الصيام في الإسلام
في ضوء الكتاب والسنة
مفهومٌ، وفضائلُ، وفوائدُ، وخصائصُ، وشروط، وأركان، ومسائل، وآداب، وحكمٌ، وأحكامٌ
تأليف الفقير إلى الله تعالى
د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني
стр. 2
٤ - الصيام في الإسلام في ضوء الكتاب والسنة
مركز الدعوة والإرشاد بالقصب، ١٤٣١هـ
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر.
القحطاني، سعيد بن علي بن وهف
أركان الإسلام./ سعيد بن علي بن وهف القحطاني - القصب، ١٤٣١هـ
٥ مج.
ردمك: ٥ - ٠ - ٩٠١٧٩ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (مجموعة)
٣ - ٤ - ٩٠١٧٩ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (ج٤)
(خمسة أجزاء في صندوق واحد)
١ - الإسلام ٢ - العبادات (فقه إسلامي) ٣ - التربية الإسلامية.
أ. العنوان
ديوي ٢٥٢ ... ... ... ... ... ... ... ... ... ٤٣٩٦/ ١٤٣١
رقم الإيداع: ٤٣٩٦/ ١٤٣١
ردمك: ٥ - ٠ - ٩٠١٧٩ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (مجموعة)
٣ - ٤ - ٩٠١٧٩ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (ج٤)
الطبعة الأولى: شعبان ١٤٢٨هـ- ٢٠٠٨م
الطبعة الثانية: شوال ١٤٣١هـ- ٢٠١٠م
стр. 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فهذه رسالة في ((الصيام في الإسلام)) بيّنت فيها بإيجاز: كل ما يحتاجه المسلم في صيامه، وقرنت ذلك بالأدلة من الكتاب والسنة، فما كان من صواب فمن الله الواحد المنَّان، وما كان من خطأ أو تقصير: فمني ومن الشيطان، والله بريء منه ورسوله ﷺ (١).
وقد استفدت كثيراً من تقريرات وترجيحات شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز، رفع الله منزلته، وغفر له، وجزاه عني وعن المسلمين خيراً.
وقد قسمت البحث إلى عدة مباحث على النحو الآتي:
стр. 4
المبحث الأول: مفهوم الصيام: لغة، وشرعاً.
المبحث الثاني: فضائل الصيام وخصائصه.
المبحث الثالث: فوائد الصيام ومنافعه العظيمة.
المبحث الرابع: فضائل شهر رمضان وخصائصه.
المبحث الخامس: حكم صيام شهر رمضان ومراتب فرضيته.
المبحث السادس: ثبوت دخول شهر رمضان وخروجه.
المبحث السابع: أنواع الصيام وأقسامه.
المبحث الثامن: شروط الصيام.
المبحث التاسع: أركان الصيام.
المبحث العاشر: تيسير الله تعالى في الصيام.
المبحث الحادي عشر: أهل الأعذار المبيحة للفطر في نهار رمضان.
المبحث الثاني عشر: المفطرات: مفسدات الصيام.
المبحث الثالث عشر: شروط المفطرات.
المبحث الرابع عشر: الصيام في بلاد يطول فيها النهار.
المبحث الخامس عشر: آداب الصيام الواجبة.
المبحث السادس عشر: محرمات الصيام.
المبحث السابع عشر: آداب الصيام المستحبة.
المبحث الثامن عشر: مكروهات الصيام.
المبحث التاسع عشر: مباحات الصيام.
المبحث العشرون: قضاء الصيام.
المبحث الحادي والعشرون: صلاة التراويح.
المبحث الثاني والعشرون: أخطاء يقع فيها بعض الصائمين.
المبحث الثالث والعشرون: صيام التطوع.
المبحث الرابع والعشرون: الصيام المحرم والمكروه.
المبحث الخامس والعشرون: ليلة القدر.
المبحث السادس والعشرون: الاعتكاف.
المبحث السابع والعشرون: فضائل وخصائص العشر الأواخر.
стр. 5
المبحث الثامن والعشرون: فضائل تلاوة القرآن الكريم في رمضان وغيره، وآدابها وأثرها.
المبحث التاسع والعشرون: زكاة الفطر من رمضان.
المبحث الثلاثون: آداب العيد.
والله أسأل أن يجعل هذا العمل القليل مباركاً، نافعاً، خالصاً لوجهه الكريم، مقرّباً لمؤلفه، وقارئه، وناشره من الفردوس الأعلى، أعلى جنات النعيم، وأن ينفعني به في حياتي وبعد مماتي، وأن ينفع به كلَّ من انتهى إليه؛ إنه سميع مجيب، قريب، خير مسؤول، وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم، وبارك على خيرته من خلقه، وأمينه على وحيه، نبينا وإمامنا وأسوتنا محمد بن عبد الله، وعلى آله، وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أبو عبد الرحمن
سعيد بن علي بن وهف القحطاني
حرر بعد عصر يوم الأحد ٢٦/ ٤/١٤٢٨هـ.
стр. 6
المبحث الأول: مفهوم الصيام: لغة وشرعاً
١ - الصوم والصيام لغة: الإمساك (١)، يقال: صام النهار إذ وقف سير الشمس، قال الله تعالى إخباراً عن مريم: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ (٢) أي: صمتاً؛ لأنه إمساك عن الكلام، ويفسره قوله تعالى:
﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ (٣).
