← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 96473

الغناء والمعازف في ضوء الكتاب والسنة وآثار الصحابة - رضي الله عنهم -

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (151 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

مواقع الحروب، والاستعداد للعدو؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: ((كَانَ الْحَبَشُ يَلْعَبُونَ بِحِرَابِهِمْ، فَسَتَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا أَنْظُرُ، فَمَا زِلْتُ أَنْظُرُ حَتَّى كُنْتُ أَنَا أَنْصَرِفُ، فَاقْدُرُوا قَدْرَ الْجَارِيَةِ الْحَدِيثَةِ السِّنِّ تَسْمَعُ اللَّهْوَ، وفي لفظ: ((لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا عَلَى بَابِ حُجْرَتِي، وَالْحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ فِي الْمَسْجِدِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ أَنْظُرُ إِلَى لَعِبِهِمْ))، وفي لفظ: ((رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُومُ عَلَى بَابِ حُجْرَتِي وَالْحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ بِحِرَابِهِمْ))، وفي لفظ: ((وَكَانَ يَوْمَ عِيدٍ يَلْعَبُ السُّودَانُ بِالدَّرَقِ وَالْحِرَابِ)) (١). وعن عائشة ﵂: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ دَخَلَ عَلَيْهَا وَالنَّبِيُّ ﷺ عِنْدَهَا يَوْمَ فِطْرٍ أَوْ أَضْحًى، وَعِنْدَهَا قَيْنَتَانِ تُغَنِّيَانِ بِمَا تَقَاذَفَتْ (٢) الْأَنْصَارُ يَوْمَ بُعَاثٍ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مِزْمَارُ الشَّيْطَانِ، مَرَّتَيْنِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا، وَإِنَّ عِيدَنَا هَذَا الْيَوْمُ)) (٣). ٤ - الأشعار المباحة التي فيها خدمة للإسلام والمسلمين، ومدح الإسلام وأهله، وذم الشرك، والبدع، والمعاصي وأهلها، من غير

стр. 72

تلحين وتطريب بألحان أهل الفسق والفجور، ومن غير دفٍّ، ومن غير آلات لهوٍ وطرب. * أما الرقص الذي يفعله بعض الرجال ، والضرب بالدف على أوقاع الألحان مع الغناء بالأغاني الرقيقة، ويغنون ويتمايلون كما يتمايل السُّكارى والمجانين، فهذا لا يجوز؛ لأنه سفه ورعونة، وفيه بطر، ومقابلة لنعم اللَّه تعالى بضدِّ الشكر، وما أحسن قول القائل: فَهَذِهِ شِيمَةُ القَوْمِ الّذِينَ مَضَوْا ... وَالرَّقصُ مِنْ شِيمَةِ الأقْرَادِ والدّبَبِ إنْ يُنْقَرِ الطَّارُ أضْحَوْا يَرْقُصُونَ لَهُ ... شِبْهَ البِغَالِ عَلَى الأقْدَاحِ وَالرُّكَبِ قال الإمام القرطبي ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾: ((المسألة الثانية: وهو الغناء المعتاد عند المشتهرين به الذي يحرِّك النفوس، ويبعثها على الهوى، والغزل، والمجون الذي يحرِّك الساكن، ويبعث الكامن، فهذا النوع إذا كان في شعرٍ يُشبَّب فيه بذكر النساء، ووصف محاسنهن، وذكر الخمور والمحرمات، لا يختلف في تحريمه؛ لأنه اللهو والغناء المذموم بالاتفاق. فأما ما سلم من ذلك فيجوز القليل منه في أوقات الفرح: كالعرس، والعيد، وعند التنشيط على الأعمال الشاقة، كما كان في حفر الخندق، وحدو أنجشة، وسلمة بن الأكوع، فأما ما ابتدعته الصوفية اليوم من الإدمان على سماع المغاني بالآلات المطربة، من

стр. 73

الشبَّابات، والطار، والمعازف، والأوتار فحرام ... )) (١). قال شيخنا الإمام ابن باز ﵀ على كلام القرطبي هذا: ((وهذا الذي قاله القرطبي كلام حسن، وبه تجتمع الآثار الواردة في هذا الباب، ومن ذلك ما ثبت في الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: ((دخل عليَّ النبي ﷺ وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث، فاضطجع على الفراش، وحوَّل وجهه، ودخل أبو بكر ﵁، فانتهرني، وقال: مزمار الشيطان عند النبي ﷺ ، فأقبل عليه رسول الله ﷺ ، فقال: ((دعهما))، فلما غفل غمزتهما فخرجتا (٢)، وفي رواية لمسلم: ((فقال رسول اللَّه ﷺ : ((يا أبا بكر، إن لكل قوم عيداً، وهذا عيدنا)) (٣)، وفي رواية له أخرى: فقال ﷺ : ((دعهما يا أبا بكر، فإنها أيام عيد)) (٤)، وفي بعض رواياته أيضاً: ((جاريتان تلعبان بدف)) (٥)، فهذا الحديث الجليل يستفاد منه أن كراهة الغناء وإنكاره، وتسميته مزمار الشيطان، أمر معروف مستقر عند الصحابة ﵃؛ ولهذا أنكر الصديق على عائشة غناء الجاريتين عندها، وسمّاه مزمار الشيطان، ولم ينكر عليه النبي ﷺ تلك التسمية، ولم يقل له: إن الغناء والدف

стр. 74

لا حرج فيهما، وإنما أمره أن يترك الجاريتين، وعلّل ذلك بأنها أيام عيد، فدلّ ذلك على أنه ينبغي التسامح في مثل هذا للجواري الصغار في أيام العيد؛ لأنها أيام فرح وسرور، ولأن الجاريتين إنما أنشدتا غناء الأنصار الذي تقاولوا به يوم بُعاث، فيما يتعلق بالشجاعة والحرب، بخلاف أكثر غناء المغنين والمغنيات اليوم، فإنه يثير الغرائز الجنسية، ويدعو إلى عشق الصور، وإلى كثير من الفتن الصادة للقلوب عن تعظيم اللَّه، ومراعاة حقه، فكيف يجوز لعاقلٍ أن يقيس هذا على هذا، ومن تأمّل هذا الحديث علم أن ما زاد على ما فعلته الجاريتان منكر، يجب التحذير منه حسماً لمادة الفساد، وحفظاً للقلوب عما يصدُّها عن الحق، ويشغلها عن كتاب اللَّه، وأداء حقه)) (١).

стр. 75

المبحث العاشر: الفتاوى المحققة المعتمدة في الأغاني والمعازف وآلات اللهو أولاً: فتاوى شيخ الإسلام أبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية رحمه الله تعالى: وملخص ما أفتى به في الغناء وآلات اللهو على النحو الآتي: ١ - آلات اللهو لا يجوز اتخاذها عند الأئمة الأربعة: قال شيخ الإسلام ﵀: (( ... وآلات اللهو لا يجوز اتخاذها، ولا الاستئجار عليها عند الأئمة الأربعة)) (١). ٢ - من فعل الملاهي على وجه الديانة فلا ريب في ضلالته: قال ﵀: (( ... فَمَنْ فَعَلَ هَذِهِ الْمَلَاهِي عَلَى وَجْهِ الدِّيَانَةِ، وَالتَّقَرُّبِ، فَلَا رَيْبَ فِي ضَلَالَتِهِ وَجَهَالَتِهِ، وَأَمَّا إذَا فَعَلَهَا عَلَى وَجْهِ التَّمَتُّعِ وَالتَّلَعُّبِ، فَذَهَبَ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ: أَنَّ آلَاتِ اللَّهْوِ كُلَّهَا حَرَامٌ)) (٢). ٣ - من استمع للملاهي ولم ينكر كان آثماً بإجماع المسلمين: قال ﵀: (( ... الْمُحَرَّمَ هُوَ الِاسْتِمَاعُ لَا السَّمَاعُ، فَالرَّجُلُ لَوْ سَمِعَ الْكُفْرَ، وَالْكَذِبَ، وَالْغِيبَةَ، وَالْغِنَاءَ، والشبَّابة مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ مِنْهُ؛ بَلْ كَانَ مُجْتَازًا بطَرِيقِ فَسَمِعَ ذَلِكَ لَمْ يَأْثَمْ بِذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ،.

