← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 96473

الغناء والمعازف في ضوء الكتاب والسنة وآثار الصحابة - رضي الله عنهم -

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (151 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

سلسلة مؤلفات سعيد بن علي بن وهف القحطاني الغناء والمعازف في ضوء الكتاب والسنة وآثار الصحابة ﵃ تقديم معالي العلامة الشيخ الدكتور صالح بن فوزان الفوزان عضو هيئة كبار العلماء تأليف الفقير إلى الله تعالى د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني

стр. 2

تقديم معالي العلامة الشيخ الدكتور صالح بن فوزان الفوزان عضو هيئة كبار العلماء بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وعليكم السلام ورحمة اللَّه وبركاته/ وبعد: فقد تصفحت الرسالة المذكورة، فوجدتها مفيدة في موضوعها، مستوفية للأدلة من الكتاب والسنة، وكلام أهل العلم في تحريم الغناء والمعازف، والرد على من استباح ذلك، فجزاكم اللَّه خيراً على ما قمتم به من واجب النصيحة، والرد على من خالف من غير دليل. وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه. كتبه صالح بن فوزان الفوزان عضو هيئة كبار العلماء ٢/ ١٠/ ١٤٣١هـ

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضلَّ له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى اللَّه عليه، وعلى آله، وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلّم تسليماً كثيراً، أما بعد: فقد ظهر بعض القُرَّاءِ للقرآن الكريم في النصف الثاني من هذا العام ١٤٣١هـ يفتي بجواز الغناء، والموسيقى، وفتن نفسه، وفتن غيره من ضعفاء العلم والإيمان من الناس، والعياذ باللَّه، وليته شكر اللَّه تعالى على ما أعطاه من إجادة حروف القرآن، وحسن الصوت في قراءته، وليته سأل اللَّه العلم والعمل بالقرآن على الوجه الذي يرضيه ، وليته ردَّ هذا الأمر إلى القرآن الذي أتقن حفظ حروفه، وإلى سنة النبي ﷺ ، فقد أمر اللَّه بالردِّ إليهما عند التنازع، وليته استفاد من علماء عصره المحققين، أمثال الإمام ابن باز ﵀، والعلامة ابن عثيمين ﵀، ومفتي عام المملكة، وأمثالهم من أهل العلم الراسخين المخلصين، ولكن قدّر اللَّه، وما شاء فعل، واللَّه يعفو عنا وعنه. وقد كتبت هذه الرسالة ((الغناء والمعازف في ضوء الكتاب والسنة، وآثار الصحابة)) ردَّاً عليه، وعلى أمثاله، وقد بيّنت فيها بالأدلّة من الكتاب والسنة، وأقوال الصحابة، وأعلام التابعين، والأئمة الأربعة، وغيرهم من أهل العلم المحققين تحريم الأغاني والمعازف، كما بيّنت ما يجوز من الغناء المباح، وقد قسمت هذه الرسالة إلى

стр. 4

المباحث الآتية: المبحث الأول: مفهوم الغناء والمعازف. المبحث الثاني: تحريم القول على اللَّه بغير علم. المبحث الثالث: تحريم الغناء بالكتاب والسنة، وأقوال الصحابة. المبحث الرابع: الوعيد الشديد لأهل الغناء والمعازف. المبحث الخامس: أسماء الغناء والمعازف وآلات اللهو. المبحث السادس: مسائل مهمة في الغناء والمعازف والمزامير. المبحث السابع: أضرار الغناء ومفاسده. المبحث الثامن: ما يباح من الغناء. المبحث التاسع: الردُّ على من ضعّف أحاديث الغناء. المبحث العاشر: الفتاوى المحققة في الأغاني والمعازف، وآلات اللهو. وقد استفدت كثيراً من تقريرات شيخنا عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀. واللَّهَ أسأل أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، مباركاً، نافعاً، صواباً، وأن ينفعني به في حياتي، وبعد مماتي، وأن ينفع به من انتهى إليه؛ فإنه خير مسؤول، وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه العليّ العظيم. وصلى اللَّه وسلّم وبارك على عبده، ورسوله، وخيرته من خلقه، وأمينه على وحيه، نبينا محمد بن عبد اللَّه، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أبو عبد الرحمن حرر بعد ظهر يوم الثلاثاء الموافق ٨/ ٨/١٤٣١هـ.

стр. 5

المبحث الأول: مفهوم الغناء والمعازف الغناء: التطريب، والترنم بالكلام الموزون وغيره، ويكون مصحوباً بالموسيقى وغير مصحوب، والأغنية: ما يترنم به من الكلام، والجمع: أغاني، وغنَّى: طرّب، وترنّم بالكلام الموزون، وغيره (١). والغناء: هو المعروف بين أهل اللهوِ واللعب (٢). والغِناء من الصوت: ما طُرِّب به ... ويقال: غنَّى فلانٌ يُغنِّي أُغنية، وتغنَّى بأغنية حسنة، وجمعها الأغاني (٣). والغناء اصطلاحاً: هو ترديد الصوت بالشعر ونحوه بالألحان، أما التغنِّي فهو الترنّم (٤). والمعازف: يقال: عزف عزفاً: لَهَا، والمعازف: الملاهي، وواحد المعازف: عزْف على غير قياس، والملاعب التي يضرب بها، يقولون للواحد: عزْف، والجمع: معازف. العزف: اللعب بالمعازف، وهي الدفوف وغيرها مما يُضرب، وكلُّ لعب عزف، والعازف: اللاعب بها والمُغَنِّي (٥).

стр. 6

وقيل: عزف - بفتح فسكون-: مصدر عزف: اللعب بآلات العزف: أي الموسيقى: كالعود، والطنبور، ونحوهما (١).

