← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 96472

الغفلة

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (68 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

الغفلة مفهومها، وخطرها، وعلاماتها، وأسبابها، وعلاجها الفقير إلى الله تعالى د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني

стр. 2

بسم الله الرحمن الرحيم (١) المقدمة إن الحمد لله، نحمده, ونستعينه, ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا, وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله, وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد: فهذه رسالة مختصرة في: ((الغفلة: خطرها، وعلاماتها، وأسبابها، وعلاجها)) بيَّنت فيها بإيجاز: مفهوم الغفلة، والفرق بينها وبين النسيان، وخطر الغفلة، وأنها مرض فتَّاك مهلك، وبيَّنت علاماتها التي من اتَّصف بها فهو من الغافلين، وذكرت أسبابها،

стр. 3

وعلاجها، بإيجاز، والله تعالى أسأل أن ينفعني بما فيها في حياتي، وبعد مماتي، وأن ينفع بها من انتهت إليه، وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم؛ فإنه خير مسؤول وأكرم مأمول وهو حسبنا ونعم الوكيل. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أبو عبدالرحمن سعيد بن علي بن وهف القحطاني حرر عشية الثلاثاء الموافق ١٣/ ٣/١٤٢٧هـ.

стр. 4

المبحث الأول: مفهوم الغفلة لغة ، واصطلاحاً: الغفلة لغة: مصدر غَفَل يغفل غفولاً وغفلةً: تركه وسهى عنه، وأغفلتَ الشيء: تركته غَفَلاً وأنت له ذاكراً، والتغافل والتغفّل: تعمُّد الغفلة، والغُفلُ: من لا يرجى خيره ولا يخشى شره، وما لا علامة فيه (١)، وفي الحديث: ((من اتبع الصيد غفل)) (٢)، أي: يشتغل به قلبه ويستولي

стр. 5

عليه, حتى يصير فيه غفلة (١).

стр. 6

وقيل: الغفلة: سهو يعتري الإنسان من قلة التحفظ والتيقظ (١) (٢). و الغفلة اصطلاحاً: قيل: متابعة النفس على ما تشتهيه. وقيل: إبطال الوقت بالبطالة. وقيل الغفلة عن الشيء: هي أن لا يخطر ذلك بباله (٣). وقيل: غيبة الشيء عن بال الإنسان وعدم تذكره له، وقد استعمل فيمن تركه إهمالاً وإعراضاً كما قال تعالى: ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ (٤). وقد جاء هذا المعنى في آيات كثيرة (٥).

стр. 7

المبحث الثاني: الفرق بين الغفلة والنسيان: * الغفلة: ترك باختيار الغافل. * أما النسيان: فهو ترك بغير اختيار الإنسان. * أما الذكر: فهو التخلص من الغفلة والنسيان (١)؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ (٢)، ولم يقل ولا تكن من الناسين؛ لأن النسيان لا يدخل تحت التكليف فلا ينهى عنه؛ لقول النبي ﷺ : ((إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه)) (٣). وعن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((إن الله تجاوز لي عن أمتي: الخطأ, والنسيان, وما استكرهوا عليه)) (٤).

стр. 8

وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله تجاوز لأمتي عما توسوسُ به صدورها، ما لم تعمل به أو تتكلم به، وما استكرهوا عليه)) (١).

стр. 9

المبحث الثالث: خطر الغفلة: الغفلة مرض فتَّاك من أمراض القلوب، وقد حذر الله منها، وبيَّن عقاب من وقع فيها، ومما يدل على هذا ما يلي: أولاً: توقع في الهلاك ، قال الله تعالى في قوم فرعون: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ (١)، فأسباب هلاك قوم فرعون كثيرة، ولكن منها سببان: تكذيبهم بآيات الله، وتغافلهم عنها (٢). ثانياً: من أصيب بالغفلة الكاملة خُتِمَ على قلبه ، وسمعه، وبصره، وكان أضل من الحيوان، والأنعام، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ (٣). فهم لا ينتفعون بشيء من هذه الجوارح التي جعلها الله سبباً للهداية، فقلوبهم لا يصل إليها فقه ولا علم، وأعينهم لا ينتفعون بها فلا يبصرون آيات الله، وآذانهم لا يسمعون بها ما ينفعهم، كما قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ (٥). وقال تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (٦). ولم يكونوا صمّاً، ولا بكماً، ولا عمياً إلا عن الهدى، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (٧). وقال

