العلاقة المثلى بين الدعاة ووسائل الإتصال الحديثة في ضوء الكتاب والسنة
د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على هديه إلى يوم الدين.
أما بعد:
فهذا بحث مختصر في ((العلاقة المثلى بين العلماء والدعاة، ووسائل الاتصال الحديثة))، قُرِّر علي أثناء دراستي المنهجية في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في السنة التمهيدية لتحضير الماجستير، في عام ١٤٠٧هـ، وكان المشرف آنذاك الأستاذ الدكتور الشيخ: سيِّد محمد ساداتي الشنقيطي، جزاه الله خيراً، ثم حال بيني وبين نشره ما ثبت في الأحاديث الصحيحة من الوعيد الشديد للمصوِّرين، وتحريم التصوير لذوات الأرواح، وفي عام ١٤٣١هـ، نظرت وتأمَّلت في البحث فوجدته مفيداً جدًّا؛ لخطر وسائل الإعلام الحديثة إذا تُرِك الحبل على الغارب لدعاة الضلالة،
стр. 3
ونشرهم الفساد في وسائل الإعلام: المسموعة، والمرئية، والمقروءة، فإن تُركت هذه الوسائل لهؤلاء زاد الفساد، وعمَّ، وطمَّ، إلا ما شاء الله، فرأيت أن الدخول فيها لأهل العلم المخلصين والمصلحين الصادقين، والدعاة الناصحين يقلل من الشرِّ كثيراً جداً، وفيه نفع عظيم، وخير كثير؛ ولأن من قواعد الشريعة: أن المفاسد إذا تعارضت: ارتكب أدناها لتفويت أعلاها إذا لم يمكن السلامة منهما جميعاً، وإذا تعارضت المصالح والمفاسد فتَرْكُ المفاسد مُقدَّم على جلب المصالح، وإذا تعارضت المصالح عُمِلَتْ أعلى المصلحتين إذا لم يمكن تحصيلهما جميعاً؛ ولهذا عزمت بتوفيق الله على إخراج هذا البحث بعد تحريره وتخريج أحاديثه وتحقيقه؛ ليكون فيه حجة لمن شرح الله صدره للدخول في هذه الوسائل، وسيجدون الثواب العظيم من الله تعالى إذا حَسُن قصدهم؛ للدفاع عن دين الله بالحجة وبالبرهان، ابتغاء مرضاته، أما أنا فلم ينشرح صدري للدخول في التلفاز، والفديو إلا إذا حصل ذلك بدون قصدٍ منِّي ولا طلب؛ لما جاء من الوعيد الشديد في التصوير، فمن دخل في هذه الوسائل بنيَّةٍ صادقة، وشرح الله صدره لذلك؛ لإعلاء كلمة الله، فليبشر بالخير الكثير والأجر العظيم.
والله أسأل أن يجعل هذا البحث خالصاً لوجهه، وأن يجعله صواباً وأن ينفعني به في حياتي، وبعد مماتي، وأن ينفع به كل من
стр. 4
انتهى إليه، فإنه خير مسؤول وأكرم مأمول.
وقد قسمت هذا البحث إلى ثلاثة فصول وخاتمة، وكل فصل يشتمل على عدة مباحث على النحو الآتي:
الفصل الأول: تعريف ومفاهيم.
المبحث الأول: تعريف وسائل الاتصال لغة واصطلاحاً.
المبحث الثاني: تعريف الإعلام لغة واصطلاحاً.
المبحث الثالث: تعريف الدعوة لغة واصطلاحاً.
المبحث الرابع: تعريف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لغة واصطلاحاً.
المبحث الخامس: الفرق بين مفهوم الإعلام ومفهوم الاتصال.
المبحث السادس: مفهوم الدعوة ومفهوم الإعلام.
المبحث السابع: إيثار القرآن لفظ الدعوة على لفظ الإعلام.
المبحث الثامن: العملية الاتصالية، ونماذج الاتصال.
الفصل الثاني: حكم الدعوة، وفضل العلم والعلماء:
المبحث الأول: حكم الدعوة إلى الله.
المبحث الثاني: فضل العلم والعلماء والدعوة والدعاة.
المبحث الثالث: الإخلاص لله والمتابعة للنبي ﷺ .
المبحث الرابع: خطر كتم العلم النافع.
الفصل الثالث: الدعاة ووسائل الاتصال:
المبحث الأول: خطر وأهمية وسائل الاتصال الحديثة.
стр. 5
المبحث الثاني: العلاقة المثلى بين العلماء والدعاة ووسائل الاتصال الحديثة.
المبحث الثالث: استغلال الوسائل الحديثة في الدعوة إلى الله وكيفية استخدامها.
١ - الصحافة.
٢ - الكتاب.
٣ - الإذاعة.
٤ - التلفزيون.
٥ - السينما.
٦ - أشرطة التسجيل الكاسيت، والأقراص المدمجة ((السيديات)).
٧ - أشرطة الشرائح.
٨ - الأفلام.
٩ - أشرطة الفيديو.
١٠ - الهاتف الثابت.
