بكر: يا رسول الله قد شبت قال: ((شيَّبتني: هود، والواقعة، والمرسلات، وعم يتساءلون، وإذا الشمس كوِّرت)) (١).
وهذا يدل على كمال تدبره ﷺ للقرآن حق التدبر.
النوع الثالث: حث الصحابة ﵁ على تدبر القرآن:
١ - قال أمير المؤمنين عثمان ﵁: ((لو طَهُرَتْ قلوبكم ما شبعتم من كلام ربكم)) (٢).
٢ - وقال عبد الله بن مسعود ﵁: ((من أحب القرآن فهو يحب الله ورسوله)) (٣).
٣ - وقال خبَّاب بن الأرتِّ ﵁: ((تقرَّبْ إلى الله ما استطعت واعلم أنك لن تتقرب بشيء أحبّ إليه من كلامه)) (٤).
٤ - وقال عبد الله بن مسعود ﵁: ((من أراد العلم، فليقرأ القرآن؛ فإن فيه علم الأولّين والآخرين)) (٥).
٥ - وقال الحسن بن علي ﵄: ((إنَّ من كان قبلكم رأوا القرآن رسائل من ربهم، فكانوا يتدبَّرونها بالليل، ويتفقَّدونها في النهار)) (٦).
стр. 492
النوع الرابع: حث العلماء على تدبر القرآن وتعظيمهم لذلك:
لا شك أن من أحبَّ القرآن تدبَّره، وأقبل على التلذّذ بتلاوته، وهذا دليل على محبته للمتكلِّم به سبحانه؛ ولهذا قال أبو عبيد ﵀: ((لا يسأل عبدٌ نفسه إلا بالقرآن، فإن كان يحب القرآن فهو يحب الله ورسوله)) (١).
وقد تكلم العلماء رحمهم الله تعالى في الحث على تدبر القرآن العظيم، ومن أبرز من حث على ذلك من الأئمة ابن القيم ﵀ في كتبه، فقد ذكر ﵀: أنّ تدبر القرآن مع الخشوع عند قراءته هو المقصود والمطلوب، فبه تنشرح الصدور، وتستنير القلوب، قال ﵀: ((إذا أردت الانتفاع بالقرآن فاجمع قلبك عند تلاوته، وسماعه، وألقِ سمعك، واحْضُر حضور من يخاطبه به من تكلم به، منه إليه، فتمام التأثير موقوف على: مؤثر مقتضٍ، ومحلٍ قابلٍ، وشرطٍ لحصول الأثر، وانتفاء المانع الذي يمنع منه، وقد تضمن ذلك كله قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيد﴾)) (٢).
فقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى﴾ إشارة إلى ما تقدم من أول السورة إلى ها هنا، وهذا هو المؤثر.
وقوله: ﴿لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ القلب الحي، وهذا هو المحل القابل، كما قال
стр. 493
الله تعالى: ﴿لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾ أي وجّه سمعه وأصغى حاسة سمعه إلى ما يقال له، وهذا شرط التأثر بالكلام.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ شَهِيد﴾ أي شاهد القلب حاضر غير غائب، واستمع كتاب الله، وشاهد القلب والفهم ليس بغافل ولا ساهٍ، وهذا إشارة إلى المانع من حصول التأثير، وهو سهو القلب وغيبته عما يقال له، والنظر فيه، وتأمله.
فإذا حصل المؤثر: وهو القرآن، والمحل القابل: وهو القلب الحي، ووجد الشرط: وهو الإصغاء، وانتفى المانع: وهو اشتغال القلب وذهوله عن معنى الخطاب وانصرافه عنه إلى شيء آخر حصل الأثر، وهو: الانتفاع، والتذكر (٢).
فلا بد من تدبر القرآن، وتعقّله، والتفكر في معانيه وقد أمر الله بذلك.
قال الإمام ابن القيم ﵀: ((القرآن حياة القلوب، وشفاء لما في الصدور ... فبا لجملة فلا شيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتدبر، والتفكر ... وهذا الذي يورث المحبة، والشوق، والخوف، والرجاء، والإنابة، والتوكل، والرضا، والتفويض، والشكر، والصبر، وسائر الأحوال التي بها حياة القلب وكماله. وكذلك يزجر عن جميع الصفات والأفعال المذمومة التي بها فساد القلب وهلاكه فلو علم الناس ما في قراءة
стр. 494
القرآن بالتدبر لاشتغلوا بها عن كل ما سواها))، فإن العبد إذا قرأه بالتدبر حتى مرَّ بآية وهو محتاج إليها في شفاء قلبه كررها ولو مائة مرة، ولو ليلة، فقراءة آية بتفكر وتفهم خير من قراءة ختمةٍ بغير تدبر وتفهم، وأنفع للقلب، وأدعى إلى حصول الإيمان، وذوق حلاوة الإيمان والقرآن، وهذه كانت عادة السلف يردِّد أحدهم الآية إلى الصباح، وقد تقدم أنه ثبت عن النبي ﷺ أنه قام بآية يُردِّدُها إلى الصباح وهي قوله تعالى: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم﴾ (١).
وقد أخبر الله تعالى في القرآن: أن أهل العلم هم الذين ينتفعون بالقرآن، فقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُون﴾ (٢) وفي القرآن الكريم بضعة وأربعون مثلاً (٣)،وقد كان بعض السلف الصالح، وهو عمرو بن مرة: إذا مرَّ بِمَثَلٍ من أمثال القرآن ولم يفهمه يبكي ويقول: ((لست من العالمين)) (٤)،ولابد لمن تدبر القرآن أن يجاهد بقلبه وفكره؛ لينال هذا العلم العظيم، وقد قال يحيى بن أبي كثير: ((لا يُنال العلم براحة الجسم)) (٥)،ولا ينال العلم إلا بهجر اللذات وتطليق
стр. 495
الراحة، ولا ينال درجة وراثة النبوة مع الراحة (١)، ولا شك أن التأمل في القرآن هو: تحديد ناظر القلب إلى معانيه وجمع الفكر على تبصره، وتعقله، وهو المقصود بإنزاله، لا مجرد تلاوته بلا فهم، قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَاب﴾ (٢)،وقال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُون﴾ (٣).
