في المسجد الأقصى فله ذلك؛ لأنه من المساجد الثلاثة التي يجوز شد الرحال إليها؛ ولحديث جابر ﵁: أن رجلاً قام يوم الفتح فقال: يا رسول الله إني نذرت لله: إن فتح الله عليك مكة أن أُصلي في بيت المقدس ركعتين، قال: ((صلِّ ها هنا))، ثم أعاد عليه، فقال: ((صلِّ ها هنا))، ثم أعاد عليه فقال: ((شأنك إذن)) (١)، والله تعالى أعلم (٢).
الحادي عشر: مستحبات الاعتكاف:
يستحب للمعتكف: أن يتفرَّغ لعبادة الله تعالى، فيكثر من الصلاة في غير أوقات النهي، ويكثر من ذكر الله ، والدعاء، وقراءة القرآن بالتدبر، والاستغفار، والتوبة، ونحو ذلك من الطاعات، ويجتنب ما لا يعنيه: من الأقوال، والأفعال؛ لأن من كثر كلامه كثرت أخطاؤه، وكثر سقطه، وفي الحديث عن أبي هريرة ﵁،قال: قال رسول الله ﷺ : ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)) (٣)، فيجتنب ما لا يعنيه: من الجدال، والمراء، والسباب، والفحش؛ لأن هذا مكروه ومنهي عنه في غير الاعتكاف ففيه أولى (٤).
стр. 457
وأما الصمت عن جميع الكلام فليس بمشروع في دين الإسلام، بل هو من عمل الجاهلية، وقد: (( ... دخل أبو بكر ﵁ على امرأة من أَحْمَسَ يقال لها زينب بنت المهاجر فرآها لا تتكلَّم، فقال: ما لها لا تكلم؟ قالوا: حجت مُصمِتَةً، قال لها: تكلّمي؛ فإن هذا لا يحلُّ، هذا من عمل الجاهلية، فتكلمت ... )) (١)، وحتى لو نذر الصمت في اعتكافه لا يحل له الوفاء به؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: بينا النبي ﷺ يخطب إذا هو برجل قائم فسأل عنه فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم، فقال النبي ﷺ : ((مُرْه فليتكلم، ويستظل، وليقعد، وليتمَّ صومه)) (٢)، وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: حفظت عن رسول الله ﷺ : ((لا يُتم بعد احتلام ولا صُماتَ يومٍ إلى الليل)) (٣).
وكذلك لا يجوز أن يستعمل القرآن بدلاً من الكلام؛ لأنه استعمال له في غير ما هو له، كأن يرى رجلاً قد جاء في وقته فيقول: ﴿جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى﴾ (٤) ونحو ذلك (٥).
стр. 458
الثاني عشر: مباحات الاعتكاف:
يباح للمعتكف ويجوز له أمور، منها على سبيل المثال الأمور الآتية:
١ - يباح للمعتكف الخروج من المسجد لكل أمر لابد له منه: طبعاً، أو شرعاً. كقضاء حاجة الإنسان: من البول والغائط، والخروج للأكل والشرب إذا لم يكن له من يحضر ذلك في المسجد، والخروج للوضوء من الحدث، والاغتسال من الجنابة، والخروج لصلاة الجمعة، والشهادة الواجبة، والخوف من فتنة [تقع له في نفسه، أو أهله، أو ولده، أو ماله] أو مرض، وخروج الحائض والنفساء، وخروج المرأة التي لزمتها عدة الوفاة (١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ((وفي معنى ذلك كل ما يحتاج إلى الخروج له، وهو ما يخاف من تركه ضرراً في دينه أو دنياه، فيدخل في ذلك الخروج لفعل واجب وترك محرم، وإزالة ضرر، مثل الحيض والنفاس، وغسل الجنابة، وأداء شهادة تعيّنت عليه، وإطفاء حريق، ومرض شديد، وخوف على نفسه من فتنة وقعت، وجهاد تعيّن، وشهود جمعة، وسلطان أحضره، وحضور مجلس حُكْم، ... وغير ذلك؛ فإنه يجوز له الخروج لأجله ولا يبطل اعتكافه، لكن منه ما يكون في حكم المعتكف إذا خرج بحيث يحسب له من مدة الاعتكاف ولا يقضيه: وهو
стр. 459
ما لا يطول زمانه، ومنه ما ليس كذلك: وهو ما يطول زمانه ... )) (١).
وعن عائشة ﵂، في وصف اعتكاف النبي ﷺ وفيه: (( ... وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان))،وفي لفظ لمسلم: أن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت: ((إن كنت لأدخل البيت للحاجة والمريض فيه فما أسأل عنه إلا وأنا مارّة، وإن كان رسول الله ﷺ لَيُدْخِل عليَّ رأسه وهو في المسجد فأرجّله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجةٍ إذا كان معتكفاً)) (٢).
والخلاصة أنه يجوز للمعتكف أن يخرج في كل أمر لابد له منه (٣).
٢ - يباح له الوضوء في مكان في المسجد؛ لحديث أبي العالية عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: ((حفظت لك أن رسول الله ﷺ توضأ في المسجد))، وهذا لفظ أحمد أما البيهقي فبلفظ: ((توضأ النبي ﷺ في المسجد وضوءاً خفيفاً)) (١).
٣ - يتخذ خيمة صغيرة في مكانٍ في المسجد، وله النوم فيها؛ لحديث عائشة ﵂، قالت: كان النبي ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فكنت أضرب له خباء فيصلي الصبح ثم يدخله، فاستأذنت حفصة عائشة أن تضرب خباء فأذنت لها، فضربت خباء، فلما رأته زينب بنت جحش ضربت خباءً آخر ... ))، وفي لفظ للبخاري: أن عائشة استأذنت النبي ﷺ ((فأذن لها فضربت فيه قبة))، فسمعت بها حفصة فضربت قبة، وسمعت زينب بها فضربت قبة أخرى)) (٢)، وقد ثبت من حديث أبي سعيد ﵁، أن النبي ﷺ اعتكف العشر الأوَّل من رمضان ثم اعتكف العشر الأوسط في قبةٍ تركية)) (٣).