стр. 7

المبحث الثاني: تحريم القول على الله بغير علم يظهر بعض الناس في كلّ زمان فيتكلمون، ويُفتون بغير علم، ولا هُدىً، ويخالفون الكتاب، والسنة، وأصحاب النبي ﷺ ، والأئمة الأعلام من المحققين من علماء الإسلام، حتى في بعض المسائل العظيمة التي لو عرضت على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، لجمع لها أهل بدر، والمهاجرين، والأنصار؛ لخشيته لله، ومراقبته له ، وهذا يدل على عدم خشيتهم لله تعالى، وأنهم من أجهل الناس، ويجهلون ما جاء في الكتاب الكريم، وسنة النبي ﷺ من تحريم القول على الله بغير علم: ١ - قال اللَّه تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١)، ومعنى القول على اللَّه بغير علم: أي بغير دليل صريح من كتاب أو سنة صحيحة صريحة، سواء كان ذلك في أصول الدين، أو فروعه. ٢ - وقال اللَّه : (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ

стр. 8

وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١). ٣ - وقال : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٢). ٤ - وقال اللَّه ﵎: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ * وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾ (٣). ٥ - وقال : (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ (٤)، فقد جعل الله من شرَّع للناس شيئاً من الدين لم يشرعه اللَّه شريكاً له في تشريعه، ومن أطاعه في ذلك فهو مشرك باللَّه تعالى شرك الطاعة.

стр. 9

٦ - وعن عبد اللَّه بن عمرو ﵄، قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يَتْرُكْ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا))، وفي لفظ للبخاري: (( ... حتى إذا لم يبق عالم ... )) الحديث (١). وقد ظهر في هذا الزمان من القول على اللَّه بغير علم الكثير من الناس إلا من عصم اللَّه بالتوبة: فهذا يقول: لا بأس بالاختلاط بين الرجال والنساء في المدارس، والجامعات في الدراسة، وفي الوظائف في المستشفيات وغيرها، وهذا يفتي بجواز خلوة الرجل السائق بالمرأة، وليس معهما أحد، وذاك يقول بجواز سفر المرأة بدون محرم، والآخر يبيح الربا في البنوك باسم المساهمات، أو الفوائد، وذاك يجيز الاقتراض من البنوك بفوائد، وآخر يجيز قيادة المرأة للسيارة، واختلاطها برجال المرور وغيرهم، وآخر يجيز تصوير المرأة، ونشر صورتها، وآخر يجيز الصلاة في البيوت، ولا

стр. 10

يرى وجوب صلاة الجماعة على الرجال القادرين، وآخر يبيح الغناء والمزامير، وغير ذلك، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون))، وهذا يذكرنا بقول سفيان بن عيينة: ((كان يُقال: العلماء ثلاثة: عالم بالله يخشى الله، ليس بعالم بأمر الله، وعالمٌ بالله، عالم بأمر الله، يخشى الله، فذاك العالم الكامل، وعالم بأمر الله، ليس بعالم بالله، لا يخشى الله، فذلك العالم الفاجر)) (١).

стр. 11

المبحث الثالث: تحريم الغناء من الكتاب والسنة، وآثار الصحابة والتابعين ومن بعدهم من العلماء أولاً: القرآن الكريم يُحرِّم الأغاني والملاهي، ويُحذِّر منها، ومن ذلك ما يأتي: ١ - قال اللَّه تعالى للشيطان: ﴿اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا * وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلََيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ (١). قوله تعالى: (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ (أي: استخف واستجهل (٢)، قال مجاهد في قوله: (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ (: قال: باللهوِ والغِناء، وقال ابن عباس ﵄: ((صوته: كل داعٍ دعا إلى معصية الله )). قال الإمام ابن جرير ﵀: ((وأولى الأقوال بالصحة أن يُقال: إن اللَّه ﵎ قال لإبليس: واستفزز من ذرّية آدم من استطعت أن تستفزّه بصوتك، ولم يخصِّص من ذلك صوتاً دون صوت، فكلّ صوت كان دعاء إليه، وإلى عمله وطاعته، وخلافاً للدعاء إلى طاعة اللَّه، فهو داخل في معنى صوته الذي قال الله ﵎ اسمه له: (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ)) (٣). وهذا

стр. 12

يدل على أن كل داعٍ دعا إلى معصية اللَّه من صوت الشيطان (١)، سواء كان ذلك من اللعب المحرم، أو اللهو والغناء المحرم، أو من المزامير، والموسيقى، وأصوات المسلسلات والطبول، والربابة، وغير ذلك من الأصوات، والله تعالى أعلم. وقال الإمام البغوي ﵀: ((( .. بصوتك) قال الأزهري: معناه: ادعهم دعاءً تستفزّهم به إلى جنابك، أي: تستخفّهم)) (٢)، وقال الضحاك: صوت المزمار، وقيل: ((بصوتك)): بوسوستك)) (٣)، والصواب أن صوت الشيطان يشمل كل ما تقدم، واللَّه أعلم. ٢ - قال اللَّه : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ

стр. 13

سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ * وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (١). قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. قيل: ((من يشتري الشراء المعروف بالثمن)). وقيل: ((بل معنى ذلك: من يختار لهو الحديث ويستحبّه)) (٢). وقيل: ((أي يستبدل ويختار الغناء، والمزامير، والمعازف على القرآن)) (٣). وقيل: ((يشتري)) أي يختار ويرغب رغبة من يبذل الثمن في الشيء)) (٤). وأما قوله تعالى: ((لَهْوَ الْحَدِيثِ))، فقال عبد اللَّه بن مسعود ﵁: ((الغناء والذي لا إله إلا هو، يُرَدِّدُها ثلاث مرات)) (٥). وقال عبد الله بن عباس ﵄: ((الغناء وأشباهه))، وفي رواية عنه: ((شراء المغنية))، وفي رواية عنه أيضاً، قال: ((باطل الحديث: هو الغناء ونحوه)) (٦). وقال جابر بن عبد اللَّه ﵄: ((هو الغناء، والاستماع له)) (٧). وفسَّر الإمام مجاهد ﵀ (لَهْوَ الْحَدِيثِ) بـ (الغناء)، وفي