وقال الشاعر النابغة الذبياني:
خَيْلٌ صِيامٌ وخَيْلٌ غَيْرُ صَائِمَةٍ ... تَحْتَ العَجَاجِ وأُخْرَى تَعْلُكُ اللُّجُمَا
يعني بالخيل الصائمة: القائمة بلا اعتلاف، وقيل: الممسكة عن الصهيل (٤).
والصيام: مصدر صام يصوم صوماً وصياماً (٥).
٢ - الصوم شرعاً: قيل: ((هو عبارة عن إمساك مخصوص: وهو
стр. 7
الإمساك عن الأكل، والشرب، والجماع من الصبح إلى المغرب مع النية)) (١).
وقيل: هو عبارة عن إمساك عن أشياء مخصوصة في وقت مخصوص (٢).
وقيل: ((هو عبارة: عن إمساك مخصوص، في وقت مخصوص، على وجه مخصوص)) (٣).
وقيل: ((هو الإمساك عن المفطر على وجه مخصوص)) (٤).
وقيل: ((إمساكٌ بِنِيَّةٍ عن أشياء مخصوصة، في زمن معيَّن، من شخص مخصوص)) (٥).
وقيل: ((هو: الإمساك عن الأكل والشرب والجماع وغيرها مما ورد به الشرع في النهار على الوجه المشروع)) (٦)(٧).
وقيل: الإمساك عن الأكل والشرب والجماع، وغيرها مما ورد به
стр. 8
الشرع في النهار على الوجه المشروع، ويتبع ذلك الإمساك عن الرفث والجهل وغيرها من الكلام المحرم والمكروه (١).
وقيل: إمساك مخصوص من شخص مخصوص، عن شيء مخصوص، في زمنٍ مخصوص (٢).
و المختار في تعريف الصيام شرعاً: أن يُقال:
((هو التعبد لله تعالى بالإمساك بنية: عن الأكل، والشرب، وسائر المفطرات، من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس، من شخص مخصوص، بشروط مخصوصة)) (٣).
وسمي الصيام صبراً؛ لحديث: ((صوم شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر يذهبن وحر الصدر)) (٤)(٥).
وقد قيل: إنه عُني بقوله: ﴿وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ﴾ (٦)؛ لأن
стр. 9
الصائم يُصبِّر نفسه عن شهواتها (١).
وسمي أيضاً: السياحة (٢).
стр. 10
المبحث الثاني: فضائل الصيام وخصائصه
الصيام له فضائل وخصائص عظيمة على النحو الآتي:
١ - الصيام من الأعمال التي يُعِدُّ الله بها المغفرة والأجر العظيم ؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ الله كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ الله لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١).
٢ - الصيام خير للمسلم لو كان يعلم ؛ لقول الله تعالى: ﴿وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُون﴾ (٢).
٣ - الصيام سبب من أسباب التقوى ؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾ (٣).
٤ - الصوم جُنة، يستجنُّ بها العبد المسلم من النار ؛ لحديث جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((قال ربنا : الصيامُ جنةٌ يستجنُّ بها العبدُ من النار (٤)،
стр. 11
وهو لي وأنا أجزي به)) (١).
وعن كعب بن عُجرة ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : ((أُعيذك بالله يا كعبَ بن عُجْرَةَ من أُمراءَ يكونون من بعدي، فمن غشي أبوابَهم فصدَّقهم في كذبهم، وأعانهم على ظلمهم، فليس منِّي ولستُ منه، ولا يرِدُ عليَّ الحوض، ومن غَشِيَ أبوابهم أو لم يغشَ فلم يصدقهم في كذبهم ولم يُعنهم على ظلمهم فهوَ منِّي وأنا منه، وسَيَرِدُ عليَّ الحوض، يا كعبَ بنَ عُجرةَ: الصلاةُ برهانٌ، والصومُ جنّةٌ حصينةٌ، والصدقةُ تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماءُ النارَ، يا كعبَ بنَ عُجرةَ، إنه لا يدخل الجنة لحمٌ نَبَتَ من سُحْتٍ، النارُ أولى به، يا كعبَ بنَ عُجرةَ، الناسُ غاديان: فمبتاعٌ نَفْسَه فمُعْتقها، وبائعٌ نَفْسَه فمُوبِقُها)) (٢).
وعن عثمان بن أبي العاص ﵁ قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((الصيامُ جُنَّةٌ كجُنَّةِ أحدكم من القتال)) قال: وكان آخر ما عَهِدَ إليَّ رسول الله ﷺ حين بعثني إلى الطائف قال: ((يا عثمان تجوَّز في الصلاة؛ فإن في القوم الكبير وذا الحاجة))، وفي لفظ: ((الصيام جُنَّةٌ من النار كجُنَّةِ أحدكم من القتال)) (٣).
стр. 12
٥ - الصيام حِصْنٌ حصين من النار ؛ لحديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: ((الصيام جُنَّةٌ وحِصْنٌ حَصِينٌ من النار)) (١).
٦ - الصيام جُنّةٌ من الشهوات ؛ لحديث عبد الله بن مسعود ﵁، قال: لقد قال لنا رسول الله ﷺ : ((يا معشر (٢) الشباب من استطاع منكم الباءة (٣) فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وِجاءٌ)) (٤)(٥).
