← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 96467

الصيام في الإسلام في ضوء الكتاب والسنة

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (671 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

عن النبي ﷺ أنه قال: ((من صام رمضان إيماناً (١) واحتساباً (٢) غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه)) (٣). ١٦ - شهر رمضان أعظم الأوقات التي تغفر فيها الذنوب ، ومن لم يغفر له في رمضان فقد رغم أنفه؛ لحديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ رَقِيَ المنبر فقال: ((آمين، آمين، آمين))، فقيل: يا رسول الله ما كنت تصنع هذا؟ فقال: ((قال لي جبريل ﵇: رَغِمَ (٤) أنفُ عبدٍ دخل عليه رمضان فلم يُغفر له، فقلت: آمين، ثم قال: رَغِمَ أنفُ عبدٍ ذُكِرتَ عنده فلم يصلِّ عليك، فقلت: آمين، ثم قال: رَغِمَ أنفُ عبدٍ أدرك والديه أو أحدهما فلم يدخل الجنة، فقلت: آمين)) (٥).

стр. 37

وعنه ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((رَغِم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصلِّ عليَّ، ورغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له، ورغم أنف رَجُلٍ أدرك عنده أبواه الكبر فلم يدخلاه الجنة))، قال بعض رواة الحديث: وأظنه قال: ((أو أحدهما)) (١). ١٧ - إدراك شهر رمضان ترفع به الدرجات ؛ لحديث طلحة بن عبيد الله ﵁: أن رجلين من بليٍّ قدما على رسول الله ﷺ وكان إسلامهما جميعاً، فكان أحدهما أشدَّ اجتهاداً من الآخر، فغزا المجتهد منهما فاستشهد، ثم مكث الآخر بعده سنة، ثم تُوفِّي، قال طلحة: فرأيت في المنام بينا أنا عند باب الجنة إذا أنا بهما، فخرج خارج من الجنة فَأَذِنَ للذي توفي الآخِرَ منهما، ثم خرج فَأَذِنَ للذي استشهد، ثم رجع إليَّ فقال: ارجع فإنك لم يأن لك بعدُ. فأصبح طلحة يُحدِّثُ به الناس، فعجبوا من ذلك، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ وحدَّثوه الحديث، فقال: ((من أي ذلك تعجبون))؟ فقالوا: يا رسول الله هذا كان أشدَّ الرجلين اجتهاداً ثم استشهد، ودخل الآخِرُ الجنة قبله، فقال رسول الله ﷺ : ((أليس قد مكث هذا بعده سنة؟))، قالوا: بلى، قال: ((وأدرك رمضان، وصلى كذا وكذا من سجدة في السنة؟))، قالوا: بلى، قال رسول الله ﷺ : ((فما بينهما أبعد مما بين السماء والأرض)) (٢).

стр. 38

١٨ - عمرة في رمضان تعدل حجة مع النبي ﷺ -؛ لحديث ابن عباس ﵄، أن رسول الله ﷺ قال لامرأة من الأنصار يقال لها أمّ سنان: ((ما منعك أن تكوني حججتي معنا؟))، قالت: ناضحان (١) كانا لأبي فلان - زوجها- حج هو وابنه على أحدِهما، وكان الآخر يسقي عليه غلامنا [أرضاً لنا]، قال: ((فإن عمرة في رمضان تقضي حجة))، أو ((حجة معي))، وفي لفظ لمسلم: ((فإذا جاء رمضان فاعتمري، فإن عمرةً فيه تعدل حجة))، وفي لفظ للبخاري: ((فإذا كان رمضان اعتمري فيه؛ فإن عمرة في رمضان حجةٌ))، أو نحواً مما قال (٢)، والحاصل أنّ النبي ﷺ أعلم أمّ سنان أن العمرة في رمضان تعدل الحجة في الثواب، لا أنها تقوم مقامها في إسقاط الفرض؛ للإجماع على أن الاعتمار لا يجزئ عن حج الفرض، وهذا الحديث فضل من الله ونعمة على عبده المؤمن، وفيه أن ثواب العمل يزيد بزيادة شرف الوقت، كما يزيد بحضور القلب، وبخلوص القصد (٣)، والصواب أن فضل العمرة في رمضان يعدل حجة، أو حجة مع النبي ﷺ عام لجميع المسلمين، ولا يختص بأمِّ سنان

стр. 39

وحدها (١)، وهذا من فضل الله وإحسانه وجوده على عباده المؤمنين. ١٩ - من صام رمضان كان من الصِّدِّيقين والشهداء ؛ لحديث عمرو بن مُرَّة الجهني ﵁، قال: جاء رسولَ الله ﷺ رجل من قضاعة، فقال له: يا رسول الله؛ أرأيت إن شهدت أن لاإله إلا الله، وأنك رسول الله، وصليت الصلوات الخمس، وأديت الزكاة، وصمت رمضان وقمته فمن أنا؟ قال: ((من الصِّدِّيقين والشهداء)) (٢). ٢٠ - صوم شهر رمضان يدخل الجنة ؛ لحديث جابر ﵁ أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله؛ أرأيت إذا صليتُ المكتوبات، وصمتُ رمضان، وأحللتُ الحلال، وحرمتُ الحرام (٣) ولم أزد على ذلك شيئاً، أأدخلُ الجنة؟ فقال النبي ﷺ : ((نعم))، قال: والله لا أزيد على ذلك شيئاً (٤). وهذا الحديث يدل على أن من اقتصر على فعل الواجبات التي أوجب الله تعالى عليه، وانتهى عن جميع ما حرم الله عليه دخل الجنة،