стр. 14

رواية عنه: ((المغني، والمغنية بالمال الكثير، أو الاستماع إليه، أو إلى مثله من الباطل))، وفي رواية عنه: ((عَنَى باللهو: الطبل)) (١). وفسَّر عكرمة ﵀ (لَهْوَ الْحَدِيثِ) بالغناء (٢). وفسَّر الضحاك ﵀ (لَهْوَ الْحَدِيثِ) بالشرك (٣). قال الإمام الطبري ﵀: ((والصواب من القول في ذلك أن يُقال: عَنَى به كلَّ ما كان من الحديث ملهياً عن سبيل الله ممّا نهى اللَّه عن استماعه، أو رسوله [ ﷺ ]؛ لأن الله تعالى عمَّ بقوله: ((لَهْوَ الْحَدِيثِ))، ولم يُخَصِّصْ بعضاً دون بعض، فذلك على عمومه حتى يأتي ما يدلّ على خصوصه، والغناء والشرك من ذلك)) (٤). وقال الإمام ابن كثير ﵀ في تفسير هاتين الآيتين: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ*وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٥). لما ذكر تعالى حال السعداء، وهم الذين يهتدون بكتاب اللَّه، وينتفعون بسماعه، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ نزلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ

стр. 15

جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (١)، عطف بذكر حال الأشقياء، الذين أعرضوا عن الانتفاع بسماع كلام اللَّه، وأقبلوا على استماع المزامير والغناء بالألحان، وآلات الطرب، كما قال ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ قال: هو - واللَّه-الغناءُ. قال ابن جرير: حدثني يونس [بن عبد الأعلى]،أخبرنا ابن وهب، أخبرني يزيد عن يونس، عن أبي صخر، عن أبي معاوية البجلي، عن سعيد بن جبير، عن أبي الصهباء البكري، أنه سمع عبد الله بن مسعود ﵁ وهو يُسأل عن هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ - فقال عبد الله: الغناء، واللَّه الذي لا إله إلا هو، يرددها ثلاث مرات. حدثنا عمرو بن علي، حدثنا صفوان بن عيسى، أخبرنا حُمَيْد الخرّاط، عن عمار، عن سعيد بن جبير، عن أبي الصهباء: أنه سأل ابن مسعود عن قول اللَّه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ قال: الغناء. وكذا قال ابن عباس، وجابر، وعِكْرِمة، وسعيد بن جُبَيْر، ومجاهد، ومكحول، وعمرو بن شعيب، وعلي بن بَذيمة. وقال الحسن البصري: أُنزلت هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ في الغناء

стр. 16

والمزامير. وقال قتادة: قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾: واللَّه لعله لا ينفق فيه مالاً، ولكنْ شراؤه استحبابه، بحَسْب المرء من الضلالة أن يختارَ حديثَ الباطل على حديث الحق، وما يضرّ على ما ينفع. وقيل: عنى بقوله: ﴿يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾: اشتراء المغنيات من الجواري ... وقال الضّحّاك في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ يعني: الشرك، وبه قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم؛ واختار ابن جرير أنه كل كلام يصدُّ عن آيات اللَّه، واتّباع سبيله. وقوله: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: إنما يصنع هذا للتخالف للإسلام وأهله، وعلى قراءة فتح الياء، تكون اللام لام العاقبة، أو تعليلاً للأمر القدري، أي: قُيِّضوا لذلك ليكونوا كذلك. وقوله: ﴿وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا﴾ قال مجاهد: ويتخذ سبيل اللَّه هزواً، يستهزئ بها. وقال قتادة: يعني: ويتخذ آيات اللَّه هزواً. وقول مجاهد أولى. وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ أي: كما استهانوا بآيات اللَّه وسبيله، أُهينوا يوم القيامة في العذاب الدائم المستمر. ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾ أي: هذا المقبل على اللهو واللّعب والطرب، إذا تُليت عليه الآيات القرآنية، ولَّى عنها، وأعرض وأدبر وتَصَامّ وما به من صَمَم، كأنه ما يسمعها؛ لأنه يتأذّى بسماعها، إذ لا

стр. 17

انتفاع له بها، ولا أرَبَ له فيها، ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أي: يوم القيامة يؤلمه، كما تألمَّ بسماع كتاب اللَّه وآياته (١). وقال الإمام القرطبي ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (٢) (من) في موضع رفع بالابتداء، و ((لَهْوَ الْحَدِيثِ)) الغناء في قول ابن مسعود، وابن عباس، وغيرهما، ثم بسط الكلام في تفسير هذه الآية، ثم قال: المسألة الثانية: وهو الغناء المعتاد عند المشتهرين به، الذي يحرِّك النفوس، ويبعثها على الهوى والغزل، والمجون، الذي يحرك الساكن، ويبعث الكامن، فهذا النوع إذا كان في شعر يُشبَّب (٣) فيه بذكر النساء، ووصف محاسنهن، وذكر الخمور والمحرّمات، لا يختلف في تحريمه؛ لأنه اللهو والغناء المذموم بالاتفاق، فأما ما سلم من ذلك فيجوز القليل منه في أوقات الفرح: كالعرس، والعيد، وعند التنشيط على الأعمال الشاقة، كما كان في حفر الخندق، وحدو أنجشة، وسلمة بن الأكوع، فأما ما ابتدعته الصوفية اليوم من الإدمان على سماع الأغاني بالآلات المطربة من الشبّابات، والطار، والمعازف، والأوتار فحرام)). انتهى (٤). قال شيخنا الإمام ابن باز ﵀ معلقاً على كلام القرطبي هذا:

стр. 18

((وهذا الذي قاله القرطبي كلام حسن، وبه تجتمع الآثار الواردة في هذا الباب)) (١). ٣ - وقال اللَّه تعالى: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ (٢). قال الإمام الطبري ﵀: ((أفمن هذا القرآن أيها الناس تعجبون، أنْ نَزَلَ على محمد ﷺ ، وتضحكون منه استهزاءً به، ولا تبكون مما فيه من الوعيد لأهل معاصي اللَّه، وأنتم من أهل معاصيه (وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ) يقول: وأنتم لاهون عما فيه من العِبر والذكر، معرضون عن آياته; يُقال للرجل: دعْ عنا سُمودَك، يُراد به: دَعْ عنَّا لهوك، يقال منه: سَمَدَ فلان يَسْمُد سُمُوداً. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، وإن اختلفت ألفاظهم بالعبارة عنه، فقال بعضهم: غافلون، وقال بعضهم: مُغنّون ... )) (٣). وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾، قال ابن عباس ﵄: ((هو الغناء، وهي يمانية: يقولون: اسمد لنا: تغَنَّ لنا))، وفي رواية عن ابن عباس ﵄ قال: ((السامدون: المغنُّون بالحميرية))، وكذا قال عكرمة، وقال الضحاك: ((السمود: اللهو واللعب)) (٤).