стр. 76

وَلَوْ جَلَسَ وَاسْتَمَعَ إلَى ذَلِكَ وَلَمْ يُنْكِرْهُ لَا بِقَلْبِهِ وَلَا بِلِسَانِهِ وَلَا يَدِهِ: كَانَ آثِمًا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ)) (١) ٤ - اتفق العلماء على المنع من إجارة الغناء: قال ﵀: (( ... ذَكَرَ ابْنُ الْمُنْذِرِ اتِّفَاقَ الْعُلَمَاءِ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ إجَارَةِ الْغِنَاءِ وَالنَّوْحِ، فَقَالَ: أَجَمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى إبْطَالِ النَّائِحَةِ وَالْمُغَنِّيَةِ)) (٢). ٥ - كان السلف يسمون الرجال المغنين مخانيث: قال ﵀: (( ... رَخَّصَ [ ﷺ ] لِلنِّسَاءِ أَنْ يَضْرِبْنَ بِالدُّفِّ فِي الْأَعْرَاسِ وَالْأَفْرَاحِ، وَأَمَّا الرِّجَالُ عَلَى عَهْدِهِ [ ﷺ ] فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ يَضْرِبُ بِدُفٍّ، وَلَا يُصَفِّقُ بِكَفٍّ، بَلْ قَدْ ثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَالَ: ((التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ وَالتَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ)) (٣)، ((وَلَعَنَ الْمُتَشَبِّهَاتِ مِنْ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ، والمتشبهين مِنْ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ)) (٤)، وَلَمَّا كَانَ الْغِنَاءُ وَالضَّرْبُ بِالدُّفِّ وَالْكَفِّ مِنْ عَمَلِ النِّسَاءِ، كَانَ السَّلَفُ يُسَمُّونَ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْ الرِّجَالِ مُخَنَّثًا، وَيُسَمُّونَ الرِّجَالَ الْمُغَنِّينَ

стр. 77

مَخَانِيث، وَهَذَا مَشْهُورٌ فِي كَلَامِهِمْ)) (١). ٦ - غناء الرجال للرجال لم يكن في عهد الصحابة ﵃ -: قال ﵀: (( ... أَمَّا غِنَاءُ الرِّجَالِ لِلرِّجَالِ، فَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّهُ كَانَ فِي عَهْدِ الصَّحَابَةِ، يَبْقَى غِنَاءُ النِّسَاءِ لِلنِّسَاءِ فِي الْعُرْسِ ... ))، ((ولَكِنْ نَصْبُ مُغَنِّيَةٍ لِلنِّسَاءِ وَالرِّجَالِ: هَذَا مُنْكَرٌ بِكُلِّ حَالٍ)) (٢). ٧ - الغناء رقية الزنا: قال ﵀: (( ... وَمِنْ أَقْوَى مَا يُهَيِّجُ الْفَاحِشَةَ إنْشَادُ أَشْعَارِ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مِنْ الْعِشْقِ، وَمَحَبَّةِ الْفَوَاحِشِ وَمُقَدِّمَاتِهَا بِالْأَصْوَاتِ الْمُطْرِبَةِ؛ فَإِنَّ الْمُغَنِّيَ إذَا غَنَّى بِذَلِكَ حَرَّكَ الْقُلُوبَ الْمَرِيضَةَ إلَى مَحَبَّةِ الْفَوَاحِشِ، فَعِنْدَهَا يَهِيجُ مَرَضُهُ، وَيَقْوَى بَلَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ الْقَلْبُ فِي عَافِيَةٍ مِنْ ذَلِكَ، جَعَلَ فِيهِ مَرَضًا، كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: الْغِنَاءُ رُقْيَةُ الزِّنَا)) (٣). ٨ - الغناء لا يفعله إلا الفساق: قال ﵀: (( ... سُئِلَ مَالِكٌ عَمَّا يَتَرَخَّصُ فِيهِ بَعْضُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ الْغِنَاءِ؟ فَقَالَ: إنَّمَا يَفْعَلُهُ عِنْدَنَا الْفُسَّاقُ)) (٤).

стр. 78

٩ - الأشعار المنشدة في الجهاد لم تكن بآلات لهو: وقال ﵀: (( ... وَأَمَّا الصَّوْتُ الَّذِي يُثِيرُ الْغَضَبَ لِلَّهِ: كَالْأَصْوَاتِ الَّتِي تُقَالُ فِي الْجِهَادِ مِنْ الْأَشْعَارِ الْمُنْشَدَةِ: فَتِلْكَ لَمْ تَكُنْ بِآلَاتِ، وَكَذَلِكَ أَصْوَاتُ الشَّهْوَةِ فِي الْفَرَحِ؛ فَرَخَّصَ مِنْهَا فِيمَا وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ مِنْ الضَّرْبِ بِالدُّفِّ فِي الْأَعْرَاسِ وَالْأَفْرَاحِ لِلنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ)) (١). ١٠ - المعازف خمرة النفوس: قال ﵀: (( ... الْمَعَازِفُ هِيَ خَمْرُ النُّفُوسِ تَفْعَلُ بِالنُّفُوسِ أَعْظَمَ مِمَّا تَفْعَلُ حُمَيَّا الْكُؤُوسِ، فَإِذَا سَكِرُوا بِالْأَصْوَاتِ حَلَّ فِيهِمْ الشِّرْكُ، وَمَالُوا إلَى الْفَوَاحِشِ، وَإِلَى الظُّلْمِ، فَيُشْرِكُونَ وَيَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ وَيَزْنُونَ)) (٢). ١١ - الغناء من أعظم أسباب للوقوع في الفواحش: قال ﵀: (( ... وَأَمَّا الْفَوَاحِشُ، فَالْغِنَاءُ رُقْيَةُ الزِّنَا، وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ لِوُقُوعِ الْفَوَاحِشِ، وَيَكُونُ الرَّجُلُ، وَالصَّبِيُّ، وَالْمَرْأَةُ فِي غَايَةِ الْعِفَّةِ وَالْحُرِّيَّةِ، حَتَّى يَحْضُرَهُ، فَتَنْحَلُّ نَفْسُهُ، وَتَسْهُلُ عَلَيْهِ الْفَاحِشَةُ، وَيَمِيلُ لَهَا فَاعِلًا أَوْ مَفْعُولًا بِهِ، أَوْ كِلَاهُمَا، كَمَا يَحْصُلُ بَيْنَ شَارِبِي الْخَمْرِ وَأَكْثَرُ)) (٣).