стр. 40

لكن من ترك التطوعات ولم يعمل منها شيئاً، فقد فوَّت على نفسه ربحاً عظيماً وثواباً جسيمًا، ومن داوم على ترك شيء من السنن كان ذلك نقصاً في دينه، وقدحاً في عدالته (١)، وأما قول هذا الرجل: ((ولم أزد على ذلك شيئاً))، فيحمل على أن فعل الحلال: كل ما للإنسان أن يفعله شرعاً، ولا يمنع منه، والحرام: على ما منع الإنسان من فعله مطلقاً، ويحتمل أن يكون قال ذلك؛ لأنه لم يتفرَّغ لفعل شيء من النوافل في تلك الحال إما لشغله بالجهاد، أو لغيره من أعمال الدين، والله تعالى أعلم. ٢١ - قيام شهر رمضان إيماناً واحتساباً تغفر به الذنوب ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)) (٢). فإذا قام المسلم رمضان تصديقاً بما أخبر به رسول الله ﷺ في فضله، واحتساباً للثواب يرجو الله مخلصاً له القيام ابتغاء مرضاته وغفرانه، حصل له الثواب العظيم (٣). ٢٢ - شهر رمضان شهر صلاة التراويح ؛ فإن صلاة التراويح جماعة لا تُصلَّى إلا في رمضان؛ لحديث عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ

стр. 41

خرج ليلة من جوف الليل فصلى في المسجد، فصلَّى رجال بصلاته، فأصبح الناس يتحدثون بذلك، فاجتمع أكثر منهم في الليلة الثانية، فصلوا بصلاته، فأصبح الناس يذكرون ذلك، فكثر أهل المسجد في الليلة الثالثة، فخرج فصلوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله، فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ ، فطفق (١) رجال منهم يقولون: الصلاة، فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ ، حتى خرج لصلاة الفجر، فلما قضى الفجر أقبل على الناس، ثم تشهد، فقال: ((أما بعد، فإنه لم يخفَ عليَّ شأنكم، ولكنِّي خشيت أن تُفرض عليكم صلاة الليل فتعجزوا عنها))، وذلك في رمضان (٢). وصلاة التراويح: هي قيام رمضان أول الليل، وسميت بذلك؛ لأنهم كانوا يستريحون بعد كل أربع ركعات، بناءً على حديث عائشة ﵂ (٣). ٢٣ - شهر رمضان من صلى فيه التراويح ليلة فلازم الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة كاملة من فضل الله تعالى؛ لحديث أبي ذرٍّ ﵁ في قيام رمضان، وفيه: أن النبي ﷺ قال: ((إنه من قام مع الإمام حتى

стр. 42

ينصرف كتب الله له قيام ليلة))، وفي لفظ: ((كُتِب له قيام ليلة)) (١). ٢٤ - شهر رمضان شهر الانتصار على أعداء الإسلام في بدر مع قلة عدد المسلمين وعدَّتهم؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ الله بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ الله لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون * إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُنزَلِين * بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِين* وَمَا جَعَلَهُ الله إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ الله الْعَزِيزِ الْحَكِيم﴾ (٢)، وقد كان عدد المسلمين في هذه الغزوة ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً على فرسين وسبعين بعيراً، فنصرهم الله تعالى على المشركين، وكان عددهم نحو ألف رجل، معهم مائة فرس، وسبعمائة بعير، وكان ذلك في شهر رمضان المبارك في السنة الثانية من الهجرة. وكذلك نصر الله المؤمنين في غزوة الفتح في شهر رمضان في السنة الثامنة من الهجرة، وقد دخل النبي ﷺ مكة ففتحها بغير قتال؛ لأن النصر

стр. 43

من عند الله، وهو سبحانه ينصر رسله والذين آمنوا، قال سبحانه: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ الله الْعَزِيزِ الْحَكِيم﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ الله مَن يَنصُرُهُ إِنَّ الله لَقَوِيٌّ عَزِيز﴾ (٢). ٢٥ - مضاعفة الجود في شهر رمضان المبارك ، ولقد كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان في هذا الشهر المبارك أجود بالخير من الريح المرسلة حين يلقاه جبريل (٣). ٢٦ - شهر رمضان شهر مدارسة القرآن ، فقد كان جبريل يلقى النبي ﷺ في كل سنة في رمضان وذلك في كل ليلة فيدارسه القرآن، فيعرض رسول الله ﷺ على جبريل القرآن؛ لحديث ابن عباس ﵄، قال: ((كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل في كلِّ ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن، فلرسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة))، وفي لفظ: ((فإذا لقيه جبريل كان رسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة)) (٤).