وينبغي للإنسان أن يبتعد عن مفسدات القلب الخمسة التي تحول بينه وبين التدبر، وتحول بينه وبين كل خير، وهي: التمنِّي، وخلطة الناس، والتعلق بغير الله تعالى، وكثرة الطعام أو المحرمات، وكثرة النوم؛ فإنها مفسدات للقلوب (٤).
والتدبر للقرآن والعمل به هو المقصود من إنزاله.
ولهذا قيل: ذهاب الإسلام على يدي أربعة أصناف من الناس: صنف لا يعملون بما يعلمون، وصنف يعملون بما لا يعلمون، وصنف لا يعملون ولا يعلمون، وصنف يمنعون الناس من التعلم (٥).
وليحذر المسلم من هجر القرآن؛ فإن هجرهُ خمسة أنواع:
النوع الأول: هجر سماعه والإيمان به والإصغاء إليه .
стр. 496
النوع الثاني: هجر العمل به والوقوف عند حلاله وحرامه، وإن قرأه وآمن به .
النوع الثالث: هجر تحكيمه والتحاكم إليه في أصول الدين وفروعه .
النوع الرابع: هجر تدبُّره وتفهّمه، ومعرفة ما أراد المتكلم به منه .
النوع الخامس: هجر الاستشفاء به والتداوي به من جميع أمراض القلوب، والأجساد ... وكل هذا داخل في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ (١)، وإن كان بعض الهجر أهون من بعض (٢).
خامساً: فضل تلاوة القرآن اللفظية:
تلاوة كتاب الله تعالى على نوعين:
تلاوة حكمية: وهي تصديق أخباره، وتنفيذ أحكامه بفعل أوامره، واجتناب نواهيه، وهي العمل بالقرآن (٣)،
و تلاوة لفظية: وهي قراءته، وجاء في فضل هذا النوع فضائل كثيرة، منها:
١ - أمر الله النبي ﷺ بتلاوة القرآن: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ
رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ
стр. 497
الْمُسْلِمِين * وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ (١).
٢ - من قرأ حرفاً فله به عشر حسنات ؛ لحديث عبد الله بن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: (الم) حرف، ولكن: ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف)) (٢).
وقد عدَّ بعض العلماء أحرف القرآن الموجودة في المصحف في القراءة الموجودة، فكان عدد حروفه ((ثلاثمائة ألف حرف وأحد عشر ألفاً ومئتان وخمسون حرفاً، وحرف (٣١١٢٥١))) (٣)، فانظر كم لمن قرأ هذه الأحرف من الأجر العظيم، والثواب الكثير.
٣ - القرآن يشفع لأصحابه ويحاج عنهم يوم القيامة؛ لحديث أبي أمامة ﵁، قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((اقرؤوا القرآن؛ فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه، اقرؤوا الزهراوين (٤):البقرة وآل عمران؛ فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان (٥) أو كأنهما غيايتان، أو كأنهما فرقانٍ (٦) من طير
стр. 498
صواف (١) تُحاجَّان عن أصحابهما، اقرؤوا سورة البقرة؛ فإن أخذها بركة وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة)) (٢)(٣).
٤ - درجات صاحب القرآن في الجنة على حسب ما يعمل به من القرآن ويقرؤه؛ لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : ((يُقال لصاحب القرآن: اقرأْ وارتَقِ، ورتِّل كما كنت تُرتِّل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرأُها)) (٤).
٥ - الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة ؛ لحديث عبد الله بن عمرو ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: ((الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي ربِّ منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه))، قال: ((فيشفعان)) (٥).
سادساً: فضل قراءة القرآن في الصلاة:
١ - قراءة آية واحدة في الصلاة خير من حمر النعم ؛ لحديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أيُحِبُّ أحَدُكُمْ إذا رجع إلى أهله أن يجد فيه
стр. 499
ثلاثَ خَلِفَاتٍ (١) عظامٍ سمانٍ؟))،قلنا: نعم. قال: ((ثلاث آيات يقرأُ بهنَّ أحدكم في صلاته خير له من ثلاثِ خلفاتٍ عظامٍ سمان)) (٢).
وقد ذكر العلماء عدد آيات القرآن الكريم في المصحف الموجود المقروء بالألسنة: ستة آلاف آية، ومئتا آية، وآية (٦٢٠١)(٣)، وقد ذكروا الاتفاق على أن القرآن يزيد على ستة آلاف ومائتي آية (٤).
٢ - من قرأ في صلاته في ليلة مائة آية كتب من القانتين ؛ لحديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من حافظ على هؤلاء الصلوات المكتوبات لم يُكتَبْ من الغافلين، ومن قرأ في ليلة مائة آية لم يُكتَب من الغافلين أو كُتب من القانتين)) (٥).
٣ - ومن قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين ، ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين؛ لحديث عبد لله بن عمرو ﵄، عن رسول الله
стр. 500
- ﷺ أنه قال: ((من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمائة آية كتب من القانتين، ومن قام بألف آية كُتِبَ من المقنطرين)) (١)(٢).
٤ - من قرأ بمائة آية في ليلة كُتب له قنوت ليلةٍ ؛ لحديث تميم الداري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من قرأ بمائة آية في ليلة كُتب له قنوت ليلة)) (٣).
٥ - لا غبطة أعظم وأكمل إلا في اثنتين ؛ لحديث عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ ، قال: ((لا حسد (٤) إلاّ في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار (٥)، ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار)) (٦).
٦ - من نام عن حزبه فقرأه قبل صلاة الظهر كُتب له من الليل ؛ لحديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من نام عن حزبه أو شيء منه
стр. 501
فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كُتب له كأنما قرأه من الليل)) (١).