١١ - الناسوخ.
١٢ - الهاتف الجوال.
١٣ - الإنترنت.
المبحث الرابع: واجب العلماء والدعاة نحو ما ينشر في وسائل الإعلام.
المبحث الخامس: الهدف الذي يريده كل مسلم من الإعلام.
والله تعالى أسأل أن يوفق الجميع لما يحبه ويرضاه، وأن يجعل هذا العمل القليل خالصاً لوجهه الكريم، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
المؤلف: أبو عبد الرحمن
سعيد بن علي بن وهف القحطاني
كُتِبَ أصله في النصف الثاني من عام ١٤٠٧هـ
وحرر بعد ظهر يوم الأحد الموافق ١/ ٧/١٤٣١هـ
стр. 6
الفصل الأول: تعريف ومفاهيم .
المبحث الأول: تعريف وسائل الاتصال: لغة واصطلاحاً.
المبحث الثاني: تعريف الإعلام: لغة واصطلاحاً.
المبحث الثالث: تعريف الدعوة: لغة واصطلاحاً.
المبحث الرابع: تعريف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لغة واصطلاحاً.
المبحث الخامس: الفرق بين مفهوم الإعلام ومفهوم الاتصال.
المبحث السادس: مفهوم الدعوة ومفهوم الإعلام.
المبحث السابع: إيثار القرآن لفظ الدعوة على لفظ الإعلام.
المبحث الثامن: العملية الاتصالية، ونماذج الاتصال.
стр. 7
المبحث الأول: تعريف وسائل الاتصال
الوسيلة لغة: التوصل إلى الشيء برغبة، وهي أخص من الوصلة لتضمنها معنى الرغبة، قال تعالى: ﴿وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ﴾ (١). وحقيقة الوسيلة إلى الله تعالى مراعاة سبيله بالعلم والعبادة، وتحرِّي مكارم الشريعة وهي كالقربة، والواسل الراغب إلى الله تعالى (٢).
واصطلاحاً: وسائل الاتصال الحديثة هي أدوات لنشر كافة أنواع المعلومات عن طريق الوسائل الإلكترونية (٣).
الاتصال لغة: وصل بمعنى اتصل، والوصل ضد الهجران، وبينهما وصلة أي: اتصال وذريعة، وكل شيء اتصل بشيء فما بينهما وصلة، والجمع وصل، والتواصل ضد التقاطع (٤).
وقيل: الاتصال لغة: اتخاذ الأشياء بعضها ببعض كاتحاد طرفي الدائرة ويضاد الانفصال (٥).
стр. 8
الاتصال اصطلاحاً: له تعاريف كثيرة منها:
هو العملية التي بمقتضاها يتفاعل مرسل الرسالة ومستقبلها في مضامين معينة، أو هو تفاعل بين طرفين، وفي هذا التفاعل تنقل أفكار ومعلومات أو وقائع وعواطف وآراء، ومشاركة الصور الذهنية، والتوجيه والإقناع (١).
أو هو العملية التي ينقل بمقتضاها الفرد - القائم بالاتصال - منبهات - عادة رموز لغوية - لكي يعدل سلوك الأفراد الآخرين - مستقبلي الرسالة (٢).
وسائل الاتصال الجماهيرية:
هي أدوات الاتصال التي تصل إلى أعداد كبيرة من الناس على الفور، وهي تحمل لهم رسالة واحدة (٣).
* * *
стр. 9
المبحث الثاني: تعريف وسائل الإعلام
الوسائل لغة واصطلاحاً كما تقدم في تعريف وسائل الاتصال:
الإعلام لغة: أعلمته وعلمته في الأصل واحد إلا أن الإعلام اختص بما كان بإخبار سريع، والتعليم اختص بما كان بتكرير وتكثير حتى يحصل منه أثر في نفس المتعلم (١).
الإعلام في الاصطلاح: له من التعريفات ما لا يمكن حصرها.
ومنها: هو التعبير الموضوعي عن عقلية الجماهير، وروحها وميولها واتجاهاتها في نفس الوقت (٢).
* * *
стр. 10
المبحث الثالث: تعريف الدعوة لغة واصطلاحاً
لغة: الدعاء إلى الشيء والحث عليه، قال تعالى: ﴿والله يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ﴾ (١).
والدعوة مختصة بادعاء النسبة، وأصلها للحالة التي عليها الإنسان نحو: القعدة والجلسة (٢).
وقيل: الدال والعين والحرف المعتل أصل واحد، وهو أن تميل الشيء بصوت وكلام يكون منك (٣).
و الدعوة في الاصطلاح: هي العلم الذي به تعرف كافة المحاولات الفنيَّة المتعددة الرامية إلى تبليغ الناس الإسلام بما حوى من عقيدة وشريعة وأخلاق (٤).
أو هي فنٌّ يبحث في الكيفيات المناسبة التي نجذب بها الآخرين إلى الإسلام، أو نحافظ على دينهم بواسطتها (٥).
أو هي في الإمالة للجمهور نحو شيء معين بأي وسيلة كانت متاحة صوتية كانت أو كلامية (٦).