стр. 44

وعن عائشة ﵂، عن فاطمة ﵂، قالت: أَسَرَّ إليَّ النبي ﷺ : ((أن جبريل كان يعارضني بالقرآن كلّ سنة، وإنه عارضني العام مرتين، ولا أراه إلا حضر أجلي)) (١). ٢٧ - صوم شهر رمضان ركن من أركان الإسلام، لا يتمُّ ولا يكمل إيمان العبد إلا به؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : ((بُني الإسلامُ على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت)) (٢). ٢٨ - شهر رمضان شهر الاعتكاف، ولزوم المساجد لطاعة الله تعالى ، والتفرُّغ لمناجاته سبحانه؛ لحديث عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ ، أن النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله تعالى، واعتكف أزواجه من بعده)) (٣). وعن أبي هريرة ﵁، قال: ((كان النبي ﷺ يعتكف في كل رمضان

стр. 45

عشرة أيام، فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يوماً)) (١). وعنه ﵁ قال في جبريل: ((كان يعرض على النبي ﷺ القرآن كل عام مرة، فعرض عليه مرتين في العام الذي قُبِضَ فيه، وكان يعتكف في كل عامٍ عشراً، فاعتكف عشرين في العام الذي قبض فيه)) (٢)، والمراد بالعشرين: العشر الأوسط، والعشر الأخير (٣). ٢٩ - شهر رمضان شهر الاجتهاد في العبادة ؛ لأن النبي ﷺ كان يجتهد في العشر الأواخر من رمضان ما لا يجتهد في غيره؛ لحديث عائشة ﵂، قالت: ((كان رسول الله ﷺ يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره)) (٤). وعنها ﵂ قالت: ((كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر أحيى الليل، وأيقظ أهله، وجدَّ، وشد المئزر)) (٥). ومعنى شدَّ المئزر: أي شمَّر واجتهد في العبادات، وقيل: كناية عن اعتزال النساء. وعن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: ((تحرَّوا ليلة القدر في

стр. 46

الوتر من العشر الأواخر من رمضان))، وفي لفظ: ((تحرَّوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان)) (١)، وقد تكون ليلة القدر في الأشفاع؛ لحديث ابن عباس ﵄: ((التمسوها في أربع وعشرين)) (٢)، وفي لفظ له عن النبي ﷺ : ((هي في العشر الأواخر، هي في تسع يمضين، أو في سبع يبقين))، يعني ليلة القدر. وفي لفظ: ((التمسوها في العشر الأواخر من رمضان، ليلة القدر في تاسعة تبقى، في سابعة تبقى، في خامسة تبقى)) (٣). وقد كان الصحابة ﵁ يجتهدون في العشر الأواخر اجتهاداً عظيماً؛ ولهذا قالت عائشة ﵂: يا رسول الله أرأيت إن علمت أي ليلة ليلة القدر، ما أقول فيها؟ قال: ((قولي: اللهم إنك عفوٌّ كريمٌ تحب العفو فاعفُ عني)) (٤). ٣٠ - إفطار يوم من رمضان بغير عذر ليس كإفطار غيره من أنواع الصيام؛ لحديث أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ : ((بينا أنا نائم إذ أتاني رجلان

стр. 47

فأخذا بضبعي فأتيا بي جبلاً وعراً فقالا: اصعد، فقلت: إني لا أطيقه، فقالا: إنا سنسهله لك، فصعدت حتى إذا كنت في سواء الجبل إذا بأصوات شديدة، قلت: ما هذه الأصوات؟ قالوا: عُواءُ أهل النار، ثم انطلق بي فإذا أنا بقوم معلقين بعراقيبهم، مشققة أشداقهم، تسيل أشداقهم دماً، قال: قلت: ما هؤلاء؟ قال: الذين يفطرون قبل تحلة صومهم)) (١).

стр. 48

المبحث الخامس: حكم صيام شهر رمضان ومراتب فرضيَّته أولاً صيام شهر رمضان: واجب بالكتاب، والسنة، والإجماع ، على كل مسلمٍ، بالغٍ، عاقلٍ، قادر، مقيم، خالٍ من الموانع: أما الكتاب ؛ فلقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾ (١) وقول الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٢). وأما السنة ؛ فلحديث عبد الله بن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : ((بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت)) (٣)؛ ولحديث طلحة بن عبيد الله ﵁: أن أعرابياً جاء إلى رسول الله ﷺ ثائر الرأس نسمع دويَّ صوتِهِ (٤)، ولا نفقه ما يقول حتى دنا من رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أخبرني ماذا فرض الله عليَّ من الصلاة؟ فقال