٤ - لا بأس أن يلزم المعتكف مكاناً من المسجد؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ : ((كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان))، زاد
стр. 462
مسلم، وأبو داود، وابن ماجه: ((قال نافع وقد أراني عبد الله بن عمر المكان الذي يعتكف فيه رسول الله ﷺ من المسجد)) (١).
٥ - محادثة الرجل أهله وزيارتهم له، وخروجه معهم يقلبهم إلى بيتهم عند الحاجة لذلك؛ لحديث صفية زوج النبي ﷺ : أنها جاءت إلى رسول الله ﷺ تزوره في اعتكافه في المسجد في العشر الأواخر من رمضان، فتحدَّثت عنده ساعة ثم قامت تنقلب، فقام النبي ﷺ معها يقلبها حتى إذا بلغت باب المسجد عند باب أمِّ سلمة مرّ رجلان من الأنصار فسلمَّا على رسول الله ﷺ ، فقال لهما النبي ﷺ : ((على رسلكما إنما هي صفية بنت حيي))، فقالا: سبحان الله يا رسول الله، وكَبُرَ عليهما فقال النبي ﷺ : ((إن الشيطان يبلغ من ابن آدم مبلغ الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئاً))، وفي لفظ للبخاري: ((إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم ... ))، وفي رواية: ((أن ذلك كان ليلاً))، وفي رواية: ((وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد))، وفي رواية: ((فتحدثت عنده ساعة من العشاء ثم قامت ... ))، وفي لفظ: ((إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم))، وفي رواية لمسلم: ((فأتيته أزوره ليلاً))، وفيه: ((لما رأيا النبي ﷺ أسرعا))، وفي رواية لمسلم: ((وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما
стр. 463
شراً))، أو قال: ((شيئاً)) (١).
قال الحافظ ابن حجر ﵀: ((وفي الحديث من الفوائد: جواز اشتغال المعتكف بالأمور المباحة: من تشييع زائره، والقيام معه، والحديث مع غيره، وإباحة خلوة المعتكف بالزوجة، وزيارة المرأة للمعتكف)) (٢).
٦ - يباح للمرأة المستحاضة أن تعتكف في المسجد، لحديث عائشة ﵂: أن النبي ﷺ اعتكفت معه بعض نسائه وهي مستحاضة ترى الدم، فرُبَّما وضعت الطست تحتها من الدم))، وفي لفظ: ((اعتكفت مع رسول الله ﷺ امرأة من أزواجه، فكانت ترى الدم والصفرة والطست تحتها))، وفي لفظ: (( .. فكانت ترى الحمرة، والصفرة، فرُبَّما وضعنا الطست تحتها وهي تصلي)) (٣)، ولكن لابد من المحافظة على نظافة المسجد، فتَتَّحَفَّظُ المرأةُ المستحاضة حتى لا تلوِّث المسجد.
٧ - الأكل والشرب في المسجد؛ لحديث عبد الله بن الحارث بن جزء الزُّبيدي قال: ((كُنّا نأكل على عهد رسول الله ﷺ في المسجد: الخبز
стр. 464
واللحم)) (١)، وعليه أن يضع سفرة تحت الطعام؛ لئلا يلوِّث المسجد.
٨ - المعتكف له أن يغسل رأسه ويُرَجِّلَه، ولزوجته أن تغسل رأسه وتُرَجِّلَه؛ لحديث عائشة ﵂، قالت: ((كان النبي ﷺ يصغي إليَّ رأسه وهو مجاورٌ (٢) في المسجد، فأُرَجِّلُه وأنا حائضٌ))، وفي لفظ للبخاري: ((وكان يخرج رأسه إليَّ وهو معتكف فأغسله وأنا حائض))، وفي البخاري أيضاً: ((وكان يخرج رأسه من المسجد وهو معتكف وأغسله وأنا حائض))، وفي لفظٍ: ((أنها كانت ترجِّل النبي ﷺ وهي حائض وهو معتكف في المسجد، وهي في حجرتها يناولها رأسه))، وفي لفظٍ لمسلم قالت: ((إنْ كُنْتُ لأدخل البيت للحاجة والمريض فيه، فما أسأل عنه إلا وأنا مارَّةٌ، وإن كان رسول الله ﷺ لَيُدْخِلُ عليَّ رأسه وهو في المسجد فأرجِّله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجةٍ إذا كان معتكفاً))، وفي لفظ له: (( ... وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان)) (٣).
الثالث عشر: مبطلات الاعتكاف
стр. 465
يبطل الاعتكاف بالمبطلات الآتية:
١ - الخروج من المسجد لغير حاجة عمداً ؛ لحديث عائشة ﵂، عن النبي ﷺ وفيه: (( ... وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفاً))، وفي لفظ: (( ... وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان)) (١).
قال الإمام ابن حزم ﵀: ((واتفقوا على أن من خرج من معتكفه في المسجد لغير حاجةٍ، ولا ضرورة، وبرٍّ أُمِرَ به ونُدِب إليه، فإنَّ اعتكافه قد بطل)) (٢)؛ ولأن الخروج من غير حاجة، ولا ضرورة يُفوِّت المكث في المعتكف في المسجد وهو ركن الاعتكاف (٣).
