← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 96473

الغناء والمعازف في ضوء الكتاب والسنة وآثار الصحابة - رضي الله عنهم -

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (151 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

أحدها: أن منفعة الغناء بمجرده منفعة محرمة. الثاني: أن الاستئجار عليها باطل. الثالث: أن أكل المال به أكل مال بالباطل، بمنزلة أكله عوضاً عن الميتة والدم. الرابع: أنه لا يجوز للرجل بذل ماله للمُغنِّي، ويحرم عليه ذلك؛ فإنه بذل ماله في مقابلة محرم، وأنَّ بَذْلَه في ذلك كبَذْلِهِ في مقابلة الدم والميتة. الخامس: أن الزَّمْر حرام. وإذا كان الزمر - الذي هو أخف آلات اللهو- حراماً، فكيف بما هو أشد منه: كالعود، والطُّنْبُور، واليَراع، ولا ينبغي لمن شمَّ رائحة العلم أن يتوقف في تحريم ذلك، فأقل ما فيه: أنه من شعار الفُسَّاق، وشاربي الخمور. وكذلك قال أبو زكريا النَّوويُّ في (روضته) (١): القسم الثاني: أن يُغَنَّى ببعض آلات الغناء، بما هو من شعار شاربي الخمر، وهو مُطربٌ كالطُّنْبُورِ، والعُودِ، والصَّنْج، وسائر المعازف والأوتار، يحرم استعمالُه واستماعه. قال: وفي اليَراع وجْهان، صحح البغوي التحريم. ثم ذكر عن الغزاليِّ الجواز (٢)، قال: والصحيح تحريم اليَراع،

стр. 37

وهو الشبَّابة. وقد صنف أبو القاسم الدَّوْلَعِيُّ (١) كتاباً في تحريم اليَراع. وقد حكى أبو عمرو بن الصلاح الإجماع على تحريم السماع (٢)، الذي جمع الدُّفَّ، والشَّبَّابة، والغناء، فقال في فتاويه: وأما إباحة السماع، وتحليله، فليُعْلَمْ أن الدُّفَّ، والشبَّابة، والغناء إذا اجتمعت، فاستماع ذلك حرام عند أئمة المذاهب، وغيرهم من علماء المسلمين، ولم يثبت عن أحد ممن يُعتدُّ بقوله في الإجماع والاختلاف، أنه أباح هذا السماع، والخلاف المنقول عن بعض أصحاب الشافعي، إنما نقل في الشَّبَّابة منفردة، والدُّفِّ منفرداً، فمن لايُحَصِّلُ، أو لا يَتَأمَّل، ربما اعتقد خلافاً بين الشافعيين في هذا السماع الجامع هذه الملاهي، وذلك وهمٌ بَيِّنٌ من الصائر إليه، تُنادي عليه أدلةُ الشرع والعقل، مع أنه ليس كل خلاف يُستَرْوَحُ إليه، ويُعْتمَد عليه، ومن تتبَّع ما اختَلَف فيه العلماءُ، وأخذ بالرُّخَصِ من أقاويلهم تَزَنْدَقَ أو كاد. قال: وقولهم في السماع المذكور: إنه من القربات والطاعات، قول مخالف لإجماع المسلمين، ومن خالف إجماعهم فعليه ما في

стр. 38

قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (١). وأطال الكلام في الرد على هاتين الطائفتين اللَّتين بلاء الإسلام منهم: المُحَلِّلون لما حَرَّم اللَّه، والمُتَقَرِّبون إلى اللَّه بما يُباعِدُهم عنه. والشافعي، وقدماء أصحابه، والعارفون بمذهبه: من أغلظ الناس قولاً في ذلك. وقد تواتر عن الشافعي أنه قال: خلَّفْت ببغداد شيئاً أحْدَثَتْهُ الزنادقةُ يُسمُّونه التَّغْبير، يَصُدُّون به الناسَ عن القرآن. فإذا كان هذا قوله في التغبير، وتعليلُه: أنه يَصُدُّ عن القرآن، وهو شعرٌ يزهِّد في الدنيا، يُغَنِّي به مُغَنٍّ، فيضرب بعض الحاضرين بقَضيبٍ على نِطْعٍ، أو مَخَدَّةٍ على توقيع غنائه، فليت شِعْري ما يقولُ في سماع التغبير عنده كتفْلَةٍ في بحر، قد اشتمل على كل مفسدة، وجمع كل محرَّم، فاللَّه بين دينِه وبين كل متعلّمٍ مفتونٍ، وعابد جاهل. قال سفيان بن عيينة: كان يقالُ: احذَرُوا فتنة العالم الفاجر، والعابد الجاهل؛ فإن فتنتهما فتنة لكل مفتونٍ. ومن تأمَّل الفساد الداخل على الأمة وجده من هذين المفتونين. ٤ - الإمام أحمد ﵀ ، وأما مذهب الإمام أحمد في الغناء، فقال عبد اللَّه ابنه: سألت أبي عن الغناء، فقال: الغناء ينبت النفاق في

стр. 39

القلب، لا يعجبني، ثم ذكر قول مالك: إنما يفعله عندنا الفساق. قال عبد اللَّه: وسمعت أبي يقول: سمعت يحيى القطَّان يقول: لو أن رجلاً عمل بكل رخصة؛ بقول أهل الكوفة في النبيذ، وأهل المدينة في السماع، وأهل مكة في المتعة؛ لكان فاسقاً. قال أحمد: وقال سليمان التّيمِيّ: لو أخذتَ برخصة كل عالمٍ، أو زلَّةِ كل عالم، اجتمع فيك الشر كله، ونصَّ على كسر آلات اللهو كالطُّنْبُور وغيره إذا رآها مكشوفةً، وأمكنه كسرها. وعنه في كسرها إذا كانت مغطاةً تحت ثيابه، وعلم بها، روايتان منصوصتان. ونصَّ في أيتامٍ ورثوا جاريةً مُغَنِّيَةً، وأرادوا بيعها، فقال: لا تُباع إلا على أنها سَاذَجَة، فقالوا: إذا بيعت مُغَنِّيَة ساوت عشرين ألفا، أو نحوها، وإذا بيعت ساذجةً لا تساوي ألفين؟! فقال: لا تُباع إلا على أنها ساذجة. ولو كانت منفعة الغناء مباحةً لما فوَّت هذا المال على الأيتام)) (١). خامساً: علماء الإسلام يذمُّون الغناء والملاهي المحرمة: ١ - الإمام أبو عمرو بن الصلاح ﵀: ((حكى الإجماع على تحريم السماع الذي جمع: الدّفَّ، والشبَّابةَ، والغناء، فقال في فتاويه: وأما إباحة السماع، وتحليله، فليُعْلَمْ أن الدُّفَّ، والشبَّابة،

стр. 40

والغناء إذا اجتمعت، فاستماع ذلك حرام عند أئمة المذاهب، وغيرهم من علماء المسلمين، ولم يثبت عن أحد ممن يُعتدُّ بقوله في الإجماع والاختلاف، أنه أباح هذا السماع ... )) (١). ٢ - شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية ﵀ ، فقد حكى اتفاق العلماء على المنع من آلات اللهو، والاستئجار عليها عند الأئمة الأربعة، وقال في ردِّه على الرافضي: ((الأئمة الأربعة متفقون على تحريم المعازف التي هي آلات اللهو: كالعود ونحوه، ولو أتلفها متلف عندهم لم يضمن صورة التالف، بل يحرم عندهم اتخاذه ... )) (٢). ٣ - الإمام الفقيه المحدِّث محمد بن مفلح المقدسي ﵀: ((نقل عن القاضي عياض أنه ذكر الإجماع على كفر مستحلّ الغناء)) (٣). وقال ﵀: ((وَلَا يُكْرَهُ دُفٌّ فِي عُرْسٍ ... وَيُكْرَهُ لِرَجُلٍ لِلتَّشَبُّهِ، وَيُحَرَّمُ كُلُّ مَلْهَاةٍ سِوَاهُ، كَمِزْمَارٍ، وَطُنْبُورٍ، وَرَبَابٍ، وَجُنْكٍ)) (٤).