стр. 11
واختار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أن الدعوة إلى الله هي: «الدعوة إلى الإيمان به، وبما جاءت به رسله: بتصديقهم
فيما أخبروا، وطاعتهم فيما أمروا، وذلك يتضمن الدعوة إلى: الشهادتين، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، والدعوة إلى الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشره، والدعوة إلى أن يعبد العبد ربه كأنه يراه» (١).
* * *
стр. 12
المبحث الرابع: تعريف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
لغة: المعروف اسم لكل فعل يُعرفُ بالعقل أو الشرع حسنه، والمنكر ما ينكر بهما (١). قال تعالى: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ (٢). وقال : ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ (٣).
وفي الاصطلاح: هو أمر بالمعروف إذا ظهر تركه، ونهي عن المنكر إذا ظهر فعله (٤).
* * *
стр. 13
المبحث الخامس: الفرق بين الإعلام والاتصال
الإعلام هو الشجرة الباسقة المورقة في بستان الاتصال. وذلك أن الاتصال عام، بمعنى أنه لا يقتصر على الاتصال الإنساني - أي الاتصال بين البشر - بل يشمل الاتصال الإنساني والاتصال بين مخلوقات الله غير المرئية، والاتصال في العائلة الحيوانية، وعند الطيور، والأسماك، والحشرات.
إن حركة النمل والنحل تدلنا على عموم الاتصال، وإذا كان الاتصال عاماً فإن الإعلام خاص، ثم إن الاتصال الإنساني أو الاتصال البشري يمكننا أن نقسمه إلى قسمين:
القسم الأول: اتصال ذاتي .
القسم الثاني: اتصال بالآخرين .
فالذاتي لمحادثة نفسه، ونظره في المرآة ليرى صورته، ومحاسبة نفسه.
و الاتصال بالآخرين ينقسم إلى قسمين:
١ - اتصال الإنسان بأخيه الإنسان .
٢ - اتصال الإنسان بغيره من مخلوقات الله .
وما يهمنا هو القسم الأول - اتصال الإنسان بأخيه الإنسان - اتصال وعي وإدراك - وهنا يمكننا أن نبيِّن ثلاثة أنواع رئيسة:
النوع الأول: اتصال شخصي أو مباشر، وهو اتصال شخص بصديقه أو بعدد محدد من أفراد أسرته، أو زملائه.
стр. 14
النوع الثاني: اتصال جماهيري: وهو اتصال شخص، أو هيئة بالجماهير الغفيرة، سواء كانت جماهير ذات نوعية خاصة أو عامة، جماهير مرتبطة بإقليم معين، أو منطقة بذاتها، أو العالم أجمع.
النوع الثالث: اتصال حضاري أو ثقافي وهو اتصال الحضارات أو الثقافات عبر الأمم والأجيال.
وفي الاتصال الشخصي، والاتصال الجماهيري، والاتصال الحضاري نجد أن الأول يغلب عليه في شكل الإعلام القديم، والثاني يغلب عليه في شكل الإعلام المعاصر، والثالث جمع في استمراريته بين الشكلين، بل لا بد أن يجمع كل شكل جديد مستحدث، وإذا كانت وسائل الاتصال الشخصي هي: المحادثة والمناظرة، ثم الخطابة والتليفون، فإن وسائل الاتصال الجماهيري هي: الراديو، والصحيفة، والتلفزيون، والسينما، وغير ذلك من الوسائل الإعلامية العصرية.
كذلك فإن وسائل الاتصال الحضاري والثقافي هي: السياحة، والحروب، والحج، والتجارة، وتبادل الوفود والبعثات وغير ذلك (١).
والخلاصة أن مفهوم الاتصال في الدراسات الإعلامية أوسع من مفهوم الإعلام وأعمق (٢).
стр. 15
المبحث السادس: الفرق بين الدعوة والإعلام
الدعوة تكاد توازي مفهوم الإعلام؛ لأن الدعوة هي الإعلام بالإسلام والتعريف به، والدعوة جزء من الإعلام الإسلامي.
والدعوة لا تشمل وسائل الإعلام فحسب، بل تشمل القدوة الحسنة، والإجراءات الاقتصادية المشابهة لدعم المؤلفة قلوبهم وما شابه ذلك، وليس في قولنا بأن الدعوة إلى الإسلام جزء من الإعلام الإسلامي تضخيم للإعلام الإسلامي أو تصغير للدعوة الإسلامية. ولكن شبيه بهذا الموقف قولنا بأن العلاقات العامة تستخدم كافة وسائل الإعلام؛ لتحقيق أهدافها إلى جانب الاتصال الشخصي والحلول الإدارية وتنظيم الحفلات والإقامة وما شابه ذلك، برغم أن علم العلاقات العامة جزء من علم الإعلام، وأن التخصص في العلاقات العامة فرع من الإعلام وهو الأصل (١).
وهناك مفاهيم للدعوة ومفاهيم للإعلام كثيرة جداً (٢).