٢ - الجماع ، ولو كان ذلك ليلاً، أو كان خارج المسجد؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ الله فَلاَ تَقْرَبُوهَا﴾ (٤)،قال ابن عباس ﵄: ((إذا جامع المعتكف بطل اعتكافه واستأنف)) (٥)،وقال ابن المنذر ﵀: ((وأجمعوا على أن من جامع
стр. 466
امرأته وهو معتكف عامداً لذلك في فرجها أنه مفسد لاعتكافه)) (١).
وكذلك إذا باشر فيما دون الفرج بشهوة فأنزل، فإنِّ اعتكافه يبطل بذلك، أما إذا كانت المباشرة لغير شهوة، فلا بأس بها مثل: أن تغسل رأسه، أو تُرَجِّله؛ لأن النبي ﷺ كان يُدني رأسه من عائشة وهو معتكف فتُرَجِّله، وتغسله. أما إذا كانت المباشرة بشهوة ولم ينزل فهي محرمة؛ لأنه لا يأمن الإنزال فيفسد اعتكافه؛ ولأن ما أفضى إلى الحرام كان حراماً (٢)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (٣).
والصواب أنه لا كفارة على من جامع في الاعتكاف، أو باشر بشهوة فأنزل، إلا أن يكون في نهار رمضان، فعليه كفارة الجماع إذا جامع في نهار رمضان كما تقدم (٤).
٣ - السُّكْر: قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((وإن شرب ما أسكره فسد
стр. 467
اعتكافه؛ لخروجه عن كونه من أهل المسجد فصار كالخارج (١) منه)) (٢).
٤ - الردة عن الإسلام ؛ لقول الله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِين﴾ (٣)؛ ولأنه خرج بالردة عن كونه من أهل الاعتكاف (٤)، وكُلُّ من قطع الاعتكاف وهو تطوع فإنه لا يلزمه القضاء إذا شاء؛ ولهذا قال الإمام الشافعي ﵀: ((كل عمل لك أن لا تدخل فيه فإذا دخلت فيه وخرجت منه فليس عليك أن تَقْضِيَ إلا الحج والعمرة))، ولم يقع الإجماع على لزوم نافلةٍ بالشروع فيها سوى الحج والعمرة (٥)، ولكن إذا اشترط عند الإحرام فقال: ((لبيك اللهم لبيك، فإن حبسني حابسٌ فمحلِّي حيث حَبستني))، فلا شيء عليه إذا حبسه حابس ومنعه عن إتمام حجه أو عمرتِهِ النافلتين: والله تعالى أعلم.
стр. 468
المبحث السابع والعشرون: فضائل وخصائص العشر الأواخرمن رمضان
العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك لها فضائلها وخصائصها كثيرة وعظيمة، وجليلة، ومنها ما يأتي:
أولاً: كان النبي ﷺ يجتهد فيها بالعمل الصالح ما لا يجتهد في غيرها، فعن عائشة ﵂، قالت: ((كان رسول الله ﷺ يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره)) (١).
وعنها ﵂ قالت: ((كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر أحيى الليل، وأيقظ أهله، وجدَّ، وشدَّ المئزر)) (٢).
قال الإمام النووي ﵀: ((اختلف العلماء ﵏ في معنى شدِّ المئزر، فقيل: هو الاجتهاد في العبادات، يقال: شددت لهذا الأمر مئزري: أي تشمَّرت له وتفرَّغت، وقيل: هو كناية عن اعتزال النساء للاشتغال بالعبادات، وقولها: ((أحيا الليل)) أي استغرقه بالسهر في الصلاة وغيرها، وقولها: ((وأيقظ أهله)):أي أيقظهم للصلاة في الليل، وجدّ في العبادة زيادة على العادة، ففي هذا الحديث: أنه يستحب أن يزاد من العبادات في العشر الأواخر من رمضان، واستحباب إحياء لياليه بالعبادات، وأما قول أصحابنا: يكره قيام الليل كله، فمعناه على الدوام، ولم يقولوا بكراهة ليلة أو ليلتين، والعشر)) (٣).
стр. 469
ففي هذين الحديثين دليل على فضيلة هذه العشر المباركة؛ لأن النبي ﷺ كان يجتهد فيها أكثر مما يجتهد في غيرها، وهذا شامل للاجتهاد في جميع أنواع العبادة: من صلاةٍ، وقرآن، وذكر، وصدقة، وغيرها؛ ولأن النبي ﷺ كان يُحيي ليله بالقيام، والقراءة، والذكر: بقلبه، ولسانه، وجوارحه؛ لشرف هذه الليالي، وطلباً لليلة القدر، وظاهر الحديث أنه كان ﷺ يحيي الليل كله، في عبادة ربه: من الذكر، والقراءة، والصلاة، والاستعداد لذلك بالسحور، وغير ذلك، وبهذا يحصل الجمع بينه وبين ما في حديث عائشة ﵂ الآخر، قالت: (( ... ولا أعلم أن النبي ﷺ قرأ القرآن كله في ليلة، ولا صلى ليلة إلى الصبح ... )) (١)؛لأن إحياء الليل الثابت في العشر يكون بالقيام وغيره من أنواع العبادات، والذي نفت عائشة ﵂ إحياء الليل بالقرآن فقط، والله أعلم.
ومما يدل على فضيلة هذه العشر من هذا الحديث: أن النبي ﷺ كان يوقظ أهله فيه للصلاة، والذكر، حرصاً على اغتنام هذه الليالي المباركة، بما هي جديرة به من العبادة؛ ولأنها فرصة العمر، وغنيمة لمن وفقه الله تعالى، فلا ينبغي للمؤمن أن يُفوِّت هذه الفرصة العظيمة الثمينة على نفسه وأهله، فما هي إلا ليالٍ معدودة وربما يدرك فيها الإنسان نفحةً من نفحات المولى فتكون سعادةً له في الدنيا والآخرة (٢).