٧ - صيام يوم في سبيل الله يباعد الله النار عن وجه صاحبه سبعين سنة ؛ لحديث أبي سعيد الخدري ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
стр. 13
((من صام يوماً في سبيل الله بَعَّدَ الله وجهه عن النار سبعين خريفاً)) (١).
٨ - صيام يوم في سبيل الله يبعد صاحبه عن النار كما بين السماء والأرض ؛ لحديث أبي أمامة الباهلي ﵁،عن النبي ﷺ قال: ((من صامَ يوماً في سبيل الله جعل الله بينه وبين النار خندقاً كما بين السماء والأرض)) (٢).
وقد قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى في قوله ﷺ : ((من صام يوماً في سبيل الله))، ((أي: في طاعة الله، يعني: قاصداً به وجه الله تعالى، وقد قيل عنه: إنه الجهاد في سبيل الله)) (٣)، وقال الإمام النووي ﵀: ((فيه فضيلة الصيام في سبيل الله، وهو محمول على من لا يتضرر به، ولا يفوت به حقاً، ولا يختل به قتاله ولا غيره من مهمات غزوه، ومعناه: المباعدة عن النار، والمعافاة منها، والخريف السنة، والمراد به سبعين سنة)) (٤)، وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: ((وهذا الحديث حمله قوم على الجهاد، وهو ظاهر كلام المؤلف، إذا لم يشق عليهم، وقال قوم: هذا الحديث في سبيل الله: أي في طاعة الله)) (٥)(٦).
стр. 14
٩ - الصوم وصية النبي ﷺ ، ولا مثل له، ولا عدل ؛ لحديث أبي أمامة ﵁، قال: قلت: يا رسول الله: مُرني بأمر ينفعني الله به، قال: ((عليك بالصوم فإنه لا مِثْلَ له))، وفي لفظ: أن أبا أمامة سأل رسول الله ﷺ : أي العمل أفضل؟ قال: ((عليك بالصوم فإنه لا عدل له))، وفي رواية أنه ﵁ قال: قلت: يا رسول الله مُرْني بعملٍ، قال: ((عليك بالصوم فإنه لا عِدْل له))، قلت: يا رسول الله مرني بعملٍ، قال: ((عليك بالصوم فإنه لا عدل له)) (١)، وفي لفظ ابن حبان في صحيحه: قال أبو أمامة: أنشأ رسول الله ﷺ جيشاً، فأتيته فقلت: يا رسول الله، ادعُ الله لي بالشهادة، قال: ((اللهم سلِّمهم وغنِّمهم))، فغزونا فسلمنا وغنمنا، حتى ذكر ذلك ثلاث مرات، قال: ثم أتيته فقلت: يا رسول الله إني أتيتك تترى ثلاث مرات أسألك أن تدعوَ لي بالشهادة، فقلت: ((اللهم سلِّمهم وغنِّمهم))، فسلمنا وغنمنا، يا رسول الله، فمرني بعَمَلٍ أدخلُ به الجنة، فقال: ((عليك بالصوم؛ فإنه لا مِثْلَ لهُ))، فكان أبو أمامة لا يُرَى في بيته الدُّخانُ نهاراً، إلا إذا نزل بهم ضيفٌ، فإذا رأوا الدخان نهاراً، عرفوا أنه قد اعتراهم ضيفٌ)) (٢).
стр. 15
١٠ - الصوم يدخل الجنة من باب الريان ؛ لحديث سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن في الجنة باباً يُقالُ له: الريَّان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم، يقال: أين الصائمون؛ فيقومون لا يدخل منه أحد غيرُهم، فإذا دخل آخرهم أُغلق فلم يدخل منه أحد)) (١)،وفي رواية: ((في الجنة ثمانية أبواب، فيها باب يُسمَّى الريان لا يدخله إلا الصائمون)) (٢).
وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: ((من أنفق زوجين في سبيل الله نُوديَ من أبواب الجنة: يا عبد الله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دُعيَ من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دُعيَ من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دُعيَ من باب الريَّان، ومن كان من أهل الصدقة دُعيَ من باب الصدقة))، فقال أبو بكر ﵁: بأبي أنت وأمِّي يا رسول الله؛ ما على من دُعي من تلك الأبواب من ضرورة، فهل يُدعَى أحدٌ من تلك الأبواب كلِّها؟ قال: ((نعم، وأرجو أن تكون منهم)) (٣)، وفي لفظ للبخاري: ((من أنفق زوجين في سبيل الله دعاه خزنة الجنة: كلُّ
стр. 16
خزنةِ بابٍ: أي فُل، هَلُمَّ ... )) (١) وفي لفظ للبخاري أيضاً: ((من أنفق زوجين من شيء من الأشياء في سبيل الله ... )) (٢).
١١ - الصيام من أول الخصال التي تُدْخِلُ الجنةَ ؛ لحديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ :
((من أصبح اليوم منكم صائمًا؟))،قال أبو بكر: أنا. قال:
((فمن اتَّبع منكم اليوم جنازة؟))،قال أبو بكر: أنا. قال:
((فمن أطعم منكم اليوم مسكيناً؟))،قال أبو بكر: أنا. قال:
((فمن عاد منكم اليوم مريضاً؟))،قال أبو بكر: أنا، فقال رسول الله ﷺ : ((ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة)) (٣). ولفظ البخاري في الأدب المفرد: ((ما اجتمعت هذه الخصال في رجل في يوم إلا دخل الجنة)) (٤).
