بمثل، وسواءً بسواء، ويكون ذلك يداً بيد أثناء وقت المصارفة. ٢ - أن صرف الذهب بالفضة، والفضة بالذهب جائز، على أن يكون الصرف يداً بيد في وقت المصارفة، أما المفاضلة بين الذهب والفضة

стр. 36

بحيث يكون الذهب أكثر من الفضة وزناً، أو الفضة أكثر من الذهب وزناً فلا مانع من ذلك، لكن بشرط أن يكون يداً بيد في لحظة المصارفة. ٣ - أن شراء وبيع الذهب بالذهب، أو الفضة بالفضة، أو الذهب بالفضة، أو الفضة بالذهب، لا يجوز الدين في ذلك مطلقاً، فلو أراد شخص أن يصرف من المصرف عملة من الذهب بعملة من الذهب، وسلّم أحدهما عملته والآخر أجّل تسليم عملته إلى أجل فهذا لا يجوز، لأنه فَقَدَ شرط المقابضة يداً بيد، وكذلك الفضة بالفضة، والذهب بالفضة والعكس، كل ذلك لا يجوز فيه الدين مطلقاً.

стр. 37

الفصل الثالث: الابتعاد عن الشبهات لا شك أن المسلم دائماً ينبغي أن يكون حريصاً على التزام أمور الشرع كلها، فيعمل الواجبات، ويترك المحرمات، والمكروهات، ويأخذ بالمستحبات، ويأخذ ويترك من المباحات على حسب حاله، وحاجته، ويبتعد عن الشبهات؛ لعلمه بأن الشبهات تؤدي إلى المحرمات. عن النعمان بن بشير قال: ((سمعت رسول الله ﷺ يقول – وأهوى النعمان بإصبعه إلى أذنيه -: ((إن الحلال بيّن، وإن الحرام بيّن، وبينهما مشتبهات، لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه، وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)) (١). قال الإمام النووي ﵀: ((أجمع العلماء على عظم وقع هذا الحديث، وكثرة فوائده، وأنه أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام، قال جماعة: هو ثلث الإسلام، وإن الإسلام يدور عليه، وعلى حديث: ((الأعمال بالنية)) (٢)، وحديث: ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا

стр. 38

يعنيه)) (١). وقال أبو داود: ((الإسلام يدور على أربعة أحاديث: هذه الثلاثة، وحديث: ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)) (٢). وقيل حديث: ((ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس)) (٣). قال العلماء: وسبب عظم موقعه أنه ﷺ نبّه فيه على إصلاح المطعم، والمشرب، والملبس، وغيرها، وأنه ينبغي ترك المشتبهات، فإنه سبب لحماية دينه، وعرضه، وحذّر من مواقعة الشبهات، وأوضح ذلك بضرب المثل: بالحِمَى، ثم بيّن أهمّ الأمور، وهو مراعاة القلب ... فبيّن ﷺ أن بصلاح القلب يصلح باقي الجسد، وبفساده يفسد باقيه. وأما قوله ﷺ : ((الحلال بيّن والحرام بيّن)) فمعناه أن الأشياء ثلاثة أقسام: حلال بيّن واضح، لا يخفى حلّه كالخبز، والعسل ... وأما الحرام البيّن فكالخمر، والخنزير، والكذب ... وأما المشتبهات: فمعناه أنها ليست بواضحة الحلّ، ولا الحرمة؛ فلهذا لا

стр. 39

يعرفها كثير من الناس، ولا يعلمون حكمها، وأما العلماء فيعرفون حكمها، بنصّ أو قياس، أو استصحاب، أو غير ذلك ... )) (١). وقد نقل الحافظ ابن حجر ﵀ قول بعضهم: عمدة الدين عندنا كلماتٌ ... مسنداتٌ من قول خير البريَّة اترك الشبهات، وازهد، ودع ... ما ليس يعنيك، واعملن بنية (٢) نسأل الله أن يعصمنا مما يغضبه، وأن يوفقنا لما يحب ويرضى، إنه وليّ ذلك، والقادر عليه.

стр. 40

الباب الرابع: مسائل في الربا المعاصر المسألة الأولى: العملة الورقية وأحكامها من الناحية الشرعية صدر في هذه المسألة قرار المجمع الفقهي الذي نَصُّهُ على النحو الآتي: الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي قد اطلع على البحث المقدّم إليه في موضوع العملة الورقية، وأحكامها من الناحية الشرعية، وبعد المناقشة والمداولة بين أعضائه، قرّر ما يلي: أولاً: إنه بناء على أن الأصل في النقد هو الذهب والفضة، وبناء على أن علة جريان الربا فيهما هي مطلق الثمنية في أصح الأقوال عند فقهاء الشريعة. وبما أن الثمنية لا تقتصر عند الفقهاء على الذهب والفضة، وإن كان معدنهما هو الأصل. وبما أن العملة الورقية قد أصبحت ثمناً، وقامت مقام الذهب والفضة في التعامل بها، وبها تُقوَّم الأشياء في هذا العصر؛ لاختفاء التعامل بالذهب والفضة، وتطمئن النفوس بتمولها وادخارها، ويحصل الوفاء والإبراء العام بها، رغم أن قيمتها ليست في ذاتها، وإنما في أمر خارج عنها، وهو حصول الثقة بها، كوسيط في التداول والتبادل، وذلك هو سرّ مناطها بالثمنية.
следующие страницы →