стр. 10

تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (١). وقال تعالى: ﴿لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (٢). ثالثاً: الغفلة، قرينة التكذيب بآيات الله تعالى: قال تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ (٣)، فالسبب التكذيب والغفلة، فالغفلة قرينة التكذيب بآيات الله تعالى. قال العلامة السعدي ﵀: ((فردهم لآيات الله وغفلتهم عما يُراد بها، واحتقارهم لها، هو الذي أوجب لهم

стр. 11

من سلوك طريق الغي، وترك طريق الرشاد ما أوجب)) (١). رابعاً: لعظم خطر الغفلة نهى الله عنها رسولَه ﷺ -، فقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ (٢). والغافلون الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم؛ فإنهم حُرِموا خير الدنيا والآخرة، وأعرضوا عن من كل السعادة والفوز بذكره، وعبوديته، وأقبلوا على من كلِّ الشقاوة، والخيبة، والاشتغال به)) (٣). خامساً: الغفلة صفة من صفات أهل النار ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٤). فهذه حال الأشقياء الذين

стр. 12

كفروا بلقاء الله يوم القيامة، ولا يرجون في لقائه شيئاً، ورضوا بهذه الحياة الدنيا واطمأنت إليها نفوسهم، وهم غافلون عن آيات الله الكونية، فلا يتفكرون فيها، وعن آياته الشرعية فلا يأتمرون بها (١). سادساً: الحذر من الغفلة ؛ لأن أكثر الناس وقعوا في الغفلة، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آَيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ (٢). سابعاً: الغفلة تغلق على العبد أبواب الخير ، وتفتح له أبواب الشر، قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (١٠٧) أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ

стр. 13

وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٠٨) لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (٣). ثامناً: من أعظم خطر الغفلة أن مَن غفل عن الله عاقبه بأن يغفله عن ذكره ، ويتبع هواه ويكون أمره ضائعاً معطلاً، قال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ (٤). تاسعاً: أهل الغفلة لهم الحسرة يوم الحسرة ، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٩) إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ (٥)، وفي الصحيحين من حديث ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال:

стр. 14

((إذا صار أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار، جيء بالموت حتى يجعل بين الجنة والنار، ثم يذبح، ثم ينادي منادٍ: يا أهل الجنة لا موت، ويا أهل النار لا موت، فيزداد أهل الجنة فرحاً إلى فرحهم، ويزداد أهل النار حُزناً إلى حزنهم)) (١)، وعند مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁، ثم ((قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ وأشار بيده إلى الدنيا)) (٢). عاشراً: اقتراب الساعة والموت للناس وهم في غفلاتهم ، قال الله تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١) مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢) لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ (٣)، فهم في غفلة عما خُلِقُوا له،

стр. 15

وإعراض عما زجروا به، كأنهم للدنيا خلقوا، وللتمتع بها وُلِدُوا، وقلوبهم غافلة معرضة، لاهية بمطالبها الدنيوية، وأبدانهم لاعبة، قد اشتغلوا بتناول الشهوات، والعمل بالباطل (١). وقد نقل ابن كثير ﵀ أن أشعر الناس أبو العتاهية حيث قال: الناس في غفلاتهم ورحا المنية تطحنُ (٢) الحادي عشر: حذر الله تعالى الناس عن الغفلة ، وبين سبحانه خطرها, فقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ (٣).

стр. 16

الثاني عشر: ذم الله تعالى الغافلين عن الآخرة ، فقال تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ (١). الثالث عشر: لخطر الغفلة فقد أرسل الله محمداً ﷺ لإنذار الناس عن الغفلة ، قال تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (٦) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٧) إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨) وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (٩) وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٢). الرابع عشر: توبيخ الغافل يوم القيامة ، وتقريعه، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨) وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩) وَنُفِخَ فِي

стр. 17

الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (٢٠) وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (٢١) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢) وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (٢٣) أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (٢٥) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ (٢٦) قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (٢٧) قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٢٩) يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠) وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٣٥) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (١).

стр. 18

المبحث الرابع: علامات الغفلة الغفلة لها علامات كثيرة وأعراض عديدة، منها ما يأتي: أولاً: التكاسل عن الطاعات ، وهذه العلامة من أهم العلامات: ١ - قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ (١). ٢ - وعن أبي هريرة ﵁ يرفعه: ((إن أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزمٌ من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار)) (٢).

