← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 96474

الفوز العظيم والخسران المبين في ضوء الكتاب والسنة

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (91 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

رسائل سعيد بن علي بن وهف القحطاني الفوز العظيم والخسران المبين في ضوء الكتاب والسُّنَّة تأليف الفقير إلى الله تعالى د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فهذه رسالة مختصرة في بيان الفوز العظيم والخسران المبين، وهي مقارنة بين نعيم الجنة الذي من حصل عليه فقد فاز فوزاً عظيماً، وعذاب النار الذي من عُذِّبَ به فقد خَسِرَ خسراناً مبيناً. ذكرت فيها بإيجاز خمسة وعشرين مبحثاً للترغيب في دار السلام ونعيمها، والطريق الموصل إليها، جعلنا الله من أهلها، والترهيب والتخويف والإنذار من دار البوار وعذابها والطرق الموصلة إليها نعوذ بالله منها. ولا شك أن الفوز الحقيقي: هو الفوز بالجنة والنجاة من النار، قال الله تعالى: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (١). وذلك أعظم المطالب؛ ولهذا قال ﷺ لِرَجُلٍ: ((ما تقول في الصلاة؟)) قال: أتشهَّدُ ثم أسال الله الجنة وأعوذ به من النار. أمَا والله ما أُحسِنُ دَنْدنَتَكَ ولا دندنة معاذ: فقال ﷺ : ((حَولَها نُدَنْدِنُ)) (٢).

стр. 3

والمعنى: حول سؤال الله الجنة والاستعاذة به من النار ندندن وندعو الله تعالى. ومما يدل على ما وصل إليه الصحابة من الكمال البشري والرغبة العظيمة، ورجاحة العقل ما فعله ربيعة بن كعب الأسلمي ﵁ قال: كنت أبيت مع رسول الله ﷺ فأتيته بوضوئه وحاجته. فقال لي: ((سَلْ)) فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة. قال: ((أو غير ذلك))؟ قلت: هو ذاك. قال: ((فأعني على نفسك بكثرة السجود)) (١). وكان النبي ﷺ يرغِّب أصحابه وأمته في الجنة، ويحذِّرهم ويُنذرهم من النار؛ ولهذا قال ﷺ : ((إذا وُضِعَتِ الجنازة فاحتملها الرجالُ على أعناقهم فإن كانت صالحةً قالت: قدموني، قدموني. وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها أين تذهبون بها؟ يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعها الإنسان لَصَعِقَ)) (٢) (٣). والله أسأل أن يجعله عملاً متقبلاً نافعاً لي ولمن انتهى إليه؛ فإنه خير مسؤول وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. المؤلف حرر في ضحى يوم الأربعاء ٧/ ٧/١٤١٦هـ

стр. 4

المبحث الأول: مفهوم الفوز العظيم والخسران المبين أولاً: مفهوم الفوز العظيم: الفوز: الظَّفَرُ بالخير مع حصول السلامة والنجاة من كل مكروه، أو هلاك (١). العظيم: يُقال عَظُمَ الشيءُ: أصله كَبُرَ عظْمُهُ، ثم استعير لكل كبير، فأُجرِيَ مجراه محسوساً كان أو معقولاً، عيناً كان أو معنىً، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ (٣)،والعظيمُ إذا استُعمل في الأعيان فأصله أن يُقال في الأجزاء المتصلة (٤)،والكثير يُقال في المنفصلة، ثم قد يُقال في المنفصل عظيم، نحو: جيش عظيم، ومال عظيم، وذلك في معنى الكثير (٥). قال الله تعالى عن الفوز العظيم الكبير: ﴿وَعَدَ الله الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ الله أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٦)، وقال سبحانه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي

стр. 5

تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (١). وقد بيّن الله تعالى في القرآن الكريم أن من أُدْخِلَ الجنة فقد حصل وحاز، وظَفُرَ بالفوز العظيم، ولِعِظَمِ ((الفوز العظيم)) ذكره الله في القرآن الكريم في ستة عشر موضعاً (٢)، ووصف هذا الفوز العظيم بالفوز الكبير في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾ (٣)، ووصفه تعالى بالفوز المبين في قوله : ﴿قُلْ إِنِّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾ (٤). وفي قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾ (٥). فالفوز العظيم الكبير المبين: هو النجاة من النار، ودخول الجنة، كما قال : ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُور﴾ (٦). وقال تعالى في كلام بعض أهل الجنة: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلا مَوْتَتَنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * لمِثْلِ هَذَا

стр. 6

فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ (١). وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَقَابِلِينَ * كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ * يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ * لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلا الْمَوْتَةَ الأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * فَضْلاً مِّن رَّبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٢)، وقال في الصادقين، ومنهم عيسى بن مريم ﷺ : ﴿قَالَ الله هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٣)، وغير ذلك من الآيات (٤). وقد بيّن طريق هذا الفوز العظيم، والعمل الذي يُوصل إليه، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ الله وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٦).