стр. 49

رسول الله ﷺ : ((خمس صلوات في اليوم والليلة)) فقال: هل عليَّ غيرها؟ قال: ((لا، إلا أن تطوَّع شيئاً)) فقال: أخبرني بما فرض الله عليَّ من الصيام؟ فقال: ((شهر رمضان)) فقال: هل عليَّ غيره؟ قال: ((لا، إلا أن تطوَّع شيئاً)) فقال: أخبرني ما فرض الله عليَّ من الزكاة؟ قال: فأخبره رسول الله ﷺ بشرائع الإسلام، قال: هل عليَّ غيرها؟ قال: ((لا، إلاّ أن تطوَّع)) قال: فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص [مما فرض الله عليَّ شيئاً] قال رسول الله ﷺ : ((أفلح إن صدق، أو دخل الجنة إن صدق)) (١)؛ ولحديث أنس ﵁؛قال: نُهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء (٢)، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية، العاقل فيسأله ونحن نسمع، فجاء رجل من أهل البادية فقال: يا محمد أتانا رسُولُك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك؟ قال: ((صدق)) قال: فمن خلق السماء؟ قال: ((الله))، قال: فمن خلق الأرض؟ قال: ((الله))، قال: فمن نصب هذه الجبال، وجعل فيها ما جعل؟ قال: ((الله)) قال: فبالذي خلق السماء،

стр. 50

وخلق الأرض، ونصب الجبال، آلله أرسلك؟ قال: ((نعم)) قال: وزعم رسولُكَ أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا، قال: ((صدق)) قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: ((نعم)) قال: وزعم رسولُك أنَّ علينا زكاة في أموالنا، قال: ((صدق)) قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: ((نعم)) قال: وزعم رسولُك أنَّ علينا صومَ شهر رمضان في سنتنا؟ قال: ((صد ق)) قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: ((نعم)) قال: وزعم رسولُك أنَّ علينا حجَّ البيت من استطاع إليه سبيلاً، قال: ((صدق)) قال: ثم ولَّى، قال: والذي بعثك بالحقِّ لا أزيد عليهنَّ ولا أنقص منهنَّ، فقال النبي ﷺ : ((لئن صدق ليدخلنَّ الجنة)) (١)؛ ولحديث أنس بن مالك ﵁ قال: بينما نحن جلوس مع النبي ﷺ في المسجد دخل رجل على جمل فأناخه في المسجد ثم عقله، ثم قال: أيُّكم محمد؟ والنبي ﷺ متكئ بين ظهرانيهم، فقلنا: هذا الرجل الأبيض المتكئُ، فقال له الرجل: ابن عبد المطلب؟ فقال له النبي ﷺ : ((قد أجبتك)) فقال الرجل للنبي ﷺ : إنّي سائلك فمشدِّدٌ عليك في المسألة فلا تَجِدْ عليَّ في نفسك (٢)، فقال: ((سل عمَّا بدا لك)) فقال: أسألك بربِّك وربِّ مَن قبلك آلله أرسلك إلى الناس كلِّهم؟ قال: ((اللهم نعم)) قال: أنشدك بالله آلله أمرك أن تصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة؟ قال: ((اللهم نعم)) قال: أنشدك بالله آلله أمرك أن تصوم هذا الشهر من السنة؟ قال: ((اللهم نعم))

стр. 51

قال: أنشدك بالله آلله أمرك أن نأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا؟ فقال النبي ﷺ : ((اللهم نعم)) فقال الرجل: آمنت بما جئتَ به، وأنا رسولُ مَنْ ورائي مِنْ قومي، وأنا ضِمامُ بن ثعلبة أخو بني سعدٍ بن بكر)) (١)، وغير ذلك من الأحاديث الكثيرة المتواترة. وأما الإجماع: فقد أجمع المسلمون على وجوب صيام شهر رمضان، وأجمعوا على أن من أنكر وجوبه كفر، إلا أن يكون جاهلاً حديثَ عهدٍ بإسلام؛ فإنه يعلّم حينئذ، فإن أصرّ على الإنكار فهو كافر، يُقتل مرتداً؛ لأنه جحد أمراً ثابتاً بنص القرآن والسنة، معلوماً من الدين بالضرورة (٢). ثانياً: مراتب فرض الصيام وأطواره: لما كان فطم النفوس عن مألوفاتها وشهواتها من أشق الأمور وأصعبها، تأخر فرض صيام رمضان إلى وسط الإسلام بعد الهجرة لما توطَّنت النفوس على التوحيد، والصلاة، وألِفَتْ أوامر القرآن فنقلت إليه بالتدرج، وكان فرض صيام شهر رمضان في السنة الثانية من الهجرة، فتوفي رسول الله ﷺ وقد صام تِسع رمضانات (٣).