سابعاً: فضل تعلُّم القرآن وتعليمه، ومدارسته:
١ - قراءة آيتين أو تعلم آيتين خيرٌ من ناقتينِ عظيمتينِ ، ومن أعدادهنّ من الإبل؛ لحديث عقبة بن عامر ﵁، قال: خرج رسول الله ﷺ ونحن في الصُّفَّةِ (٢) فقال: ((أيكم يحبُّ أن يغدوَ كل يوم إلى بُطحان (٣) أو إلى العقيق فيأتي منه بناقتين كوماوينِ (٤) في غير إثمٍ ولا قطيعةِ رحمٍ؟))، فقلنا: يا رسول الله نُحبُّ ذلك. قال: ((أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيعلم أو يقرأ آيتين من كتاب الله خير له من ناقتين، وثلاثٌ خير له ثلاثٍ، وأربعٌ خير له من أربعٍ، ومن أعدادهِنَّ من الإبل)) (٥).
٢ - خير الناس وأفضلهم من تعلَّم القرآن وعلّمه ؛ لحديث عثمان بن عفان ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: ((خيركم من تعلم القرآن وعلمه))، وفي لفظ: ((إن أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه)) (٦).
٣ - أربعُ نِعَمٍ عظيمة لمن وفقه الله لمدارسة القرآن في المساجد ؛ لحديث
стр. 502
أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ في حديث طويل وفيه: (( ... وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتابه ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطَّأ به عمله لم يسرع به نسبه)) (١)(٢).
٤ - أربعُ فضائل لمن وفقه الله للقعود مع قومٍ يذكرون الله تعالى ؛ لحديث أبي هريرة وأبي سعيد ﵄، أن النبي ﷺ قال: ((لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفَّتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده)) (٣).
٥ - وجوب إخلاص قراءة القرآن وتعلُّمه لله -؛ لحديث عمران بن حصين ﵁: أنه مرَّ على قاصٍّ يقرأُ ثم سأل، فاسترجع، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من قرأ القرآن فليسأل الله به، فإنه سَيَجِيءُ أقوامٌ يقرؤون القرآن، يسألون به النَّاس)) (٤).
ثامناً: فضل حافظ القرآن العامل به:
١ - التالي لكتاب الله العامل به يُوفَّى أجره ويزيده الله من فضله ؛ لقوله
стр. 503
تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ الله وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُور * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُور﴾ (١).
٢ - مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجّة ؛ لحديث أبي موسى الأشعري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترُجة ريحها طيب وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة لا ريح لها وطعمها حلو، ومثل المنافق الذي يقرأُ القرآن مثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مرّ، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن مثل الحنظلة (٢) ليس لها ريح وطعمها مرّ)) (٣).
٣ - الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة ؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة (٤) والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران))، ولفظ
стр. 504
البخاري: ((مثل الذي يقرأ القرآن وهو حافظ له مع السفرة الكرام البررة، ومثل الذي يقرأ القرآن ويتعاهده وهو عليه شديد له أجران)) (١).
والماهر أجره أكثر، وأفضل، وأما الذي يتتعتع فيه: فهو الذي يتردَّد فيه لضعف حفظه، فله أجران: أجر بالقراءة، وأجر بتعتعته في قراءته ومشقته)) (٢).
٤ - درجات حافظ القرآن في الجنة ؛ لحديث عبد الله بن عمرو
﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((يُقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتقِ ورتِّل كما كنت تُرتِّل في الدنيا؛ فإن منزلتك عند آخر آية تقرأُها)) (٣).
٥ - يُحلَّى صاحب القرآن بتاج وحُلَّة الكرامة ويرضى الله عنه ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((يَجِيءُ القرآن يوم القيامة فيقول: يا رب حلِّه فيُلبس تاج الكرامة، ثم يقول: يا ربِّ زده فيُلبس حلّة الكرامة، ثم يقول: يا ربّ ارضَ عنه فيرضى عنه، فيقال: اقرأ وارقَ وتُزاد بكل آية حسنة)) (٤).
стр. 505
٦ - من إجلال الله إكرام حامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه ؛ لحديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إنَّ من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط)) (١).
٧ - حافظ القرآن العامل به من أولياء الله المختصين به ؛ لحديث أنس بن مالك ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إنَّ لله أهلين من الناس))، قالوا: يا رسول الله: من هم؟ قال: ((هم أهل القرآن (٢) أهل الله وخاصته)) (٣).
٨ - حامل القرآن يُعطَى الملك بيمينه، والخلد بشماله ، ويُوضَع على رأسه تاج الوَقار، ويُكسَى والداه حلتين لا تقوم لهما الدنيا وما فيهما؛ لحديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((يَجِيءُ القرآن يوم القيامة كالرجل الشاحب يقول لصاحبه: هل تعرفني؟ أنا الذي كنت أسهر ليلك وأظمئ هواجرك وإنَّ كلّ تاجر من وراء تجارته، وأنا لك اليوم من وراء كل تاجر، فَيُعطَى الملك بيمينه، والخلد بشماله، ويُوضَع على رأسه تاج الوقار، ويُكسى والداه حلتان لا تقوم لهما الدنيا وما فيهما، فيقولان:
стр. 506
يا ربِّ أنَّى لنا هذا؟ فيُقال لهما: بتعليم ولدكما القرآن)) (١).
٩ - القرآن يشهد لصاحبه يوم القيامة ، ويدخل السرور عليه؛ لحديث بريدة عن أبيه ﵁،قال: قال رسول الله ﷺ : ((يجيء القرآن يوم القيامة كالرجل الشاحب (٢)،فيقول: أنا الذي أسهرت ليلك وأظمأت نهارك)) (٣).