стр. 7

وقال تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ الله وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (١). ثانياً: الخسران المبين: خَسِرَ: خسْراً، وخَسَرَاً، وخُسْراً، وخُسُراً، وخُسْراناً، وخَسارَةً، وخَسَاراً: ضل فهو خاسرٌ وخسيرٌ، يقال: خَسِرَ التاجر: غُبِنَ في تجارته، ونقص ماله فيها، ويُقال: خسر فلانٌ: هلك وضل فهو خاسر، ويُستعمل ذلك في المقتنيات الخارجة: كالمال، والجاه: وهو الأكثر، وفي المقتنيات النفسية: كالصحة والسلامة، والعقل، والإيمان، والثواب: وهو الذي جعله الله تعالى الخسران المبين (٢)، فقال سبحانه: ﴿قُل إنَّ الخاسرينَ الذينَ خَسِروا أنفُسَهُم وأهليهِم يومَ القيامةِ ألا ذلكَ هُوَ الخُسرانُ المُبينُ﴾ (٣). وقال في الظالمين: ﴿وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِن وَلِيٍّ مِّن بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ * وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُّقِيمٍ﴾ (٤)، وقال في العمل الذي يوصل إلى هذا الخسران المبين: ﴿وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا

стр. 8

فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ الله وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ الله فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا﴾ (٣)، وقال : ﴿ومَن يَكفُرْ بالإيمَانِ فقدْ حبِطَ عمَلُهُ وهُوَ في الآخِرةِ منَ الخاسِرينَ﴾ (٤)، وقد بيَّن الله في مواضع كثيرة من كتابه العزيز (٥) أن جميع أنواع الخسارة في الدنيا والآخرة بسبب معصية الله ورسوله.

стр. 9

المبحث الثاني: التبشير بالجنة والإنذار من النار أولاً: الترغيب في الجنة: قال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَالله يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ الله فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ الله وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ (١). وقال سبحانه بعد أن ذكر شهوات الدنيا: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ الله وَالله بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ﴾ (٢). وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((يقول الله تعالى: أعددتُ لعباديَ الصالحين ما لا عينٌ رأتْ، ولا أُذنٌ سمعتْ، ولا خَطَر على قلب بشر، ذخراً بَلْهَ (٣) ما أطلعكم الله عليه، فاقرأوا إن شئتم: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ

стр. 10

مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ (١) (٢). وعن سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((موضع سوطٍ في الجنة خيرٌ من الدنيا وما فيها)) (٣). وعن أنس ﵁ يرفعه: ((غدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها، ولَقابُ (٤) قوسِ أحدكم أو موضع قدم من الجنة خير من الدنيا وما فيها، ولو أن امرأة من نساء أهل الجنة اطّلعت إلى أهل الأرض لأضاءت ما بينهما، ولملأت ما بينهما ريحاً، ولنصيفها على رأسها - يعني خمارها - خير من الدنيا وما فيها)) (٥). ثانياً: الإنذار من النار: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ الله مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (٦). والمعنى: اعملوا بطاعة الله، وانتهوا عما نهاكم عنه، ومروا أهليكم

стр. 11

بالخير، وانهوهم عن الشر، وعلِّموهم وأدِّبوهم، وساعدوهم على فعل الخير، وأعينوهم عليه، وأوصوهم بتقوى الله تعالى (١). وقال سبحانه: ﴿فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (٢). وقال : ﴿فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى * لا يَصْلاهَا إِلا الأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ (٣). وعن أبي هريرة ﵁ قال: لما أُنزلت هذه الآية: ﴿وأَنذِرْ عشِيرَتَكَ الأَقرَبينَ﴾ (٤) دعا رسول الله ﷺ قريشاً فاجتمعوا، فعمَّ وخصَّ فقال: ((يا بني كعب ابن لؤي: أنقذوا أنفسكم من النار ... )) [وذكر في الحديث أنه نادى قريشاً بطناً بطناً إلى أن قال]: (( ... يا فاطمة! أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لكم من الله شيئاً، غير أن لكم رَحِماً سأبُلُّها بِبِلالها (٥) ... )) (٦). وعن أنس، عن أبي طلحة ﵄ أن نبي الله ﷺ ، أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلاً من صناديد قريش، فقُذفوا في طويٍّ من أطواء بدر (٧) خَبيث مُخبثٍ، وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليالٍ،