стр. 41

٤ - أبو الطيب طاهر بن عبد الله الطبري ، نقل عنه الحافظ أبو الفرج بن الجوزي، فقال: ((وحدثنا هبة الله بن أحمد الحريري، عن أبي الطيب طاهر بن عبد الله الطبري، قال: قال الشافعي: الغِنَاءُ لَهْوٌ مكروه يشبه الباطل، ومن استكثر منه فهو سفيه تُردُّ شهادته، قال: وكان الشافعي يكره التغبير، قال الطبري: فقد أجمع علماء الأمصار على كراهية الغناء والمنع منه)) (١). ٥ - الإمام أبو بكر بن قيم الجوزية ، قال رحمه اللَّه تعالى: ((ومن مكايد عدو اللَّه ومصايده التي كاد بها من قَلَّ نصيبه من العلم، والعقل، والدين، وصاد بها قلوب الجاهلين والمبطلين: سماع المُكَاءِ، والتَّصْدِيَةِ، والغِنَاءِ بالآلات المحرَّمة؛ الذي يَصُدُّ القلوبَ عن القرآن، ويجعلها عاكفةً على الفسوق والعصيان، فهو قرآن الشيطان، والحجاب الكثيف عن الرحمن، وهو رقية اللّواط، والزنا، وبه ينال العاشق الفاسق من معشوقه غايةَ المُنَى، كاد به الشيطان النفوس المبطلة، وحسَّنه لها مَكْراً منه وغروراً، وأوحى إليها الشُّبَه الباطلة على حسنِه، فقبلتْ وحيَه، واتَّخذت لأجله القرآن مهجوراً)). إلى أن قال ﵀: ((ولقد أحسن القائل حين قال: تُلِيَ الكتابُ فأطْرَقُوا لا خِيَفَةً ... لَكِنًّهُ إِطْرَاقُ سَاهٍ لاَهِي وَأتَى الْغِنَاءُ فَكَالحَمِيرِ تَنَاهَقُوا ... وَاللهِ مَا رَقَصُوا لأِجْلِ اللهِ

стр. 42

دُفٌّ وَمِزْمَارٌ وَنَغْمَةُ شَادِنٍ ... فَمَتَى رَأيْتَ عَبَادَةً بِمَلاَهِي ثَقُلَ الْكِتَابُ عَلَيْهِمُ لَمَّا رَأَوْا ... تَقْيِيدَهُ بِأوَامِرٍ وَنَوَاهِي سَمِعُوا لَهُ رَعْداً وَبَرْقاً إذْ حَوَى ... زَجْراً وَتَخْوِيفاً بِفِعْلِ مُنَاهِي وَرَأَوْهُ أعْظَمَ قَاطِعٍ لِلنَّفْسِ عَنْ ... شَهَوَاتِهَا يَا ذَبْحَهَا المُتَنَاهِي وَأتَى السَّمَاعُ مُوَافِقاً أغْرَاضَهَا ... فَلأَجْلِ ذَاكَ غَدَا عَظِيمَ الْجَاهِ أَيْنَ الْمُسَاعِدُ لِلْهَوَى مِنْ قَاطِعٍ ... أَسْبَابَهُ عِنْدَ الْجَهُولِ السَّاهِي إِنْ لَمْ يَكُنْ خَمْرَ الْجُسُومِ فَإِنَّهُ ... خَمْرُ الْعُقُولِ مُمَاثِلٌ وَمُضَاهِي فَانْظُرْ إِلَى النَّشْوَانِ عِنْدَ شَرَابِهِ ... وَانْظُرْ إِلَى النِّسْوَانِ عِنْدَ مَلاَهِي وَانْظُرْ إِلَى تَمْزِيقِ ذَا أَثْوَابَهُ ... مِنْ بَعْدِ تَمْزِيقِ الْفُؤَادِ اللاَّهِي وَاحْكُمْ فَأيُّ الْخَمْرِتَيْنِ أحَقُّ ... بِالتَّحْرِيمِ وَالتَّأْثِيمِ عِنْدَ اللهِ وقال آخر: بَرِئْنَا إِلَى اللهِ مِنْ مَعْشَرٍ ... بِهِمْ مَرَضٌ مِنْ سَمَاعِ الغِنَا وَكَمْ قُلْتُ: يَا قَوْمِ أَنْتُمْ عَلَى ... شَفَا جُرُفٍ مَا بِهِ مِنْ بِنَا شَفَا جُرُفٍ تَحْتَهُ هُوَةٌ ... إِلَى دَرَكٍ، كَمْ بِهِ مِنْ عَنَا وَتَكْرَارُ ذَا النُّصْحِ مِنَّا لَهُمْ ... لِنُعْذَرَ فِيهِمْ إِلَى رَبِّنَا فَلَمَّا اسْتَهَانُوا بِتَنْبِيهِنَا ... رَجَعْنَا إِلَى اللهِ فِي أَمْرِنَا فَعِشْنَا عَلَى سُنَّةِ المُصْطَفَى ... وَمَاتُوا عَلَى تِنْتَنَا تِنْتَنَا ولم يزل أنصار الإسلام، وأئمة الْهُدَى، تصيح بهؤلاء من أقطار الأرض، وتُحذِّر من سلوك سبيلهم، واقتفاء آثارهم من جميع

стр. 43

طوائف الملة)) (١). وقال الإمام ابن القيم ﵀: ((وأما سماعه [أي الغناء] من المرأة الأجنبية، أو الأمرد، فمن أعظم المحرمات، وأشدِّها فساداً للدين)) (٢). ٦ - الإمام عبد العزيز بن عبد اللَّه بن باز ﵀ ، قال: ((الأدلة من الكتاب والسنة تحرم الأغاني، والملاهي، وتحذر منها (٣)، ثم قال ﵀: ((لقد اطلعت على ما نشرته مجلة الرائد في عددها السابع والستين، والثامن والستين بقلم أبي تراب الظاهري تحت عنوان: ((الكتاب والسنة لم يحرما الغناء، ولا استعمال المعازف والمزامير، والاستماع إليها))، وتأمَّلت ما ذكره في هذا المقال: من الأحاديث والآثار، وما اعتمده في القول بحِلِّ الغناء، وآلات الملاهي، تبعاً لإمامه أبي محمد بن حزم الظاهري, فتعجبت كثيراً من جرأته الشديدة، تبعاً لإمامه أبي محمد على القول بتضعيف جميع ما ورد من الأحاديث في تحريم الغناء، وآلات الملاهي؛ بل على ما هو أشنع من ذلك, وهو القول بأن الأحاديث الواردة في ذلك موضوعة، وعجبت أيضاً من جرأتهما الشديدة الغريبة على القول