стр. 19

وقال الإمام البغوي ﵀: ((وقال عكرمة [عن ابن عباس]: هو الغناء بلغة أهل اليمن، وكانوا إذا سمعوا القرآن تغنَّوا ولعبوا)) (١)، يعني المشركين، وقال سفيان الثوري عن أبيه عن ابن عباس ﵄: ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ قال: ((الغناء، هي يمانية: اسمد لنا: غَنِّ لنا)) (٢). والسمد كما تقدم: الغفلة، واللهو، ويدخل في ذلك الغناء (٣). ٤ - قال اللَّه : ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ (٤). قوله: ﴿لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾، قال الضحاك: ((الشرك، وقال مجاهد: لا يسمعون الغناء، وقال ابن جريج: هو قول الكذب)). قال الإمام الطبري ﵀: ((فإذا كان ذلك كذلك، فأولى الأقوال بالصواب في تأويله أن يُقال: والذين لا يشهدون شيئاً من الباطل: لا شِركاً، ولا غِناءً، ولا كذباً ولا غيره، وكلّ ما لزمه اسم الزور؛ لأن الله عمّ في وصفه إياهم أنهم لا يشهدون الزور، فلا ينبغي أن يُخَصَّ من ذلك شيء إلا بحجة يجب التسليم لها، من خبر أو عقل)) (٥).

стр. 20

وقال الإمام ابن كثير ﵀: ((﴿لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ قيل: هو الشرك، وعبادة الأصنام، وقيل: الكذب، والفسق، واللغو، والباطل، وقال محمد بن الحنفية: ((لا يَشْهَدُونَ)): اللهو والغناء ... )) (١). ٥ - قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ (٢). قال الإمام ابن جرير ﵀: ((﴿وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ﴾، يعني: بيت الله العتيق ((إلاّ مُكاءً))، وهو الصفير ... وقد قيل: إن (المكو): أن يجمع الرجل يديه، ثم يدخلهما في فيه، ثم يصيح، ويُقال منه: ((مَكت است الدابة مُكاءً))، إذا نفخت بالريح، ويقال: ((إنه لا يمكو إلا استٌ مكشوفة))؛ ولذلك قيل للاست: (المَكْوة)، سُمِّيت بذلك (٣). وأما ((التصدية))، فإنها التصفيق، يُقال: ((صدَّى يُصدِّي تصديةً))، و ((صفَّق))، و ((صفّح))، بمعنىً واحد (٤). قال عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر ﵃: ((المكاء)): التصفير، و ((التصدية)): التصفيق)) (٥).

стр. 21

وقال بذلك: مجاهد، وسعيد بن جبير، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، والضحاك، وقتادة، وابن زيد (١)، وعكرمة، وأبو رجاء العطاردي، ومحمد بن كعب القرظي، وحجر بن عنبس ... وزاد مجاهد: وكانوا يدخلون أصابعهم في أفواههم (٢). قال ابن كثير: ((وقال السدي: المُكَاء: الصفير ... والتصدية: التصفيق، وقال ابن عباس: كانت قريش تطوف بالكعبة عراة تُصفِّرُ وتُصفِّق، والمكاء: الصفير، وإنما شبهوا بصفير الطير، وتصدية التصفيق ... قال قُرَّة: وحكى لنا عطية فعل ابن عمر، فصفَّر ابن عمر، وأمال خدّه، وصفَّق بيديه، وعن ابن عمر أيضًا أنه قال: كانوا يضعون خدودهم على الأرض، ويُصَفِّقُون ويُصَفِّرُون ... وقال عكرمة: كانوا يطوفون بالبيت على الشمال، وقال مجاهد: وإنما كانوا يصنعون ذلك ليخلطوا بذلك على النبي ﷺ صلاته، وقال الزهري: يستهزئون بالمؤمنين)) (٣). وقال العلامة عبد الرحمن السعدي: ((﴿وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ أي: صفيراً وتصفيقاً، فعل الجهلة الأغبياء، الذين ليس في قلوبهم تعظيم لربهم، ولا معرفة بحقوقه، ولا احترام لأفضل البقاع وأشرفها، فإذا كانت هذه صلاتهم فيه، فكيف ببقية العبادات؟ فبأي: شيء كانوا أولى بهذا البيت من المؤمنين الذين هم

стр. 22

في صلاتهم خاشعون، والذين هم عن اللغو معرضون، إلى آخر ما وصفهم الله به من الصفات الحميدة، والأفعال السديدة)) (١). ثانياً: السنة النبوية الصحيحة الصريحة تحرّم الغناء، والمزامير ، وآلات اللهو المحرمة، وهي على النحو الآتي: ١ - عن عبد الرحمن بن غنم قال حدثني أَبُو مَالِكٍ الْأَشْعَرِيُّ ﵁، وَاللَّهِ مَا كَذَبَنِي: سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ((لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ، وَالْحَرِيرَ، وَالْخَمْرَ، وَالْمَعَازِفَ، وَلَيَنْزِلَنَّ أَقْوَامٌ إِلَى جَنْبِ عَلَمٍ (٢) يَرُوحُ عَلَيْهِمْ بِسَارِحَةٍ لَهُمْ يَأْتِيهِمْ - يَعْنِي الْفَقِيرَ- لِحَاجَةٍ، فَيَقُولُونَ: ارْجِعْ إِلَيْنَا غَدًا فَيُبَيِّتُهُمْ اللَّهُ، وَيَضَعُ الْعَلَمَ، وَيَمْسَخُ آخَرِينَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)) (٣). ٢ - وعن شَبِيب بن بشر البجلي، قال: سَمِعْتُ أنس بن مالك ﵁ يقول: قال رَسُول اللهِ ﷺ : ((صَوْتَانِ مَلْعُونَانِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ: مِزْمَارٌ عِنْدَ نِعْمَةٍ، وَرَنَّةٌ عِنْدَ مُصِيبَةٍ)) (٤).