стр. 52

وكان فرض الصوم على رُتَبٍ ثلا ث (١) على النحو الآتي: الرتبة الأولى: فُرِضَ أولاً على وجه التخيير بينه وبين أن يُطعم عن كل يوم مسكيناً مع الترغيب في الصوم؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون * أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُون﴾ (٢). وعن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: ((لمّا نزلت: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ كان من أراد أن يفطر ويفتدي (٣) حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها))، وفي رواية لمسلم: ((كُنَّا في رمضان على عهد رسول الله ﷺ من شاء صام ومن شاء أفطر فافتدى بطعام مسكين، حتى أُنْزِلت هذه الأية: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٤) (٥) وعن ابن عمر

стр. 53

رضي الله عنهما أنه قرأ ((فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ)). قال: ((هي منسوخة)) (١) قال الحافظ ابن حجر ﵀: ((والمراد بالطعام: الإطعام، قوله: ((قال هي منسوخة)) هوصريح في دعوى النسخ، ورجحه ابن المنذر من جهة قوله: ﴿وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ قال: لأنها لو كانت في الشيخ الكبير الذي لايطيق الصيام لم يناسب أن يقال له: ﴿وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ مع أنه لايطيق الصيام)) (٢). وسمعت شيخنا ابن باز رحمه الله تعالى يقول: ((والصواب أن الآية منسوخة)) (٣) (٤)،والله تعالى أعلم (٥)،ومما يؤكد أن الآية منسوخة حديث ابن أبي ليلى قال: ((حدثنا أصحاب محمد ﷺ لما نزل رمضان فشق عليهم فكان من أطعم كل يوم مسكيناً ترك الصوم ممن يُطيقه ورُخص لهم في ذلك

стр. 54

فنسختها ﴿وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ فأمروا بالصيام)) (١) قال ابن حجر ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾: ((في الكلام حذف تقديره: وعلى الذين يطيقون الصيام إذا أفطروا فدية وكان هذا في أول الأمر عند الأكثر، ثم نسخ وصارت الفدية للعاجز إذا أفطر)) (٢) (٣). الرتبة الثانية: تحتم الصيام ؛ لقول الله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٤) لكن كان الصائم إذا نام قبل أن يطعم حَرُم عليه الطعام والشراب إلى الليلة القابلة (٥). الرتبة الثالثة: تحتم الصيام ووجوبه من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس، وهذه الرتبة نسخت الرتبة الثانية، وهي التي استقر عليها الشرع في الصيام إلى يوم القيامة (٦)،فعن البراء بن عازب ﵄، قال: كان أصحاب محمد ﷺ إذا كان الرجل صائماً فحضر الإفطار فنام

стр. 55

قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي، وإن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائماً، فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال لها: أعندكِ طعام؟ قالت: لا، ولكن أنطلق فأطلب لك، وكان يومه يعمل فغلبته عيناه - فجاءته امرأته فلما رأته قالت: خيبةً لك (١)، فلما انتصف النهار غُشي عليه فَذُكر ذلك للنبي ﷺ ، فنزلت هذه الآية: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ﴾ ففرحوا بها فرحاً شديداً، ونزلت: ﴿وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَد﴾ (٢).

стр. 56

المبحث السادس: ثبوت دخول شهر رمضان وخروجه يثبت دخول شهر رمضان برؤية محققة، أو بشهادة شاهدٍ واحدٍ عدلٍ فأكثر، فإن لم تكن رؤية، ولا شهادة أكمل الناس عدة شعبان ثلاثين يوماً، فعلى هذا يثبت دخول شهر رمضان بأحد أمرين: الأمر الأول: رؤية هلال رمضان ولو من واحدٍ عدل (١). الأمر الثاني: إتمام شهر شعبان ثلاثين يوماً . وكذلك يثبت خروج شهر رمضان: إما برؤية هلال شوال ولو من اثنين عدلين، أو إكمال رمضان ثلاثين يوماً، والفرق بين ثبوت دخول رمضان وخروجه، هو أن شهادة الواحد تقبل في دخوله، ولا يُقبل في خروجه إلا بشهادة عدلين، كما دلت على ذلك الأدلة الثابتة (٢) على النحو الآتي: أولاً: وجوب صوم رمضان بالرؤية المحققة لهلاله أو بإكمال شعبان ثلاثين يوماً؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ ذكر رمضان فقال: ((الشهر تسع وعشرون ليلة] وفي طريق ((الشهر: هكذا، وهكذا، وخنس (٣) الإبهام في الثالثة))،وفي رواية: ((الشهر هكذا،

стр. 57

وهكذا، وهكذا)) يعني تسعاً وعشرين يقول: مرة ثلاثين، ومرة تسعاً وعشرين)) [فـ] لاتصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غُمَّ (١) عليكم فاقدروا له)) (٢) وفي رواية ((فأكملوا العدة ثلاثين)) وفي لفظ: ((إنا أُمَّة أميَّة (٣) لا نكتب ولانحسب، الشهر هكذا، وهكذا)) يعني مرة تسعة وعشرين، ومرة ثلاثين)) (٤)؛ وعن أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ آلى (٥) من نسائه، [وفي رواية: حلف لا يدخل على بعض أهله شهراً، فلما مضى