стр. 79

١٢ - لا ضمان على من أتلف آلات المعازف قال ﵀: ((وَالْمَعَازِفُ هِيَ آلَاتُ اللَّهْوِ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَهَذَا اسْمٌ يَتَنَاوَلُ هَذِهِ الْآلَاتِ كُلَّهَا؛ وَلِهَذَا قَالَ الْفُقَهَاءُ: إنَّ مَنْ أَتْلَفَهَا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إذَا أَزَالَ التَّالِفَ الْمُحَرَّمَ، وَإِنْ أَتْلَفَ الْمَالِيَّةَ فَفِيهِ نِزَاعٌ، وَمَذْهَبُ أَحْمَدَ الْمَشْهُورُ عَنْهُ، وَمَالِكٌ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَيْضًا، وَكَذَلِكَ إذَا أَتْلَفَ دِنَانَ الْخَمْرِ، وَشَقَّ ظُرُوفَهُ، وَأَتْلَفَ الْأَصْنَامَ الْمُتَّخَذَةَ مِنْ الذَّهَبِ، كَمَا أَتْلَفَ مُوسَى ﵇ الْعِجْلَ الْمَصْنُوعَ مِنَ الذَّهَبِ، وَأَمْثَالَ ذَلِكَ)) (١). ١٣ - الشبابة لم يبحها أحد من العلماء لا للرجال ولا للنساء: قال ﵀: ((الشبَّابة ... لَمْ يُبِحْهَا أَحَدٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، لَا لِلرِّجَالِ وَلَا لِلنِّسَاءِ؛ لَا فِي الْعُرْسِ وَلَا فِي غَيْرِهِ)) (٢). ١٤ - من عدَّ الغناء من القربات يستتاب فإن تاب وإلا قتل: قال ﵀: (( ... أَمَّا السَّمَاعُ الْمُشْتَمِلُ عَلَى مُنْكَرَاتِ الدِّينِ، فَمَنْ عَدَّهُ مِنَ الْقُرُبَاتِ اسْتُتِيبَ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ ... ))، ثم قال: (( ... فَأَمَّا الْمُشْتَمِلُ عَلَى الشَّبَّابَاتِ، وَالدُّفُوفِ المصلصلة، فَمَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ تَحْرِيمُهُ)) (٣).

стр. 80

ثانياً: فتاوى الإمام محمد بن إبراهيم آل الشيخ ــ مفتي الديار السعودية سابقاً ﵀: ١ - حكم الأغاني التي تصدر في الإذاعات والحفلات س: ما حكم الأغاني التي تصدر في الإذاعات، والحفلات؟ الجواب: هي منقسمة إلى قسمين: الأول: ما اشتمل على حِكَمٍ ومواعظ وحماس ونصائح ونحو ذلك مما لا غرام فيه، ولا يشتمل على صوت مزمار ونحوه ــ فهذا لا محذور فيه؛ لما فيه من المصلحة. الثاني: ما فيه غرام، ويشتمل على صوت مزمار وما أشبه ذلك ـ فهو حرام، والأصل في ذلك الكتاب والسنة. أما أدلة (الكتاب) فأربعة: الأول: قول اللَّه تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ (١) فسره ابن عباس وغيره بالغناء. وجه الدلالة: أن اللَّه جل وعلا بيَّن في هذه الآية: أن الغناء طريق من الطرق التي يسلكها إبليس لإغواء الأمة، وقد تسلط بهذا وبغيره، بدليل قوله تعالى: ﴿لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلا﴾ (٢)، وهذا القليل هو المذكور في قوله تعالى: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِين * إِلاَّ

стр. 81

عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِين﴾ (١)، وقد بيَّن تعالى أنه ظفر بهم بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِين﴾ (٢)، وقد وقع في هذا كثير من أهل هذا الزمان، فنعوذ باللَّه من زيغ القلوب ﴿رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّاب﴾ (٣). الثاني: قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ (٤)، قال محمد بن الحنفية، ومجاهد: ﴿الزُّورَ﴾ هنا الغناء. وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى بيَّن من أوصاف المؤمنين أنهم إذا مرّوا بالزور، وهو الغناء، مرّوا مرّ الكرام، ومفهوم ذلك أن استعماله ليس من أوصاف المؤمنين، فيكون حراماً. الثالث: قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّه بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِين﴾ (٥). قال الواحدي: أكثر المفسرين على أن المراد (بلَهْو

стр. 82

الْحَدِيثِ) الغناء، قاله ابن عباس في رواية سعيد بن جبير، ومقسم عنه، وقاله عبد اللَّه بن مسعود في رواية أبي الصهباء عنه، وهو قول مجاهد، وعكرمة. وجه الدلالة: أن اللَّه جل وعلا بيّن أن بعضاً ﴿مِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾، وهو الغناء، من أجل إضلال الناس، وإذا كان الغناء سبباً من أسباب الضلالة، فلاشك في تحريمه. رابعاً: قال تعالى: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُون * وَتَضْحَكُونَ وَلاَ تَبْكُون * وَأَنتُمْ سَامِدُون﴾ (١). قال عكرمة عن ابن عباس: «السمود» الغناء في لغة حمير، يُقال: اسمدي لنا. أي غَنِّي لنا. قال عكرمة: كانوا إذا سمعوا القرآن غنوا، فنزلت. وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى استفهم منهم استفهام إنكار وتوبيخ وتقريع، وذكر في سياق هذا أن من أوصافهم الذميمة السمود، وهو الغناء، فهذا يدل على أنه محرم؛ إذ لو كان مشروعاً، أو باقياً على البراءة الأصلية، لما ذمّهم على فعله. وأما السنة فنقتصر على دليل واحد، وهو ما رواه البخاري في الصحيح معلقاً بصفة الجزم، ورواه أبو داود، وابن ماجه في السنن، وأبو بكر الإسماعيلي في الصحيح إلى النبي ﷺ أنه قال: «ليكونن

стр. 83

من أمتي أقوامٌ يستحلون الحِرَ والحَريرَ والخمرَ والمعازفَ ... » (١). وتقرير الاستدلال من ثلاثة أوجه: الأول: أن الحديث سِيق لذمِّ هذا الصنف من الناس الذين يتجاوزون حدود اللَّه، ومنها هذه الأمور التي منها المعازف، وأَكَّد ذلك باللام في صدر الكلام، وبالنُّون المؤكدة، ولو كان مباحاً لما ذَمَّهُمْ. الثاني: أنه قال: «يَسْتَحِلُّونَ»، فَفُهِمَ من هذا أن حرمته متقررة. والمعازف هي: آلات الملاهي على اختلاف أنواعها، قاله غير واحد من أئمة اللغة: كابن منظور، وصاحب القاموس. الثالث: أن اللَّه تعالى قرن المعازف بما ذكره معها، وهي محرّمة، فتكون المعازف مساوية لها في أصل الحكم الذي هو التحريم من (باب دلالة الاقتران). وأما أقوال الأئمة، فقد قال عبد اللَّه بن الإمام أحمد: سألت أبي عن الغناء؟ فقال: «الغناء ينبت النفاق في القلب، لا يعجبني». وأما الشافعي فقد صرّح أصحابه العارفون بمذهبه أنه يقول بتحريمه. وأما الإمام مالك لمّا سُئل عنه قال: «إنما يفعله عندنا الفساق».