стр. 19

ثانياً: استصغار المحرمات والتهاون بها، قال عبد الله ابن مسعود ﵁: (إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقطع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذُباب مرّ على أنفه فقال به هكذا) فقال أبو شهاب: بيده فوق أنفه (١). ثالثاً: ألف المعصية ومحبتها ؛ لأدلة كثيرة، منها ما يأتي: ١ - حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((كل أمتي معافىً إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعملَ الرَّجلُ بالليل عملاً ثم يُصبحُ وقد ستره الله فيقول: يا فلان، عملتُ البارحةَ كذا وكذا، وقد بات يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عنه)) (٢). ٢ - وحديث حذيفة ﵁ عن النبي ﷺ أنه

стр. 20

قال: ((تُعرضُ الفتنُ على القلوب كالحصير عُوداً عودا، فأيُّ قلبٍ أُشر بها نَكت فيه نكتةٌ سوداءُ، وأيُّ قلبٍ أنكرها نُكت فيه نكتةٌ بيضاءُ حتى تصيرَ على قلبين: على أبيضَ مثل الصَّفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخرُ أسودُ مربادًّا كالكوزُ مجخِّياً لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً إلا ما أُشرب من هواه)) (١) (٢).

стр. 21

رابعاً: تضييع الوقت من غير فائدة؛ فإن الوقت نعمة، ولا يضيعه إلا غافل؛ ولهذا والله أعلم يستقصرون الوقت يوم القيامة، كما جاء في الأدلة الآتية: ١ - قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ (١). ٢ - وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ (٢). ٣ وقال الله : ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ (٣). ٤ - وقال الله جل وعلا: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ (٤). ٥ - وقال الله : ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ

стр. 22

الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (١٠٢) يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (١٠٣) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾ (١). ٦ - وقال الله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٢). ٧ - وقال الله : ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ (٣). ٨ - وقال الله ﵎: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ (٤). ٩ - وقال الله : ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٥). ١٠ - وحديث المستَوْرِد، ﵁ قال: سمعت

стр. 23

النبي ﷺ يقول: ((ما مثل الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليم، فلينظر بما يرجع)) (١). ١١ - وحديث ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ : ((نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ)) (٢). ١٢ - وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ لِرَجُلٍ وهو يَعِظُهُ: ((اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغِناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك)) (٣).

стр. 24

١٣ - وقال الإمام البخاري ﵀: اغتنم في الفراغ فضل ركوع ... فعسى أن يكون موتك بغتة كم صحيح رأيت من غير سقم ... ذهبت نفسه الصحيحة فلتة (١) ١٤ - وما أحسن قول القائل: تزوَّد من التُّقَى فإنَّك لا تدري ... إذا جنَّ ليلٌ هل تعيش إلى الفجر فكم من صحيحٍ مات من غير علةٍ ... وكم من عليلٍ عاش حيناً من الدهر

стр. 25

المبحث الخامس: أسباب الغفلة الغفلة لها أسباب كثيرة، ولكن من أبرزها ما يأتي: أولاً: الجهل بالله تعالى، وبأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وبدينه؛ للأدلة الآتية: ١ - قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (١). ٢ - قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ (٢). ثانياً: المعاصي من أعظم أسباب الغفلة ، للأدلة الآتية: ١ - قال الله : ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٣).

стр. 26

٢ - وقال عبدالله بن عباس ﵄: ((إن للحسنة ضياء في الوجه، ونوراً في القلب، وسعة في الرزق، وقوة في البدن، ومحبة في قلوب الخلق، وإن للسيئة سواداً في الوجه، وظلمة في القلب، ووهناً في البدن، ونقصاً في الرزق، وبغضة في قلوب الخلق)) (١). ثالثاً: الإعراض واتباع الهوى يسببان سد أبواب الهداية وفتح أبواب الغواية، لما يأتي: ١ - قال الله تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١) مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢) لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ (٢). ٢ - وقال : ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (٣). ٣ - وقال الله : ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ (٤). ٤ وقال الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ (٥). ٥ - وعن أبي واقد الليثي ﵁ أن رسول الله ﷺ بينما هو جالس في المسجد والناس معه، إذ أقبل ثلاثة نفر، فأقبل اثنان إلى رسول الله ﷺ وذهب واحد، قال: فوقفا على رسول الله ﷺ ، فأما أحدهما فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها، وأما الآخر فجلس خلفهم، وأما الثالث فأدبر ذاهباً، فلما فرغ رسول الله ﷺ قال: ((ألا

стр. 27

أخبركم عن النفر الثلاثة؟ أما أحدهم فآوى إلى الله تعالى، فآواه الله إليه، وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه)) (١). رابعاً: صحبة الغافلين: جلساء السوء، للأدلة الآتية: ١ - قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ (٢). ٢ - وحديث أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك

стр. 28

وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد [منه] ريحاً خبيثة)) (١). ٣ - وحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((الرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل)) (٢). ٤ - وحديث أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ قال: ((لا تصاحب إلا مؤمناً ولا يأكل طعامك إلا تقي)) (٣). ٥ وقال الله : ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ (٤). ٦ - وما أحسن ما قال القائل: عن المرء لا تسأل وسل عن قرينة ... فكل قرين بالمقارن يقتدي ٧ - وقال الشاعر: صُحبة الأخيار للقلب دَوَى ... تزيد في القلب نشاطاً وقِوَى وصحبة الجُهَّال داءٌ وعمى ... تزيد في القلب السقيم سقماً ٨ - وما أجمل قول القائل: إذا ما صحبتَ القومَ فاصحبْ خيارَهم ... ولا تصحب الرَّدِيء فتردَى مع الرديء ٩ - وقد نهى الله عن موادة من حاد الله ورسوله، فقال : ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (٥).

стр. 29

١٠ - ونهى عن طاعة من أغفل قلبه، فقال : ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ (١). خامساً: ترك صلاة الجمعة أو التهاون بها ، للأدلة الآتية: ١ - حديث عبدالله بن عمر وأبي هريرة ﵁: ((لينهينَّ أقوامٌ عن وَدْعِهِمُ الجُمُعاتِ أو ليختمنَّ الله على قلوبهم ثم ليكونُنَّ من الغافلين)) (٢). ٢ - وحديث أبي جعد الضمري ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: ((من ترك ثلاث جمع تهاوناً بها طبع الله على قلبه)) (٣).

стр. 30

سادساً: ترك صلاة الجماعة: لحديث عبدالله بن عباس، وابن عمر ﵃ أنهما سمعا النبي ﷺ يقول: ((لينتهينَّ أقوامٌ عن ودعهم الجماعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونُنَّ من الغافلين)) (١). سابعاً: طول الأمل ؛ لأدلة كثيرة منها: ١ - قال الله تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (٢). ٢ - وحديث عبدالله بن مسعود ﵁ قال: خط النبي ﷺ خطاً مربعاً، وخط خطّاً في الوسط خارجاً

стр. 31

منه، وخطَّ خُطُطاً صغاراً إلى هذا الذي في الوسط، فقال: ((هذا الإنسانُ وهذا أجله محيط به، - أو قد أحاط به - وهذا الذي هو خارج أمله، وهذه الخُطَطُ الصغار الأعراض، فإن أخطأه هذا نهشه هذا، وإن أخطأه هذا نهشه هذا)) (١). ٣ وقال عبدالله بن عمر ﵄: أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي فقال: ((كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)) (٢). ٤ - وحديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((يهرم ابن آدم وتشبُّ منه اثنتان: الحرص على المال, والحرص على العمر)) (٣).

стр. 32

٥ وما أحسن ما قال الشاعر: إنا لنفرح بالأيام نقطعها ... وكلُّ يوم مضى يُدني من الأجل فاعمل لنفسك قبل الموت مجتهداً ... فإن الربح والخسران في العمل (١) ٦ - وقال عليٌّ بن أبي طالب ﵁: (ارتحلت الدنيا مدبرة، وارتحلت الآخرة مقبلة، ولكل واحدةٍ منها بنون، فكونوا من أبناء الآخرةِ ولا تكون من أبناء الدنيا؛ فإن اليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل) (٢). ثامناً: كثرة الضحك ؛ للأدلة الآتية: ١ - حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من يأخذ عني هؤلاء الكلمات فيعمل بهن أو يُعلِّمُ من يعمل بهن؟)) فقال أبو هريرة: قلت: أنا يا رسول الله، فأخذ بيدي فَعدَّ خمساً، وقال: ((اتق المحارم تكن أعبد الناس، وارضَ بما قسم الله لك

стр. 33

تكن أغنى الناس، وأحسن إلى جارك تكن مؤمناً، وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلماً، ولا تكثر الضحك، فإن كثرة الضحك تميت القلب)) (١). ٢ - وحديث أنس ﵁ قال: خطب النبي ﷺ خطبة ما سمعت مثلها قط، قال: (( ... لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً)) الحديث وفيه قصة عظيمة مخيفة (٢). تاسعاً: كثرة الكلام في غير ذكر الله تعالى: لما رُوِيَ من حديث عبدالله بن عمر ﵄ يرفعه: ((لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله تعالى قسوة للقلب، وإن أبعد الناس من الله تعالى القلب القاسي)) (٣).