стр. 12

فلما كان ببدرٍ اليوم الثالث أمر براحلته، فشُدَّ عليها رحلها، ثم مشى وتبعه أصحابه، وقالوا: ما نُرى ينطلق إلا لبعض حاجته حتى قام على شفةِ الركيّ، فجعل يناديهم بأسمائهم، وأسماء آبائهم: ((يا فلانُ ابن فلانٍ، ويا فُلانُ ابن فلانٍ، أيسرّكم أنكم أطعتم الله ورسوله؟ فإنَّا وجدنا ما وعدنا ربنا حقَّاً، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقّاً؟)) فقال عمر: يا رسول الله ما تُكلِّم من أجسادٍ لا أرواح لها؟ فقال ﷺ : ((والذي نفس محمدٍ بيده ما أنت بأسمعَ لِمَا أقولُ منهم)). قال قتادة: أحياهم الله حتى أسمعهم قوله، توبيخاً، وتصغيراً، ونقمةً، وحسرةً وندماً (١). وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((مَثَلي كمَثَل رجلٍ استوقد ناراً، فلما أضاءت ما حولها جعل الفراشُ وهذه الدوابُّ التي في النار يقعن فيها، وجعل يَحْجُزُهُنَّ ويَغْلِبْنَهُ فيَتَقَحَّمْنَ فيها (٢). قال: فذلكم مَثَلي ومَثَلُكُم أنا آخذٌ بحُجَزِكُم عن النار، هلمَّ عن النَّار، هلمَّ عن النار، فتَغْلِبُوني تقحَّمون فيها)) (٣).

стр. 13

المبحث الثالث: أسماء الجنة وأسماء النار أولاً: أسماء الجنة: ١ - الجنة ، وهو الاسم العام المتناول لتلك الدار، وما اشتملت عليه من أنواع النعيم، واللذَّة، والبهجة، والسرور، وقرّة العين، وأصل اشتقاق هذه اللفظة من الستر والتغطية، ومنه سُمِّيَ الجنين لاستتاره في البطن، ومنه سُمِّي البستان: جَنة؛ لأنه يستر داخله بالأشجار ويغطيه، ولا يستحق هذا الاسم إلا موضع كثير الأشجار مختلف الأنواع (١). والجنة: الحديقة ذات الشجر والنخل، وجمعها جنات، والجنة كل بستان يستر بأشجاره الأرض (٢)، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾ (٣)، والحديقة: جمع ((حدائق))، وهي الروضة ذات الشجر والنخيل، وهي البستان، وسُميت حديقة تشبيهاً بحدقة العين في الهيئة، وحصول الماء فيها (٤). قال الله تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا * حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا﴾ (٥)، وقد ذكر الله تعالى الجنة في القرآن الكريم بلفظ المفرد ((جنة)) ستاً وستين مرة، ولفظ الجمع

стр. 14

((جنات)) تسعاً وستين مرة (١). ٢ - دار السلام ، قال سبحانه: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلاَمِ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ (٢). ﴿وَالله يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ﴾ (٣). فهي دار سلامٍ من كل بليَّةٍ وآفة (٤). ٣ - دار الخلد ، وسُمْيت بذلك؛ لأن أهلها لا يظعنون عنها أبداً، قال الله تعالى: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ (٥)، أي غير مقطوع. وقال تعالى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾ (٦)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ﴾ (٧). ٤ - دار المقامة ، قال الله تعالى: ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ (٨). ٥ - جنة المأوى ، قال تعالى: ﴿عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأوَى﴾ (٩). ٦ - جنات عدن ، قال سبحانه: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ

стр. 15

بِالْغَيْبِ﴾ (١). ٧ - الفردوس ، قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٢). والفردوس: هو البستان الذي يجمع كل شيء يكون في البساتين (٣). ٨ - جنات النعيم ، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ (٥). ٩ - المقام الأمين ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾ (٦). والمقام: موضع الإقامة. والأمين: الآمن مِنْ كل سوءٍ، وآفةٍ، ومكروهٍ، وهو الذي قد جمع صفات الأمن كله (٧). ١٠ - مقعد صدق ، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ (٨)، سمَّى الله تعالى الجنة مقعد صدقٍ؛

стр. 16

لحصول كل ما يُراد من المقعد الحسن فيها، كما يُقال مودة صادقة، إذا كانت ثابتة تامة (١). ثانياً: أسماء النار: ١ - النار ، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٢)،وقد ذكر الله النار في القرآن الكريم بلفظ ((النار)) مائة وستاً وعشرين مرة، وبلفظ ((ناراً)) تسع عشرة مرة (٣)، كقوله تعالى: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَب﴾ (٤). ٢ - جهنم ، قال : ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا * لِلْطَّاغِينَ مَآبًا﴾ (٥). ٣ - الجحيم ، قال : ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَى﴾ (٦). ٤ - السعير ، قال ﵎: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ (٧). ٥ - سقر ، قال تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ (٨). ٦ - الحطمة ، قال تعالى: ﴿كَلا لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ﴾ (٩). ٧ - الهاوية ، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا

стр. 17

أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ (١). ٨ - دار البوار ، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ الله كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ (٢). قال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى: (( ... وأما دار البوار فهي جهنم)) (٣)، وأشار إلى ذلك الإمام البغوي رحمه الله تعالى (٤).

стр. 18

المبحث الرابع: مكان الجنة ومكان النار أولاً: مكان الجنة: قال الله تعالى: ﴿كَلا إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ﴾ (١). عليون: قال ابن عباس: الجنة، وقيل: علّيون في السماء السابعة تحت العرش (٢)، وقال ابن كثير رحمه الله تعالى: ((والظاهر أن عليين مأخوذ من العلو، وكلما علا الشيء وارتفع عظُم واتَّسع؛ ولهذا قال تعالى معظِّماً أمره، ومفخِّماً شأنه: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ﴾ (٣)، وقال : ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ (٤). قال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ ((وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ)) يعني المطر، ((وَمَا تُوعَدُونَ)) يعني الجنة (٥)، وقد ثبت في الحديث الصحيح أن الجنة تحت العرش فوق السماء السابعة، قال النبي ﷺ : (( ... فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس؛ فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تُفَجَّر أنهار الجنة)) (٦). ثانياً: مكان النار: قال الله تعالى: ﴿كَلا إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا

стр. 19

سِجِّينٌ * كِتَابٌ مَّرْقُومٌ﴾ (١). والمعنى أن مأواهم ومصيرهم لفي سجِّين، فعيل من السجن، وهو الضيق، كما يُقال: فتِّيق، وشرِّيب، وخمّير، وسكِّير، ونحو ذلك؛ ولهذا عظم أمره فقال تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ﴾ أي هو أمرٌ عظيم، وسجن مقيم، وعذاب أليم (٢)، وقد ذكر الإمام البغوي، والإمام ابن كثير، والإمام ابن رجب الحنبلي ﵏ آثاراً، تُبيِّن وتذكر أن سجِّين تحت الأرض السابعة: أي تحت سبع أرضين، كما أن الجنة فوق السماء السابعة (٣). وقال ابن كثير: والصحيح أن سجِّيناً مأخوذ من السجن، وهو الضيق؛ فإن المخلوقات كل ما تسافل منها ضاق، وكل ما تعالى منها اتَّسع؛ فإن الأفلاك السَّبعة كُلُّ واحدٍ منها أوسع، وأعلى من الذي دونه، وكذلك الأرضون كل واحدة أوسع من التي دونها، حتى ينتهي السفول المطلق، والمحل الأضيق إلى المركز في وسط الأرض السابعة (٤). ثم ذكر رحمه الله تعالى: ((أن مصير الفجار إلى جهنم، وهي أسفل سافلين كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ (٥). وقال هَهنا: ﴿كَلا إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ﴾، وهو يجمع الضيق والسفول، كما قال