* * *
стр. 16
المبحث السابع: إيثار القرآن لفظ الدعوة على لفظ الإعلام
نجد أن القرآن الكريم يُعبِّر عن الفكرة الإعلامية الواجبة في التعريف بالإسلام، وبيان مزاياه الكريمة بلفظ آخر بديل عن الإعلام هو الدعوة. قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (١).
وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (٢).
وقال تعالى في قول نوح: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلاَّ فِرَارًا﴾ (٣).
فهذه النصوص وغيرها توضح أن المطلوب من أهل العلم في الإسلام الدعوة إلى دين الله.
والدعوة أكثر شمولاً وأعظم دلالة على طبيعة العمل المفروض علينا نحو ديننا الكريم - من لفظ الإعلام - وهي أقوى إيحاء وأدق تحديداً للنشاط الحركي، والقول المطلوب في عمل الدعاة، وذلك لما يأتي:
١ - الدعوة ذات صفة موجهة تتطلب معرفة سابقة عن المدعو ضماناً لنجاح أثر الرسالة الموجهة إليه.
٢ - الدعوة تتطلب التزاماً من الداعي نحو من يدعوهم ، فهو يوجه هذه
стр. 17
الدعوة إلى غيره، لينضم إلى الجانب الذي سبق له الانضمام إليه.
٣ - الدعوة تتطلب المتابعة والمراجعة لمعرفة مدى النداء الموجَّه ، ومن شأن الدعوة أن يكون لها إجابة، وليست مجرد صياح أو لغو في الفضاء الواسع.
ولا نجد في لفظة الإعلام من تحمل المسؤولية ومن الجديَّة في تحديد الدعوة أو التلقي، ومن الاهتمام يرجع الصدى بعد توجيه الدعوة ما نجده في هذا اللفظ القرآني - لفظ الدعوة -.
إذاً القرآن الكريم آثر لفظ الدعوة في مجال النشاط القائم، والعمل الدائم للتعريف بالإسلام؛ لأن فيها ما يوحي بالمعاني الحركية المتضمنة في العملية الاتصالية، وهي المسماة الآن: ب طرق التأثير الإعلامي .
وهي ثلاث شعب:
١ - التكرار: ويقصد به الإلحاح المستمر والمتجدد في عرض الرسالة الإعلامية .
٢ - التوليد: ويقصد به استخراج فهمٍ من فهمٍ آخر .
٣ - التذكير: ويقصد به تحديد الفهم مرة أخرى (١).
стр. 18
المبحث الثامن: العملية الاتصالية ونماذج الاتصال
لا يختلف الباحثون في أن العملية الإعلامية تشمل العناصر الخمسة الآتية:
١ - المرسل للرسالة الإعلامية .
٢ - الرسالة الإعلامية .
٣ - الوسيلة التي تقوم بنقل هذه الرسالة .
٤ - المستقبل للرسالة الإعلامية .
٥ - الاستجابة أو التأثير للرسالة الإعلامية .
وتتلخص عملية الاتصال في هذا السؤال المركب الذي يشمل كل العناصر للعملية الاتصالية: وهو:
من يقول؟
ماذا يقول؟
وبأي وسيلة؟
وإلى من؟
وبأي تأثير؟
وهناك من يضيف عنصراً سادساً، وهو رد الفعل، فيزيد في السؤال المركب: وما هو رد الفعل؟
وهذا السؤال المركب يُبيِّن لنا عملية مستمرة ومركبة، ويحلل
стр. 19
لنا العناصر الرئيسية في عملية الاتصال، وكل عنصر منها يشبه الحلقة في السلسلة لا بد من وجودها لتتم عملية الاتصال (١). وسأقتصر على هذا رغبة في الاختصار وعدم الإطالة في شرح هذه العملية عنصراً عنصراً.
* * *
стр. 20
الفصل الثاني: حكم الدعوة إلى الله تعالى، وفضل العلم والعلماء
المبحث الأول: حكم الدعوة إلى الله تعالى.
المبحث الثاني: فضل العلم والعلماء والدعوة والدعاة.
المبحث الثالث: الإخلاص لله والمتابعة للنبي ﷺ .
المبحث الرابع: خطر كتم العلم النافع.
стр. 21
المبحث الأول: حكم الدعوة إلى الله
قد دلت الأدلة من الكتاب والسنة على وجوب الدعوة إلى الله ، وأنها من الفرائض، والأدلة في ذلك كثيرة منها:
١ - قوله : ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون﴾ (١).
٢ - قوله : ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٢).
٣ - ومنها قوله جل وعلا: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (٣). فبين سبحانه أن اتباع الرسول ﷺ هم الدعاة إلى الله. والواجب كما هو معلوم اتباع الرسول ﷺ كما قال : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ الله كَثِيرًا﴾ (٤).
وصَرَّحَ العلماء أن الدعوة إلى الله فرض كفاية بالنسبة للأقطار التي يقوم فيها الدعاة ... إذا قام بالدعوة من يكفي سقط عن الباقين ذلك الواجب، وصارت الدعوة في حق الباقين سنة مؤكدة وعملاً صالحاً جليلاً.