стр. 23

٣ - وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى أُمَّتِي: الْخَمْرَ، وَالْمَيْسِرَ، وَالْمِزْرَ، وَالْكُوبَةَ، وَالْغبيراء، وَزَادَنِي صَلَاةَ الْوَتْر)) (١). والمزر: هونبيذٌ يُتَّخَذُ من الذُّرَة. وقيل: من الشَّعِير أو الحِنْطَةِ (٢)، والكوبة: هي النَّرْد، وقيل: الطَّبْل، وقيل: البَرْبَط [آلة موسيقية] (٣). والغبيراء: ضَرْب من الشَّراب يتَّخِذه الحَبش من الذُّرَة، وهي تُسكِرُ (٤). ٤ - وعن أَبَي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قال: ((لَيَشْرَبَنَّ أُنَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ، يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا، يُعْزَفُ عَلَى رُءُوسِهِمُ بالْمَعَازِفِ وَالْمُغَنِّيَاتِ، يَخْسِفُ اللَّهُ بِهِمُ الأَرْضَ، وَيَجْعَلُ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ)) (٥).

стр. 24

٥ - عَنْ جَابِرٍ بن عبد اللَّه ﵄، قَالَ: أخَذَ النَّبيّ ﷺ بيدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁، فَانْطَلَقَ بهِ إِلَى ابْنِهِ إِبْرَاهِيمَ، وَهُوَ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَأخَذه النَّبيُّ ﷺ فَوَضَعَه فِي حِجْرِهِ، فَبَكَى، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أتبكي؟ أولم تَنْهَنَا عَنِ الْبُكَاءِ؟ قَالَ: ((لَا ولكن نَهَيْتُ عَنْ صَوْتَيْنِ أَحْمَقَيْنِ فَاجِرَيْنِ: صَوْتٍ عِنْدَ مُصِيبَةٍ: خَمْشِ وُجُوهٍ، وشَقِّ جُيُوبٍ، وَرَنَّةِ شَيْطَانٍ (١))) (٢). ولفظ أبي داود الطيالسي: ((لَمْ أَنْهَ عَنِ الْبُكَاءِ، إِنَّمَا نَهَيْتُ عَنْ صَوْتَيْنِ فَاجِرَيْنِ: صَوْتِ مِزْمَارٍ عِنْدَ نِعْمَةٍ: مِزْمَارِ شَيْطَانٍ وَلَعِبٍ، وَصَوْتٍ عِنْدَ مُصِيبَةٍ: شَقِّ الْجُيُوبِ، وَرَنَّةِ شَيْطَانٍ، وَإِنَّمَا هَذِهِ رَحْمَةٌ)) (٣)، ومعنى: ((وإنما هذه رحمة: يعني دمع العين عند المصيبة)).

стр. 25

ولفظ الحاكم في مستدركه: ((إني لم أنْهَ عن البكاء، ولكني نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند نغمة: لهو، ولعب، ومزامير الشيطان، وصوت عند مصيبة: لطم وجوه، وشق جيوب وهذه رحمة، ومن لا يَرْحَمْ لاَ يُرْحَمْ)) (١). ٦ - وخَطَبَ النَّاسَ مُعَاوِيَةُ ﵁ بِحِمْصَ، فَذَكَرَ فِي خُطْبَتِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَرَّمَ سَبْعَةَ أَشْيَاءَ، وَإِنِّي أُبْلِغُكُمْ ذَلِكَ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْهُ، مِنْهُنَّ: النَّوْحُ، وَالشِّعْرُ (٢)، وَالتَّصَاوِيرُ، وَالتَّبَرُّجُ، وَجُلُودُ السِّبَاعِ، وَالذَّهَبُ، وَالْحَرِيرُ)) (٣). ٧ - عنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قال: قال رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : ((إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْخَمْرَ، وَالْمَيْسِرَ، وَالْكُوبَةَ))، وَقَالَ: ((كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ)) (٤). ولفظ أبي داود: ((إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيَّ - أَوْ حُرِّمَ-:

стр. 26

الْخَمْرُ، وَالْمَيْسِرُ، وَالْكُوبَةُ (١)))، قَالَ: ((وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ)) (٢). ٨ - عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (( ... كُلُّ مَا يَلْهُو بِهِ الرَّجُلُ المسْلِمُ بَاطِلٌ: إِلاَّ رَمْيَهُ بِقَوْسِهِ، وَتَأْدِيبَهُ فَرَسَهُ، وَمُلاَعَبَتَهُ أَهْلَهُ، فَإِنَّهُنَّ مِنَ الْحَقِّ)) (٣). ٩ - عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي رَحْمَةً وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ، وَأَمَرَنِي أَنْ أَمْحَقَ الْمَزَامِيرَ، وَالْكَبَارَاتِ، -يَعْنِي الْبَرَابِطَ- وَالْمَعَازِفَ، وَالْأَوْثَانَ الَّتِي كَانَتْ تُعْبَدُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ)) (٤)، ولفظ أبي داود الطيالسي: ((إنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي هُدًى، وَرَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وَأَمَرَنِي بِمَحْقِ: الْمَعَازِفِ، وَالْمَزَامِيرِ،

стр. 27

وَالأَوْثَانِ، وَالصُّلُبِ، وَأَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ)) (١). ١٠ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الْجَرَسُ مَزَامِيرُ الشَّيْطَانِ» (٢). ١١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((لاَ تَصْحَبُ الْمَلاَئِكَةُ رُفْقَةً فِيهَا كَلْبٌ أَوْ جَرَسٌ)) (٣). ١٢ - عَنْ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ جُلْجُلٌ، وَلَا جَرَسٌ، وَلَا تَصْحَبُ الْمَلَائِكَةُ رُفْقَةً فِيهَا جَرَسٌ)) (٤). ١٣ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ((أَمَرَ بِالْأَجْرَاسِ أَنْ تُقْطَعَ مِنْ أَعْنَاقِ الْإِبِلِ يَوْمَ بَدْرٍ)) (٥).