стр. 20

تعالى: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ مَّرْقُومٌ﴾ ليس تفسيراً لقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ﴾، وإنما هو تفسير لما كتب لهم من المصير إلى سجين، أي مرقوم، مكتوب، مفروغ منه، لا يُزاد فيه أحد، ولا يُنقص منه أحد)) (٢). قال ابن رجب ﵀: ((وقد استدلَّ بعضهم لهذا (٣) بأن الله تعالى أخبر أن الكفار يُعرضون على النار غدواً وعشيَّاً - يعني في مدة البرزخ - وأخبر أنه لا تفتح لهم أبواب السماء، فدل على أن النار في الأرض ... وفي حديث البراء بن عازب ﵄ عن النبي ﷺ في صفة قبض الروح، قال في روح الكافر: ((حتى يُنتهى به إلى السماء الدنيا، فَيُسْتَفْتَحُ له، فلا يُفتَحُ له))، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ (٤)، فيقول الله : ((اكتبوا كتابه في سجِّين في الأرض السُّفلى)) ثم قال: (( ... فَتُطْرَحُ رُوحُه طرحاً ... )) الحديث (٥) بطوله (٦).

стр. 21

المبحث الخامس: وجود الجنة والنار الآن عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ في قصة الإسراء أنه قال: (( ... ثم انطلق بي جبريلُ حتى انتهى بي إلى سدرة المنتهى، فغشيها ألوان لا أدري ما هي، قال: ثم دخلت الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ (١)، وإذا ترابها المسك)) (٢). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لما خلق الله الجنة والنار أرسل جبرائيل إلى الجنة فقال: انظر إليها، وإلى ما أعددت لأهلها فيها، فجاء فنظر إليها، وإلى ما أعدّ الله لأهلها فيها ... ثم قال: اذهب إلى النار فانظر إليها، وإلى ما أعددت لأهلها فيها، فنظر إليها فإذا هي يركب بعضها بعضاً ... )) (٣) الحديث. وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((إن أحدكم إذا مات عُرِضَ عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يُقالُ هذا مقعدك حتى

стр. 22

يبعثك الله إليه يوم القيامة)) (١). وعن كعب بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إنما نَسَمَةُ المؤمن طائرٌ يَعْلُقُ في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه)) (٢). وعن عبد الله بن مسعود ﵁ عندما سُئل عن قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (٣) قال: أمَا إنَّا قد سألنا عن ذلك فقال: ((أرواحهم في جوف طيرٍ خُضْرٍ، لها قناديل معلقةٌ بالعرش تسرحُ من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ربُّهم اطلاعةً فقال: هل تشتهون شيئاً؟ قالوا: أيَّ شيءٍ نشتهي، ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا، فعل ذلك بهم ثلاث مرات. فلما رأوا أنهم لن يُتركوا من أن يُسألوا، قالوا: يا ربِّ نريدُ أن تردّ أرواحنا في أجسادنا حتى نُقتل في سبيلك مرة أخرى ... )) الحديث (٤).

стр. 23

المبحث السادس: السَّوْقُ إلى الجنة وإلى النار أولاً: سَوْقُ المؤمنين إلى الجنة: قال الله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ * وَقَالُوا الْحَمْدُ لله الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ (١). وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد كوكب دُرّيٍّ في السماء إضاءةً، لا يبولون، ولا يتغوطون، ولا يتفلون، ولا يمتخطون، أمشاطهم الذهب، ورشحهم المسك، ومجامرهم الألوّة الألنجوج عود الطيب، وأزواجهم الحور العين، على خَلْقِ رجُلٍ واحدٍ، على صورة أبيهم آدم ستون ذِراعاً في السماء)) (٢). ثانياً: سَوْقُ الكافرين إلى النار: قال الله : ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ * قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى

стр. 24

الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ (١). وقال سبحانه: ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ * تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ الله مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ * وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنبِهِمْ فَسُحْقًا لأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (٢). وقال سبحانه: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿وَمَن يَهْدِ الله فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا * ذَلِكَ جَزَآؤُهُم بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا وَقَالُواْ أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ (٤). وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ * يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ (٥).

стр. 25

وقال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ (١). وقال : ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ * إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِالله الْعَظِيمِ﴾ (٢).