стр. 34

المبحث السادس: علاج الغفلة أولاً: العلم: وهو معرفة الله، ومعرفة نبيه، ومعرفة دين الإسلام بالأدلة، وهو لغة: نقيض الجهل: وهو إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكاً جازماً. وفي الاصطلاح: صفة ينكشف بها المطلوب انكشافاً تاماً. ومما يدل على أهمية العلم ومكانته في صلاح القلوب وإزالة غفلتها ما يأتي: ١ - قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (١). ٢ - وقال الله : ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (٢). ٣ - وحديث معاوية ﵁، عن النبي ﷺ أنه

стр. 35

قال: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)) (١). ٤ - وحديث أبي هريرة ﵁ وفيه: ((من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة)) (٢). ٥ - وقال الله : ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٣). ٦ - ولم يأمر الله تعالى نبيه ﷺ بالازدياد إلا في العلم: قال الله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (٤). ٧ - وحديث أبي هريرة ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا

стр. 36

ذكر الله, وما ولاه, وعالم أو متعلم)) (١). ثانياً: ذكر الله تعالى على كل حال ، ويدل على ذلك ما يلي: ١ - قال الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ (٢). ٢ - وقال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ (٣). ٣ - وقال الله : ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٤). ٤ - وقال الله ﵎: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ (٥).

стр. 37

٥ - وحديث أبي موسى الأشعري ﵁، أن النبي ﷺ قال: ((مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكره مثل الحي والميت)) ولفظ مسلم: ((مثل البيت الذي يذكر الله فيه والبيت الذي لا يذكر الله فيه، مثل الحي والميت)) (١). ٦ - وحديث أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((ألا أنبئكم بخير أعمالكم, وأزكاها عند مليككم, وأرفعِها في درجاتكم, وخيرٍ لكم من إنفاق الذهب والوَرِقِ، وخيرٍ لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟)) قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ((ذكر الله تعالى)) (٢).

стр. 38

٧ - وحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأٍ ذكرته في ملأٍ خيرٍ منهم، وإن تقرب إلي شبراً تقرَّبت إليه ذراعاً، وإن تقرَّب إليَّ ذراعاً تقربت إليه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة)) (١). ٨ - وحديث عبدالله بن بُسر ﵁: أن رجلاً قال: يا رسول الله: إن شرائع الإسلام قد كثرت علي، فأخبرني بشيء أتشبَّثُ به قال: ((لا يزالُ لسانُك رطباً من ذكر الله)) (٢).

стр. 39

ثالثاً: مجالس الذكر علاج لغفلة القلوب، للأدلة الآتية: ١ - حديث أنس بن مالك ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا)) قالوا: وما رياض الجنة؟ قال: ((حلق الذكر)) (١). ٢ - وحديث معاوية ﵁ أن رسول الله ﷺ خرج على حَلْقةٍ من أصحابه فقال: ((ما أجلسكم؟)) قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومنَّ به علينا، قال: ((آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟)) قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك، قال: ((أما إني لم أستحلفكم تُهمةً لكم، ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة)) (٢). ٣ - وحديث أبي هريرة الطويل في حضور الملائكة حلقات الذكر وأنهم يحفُّونهم بأجنحتهم إلى السماء

стр. 40

الدنيا، وفي الحديث أن الله تعالى يقول للملائكة: ((فأشهدكم أني قد غفرت لهم. فيقول ملك من الملائكة: ربِّ فيهم فلان ليس منهم إنما جاء لحاجة، قال: فيقول: وله غفرت، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم)) (١). رابعاً: أعظم الذكر وأعظم العلاج للغفلة قراءة القرآن ، للأدلة الآتية: ١ - قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢). ٢ - وقال الله : ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ (٣). ٣ - وقال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ (٤). ٤ - وحديث عبدالله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول (الم) حرف، ولكن: ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف)) (٥). ٥ - وحديث عبدالله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((يُقال لصاحب القرآن: اقرأ، وارتقِ، ورتِّل، كما كنت ترتِّل في الدنيا؛ فإن منزلتك عند آخر آيةٍ تقرأُ بها)) (٦). ٦ - قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (٧). ٧ - وقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (٨). ٨ - قال ابن القيم ﵀: ((القرآن حياة القلوب، وشفاء لما في الصدور ... ، فبالجملة فلا شيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتدبر، والتفكر ... وهذا الذي يورث الحبة والشوق، والخوف، والرجاء، والإنابة، والتوكل، والرضى، والتفويض، والشكر، والصبر، وسائر الأحوال التي بها حياة القلب، وكماله، وكذلك يزجر عن جميع الصفات والأفعال المذمومة التي بها فساد القلب،
следующие страницы →