стр. 58

تسعةٌ وعشرون يوماً غدا [عليهن] أوراح، فقيل له: [يا نبي الله!] إنك حلفت أن لا تدخل [عليهن] شهراً، فقال: ((إن الشهر يكون تسعة وعشرين يوماً)) (١). وعن عائشة ﵂ قالت: لما مضت تسع وعشرون ليلة أعدُّهُنَّ دخل عليَّ رسول الله ﷺ ، قالت: بَدَأَ بي فقلت: يا رسول الله إنك أقسمت أن لا تدخل علينا شهراً، وإنك دخلت من تسع وعشرين أعدُّهُنَّ، فقال: ((إن الشهر تسع وعشرون)) (٢). أما حديث أبي بكرة ﵁ ان النبي ﷺ قال: ((شهران لا ينقصان، شهرا عيد: رمضان، وذو الحجة)) (٣) قال الإمام البخاري ﵀: ((قال إسحاق: وإن كان ناقصاً فهو تام، وقال محمد: لا يجتمعان كلاهما ناقص)) (٤)، وقال الإمام الترمذي ﵀: ((قال أحمد: معنى هذا الحديث: لا ينقصان معاً في سنة واحدة؛ شهر رمضان وذو الحجة، إن

стр. 59

نقص أحدهما تم الآخر، وقال: إسحاق: معناه لا ينقصان، يقول: وإن كانا تسعاً وعشرين فهو تمام غير نقصان. وعلى مذهب إسحاق يكون ينقص الشهران معاً في سنة واحدة)) (١). والله تعالى أعلم (٢) بمراد نبيه ﷺ (٣). وعن أبي هريرة ﵁، قال: قال النبي ﷺ ، أو قال أبو القاسم ﷺ : ((صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غُبِّيَ عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين))، ولفظ مسلم: ((إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غُمَّ عليكم فصوموا ثلاثين يوماً))، وفي رواية لمسلم: ((صوموا

стр. 60

لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غُمَّ عليكم فعدُّو ثلاثين)) (١)،وعن حذيفة بن اليمان ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: ((لاتقدَّموا الشهر حتى تروا الهلال قبله، أو تكملوا العدة، ثم صوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة قبله)) (٢). وعن ربعي بن حراش مرسلاً، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غُمَّ عليكم فأتمُّوا شعبان ثلاثين، إلا أن تروُا الهلال قبل ذلك، ثم صوموا رمضان ثلاثين إلا أن تروُا الهلال قبل ذلك)) (٣). وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تقدَّموا الشهر بصوم يومٍ ولا يومين، إلا أن يكون شيء يصومه أحدكم، ولا تصوموا حتى تروه، ثم صوموا حتى تروه، فإن حال دونه غمامة (٤) فأتمُّوا العدة ثلاثين، ثم أفطروا، والشهر تسع وعشرون))، وهذا لفظ أبي داود، ولفظ

стр. 61

الترمذي: ((لا تصوموا قبل رمضان، صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن حالت دونه غياية (١) فأكملوا ثلاثين يوماً))،وفي رواية للنسائي: قال ابن عباس: عجبت ممن يتقدم الشهر وقد قال رسول الله ﷺ : ((إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين)) (٢). وعن عائشة ﵂ قالت: ((كان رسول الله ﷺ يتحفَّظ (٣) من شعبان ما لا يتحفَّظ من غيره، ثم يصوم لرؤية رمضان، فإن غُمَّ عليه عَدَّ ثلاثين يوماً ثم صام)) (٤). وعن أبي هريرة ﵁،قال: قال رسول الله ﷺ : ((أحصوا هلال شعبان لرمضان)) (٥). ولا يُتقدم بالصيام قبل رمضان بيوم أو يومين؛ لحديث أبي هريرة ﵁،عن

стр. 62

النبي ﷺ أنه قال: ((لا يتقدمنَّ أحدكم رمضان بصوم يومٍ أو يومين، إلا أن يكون رجل كان يصوم صوماً فليصم ذلك اليوم))،ولفظ مسلم: ((لا تقدَّموا رمضان بصوم يومٍ ولا يومين إلا رجلٌ كان يصوم صوماً فليصمه)) (١). ونهى النبي ﷺ عن صيام يوم الشَّكِّ، فعن صِلةَ بنِ زُفَرَ قال: كنَّا عند عمار بن ياسر فأُتي بشاة مصليّة فقال: كلوا، فتنحَّى بعض القوم فقال: إنِّي صائمٌ، فقال عمار: ((من صام اليوم الذي يَشُكُّ فيه الناس فقد عصى أبا القاسم ﷺ )) (٢)، وحتى ولو كانت ليلة الثلاثين من شعبان فيها غمامٌ أو قتر فلا يصام يوم الشك؛ لهذا الحديث وغيره من الأحاديث السابقة آنفاً (٣).

стр. 63

ثانياً: وجوب صوم رمضان بالشهادة، والشهادة نوعان: النوع الأول: شهادة الواحد ؛ لحديث ابن عباس ﵄، قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: إني رأيت الهلال، قال الحسن في حديثه: يعني رمضان، فقال: ((أتشهد أن لا إله إلا الله؟)) قال: نعم، قال: ((أتشهد أن محمداً رسول الله؟)) قال: نعم، قال: ((يا بلال أذن في الناس أن يصوموا غداً)) (١).