стр. 22
وإذا لم يقم أهل الإقليم أو أهل القطر المُعيَّن بالدعوة على التمام صار الإثم عاماً وصار الواجب على الجميع، وعلى كل إنسان أن يقوم بالدعوة حسب طاقته وإمكاناته، أما بالنظر إلى عموم البلاد فالواجب أن يوجه طائفة منتصبة تقوم بالدعوة إلى الله
في أرجاء المعمورة، تُبلِّغ دعوة الإسلام وتُبيِّن أمر الله
بالطرق الممكنة، فإن الرسول ﷺ قد بعث الدعاة وأرسل الكتب إلى الناس وإلى الملوك والرؤساء ودعاهم إلى الله .
وقد تكون الدعوة فرض عين إذا كنت في مكان ليس فيه من يؤدي ذلك سواك، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فإنه يكون فرض عين ويكون فرض كفاية ... وبهذا يُعلم أن كون الدعوة فرض عين وكونها فرض كفاية أمر نسبي يختلف: فقد تكون الدعوة فرض عين بالنسبة إلى أقوام وإلى أشخاص، وسنة بالنسبة إلى أشخاص وإلى أقوام؛ لأنه وجد في مكانهم من قام بالأمر وكفى عنهم ... أما بالنسبة إلى ولاة الأمور ومن لهم القدرة الواسعة فعليهم من الواجب أكثر، وعليهم أن يُبلِّغوا الدعوة إلى ما استطاعوا من الأقطار حسب الإمكان بالطرق الممكنة، وباللغات الحيَّة التي ينطق بها الناس ... فإن الأمر الآن ممكن وميسور بالطرق الميسرة اليوم، ولم تنتشر في السابق: طرق الإذاعة، والتلفزة، والصحافة، وغير ذلك من الطرق. ونظراً إلى انتشار الدعوة إلى المبادئ الهدامة وإلى الإلحاد وإنكار رب العباد، والرسالات، واليوم الآخر، وانتشار الدعوة
стр. 23
النصرانية في الكثير من البلدان، وغير ذلك من الدعوات المضللة إلى هذا، فإن الدعوة إلى الله اليوم أصبحت فرضاً عاماً وواجباً عاماً على جميع العلماء وعلى جميع الحكام، الذين يدينون بالإسلام فرض عليهم أن يبلغوا دين الله: حسب الطاقة، والإمكان بالكتابة، والخطابة، وبالإذاعة، وبكل وسيلة استطاعوا، وألاّ يتقاعسوا عن ذلك، أو يتَّكلوا على زيد وعمر؛ فإن الضرورة ماسة اليوم إلى التعاون والاشتراك، والتكاتف في هذا الأمر العظيم أكثر مما كان قبل ذلك؛ لأن أعداء الله قد تكاتفوا وتعاونوا بكل وسيلة للصدِّ عن سبيل الله، والتشكيك في دينه، ودعوة الناس إلى ما يخرجهم من دين الله فوجب على أهل الإسلام أن يقابلوا هذا النشاط المضلل وهذا النشاط الملحد بنشاطٍ إسلامي، وبدعوةٍ إسلامية على شتى المستويات والوسائل بجميع الطرق الممكنة، وهذا من باب أداء ما أوجب الله على عباده ومن الدعوة إلى سبيله (١).
* * *
стр. 24
المبحث الثاني: فضل العلم والعلماء، والدعوة والدعاة
مدح الله تعالى العلماء، وأثنى عليهم وبين فضلهم في كتابه الكريم، ومن ذلك الأدلة الآتية:
١ - قال تعالى: ﴿شَهِدَ الله أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قائِماً بالقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم﴾ (١).
٢ - وقال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ (٢).
٣ - وقال : ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُون﴾ (٣).
٤ - وقال : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ (٤).
٥ - وقال : ﴿يَرْفَعِ الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (٥).
٦ - وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَاب﴾ (٦).
٧ - وعن معاوية ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: ((من يُرِدْ الله بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّينِ، وَإِنَّمَا أنا قَاسِمٌ، وَاللَّهُ يُعْطِي، وَلَنْ تَزَالَ هذه الْأُمَّةُ
стр. 25
قَائِمَةً على أَمْرِ اللَّهِ لَا يَضُرُّهُمْ من خَالَفَهُمْ حتى يَأْتِيَ أَمْرُ الله)) (١).
٨ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فيه عِلْمًا سَهَّلَ الله له طَرِيقًا إلى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رضاً بمَا يَصْنَعَ، وَإِنَّ العالمَ يَسْتَغْفِرُ له من في السَّمَوات ومَنْ في الْأَرْضِ حتى الْحِيتَانِ في الْمَاءِ، وَفضْلُ الْعَالِمِ على الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ على سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وإنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وإنَّ الْأَنْبِيَاءَ لم يُوَرِّثُوا دِينَارًا، ولا دِرْهَمًا إنَّما وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ)) (٢).
٩ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال ﷺ : ((إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ من الناس، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمُ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حتَّى لم يَتْركَ عَالِمًا اتَّخَذَ الناسُ رُؤُوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا)) (٣).