١٢ - الصيام كفارة للذنوب ؛ لحديث حذيفة ﵁، عن النبي ﷺ : ((فتنة الرجل في أهله، وماله، وولده، وجاره، تكفِّرها: الصلاة، والصوم، والصدقة، والأمر، والنهي))،وفي لفظ: ((والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)) (٥) وهذا من نعم الله تعالى العظيمة أن يكفر ما يقع من المسلم من
стр. 17
الزلل مع أهله، وولده وماله، وجيرانه، بالصلاة، والصوم، والصدقة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فينبغي للمسلم أن يكثر من هذه الخصال، وهذا في الصغائر، أما الكبائر فلا بد فيها على الصحيح من التوبة بشروطها (١).
١٣ - يوفَّى الصائمون أجرهم بغير حساب .
١٤ - للصائم فرحتان: فرحة في الدنيا، وفرحة في الآخرة .
١٥ - خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك . وقد دلَّ على هذه الفضائل الثلاث حديث أبي هريرة ﵁:قال: قال رسول الله ﷺ : ((قال الله تعالى: كلُّ عمل ابن آدم له إلا الصيام؛ فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنة (٢)،وإذا كان يومُ صَوْمِ أحدِكم فلا يرفث (٣) ولا يصخب (٤)،
стр. 18
فإن سابَّهُ أحدٌ أو قاتله (١) فليقل: إنِّي امرؤٌ صائمٌ، والذي نفسُ محمد بيده! لخلوفُ فم الصائم (٢) أطيب عند الله من ريح المسك، للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح، وإذا لقي ربَّه فَرِحَ بصومه))، وفي لفظ للبخاري: ((الصيام جُنَّة، فلا يرفث، ولا يجهل (٣) وإن امرُؤٌ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم - مرتين - والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، يترك طعامه، وشرابه، وشهوته من أجلى، الصيام لي وأنا أجزي به، والحسنة بعشر أمثالها))، وفي لفظ لمسلم: ((كلُّ عملِ ابن آدم يُضاعف له: الحسنةُ عشرُ أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله : إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي، للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فيه أطيب عند الله من ريح المسك))، وفي لفظ لمسلم: (( ... وللصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه)) (٤)(٥).
стр. 19
١٦ - الصيام والقرآن يشفعان لصاحبهما يوم القيامة ؛ لحديث عبد الله بن عمرو، أن رسول الله ﷺ قال: ((الصيامُ والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي ربِّ منعته الطعام والشهوات بالنهار، فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه قال: فيشفعان)) (١).
١٧ - الصوم يزيل الأحقاد والضغائن والوسوسة من الصدور ؛ لحديث الأعرابي الصحابي، وحديث ابن عباس ﵃،عن النبي ﷺ أنه قال: ((صوم شهر الصبر وثلاثة أيامٍ من كل شهرٍ: يذهبن وحر الصدر)) (٢)(٣).
стр. 20
١٨ - الصوم باب من أبواب الخير ؛ لحديث معاذ بن جبل ﵁، أن النبي ﷺ قال له: ((ألا أدلُّك أبواب الخير)) قلت: بلى يا رسول الله: قال: ((الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل من جوف الليل))، ثم تلا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾، حتى بلغ يعملون)) (١)(٢).
١٩ - من خُتِمَ له بصيام يومٍ يريد به وجه الله أدخله الله الجنة ؛ لحديث حذيفة ﵁ قال: أسندتُ النبي ﷺ إلى صدري فقال: ((من قال: لا إله إلا الله ابتغاء وجه الله خُتِمَ له بها دخل الجنة، ومن صام يوماً ابتغاء وجه الله خُتِمَ له بها (٣) دخل الجنة، ومن تصدق بصدقة ابتغاء وجه الله خُتِمَ له بها دخل الجنة)) (٤).
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ في حديث القدر عن النبي ﷺ وفيه: (( ..... وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخُلُها)) (٥)، وفي
стр. 21
لفظ أحمد في المسند: (( ... وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيُختم له بعمل أهل الجنة فيدخلها)) (١).
٢٠ - أعد الله الغرف العاليات في الجنة لمن تابع الصيام المشروع ، وأطعم الطعام، وألان الكلام، وأفشى السلام، وصلى بالليل والناس نيام؛ لحديث أبي مالك الأشعري عن النبي ﷺ أنه قال: ((إنَّ في الجنة غرفاً يُرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدَّها الله تعالى لمن أطعم الطعام، وألان الكلام، وتابع الصيام، وأفشى السلام، وصلَّى بالليل والناس نيام)) (٢).