стр. 44

بحِلِّ الغناء، وجميع آلات الملاهي، مع كثرة ما ورد في النهي عن ذلك من الآيات والأحاديث والآثار عن السلف الصالح ﵃ , فنسأل اللَّه العافية والسلامة من القول عليه بغير علمٍ, والجرأة على تحليل ما حرمه اللَّه من غير برهان, ولقد أنكر أهل العلم قديماً على أبي محمد هذه الجرأة الشديدة، وعابوه بها, وجرى عليه بسببها محنٌ كثيرةٌ، فنسأل اللَّه أن يعفو عنا، وعنه، وعن سائر المسلمين. ولقد حذَّر اللَّه عباده من القول عليه بغير علم، ونهاهم سبحانه أن يُحرِّموا، أو يُحلِّلُوا بغير برهان)) (١). وقال ﵀ في موضع آخر: ((الغناء محرم عند جمهور أهل العلم، وإذا كان معه آلة لهو، كالموسيقى، والعود، والرَّباب، ونحو ذلك، حرم بإجماع المسلمين ... )) (٢). وقال ﵀ في موضع آخر: ((الاستماع إلى الأغاني لا شك في حرمته، وما ذاك إلا لأنه يجر إلى معاصٍ كثيرة، وإلى فتنٍ متعددةٍ, ويجرُّ إلى العشق، والوقوع في الزنا، والفواحش، واللّواط، ويجرُّ إلى معاصٍ أخرى، كشرب المسكرات، ولعب القمار، وصحبة الأشرار, وربما أوقع في الشرك والكفر باللَّه، على حسب

стр. 45

أحوال الغناء، واختلاف أنواعه ... )) (١). ٧ - العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀ تعالى، قال: ((ويجتنب المعازف، وهي آلات اللهو بجميع أنواعها، كالعود، والربابة، والقانون، والكمنجة، والبيانو، والكمان وغيرها؛ فإن هذه حرام، وتزداد تحريماً وإثماً إذا اقترنت بالغناء بأصوات جميلة، وأغانٍ مثيرة, قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (٢) , صحَّ عن ابن مسعود ﵁ أنه سُئل عن هذه الآية، فقال: واللَّه الذي لا إله غيره هو الغناء، وصحَّ أيضاً عن ابن عباس، وابن عمر ﵃ , وذكره ابن كثير عن جابر، وعكرمة، وسعيد بن جُبَيْر، ومجاهد، وقال الحسن: نزلت هذه الآية في الغناء، والمزامير، وقد حذر النبي ﷺ من المعازف، وقَرَنَهَا بالزنا، فقال ﷺ : «ليكونن من أمتي أقوام يستحِلُّون الْحِر والحرير والخمر والمعازف)) (٣). ((فالحر: الفرج، والمراد به الزنا، ومعنى يستحلون أي: يفعلونها فعل المستحلِّ لها، بدون مبالاة، وقد وقع هذا في زمننا، فكان من الناس من يستعمل هذه المعازف، أو يستمعها كأنها شيء حلال، وهذا مما نجح فيه أعداء الإسلام بكيدهم للمسلمين، حتى صدّوهم عن ذكر اللَّه، ومهامِّ دينهم ودنياهم، وأصبح كثير منهم يستمعون إلى

стр. 46

ذلك أكثر مما يستمعون إلى قراءة القرآن والأحاديث، وكلام أهل العلم، المتضمِّن لبيان أحكام الشريعة وحِكَمِهَا)) (١).

стр. 47

المبحث الرابع: الوعيد الشديد لأهل الغناء والمعازف وآلات اللهو جاء في نصوص الكتاب والسنة الوعيد الشديد لأهل الغناء والمعازف، فقد ورد الوعيد لأهل الغناء، والمعازف، والوعيد الشديد على الشيء يدل على تحريمه، بل يدلّ على أنه من الكبائر؛ لأن الكبيرة عند أهل السنة هي: كل ذنب فيه حدٌّ في الدنيا، أو وعيد: بعذابٍ، أو لعنٍ، أو نفي إيمانٍ، أو وعيدٌ بدخول النار، أو غير ذلك، وقد جاء الوعيد لأصحاب الملاهي بقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ* وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (١). وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رَسُول اللهِ ﷺ : ((صَوْتَانِ مَلْعُونَانِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ: مِزْمَارٌ عِنْدَ نِعْمَةٍ، وَرَنَّةٌ عِنْدَ مُصِيبَةٍ)) (٢). وفي حديث أَبَي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ ﵁ يرفعه إلى النبيّ ﷺ : ((لَيَشْرَبَنَّ أُنَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ، يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا، يُعْزَفُ عَلَى رُءُوسِهِمُ بالْمَعَازِفِ وَالْمُغَنِّيَاتِ، يَخْسِفُ اللَّهُ بِهِمُ الأَرْضَ، وَيَجْعَلُ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ)) (٣).

стр. 48

وقال ابن حجر الهيتمي ﵀: ((الْكَبِيرَةُ السَّادِسَةُ وَالسَّابِعَةُ وَالثَّامِنَةُ وَالتَّاسِعَةُ وَالْأَرْبَعُونَ وَالْخَمْسُونَ وَالْحَادِيَةُ وَالْخَمْسُونَ بَعْدَ الْأَرْبَعِمِائَةِ: ضَرْبُ وَتَرٍ وَاسْتِمَاعُهُ وَزَمْرٌ بِمِزْمَارٍ وَاسْتِمَاعُهُ وَضَرْبٌ بِكُوبَةٍ وَاسْتِمَاعُهُ)) (١). وغير ذلك مما يدل على أن الغناء واستماعه من كبائر الذنوب (٢).

стр. 49

المبحث الخامس: أسماء الغناء والمعازف وآلات اللهو جاءت أسماء للسماع الشيطاني تضاد السماع الرحماني، وهي على النحو الآتي: ١ - اللهو، ولهو الحديث ، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (١)، وقد تقدّم على أن المراد بلهو الحديث: الغناء. ٢ - الزور، واللغو ، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ (٢)، وقد تقدم تفسير ذلك عن محمد بن الحنفية، ومجاهد. ٣ - الباطل، والغناء باطل ؛ لأنه ضد الحق، والباطل: ضد الحق يُراد به المعدوم الذي لا وجود له، والموجود الذي مضرّة وجوده أكثر من منفعته، فمن الباطل الذي لا وجود له، قول الموحِّد: كلّ إله سوى اللَّه باطل، ومن الباطل الموجود: السحر، والكفر، والغناء، واستماع الملاهي. وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: ((والمقصود أن الباطل قسمان: شيء لا وجود له، وإن ادّعاه الناس، كمن ادَّعى بأن للَّه

стр. 50

شريك؛ فهذا لا وجود له، لأن اللَّه ليس له شريك، وإن ادّعى الناس ذلك!. [والقسم الثاني]: باطل قد يوجد، كالمعاصي، فمضرّتها في الدنيا والآخرة)) (١). قال الله تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (٢)، وقد جاء رجل فسأل ابن عباس عن الغناء: أحلال هو أم حرام؟ فقال ابن عباس ﵄: ((أرأيت الحق والباطل إذا جاءا يوم القيامة، فأين يكون الغناء؟ فقال الرجل: يكون مع الباطل، فقال له ابن عباس: اذهب، فقد أفتيت نفسك)) (٣). ٤ - المكاء والتصدية ، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ (٤)، وقد سبق تفسير ابن عباس، وابن عمر، ومجاهد، وغيرهم للمكاء بالصفير، والتصدية بالتصفيق. ٥ - رقية الزنا ، قال الفضيل بن عياض ﵀: ((الغناء رقية الزنا))، وقال يزيد بن الوليد: ((الغناء داعية الزنا)) (٥). ٦ - الغناء: ينبت النفاق في القلب ، قال عبد اللَّه بن مسعود: ((الْغِنَاءُ

стр. 51

يُنْبِتُ النِّفَاقَ فِي الْقَلْبِ، كَمَا يُنْبِتُ الْمَاءُ الزَّرْعَ))، وقال الإمام أحمد: ((الغناء ينبت النفاق في القلب، لا يعجبني)) (١). ٧ - الغناء قرآن الشيطان ، ذكر ذلك عن التابعين وغيرهم، قال الإمام ابن القيم رحمه اللَّه تعالى: ((وأما كون المزمار مؤذنه، ففي غاية المناسبة؛ فإن: الغناء قرآنه، والرقص والتصفيق اللذين هما المكاء والتصدية صلاته، فلا بد لهذه الصلاة من مؤذن، وإمام، ومأموم، فالمؤذن المزمار، والإمام المغني، والمأموم الحاضرون)) (٢). ٨ - الغناء الصوت الأحمق ، والصوت الفاجر، وقد تقدم الدليل على ذلك. ٩ - الغناء صوت الشيطان ، قال اللَّه تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ (٣)، وتقدم أن صوت الشيطان هو الغناء. ١٠ - الغناء مزمور الشيطان ، سمَّاه بذلك أبو بكر ﵁، وأقرَّه النبي ﷺ (٤).