ذكر السندي ﵀: أن القرآن: ((كأنه يجيء على هذه الهيئة؛ ليكون أشبه بصاحبه في الدنيا، أو للتنبيه له على أنه كما تغيَّر لونه في الدنيا؛ لأجل القيام بالقرآن كذلك القرآن؛ لأجله في السعي يوم القيامة حتى ينال صاحبه الغاية القصوى في الآخرة)) (٤).
стр. 507
١٠ - يرفع الله بالقرآن العاملين به، ويضع به من أعرض عنه ؛ فعن نافع بن عبد الحارث أنه لقي عمر بعسفان وكان عمر يستعمله على مكة، فقال: من استعملت على أهل الوادي؟ فقال: ابن أبزى قال: ومن ابن أبزى؟ قال: مولىً من موالينا، قال: فاستخلفت عليهم مولى؟ قال: إنه قارئ لكتاب الله ، وإنه عالمٌ بالفرائض، قال عمر: أما إنَّ نبيكم ﷺ قد قال: ((إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين)) (١).
تاسعاً: فضائل سور معينة مخصصة:
وردت السنة بفضائل سور معينة مخصصة من القرآن الكريم، ومنها ما يأتي:
١ - فضائل سورة الفاتحة:
ثبت في فضائل سورة الفاتحة أحاديث، منها الأحاديث الآتية:
الفضل الأول: أعظم سورة في القرآن العظيم ؛ لحديث أبي سعيد بن المُعلَّى ﵁ قال: كنت أُصلِّي في المسجد فدعاني رسول الله ﷺ فلم أجبه، فقلت: يا رسول الله إني كنت أُصلي في المسجد، فقال: ((ألم يقل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لله وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم﴾ (٢) ثم قال: ((لأعلِّمَنَّك سورة هي أعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد))، ثم أخذ بيدي فلما أراد أن يخرج قلت له: ألم تقل: ((لأُعَلِّمَنَّكَ سورة هي أعظم سورة في القرآن))؛ قال: ((الحمد لله رب العالمين)) هي السبع المثاني
стр. 508
والقرآن العظيم الذي أوتيته)) وفي لفظ: ((لأُعَلِّمَنَّكَ أعظم سورة في القرآن))، وفي لفظ: ((ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن؟)) (١).
الفضل الثاني: لا تصح الصلاة إلا بفاتحة الكتاب ، وهذا يدل على عظيم فضلها، فهي ركن من أركان الصلاة فعن عبادة بن الصامت ﵁، قال: قال النبي ﷺ : ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)) (٢).
الفضل الثالث: من صلى صلاةً لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداجٌ، وسمّاها الله صلاةً؛ لحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((من صلَّى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج)) ثلاثاً، غير تمام، فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام، فقال: اقرأ بها في نفسك فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((قال الله تعالى: ((قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل)) فإذا قال العبد: ((الحمد لله رب العالمين))، قال الله تعالى: ((حَمِدَنِي عبدي))، فإذا قال: ((مالك يوم الدين))، قال الله: ((مجَّدني عبدي))، وقال مرة: ((فوَّض إليَّ عبدي)) فإذا قال: ((إياك نعبد وإياك نستعين))، قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل؛ فإذا قال: ((اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب
стр. 509
عليهم ولا الضالين))، قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل)) (١).
الفضل الرابع: سورة الفاتحة هي الشافية بإذن الله تعالى ؛ لحديث أبي سعيد الخدري ﵁، قال: انطلق نفر من أصحاب النبي ﷺ في سفرةٍ سافروها، حتى نزلوا على حيٍّ من أحياء العرب فاستضافوهم فأبوا أن يُضيفوهم، فلُدِغَ سيِّد ذلك الحي فسعوا له بكل شيء، لا ينفعه شيء، فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا لَعَلَّهُ أن يكون عند بعضهم شيء؟ فأتوهم فقالوا: يا أيها الرهط إن سيدنا لُدِغ، وسعينا له بكل شيء لا ينفعه، فهلِ عند أحد منكم من شيء؛ فقال بعضهم: نعم، والله إني لأرقي ولكن والله لقد استضفناكم فلم تضيِّفونا، فما أنا براقٍ لكم حتى تجعلوا لنا جُعلاً، فصالحوهم على قطيع من الغنم، فانطلق يتفل عليه ويقرأ:
﴿الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِين﴾ فكأنما نشط من عقالٍ، فانطلق يمشي وما به قلبةٌ (٢)،قال: فأوفوهم جُعْلَهم الذي صالحوهم عليه، فقال بعضهم: اقسموا، فقال الذي رقى: لا تفعلوا حتى نأتي النبي ﷺ فنذكر له الذي كان فننظر ماذا يأمرنا، فقدموا على رسول الله ﷺ فذكروا له فقال: ((وما يدريك أنها رقية؟))، ثم قال: ((قد أصبتم اقسموا واضربوا لي معكم سهماً))، فضحك النبي ﷺ ))،وفي لفظ لمسلم: ((فتبسم))،وفي لفظ للبخاري، أنه قرأ بأم الكتاب، وقال: ((فأمر لنا بثلاثين شاة، وسقانا لبناً))،وفي لفظ للبخاري
стр. 510
من حديث ابن عباس: ((إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله)) (١)،وفي لفظ لمسلم: ((فجعل يقرأ أم القرآن ويجمع بزاقه ويتفل فبرأ الرجل)) (٢).
٢ - فضل سورة البقرة وآل عمران:
جاء في فضل سورة البقرة وآل عمران أحاديث على النحو الآتي:
الفضل الأول: سورة البقرة وآل عمران تحاجّان عن أصحابهما ؛ لحديث أبي أمامة ﵁ وفيه: ((اقرؤوا الزهراوين: البقرة وآل عمران؛ فإنهما تأتيان يوم القيامة، كأنهما غمامتان، أو كأنهما غيايتان أو كأنهما فرقان من طير صواف تحاجان عن أصحابهما، اقرؤوا سورة البقرة؛ فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها البطلة)) (٣).