١٠ - وعن حذيفة بن اليمان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((فَضْلُ
стр. 26
العلمِ خَيْرٌ مِنْ فَضْلِ العِبَادةِ، وخَيرُ دينِكُم الوَرَعُ)) (١).
١١ - وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا حَسَدَ إلاَّ في اثْنَتَين: رَجُلٌ آتَاهُ الله مَالاً فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ في الحَقِّ، ورَجُلٌ آتَاهُ الله حِكْمَةً فَهُو يَقْضِي بِها ويُعَلِّمُها)) (٢). والمراد بالحسد في هذا الحديث الغبطة.
١٢ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ وهو يقول: ((الدُّنْيا مَلْعُونَةٌ، مَلْعُونَ مَا فِيْها إلا ذِكْرَ الله ومَا وَلاهُ، وعَالمِاً أو مُتَعَلِّماً)) (٣).
١٣ – وعن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((فَضْلُ العَالِمِ عَلى العَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أدْنَاكُمْ، وأنَّ الله ومَلائِكَتَهُ، وأَهْلُ السَّمواتِ والأرْضِ حَتَّى النَّمْلَةَ في جُحْرِهَا، وحتَّى
стр. 27
الحَوتُ يُصَلُّونَ عَلى مُعَلِّم النَّاسِ الخيرِ)) (١).
١٤ – وعن أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْل أَجْرِ فَاعِلُه)) (٢).
١٥ – وعن زيد بن خالد الجهني ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((مَنْ جَهَّزَ غَازِياً فَقَدْ غَزَا، ومَنْ خَلَفَهُ في أهْلِهِ بِخيرٍ فَقَدْ غَزَا)) (٣).
١٦ – وعن جرير بن عبد الله ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((مَنْ سنَّ في الإسْلامِ سُنَّةً حَسَنةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأجْرُ مَنْ عَمِلَ بَها بَعْدَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أجُوْرِهِم شَيْءٌ، ومَنْ سَنَّ في الإسْلامِ سُنَّةً سَيِّئةً كانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بها مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ غَيْرِ أنْ يَنْقُصَ مِنْ أوْزَارِهم شَيْءٌ)) (٤).
١٧ – وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((من دَعَا إلى هُدًى كان له من الأجْرِ مِثْلُ أُجُورِ من تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذلك من أُجُورِهِمْ شيئاً، وَمَنْ دَعَا إلى ضَلَالَةٍ كانَ عَلَيْهِ من الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ من
стр. 28
اتَّبَعَهُ لَا يَنْقُصُ ذلك من آثَامِهِمْ شيئاً)) (١).
١٨ – وعن سهل بن سعد ﵁ قال: قال النبي ﷺ لعلي بن أبي طالب ﵁: ((فوالله لأنْ يَهْدِيَ الله بِكَ رَجُلاً واحِداً خَيْرٌ لَكَ مِنْ أنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النِّعَم)) (٢).
١٩ – وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((إذا مَاتَ الإنْسانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلَهُ إلا مِنْ ثَلاثَةٍ: إلاَّ مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أوْ عِلْمٍ يُنتفَعُ بِهِ، أو وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ)) (٣).
وهذا فضل عظيم يؤتيه الله من يشاء من عباده، فهو المتفضل على عبده بالعلم النافع ويثيبه على طلبه وعلى نشره.
وما على المسلم الراغب في فضل الله العظيم إلا أن يبذل الأسباب، ويسأل الله العلم النافع والعمل الصالح، وهذه الآيات والأحاديث إنما هي في حق العالِم العامل بعلمه، وأما العالم غير العامل فإنه من أشد الناس عذاباً يوم القيامة، وكذا العالم الذي لم يبتغ بعلمه وجه الله لا يشم رائحة الجنة، وهو أحد الثلاثة الذين تسعَّر بهم النار قبل الخلائق كلهم (٤).
стр. 29
ومن أعظم الأدلة على فضل الدعوة إلى الله – إضافة إلى ما تقدم –
٢٠ - قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِين﴾ (١). وليس هناك أحد أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل بما يعلم، وطابق قوله واعتقاده فعله.
стр. 30
المبحث الثالث: وجوب الإخلاص لله والمتابعة للنبي ﷺ -
الإخلاص ركن أساس في جميع العبادات، ولا يقبل الله من أحد عملاً حتى يكون خالصاً لوجهه، ويكون صواباً على هدي محمد ﷺ ، وقد ورد في ذلك آيات كثيرة وأحاديث عن النبي ﷺ .
١ - قال تعالى: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا﴾ (١).
٢ - وقال : ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُون* أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُون﴾ (٢).
٣ - وقال تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِن نَّصِيب﴾ (٣).
٤ - وقال تعالى: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِندَ اللهِ ثَوَابُ
стр. 31
الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (١).
٥ - وقال تعالى مادحاً للمخلصين في دعوتهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر ابتغاء وجه الله تعالى: ﴿لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٢).
٦ - وقال تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (٣).