стр. 52

١١ - الغناء: هو السمود ، قال تعالى: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ (١). وقد فسَّر السمود بالغناء عبد اللَّه بن عباس ﵄، في لغة حمير اليمنية، يُقال: اسمدي لنا، أي: غنِّي لنا، وقد تقدم (٢). قال عكرمة: كانوا إذا سمعوا القرآن تغنَّوا، فنزلت هذه الآية (٣). أَسْمَاؤُهُ دَلَّتْ عَلَى أوْصَافِهِ ... تَبَّاً لِذِي الأَسْمَاءِ والأَوْصَافِ وقد ذكر الإمام ابن القيم ﵀: مخازي هذه الأسماء، ووقوعها عليه في كلام اللَّه، وكلام رسوله، والصحابة؛ ليعلم أصحابه وأهله بما به ظفروا، وأيَّ تجارةٍ رابحةٍ خسروا. فَدَع صَاحِبَ المِزْمَارِ وَالدُّفِّ وَالغِنَا ... وَمَا اخْتَارَهُ عَنْ طَاعَةِ اللهِ مَذْهَبَا وَدَعْهُ يَعِشْ فِي غَيِّهِ وَضَلالِهِ ... عَلَى تَاتِنَا يَحْيَا وَيُبْعَثُ أَشْيَبَا وَفي تَنْتِنَا يَوْمَ المَعَادِ نَجَاتُهُ ... إِلَى الْجَنَّةِ الْحَمْرَاءِ يُدْعَى مُقَرَّبَا سَيَعْلَمُ يَوْمَ العَرْضِ أيَّ بِضَاعَةٍ ... أَضَاعَ وَعِنْدَ الْوَزْنِ مَا خَفَّ أَوْ رَبَا وَيَعْلَمُ مَا قَدْ كَانَ فِيهِ حَيَاتُهُ ... إِذَا حَصَلَتْ أَعْمَالُهُ كُلُّهَا هَبَا دَعَاهُ الهُدَى وَالغَيُّ مَنْ ذَا يُجِيبُهُ ... فَقَالَ لِدَاعِي الغَيِّ: أَهْلاً وَمَرْحَبَا وَأَعْرَضَ عَنْ دَاعِي الهُدَى قَائِلاً لَهُ ... هَوَايَ إِلَى صَوْتِ الْمَعَازِفِ قَدْ صَبَا

стр. 53

يَرَاعٌ وَدُفٌّ بِالصُّنُوجِ وَشَاهِدٌ ... وَصَوْتُ مُغَنٍّ صَوْتُهُ يَقْنِصُ الظِّبَا إذَا مَا تَغَنَّى فَالظِّبَاءُ تُجِيبُهُ ... إِلَى أنْ تَرَاها حَوْلَهُ تُشْبِهُ الدِّبَا فَمَا شَئْتَ مِنْ صَيْدٍ بِغَيْرِ تَطَارُدٍ ... وَوَصْلِ حَبِيبٍ كَانَ بِالهَجْرِ عُذِّبَا فَيَا آمِرِي بِالرُّشْدِ لَوْ كُنْتَ حَاضِراً ... لَكَانَ تَوَالِي اللَّهْوِ عِنْدَكَ أَقْرَبَا (١)

стр. 54

المبحث السادس: مسائل مهمة في الغناء والمعازف والمزامير وآلات اللهو ذكر العلماء رحمهم الله تعالى مسائل كثيرة تتعلق بتحريم الغناء، والمنع من استماعه، والأحكام المترتبة عليه، ومنها ما يأتي: ١ - لا يجوز التداوي بسماع الغناء ، ولا الموسيقى والمزامير، وآلات اللهو. ٢ - لا يجوز بيع آلات اللهو والطرب . ٣ - معرفةُ الغناء عيبٌ من العيوب ، فإذا اشترى الإنسان جارية مغنية، فله ردُّها بهذا العيب. ٤ - يجب الحجر على من يشتري آلات اللهو ، أو يشتري الغلام أو الأمة للغناء؛ لأن ذلك ينافي الرشد. ٥ - لا يجوز الاستئجار على الزمر والغناء ، والضرب بالعود، وغيره من آلات اللهو والطرب. ٦ - أكل المال بالغناء أكل للمال بالباطل ، بمنزلة أكله عوضاً عن الميتة والدم. ٧ - ينبغي تغيير آلات اللهو لمن قدر على ذلك: إما بالتفكيك، أو التكسير، أو التخريب، أو التحريق، أو غير ذلك من وجوه الإتلاف، ولا يضمن ما أتلفه، ولكن بشرط أن يأمن من الوقوع في منكرٍ أنكر وأكبر، وهذا باتفاق المسلمين (١).

стр. 55

٨ - لا ضمان في إتلاف آلات اللهو ، كما تقدم. ٩ - الوصية بآلات اللهووصية باطلة. ١٠ - لا يجوز حضور الوليمة إذا كان فيها غناء ، أو شيء من آلات اللهو. ١١ - لا تقطع يد سارق آلات اللهو . وغير ذلك من المسائل الكثيرة التي ذكرها أهل العلم (١).

стр. 56

المبحث السابع: أضرار الغناء ومفاسده الغناء له أضرار جسيمة، ومفاسد وخيمة، جاء التحذير منها في القرآن، والسنة، وآثار الصحابة، والتابعين، وأهل العلم والإيمان، ومنها على سبيل الإيجاز والاختصار ما يأتي: ١ - الغناء وآلات اللهو والمزامير واستماع ذلك من كبائر الذنوب كما تقدم، ولا شك أن الكبائر لها أخطار على المسلم في الدنيا والآخرة (١). ٢ - الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل ، قاله عبد اللَّه بن مسعود ﵁، وفي رواية عنه: ((الْغِنَاءُ يُنْبِتُ النِّفَاقَ فِي الْقَلْبِ، كَمَا يُنْبِتُ الْمَاءُ الزَّرْعَ)) (٢)، وقال الإمام أحمد: ((الغناء ينبت النفاق في القلب، لا يعجبني)) (٣). ٣ - الغناء لا يفعله إلا الفساق ، قال الإمام مالك ﵀: (إنما يفعله عندنا الفساق)) (٤).