стр. 84

وأما الإمام أبو حنيفة، فقال مالك: وأما أبو حنيفة، فإنه يكرهه، ويجعله من الذنوب. قلت: والمراد بالكراهة هنا كراهة التحريم، يدلّ عليه أنه يجعله من الذنوب، ولا يكون من الذنوب إلا إذا كان حراماً. (ص - ف ١٣٦٢٦ - ١ في ٢١ - ١١ - ٨٨هـ) (١). ٢ - الغناء من الإذاعة من محمد بن إبراهيم إلى حضرة صاحب السمو الملكي رئيس مجلس الوزراء وفقه اللَّه. السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته. وبعد: فقد جرى البحث مع سموكم حول ما اشتملت عليه الإذاعة من الغناء، وذكرنا لسموكم أنه محرّم، وقد طلبتم البيان بشيء من الدليل، وإلى سموكم دليل تحريم الغناء من: الكتاب، والسنة، وكلام الأئمة الأربعة. قال تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ (٢)، قال ابن عباس: صوت الشيطان الغناء، والمزامير، واللَّهو، وقال الضحاك: صوت الشيطان في هذه الآية هو صوت المزمار. وقال تعالى:

стр. 85

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ (١)، قال مجاهد: لهو الحديث: الاستماع إلى الغناء، وإلى مثله من الباطل، وقال: حلف عبد اللَّه بن مسعود ﵁ باللَّه الذي لا إله إلا هو ثلاث مرات أنه الغناء، يعني ﴿لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ في هذه الآية. وقال تعالى: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُون * وَتَضْحَكُونَ وَلاَ تَبْكُون * وَأَنتُمْ سَامِدُون﴾ (٢)، قال عكرمة، عن ابن عباس ﵄: السمود هو الغناء بلغة حمير، قال: يقال: اسمدي لنا يا فلانة، أي: غني لنا، وقال ﷺ : «إن الله تعالى حَرَّمَ على أُمَّتي الْخَمْرَ، وَالْمَيْسِرَ، وَالْكُوبَةَ، وَالْغُبَيْرَاءَ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ»، رواه أحمد، وأبو داود (٣). و «الكوبة»: الطبل الصغير، وقيل: البربط، وهو آلة غناء. وأما الأئمة الأربعة فإنهم ﵃ لم يسكتوا عن تبيين حكم هذا المنكر، فكان أبو حنيفة ﵀ يرى الغناء من الذنوب التي يجب تركها، والابتعاد عنها، وتجب التوبة منها فوراً، وصرّح أصحابه بحرمة الغناء، وسائر الملاهي، وقالوا: السماع فسق، والتلذّذ به كفر، وقال مالك ﵀، وقد سأله ابن القاسم عن الغناء؟ فأجابه قائلاً:

стр. 86

قال اللَّه تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ﴾ (١)، أفحق هو؟! وقال وقد سُئل عن ما يترخص فيه بعض أهل المدينة من الغناء؟ إنما يفعله عندنا الفساق، وقال الشافعي ﵀: إن الغناء لهو مكروه يشبه الباطل، وقال: من استكثر منه فهو سفيه، تُردّ شهادته. وقال أحمد ﵀ في أيتام ورثوا جارية مغنية، وأرادوا بيعها: لا تباع إلا أنها ساذجة غير مغنية، ففوّت ﵀ عليهم زيادة في الثمن، وهم أيتام، فلو كان يحلّ لهما لما فوّته عليهم. فمن ما تقدم يتبين تحريم الغناء، ووجوب الابتعاد عنه، وصيانة الإذاعة منه، وألا تُجعل منبراً تشاع منه الخلاعة والمجون، وفق اللَّه حكومتنا للتمسك بكتاب اللَّه، وسنة رسوله، وتحريم ما حرَّما، وتحليل ما أحلاَّ. والسلام عليكم ورحمة اللَّه. (ص ـ ف ٣١٥٨ في ٢٨ ـ ١٢ ـ ١٣٨٢هـ) (٢). ٣ - الغناء، وصوت المرأة في الإذاعة، وتوظيفها مختلطة بالرجال الحمد للَّه وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. وبعد: فنظراً لما حدث مؤخراً في هذه البلاد من الأمور التي توجب غضب الرب، وفساد المجتمع، والتحلّل من الأخلاق

стр. 87

الفاضلة؛ ولما أوجب اللَّه على أهل العلم من النصح لولاة الأمور، وبيان حكم كل حادثة، وما أوجبه اللَّه على ولاة الأمور من حماية الدين، وتعزيزه، والقضاء على الفساد، وسدّ أبوابه وطرقه، وحسم موادّه والوسائل المفضية إليه: رأينا تعزيز الكتب السابقة بهذا الكتاب، موضحين أدلة ما طلبنا من سموكم منعه وإزالته، وفيما يلي ذكر بعض الأدلة: (١) الغناءُ وصوت المرأة في الإذاعة ، وغيرها: تظاهرت أدلة الكتاب والسنة على تحريمه في الجملة، وحكى غير واحد من العلماء إجماع العلماء على تحريمه، منهم: القرطبي في تفسيره المشهور، وقد بسط ابن القيم ﵀ أدلة المنع في كتابه «إغاثة اللَّهفان»، ونقل الأدلة: من الكتاب، والسنة، وكلام أهل العلم في ذمّه وتحريمه، وبيان ما يترتّب عليه من المفاسد الكثيرة، والعواقب الوخيمة، هذا كله إذا كان غناءً مجرّداً من آلات العزف والطرب. فأما إذا اقترن به شيء من ذلك صار التحريم أشدّ، والإثم أكبر، والمفاسد أكثر، وقد حكى العلامة ابن الصلاح إجماع العلماء على تحريم الغناء إذا اقترن به شيء من آلات اللَّهو والطرب، نقله عنه العلامة ابن القيم وغيره. و من أدلة الكتاب على ذلك قوله سبحانه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا

стр. 88

أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِين﴾ (١)، حكى غير واحد من المفسرين كالواحدي وغيره عن أكثر العلماء تفسير (اللَّهو) هنا بالغناء، وبذلك فسره عبد اللَّه بن مسعود، وابن عباس وابن عمر ﵃، وكان عبد اللَّه بن مسعود ﵁ يحلف على ذلك، وهؤلاء الثلاثة من خيار أصحاب رسول اللَّه ﷺ وعلمائهم، ولا يُعرف لهم مخالف من الصحابة، وهم أعلم الناس بتفسير كتاب اللَّه، وقد تبعهم على ذلك أكثر العلماء، وقال ابن جرير ﵀ في تفسيره وجماعة من العلماء: إن الآية الكريمة شاملة للغناء وغيره من آلات اللَّهو، وأخبار الكفرة، وغير ذلك مما يصدّ عن ذكر اللَّه، والآية الكريمة تدلّ على أن الاشتغال بلهو الحديث يفضي بأهله إلى الضلال عن سبيل اللَّه، واتخاذ آيات اللَّه هزواً، وكفى بذلك: قبحاً، وشناعة، وذماً للغناء، وما يقترن به من آلات اللَّهو والطرب. ومن ذلك قوله: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ (٢)، فسّر كثير من السلف «الصوت» بالغناء وآلات الطرب، وكل صوت يدعو إلى باطل. ومن ذلك قوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا

стр. 89

بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ (١)، فسر كثير من العلماء (الزور) بالغناء وآلات اللَّهو، ولا شك أنه داخل في ذلك، والزور يشمله وغيره من أنواع الباطل. وهذه الآيات الكريمات تدل دلالة واضحة على ذمّ الغناء، والتحذير منه، سواءٌ كان المُغنّي رجلاً أو امرأة، ولا شك أن الغناء إذا كان من الأُنثى كانت الفتنة به أعظم، والفساد الناتج عنه أكثر. وقد دلّ القرآن الكريم على تحريم خضوع المرأة بالقول في قوله سبحانه: ﴿يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفًا﴾ (٢)، وإذا كان أُمهات المؤمنين يُنهين عن الخضوع في القول مع طهارتهن وتقواهن، فكيف بغيرهن من النساء اللاتي لا نسبة بينهن وبين أُمهات المؤمنين في كمال التقوى والطهارة، فكيف بنساء العصر الفاتنات المفتونات، إلا من شاء اللَّه منهن. وإذا كان اللَّه نهى عن الخضوع في القول، فالغناء من باب أَولى وأحرى؛ لأن الفتنة فيه أشد من مجرد القول، ولا يخفى على كل من له أدنى بصيرة ما في صوت المرأة بالغناء، ومخاطبتها الناس في الإذاعة ونحوها من الفتنة، وإثارة الغرائز، لاسيما مع ترخيم الصوت