٧ – وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال ﷺ فيما يرويه عن ربه ﵎: ((أنَا أغْنَى الشُّرَكَاء عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلاً أَشْرَكَ فِيْهِ مَعِيَ غَيْري تَرَكْتُهُ وشِرْكهُ)) (٤).
٨ – وعن جندب ﵁ قال: قال ﷺ : ((مَنْ سَمِعَ سمَّع الله بِهِ، ومَنْ يُرَائِي يُرَائِي الله بِهِ)) (٥).
٩ – وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال في الثلاثة الذين هم أول الناس يُقضى يوم القيامة عليه: ((وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ، وَقَرَأَ الْقُرْآنَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قال فما عَمِلْتَ فيها؟ قال:
стр. 32
تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ، وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قال: كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ هو قَارِئٌ فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ على وَجْهِهِ حتى أُلْقِيَ في النَّارِ)) (١).
١٠ - وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال ﷺ : ((إنما الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ ما نَوَى، فَمَنْ كانت هِجْرَتُهُ إلى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كانت هِجْرَتُهُ لدُنْيَا يُصِيبُهَا أو امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إلى ما هَاجَرَ إليه)) (٢).
١١ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال ﷺ : ((من تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يبتغي بِهِ وَجْهُ اللَّهِ لَا يَتَعَلَّمُهُ إلا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا من الدُّنْيَا لم يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يوم الْقِيَامَةِ)) يَعْنِي رِيحَهَا (٣).
١٢ - وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال ﷺ : ((من كانت الْآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ الله غِنَاهُ في قَلْبِهِ، وَجَمَعَ له شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ
стр. 33
رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كانت الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ الله فَقْرَهُ بين عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عليه شَمْلَهُ ولم يَأْتِهِ من الدُّنْيَا إلا ما قُدِّرَ له)) (١).
١٣ - وعن جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ قال: ((لَا تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ لِتُبَاهُوا بِهِ الْعُلَمَاءَ، ولا لِتُمَارُوا بِهِ السُّفَهَاءَ، ولا تَخَيَّرُوا بِهِ الْمَجَالِسَ فَمَنْ فَعَلَ ذلك فَالنَّارُ النَّارُ)) (٢).
١٤ - وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((من طَلَبَ الْعِلْمَ لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ أو لِيُبَاهِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ، أو لِيَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ الناس إليه فَهُوَ في النَّارِ)) (٣).
* * *
стр. 34
المبحث الرابع: خطر كتم العلم
لقد حذَّر الله تعالى العلماء عن كتمان العلم، وأمرهم بتبليغه للبشرية على حسب الطاقة والجهد، وعلى حسب العلم الذي أعطاهم الله .
١ - قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ والهدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُون﴾ (١).
٢ - وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ الله مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم﴾ (٢).
٣ - وقال : ﴿وَإِذْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّننَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُون﴾ (٣).
قال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية بعد أن ذكر ذم الله لليهود لكتمهم العلم. (وفي هذا تحذير للعلماء أن يسلكوا مسلكهم فيصيبهم ما أصابهم فيسلك بهم مسلكهم فعلى العلماء أن يبذلوا ما
стр. 35
بأيديهم من العلم النافع الدال على العمل الصالح ولا يكتموا منه شيئاً) (١).
٤ - وقال تعالى في ذم بني إسرائيل: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُون* كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُون﴾ (٢).
٥ - وأخرج البغوي في تفسيره عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ عَلِمَه وكَتَمَه أُلْجِمَ يَوْمَ القِيَامةِ بِلجَامٍ مِنْ نَارٍ)) (٣).
٦ - وعن أبي بكرة ﵁ قال: قال ﷺ : ((لِيُبَلِّغ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، فإنَّ الشَّاهِدَ عَسَى أَنْ يُبَلِّغَ مَنْ هُوَ أَوْعَى لَهُ مِنْهُ)) (٤).
٧ - وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: (ما أخذ الله على أهل
стр. 36
الجهل أن يتعلموا، حتى أخذ على أهل العلم أن يعملوا) (١).
وقال قتادة ﵀ في تفسير آية آل عمران السابقة: (هذا ميثاق أخذه الله تعالى على أهل العلم، فمن علم شيئاً فليعلمه، وإياكم وكتمان العلم فإنه هلكة) (٢).
فعلى أهل العلم والدعاة إلى الله، وعلى من أعطاه الله هذا الفضل العظيم أن يبلغه، فإن النبي ﷺ أخبر بأن العلم سَيُرْفَعُ.
٨ – عن أنس ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((إنَّ مِنْ أشْرَاطِ السَّاعَةِ أنْ يُرْفَع العِلْمُ، ويَثْبتَ الجَهْلُ، ويُشْرَبُ الخَمْرُ، ويَظْهَرَ الزِّنَا)) (٣).
٩ – وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال النبي ﷺ : ((بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً، وحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إسْرَائيلَ ولا حَرَج، ومَنْ كَذَبَ عَليَّ مُتَعَمِّداً فليَتبوَّأ مَقْعَدهُ مِنَ النَّارِ)) (٤).