стр. 57

٤ - الغناء والمزامير وآلات اللهو: بدؤها من الشيطان، وعاقبتها سخط اللَّه، قال عمر بن عبد العزيز ﵀ لمؤدِّب ولده: ((ليكن أول ما يعتقدون من أدبك بغض الملاهي التي بدؤها من الشيطان، وعاقبتها سخط الرحمن)) (١). ٥ - الغناء: مفسدة للقلب، مسخطة للرب ، قال الضحاك ﵀: ((الغناء مفسدة للقلب، مسخطة للربِّ)) (٢). ٦ - الغناء: رائد الفجور ، قال الفضيل بن عياض ﵀: ((الغناء رائد الفجور)) (٣). ٧ - محبة الغناء تطرد محبة القرآن من القلب ؛ لأن الغناء وحي الشيطان، وقرآنه، فلا تجتمع محبته ومحبة وحي الرحمن وكلامه في قلب عبدٍ أبداً (٤). قال الإمام ابن القيم ﵀ في الكافية الشافية: حب الكتاب وحب ألحان الغنا ... في قلب عبد ليس يجتمعان ثقل الكتاب عليهم لما رأوا ... تقييده بشرائع الإيمان واللهو خف عليهم لما رأوا ... ما فيه من طرب ومن ألحان

стр. 58

قُوت النفوس وإنما القرآن قو ... ت القلب أنَّى يستوي القوتان ولذا تراه حظ ذوي النقصان ... والجهال، والصبيان، والنسوان وألذّهم فيه أقلهم من العقل ... الصحيح فسل أخا العرفان يا لذة الفساق لستِ كلذّةِ ... الأبرار في عقلٍ ولا قرآن (١) ٨ - الغناء ينافي الشكر للَّه تعالى ، فالعبد يجب عليه أن يشكر اللَّه على نعمه الظاهرة والباطنة، الدينية والدنيوية، فإذا استمع الغناء، والمعازف، وآلات اللهو، أو عمل بذلك، فإنه لم يشكر اللَّه تعالى، بل كفر نعمة اللَّه . ٩ - الغناء والمعازف سبب لأنواع العقوبات في الدنيا والآخرة. ١٠ - الغناء وآلات اللهو مجلبة للشياطين ؛ فهم قرناء المغنين والمستمعين إلى الغناء، وما كان مجلبة للشياطين فإنه مطردة للملائكة، وفي حديث عائشة ﵂ المتقدم عندما جاء عمر إلى الحبشة وهم يلعبون انفضّ الناس، فقال النبي ﷺ : ((إِنِّي لَأَنْظُرُ إِلَى شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ قَدْ فَرُّوا مِنْ عُمَرَ)) (٢). ١١ - الغناء رقية الزنا ، وهذه التسمية معروفة عند الفضيل بن عياض ﵀، فقال: ((الغناء رقية الزنا))، وقد جاء عن يزيد بن الوليد أنه قال: ((يَا بَنِي أُمَيَّةَ، إِيَّاكُمْ وَالْغِنَاءَ، فَإِنَّهُ يُنْقِصُ الْحَيَاءَ، وَيَزِيدُ فِي الشَّهْوَةَ، وَيَهْدِمُ الْمُرُوءَةَ، وَإِنَّهُ لَيَنُوبُ عَنِ الْخَمْرِ،

стр. 59

وَيَفْعَلُ مَا يَفْعَلُ السُّكْرُ، فَإِنْ كُنْتُمْ لَا بُدَّ فَاعِلِينَ، فَجَنِّبُوهُ النِّسَاءَ؛ فإِنَّ الْغِنَاءَ دَاعِيَةُ الزِّنَا)) (١). ولا ريب أن كل غيور يُجَنِّبُ أهله سماع الغناء، كما يُجنِّبُهُنَّ أسباب الرِّيب، ومن طرَّق أهلَه إلى سماع رُقية الزنا، فهو أعلم بالإثم الذي يستحقه. ومن الأمر المعلوم عند القوم: أن المرأة إذا استصعبت على الرجل اجتهد أن يُسمعها صوتَ الغناء، فحينئذٍ تُعطِي اللَّيانَ. وهذا لأن المرأة سريعة الانفعال للأصوات جدَّاً، فإذا كان الصوت بالغناء صار انفعالها من وجهين: من جهة الصوت، ومن جهة معناه؛ ولهذا قال النبي ﷺ لأنجشة حاديه: ((يا أنجشة رويدك رفقاً بالقوارير)) يعني النساء (٢). فأما إذا اجتمع إلى هذه الرقية الدُّف، والشبَّابة، والرّقْصُ بالتَّخَنُّث، والتكسّر، فلو حبِلت المرأة من غناءٍ، لحبِلت من هذا الغناء. فلعَمْرُ اللَّهِ، كم من حُرَّةٍ صارت بالغناء من البَغَايَا، وكم من حرٍّ أصبحَ به عبداً للصّبيان أو الصبايا، وكم من غَيورٍ تبدَّل به

стр. 60

اسماً قبيحاً بين البرايا، وكم من ذي غِنَىً وثروةٍ أصبح بسببه على الأرض بعد المطارف والحشايا، وكم من مُعافىً تعرَّض له فأمسى وقد حلّت به أنواع البلايا، وكم أهدى للمشغوف به من أشجانٍ وأحزان، فلم يجد بُدّاً من قبول تلك الهدايا، وكم جَرَّع من غُصَّةٍ، وأزال من نعمة، وجلب من نقمة، وذلك منه من إحدى العطايا، وكم خبَّأ لأهله من آلام منتظرة، وغموم متوقعة، وهموم مستقبلة. فَسَلْ ذا خِبْرَةٍ يُنبِيكَ عَنْهُ ... لِتَعْلَمَ كَمْ خَبَايَا في الزَّوَايَا وَحَاذِرْ إنْ شُغِفْتَ بِهِ سِهامَاً ... مُريّشةً بِأهْدَابِ المَنايَا إذَا مَا خَالَطَتْ قَلْباً كَئيباً ... تَمَزَّقَ بَيْنَ أطْبَاقِ الرَّزَايَا وَيُصْبِحُ بَعْدَ أنْ قَدْ كَانَ حُرَّاً ... عَفِيفَ الفَرْجِ: عَبْداً لِلصَّبَايَا وَيُعْطِي مَنْ بِهِ يُغني غناءً ... وَذَلِكَ مِنْهُ مِنْ شَرِّ العَطَايَا (١) ١٢ - الغناء ينوب عن الخمر ، ويفعل ما يفعل السكر، وتقدم في رقية الزنا أن ذلك قاله يزيد بن الوليد، وقد شبّه بعض الشعراء الغناء بالخمر، وأخبر عن تأثيره في النفوس، فقال: أتَذْكُرُ لَيْلَةً وَقَدِ اجْتَمَعْنَا ... عَلَى طِيبِ السَّمَاعِ إلى الصَّبَاحِ وَدَارَتْ بَيْنَنا كَأْسُ الأَغَانِي ... فَأَسْكَرَتِ النُّفُوسَ بِغَيرِ رَاحِ فَلَمْ تَرَ فِيهِمْ إِلاَّ نَشَاوَى ... سُرُوراً والسُّرُورُ هُنَاكَ صَاحِي إِذَا نَادَى أخُو اللَّذَاتِ فِيهِ ... أَجَابَ اللَّهْوُ: حَيَّ عَلَى السَّمَاحِ

стр. 61

وَلَمْ نَمْلِكْ سِوَى الْمُهْجَاتِ شَيْئاً ... أَرَقْنَاهَا لألْحَاظِ المِلاَحِ (١) وقال الإمام ابن القيم ﵀: ... إِنْ لَمْ يَكُنْ خَمْرُ الْجُسُومِ فَإِنَّهُ ... خَمْرُ العُقُولِ مُمَاثِلٌ وَمُضَاهِي فَانْظُرْ إِلَى النَّشْوَانِ (٢) عِنْدَ شَرَابِهِ ... وَانْظُرْ إِلَى النَّسْوَانِ عِنْدَ مَلاَهِي فَاحْكُمْ بِأَيِّ الْخَمْرَتَيْنِ أَحَقُّ ... بِالتَّحْرِيمِ وَالتَّأْثِيمِ عِنْدَ اللَّهِ (٣) ١٣ - الغناء والملاهي والمزامير تصدُّ عن ذكر اللَّه ، وعن الصلاة، وهذا بعض ما حرمت الخمر والميسر من أجله، وهذا واضحٌ بيِّنٌ لجميع العقلاء الأذكياء. وهناك أضرار أخرى لا تُحصر، فيجب على كل مسلم أن يبتعد عن الغناء المحرم، وآلات اللهو والطرب، والله المستعان (٤).