стр. 90

وتحسينه. وعلاوة على ذلك ما يترتب على ذلك من اختلاطها بالرجال، وخلوتهم بها، والتساهل بالحجاب، أو تركه بالكلية، كما هو الواقع من نساء العصر المخالطات للرجال، وتحريم هذا معلوم من الدين بالضرورة. ومن الأدلة على ذلك قوله : ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ (١)، وقوله : ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ﴾ (٢) الآية، وأصح ما قيل في تفسير قوله: ﴿إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ أنه الملابس الظاهرة: قاله ابن مسعود وغيره، ومن فسره بالوجه والكفين، فمراده مع أَمن الفتنة، والمحافظة على العفة، وستر ما سوى ذلك. والواقع من نساء العصر خلاف ذلك، لضعف إيمانهن، وقلة حيائهن؛ ومعلوم أن سد الذرائع المفضية للمحرمات من أهم أبواب الشريعة الكاملة.

стр. 91

وقال تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاء اللاَّتِي لاَ يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ﴾ (١). فإذا كان (القواعد)، وهن العجائز، يُمْنَعْنَ من وضع الثياب عن محاسنهن، كالوجه، والكفين، ونحو ذلك، فكيف بالشابات الجميلات الفاتنات، وإذا كان العجائز يُمنعن من التبرج بالزينة، فهو في الشابات أشدّ منعاً، والفتنة بسببهن أكبر. ولمَّا ذكر ابن القيم ﵀ (الغناء) وما أورد فيه عن ابن عباس وغيره من الذم، وأنه من الباطل الذي لا يرضاه اللَّه، قال ما نصه: «فهذا جواب ابن عباس ﵄ عن غناء الأعراب الذي ليس فيه: مدح الخمر، والزنا، واللواط، والتَّشْبِيب بالأجنبيات، وأصوات المعازف والآلات المطربات؛ فإن غناء القوم لم يكن فيه شيء من ذلك، ولو شاهدوا هذا الغناء لقالوا فيه أعظم قول؛ فإن مضرته وفتنته فوق مضرة شرب الخمر بكثير، وأعظم من فتنته، ومن أبطل الباطل أن تأْتي شريعةٌ بإباحته؛ فمن قاس هذا على غناء القوم فقياسه من جنس قياس الربا على البيع، والميتة على المذكَّاة، والتحليل الملعون فاعله

стр. 92

على النكاح الذي هو سُنة رسول اللَّه ﷺ . اهـ. وإذا كان هذا كلام ابن القيم في غناء أهل عصره، فكيف بغناء هذا العصر الذي يُذاع ويسمع الرجال والنساء، والخاص والعام فيما شاء اللَّه من البلاد، فتعمّ مضرته، وتنتشر الفتنة به، لا شك أن هذا أشدَّ إثماً، وأَعظم مضرة. وأما الأحاديث ، فمنها ما رواه الترمذي وحسنه، عن عبد الرحمن بن عوف ﵁، أن النبي ﷺ قال: «إِنَّمَا نُهيْتُ عَنْ صَوْتَيْنِ أحْمَقَيْنِ فَاجِرَيْنِ: صَوْت عِنْدَ نِغْمَةٍ: لَهْوٍ وَلَعِبٍ وَمَزَامِيرِ شَيْطَانٍ، وَصَوْتٍ عِنْدَ مُصِيبَةٍ: خَمْشِ وُجُوهٍ، وشَقِّ جُيُوبٍ، وَرَنَّةٍ» (١). قال ابن القيم ﵀ بعد هذا الحديث: «فانظر إلى هذا النَّهي المؤكد بتسمية صوت الغناء صوتاً أحمق، ولم يقتصر على ذلك حتى وصفه بالفجور، ولم يقتصر على ذلك حتى سماه من مزامير الشيطان، وقد أقر النبي ﷺ أبا بكر على تسميته (الغناء) مزْمُور الشيطانِ في الحديث الصحيح، فإن لم نستفد التحريم من هذا لم نستفده من نَهْيٍ أبداً». ثم قال: «فكيف يستجيز العارف إباحة ما نهى عنه رسول اللَّه ﷺ وسماه «صوتاً أحمق فاجراً ومزمور الشيطان» وجعله والنياحة التي لعن فاعلها أخوين، وأخرج النهي عنهما

стр. 93

مخرجاً واحداً، ووصفهما بالحمق والفجور وصفاً واحداً، وقال ابن مسعود ﵁: «الغناء يُنبت النفاق في القلب كما يُنبت الماءُ البقل». وفي صحيح البخاري، عن أبي مالك الأشعري ﵁، أنه سمع النبي ﷺ يقول: «((لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ، وَالْحَرِيرَ، وَالْخَمْرَ، وَالْمَعَازِفَ، وَلَيَنْزِلَنَّ أَقْوَامٌ إِلَى جَنْبِ عَلَمٍ يَرُوحُ عَلَيْهِمْ بِسَارِحَةٍ لَهُمْ يَأْتِيهِمْ يَعْنِي الْفَقِيرَ لِحَاجَةٍ، فَيَقُولُونَ: ارْجِعْ إِلَيْنَا غَدًا، فَيُبَيِّتُهُمْ اللَّهُ، وَيَضَعُ الْعَلَمَ، وَيَمْسَخُ آخَرِينَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)) (١). وأخرج ابن ماجه عن أبي مالك الأشعري ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «لَيَشْرَبَنَّ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ، يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا، يُعْزَفُ عَلَى رُؤُوسِهِمُ بالْمَعَازِفِ وَالْمُغَنِّيَاتِ، يَخْسِفُ اللَّهُ بِهِمُ الأَرْضَ، وَيَجْعَلُ مِنْهُمُ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ)) (٢)، قال ابن القيم ﵀ في هذا الحديث: «إسناده صحيح. قال: وقد توعّد مستحلّ المعازف فيه بأن يخسف اللَّه بهم الأرض، ويمسخهم قردة وخنازير». قال: و (المعازف) هي آلات اللَّهو كلها، لا خلاف بين أهل اللغة في ذلك». قال: «ولو كانت حلالاً لما ذمّهم على استحلالها، ولما قرن استحلالها باستحلال الخمر والحِرَ». اهـ. ولقد وقع مصداق ما أخبر عنه النبي ﷺ من استحلال بعض أمته

стр. 94

المعازف، وصوت المغنيات؛ ولا شك أن هذا من تزيين الشيطان، وخداعه للناس حتى يفعلوا هذه المعاصي، وفيما ذكرناه من الآيات، والأحاديث، وكلام أهل العلم، الدلالة الصريحة، والبرهان القاطع على تحريم الأغاني، وآلات الملاهي من الرجال والنساء؛ لما يترتب على ذلك من المفاسد العظيمة التي تقدّم بيان بعضها. ومما يؤكد تحريم ذلك، ويوجب مضاعفة الإثم، كون ذلك يُلقى في مهبط الوحي، ومطلع شمس الرسالة؛ لما يترتب على ذلك من إضلال الناس، وفتنتهم، ولَبْسِ الأمور عليهم، حتى يعتقدوا أن ذلك من الحق، كونه صدر من مهبط الوحي، وحماة الحرمين الشريفين الذين هم محطّ أنظار العالم، وأمل المسلمين. ومما يزيد الإثم أيضاً، ويضاعف الفتنة، أن يشارك في ذلك النساءُ بأصواتهنّ الفاتنة المثيرة للغرائز، وقد قال النبيّ ﷺ : «مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ النِّسَاءِ». رواه البخاري (١)، وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد أن النبي ﷺ قال للنساء: «ما رأيت من ناقصات عقلٍ ودين أذهبَ لِلُبِّ الرجل الحازم منكن» (٢). هذا

стр. 95

مع تحجبهن، وتأدبهن بالآداب الشرعية، فكيف بحال نسائنا اليوم. (٢) توظيف المرأة في الأعمال التي تدعوها إلى مخالطة الرجال: كالإذاعة، والخدمة الاجتماعية، وخدمة الرجال في الطائرات، وأشباه ذلك: يُفضي إلى مفاسد كثيرة ... )). ثم ذكر هذه المفاسد بالتفصيل ﵀ (١).