стр. 470
ثانياً: من خصائص وفضائل العشر الأواخر من رمضان: أن النبي ﷺ كان يعتكف فيها كما قالت عائشة ﵂: ((كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله ثم اعتكف أزواجه من بعده)) (١)؛ ولحرصه العظيم على الخير اعتكف في العام الذي توفي فيه عشرين يوماً، فعن أبي هريرة ﵁ قال: ((كان النبي ﷺ يعتكف في كل رمضان عشرة أيام فلما كان العام الذي قُبض فيه اعتكف عشرين يوماً))، وكذلك جاء في رواية لهذا الحديث أن النبي ﷺ كان يعرض القرآن على جبريل كل عام مرة، فلما كان العام الذي قبض فيه عرضه عليه مرتين، ولفظ هذه الرواية: ((كان يعرض (٢) على النبي ﷺ القرآن كل عام مرة، فعرض عليه مرتين في العام الذي قُبِض فيه، وكان يعتكف في كل عام عشراً، فاعتكف عشرين في العام الذي قُبِضَ فيه)) (٣).
وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: ((هذا يدل على أن المؤمن كلما زاد في العمر زاد في العمل الصالح)) (٤).
ثالثاً: من خصائص وفضائل العشر الأواخر: أن فيها ليلة القدر ، التي هي خير من ألف شهر، فالعمل الصالح فيها أفضل من العمل في ثلاثٍ وثمانين سنة وأربعة أشهر، فمن حُرم خير هذه الليلة فقد
стр. 471
حُرم الخير كله، ولا يُحرمها إلا محروم، ومن وُفِّق لقيام هذه الليلة غُفر له ما تقدم من ذنبه، وهذه فضائل عظيمة.
رابعاً: من فضائل وخصائص العشر الأواخر من رمضان: أن النبي ﷺ أمَرَ أمْرَ استحبابٍ بتحرِّي ليلة القدر فيها، فقال: ((تحرُّوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان)) (١).
خامساً: من أعظم خصائص وفضائل العشر الأواخر: أن الله تعالى أنزل القرآن فيها في ليلة القدر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْر﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾ (٣).
سادساً: من خصائص وفضائل هذه العشر: أن الله أخفى ليلة القدر في هذه العشر رحمةً بعباده؛ ليَكْثُرَ عملهم في طلبها في هذه الليالي العشر، بالصلاة، والذكر، والدعاء، فيزدادوا قُربةً من الله وثواباً، وأخفاها اختباراً لهم أيضاً؛ لِيَتَبَيَّنَ بذلك من كان جاداًّ في طلبها، حريصاً عليها، ممن كان كسلان متهاوناً؛ فإنَّ من حرص على شيءٍ جَدَّ في طلبه، وهان عليه التعب في سبيل الوصول إليه، والظفر به، واللهُ المستعان (٤).
стр. 472
المبحث الثامن والعشرون: فضائل تلاوة القرآن الكريم في رمضان وغيره وآدابها وأثرها
القرآن أنزله الله تعالى في شهر رمضان، كما قال : ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ (١) وكان هذا الإنزال في ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان كما قال : ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْر﴾ (٢)، وقال : ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِين﴾ (٣).
ولأهمية هذا القرآن العظيم والاهتمام به في رمضان وغيره، فقد كان النبي ﷺ يعرضه على جبريل في كل عام مرة في شهر رمضان، وعرضه في العام الذي توفي فيه مرتين (٤) وهذا يؤكد الأهمية العظمى بالقرآن في رمضان وفي غيره، وسأذكر جملاً مختصرة في هذا المبحث تدل على أهمية هذا الكتاب المبين، وأثره على النفوس، والأرواح، على النحو الآتي:
أولاً: مفهوم القرآن العظيم:
القرآن كلام الله: حروفه، ومعانيه، منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، وهو المعجزة العُظمى، المتعبّد بتلاوته، المبدوء في المصحف بفاتحة الكتاب المختوم بسورة الناس، تكلم الله به، وسمعه جبريل من الله تعالى، وسمعه محمد رسول الله ﷺ من جبريل، وسمعه الصحابة من
стр. 473
محمد ﷺ قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِين * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِين * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِين *بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِين﴾ (١).
ثانياً: صفات القرآن الكريم:
له صفات عظيمة يعجز البشر عن حصرها، ولكن من هذه الصفات الآتية:
١ - كتاب عام للعالمين: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (٢).
٢ - المعجزة العظمى، الذي تحدَّى الله به الإنس والجن على أن يأتوا بمثله ، أو بعشر سور من مثله أو بسورة واحدة، فعجزوا مجتمعين ومتفرقين عن الإتيان بشيء من ذلك، قال الله : ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لاَّ يُؤْمِنُون* فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِين﴾ (٤)،وبعد هذا التحدّي عجزوا أن يأتوا بمثله، فمدَّ لهم في الحبل وتحدَّاهم بعشر سور مثله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ الله إِن كُنتُمْ صَادِقِين﴾ (٥) فعجزوا، فأرخى لهم في الحبل، وتحدَّاهم
стр. 474
بسورة مثله، قال الله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ الله إِن كُنتُمْ صَادِقِين﴾ (١).