стр. 62

المبحث الثامن: الردّ على من ضعف أحاديث الغناء، والمزامير، والملاهي عن عبد الرحمن بن غنم قال حدثني أَبُو عامر أو أبو مَالِكٍ الْأَشْعَرِيُّ ﵁، أنه سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ((لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ، وَالْحَرِيرَ، وَالْخَمْرَ، وَالْمَعَازِفَ)). قال الإمام ابن القيم ﵀: ((هذا حديث صحيح، أخرجه البخاري في (صحيحه) (١) مُحْتَجّاً به، وعَلَّقه تعليقاً مجزوماً به، فقال: باب ما جاء فيمن يستحِلُّ الخمر ويسميه بغير اسمه، وقال هشام بن عمار: حدثنا صدقة بن خالد، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثنا عطيّة بن قيس الكلابي، حدثني عبد الرحمن بن غنم الأشعري، قال: حدثني أبو عامر، أو أَبُو مَالِكٍ الْأَشْعَرِيُّ ﵁، وَاللَّهِ مَا كَذَبَنِي: أنه سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ((لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ، وَالْحَرِيرَ، وَالْخَمْرَ، وَالْمَعَازِفَ، وَلَيَنْزِلَنَّ أَقْوَامٌ إِلَى جَنْبِ عَلَمٍ يَرُوحُ عَلَيْهِمْ بِسَارِحَةٍ لَهُمْ يَأْتِيهِمْ -يَعْنِي الْفَقِيرَ- لِحَاجَةٍ، فَيَقُولُونَ: ارْجِعْ إِلَيْنَا غَدًا، فَيُبَيِّتُهُمْ اللَّهُ، وَيَضَعُ الْعَلَمَ، وَيَمْسَخُ آخَرِينَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)).

стр. 63

ولم يصنع من قَدَح في صحة هذا الحديث شيئاً، كابن حزم، نُصْرَةً لمذهبه الباطل في إباحة الملاهي، وزعم أنه منقطع؛ لأن البخاري لم يصل سنده به)). قال الإمام ابن القيم ﵀: ((وجواب هذا الوَهْمِ من وجوه: أحدها: أن البخاريَّ قد لقي هشام بن عمار، وسمع منه، فإذا قال: قال هشام، فهو بمنزلة قوله: عن هشام. الثاني: أنه لو لم يسمع منه، فهو لم يستجز الجزم به عنه، إلا وقد صحّ عنه أنه حدّث به، وهذا كثيراً ما يكون لكثرة من رواه عنه عن ذلك الشيخ وشهرته، فالبخاري أبعد خلق الله من التدليس. الثالث: أنه أدخله في كتابه المُسمَّى بالصحيح، محتجّاً به، فلولا صحّته عنده لما فعل ذلك. الرابع: أنه علّقه بصيغة الجزم دون صيغة التمريض؛ فإنه إذا توقّف في الحديث، أو لم يكن على شرطه، يقول: ويروى عن رسول اللَّه ﷺ ، ويُذكر عنه، ونحو ذلك. فإذا قال: قال رسول اللَّه ﷺ ، فقد جزم، وقطع بإضافته إليه. الخامس: أنّا لو أضربنا عن هذا كلِّه صفحاً، فالحديث صحيح متصل عند غيره. قال أبو داود في كتاب اللِّباس (١): حدَّثنا عبد الوهاب بن نجدة، حدّثنا بشر بن بكر عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدّثنا عطيّة بن

стр. 64

قيس، قال: سمعت عبد الرحمن بن غنم الأشعري، قال: حدّثنا أبو عامر، أو أبو مالك، فذكره مختصراً، ورواه أبو بكر الإسماعيلي في كتابه الصحيح مسنداً، فقال: أبو عامر، ولم يُشكَّ. ووجه الدلالة منه: أن المعازف هي آلات اللهو كلها، لا خلاف بين أهل اللغة في ذلك، ولو كانت حلالاً لما ذمَّهم على استحلالِها، ولما قرن استحلالها باستحلال الخمر والحر، فإن كان بالحاء والراء المهملتين، فهو استحلال الفروج الحرام، وإن كان بالخاء والزاى المعجمتين، فهو نوع من الحرير غير الذي صحّ عن الصحابة ﵃ لبسه، إذ الخزّ نوعان: أحدهما: من حرير، والثاني: من صوف، وقد رُوي هذا الحديث بالوجهين. وقال ابن ماجه في (سننه) (١): حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ حَاتِمِ بْنِ حُرَيْثٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ الْأَشْعَرِيِّ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((لَيَشْرَبَنَّ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا، يُعْزَفُ عَلَى رُؤُوسِهِمْ بِالْمَعَازِفِ وَالْمُغَنِّيَاتِ، يَخْسِفُ اللَّهُ بِهِمْ الْأَرْضَ، وَيَجْعَلُ مِنْهُمْ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ)). وهذا إسناد صحيح. وقد توعَّد مُسْتَحِلِّي المعازف فيه بأن يخسف اللَّه بهم الأرض، ويمسخهم قردةً وخنازير، وإن كان الوعيدُ على جميع هذه الأفعال، فلكل واحد قسط في الذمِّ والوعيد)).

стр. 65

ثم قال ابن القيم ﵀: ((وفي الباب عن سهل بن سعد الساعديّ، وعمران بن حصين، وعبد اللَّه بن عمرو، وعبد اللَّه بن عباس، وأبي هريرة، وأبي أمامة الباهلي، وعائشة أم المؤمنين، وعلي بن أبي طالب، وأنس بن مالك، وعبد الرحمن بن سابط، والغازي بن ربيعة ﵃)). ثم قال ابن القيم ﵀: ((ونحن نسوقها لتقرَّ بها عيون أهل القرآن، وتَشْجَى (١) بها حلوق أهل سماع الشيطان)). ثم ساقها ﵀ (٢). وردَّ شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد اللَّه بن باز ﵀ على من ضعَّف حديث أبي مالك الأشعري ﵁: ((لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ، وَالْحَرِيرَ، وَالْخَمْرَ، وَالْمَعَازِفَ))، فقال رحمه اللَّه تعالى: ((وقد أخذ علماء الإسلام بهذا الحديث, وتلقّوه بالقبول, واحتجّوا به على تحريم المعازف كلّها, وقد أعلّه ابن حزم، وأبو تراب بعده, تقليداً له، بأنه منقطع بين البخاري ﵀ وبين شيخه هشام بن عمار؛ لكونه لم يصرّح بسماعه منه, وإنما علّقه عنه تعليقاً, وقد أخطأ ابن حزم في ذلك, وأنكر عليه أهل العلم هذا القول, وخطَّؤوه فيه؛ لأن هشاماً من شيوخ البخاري, وقد علّقه عنه جازماً به, وما كان كذلك، فهو صحيح عنده, وقد قبل منه أهل العلم ذلك،