стр. 26

المبحث السابع: أبواب الجنة وأبواب النار أولاً: أبواب الجنة ثمانية: عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: إن النبي ﷺ قال: ((ما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، إلا فُتِحَتْ له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء)) (١). وعن عتبة بن غزوان ﵁ في حديثه في الدنيا والجنة والنار قال: ((ولقد ذُكِرَ لنا أن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة مسيرة أربعين سنة، وليأتينَّ عليها يومٌ وهي كظيظٌ من الزحام)) (٢). وعن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((في الجنة ثمانية أبواب، فيها بابٌ يُسمَّى الريَّان، لا يدخله إلا الصائمون)) (٣). وقد يدخل المسلم من تلك الأبواب كلِّها، فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((من أنفق زوجين في سبيل الله نُودي من أبواب الجنة: يا عبد الله هذا خيرٌ، فمن كان من أهل الصلاة دُعِيَ من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دُعيَ من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دُعيَ من باب الريان، ومن كان من أهل الصدقة دُعيَ من باب الصدقة)).

стр. 27

فقال أبو بكر ﵁: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ما على من دُعيَ من تلك الأبواب من ضرورة، فهل يُدعى أَحَدٌ من تلك الأبواب كلِّها؟ قال: ((نعم، وأرجو أن تكون منهم)) (١). ثانياً: أبواب النار: قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ * لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِّكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ﴾ (٢). وتفتح أبواب جهنم لأهلها عند وصولهم إليها، قال الله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ (٣). وهي مغلقة على أهلها، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ﴾ (٥). يقال: أوْصدْت الباب وآصدتُهُ: أي أطبقته، وأحكمته (٦)، فأبواب النار على أهلها مطبقة مغلقة، لا يدخل فيها سرور، ولا يخرج منها غم (٧).

стр. 28

وأبواب النار تغلق في رمضان، فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((إذا كان أوّلُ ليلةٍ من شهر رمضان صُفِّدت الشياطين، ومَرَدَةُ الجنّ، وغُلِّقت أبوابُ النار، فلم يُفتح منها بابٌ، وفُتِّحت أبواب الجنة، فلم يُغْلَقْ منها بابٌ، وينادي منادٍ: يا باغي الخير أقْبِلْ، ويا باغي الشر أقصِرْ، ولله عتقاء من النار، وذلك كل ليلة)) (١).

стр. 29

المبحث الثامن: حجاب الجنة وحجاب النار عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: ((لَمَّا خلق الله الجنة والنار، أرسل جبرائيل إلى الجنة فقال: انظر إليها، وإلى ما أعددتُ لأهلها فيها، قال: فجاءها فنظر إليها، وإلى ما أعد الله لأهلها فيها، قال: فرجع إليه، قال: وعِزَّتِكَ لا يسمع بها أحدٌ إلا دخلها، فأمر بها فَحُفَّتْ بالمكاره، فقال: ارجعْ إليها، فانظرْ إليها، وإلى ما أعددتُ لأهلها فيها، قال: فرجع إليها، فإذا هي قد حُفَّت بالمكاره، فرجع إليه، فقال: وعِزَّتِكَ لقد خفتُ أن لا يدخلَها أحد، قال: اذهب إلى النار فانظر إليها، وإلى ما أعددت لأهلها فيها، فنظر إليها فإذا هي يركب بعضها بعضاً، فرجع إليه فقال: وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها، فأمر بها فحفت بالشهوات، فقال: ارجع فانظر إليها، [فرجع إليها] فنظر إليها فإذا هي قد حُفَّت بالشهوات، فرجع وقال: وعِزَّتِكَ لقد خشيتُ أن لا ينجوَ منها أحدٌ إلا دخلها)) (١). وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((حُجبت النار بالشهوات، وحجبت الجنة بالمكارِه)) (٢). والمراد بالشهوات هنا ما أُمر المكلف بمجاهدة نفسه فيه فعلاً وتركاً،