وقد سمع هذا التحدِّي من سمع القرآن وعرفه الخاص والعام، ولم يتقدم أحد على أن يأتي بسورة مثله من حين بعث النبي ﷺ إلى هذا اليوم (٢) وإلى قيام الساعة، والقرآن يشتمل على آلاف المعجزات؛ لأنه مائة وأربع عشرة سورة، وقد وقع التحدي بسورة واحدة، وأقصر سورة في القرآن سورة الكوثر، وهي ثلاث آيات قصار، والقرآن يزيد بالاتفاق على ستة آلاف آية ومائتي آية، ومقدار سورة الكوثر من آيات أو آية طويلة على ترتيب كلماتها له حكم السورة الواحدة، ويقع بذلك التحدي والإعجاز؛ ولهذا كان القرآن يُغني عن جميع المعجزات الحسِّية والمعنوية؛ لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وإعجازه في وجوه كثيرة: الإعجاز البلاغي والبياني كما تقدم والإخبار عن الغيوب بأنواعها، والإعجاز التشريعي، والإعجاز العلمي الحديث؛ ولهذا قال النبي ﷺ : ((ما من الأنبياء نبي إلا أُعطي من الآيات على ما مثله آمن البشر، وإنما كان الذي أُتيته وحياً أوحاه الله إليَّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة)) (٣).
٢١ - عليٌّ حكيم: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيم﴾ (١).
٢٢ - بصائرُ للناس: ﴿هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمِ يُوقِنُون﴾ (٢).
٢٣ - قرآنٌ مجيدٌ: ﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيد﴾ (٣).
٢٤ - قرآنٌ كريمٌ: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيم*فِي كِتَابٍ مَّكْنُون * لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُون*تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِين﴾ (٤).
٢٥ - لو أنزله الله على الجبال لخشعت ، وتصدَّعت من خشيته تعالى: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ الله وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون﴾ (٥).
٢٦ - يهدي إلى الحقِّ وإلى طريقٍ مستقيم، ومصدِّقٌ لما بين يديه: ﴿قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيم﴾ (٦).
٢٧ - يهدي إلى الرُّشد: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا*يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ (٧).
٢٨ - في لوحٍ محفوظ: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيد * فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظ﴾ (٨).
٢٩ - القرآن وصيَّة رسول الله ﷺ -، فقد أوصى به في عدة أحاديث منها
стр. 479
الأحاديث الآتية:
الحديث الأول: حديث عبد الله بن أبي أوفى ﵁،فقد سُئل: هل أوصى رسول لله ﷺ ؛قال: ((أوصى بكتاب الله )) (١).
والمراد بالوصية بكتاب الله: حفظه حِسَّاً ومعنىً، فيُكرم، ويُصان، ويُتّبع ما فيه، فَيُعمل بأوامره، ويجتنب نواهيه، ويداوم على تلاوته، وتعلُّمه، وتعليمه، ونحو ذلك (٢).
الحديث الثاني: حديث جابر ﵁ في صفة حجة النبي ﷺ ، وفيه أن النبي ﷺ قال في خطبته في عرفات: (( ... وقد تركت فيكم ما لن تضلُّوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله، وأنتم تُسألون عني فماذا أنتم قائلون؟)) قالوا: نشهد أنك قد بلغت، وأديت ونصحت، فقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: ((اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد ... )) (٣).
الحديث الثالث: حديث ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ خطب الناس في حجة الوداع فقال: ((إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم، ولكن رضي أن يُطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا، إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلُّوا أبداً: كتاب الله وسنة نبيه ... )) (٤).
стр. 480
الحديث الرابع: حديث زيد بن أرقم ﵁ أن النبي ﷺ قال لهم في غدير خم [بين مكة والمدينة] (١)، وفيه: (( ... وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور [هو حبل الله من اتبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على الضلالة] فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به))، فحث على كتاب الله، ورغَّب فيه ... )) (٢).
الحديث الخامس: حديث أبي ذر ﵁، قال: قلت: يا رسول الله أوصني قال: ((أوصيك بتقوى الله؛ فإنه رأس الأمر كلِّه))، (قلت: يا رسول الله زدني، قال: ((عليك بتلاوة القرآن وذكر الله؛ فإنه نورٌ لك في الأرض وذخرٌ لك في السماء)) (٣).
فقد جاءت هذه الأحاديث تدل على أن رسول الله ﷺ أوصى بكتاب الله تعالى في عِدَّةِ مواقف: في خطبة عرفات، وفي خطبة أيام منى، وفي خطبته في غدير خم بين مكة والمدينة، وعند موته ﷺ ، وهذا يدل على أهمية كتاب الله .
٣٠ - والقرآن العظيم: من ابتغى الهُدى من غيره أضلّه الله ، وهو حبل الله
стр. 481
المتين، ونوره المبين، والذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا تتشعَّب معه الآراء، ولا يشبع منه العلماء، ولا يملّه الأتقياء، ولا يخلق على كثرة الردِّ، ولا تنقضي عجائبه، من عَلِم علمه سبق، ومن قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أُجِر، ومن دعا إليه هُدِيَ إلى صراط مستقيم (١).
ثالثاً: تأثير القرآن في النفوس والقلوب جاء على أنواع:
النوع الأول: تأثير القرآن في القلوب والنفوس كما جاء في القرآن الكريم
القرآن العظيم مُؤثِّر في القلوب والنفوس والأرواح؛ لأنه كلام العليم الخبير بما يصلح هذه القلوب والنفوس في الدنيا والآخرة، ومن هذا التأثير ما يأتي:
١ - تأثيره على علماء أهل الكتاب وغيرهم من أهل العقول ، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِين﴾ (٢).
٢ - الذين أوتوا العلم من قبله يتأثَّرون به ، قال الله تعالى: ﴿قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولا *
стр. 482
وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ (١).
٣ - الذين أنعم الله عليهم إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خرُّوا سُجَّداً وبُكِيّاُ: قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ (٢).
٤ - من علامات الإيمان التأثر بالقرآن وزيادة الإيمان ، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُون﴾ (٣).