الفضل الثاني: الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة ؛ لحديث أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: ((لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إن الشيطان ينفر من البيت الذي تُقرأ فيه سورة البقرة)) (٤).
الفضل الثالث: في سورة البقرة أعظم آية في كتاب الله تعالى، وهي آية الكرسي ؛ لحديث أُبيّ بن كعب ﵁،قال: قال رسول الله ﷺ : ((يا أبا المنذر
стр. 511
أتدري أيُّ آية من كتاب الله معك أعظم؟))، قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: ((يا أبا المنذر أتدري أيُّ آية من كتاب الله معك أعظم؟)) قال: قلت: ((الله لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ)) (١) قال: فضرب في صدري وقال: ((والله لِيَهنِكَ العلم (٢) أبا المنذر)) (٣).
الفضل الرابع: آية الكرسي من قرأها عند النوم عندما يأوي إلى فراشه في الليل: ((لن يزال عليه من الله حافظ ولا يقربه شيطان حتى يصبح))، كما ثبت ذلك في قصة أبي هريرة مع الشيطان، وقال النبي ﷺ : (( ... أما إنه صدقك هو كذوبٌ)) (٤).
الفضل الخامس: خواتيم سورة البقرة: الآيتان من آخرها ، من قرأهما في ليلة كفتاه؛ لحديث أبي مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((الآيتان من آخر سورة البقرة، من قرأهما في ليلة كفتاه)) (٥)(٦).
стр. 512
الفضل السادس: من قرأ بحرف من خواتيم البقرة، والفاتحة أُعطيه ؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: بينما جبريل قاعد عند النبي ﷺ سمع نقيضاً (١) من فوقه فرفع رأسه، فقال: ((هذا باب من السماء فُتِح اليوم لم يُفتح قطُّ إلا اليوم، فنزل منه ملك فقال: هذا ملك نزل إلى الأرضِ لم ينزل قطّ إلا اليوم، فسلّم وقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يُؤتَهما نبيُّ قبلك: فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ بحرفٍ منهما إلا أُعطيته)) (٢).
وقد ثبت من حديث أبي هريرة ﵁ في حديث طويل وفيه: (( ... فأنزل الله : ﴿لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا: ((قال: نعم)) رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ((قال: نعم)) رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ ((قال: نعم)) وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِين﴾ ((قال: نعم)) (٣).
وفي حديث ابن عباس ﵄ في هذه المواضع: ((قال: قد فعلت)) (٤).
الفضل السابع: الآيتان من آخر سورة البقرة لا تقرآن في بيتٍ ثلاث ليالٍ
стр. 513
فيقربه شيطان؛ لحديث النعمان بن بشير ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((إن الله كتب كتاباً قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام، أنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة لا يقرآن في دارٍ ثلاث ليالٍ فيقربها شيطان)) (١).
الفضل الثامن: آية الكرسي من سورة البقرة من قرأها في بيته لا يقربه شيطان ؛ لحديث أبي أيوب الأنصاري ﵁: أنه كان له سهوة فيها تمرٌ، فكانت تجيء الغول فتأخذ منه، فأخذها ليذهب بها إلى رسول الله ﷺ ، فحلفت أن لا تعود، فتركها وأخبر النبي ﷺ ، بأنها قالت: لا تعود، فقال النبي ﷺ : ((كذبت وهي معاودة للكذب))، ثم عادت ثلاث مرات، فجزم أن يذهب بها إلى رسول الله ﷺ في المرة الآخرة، فقالت: ((إني ذاكرة لك شيئاً، آية الكرسي اقرأها في بيتك، فلا يقربك شيطان ولا غيره))، فجاء إلى النبي ﷺ ، فقال: ((ما فعل أسيرك؟))، فأخبره بما قالت، قال: ((صدقت وهي كذوب)) (٢).
الفضل التاسع: من قرأ آية الكرسي من سورة البقرة في الصباح والمساء أجير من الجن ؛ لحديث أُبيّ بن كعب ﵁، أنه كان له جرين تمر فكان يجده ينقص فحرسه ليلة فإذا هو بمثل الغلام المحتلم فسلم عليه فردَّ ﵇، فقال: أجني أم أنسي؟ فقال: بل جني، فقال: أرني
стр. 514
يدك؟ فأراه، فإذا يد كلب وشعر كلب، فقال: هكذا خلق الجن؟ فقال: لقد علمت الجنّ أنه ليس فيهم رجل أشدَّ مني، قال: ما جاء بك؟ قال: أُنبئنا أنك تحب الصدقة، فجئنا نصيب من طعامك، قال: ما ينجينا منكم؟ قال: تقرأ آية الكرسي من سورة البقرة؟ قال: نعم، قال: إذا قرأتها غُدوة أجرت منا حتى تمسي، وإذا قرأتها حين تمسي أجرت منا حتى تصبح، فغدوت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته بذلك، فقال: ((صدق الخبيث)) (١).
الفضل العاشر: قد ثبت في الحديث أن من قرأ آية الكرسي من سورة البقرة دبر كل صلاة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت (٢).
٣ - فضل سورة الكهف
جاء في فضل سورة الكهف أحاديث على النحو الآتي:
الفضل الأول: من حفظ عشر آيات من سورة الكهف عُصِم من الدجال ؛ لحديث أبي الدرداء ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عُصم من الدجال))،وذُكرَ في رواية ((من آخر الكهف)) (٣).
الفضل الثاني: من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما
стр. 515
بين الجمعتين؛ لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بينه وبين الجمعتين)) (١).
الفضل الثالث: نزول السكينة بقراءة سورة الكهف ؛ لحديث البراء ﵁، قال: كان رجل يقرأ سورة الكهف وعنده فرس مربوط بشطنين (٢) فتغشاه سحابة فجعلت تدور وتدنو، وجعل فرسه ينفر منها، فلما أصبح أتى النبي ﷺ ، فذكر ذلك له، فقال: ((تلك السكينة (٣) تنزّلت للقرآن)) (٤)، وسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀: يقول: ((المراد بالسكينة خلق من خلق الله، من جنس الملائكة وهم نوع من الملائكة، وطائفة منهم)) (٥).