стр. 66

وصحّحوا ما علقه جازماً به إلى من علّقه عنه، وهذا الحديث من جملة الأحاديث المعلّقة الصحيحة, ولعل البخاري لم يصرّح بسماعه منه؛ لكونه رواه عنه بالإجازة, أو في معرض المذاكرة، أو لكونه رواه عنه بواسطة بعض شيوخه الثقات، فحذفه اختصاراً، أو لغير ذلك من الأسباب المقتضية للحذف، وعلى فرض انقطاعه بين البخاري وهشام, فقد رواه عنه غيره متصلاً, عن هشام بن عمار إلخ ... بأسانيد صحيحة, وبذلك بطلت شبهة ابن حزم ومقلّده أبي تراب, واتّضح الحق لطالب الحقّ, واللَّه المستعان)). ثم قال ﵀: ((وإليك أيها القارئ الكريم كلام أهل العلم في هذا الحديث, وتصريحهم بخطأ ابن حزم في تضعيفه, قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري ﵀ لمّا ذكر هذا الحديث, وذكر كلام الزركشي, وتخطئته ابن حزم في تضعيفه, قال ما نصّه: ((وأمّا دعوى ابن حزم التي أشار إليها - يعني الزركشي - فقد سبقه إليها ابن الصلاح في علوم الحديث, فقال: التعليق في أحاديث من صحيح البخاري قطع إسنادها, وصورته صورة الانقطاع, وليس حُكْمُهُ حُكْمَهُ , ولا خارجاً ما وجد ذلك فيه من قبيل الصحيح إلى قبيل الضعيف, ولا التفات إلى أبي محمد بن حزم الظاهري الحافظ في ردّ ما أخرجه البخاري من حديث أبي عامر، وأبي مالك الأشعري عن رسول اللَّه ﷺ : «لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ، وَالْحَرِيرَ، وَالْخَمْرَ، وَالْمَعَازِفَ»، الحديث من جهة أن البخاري أورده قائلاً: وقال هشام بن عمار, وساقه بإسناده, فزعم ابن حزم, أنه منقطع فيما بين البخاري وهشام, وجعله جواباً عن الاحتجاج به على تحريم المعازف, وأخطأ في ذلك من وجوه,

стр. 67

والحديث صحيح معروف الاتصال, بشرط الصحيح, والبخاري قد يفعل مثل ذلك, لكونه قد ذكر ذلك الحديث في موضع آخر من كتابه مسنداً متصلاً، وقد يفعل ذلك لغير ذلك من الأسباب, التي لا يصحبها خلل الانقطاع)) (١). انتهى. ثم قال الحافظ بعدما نقل كلام ابن الصلاح المذكور بأسطر ما نصه: ((وقد تقرَّر عند الحفاظ أن الذي يأتي به البخاري من التعاليق كلها بصيغة الجزم, يكون صحيحاً إلى من علّق عنه, ولو لم يكن من شيوخه, لكن إذا وجد الحديث المعلق من رواية بعض الحفاظ موصولاً, إلى من علّق بشرط الصحة , أزال الإشكال؛ ولهذا عنيت في ابتداء الأمر بهذا النوع, وصنفت كتاب (تغليق التعليق)، وقد ذكر شيخنا في شرح الترمذي (٢) , وفي كلامه على علوم الحديث أن حديث هشام بن عمار, جاء عنه موصولاً في مستخرج الإسماعيلي, قال: حدثنا الحسن بن سفيان, حدثنا هشام بن عمار, وأخرجه الطبراني في مسند الشاميين, فقال: حدثنا محمد بن يزيد بن عبد الصمد, حدثنا هشام بن عمار, قال: وأخرجه أبو داود في سننه, فقال: حدثنا عبد الوهاب بن نجدة، حدثنا بشر بن بكر, حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر, بسنده. انتهى)) (٣). ثم ذكر شيخنا ابن

стр. 68

باز ﵀ ردّ ابن القيم ﵀ الذي ذكرته آنفاً (١). ثم قال شيخنا ابن باز ﵀ بعد نقله لردِّ ابن القيم: (( ... ولولا طلب الاختصار لنقلتها لك أيها القارئ الكريم، ولكني أحيل الراغب في الاطلاع عليها على كتاب الإغاثة, حتى يرى ويسمع ما تقرّ به عينه، ويُشفى به قلبه, وهي على كثرتها، وتعدّد مخارجها حجة ظاهرة، وبرهان قاطع على تحريم الأغاني والملاهي, والتنفير منها, تضاف إلى ما تقدم من الآيات والأحاديث الدّالّة على تحريم الأغاني والمعازف, ويدلّ الجميع على أن استعمالها، والاشتغال بها من وسائل غضب اللَّه, وحلول عقوبته، والضلال والإضلال عن سبيله, نسأل اللَّه لنا، وللمسلمين العافية من ذلك, والسلامة من مضلاّت الفتن, إنه وليُّ ذلك والقادر عليه)) (٢).

стр. 69

المبحث التاسع: ما يباح من الغناء جاءت بعض الأحاديث تبيِّن أن بعض الغناء لا يكون محرّماً في أحوال ضيِّقة جداً، منها ما يأتي: ١ - يباح الدف وهو بوجه واحد للنساء في الأعراس ، والجواري، وإنشاد الأشعار التي لا بأس بها في العيد من الجواري الصغار في غير تلحين ولا تطريب بألحان الأغاني، ولا اختلاط، ويمنعن في غير ذلك؛ لحديث عائشة ﵂: ((أَعْلِنُوا النِّكَاحَ ... )) (١). وعن محمد بن حاطب ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((فصل ما بين الحلال والحرام: الصوت بالدف)) (٢).

стр. 70

وعن الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ، قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ غَدَاةَ بُنِيَ عَلَيَّ، فَجَلَسَ عَلَى فِرَاشِي كَمَجْلِسِكَ مِنِّي، وَجُوَيْرِيَاتٌ يَضْرِبْنَ بِالدُّفِّ يَنْدُبْنَ مَنْ قُتِلَ مِنْ آبَائِهِنَّ يَوْمَ بَدْرٍ، حَتَّى قَالَتْ جَارِيَةٌ: وَفِينَا نَبِيٌّ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((لَا تَقُولِي هَكَذَا، وَقُولِي مَا كُنْتِ تَقُولِينَ)) (١). ٢ - الحداء وهو: سوق الإبل ، والغناء لها (٢)؛ لحديث أنس بن مالك ﵁ قال: أَتَى النَّبِيُّ ﷺ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ، وَمَعَهُنَّ أُمُّ سُلَيْمٍ، فَقَالَ: ((وَيْحَكَ يَا أَنْجَشَةُ، رُوَيْدَكَ سَوْقًا بِالْقَوَارِيرِ))، وفي لفظ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، وَكَانَ مَعَهُ غُلَامٌ لَهُ أَسْوَدُ، يُقَالُ لَهُ: أَنْجَشَةُ، يَحْدُو، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((وَيْحَكَ يَا أَنْجَشَةُ، رُوَيْدَكَ بِالْقَوَارِيرِ))، وفي لفظ: قال: كان للنبيُّ ﷺ حادٍ يقال له: أنجشة، وكان حسنَ الصَّوت، فقال له النبيُّ ﷺ : ((رُويْدَك يا أنجشةُ، لا تَكْسِر القوارير))، قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: فَتَكَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ بِكَلِمَةٍ لَوْ تَكَلَّمَ بِهَا بَعْضُكُمْ لَعِبْتُمُوهَا عَلَيْهِ، قَوْلُهُ: ((سَوْقَكَ بِالْقَوَارِيرِ)) قال أبو قلابة: يعني النساء، وقال أبو قلابة: يعني ضعفة النساء (٣). ٣ - اللعب بالحراب ليس لعباً مجرداً ، ولكن فيه تدريب للشجعان على