стр. 28

ثالثاً: أقوال الصحابة ﵃ في ذم الغناء وآلات اللهو والتحذير من ذلك ، ومنها ما يأتي: ١ - أمير المؤمنين أبو بكر ﵁ -، سمّى الغناء مزامير الشيطان فَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ مِنْ جَوَارِي الْأَنْصَارِ، تُغَنِّيَانِ بِمَا تَقَاوَلَتْ الْأَنْصَارُ يَوْمَ بُعَاثَ (١)، قَالَتْ وَلَيْسَتَا بِمُغَنِّيَتَيْنِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمَزَامِيرُ الشَّيْطَانِ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ وَذَلِكَ فِي يَوْمِ عِيدٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((يَا أَبَا بَكْرٍ إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا، وَهَذَا عِيدُنَا)) (٢)، وهذا لفظ البخاري، وفي رواية للبخاري: ((دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ تُغَنِّيَانِ بِغِنَاءِ بُعَاثَ، فَاضْطَجَعَ عَلَى الْفِرَاشِ، وَحَوَّلَ وَجْهَهُ، وَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَانْتَهَرَنِي، وَقَالَ: مِزْمَارَةُ الشَّيْطَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: ((دَعْهُمَا)) فَلَمَّا غَفَلَ غَمَزْتُهُمَا فَخَرَجَتَا)) (٣). وفي رواية للبخاري ومسلم أيضاً: ((أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا جَارِيَتَانِ فِي أَيَّامِ مِنًى تُغَنِّيَانِ، وَتَضْرِبَانِ، وَرَسُول اللَّهِ ﷺ

стр. 29

مُسَجًّى (١) بِثَوْبِهِ، فَانْتَهَرَهُمَا أَبُو بَكْرٍ، فَكَشَفَ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنْهُ، وَقَالَ: ((دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ، فَإِنَّهَا أَيَّامُ عِيدٍ)) (٢). فلم ينكر رسول اللَّه ﷺ على أبي بكر ﵁ تسمية الغناء مزامير الشيطان، وأقرّ الجاريتين معلّلاً تركهما بأنها أيام عيد. وإذا كان الغناء بأشعار الشجاعة والحروب من مزامير الشيطان، فكيف بأشعار الخلاعة والمجون التي هي غالب بضاعة أهل الإذاعات، وأكبر مقاصد الأكثرين من المتخذين لآلات اللهو والمعازف؟! (٣). ٢ - أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ -، ((فعَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ قَال: سَمِعْتُ بُرَيْدَةَ يَقُولُ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ جَاءَتْ جَارِيَةٌ سَوْدَاءُ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ إِنْ رَدَّكَ اللَّهُ صَالِحاً أَنْ أَضْرِبَ بَيْنَ يَدَيْكَ بِالدُّفِّ، وَأَتَغَنَّى، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِنْ كُنْتِ نَذَرْتِ فَاضْرِبِي، وَإِلَّا فَلَا))، فَجَعَلَتْ تَضْرِبُ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ، وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عَلِيٌّ، وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ، وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عُمَرُ، فَأَلْقَتْ الدُّفَّ تَحْتَ اسْتِهَا، ثُمَّ قَعَدَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِنَّ الشَّيْطَانَ لَيَخَافُ مِنْكَ يَا عُمَرُ، إِنِّي كُنْتُ جَالِسًا وَهِيَ تَضْرِبُ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ

стр. 30

دَخَلَ عَلِيٌّ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ وَهِيَ تَضْرِبُ، فَلَمَّا دَخَلْتَ أَنْتَ يَا عُمَرُ أَلْقَتْ الدُّفَّ)) (١). وعن عائشة ﵄ قالت: كانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ جَالِسًا، فَسَمِعْنَا لَغَطًا، وَصَوْتَ صِبْيَانٍ، فَقَامَ رَسُول اللَّهِ ﷺ ، فَإِذَا حَبَشِيَّةٌ تَزْفِنُ (٢)، وَالصِّبْيَانُ حَوْلَهَا، فَقَالَ: ((يَا عَائِشَةُ، تَعَالَيْ فَانْظُرِي))، فَجِئْتُ فَوَضَعْتُ لَحْيَيَّ عَلَى مَنْكِبِ رَسُول اللَّهِ ﷺ ، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهَا مَا بَيْنَ الْمَنْكِبِ إِلَى رَأْسِهِ، فَقَالَ لِي: ((أَمَا شَبِعْتِ، أَمَا شَبِعْتِ؟)) قَالَتْ: فَجَعَلْتُ أَقُولُ لَا؛ لِأَنْظُرَ مَنْزِلَتِي عِنْدَهُ، إِذْ طَلَعَ عُمَرُ، قَالَتْ: فَارْفَضَّ (٣) النَّاسُ عَنْهَا، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : ((إِنِّي لَأَنْظُرُ إِلَى شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ قَدْ فَرُّوا مِنْ عُمَرَ)) قَالَتْ فَرَجَعْتُ (٤). ٣ - أمير المؤمنين عُثْمَانُ بنُ عفَّان ﵁ -، فعَنْ عثمان بن صهبان قال: سمعت عثمان بن عفان ﵁ يقول: ((وَالله مَا تَغَنَّيْتُ، وَلاَ

стр. 31

تَمَنَّيْتُ)) (١). ٤ - أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ -، فقد ذكر الحافظ ابن كثير في تاريخه قال: لما انصرف علي ﵁ من النهروان (٢) قام في الناس خطيباً، فذكر خطبة طويلة بليغة فيها: ((ومجالس اللهو تُنسي القرآن، ويحضرها الشيطان، وتدعو إلى كلِّ غيٍّ)) (٣). ٥ - عبد الله بن مسعود ﵁ -، قال في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾: ((هو الغناء، والله الذي لا إله إلا هو)) يُردِّدُها ثلاث مرات (٤). ٦ - عبد الله بن عباس ﵄ ، فسّر قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾: فقال: ((الغناء وأشباهه))، وفي رواية عنه، قال: ((هو الغناء، والاستماع له))، وفي رواية عنه قال: ((هو الغناء ونحوه))، وفي رواية: ((شراء المغنية))، وفي رواية قال: ((باطل الحديث: هو الغناء ونحوه)) (٥).

стр. 32

٧ - عبد اللَّه بن عمر ﵄ ، قال في تفسير قوله تعالى:: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾، ((المكاء)): التصفير، و ((التصدية)): التصفيق))، وكذا قال ابن عباس ﵄ (١). ٨ - أبو الدرداء ﵁ -، قال: ((الشعر مزامير إبليس)) (٢). يعني الشعر المحرم. ٩ - عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵄ ، قال: ((فِي التَّوْرَاةِ إِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الْحَقَّ لِيُذْهِبَ بِهِ الْبَاطِلَ، وَيُبْطِلَ بِهِ اللَّعِبَ، وَالزَّفْنَ (٣) وَالزِّمَّارَاتِ وَالْمَزَاهِرَ (٤) وَالْكِنَّارَاتِ (٥)) (٦).