٤ - فضل سورة الفتح ؛ لحديث عمر بن الخطاب ﵁ عن النبي ﷺ ، وفيه: ((لقد أُنزل عليَّ الليلة سورة لَهِيَ أحَبُّ إليَّ مما طلعت عليه
стр. 516
الشمس))، ثم قرأ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ (١).
٥ - فضل سورة الملك:
جاء في فضلها أحاديث منها ما يأتي:
الفضل الأول: تشفع لصاحبها حتى يُغفر له ؛ لحديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: ((إن سورة من القرآن ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غُفِر له، وهي سورة تبارك الذي بيده الملك)) (٢).
وعن جابر ﵁، أن النبي ﷺ كان لا ينام حتى يقرأ ((ألم تنزيل))، و ((تبارك الذي بيده الملك)) (٣).
الفضل الثاني: سورة تبارك هي المانعة من عذاب القبر ؛ لحديث
عبد الله ﵁: ((سورة تبارك هي المانعة من عذاب القبر))، هذا لفظ أبي الشيخ في طبقات الأصبهانيين (٤)، ولفظ الترمذي من حديث ابن عباس ﵄ وفيه: ((هي المانعة، هي المنجية من عذاب القبر)) (٥).
стр. 517
٦ - فضل سورة ((قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ)) تعدل ربع القرآن ؛
لحديث أنس بن مالك ﵁ يرفعه إلى النبي ﷺ ، وفيه: (( ... ومن قرأ ((قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ)) عُدِلت له بربع القرآن، ومن قرأ ((قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ)) عُدِلت له بثلث القرآن)) (١).
ولحديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ ،وفيه: (( ... وقُلْ هُوَ الله أَحَدٌ)) تعدل ثلث القرآن، و ((قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ)) تعدل ربع القرآن)) (٢).
٧ - فضل سورة ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَد﴾:
ثبت في فضل سورة الإخلاص أحاديث تدل على أنها: تعدل ثلث القرآن؛ منها ما يأتي:
حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن رجلاً سمع رجلاً يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَد﴾ يردِّدها، فلما أصبح جاء إلى رسول الله ﷺ فذكر له ذلك، فقال
стр. 518
رسول الله ﷺ : ((والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن))،وفي لفظ للبخاري: ((أن رجلاً قام في زمن النبي ﷺ يقرأ من السحر ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَد﴾ لا يزيد عليها فلما أصبح أتى الرجل النبي ﷺ )).الحديث (١).
وحديث أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: ((أيعجز أحدكم أن يقرأ في ليلة ثلث القرآن؟)) قالوا: وكيف يقرأ ثلث القرآن؟ قال: ((قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن)) (٢).
٨ - فضل المعوذات:
ثبت في فضل المعوذات أحاديث، منها ما يأتي:
الفضل الأول: المعوذات شفاء ويستشفى بها ؛ لحديث عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات، وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه، وأمسح بيديه رجاء بركتها)) (٣).
الفضل الثاني: يتحصن بها المسلم عند النوم ؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما، فقرأ فيهما ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَد﴾، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَق﴾، و ﴿قُلْ أَعُوذُ
стр. 519
بِرَبِّ النَّاس﴾ ثم يمسح بها ما استطاع من جسده يبدأ بهما على رأسه ووجهه، وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات)) (١).
الفضل الثالث: مما يدل على فضلها أمر النبي ﷺ بقراءتها دبر كل صلاة ؛ لحديث عقبة بن عامر ﵁، قال: ((أمرني رسول الله ﷺ أن أقرأ بالمعوذات دبر كل صلاة)) (٢).
الفضل الرابع: من قرأها في الصباح والمساء كفته من كل شيء ؛ لحديث عبد الله بن خبيب ﵁ قال: خرجنا في ليلة مطيرة وظلمة شديدة نطلب رسول الله ﷺ يُصلِّي لنا، قال: فأدركته فقال: ((قل))، فلم أقل شيئاً، ثم قال: ((قل))، فلم أقل شيئاً، قال: ((قل))، فقلت: ما أقول؟ قال: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَد﴾ والمعوِّذتين حين تمسي، وحين تصبح - ثلاث مرات - تكفيك من كل شيء)) (٣).
وهذه الأحاديث الثلاثة وترجمة البخاري ﵀ بقوله: ((باب فضل المعوذات)) تدل على أنه يطلق اسم المعوذات على سورة الإخلاص
стр. 520
والمعوذتين، كما أشار الحافظ ابن حجر ﵀ إلى ذلك في فتح الباري (١).
٩ - فضل المعوّذتين:
جاء في فضل المعوذتين أحاديث منها ما يأتي:
الفضل الأول: المعوذتان لم يُرَ مثلهن ؛ لحديث عقبة بن عامر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ألم تر آيات أُنزلت الليلة لم يُرَ مثلهن قط: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَق﴾، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاس﴾ (٢).
الفضل الثاني: كان النبي ﷺ يتعوذ بهن ؛ لحديث أبي سعيد ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ يتعوذ من الجان وعين الإنسان، حتى نزلت المعوذتان فلما نزلتا: أخذ بهما وترك ما سواهما)) (٣).
الفضل الثالث: ما تعوَّذ مُتعَوِّذٌ بمثلهما ؛ لحديث عقبة بن عامر ﵁، قال: بينا أنا أسير مع رسول الله ﷺ بين الجحفة وأبواء إذ غشيتنا ريح وظلمة شديدة، فجعل رسول الله ﷺ يتعوّذ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَق﴾، و: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاس﴾، ويقول: ((يا عقبة تعوذ بهما فما تعوّذ متعوذ
стр. 521
بمثلهما))، وقال: وسمعته يؤمُّنا بهما في الصلاة (١)(٢).