٥ - المُؤمنون الصادقون في إيمانهم ، الخائفون من ربهم، تقشَعِرُّ جلودهم عند قراءة القرآن، قال سبحانه: ﴿الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ الله ذَلِكَ هُدَى الله يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء وَمَن يُضْلِلْ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَاد﴾ (٤).
٦ - الصادقون مع الله تخشع قلوبهم لذكر الله ، قال : ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ الله وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلاَ يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ
стр. 483
وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُون﴾ (١). وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: ((ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية ... إلا أربع سنين)) (٢)، وثبت أيضاً من حديث عامر بن عبد الله بن الزبير أن أباه أخبره أنه لم يكن بين إسلامهم وبين أن أنزلت هذه الآية يعاتبهم الله بها إلا أربع سنين (٣).
النوع الثاني: تأثير القرآن في القلوب والنفوس كما جاء ذلك في سنة النبي ﷺ -:
وجاءت الأحاديث تدل على خشوع النبي ﷺ وتأثُّره بقراءة القرآن الكريم ومن ذلك:
١ - أمر النبي ﷺ أن يقرأ عليه القرآن فبكى، فعن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: قال لي رسول الله ﷺ : ((اقرأ عليَّ القرآن))،قال: فقلت: يا رسول الله أأقرأ عليك وعليك أنزل؟ فقال: ((إني أشتهي أن أسمعه من غيري))، وفي لفظ للبخاري: ((فإني أحب أن أسمعه من غيري))، فقرأت عليه النساء حتى إذا بلغت: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا﴾ (٤)، وفي لفظ للبخاري: ((فقال حسبك الآن))، فرفعت رأسي، أو غمزني رجلٌ فرفعت رأسي، فرأيت دموعه تسيل))،
стр. 484
وفي لفظ للبخاري: ((فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان)) (١).
٢ - وعن أنس بن مالك ﵁:أن رسول الله ﷺ قال لأبيّ بن كعب: ((إن الله أمرني أن أقرأ عليك))، قال: آلله سمَّاني لك؟ قال: ((الله سمَّاك لي))، قال فجعل أُبيّ يبكي))، وفي رواية: ((إن الله أمرني أن أقرأ عليك: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٢) قال: وسمَّاني لك؟ قال: ((نعم)) قال: فبكى (٣).
٣ - وعن عائشة ﵂ في حديث طويل ذكرت فيه صلاة النبي ﷺ بالليل وأنه بكى مرات، قالت: ((فجاء بلال يؤذنه بالصلاة فلما رآه يبكي، قال: يا رسول الله لم تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: ((أفلا أكون عبداً شكوراً؛ لقد نزلت عليَّ الليلة آية ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ... ﴾ (٤) الآية كلها (٥).
стр. 485
٤ - وعن عبد الله بن عمرو ﵄: أن النبي ﷺ تلا قول الله في إبراهيم: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ (١) الآية، وقال عيسى ﵇: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم﴾ (٢) الآية. فرفع يديه وقال: ((اللهم أمتي أمتي))، وبكى فقال الله : ((يا جبريل اذهب إلى محمد وربُّك أعلم فسله ما يبكيك؟ فأتاه جبريل ﵇ فسأله، فأخبره رسول الله ﷺ بما قال وهو أعلم، فقال الله: يا جبريل! اذهب إلى محمد فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك)) (٣).
٥ - وعن أبي ذر ﵁، قال: قام النبي ﷺ بآية حتى أصبح يردِّدها، والآية: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم﴾ (٤)(٥)، ولم يكن النبي ﷺ يبكي بشهيق ورفع صوت، كما لم يكن ضحكه قهقهةً، ولكن كانت تدمع عيناه حتى تهملان، ويسمع لصدره أزيز، وكان بكاؤه: تارة رحمة للميت، وتارة خوفاً على أمَّتِهِ وشفقة عليها، وتارة خشيةً لله تعالى، وتارة عند سماع القرآن، وهو بكاءُ اشتياقٍ ومحبةٍ
стр. 486
وإجلالٍ (١)(٢).
النوع الثالث: تأثير القرآن الكريم على القلوب والأرواح والنفوس كما جاء في الآثار عن السلف الصالح:
١ - ثبت عن جبير بن مطعم ﵁:أنه قال: سمعت النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالطُّور، فلمَّا بلغ هذه الآية: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُون* أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لاَّ يُوقِنُون * أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُون﴾ (٣) كاد قلبي أن يطير [وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي])) (٤).وهذا من أعظم البراهين على تأثير القرآن في القلوب.
٢ - ذُكِر عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه صلى بالجماعة صلاة الصبح، فقرأ سورة يوسف فبكى حتى سالت دموعه على ترقوته، وفي رواية: أنه كان في صلاة العشاء، فيدل على تكريره منه، وفي رواية أنه بكى حتى سمع بكاؤه من وراء الصفوف (٥).
стр. 487
٣ - وذُكِر أنه قدم أُناس من أهل اليمن على أبي بكر الصديق ﵁، فجعلوا يقرؤون القرآن ويبكون فقال أبو بكر الصديق ﵁: ((هكذا كنَّا ثم قست القلوب)) (١).
٤ - وذُكِرَ عن أبي رجاء قال: رأيت ابن عباس وتحت عينيه مثل الشراك (٢) البالي من الدموع (٣).
والذي جعل النبي ﷺ يبكي من خشية الله تعالى، هو علمه بالله تعالى، وأسمائه، وصفاته، وعظمته، وعلمه بما أخبر الله به من أمور الآخرة؛ ولهذا كان أبو هريرة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : ((لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً))،وفي لفظ: قال: قال أبو القاسم ﷺ : ((والذي نفسي بيده لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيراً ولضحكتم قليلاً)) (٤).
وعن أنس ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً)) (٥).