стр. 33

١٠ - جابر بن عبد اللَّه ﵄ قال في: ﴿لَهْوَ الحَدِيثِ﴾: هو الغناء والاستماع له (١). ١١ - عائشة ﵂ أنها رأت مغنياً يغني في بيت بنات أخيها، فَمَرَّتْ بِهِ عَائِشَةُ ﵂ فَرَأَتْهُ يَتَغَنَّى، وَيُحَرِّكُ رَأْسَهُ طَرَبًا، وَكَانَ ذَا شَعْرٍ كَثِيرٍ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: أُفٍّ شَيْطَانٌ أَخْرِجُوهُ أَخْرِجُوهُ فَأَخْرَجُوهُ (٢). وغير هؤلاء من الصحابة كثير، ذمُّوا الغناء وآلات اللهو. وكذلك جاء عن أُمّةٍ كثيرة من التابعين وأتباعهم ذم الملاهي والأغاني (٣). رابعاً: الأئمة الأربعة يمنعون من الغناء، ويذمونه وجميع الملاهي: ١ - الإمام أبو حنيفة ﵀ ، قال الإمام أبو بكر الطرطوشي ﵀، كما ذكر عنه ابن القيم ﵀ (٤):

стр. 34

(( ... وأما أبو حنيفة: فإنه يكره الغناء، ويجعله من الذنوب (١)، وكذلك مذهب أهل الكوفة: سفيان، وحماد، وإبراهيم، والشعبي، وغيرهم لا اختلاف بينهم في ذلك، ولا نعلم خلافاً أيضاً بين أهل البصرة في المنع منه)). ((قلت [القائل ابن القيم]: مذهب أبي حنيفة في ذلك من أشدِّ المذاهب، وقوله فيه أغلظ الأقوال، وقد صرَّح أصحابه بتحريم سماع الملاهي كلها؛ كالمزمار، والدفِّ، حتى الضَّرْب بالقَضِيب، وصرَّحوا بأنه معصية، يوجب الفسق، وتُرَدُّ به الشهادة، وأبلغ من ذلك أنهم قالوا: إن السماع فِسْقٌ، والتَّلَذُّذَ به كفرٌ، هذا لفظهم ورووا في ذلك حديثاً لا يصحُّ رفعُه. قالوا: ويجب عليه أن يجتهد في أن لا يسمعه إذا مرَّ به، أو كان في جواره. وقال أبو يوسف في دار يُسمَع منها صوتُ المعازف والملاهي: ادخل عليهم بغير إذنهم؛ لأن النهي عن المنكر فرضٌ، فلو لم يجز الدخول بغير إذن لامتنع الناس من إقامة الفرض. قالوا: ويتقدَّم إليه الإمام إذا سمع ذلك من داره، فإن أصرَّ حبسه، أو ضربه سياطاً، وإن شاء أزعجه عن داره)) (٢). ٢ - الإمام مالك ﵀ ، نهى عن الغناء، وعن استماعه،

стр. 35

وقال: ((إذا اشترى جارية فوجدها مغنيةً، كان له أن يردَّها بالعيب، وسئل مالك ﵀: عمّا يرخّص فيه أهل المدينة من الغناء؟ فقال: إنما يفعله عندنا الفساق)) (١). ٣ - الإمام الشافعي ﵀ ، قال في كتاب القضاء (٢): ((إن الغناء لهوٌ مكروه يشبه الباطل، والمحال، ومن استكثر منه فهو سفيه تُرَدُّ شهادتُه)). وصرَّح أصحابه العارفون بمذهبه بتحريمه، وأنكروا على من نَسبَ إليه حِلِّه كالقاضي أبي الطيب الطبري، والشيخ أبي إسحاق، وابن الصَّبَّاغ. قال الشيخ أبو إسحق في (التنبيه): ولا تَصِحُّ - يعني الإجارة- على منفعة، محرمة كالغناء والزَّمْر، وحمل الخمر، ولم يذكر فيه خلافاً. وقال في المهذَّب: ولا يجوز على المنافع المحرَّمة؛ لأنه محرم، فلا يجوز أخذ العوض عنه كالميتة والدم. فقد تضمَّن كلام الشيخ أموراً:

стр. 36

أحدها: أن منفعة الغناء بمجرده منفعة محرمة. الثاني: أن الاستئجار عليها باطل. الثالث: أن أكل المال به أكل مال بالباطل، بمنزلة أكله عوضاً عن الميتة والدم. الرابع: أنه لا يجوز للرجل بذل ماله للمُغنِّي، ويحرم عليه ذلك؛ فإنه بذل ماله في مقابلة محرم، وأنَّ بَذْلَه في ذلك كبَذْلِهِ في مقابلة الدم والميتة. الخامس: أن الزَّمْر حرام. وإذا كان الزمر - الذي هو أخف آلات اللهو- حراماً، فكيف بما هو أشد منه: كالعود، والطُّنْبُور، واليَراع، ولا ينبغي لمن شمَّ رائحة العلم أن يتوقف في تحريم ذلك، فأقل ما فيه: أنه من شعار الفُسَّاق، وشاربي الخمور. وكذلك قال أبو زكريا النَّوويُّ في (روضته) (١): القسم الثاني: أن يُغَنَّى ببعض آلات الغناء، بما هو من شعار شاربي الخمر، وهو مُطربٌ كالطُّنْبُورِ، والعُودِ، والصَّنْج، وسائر المعازف والأوتار، يحرم استعمالُه واستماعه. قال: وفي اليَراع وجْهان، صحح البغوي التحريم. ثم ذكر عن الغزاليِّ الجواز (٢)، قال: والصحيح تحريم اليَراع،