عاشراً: وجوب العمل بالقرآن وبيان فضله
العمل بالقرآن هو الغاية الكبرى من إنزاله؛ لقول الله : ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَاب﴾ (٣)، وهذا العمل: هو التلاوة الحكمية للقرآن (٤).
فالعمل بالقرآن: هو تصديق أخباره، واتباع أحكامه: بفعل جميع ما أمر الله به فيه، وترك جميع ما نهى الله عنه: ابتغاء مرضاة الله، وخوفاً من عقابه، وطمعاً في ثوابه؛ ولهذا سار السلف الصالح على ذلك ﵃. فكانوا يتعلمون القرآن، ويصدقون به، وبأخباره، بجميع ما جاء فيه، ويطبقون
стр. 522
أحكامه تطبيقاً، عن عقيدةٍ راسخةٍ.
قال أبو عبد الرحمن السُّلمي ﵀: ((حدثنا الذين كانوا يُقرئوننا القرآن: عثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود ﵄ وغيرهما: أنهم كانوا إذا تعلَّموا من النبي ﷺ عشر آيات لم يتجاوزوها حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل، قال ... وا: فتعلمنا: القرآن والعمل جميعاً)) (١).
وهذا النوع هو الذي عليه مدار السعادة والشقاوة، قال الله تعالى:
﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ (٢)، وقال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْرًا * مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا * خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاء لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلاً﴾ (٣).
وعن سمرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ ... يكثر أن يقول لأصحابه: ((هل رأى أحد منكم رؤيا؟))، قال: فَيُقَصُّ عليه ما شاء الله أن يُقصَّ، وإنه قال ذات غداة: ((إنه أتاني الليلة آتيان وإنهما ابتعثاني وإنهما قالا لي:
стр. 523
انطلق، وإني انطلقت معهما ... ))، الحديث وفيه (( ... فانطلقنا حتى أتينا على رجل مضطجع على قفاه ورجل قائم على رأسه بفهرٍ أو صخرة فيشدخ به رأسه، فإذا ضربه تدهده الحجر))، وفي رواية: ((وإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه فيثلغ رأسه فيتدهده الحجر ها هنا فيتبع الحجر فيأخذه فلا يرجع إليه حتى يلتئم رأسه وعاد رأسه كما هو، ثم يعود عليه فيفعل به مثل ما فعل مرة الأولى، قال قلت لهما: سبحان الله ما هذان؟ قال: قالا لي: انطلق ... ))، الحديث وفي آخره (( ... أما الرجل الذي أتيت عليه يثلغ رأسه بالحجر فإنه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه وينام عن الصلاة المكتوبة))، وفي لفظ: ((والذي رأيته يشدخ رأسه فرجل علَّمَهُ الله القرآن فنام عنه بالليل ولم يعمل فيه بالنهار ... )) (١).
وعن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((القرآن مشفَّعٌ، وماحلٌ (٢) مصدَّق، من جعله إمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلف ظهره ساقه إلى
النار)) (٣).
стр. 524
وعن أبي مالك الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ وفيه: (( ... والقرآن حجة لك أو عليك)) (١)،فيجب العمل بالقرآن.
الحادي عشر: الأمر بتعاهد القرآن ومراجعته:
جاءت الأحاديث الصحيحة تأمر بتعاهد القرآن، ومنها الأحاديث الآتية:
١ - حديث عبد الله بن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: ((إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المُعَقَّلَةِ، إن عاهد عليها أمسكها وإن أطلقها ذهبت))، وفي لفظٍ لمسلم: ((وإذا قام صاحب القرآن فقرأه بالليل والنهار ذكره وإذ لم يقم به نسيه)) (٢).
٢ - حديث أبي موسى الأشعري ﵁،عن النبي ﷺ قال: ((تعاهدوا هذا القرآن فو الذي نفس محمد بيده لهو أشدُّ تفلتاً من الإبل في عقلها)) (٣).
٣ - حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((بئسما لأحدهم أن يقول: نسيت آية كيت وكيت؛ بل نُسِّيَ، واستذكروا القرآن فإنه أشدُّ تفصِّياً من صدور الرجال من النعم [بعُقلها])) (٤)، وفي لفظ
стр. 525
لمسلم: ((بئسما للرجل أن يقول: نسيت سورة كيت وكيت، أو نسيت آية كيت وكيت، بل هو نُسِّيَ)) (١).
٤ - حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ سمع رجلاً يقرأ من الليل فقال: ((يرحمه الله، لقد أذكرني كذا وكذا. آية كنت أسقطتها من سورة كذا وكذا))، وفي لفظ: ((كان النبي ﷺ يستمع قراءة رجل في المسجد، فقال: (﵀ لقد أذكرني آية كنت أُنسيتها)) (٢).
والصحابة ﵃ أتقنوا القرآن؛ لمراجعتهم له كثيراً، وقراءتهم له في الصلاة، وأكتفي بمثالين يدلان على عظيم عناية أصحاب النبي ﷺ بالقرآن على النحو الآتي:
المثال الأول: قال عبد الله بن مسعود ﵁: ((والله الذي لا إله غيره ما أُنزلت سورة من كتاب الله إلا أنا أعلم أين أنزلت، ولا أُنزلت آية من كتاب الله إلا أنا أعلم فيما أُنزلت، ولو أعلمُ أحداً أعلمَ منِّي بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه)) (٣).
المثال الثاني: تذاكر معاذ بن جبل وأبو موسى الأشعري ﵄، فقال
стр. 526
معاذ: يا عبد الله (١) كيف تقرأ القرآن؟ قال: أتفوّقه تفوُّقاً (٢) قال: فكيف تقرأ أنت يا معاذ؟ قال: أنام أول الليل فأقوم وقد قضيت جزئي من النوم، فأقرأ ما كتب الله لي، فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي))،وفي رواية، فقال معاذ لأبي موسى: ((كيف تقرأ القرآن؟ قال: قائماً، وقاعداً، وعلى راحلتي، وأتفوَّقه تفوَّقاً))،قال: ((أمَّا أنا فأقوم وأنام، فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي)) (٣).