* * *
стр. 37
الفصل الثالث: الدعاة ووسائل الاتصال
المبحث الأول: خطر وأهمية وسائل الاتصال الحديثة.
المبحث الثاني: العلاقة المثلى بين العلماء والدعاة ووسائل الاتصال الحديثة.
المبحث الثالث: كيفية استخدام الوسائل الحديثة في الدعوة إلى الله.
المبحث الرابع: واجب العلماء والدعاة نحو ما ينشر في وسائل الإعلام.
стр. 38
المبحث الأول: خطر وأهمية وسائل الاتصال الحديثة
وسائل الاتصال سلاح ذو حدين: إن استخدم في الخير نفع نفعاً عظيماً، وإن استخدم في ضرر المسلمين ضرَّ ضرراً كبيراً، وهذا السلاح قادر على تزويد الناس بالحقائق، وعلى قلبها أيضاً بطريقة تتسرب في أعماق الجماهير بحسبان أنها حقائق علمية لا تقبل الطعن (١).
والإعلام يستطيع أن يكون ضاراً مثلما يستطيع أن يكون نافعاً. فلئن كانت وسائل الإعلام قادرة على نشر المعرفة وتزويد الناس بالمعلومات والحقائق الكفيلة بتوسيع آفاقهم فإنها تستطيع أيضاً أن تزيف الحقائق ومن ثم تستطيع أن تفرض على الناس مفاهيم وآراء هابطة مضادة لما يتطلعون إليه من أهداف وقيم اجتماعية سامية (٢).
والتلفاز من أهم وأخطر وسائل الإعلام وهو سلاح ذو حدين مفيد جداً وضار جداً: مفيد بأنك تشعر أنك ترى جميع الدنيا أمام عينيك، فينقل إليك الخبر وتشاهده كأنك تعيش فيه وتلمسه ... ومن جهة أخرى ترى أفلام الحب والغرام والمسلسلات الأجنبية الخبيثة التي تغذي أبناء المسلمين غرائز الشر، وتنمي فيهم روح التمرد على القيم والأخلاق فينقلبوا إلى الهاوية (٣).
стр. 39
ولا شك أن الاتصال الجماهيري يتم بسرعة مذهلة بل إن الإعلام يجري أثناء وقوع الأحداث كما أن أجهزة الإعلام الحديثة تعمل على مستوى كوكبي أي أن العالم أصبح بموجبها في حكم القرية ولكنها قرية إلكترونية كما يقولون (١).
ولذا ينبغي لأهل العلم والدعاة إلى الله المساهمة بأكبر قدر ممكن في هذه الوسائل لنشر الإسلام وتعليم المسلمين أمور دينهم.
إن كل مسلم مخلص لدينه الذي يتفق مع الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها يدرك خطر وجود وسائل الإعلام بصورتها الحالية على الدعوة الإسلامية لما تقوم به وسائل الإعلام من صحافة، وإذاعة، وكتب منشورة، ودور للسينما، ومحطات إرسال تلفزيونية، لما تقوم به كل هذه الوسائل في العصر الحديث بالصورة التي هي عليها من ترويج لألوان الفساد والإفساد، واستغلال لما في الإنسان من ضعف أمام شهواته وأهوائه، نتيجة لعدم تزود كثير من أبناء المسلمين في الأقطار الإسلامية المختلفة بثقافة إسلامية تمكنهم من معرفة حقائق دينهم وتمنعهم من الانقياد لشهواتهم.
ويواصل أعداء الإسلام استغلال وسائل الإعلام – في العصر الحديث – في إفساد أبناء المسلمين بأبعادهم عن هدي دينهم والحرص على تضليل من يتتلمذون منهم على أيديهم، بينما
стр. 40
المسلمون متهاونون في الدفاع عن دينهم وفي الدعوة إليه متناسون أن هذا الأمر واجب يفرضه الدين عليهم، وأن الدين دعوة، ولا بد لكل دعوة من دعاة يبلغونها ويكشفون عن حقائقها (١).
وقد حلت الضغوط الإعلامية في هذا العصر محل الضغوط المادية التي كانت تحاصر الجماهير، وتسيطر على الشعوب فيما مضى من عصور القهر المادي والاستعمار العسكري، فالأمم أصبحت تقتل إعلامياً، ويتم غزوها ثقافياً عن طريق الحروب النفسية التي تُشنّ عليها، بكل الوسائل المقروءة، والمسموعة، والمرئية في بقاع شتى من العالم.
وأصبح العالم اليوم يميل مع الكفة الراجحة بما يوضع فيها من شكل دعائي إعلامي ... بينما تبدو صورة خبراء الإعلام في أعين الجماهير على أنهم قادة مرشدون، وناصحون مخلصون؛ فإن الحقيقة المؤسفة أنهم ليسوا كذلك دائماً، أو ليسوا كذلك في كل البلدان أو في كل المواقع الإعلامية (٢).
وقد وصف بعض الباحثين وسائل الإعلام بأنها مخدرات أو مسكنات هذا العصر (٣).