стр. 71

مواقع الحروب، والاستعداد للعدو؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: ((كَانَ الْحَبَشُ يَلْعَبُونَ بِحِرَابِهِمْ، فَسَتَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا أَنْظُرُ، فَمَا زِلْتُ أَنْظُرُ حَتَّى كُنْتُ أَنَا أَنْصَرِفُ، فَاقْدُرُوا قَدْرَ الْجَارِيَةِ الْحَدِيثَةِ السِّنِّ تَسْمَعُ اللَّهْوَ، وفي لفظ: ((لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا عَلَى بَابِ حُجْرَتِي، وَالْحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ فِي الْمَسْجِدِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ أَنْظُرُ إِلَى لَعِبِهِمْ))، وفي لفظ: ((رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُومُ عَلَى بَابِ حُجْرَتِي وَالْحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ بِحِرَابِهِمْ))، وفي لفظ: ((وَكَانَ يَوْمَ عِيدٍ يَلْعَبُ السُّودَانُ بِالدَّرَقِ وَالْحِرَابِ)) (١). وعن عائشة ﵂: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ دَخَلَ عَلَيْهَا وَالنَّبِيُّ ﷺ عِنْدَهَا يَوْمَ فِطْرٍ أَوْ أَضْحًى، وَعِنْدَهَا قَيْنَتَانِ تُغَنِّيَانِ بِمَا تَقَاذَفَتْ (٢) الْأَنْصَارُ يَوْمَ بُعَاثٍ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مِزْمَارُ الشَّيْطَانِ، مَرَّتَيْنِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا، وَإِنَّ عِيدَنَا هَذَا الْيَوْمُ)) (٣). ٤ - الأشعار المباحة التي فيها خدمة للإسلام والمسلمين، ومدح الإسلام وأهله، وذم الشرك، والبدع، والمعاصي وأهلها، من غير

стр. 72

تلحين وتطريب بألحان أهل الفسق والفجور، ومن غير دفٍّ، ومن غير آلات لهوٍ وطرب. * أما الرقص الذي يفعله بعض الرجال ، والضرب بالدف على أوقاع الألحان مع الغناء بالأغاني الرقيقة، ويغنون ويتمايلون كما يتمايل السُّكارى والمجانين، فهذا لا يجوز؛ لأنه سفه ورعونة، وفيه بطر، ومقابلة لنعم اللَّه تعالى بضدِّ الشكر، وما أحسن قول القائل: فَهَذِهِ شِيمَةُ القَوْمِ الّذِينَ مَضَوْا ... وَالرَّقصُ مِنْ شِيمَةِ الأقْرَادِ والدّبَبِ إنْ يُنْقَرِ الطَّارُ أضْحَوْا يَرْقُصُونَ لَهُ ... شِبْهَ البِغَالِ عَلَى الأقْدَاحِ وَالرُّكَبِ قال الإمام القرطبي ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾: ((المسألة الثانية: وهو الغناء المعتاد عند المشتهرين به الذي يحرِّك النفوس، ويبعثها على الهوى، والغزل، والمجون الذي يحرِّك الساكن، ويبعث الكامن، فهذا النوع إذا كان في شعرٍ يُشبَّب فيه بذكر النساء، ووصف محاسنهن، وذكر الخمور والمحرمات، لا يختلف في تحريمه؛ لأنه اللهو والغناء المذموم بالاتفاق. فأما ما سلم من ذلك فيجوز القليل منه في أوقات الفرح: كالعرس، والعيد، وعند التنشيط على الأعمال الشاقة، كما كان في حفر الخندق، وحدو أنجشة، وسلمة بن الأكوع، فأما ما ابتدعته الصوفية اليوم من الإدمان على سماع المغاني بالآلات المطربة، من

стр. 73

الشبَّابات، والطار، والمعازف، والأوتار فحرام ... )) (١). قال شيخنا الإمام ابن باز ﵀ على كلام القرطبي هذا: ((وهذا الذي قاله القرطبي كلام حسن، وبه تجتمع الآثار الواردة في هذا الباب، ومن ذلك ما ثبت في الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: ((دخل عليَّ النبي ﷺ وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث، فاضطجع على الفراش، وحوَّل وجهه، ودخل أبو بكر ﵁، فانتهرني، وقال: مزمار الشيطان عند النبي ﷺ ، فأقبل عليه رسول الله ﷺ ، فقال: ((دعهما))، فلما غفل غمزتهما فخرجتا (٢)، وفي رواية لمسلم: ((فقال رسول اللَّه ﷺ : ((يا أبا بكر، إن لكل قوم عيداً، وهذا عيدنا)) (٣)، وفي رواية له أخرى: فقال ﷺ : ((دعهما يا أبا بكر، فإنها أيام عيد)) (٤)، وفي بعض رواياته أيضاً: ((جاريتان تلعبان بدف)) (٥)، فهذا الحديث الجليل يستفاد منه أن كراهة الغناء وإنكاره، وتسميته مزمار الشيطان، أمر معروف مستقر عند الصحابة ﵃؛ ولهذا أنكر الصديق على عائشة غناء الجاريتين عندها، وسمّاه مزمار الشيطان، ولم ينكر عليه النبي ﷺ تلك التسمية، ولم يقل له: إن الغناء والدف

стр. 74

لا حرج فيهما، وإنما أمره أن يترك الجاريتين، وعلّل ذلك بأنها أيام عيد، فدلّ ذلك على أنه ينبغي التسامح في مثل هذا للجواري الصغار في أيام العيد؛ لأنها أيام فرح وسرور، ولأن الجاريتين إنما أنشدتا غناء الأنصار الذي تقاولوا به يوم بُعاث، فيما يتعلق بالشجاعة والحرب، بخلاف أكثر غناء المغنين والمغنيات اليوم، فإنه يثير الغرائز الجنسية، ويدعو إلى عشق الصور، وإلى كثير من الفتن الصادة للقلوب عن تعظيم اللَّه، ومراعاة حقه، فكيف يجوز لعاقلٍ أن يقيس هذا على هذا، ومن تأمّل هذا الحديث علم أن ما زاد على ما فعلته الجاريتان منكر، يجب التحذير منه حسماً لمادة الفساد، وحفظاً للقلوب عما يصدُّها عن الحق، ويشغلها عن كتاب اللَّه، وأداء حقه)) (١).

стр. 75

المبحث العاشر: الفتاوى المحققة المعتمدة في الأغاني والمعازف وآلات اللهو أولاً: فتاوى شيخ الإسلام أبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية رحمه الله تعالى: وملخص ما أفتى به في الغناء وآلات اللهو على النحو الآتي: ١ - آلات اللهو لا يجوز اتخاذها عند الأئمة الأربعة: قال شيخ الإسلام ﵀: (( ... وآلات اللهو لا يجوز اتخاذها، ولا الاستئجار عليها عند الأئمة الأربعة)) (١). ٢ - من فعل الملاهي على وجه الديانة فلا ريب في ضلالته: قال ﵀: (( ... فَمَنْ فَعَلَ هَذِهِ الْمَلَاهِي عَلَى وَجْهِ الدِّيَانَةِ، وَالتَّقَرُّبِ، فَلَا رَيْبَ فِي ضَلَالَتِهِ وَجَهَالَتِهِ، وَأَمَّا إذَا فَعَلَهَا عَلَى وَجْهِ التَّمَتُّعِ وَالتَّلَعُّبِ، فَذَهَبَ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ: أَنَّ آلَاتِ اللَّهْوِ كُلَّهَا حَرَامٌ)) (٢). ٣ - من استمع للملاهي ولم ينكر كان آثماً بإجماع المسلمين: قال ﵀: (( ... الْمُحَرَّمَ هُوَ الِاسْتِمَاعُ لَا السَّمَاعُ، فَالرَّجُلُ لَوْ سَمِعَ الْكُفْرَ، وَالْكَذِبَ، وَالْغِيبَةَ، وَالْغِنَاءَ، والشبَّابة مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ مِنْهُ؛ بَلْ كَانَ مُجْتَازًا بطَرِيقِ فَسَمِعَ ذَلِكَ لَمْ يَأْثَمْ بِذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ،.
следующие страницы →