الثاني عشر: آداب تلاوة القرآن العظيم
آداب تلاوة القرآن كثيرة من أهمها الآداب الآتية:
الأدب الأول: معرفة أوصاف هذا القرآن العظيم؛ فإنه كلام الله -، وهو حبله المتين، وصراطه المستقيم، والذكر المبارك، والنور المبين، وهو كلام الله: حروفه، ومعانيه، تَكَلَّم به على الوصف اللّائق بجلاله، وسمعه جبريل، وسمعه محمد ﷺ من جبريل حينما نزل به على قلبه ليكون من المنذرين بلسان عربي مبين، وسمعه الصحابة من النبي ﷺ ، مُنَزَّلٌ من الله تعالى غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، وهو كتاب عام للثقلين إلى يوم الدين، وهو المعجزة العظمى، هدىً للناس جميعاً، وهو روح وحياة، وشفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة للعالمين، وتبيان
стр. 527
لكل شيء، كتاب واضح مبين، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، تكفّل الله بحفظه وأحكم آياته، وفصَّلها، تذكرة لمن يخشى، أحسن الحديث، ذكرٌ وقرآنٌ مبين، يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين بالأجر العظيم، ويُحذِّر الكافرين من العذاب الأليم، يهدي إلى الحق وإلى الرشد، وهو القرآن الكريم المجيد العظيم، وفي أم الكتاب عليٌّ حكيم، وما تنَزَّلت به الشياطين، وهو في لوح محفوظ، وهو مُصَدِّقٌ لما بين يديه من الكتب ومهيمن عليها، لو أنزله الله على الجبال لتصدعت من خشية الله تعالى، وهو وصية رسول الله ﷺ ،وغير ذلك من أوصاف هذا الكتاب المبارك، وهذه الأوصاف وغيرها مما لم يذكر تدل على وجوب تعظيم هذا القرآن، والتأدب عند تلاوته، والابتعاد عند قراءته عن اللعب، والغفلة (١).
الأدب الثاني: إخلاص النية لله تعالى؛ لأن تلاوة القرآن من أعظم العبادات لله -، وقد قال الله : ﴿فَاعْبُدِ الله مُخْلِصًا لَّهُ الدِّين﴾ (٢)، وفي ذلك أحاديث منها الأحاديث الآتية:
١ - عن جابر ﵁، قال: دخل النبي ﷺ المسجد فإذا فيه قوم يقرؤون القرآن، قال: ((اقرؤوا القرآن وابتغوا به وجه الله ، من قبل أن يأتي قوم يقيمونه إقامة القدح (٣) يتعجَّلونه (٤)، ولا يتأجَّلونه)) (٥)، وفي
стр. 528
لفظ لأحمد وأبي داود: قال جابر ﵁:خرج علينا رسول الله ﷺ ، ونحن نقرأُ القرآن وفينا الأعرابي والعجمي (١) فاستمع فقال: ((اقرَؤوا فكل حسنٌ (٢)، وسيجيء أقوامٌ يُقيمونه كما يُقام القدح يتعجَّلونه ولا يتأجلونه)) (٣)، وفي هذا الحديث رفع الحرج، وبناء الأمر على التيسير في الظاهر، وتحرِّي الحسبة والإخلاص في القراءة، والتفكر في معاني القرآن والغوص في عجائب أمره (٤).
٢ - حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ يوماً ونحن نقترِئُ، فقال: ((الحمد لله، كتاب الله واحد، وفيكم
стр. 529
الأحمر، وفيكم الأبيض، وفيكم الأسود، اقرؤوه قبل أن يقرأه أقوامٌ يقيمونه كما يُقوَّمُ السَّهْمُ، يُتَعَجَّلُ أَجْرُهُ وَلا يُتأجَّلُهُ)) (١).
٣ - حديث عمران بن حصين ﵁،أنه مرّ على قاصٍّ يقرأُ ثم سأل، فاسترجع ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من قرأ القرآن فليسأل الله به؛ فإنه سيجيء أقوام يقرؤون القرآن يسألون به الناس)) (٢).
٤ - حديث أبي سعيد الخدري ﵁، وفيه: (( ... وإن من شرِّ الناس رجلاً فاجراً جريئاً يقرأ كتاب الله ولا يرعوي (٣) إلى شيء منه))، وفي لفظ: (( ... ثم يكون خلف يقرؤون القرآن لا يعدو تراقيَهم، ويقرَؤوا القرآن ثلاثة: مؤمن، ومنافق، وفاجر))، وفُسِّر: المنافق كافر به، والفاجر يتآكل به، والمؤمن يؤمن به (٤).
٥ - حديث عبد الرحمن بن شبل ﵁،قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((اقرؤوا القرآن ولا تغلوا فيه (٥)، ولا تجفوا عنه (٦)، ولا تأكلوا به (٧)،
стр. 530
ولا تستكثروا به (١)(٢))).
٦ - حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ في الثلاثة الذين أوّل من تُسعّر بهم النار وفيه: (( ... ورجل تعلَّم العلم وعلَّمه، وقرأ القرآن فأُتي به فعرّفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت ولكنك تعلمت العلم، ليُقال عالم، وقرأت القرآن ليُقال: هو قارئ فقد قيل، ثم أُمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار)) (٣).
٧ - حديث جندب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((من سمّع سمع الله به، ومن يرائي يرائي الله به)) (٤).
٨ - حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((قال الله ﵎: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه)) (٥).
الأدب الثالث: أن يقرأ بقلب حاضر، وبتدبر ما يقرأ ويتفهّم معانيه ، ويتخشَّع عند ذلك قلبه، ويستحضر بأن الله تعالى يخاطبه في هذا القرآن؛