стр. 96

ثالثاً: فتاوى الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀: ١ - حكم الغناء والعزف على الربابة، والطبل س: ما حكم الأغاني هل هي حرام أم لا، رغم أنني أسمعها بقصد التَّسلية فقط؟ وما حكم العزف على الربابة والأغاني القديمة؟ وهل القرع على الطبل في الزواج حرام بالرغم من أنني سمعت أنها حلال ولا أدري؟ أثابكم اللَّه، وسدد خطاكم. الجواب: إن الاستماع إلى الأغاني حرام، ومنكر، ومن أسباب مرض القلوب وقسوتها، وصدّها عن ذكر اللَّه، وعن الصلاة، وقد فسر أكثر أهل العلم قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ (١) الآية، بالغناء. وكان عبد اللَّه بن مسعود ﵁ يقسم على أن لهو الحديث هو: الغناء، وإذا كان مع الغناء آلة لهو: كالربابة، والعود، والكمان، والطبل، صار التحريم أشد، وذكر بعض العلماء أن الغناء بآلة لهو محرم إجماعاً. فالواجب الحذر من ذلك، وقد صحّ عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحِرَ والحرير والخمر والمعازف» (٢). والحِر هو: الفرج الحرام ــ يعني الزنا ــ والمعازف هي الأغاني

стр. 97

وآلات الطرب. وأوصيك وغيرك بسماع إذاعة القرآن الكريم، وبرنامح نور على الدرب، ففيهما فوائد عظيمة، وشُغلٌ شَاغِلٌ عن سماع الأغاني، وآلات الطرب. أما الزواج، فيشرع فيه ضرب الدف مع الغناء المعتاد الذي ليس فيه دعوة إلى محرم، ولا مدح لمحرم في وقت من الليل للنساء خاصة؛ لإعلان النكاح، والفرق بينه وبين السفاح، كما صحت السنة بذلك عن النبي ﷺ . أما الطبل، فلا يجوز ضربه في العرس، بل يُكتفى بالدف خاصة، ولا يجوز استعمال مكبرات الصوت في إعلان النكاح، وما يقال فيه من الأغاني المعتادة؛ لما في ذلك من الفتنة العظيمة، والعواقب الوخيمة، وإيذاء المسلمين، ولا يجوز أيضاً إطالة الوقت في ذلك، بل يُكتفى بالوقت القليل الذي يحصل به إعلان النكاح؛ لأن إطالة الوقت تفضي إلى إضاعة صلاة الفجر، والنوم عن أدائها في وقتها، وذلك من أكبر المحرمات، ومن أعمال المنافقين (١). ٢ - حكم الغناء، والاجتماع على آلات: العود، والكمان، وأشباه ذلك س: ما حكم ما يتعاطاه بعض الناس من الاجتماع على آلات

стр. 98

الملاهي: كالعود، والكمان، والطبل، وأشباه ذلك، وما يضاف إلى ذلك من الأغاني ويزعم أن ذلك مباح. الجواب: قد دلت الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية على ذم الأغاني، وآلات الملاهي، والتحذير منها، وأرشد القرآن الكريم إلى أن استعمالها من أسباب الضلال، واتخاذ آيات اللَّه هزواً، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِين﴾ (١). وقد فسر أكثر العلماء لهو الحديث: بالأغاني، وآلات الطرب، وكل صوت يصدّ عن الحق، وصحّ عن النبي ﷺ أنه قال: «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون: الحر، والحرير، والخمر، والمعازف» (٢). والمعازف هي: الأغاني، وآلات الملاهي. أخبر النبي ﷺ أنه يأتي آخر الزمان قوم يستحلونها، كما يستحلون: الخمر، والزنا، والحرير، وهذا من علامات نبوته ﷺ ؛ فإن ذلك وقع كله، والحديث يدل على تحريمها، وذم من استحلها، كما يذم من استحل الخمر، والزنا، والآيات والأحاديث في التحذير من الأغاني وآلات اللَّهو كثيرة جداً. ومن زعم أن اللَّه أباح الأغاني، وآلات الملاهي، فقد كذب

стр. 99

وأتى منكراً عظيماً، نسأل اللَّه العافية من طاعة الهوى والشيطان. وأعظم من ذلك وأقبح، وأشد جريمة من قال: إنها مستحبة، ولا شك أن هذا من الجهل باللَّه، والجهل بدينه، بل من الجرأة على اللَّه، والكذب على شريعته، وإنما يستحب ضرب الدف في النكاح للنساء خاصة؛ لإعلانه، والتمييز بينه وبين السفاح، ولا بأس بأغاني النساء فيما بينهن مع الدف، إذا كانت تلك الأغاني ليس فيها تشجيع على منكر، ولا تثبيط عن واجب، ويشترط أن يكون ذلك فيما بينهن من غير مخالطة للرجال، ولا إعلان يؤذي الجيران، ويشق عليهم، وما يفعله بعض الناس من إعلان ذلك بواسطة المكبر، فهو منكر؛ لما في ذلك من إيذاء المسلمين من الجيران وغيرهم، ولا يجوز للنساء في الأعراس، ولا غيرها أن يستعملن غير الدف من آلات الطرب: كالعود، والكمان، والرباب، وشبه ذلك، بل ذلك منكر، وإنما الرخصة لهن في استعمال الدف خاصة، أما الرجال فلا يجوز لهم استعمال شيء من ذلك، لا في الأعراس، ولا في غيرها، وإنما شرع اللَّه للرجال التدرب على آلات الحرب: كالرمي، وركوب الخيل، والمسابقة بها، وغير ذلك من أدوات الحرب، كالتدرب على استعمال الرماح، والدرق، والدبابات، والطائرات، وغير ذلك: كالرمي بالمدافع، والرشاش، والقنابل، وكل ما يُعينُ على الجهاد في سبيل اللَّه. وأسأل اللَّه أن يصلح أحوال المسلمين، وأن يوفقهم للفقه في

стр. 100

دينه، وتعلُّم ما ينفعهم في جهاد عدوهم، والدفاع عن دينهم، وأوطانهم، إنه سميع مجيب (١). ٣ - الغناء مع آلات اللَّهو محرم بإجماع المسلمين س: قرأت في صحيفة عكاظ في العدد ٦١٠١ السبت ٢٩ ربيع الثاني ١٤٠٣هـ في خبر مفاده: أن هناك مطرباً سعودياً اعتزل الغناء، وفي إحدى الرحلات الجوية بين القاهرة وباريس، التقى هذا المطرب بأحد رجال الدين، وتجاذب معه أطراف الحديث حول الغناء ومشروعيته، ولم ينزل المطرب من الطائرة، إلا وقد أقنعه رجل الدين بمشروعية الغناء بالأدلة والبراهين، وعاد وقام بعدة أغانٍ تعتبر باكورة إنتاجه. هل الغناء مشروع في الإسلام، وبالأدلة والبراهين أيضاً، خصوصاً هذا النوع الخليع في الوقت الحاضر، والمصحوب بالموسيقى؟ الجواب: الغناء محرم عند جمهور أهل العلم، وإذا كان معه آلة لهو: كالموسيقى، والعود، والرباب، ونحو ذلك حرم بإجماع المسلمين. ومن أدلة ذلك قول اللَّه سبحانه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ

стр. 101

الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١). فسره جمهور المفسرين: بالغناء، وكان عبد اللَّه بن مسعود ﵁ يقسم على ذلك ويقول: «إن الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل»، وفي الحديث الصحيح عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر، والحرير، والخمر، والمعازف» الحديث رواه البخاري في صحيحه معلقاً، مجزوماً به (٢)، ورواه غيره بأسانيد صحيحة. والمعازف هي: الغناء، وآلات اللَّهو، وبهذا يُعلم أن هذا الذي أفتى ــ إن صح النقل ــ بمشروعية الغناء، قد قال على اللَّه بغير علم، وأفتى فتوى باطلة، سوف يُسأل عنها يوم القيامة، واللَّه المستعان (٣). ٤ - الاستماع إلى الأغاني لا شك في حرمته س-: ما حكم الاستماع إلى الأغاني؟ الجواب: الاستماع إلى الأغاني لا شك في حرمته، وما ذاك إلا لأنه يجر إلى معاصٍ كثيرةٍ، وإلى فتنٍ متعددةٍ، ويجرُّ إلى العشق، والوقوع في الزنا، والفواحش، واللواط، ويجرُّ إلى معاصٍ أخرى: كشرب المسكرات، ولعب القمار، وصحبة الأشرار، وربما أوقع في

стр. 102

الشرك والكفر باللَّه، على حسب أحوال الغناء، واختلاف أنواعه، واللَّه جل وعلا يقول في كتابه العظيم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِين * وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيم﴾ (١). فأخبر سبحانه أن بعض الناس يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل اللَّه، قرئ (ليُضِلّ) بضم الياء، وقرئ (ليَضِل) بفتح الياء مع كسر الضاد فيهما، واللام للتعليل، والمعنى أنه بتعاطيه، واستعاضته لهو الحديث، وهو: الغناء، يجرُّه ذلك، إلى أن يَضل في نفسه، ويُضل غيره: يَضل بسبب ما يقع في قلبه من القسوة، والمرض، فيضل عن الحق؛ لتساهله بمعاصي اللَّه، ومباشرته لها، وتركه بعض ما أوجب اللَّه عليه، مثل ترك الصلاة في الجماعة، وترك بر الوالدين، ومثل لعب القمار، والميل إلى الزنا، والفواحش، واللواط، إلى غير ذلك مما قد يقع بسبب الأغاني، قال أكثر المفسرين: «معنى لهو الحديث في الآية الغناء»، وقال جماعة آخرون: «كل صوت منكر من أصوات الملاهي، فهو داخل في ذلك: كالمزمار، والرّبابة، والعود، والكمان، وأشباه ذلك، وهذا كله يصدّ عن سبيل اللَّه، ويُسبب الضلال والإضلال».

стр. 103

وثبت عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ الصحابي الجليل أحد علماء الصحابة ﵃ أنه قال في تفسير الآية: «إنه واللَّه الغناء»، وقال: «إنه يُنبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل». والآية تدلّ على هذا المعنى فإن اللَّه قال: ﴿لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (١)، يعني: يَعمي عليه الطريق كالسكران؛ لأن الغناء يُسكر القلوب، ويوقع في الهوى والباطل، فيعمي عن الصواب إذا اعتاد ذلك حتى يقع في الباطل من غير شعور بسبب شغله بالغناء، وامتلاء قلبه به، وميله إلى الباطل، وإلى عشق: فلانة، وفلان، وإلى صحبة: فلانة، وفلان، وصداقة فلانة، وفلان ﴿وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا﴾ معناه: هو اتخاذ سبيل اللَّه هزواً، وسبيل اللَّه هي دينه، والسبيل تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ، فالغناء واللَّهو يفضي إلى اتخاذ طريق اللَّه لهواً ولعباً، وعدم المبالاة في ذلك، وإذا تلي عليه القرآن تولّى، واستكبر، وثَقُلَ عليه سماعه؛ لأنه اعتاد سماع الغناء، وآلات الملاهي، فيثقل عليه سماع القرآن؛ ولا يستريح لسماعه، وهذا من العقوبات العاجلة. فالواجب على المؤمن أن يحذر ذلك، وهكذا على كل مؤمنة الحذر من ذلك، وجاء في المعنى أحاديث كثيرة، كلّها تدلّ على تحريم الغناء، وآلات اللَّهو، والطرب، وأنها وسيلة إلى شرّ كثير، وعواقب وخيمة، وقد بسط العلامة ابن القيم ﵀ في كتابه

стр. 104

[إغاثة اللَّهفان] الكلام في حكم الأغاني، وآلات اللَّهو، فمن أراد المزيد من الفائدة، فليراجعه، فهو مفيد جداً، واللَّه المستعان، وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد، وآله، وصحبه (١). ٥ - الاستماع إلى الموسيقى شرٌّ وبلاء الموسيقى وغيرها من آلات اللَّهو كلها شر وبلاء، ولكنها مما يزين الشيطان التلذّذ به، والدعوة إليه، حتى يشغل النفوس عن الحق بالباطل، وحتى يلهيها عما أحب اللَّه إلى ما كره اللَّه وحرَّم، فالموسيقى، والعود، وسائر أنواع الملاهي، كلّها منكر، ولا يجوز الاستماع إليها، وقد صحّ عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف» والحِر هو: الفرج الحرام ــ يعني الزنا ــ، والمعازف هي: الأغاني، وآلات الطرب. وأوصيك وغيرك من النساء والرجال بالإكثار من قراءة القرآن الكريم، والاستماع لبرنامج [نور على الدرب]، ففيهما فوائد عظيمة، وشغل شاغل عن سماع الأغاني، وآلات الطرب، وفّق اللَّه الجميع لكل ما يحبّ ويرضى، إنه سميع مجيب (٢).

стр. 105

٦ - حكم استماع الأناشيد الإسلامية س: ما حكم استماع أشرطة الأناشيد الإسلامية؟ الجواب: الأناشيد تختلف، فإذا كانت سليمة ليس فيها إلا الدعوة إلى الخير، والتذكير بالخير، وطاعة اللَّه ورسوله، والدعوة إلى حماية الأوطان من كيد الأعداء، والاستعداد للأعداء، ونحو ذلك، فليس فيها شيء، أما إذا كان فيها غير ذلك: من دعوةٍ إلى المعاصي، واختلاط النساء بالرجال، أو تكشفهن عندهم، أو أي فسادٍ كان فلا يجوز استماعها (١). [قلت (٢): ويشترط أن لا تكون هذه الأناشيد على أوقاع ألحان المغنين، والمطربين، وأن لا تكون على طريقة أناشيد الصوفية، وأن لا يشغل الإنسان نفسه بها عن القرآن، وعن ذكر اللَّه ؛ لأن بعض من يستمع إلى هذه الأناشيد يُولَع بها، فيستمعها كل وقت: في الصباح، والمساء، وفي المناسبات، والسفر، وغير ذلك، وهذا لا يقصده شيخنا ﵀، بل لو سُئل عن هذا لكان الجواب غير ما ذكر]. ٧ - الشعر في الدعوة ومكارم الأخلاق س: سمعت كلاماً لا أدري أهو حديث أم ماذا «الغناء زاد