من عمل هذه الأعمال كانت له هذه الغرف، وهي جمع غرفة: أي علالي في غاية اللطافة، ونهاية الصفا والنظافة، وهي شفافة لا تحجب من وراءها، وهي مخصصة لمن له خلق حسن مع الناس، وخاصة بمن يطيُّب الكلام؛ لكونه من عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً، وهي لمن أطعم الطعام: للعيال، والفقراء، والأضياف، ونحو ذلك، ولمن أدام الصيام: أي أكثر منه بعد
стр. 22
الفريضة، وأقلّه أن يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، وهي لمن صلى بالليل والناس نيام: أي غالبهم نيام أو غافلون عنه؛ لأن العمل بالليل والناس نيام لارياء فيه ولا سمعة، وهذا يؤكد على أن من فعل ذلك فقد بلغ الغاية العظمى في الإخلاص لله ، وهي لمن أفشى السلام، وبذل السلام لمن عرف ومن لا يعرف، والمقصود أن هذا الحديث فيه الترغيب في هذه الخصال العظيمة، فمن فعلها كانت له هذه الغرف (١).
٢١ - الصائم له دعوة لا تُردُّ حتى يفطر ؛ لحديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ثلاثة لا تُردُّ دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام ويفتحُ لها أبواب السماء، ويقول الربُّ: وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين)) (٢).
٢٢ - الصائم دعوته لا ترد حين يفطر ؛ لما رُوي عن عبد الله بن أبي مليكة، قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ يقول: قال رسول الله ﷺ : ((إن للصائم عند فطره لدعوةً ما تُردُّ))، قال ابن أبي
стр. 23
مليكة: سمعت عبد الله بن عمرو يقول إذا أفطر: اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كلَّ شيء أن تغفر لي)) (١)، وقد جاء في لفظ بعض نسخ الترمذي للحديث الذي قبل هذا: ((ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حين يفطر، ودعوة المظلوم)) (٢)، ويعضد ذلك حديث أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ : ((إن لله عند كلِّ فطر عتقاء)) (٣).
٢٣ - تفطير الصائمين فيه الأجر الكبير ؛ لحديث زيد بن خالد الجهني ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من فطَّر صائماً كان له مثل أجره، غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئاً)) (٤).
٢٤ - لعظم أجر الصيام جعله الله تعالى من الكفارات على النحو الآتي:
أ- كفارة فدية الأذى ، قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن
стр. 24
صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (١).
ب- من لم يجد الهدي صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله ؛ لقول الله تعالى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٢).
ج-كفارة قتل الخطأ ؛ لقول الله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ الله وَكَانَ الله عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (٣).
د- كفارة اليمين ؛ لقول الله تعالى: ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ الله ِباللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ﴾ (٤).
هـ - جزاء قتل الصيد في الإحرام ؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ
المبحث الثالث: فوائد الصيام ومنافعه العظيمة وحكمه ومصالحه
قال الإمام ابن قيم الجوزية ﵀: ((لما كان المقصود من الصيام حبس النفس عن الشهوات، وفطامها عن المألوفات، وتعديل قوتها الشهوانية؛ لتستعدَّ لطلب ما فيه غاية سعادتها ونعيمها، وقبول ما تزكو به مما فيه حياتها الأبدية، ويكسِر الجوع والظمأ من حدتها وسَوْرتها، ويذكّرها بحال الأكباد الجائعة من المساكين، وتضيق مجاري الشيطان من العبد بتضييق مجاري الطعام والشراب، وتحبس قُوى الأعضاء عن استرسالها لحكم الطبيعة فيما يضرها في معاشها ومعادها، ويُسكِّن كلَّ عضو منها وكل قوة عن جماحه، وتلجم بلجامه، فهو لجام المتقين، وجُنة المحاربين، ورياضة الأبرار والمقربين، وهو لرب العالمين من بين سائر الأعمال، فإن الصائم لا يفعل شيئاً، وإنما يترك شهوته وطعامه وشرابه من أجل معبوده، فهو ترك محبوبات النفس وتلذذاتها إيثاراً لمحبة الله ومرضاته، وهو سرٌّ بين العبد وربه لا يطَّلِع عليه سواه، والعباد قد يطَّلِعون منه على ترك المفطرات الظاهرة، وأما كونه ترك طعامه وشرابه وشهوته من أجل معبوده، فهو أمر لا يطلع عليه بشر، وذلك حقيقة الصوم.
وللصوم تأثير عجيب في حفظ الجوارح الظاهرة، والقوى الباطنة، وحميتها عن التخليط الجالب لها المواد الفاسدة التي إذا استولت عليها أفسدتها، واستفراغ المواد الرديئة المانعة لها من صحتها، فالصوم يحفظ على القلب والجوارح صحتها، ويعيد إليها ما استلبته منها أيدي الشهوات، فهو من أكبر العون على التقوى كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ
стр. 27
عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾ (١).
وقال النبي ﷺ : ((الصوم جنة))، وأمر من اشتدت عليه شهوة النكاح، ولا قدرة له عليه بالصيام، وجعله وِجاءَ هذه الشهوة.
والمقصود: أن مصالح الصوم لما كانت مشهودة بالعقول السليمة، والفطر المستقيمة، شرعه الله لعباده رحمةً بهم، وإحساناً إليهم، وحُميةً لهم وجُنّة)) (٢).
فالصيام له فوائد ومنافع وحِكَمٌ عظيمة، منها الفوائد الآتية:
١ - الصوم وسيلة إلى التقوى (٣)؛ لأن النفس إذا انقادت للامتناع عن الحلال طمعاً في مرضاة الله، وخوفاً من أليم عقابه، فمن باب أولى أن تنقاد للامتناع عن الحرام، فكان الصوم سبباً للتقوى؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾ (٤)؛ ولهذا قال النبي ﷺ : ((من لم يدع قول الزور والعمل به، والجهل فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه)) (٥).