стр. 30

كالإتيان بالعبادات على وجهها، والمحافظة عليها، واجتناب المنهيات، قولاً وفعلاً (١). وهذا الحديث من بديع الكلام، وفصيحه، وجوامعه التي أوتيها رسول الله ﷺ من التمثيل الحسن، ومعناه لا يوصل إلى الجنة إلا بارتكاب المكاره، والنار بارتكاب الشهوات، وكذلك هما محجوبتان بهما، فمن هتك الحجاب وصل إلى المحجوب، فهَتْكُ حجاب الجنة بارتكاب المكاره، وهَتْكُ حجاب النار بارتكاب الشهوات، فأما المكاره فيدخل فيها: الاجتهاد في العبادات، والمواظبة عليها، والصبر على مشاقّها، وكظم الغيظ، والعفو، والحلم، والصدقة، والإحسان إلى المسيء، والصبر عن الشهوات، ونحو ذلك. وأما الشهوات التي حُفَّت وحُجبت بها النار، فالظاهر أنها الشهوات المحرمة كالخمر، والزنا، والنظر إلى الأجنبية، والغيبة، والنميمة، واستعمال الملاهي، ونحو ذلك. أما الشهوات المباحة فلا تدخل في هذه، لكن لا يكثر منها مخافة أن يجره ذلك إلى المحرَّمة، أو يقسِّي القلب، أو يشغل عن الطاعة، أو يُحْوِجُ إلى الاعتناء بتحصيل الدنيا (٢).

стр. 31

المبحث التاسع: أول من يدخل الجنة وأول من يدخل النار أولاً: أول داخل إلى الجنة: ١ - أول من يدخل الجنة: محمد ﷺ -. عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((آتي باب الجنة يوم القيامة، فأستفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول محمد، فيقول: بك أُمِرتُ لا أفتحُ لأحدٍ قبلك)) (١). وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أنا أكثر الأنبياء تَبَعاً يومَ القيامة، وأنا أول من يقرع باب الجنة)) (٢). ٢ - أمة محمد ﷺ -. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((نحن الآخِرون الأوَّلون يوم القيامة، ونحن أول من يدخل الجنة، بَيْدَ أنهم أُوتوا الكتاب من قَبْلِنا، وأُوتيناه من بعدهم، فاختلفوا، فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق، فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه، هدانا الله له (قال: يوم الجمعة)، فاليوم لنا، وغداً لليهود، وبعد غد للنصارى)) (٣). ٣ - الفقراء: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((يدخل الفقراء الجنة قبل

стр. 32

الأغنياء بخمسمائة عام، نصف يوم)) (١). وفي لفظ: ((يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم، وهو خمسمائة عام)) (٢). وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((يدخل فقراء المسلمين قبل أغنيائهم بأربعين خريفاً)) (٣). وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة إلى الجنة بأربعين خريفاً)) (٤). والجمع بين الحديثين، والله أعلم: أن الفقراء منهم من يسبق الأغنياء بخمسمائة عام، ومنهم من يسبق بأربعين عام، بحسب أحوال الفقراء والأغنياء، كما يتأخر مكث العصاة الموحِّدين بحسب أحوالهم. ولا يلزم من سبق الفقراء في الدخول ارتفاعُ منازلهم عليهم؛ بل قد يكون المتأخر أعلى منزلةً، وإن سبقه غيره في الدخول، فالغني إذا حوسب على غناه فوُجِدَ قد شكر الله تعالى فيه، وتقرّب إليه بأنواع البر، والخير، والصدقة،

стр. 33

والمعروف كان أعلى درجة من الفقير الذي سبقه في الدخول، ولم يكن له تلك الأعمال، ولا سيما إذا شاركه الغني في أعماله، وزاده عليه فيها، والله لا يُضيع أجر من أحسن عملاً. فالمزيَّة مزيتان: السبق، والرفعة، وقد يجتمعان وينفردان، فيحصل لواحد السبق والرفعة، ويعدمهما آخر، ويحصل لآخر السبق دون الرفعة، ولآخر الرفعة دون السبق، وهذا بحسب المقتضى للأمرين، أو لأحدهما، وعدمه، وبالله التوفيق (١). ثانياً: أول من يُقضى عليه يوم القيامة ثلاثة: عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن أول من يُقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد، فأُتي به، فعرَّفه نِعَمَهُ فعرَفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدتُ، قال: كذبت، ولكنك قاتلت، لأن يقال جريءٌ، فقد قيل، ثم أُمر به فسُحِبَ على وجهه حتى أُلقي في النار. ورجلٌ تعلَّم العلم وعلَّمه، وقرأ القرآن، فأُتي به فعرَّفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلَّمتُ العلم، وعلمتُهُ، وقرأتُ فيك القرآن، قال: كذبتَ، ولكنك تعلمتَ العلم ليُقالَ: عالم، وقرأت القرآن ليُقالَ: هو قارئٌ، فقد قيل، ثم أُمر به فسُحب على وجهه حتى أُلقي في النار، ورجل وسَّعَ الله عليه، وأعطاه من أصناف المال كلِّه، فأُتي به فعرَّفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركتُ من سبيل تحبُّ أن يُنفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت، ولكنك فعلت ليُقال هو جوادٌ، فقد قيل،