стр. 488
وعن أبي ذر ﵁ في حديث طويل عن النبي ﷺ وفيه قوله ﷺ : (( ... والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، وما تلذذتم بالنساء على الفُرُشات، ولخرجتم إلى الصُّعُداتِ تجأرون إلى الله ... )) (١).
وهكذا أصحابه ﵃ وأتباعهم بإحسان: علمهم بالله تعالى وبما أخبر به عن الدار الآخرة جعلهم يخشون الله تعالى ويتأثرون بكلامه .
رابعاً: تدبر القرآن العظيم: علاج لجميع أمراض القلوب والأرواح:
لا شك أن تدبُّر القرآن الكريم هو العلاج الأعظم للقلوب، والحث على التدبر جاء على أنواع:
النوع الأول: حض القرآن الكريم على التدبر:
١ - قال الله تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا﴾ (٢)، فقد أمر الله تعالى بتدبر كتابه، وهو التأمُّل في معانيه، وتحديد الفكر فيه، وفي مبادئه وعواقبه، ولوازم ذلك؛ فإن تدبر كتاب الله مفتاحٌ للعلوم والمعارف، وبه يُستنتج كل خير، وتُستخرج كل العلوم، وبه يزداد الإيمان في القلب، وترسخ شجرته؛ فإنه يُعرِّف بالرب المعبود وماله من صفات الكمال، وما ينزَّه عنه من صفات النقص، ويُعرِّف الطريق الموصل إليه، وصفة أهلها،
стр. 489
وما لهم عند القدوم عليه، ويعرِّف العدو الذي هو العدو على الحقيقة والطريق الموصلة إلى العذاب، وصفة أهلها، وما لهم عند وجود أسباب العقاب، وكلما ازداد العبد تأملاً فيه ازداد: علماً، وعملاً, وبصيرة (١).
٢ - قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَاب﴾ (٢)، فهذا الكتاب فيه خيرٌ كثيرٌ، وعِلْم غزير، فيه كل هدى من ضلالة، وشفاء من كل داء، ونور يُستضاء به في الظلمات، وكل حكم يحتاج إليه المكلَّفون، وهذا كله من بركته والحكمة من إنزاله؛ ليتدبر الناس آياته، وفي هذه الآية: الحثُّ على تدبر القرآن، وأنه من أفضل الأعمال، ومن فضائل التدبر: أن العبد يصل به إلى درجة اليقين، والعلم بأن القرآن كلام الله تعالى؛ لأنه يراه يصدق بعضه بعضاً، ويوافق بعضه بعضاً (٣).
٣ - قال الله تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (٤)، فَهلاَّ يتدبر هؤلاء المعرضون لكتاب الله ويتأمَّلونه حق التأمُّل؛ فإنهم لو تَدَبَّروه لدلَّهم على كل خير ولحذَّرهم من كل شر، ولملأ قلوبهم من الإيمان، وأفئدتهم من الإيقان؛ ولأوصلهم إلى المطالب العالية، والمواهب الغالية ... ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ أي قد أُغْلِقَ على ما
стр. 490
فيها من الشر، وأقفلت فلا يدخلها خير أبداً، هذا هو الواقع ... (١).
النوع الثاني: حض النبي ﷺ على تدبر القرآن:
ما ثبت عن النبي ﷺ من ترغيب في القرآن، وبيان فضائله، وبيان فضائل حافظ القرآن، يستفاد منه الحث على تدبر القرآن. وقد جاء تدبر القرآن من فعله ﷺ أيضاً في أحاديث كثيرة ومنها:
١ - حديث حذيفة ﵁، قال: صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى يصلي، فقلت: يُصلِّي بها في ركعة، فمضَى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسِّلاً، إذا مرَّ بآية تسبيح سبَّح، وإذا مرَّ بسؤالٍ سأل، وإذا مرَّ بتعوّذ تعوّذ ... )) (٢).
٢ - حديث عوف بن مالك ﵁،قال: قمت مع رسول الله ﷺ ليلة فقرأ سورة البقرة، لا يَمُرُّ بآية رحمة إلا وقف فسأل، ولا يمر بآية عذاب إلا وقف وتعوذ ... )) (٣).
٣ - عن أبي جحيفة ﵁، قال: قالوا: يا رسول الله نراك قد شبت قال: ((قد شيَّبتني هود وأخواتها)) (٤)، وعن ابن عباس ﵄ قال: قال أبو
стр. 491
بكر: يا رسول الله قد شبت قال: ((شيَّبتني: هود، والواقعة، والمرسلات، وعم يتساءلون، وإذا الشمس كوِّرت)) (١).
وهذا يدل على كمال تدبره ﷺ للقرآن حق التدبر.
النوع الثالث: حث الصحابة ﵁ على تدبر القرآن:
١ - قال أمير المؤمنين عثمان ﵁: ((لو طَهُرَتْ قلوبكم ما شبعتم من كلام ربكم)) (٢).
٢ - وقال عبد الله بن مسعود ﵁: ((من أحب القرآن فهو يحب الله ورسوله)) (٣).
٣ - وقال خبَّاب بن الأرتِّ ﵁: ((تقرَّبْ إلى الله ما استطعت واعلم أنك لن تتقرب بشيء أحبّ إليه من كلامه)) (٤).
٤ - وقال عبد الله بن مسعود ﵁: ((من أراد العلم، فليقرأ القرآن؛ فإن فيه علم الأولّين والآخرين)) (٥).
٥ - وقال الحسن بن علي ﵄: ((إنَّ من كان قبلكم رأوا القرآن رسائل من ربهم، فكانوا يتدبَّرونها بالليل، ويتفقَّدونها في النهار)) (٦).