стр. 28
٢ - الصوم وسيلة إلى شكر النعم (١)؛ لأن كفّ النفس عن الأكل، والشرب، وسائر المفطرات من أجلِّ النعم وأعلاها؛ لأن الامتناع عن هذه النعم زماناً معتبراً يُعرِّفُ قدرها؛ لأن النعم مجهولة، فإذا فقدت عُرفت، فيحمل ذلك على القيام بشكر الله تعالى؛ ولهذا إذا أفطر الصائم وجد لذة عظيمة للشراب البارد على الظمأ، وكذلك الطعام، فيحمله ذلك على شكر الله ، وقد جاءت الإشارة إلى ذلك أثناء الكلام عن الصيام، قال الله تعالى: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون﴾ (٢).
٣ - الصوم يقهر الطبع ويكسر النفس ويحدُّ من الشهوة ؛ لأن النفس إذا شبعت رغبت في الشهوات؛ لأن الشّبع والرّيّ ومباشرة النساء تحمل النفس على الأشر والبطر والغفلة (٣)،وإذا جاعت امتنعت عما تهوى؛ ولهذا قال النبي ﷺ : ((يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء)) (٤)،يكون الصوم من أسباب الامتناع عن المعاصي (٥).
٤ - الصوم يجعل القلب يتخلَّى للذكر والفكر ؛ لأن تناول الشهوات يوجب الغفلة، ورُبما يقسِّي القلب، ويعمي عن الحق، ويحول بين
стр. 29
العبد وبين الذكر والفكر، ويستدعي الغفلة، وخلة البطن من الطعام والشراب ينوّر القلب ويوجب رقته ويزيل قسوته، ويُخليه للذكر والفكر (١).
٥ - الصوم به يعرفُ الغنيُّ قدر نعم الله تعالى عليه وقد حُرمها كثير من الخلق (٢).
٦ - الصوم سبب في التمرّن على ضبط النفس والسيطرة عليها، حتى يتمكن المسلم من قيادة نفسه لما فيه سعادتها في الدنيا والآخرة.
٧ - الصوم يضبط النفس ويُقلِّل من كبريائها .
٨ - الصوم يسبب الرحمة والعطف على المساكين ؛ لأن الصائم إذا ذاق ألم الجوع في بعض الأوقات ذكر من هذا حاله في جميع الأوقات أو غالبها، فتسارع إلى قلبه الرقة والرحمة لهؤلاء المساكين، فيحسن إليهم، فيحصل بذلك على الثواب العظيم من الله تعالى (٣).
٩ - الصوم فيه موافقة للفقراء بتحمل ما يتحملون ، فيرفع ذلك شأن الصائم عند الله تعالى (٤).
١٠ - الصوم يُضيِّق مجاري الدم بسبب الجوع (٥) والعطش،
стр. 30
فتضيق مجاري الشيطان؛ لأنه يجري من ابن آدم مجرى الدم، فيقهر بذلك الشيطان؛ لحديث: ((إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم)) (١).
١١ - الصوم يجمع أنواع الصبر ؛ فإن فيه: صبراً على طاعة الله: وهي الصيام، وصبراً عن محارم الله: وهي المفطرات، أثناء الصيام، وصبراً على أقدار الله المؤلمة: من الجوع والعطش، فيحصل الصائم على جزاء الصابرين ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَاب﴾ (٢).
١٢ - الصوم يترتب عليه فوائد صحية تحصل بسبب تقليل الطعام والشراب ، وإراحة جهاز الهضم، فيدفع الله تعالى بذلك كثيراً من الأمراض الخطيرة على الإنسان (٣).
١٣ - الصوم عبادة لله تعالى يظهر بها من كان عابداً لمولاه ، ومن كان متبعاً لهواه، فيظهر بذلك صدق إيمان العبد ومراقبته لله؛ ولهذا كان كثير من المؤمنين لو ضرب، أو حبس على أن يفطر يوماً بغير عذر لم يفطر، وهذه الحكمة من أبلغ حكم الصيام.
стр. 31
المبحث الرابع: فضائل شهر رمضان وخصائصه
شهر رمضان له فضائل وخصائص عظيمة على النحو الآتي:
١ - أنزل الله تعالى فيه القرآن ، قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ (١)، فقد مدح الله تعالى شهر الصيام من بين سائر الشهور، بأن اختاره من بينهنَّ لإنزال القرآن العظيم فيه (٢)، وكان ذلك في ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْر﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِين﴾ (٤).
٢ - أنزلت الكتب الإلهية فيه ؛ لما رُويَ من حديث واثلة بن الأسقع: أن رسول الله ﷺ قال: ((أُنزلت صحف إبراهيم ﵇ في أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لستٍ مضين من رمضان، والإنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان، وأُنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان)) (٥).
٣ - تفتح فيه أبواب الجنة .
стр. 32
٤ - تغلق فيه أبواب النار .
٥ - تصفَّد الشياطين ومردة الجنِّ .
٦ - تفتح فيه أبواب الرحمة .