стр. 37

وهو الشبَّابة. وقد صنف أبو القاسم الدَّوْلَعِيُّ (١) كتاباً في تحريم اليَراع. وقد حكى أبو عمرو بن الصلاح الإجماع على تحريم السماع (٢)، الذي جمع الدُّفَّ، والشَّبَّابة، والغناء، فقال في فتاويه: وأما إباحة السماع، وتحليله، فليُعْلَمْ أن الدُّفَّ، والشبَّابة، والغناء إذا اجتمعت، فاستماع ذلك حرام عند أئمة المذاهب، وغيرهم من علماء المسلمين، ولم يثبت عن أحد ممن يُعتدُّ بقوله في الإجماع والاختلاف، أنه أباح هذا السماع، والخلاف المنقول عن بعض أصحاب الشافعي، إنما نقل في الشَّبَّابة منفردة، والدُّفِّ منفرداً، فمن لايُحَصِّلُ، أو لا يَتَأمَّل، ربما اعتقد خلافاً بين الشافعيين في هذا السماع الجامع هذه الملاهي، وذلك وهمٌ بَيِّنٌ من الصائر إليه، تُنادي عليه أدلةُ الشرع والعقل، مع أنه ليس كل خلاف يُستَرْوَحُ إليه، ويُعْتمَد عليه، ومن تتبَّع ما اختَلَف فيه العلماءُ، وأخذ بالرُّخَصِ من أقاويلهم تَزَنْدَقَ أو كاد. قال: وقولهم في السماع المذكور: إنه من القربات والطاعات، قول مخالف لإجماع المسلمين، ومن خالف إجماعهم فعليه ما في

стр. 38

قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (١). وأطال الكلام في الرد على هاتين الطائفتين اللَّتين بلاء الإسلام منهم: المُحَلِّلون لما حَرَّم اللَّه، والمُتَقَرِّبون إلى اللَّه بما يُباعِدُهم عنه. والشافعي، وقدماء أصحابه، والعارفون بمذهبه: من أغلظ الناس قولاً في ذلك. وقد تواتر عن الشافعي أنه قال: خلَّفْت ببغداد شيئاً أحْدَثَتْهُ الزنادقةُ يُسمُّونه التَّغْبير، يَصُدُّون به الناسَ عن القرآن. فإذا كان هذا قوله في التغبير، وتعليلُه: أنه يَصُدُّ عن القرآن، وهو شعرٌ يزهِّد في الدنيا، يُغَنِّي به مُغَنٍّ، فيضرب بعض الحاضرين بقَضيبٍ على نِطْعٍ، أو مَخَدَّةٍ على توقيع غنائه، فليت شِعْري ما يقولُ في سماع التغبير عنده كتفْلَةٍ في بحر، قد اشتمل على كل مفسدة، وجمع كل محرَّم، فاللَّه بين دينِه وبين كل متعلّمٍ مفتونٍ، وعابد جاهل. قال سفيان بن عيينة: كان يقالُ: احذَرُوا فتنة العالم الفاجر، والعابد الجاهل؛ فإن فتنتهما فتنة لكل مفتونٍ. ومن تأمَّل الفساد الداخل على الأمة وجده من هذين المفتونين. ٤ - الإمام أحمد ﵀ ، وأما مذهب الإمام أحمد في الغناء، فقال عبد اللَّه ابنه: سألت أبي عن الغناء، فقال: الغناء ينبت النفاق في

стр. 39

القلب، لا يعجبني، ثم ذكر قول مالك: إنما يفعله عندنا الفساق. قال عبد اللَّه: وسمعت أبي يقول: سمعت يحيى القطَّان يقول: لو أن رجلاً عمل بكل رخصة؛ بقول أهل الكوفة في النبيذ، وأهل المدينة في السماع، وأهل مكة في المتعة؛ لكان فاسقاً. قال أحمد: وقال سليمان التّيمِيّ: لو أخذتَ برخصة كل عالمٍ، أو زلَّةِ كل عالم، اجتمع فيك الشر كله، ونصَّ على كسر آلات اللهو كالطُّنْبُور وغيره إذا رآها مكشوفةً، وأمكنه كسرها. وعنه في كسرها إذا كانت مغطاةً تحت ثيابه، وعلم بها، روايتان منصوصتان. ونصَّ في أيتامٍ ورثوا جاريةً مُغَنِّيَةً، وأرادوا بيعها، فقال: لا تُباع إلا على أنها سَاذَجَة، فقالوا: إذا بيعت مُغَنِّيَة ساوت عشرين ألفا، أو نحوها، وإذا بيعت ساذجةً لا تساوي ألفين؟! فقال: لا تُباع إلا على أنها ساذجة. ولو كانت منفعة الغناء مباحةً لما فوَّت هذا المال على الأيتام)) (١). خامساً: علماء الإسلام يذمُّون الغناء والملاهي المحرمة: ١ - الإمام أبو عمرو بن الصلاح ﵀: ((حكى الإجماع على تحريم السماع الذي جمع: الدّفَّ، والشبَّابةَ، والغناء، فقال في فتاويه: وأما إباحة السماع، وتحليله، فليُعْلَمْ أن الدُّفَّ، والشبَّابة،

стр. 40

والغناء إذا اجتمعت، فاستماع ذلك حرام عند أئمة المذاهب، وغيرهم من علماء المسلمين، ولم يثبت عن أحد ممن يُعتدُّ بقوله في الإجماع والاختلاف، أنه أباح هذا السماع ... )) (١). ٢ - شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية ﵀ ، فقد حكى اتفاق العلماء على المنع من آلات اللهو، والاستئجار عليها عند الأئمة الأربعة، وقال في ردِّه على الرافضي: ((الأئمة الأربعة متفقون على تحريم المعازف التي هي آلات اللهو: كالعود ونحوه، ولو أتلفها متلف عندهم لم يضمن صورة التالف، بل يحرم عندهم اتخاذه ... )) (٢). ٣ - الإمام الفقيه المحدِّث محمد بن مفلح المقدسي ﵀: ((نقل عن القاضي عياض أنه ذكر الإجماع على كفر مستحلّ الغناء)) (٣). وقال ﵀: ((وَلَا يُكْرَهُ دُفٌّ فِي عُرْسٍ ... وَيُكْرَهُ لِرَجُلٍ لِلتَّشَبُّهِ، وَيُحَرَّمُ كُلُّ مَلْهَاةٍ سِوَاهُ، كَمِزْمَارٍ، وَطُنْبُورٍ، وَرَبَابٍ، وَجُنْكٍ)) (٤).
следующие страницы →