стр. 492
النوع الرابع: حث العلماء على تدبر القرآن وتعظيمهم لذلك:
لا شك أن من أحبَّ القرآن تدبَّره، وأقبل على التلذّذ بتلاوته، وهذا دليل على محبته للمتكلِّم به سبحانه؛ ولهذا قال أبو عبيد ﵀: ((لا يسأل عبدٌ نفسه إلا بالقرآن، فإن كان يحب القرآن فهو يحب الله ورسوله)) (١).
وقد تكلم العلماء رحمهم الله تعالى في الحث على تدبر القرآن العظيم، ومن أبرز من حث على ذلك من الأئمة ابن القيم ﵀ في كتبه، فقد ذكر ﵀: أنّ تدبر القرآن مع الخشوع عند قراءته هو المقصود والمطلوب، فبه تنشرح الصدور، وتستنير القلوب، قال ﵀: ((إذا أردت الانتفاع بالقرآن فاجمع قلبك عند تلاوته، وسماعه، وألقِ سمعك، واحْضُر حضور من يخاطبه به من تكلم به، منه إليه، فتمام التأثير موقوف على: مؤثر مقتضٍ، ومحلٍ قابلٍ، وشرطٍ لحصول الأثر، وانتفاء المانع الذي يمنع منه، وقد تضمن ذلك كله قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيد﴾)) (٢).
فقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى﴾ إشارة إلى ما تقدم من أول السورة إلى ها هنا، وهذا هو المؤثر.
وقوله: ﴿لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ القلب الحي، وهذا هو المحل القابل، كما قال
стр. 493
الله تعالى: ﴿لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾ أي وجّه سمعه وأصغى حاسة سمعه إلى ما يقال له، وهذا شرط التأثر بالكلام.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ شَهِيد﴾ أي شاهد القلب حاضر غير غائب، واستمع كتاب الله، وشاهد القلب والفهم ليس بغافل ولا ساهٍ، وهذا إشارة إلى المانع من حصول التأثير، وهو سهو القلب وغيبته عما يقال له، والنظر فيه، وتأمله.
فإذا حصل المؤثر: وهو القرآن، والمحل القابل: وهو القلب الحي، ووجد الشرط: وهو الإصغاء، وانتفى المانع: وهو اشتغال القلب وذهوله عن معنى الخطاب وانصرافه عنه إلى شيء آخر حصل الأثر، وهو: الانتفاع، والتذكر (٢).
فلا بد من تدبر القرآن، وتعقّله، والتفكر في معانيه وقد أمر الله بذلك.
قال الإمام ابن القيم ﵀: ((القرآن حياة القلوب، وشفاء لما في الصدور ... فبا لجملة فلا شيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتدبر، والتفكر ... وهذا الذي يورث المحبة، والشوق، والخوف، والرجاء، والإنابة، والتوكل، والرضا، والتفويض، والشكر، والصبر، وسائر الأحوال التي بها حياة القلب وكماله. وكذلك يزجر عن جميع الصفات والأفعال المذمومة التي بها فساد القلب وهلاكه فلو علم الناس ما في قراءة
стр. 494
القرآن بالتدبر لاشتغلوا بها عن كل ما سواها))، فإن العبد إذا قرأه بالتدبر حتى مرَّ بآية وهو محتاج إليها في شفاء قلبه كررها ولو مائة مرة، ولو ليلة، فقراءة آية بتفكر وتفهم خير من قراءة ختمةٍ بغير تدبر وتفهم، وأنفع للقلب، وأدعى إلى حصول الإيمان، وذوق حلاوة الإيمان والقرآن، وهذه كانت عادة السلف يردِّد أحدهم الآية إلى الصباح، وقد تقدم أنه ثبت عن النبي ﷺ أنه قام بآية يُردِّدُها إلى الصباح وهي قوله تعالى: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم﴾ (١).
وقد أخبر الله تعالى في القرآن: أن أهل العلم هم الذين ينتفعون بالقرآن، فقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُون﴾ (٢) وفي القرآن الكريم بضعة وأربعون مثلاً (٣)،وقد كان بعض السلف الصالح، وهو عمرو بن مرة: إذا مرَّ بِمَثَلٍ من أمثال القرآن ولم يفهمه يبكي ويقول: ((لست من العالمين)) (٤)،ولابد لمن تدبر القرآن أن يجاهد بقلبه وفكره؛ لينال هذا العلم العظيم، وقد قال يحيى بن أبي كثير: ((لا يُنال العلم براحة الجسم)) (٥)،ولا ينال العلم إلا بهجر اللذات وتطليق
стр. 495
الراحة، ولا ينال درجة وراثة النبوة مع الراحة (١)، ولا شك أن التأمل في القرآن هو: تحديد ناظر القلب إلى معانيه وجمع الفكر على تبصره، وتعقله، وهو المقصود بإنزاله، لا مجرد تلاوته بلا فهم، قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَاب﴾ (٢)،وقال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُون﴾ (٣).
وينبغي للإنسان أن يبتعد عن مفسدات القلب الخمسة التي تحول بينه وبين التدبر، وتحول بينه وبين كل خير، وهي: التمنِّي، وخلطة الناس، والتعلق بغير الله تعالى، وكثرة الطعام أو المحرمات، وكثرة النوم؛ فإنها مفسدات للقلوب (٤).
والتدبر للقرآن والعمل به هو المقصود من إنزاله.
ولهذا قيل: ذهاب الإسلام على يدي أربعة أصناف من الناس: صنف لا يعملون بما يعلمون، وصنف يعملون بما لا يعلمون، وصنف لا يعملون ولا يعلمون، وصنف يمنعون الناس من التعلم (٥).
وليحذر المسلم من هجر القرآن؛ فإن هجرهُ خمسة أنواع:
النوع الأول: هجر سماعه والإيمان به والإصغاء إليه .