٧ - تفتح فيه أبواب السماء .
٨ - ينادي فيه منادٍ: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر .
٩ - لله فيه كل ليلة عتقاء من النار .
وقد دلَّ على هذه الخصال السبع حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: ((إذا كان أوّلُ ليلة من رمضان: صُفِّدت (١) الشياطين ومردة الجن (٢)، وغُلِّقت أبواب النار فلم يُفتح منها بابٌ، وفُتِّحت أبواب الجنة فلم يُغلق منها بابٌ، ويُنادي منادٍ: يا باغي الخير أقبل، وياباغي الشر
стр. 33
أقصر، ولله عتقاء من النار، وذلك كل ليلة))، وفي لفظ للبخاري: ((وفتحت أبواب السماء))، وفي لفظ لمسلم: ((وفتح أبواب الرحمة))، وفي لفظ للبخاري ومسلم: ((وسلسلت الشياطين)) (١).
١٠ - شهر رمضان فيه ليلة خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حُرِم الخير كله؛ لحديث أبي هريرة ﵁،قال: قال رسول الله ﷺ : ((أتاكم رمضان شهر مبارك، فرض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب السماء، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتُغلُّ فيه مردة الشياطين، لله فيه ليلة خير من ألف شهر، من حُرِم خيرَها فقد حرم))، ولفظ أحمد: ((تفتح فيه أبواب الجنة)) بدلاً من ((أبواب السماء)) (٢).
وعن أنس ﵁، قال: دخل رمضان فقال رسول الله ﷺ : ((إن هذا الشهر قد حضركم، وفيه ليلة خير من ألف شهر، من حُرِمها فقد حُرِمَ الخير كلَّه، ولا يُحرم خيرها إلا محروم)) (٣).
١١ - شهر رمضان تجاب فيه الدعوات ، فقد ذكر الله تعالى
стр. 34
الدعاء أثناء آيات الصيام فقال: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُون﴾ (١).
وعن أبي هريرة أو أبي سعيد (٢) قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن لله عتقاء في كل يومٍ وليلة، لكل عبد منهم دعوةٌ مستجابة)) (٣)، قال الحافظ ابن حجر ﵀: ((يعني في رمضان)) (٤)، ولفظ البزار عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن لله ﵎ عتقاء في كل يوم وليلة - يعني في رمضان - وإن لكل مسلم في يوم وليلة دعوةً مستجابةً)) (٥).
وعن جابر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن لله عند كل فطر عتقاء وذلك في كل ليلة)) (٦).
١٢ - شهر رمضان شهر الذكر والشكر ؛ لأن الله تعالى ذكر
стр. 35
ذلك أثناء الكلام عن أحكام الصيام، فقال تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُواْ الله عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون﴾ (١).
١٣ - شهر رمضان شهر الصبر ؛ لحديث الأعرابي الصحابي، وحديث ابن عباس ﵃ عن النبي ﷺ أنه قال: ((صوم شهر الصبر، وثلاثة أيام من كل شهر: يُذْهِبنَ وَحَرَ الصَّدرِ)) (٢)، ولا شك أن في صيام شهر رمضان: صبراً على طاعة الله، وصبراً على أقدار الله المؤلمة من الجوع والعطش، وصبراً عن محارم الله التي حرمها على الصائم، من المفطرات وغيرها. وقد قال الله : ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَاب﴾ (٣).
١٤ - صيام شهر رمضان يكفر الخطايا ؛ لحديث أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: ((الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان مكفرات ما بينهنَّ إذا اجتُنبت الكبائر)) (٤).
١٥ - شهر رمضان تُغفر فيه الذنوب ؛ لحديث أبي هريرة ﵁
стр. 36
عن النبي ﷺ أنه قال: ((من صام رمضان إيماناً (١) واحتساباً (٢) غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه)) (٣).
١٦ - شهر رمضان أعظم الأوقات التي تغفر فيها الذنوب ، ومن لم يغفر له في رمضان فقد رغم أنفه؛ لحديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ رَقِيَ المنبر فقال: ((آمين، آمين، آمين))، فقيل: يا رسول الله ما كنت تصنع هذا؟ فقال: ((قال لي جبريل ﵇: رَغِمَ (٤) أنفُ عبدٍ دخل عليه رمضان فلم يُغفر له، فقلت: آمين، ثم قال: رَغِمَ أنفُ عبدٍ ذُكِرتَ عنده فلم يصلِّ عليك، فقلت: آمين، ثم قال: رَغِمَ أنفُ عبدٍ أدرك والديه أو أحدهما فلم يدخل الجنة، فقلت: آمين)) (٥).
стр. 37
وعنه ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((رَغِم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصلِّ عليَّ، ورغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له، ورغم أنف رَجُلٍ أدرك عنده أبواه الكبر فلم يدخلاه الجنة))، قال بعض رواة الحديث: وأظنه قال: ((أو أحدهما)) (١).