стр. 64

وعن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄، قال: ((تَراءى (١) الناس الهلال، فأخبرت رسول الله ﷺ أني رأيته، فصامه وأمر الناس بصيامه)) (٢). قال الإمام الترمذي أثناء كلامه على حديث ابن عباس ﵄ في شهادة الأعرابي: ((والعمل على هذا الحديث عند أكثر أهل العلم، قالوا: تقبل شهادة رجل واحد في الصيام، وبه يقول ابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وأهل الكوفة، وقال: إسحاق: لا يصام إلا بشهادة رجلين، ولم يختلف أهل العلم في الإفطار أنه لا يقبل فيه إلا شهادة رجلين)) (٣) (٤).

стр. 65

النوع الثاني: شهادة الاثنين ؛ لحديث حصين بن الحارث الجدليِّ - من جديلة قيس - ((أن أمير مكة خطب ثم قال: عهد إلينا رسول الله ﷺ : أن ننسك (١) للرؤية، فإن لم نره وشهد شاهدا عدلٍ نسكنا بشهادتهما، فسألتُ الحسين بن الحارث مَنْ أمير مكة؟ قال: لا أدري، ثم لقيني بعد فقال: هو الحارث بن حاطب أخو محمد بن حاطب، ثم قال الأمير: إن فيكم من هو أعلم بالله ورسوله منِّي، وشهد هذا من رسول الله ﷺ ، وأومأ بيده إلى رجل، قال الحسين: فقلت لشيخٍ إلى جنبي: من هذا الذي أومأ إليه الأمير؟ قال: هذا عبد الله بن عمر، وصدق كان أعلم بالله منه، فقال: بذلك أمرنا رسول الله ﷺ )) (٢). وعن ربعي بن حراش، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال:

стр. 66

((اختلف الناس في آخر يوم من رمضان، فقَدِمَ أعرابيان فشهدا عند النبي ﷺ : بالله؛ لأَهَلاَّ الهلال أمسِ عشيّةً، فأمر رسول الله ﷺ الناس أن يفطروا)) زاد خلفٌ في حديثه: ((وأن يغدوا إلى مُصَلَّاهُم)) (١). وعن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، أنه خطب الناس في اليوم الذي يُشَكُّ فيه، فقال: ألا إني جالست أصحاب رسول الله ﷺ ، وساءلتهم، وإنهم حدَّثوني أن رسول الله ﷺ قال: ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، وانسكوا لها، فإن غُمَّ عليكم فأكملوا ثلاثين، فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا)) (٢). وعن أبي عمير بن أنس عن عُمُومةٍ له من أصحاب رسول الله ﷺ ((أن ركباً جاءوا إلى النبي ﷺ يشهدون أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمرهم أن يفطروا، وإذا أصبحوا أن يغدوا إلى مُصَلَّاهُم)) (٣). ثالثاً: اختلاف المطالع بين البلدان في رؤية الهلال ؛ لحديث كريب أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام، قال: ((فقدمت الشام فقضيت

стр. 67

حاجتها واستُهِلَّ عليَّ رمضان وأنا بالشام فرأيت الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر فسألني عبد الله بن عباس ﵄، ثم ذكر الهلال، فقال: متى رأيتم الهلال؟ فقلت: رأيناه ليلة الجمعة، فقال: أنت رأيته؟ فقلت: نعم، ورآه الناس وصاموا وصام معاوية، فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه، فقلت: أو لا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا، هكذا أمرنا رسول ﷺ ))، وشك يحيى بن يحيى [من رواة الحديث] في نكتفي، أو تكتفي (١). وعن أبي البختري قال: خرجنا للعمرة، فلما نزلنا ببطن نخْلةَ قال تراءينا الهلال، فقال بعض القوم: هو ابن ثلاث، وقال بعض القوم: هو ابن ليلتين، قال: فلقينا ابن عباس فقلنا: إنَّا رأينا الهلال، فقال بعض القوم: هو ابن ثلاث، وقال بعض القوم: هو ابن ليلتين، فقال: أيُّ ليلة رأيتموه؟ قال: فقلنا: ليلة كذا وكذا، فقال: إن رسول الله ﷺ قال: ((إن الله مدَّه للرؤية فهو لِلَيلةٍ رأيتموه)) وفي رواية: ((إن الله قد أمدّه لرؤيته فإن أغمي عليكم فأكملوا العدة)) (٢). ولاشك أن اختلاف مطالع الأهلّة من الأمور التي علمت

стр. 68

بالضرورة: حساً وعقلاً، ولم يختلف في هذا أحد من علماء المسلمين ولا غيرهم، وإنما وقع الاختلاف بين علماء المسلمين في اعتبار اختلاف المطالع في ابتداء صوم شهر رمضان والفطر منه على قولين: فمن أئمة الفقهاء من رأى اعتبار اختلاف المطالع في بدء صوم رمضان ونهايته، فإن اتفقت لزم الصوم كل من يوافق بلد من رأى الهلال في المطالع للأهلّة، ولا يلزم من يخالف مطلع الهلال إذا لم يروه. ومنهم من لم يرَ اعتبار اختلاف المطالع فإذا رآه أهل بلد لزم الناس كلهم الصوم، وهذا أقرب إلى اتحاد المسلمين وتوحيد كلمتهم، وعدم التفرق بينهم، فإذا اجتمعوا وكان يوم صومهم ويوم فطرهم واحداً كان ذلك أفضل وأقوى للمسلمين في اتحادهم (١).