стр. 106

الراكب» بيِّنوا لنا، جزاكم اللَّه خيراً؟ الجواب: ليس بحديث بل هو كلام باطل، والغناء هو رقية الشيطان، وهو في الحقيقة من لهو الحديث الذي نهى اللَّه عنه، وحذّر منه، وذمّ أهله في قوله سبحانه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِين﴾ (١)، وهو مما يصدُّ عن سبيل اللَّه، ومما يشغل القلوب عن التلذّذ بقراءة كلام اللَّه وسماعه. أما الشعر باللغة العربية واللحون العربية، فلا بأس به إذا كان يشتمل على ما يرضي اللَّه، وينفع عباده، وهكذا كل شعر في الدعوة إلى اللَّه، وفي الترغيب إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، والترهيب من مساوئ الأخلاق، وسيئ الأعمال، باللحون العربية، والشعر العربي، لا بلحون الغناء، فهذا لا بأس به، كما قال النبي ﷺ : «إن من الشعر حكمة» (٢)، وقد سمع شعر كعب بن زهير، وشعر عبد اللَّه بن رواحة، وشعر كعب بن مالك، وحسان بن ثابت ﵃ (٣). ٨ - حكم التصفيق في الحفلات س: ما حكم التصفيق للرجال في المناسبات والاحتفالات؟

стр. 107

الجواب: التصفيق في الحفلات من أعمال الجاهلية، وأقلّ ما يقال فيه الكراهة، والأظهر في الدليل تحريمه؛ لأن المسلمين منهيون عن التشبه بالكفرة، وقد قال اللَّه سبحانه في وصف الكفار من أهل مكة: ﴿وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً﴾ (١). قال العلماء: المكاء: الصفير، والتصدية: التصفيق، والسنة للمؤمن إذا رأى، أو سمع ما يعجبه، أو ما ينكره، أن يقول: سبحان اللَّه، أو يقول: اللَّه أكبر، كما صحّ ذلك عن النبي ﷺ في أحاديث كثيرة، ويُشرع التصفيق للنساء خاصة إذا نابهن شيء في الصلاة، أو كن مع الرجال، فسها الإمام في الصلاة، فإنه يشرع لهن التنبيه بالتصفيق، أما الرجال فينبِّهونه بالتسبيح، كما صحّت بذلك السنة عن النبي ﷺ ، وبهذا يُعلم أن التصفيق من الرجال فيه تشبه بالكفرة، وبالنساء، وكلا ذلك منهي عنه، واللَّه ولي التوفيق (٢). ٩ - حكم شعر المحاورة والتصفيق للرجال، والتمايل يميناً وشمالاً س: لقد درجت وشاعت بعض العادات عند القبائل، بإحضار من يُسمَّون شعراء المحاورة، مثل أن يأتوا بشاعرين: كل واحد منهما من قبيلة، مقابل إعطائهم مبلغاً من المال في حفلات العرس ونحوها، ويقوم الشاعران بإحياء الليل كما يقولون، حيث يكون

стр. 108

هناك صفان متقابلان من الرجال، كل شاعر له صف يرددون ترديداً جماعياً ما يقول الشاعران، بأصوات عالية، مع التصفيق والرقص والتمايل، ويفتخر كل شاعر بحسبه ونسبه، ويطعن بالمقابل في الشاعر الآخر، فما الحكم في هذا كله؟ الجواب: أما الغناء في العرس من النساء بالدفوف، فهذا من إعلان النكاح، وهو مشروع، ضرب الدف في النكاح للنساء خاصة، ليس فيه اختلاط، بل الأغاني العادية ليس فيها منكر، هذا مشروع للنساء، وهو من إعلان النكاح، وكان يُفعل في عهد النبي ﷺ ، ويحضره أزواجه وغيرهم، أما الرجال، فلا بأس أن يتعاطوا الشعر العربي، ويجتمعوا عليه، ويسمعوه الذي ليس فيه محذور، ليس فيه غيبة، ولا سبّ، ولا شتم، ولا يُسبِّبُ الشحناء والعداوة، بدون طبل، وبدون منكر آخر، من عيب الناس عيب قبيلة فلان، وعيب قبيلة فلان، مما يُسبِّبُ الشحناء، هذا لا يجوز. أما إذا حضروا شعراً طيباً، كشعر حسان، والأشعار الطيبة، والقصائد الطيبة، التي فيها الخير، والدعوة إلى الخير، أو قام شاعر يدعوهم إلى الخير: إلى الجود، والكرم، والأعمال الطيبة، وقام شاعر آخر كذلك، يدعو إلى الخير، ومكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، لا بأس، كما قال ﷺ : «إن من الشعر حكمة» (١)، وقال

стр. 109

لحسان: «اهج الكفار، فوالذي نفسي بيده، إنه لأشدُّ عليهم من وقع النبل» (١)، وقال: «اللَّهم أيّده بروح القدس» (٢). كان حسان يهجوهم، وكانت أشعاره عظيمة طيبة، وهكذا عبد اللَّه بن رواحة، وكعب بن مالك، وهكذا مَنْ بعدهم من الشعراء الطيبين، ومن الشعر نونية ابن القيم، التي هي من أعظم الشعر، ومن أنفعه: قصيدة طيبة عظيمة نافعة، نونية القحطاني قصيدة طيبة نافعة في العقيدة، وهكذا الأشعار الطيبة التي فيها الدعوة إلى الخير، وإلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، هذا طيّب، في العرس، وغير العرس، أما أن يقوم شاعران أو أكثر يتفاخران، يذمُّ بعضهم بعضاُ، أو يسبُّ بعضهم بعضاً، هذا منكر، أو يسب هذا قبيلة هذا، وقبيلة هذا، هذا منكر، لكن إذا كان الشعر فيما ينفع الناس، في الدعوة إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، بر الوالدين، صلة الرحم، طاعة اللَّه ورسوله، طاعة ولاة الأمور في المعروف، الحذر من معاصي اللَّه، هذا كله طيب، له أثر في النفوس، ولا بأس أن تُعطَى المغنية في العرس أجرة على عملها، أو الشاعر الذي عنده أشعار طيبة، يُدعى ليقول الشعر الطيب الذي ينفع الناس، يُعطَى جائزة، لا بأس.

стр. 110

أما الذي يدعو إلى غيبة فلان، وغيبة فلان، وذمّ فلان، ومدح فلان، لإثارة الشحناء والعداوة والبغضاء بين الناس، فهذا منكر لا يجوز (١). ١٠ - نصيحة لمن يستمع إلى الأغاني من النساء س: إن النساء عندنا يستمعن إلى الأغاني، فنرجو من سماحة الشيخ النصيحة؟ الجواب: نصيحتي لجميع الرجال والنساء عدم استماع الأغاني، فالأغاني خطرها عظيم، وقد بُلي الناس بها في الإذاعات، والتلفاز، وفي أشياء كثيرة، كالأشرطة، وهذا من البلاء، فالواجب على أهل الإسلام: من الرجال، والنساء، أن يحذروا شرّها، وأن يعتاضوا عنها بسماع ما ينفعهم من كلام اللَّه ، ومن كلام رسوله ﵊، ومن كلام أهل العلم الموفقين في أحاديثهم الدينية، وندواتهم، ومقالاتهم، كل ذلك ينفعهم في الدنيا والآخرة. أما الأغاني، فشرّها عظيم، وربما سببت للمؤمن انحرافاً عن دينه، والمؤمنة كذلك، وربما أنبتت النفاق في القلب، ومن ذلك كراهة الخير، وحب الشر؛ لأن النفاق كراهة الخير، وحب الشر، وإظهار الإسلام، وإبطان سواه، فالنفاق خطره عظيم، فالأغاني تدعو
следующие страницы →