١٧ - إدراك شهر رمضان ترفع به الدرجات ؛ لحديث طلحة بن عبيد الله ﵁: أن رجلين من بليٍّ قدما على رسول الله ﷺ وكان إسلامهما جميعاً، فكان أحدهما أشدَّ اجتهاداً من الآخر، فغزا المجتهد منهما فاستشهد، ثم مكث الآخر بعده سنة، ثم تُوفِّي، قال طلحة: فرأيت في المنام بينا أنا عند باب الجنة إذا أنا بهما، فخرج خارج من الجنة فَأَذِنَ للذي توفي الآخِرَ منهما، ثم خرج فَأَذِنَ للذي استشهد، ثم رجع إليَّ فقال: ارجع فإنك لم يأن لك بعدُ. فأصبح طلحة يُحدِّثُ به الناس، فعجبوا من ذلك، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ وحدَّثوه الحديث، فقال: ((من أي ذلك تعجبون))؟ فقالوا: يا رسول الله هذا كان أشدَّ الرجلين اجتهاداً ثم استشهد، ودخل الآخِرُ الجنة قبله، فقال رسول الله ﷺ : ((أليس قد مكث هذا بعده سنة؟))، قالوا: بلى، قال: ((وأدرك رمضان، وصلى كذا وكذا من سجدة في السنة؟))، قالوا: بلى، قال رسول الله ﷺ : ((فما بينهما أبعد مما بين السماء والأرض)) (٢).
стр. 38
١٨ - عمرة في رمضان تعدل حجة مع النبي ﷺ -؛ لحديث ابن عباس ﵄، أن رسول الله ﷺ قال لامرأة من الأنصار يقال لها أمّ سنان: ((ما منعك أن تكوني حججتي معنا؟))، قالت: ناضحان (١) كانا لأبي فلان - زوجها- حج هو وابنه على أحدِهما، وكان الآخر يسقي عليه غلامنا [أرضاً لنا]، قال: ((فإن عمرة في رمضان تقضي حجة))، أو ((حجة معي))، وفي لفظ لمسلم: ((فإذا جاء رمضان فاعتمري، فإن عمرةً فيه تعدل حجة))، وفي لفظ للبخاري: ((فإذا كان رمضان اعتمري فيه؛ فإن عمرة في رمضان حجةٌ))، أو نحواً مما قال (٢)، والحاصل أنّ النبي ﷺ أعلم أمّ سنان أن العمرة في رمضان تعدل الحجة في الثواب، لا أنها تقوم مقامها في إسقاط الفرض؛ للإجماع على أن الاعتمار لا يجزئ عن حج الفرض، وهذا الحديث فضل من الله ونعمة على عبده المؤمن، وفيه أن ثواب العمل يزيد بزيادة شرف الوقت، كما يزيد بحضور القلب، وبخلوص القصد (٣)، والصواب أن فضل العمرة في رمضان يعدل حجة، أو حجة مع النبي ﷺ عام لجميع المسلمين، ولا يختص بأمِّ سنان
стр. 39
وحدها (١)، وهذا من فضل الله وإحسانه وجوده على عباده المؤمنين.
١٩ - من صام رمضان كان من الصِّدِّيقين والشهداء ؛ لحديث عمرو بن مُرَّة الجهني ﵁، قال: جاء رسولَ الله ﷺ رجل من قضاعة، فقال له: يا رسول الله؛ أرأيت إن شهدت أن لاإله إلا الله، وأنك رسول الله، وصليت الصلوات الخمس، وأديت الزكاة، وصمت رمضان وقمته فمن أنا؟ قال: ((من الصِّدِّيقين والشهداء)) (٢).
٢٠ - صوم شهر رمضان يدخل الجنة ؛ لحديث جابر ﵁ أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله؛ أرأيت إذا صليتُ المكتوبات، وصمتُ رمضان، وأحللتُ الحلال، وحرمتُ الحرام (٣) ولم أزد على ذلك شيئاً، أأدخلُ الجنة؟ فقال النبي ﷺ : ((نعم))، قال: والله لا أزيد على ذلك شيئاً (٤).
وهذا الحديث يدل على أن من اقتصر على فعل الواجبات التي أوجب الله تعالى عليه، وانتهى عن جميع ما حرم الله عليه دخل الجنة،
стр. 40
لكن من ترك التطوعات ولم يعمل منها شيئاً، فقد فوَّت على نفسه ربحاً عظيماً وثواباً جسيمًا، ومن داوم على ترك شيء من السنن كان ذلك نقصاً في دينه، وقدحاً في عدالته (١)، وأما قول هذا الرجل: ((ولم أزد على ذلك شيئاً))، فيحمل على أن فعل الحلال: كل ما للإنسان أن يفعله شرعاً، ولا يمنع منه، والحرام: على ما منع الإنسان من فعله مطلقاً، ويحتمل أن يكون قال ذلك؛ لأنه لم يتفرَّغ لفعل شيء من النوافل في تلك الحال إما لشغله بالجهاد، أو لغيره من أعمال الدين، والله تعالى أعلم.
٢١ - قيام شهر رمضان إيماناً واحتساباً تغفر به الذنوب ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)) (٢).
فإذا قام المسلم رمضان تصديقاً بما أخبر به رسول الله ﷺ في فضله، واحتساباً للثواب يرجو الله مخلصاً له القيام ابتغاء مرضاته وغفرانه، حصل له الثواب العظيم (٣).
٢٢ - شهر رمضان شهر صلاة التراويح ؛ فإن صلاة التراويح جماعة لا تُصلَّى إلا في رمضان؛ لحديث عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