стр. 69

والأظهر أنه لا حرج على أهل أي بلدٍ إذا لم يروا الهلال ليلة الثلاثين من شعبان أو ليلة الثلاثين من رمضان أن يأخذوا برؤيته إذا ثبتت في غير مطلعهم؛ لعموم الأدلة؛ ولكن إذا اختلفوا فيما بينهم أخذوا بحكم الحاكم في بلدهم إن كان الحاكم مسلماً؛ فإن حُكْم الحاكم بأحد القولين يرفع الخلاف ويلزم من تحت ولايته العمل به، وإن لم يكن الحاكم مسلماً أخذوا بحكم المركز الإسلامي في بلادهم محافظة على الوحدة الإسلامية في صومهم رمضان، وفي صلاتهم العيد في بلادهم (١) والله تعالى أعلم (٢).

стр. 70

وقد سمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز رحمه الله تعالى، يذكر كثيراً: أن الدول الإسلامية إذا وثق بعضها ببعضٍ وكل منهم اعتمد رؤية الهلال عند الدولة الأخرى فهو حسن لعموم الأحاديث، وإن لم يتيسر ذلك وصاموا برؤيتهم فلا بأس (١).

стр. 71

رابعا: الصوم والفطر بالاجتهاد ، ثبت في هذا أحاديث منها حديث أبي هريرة ﵁، ((الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون))،ولفظ أبي داود: ((وفطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحون، وكل عرفة موقف، وكل منى منحر، وكل فجاج (١) مكة

стр. 72

منحر، وكل جمع موقف)) (١). قال الإمام الترمذي ﵀: ((وفسَّر بعض أهل العلم هذا الحديث، فقال: إنما معنى هذا؛ أن الصوم والفطر مع الجماعة وعُظْمِ الناس)) (٢). قال الخطابي ﵀: ((معنى الحديث: أن الخطأ موضوع عن الناس فيما كان سبيله الاجتهاد، فلو أن قوماً اجتهدوا فلم يروا الهلال إلا بعد الثلاثين فلم يفطروا حتى استوفوا العدد، ثم ثبت عندهم أن الشهر كان تسعاً وعشرين؛ فإن صومهم وفطرهم ماضٍ، ولا شيء عليهم: من وزرٍ، أو عيبٍ، وكذلك الحج إذا أخطأوا [يوم] عرفة، فليس عليهم إعادتُه، وكذلك أضحاهم تجزئهم، وإنما هذا رفق من الله ولطف بعباده)) (٣). وعن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((الفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضحى الناس)) (٤). ومما يدخل في معنى هذه الأحاديث: أن من رأى هلال رمضان وحده

стр. 73

وردّت شهادته لم يلزمه الصوم ولا غيره، ونقله حنبل عن أحمد في الصوم، وكما لا يعرِّف ولا يضحى وحده، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (١). وقال سماحة شيخنا الإمام ابن باز ﵀: ((ذهب بعض أهل العلم إلى أنه يصوم وحده، والصواب أنه لا يجوز له أن يصوم وحده، بل عليه: أن يصوم مع الناس ويفطر معهم؛ لقول النبي ﷺ : ((الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون)) (٢)، أما إذا كان في البرية ما عنده أحد فإنه يعمل برؤيته في الصوم والفطر)) (٣) والله أعلم (٤).

стр. 74

وكذلك من انتقل من بلدٍ إلى بلدٍ آخر فحكمه في الصيام والإفطار حكم البلد الذي سافر إليها، سواء كان ذلك في أول شهر رمضان أو في الخروج من الصيام، فيصوم مع الناس، ويفطر معهم؛ لأن حكم من

стр. 75

وُجد في بلد حكم أهله؛ لقول النبي ﷺ : ((الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون)) (١) لكن إذا كان الذي انتقل إلى بلد آخر أو دولة أخرى لم يصم إلا ثمانية وعشرين يوماً؛ فإنه يلزمه أن يقضي يوماً آخر بعد العيد؛ حتى يكمل به تسعة وعشرين يوماً؛ لأن الشهر لا ينقص عن تسعة وعشرين، كما أنه لا يزيد عن الثلاثين (٢) وحتى لو قدم إلى بلد فصاموا وهو قد صام في بلد آخر قبلهم بيوم فإنه يصوم مع الناس حتى ولو كان صيامه معهم يكمل له واحداً وثلاثين يوماً؛ فإنه يصوم معهم للحديث السابق: ((الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون)) (٣) (٤).
следующие страницы →