стр. 34

ثم أُمر به فسُحب على وجهه ثم أُلقي في النار)) (١). فقوله ﷺ في الغازي، والعالم، والجواد، وعقابهم على فعلهم ذلك لغير الله، وإدخالهم النار، دليل على تغليظ تحريم الرياء، وشدة عقوبته، وعلى الحث على وجوب الإخلاص في الأعمال، وفيه أن العمومات الواردة في فضل الجهاد إنما هي لمن أراد الله تعالى بذلك مخلصاً، وكذلك الثناء على العلماء، وعلى المنفقين في وجوه الخيرات، كله محمولٌ على من فعل ذلك لله تعالى مخلصاً (٢). والله أسأل لي ولجميع المسلمين الإخلاص في القول والعمل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

стр. 35

المبحث العاشر: تحية أهل الجنة وتحية أهل النار أولاً: تحية أهل الجنة: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللهمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ الله وَلاَ يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ*وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ الله بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ* وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ*جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ*سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ (٢)، فينبغي للمؤمن أن يرغب في هذا الخير العظيم ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ (٣). ثانياً: تحية أهل النار: قال الله تعالى في تحية أهل النار: ﴿قَالَ ادْخُلُواْ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّن الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُِولاَهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِن لاَّ تَعْلَمُونَ﴾ (٤). وقال

стр. 36

تعالى: ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ * هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ * وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ * هَذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ لا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ * قَالُوا بَلْ أَنتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ (١). وقال تعالى في أهل النار: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُم مِّن دُونِ الله أَوْثَانًا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ﴾ (٢).

стр. 37

المبحث الحادي عشر: أكثر أهل الجنة وأكثر أهل النار أولاً: أكثر أهل الجنة: ١ - أمة محمد ﷺ -: عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ قال: ((يقول الله تعالى: ياآدم! فيقول: لبيك وسَعْدَيكَ والخيرُ في يديكَ، فيقول: أخرج بعث النار، قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعةً وتسعين، فعنده يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سُكارى وما هم بِسُكارى، ولكن عذاب الله شديد))، فاشتد ذلك عليهم، قالوا: يا رسول الله! وأيّنا ذلك الواحد؟ قال: ((أبشروا فإن منكم رجلاً، ومن يأجوج ومأجوج ألف)). ثم قال: ((والذي نفسي بيده إني لأرجو أن تكونوا رُبُعَ أهل الجنة)). فكبرنا فقال: ((أرجو أن تكونوا ثُلُثَ أهل الجنة))،فكبرنا، فقال: ((أرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة))، فكبرنا، فقال: ((ما أنتم في الناس إلا كالشعرة السوداء في جلدِ ثورٍ أبيض، أو كشعرة بيضاء في جلدِ ثور أسودَ)) (١). ٢ - الفقراء: عن عمران بن حصين ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((اطَّلعت في الجنة فرأيتُ أكثر أهلها الفقراء، واطَّلعت في النار فرأيتُ أكثر أهلها النساء)) (٢).

стр. 38

٣ - النساء: النساء أكثر أهل الجنة بإضافة الحور العين إلى نساء الدنيا في الجنة، أما نساء الدنيا فهن أقل أهل الجنة، وأكثر أهل النار (١). ففي صحيح مسلم أن ابن عُلية قال: أخبرنا أيوب عن محمد قال: إما تفاخروا وإما تذاكروا: الرجالُ في الجنة أكثر أم النساء؟ فقال أبو هريرة ﵁: أو لم يقل أبو القاسم ﷺ : ((إن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والذين يلونهم على أشدّ كوكب دُريٍّ في السماء إضاءة، لكل امرئٍ منهم زوجتان اثنتان، يُرى مُخُّ سوقهما من وراء اللحم، وما في الجنة أعزب)) (٢). ثانياً: أكثر أهل النار: ١ - يأجوج ومأجوج: لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن الله ينادي آدم أن يخرج بعث النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، ثم بيَّن النبي ﷺ أن من أمته واحد، ومن يأجوج ومأجوج ألف (٣). ٢ - النساء: أكثر أهل النار النساء؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ أنه قال: ((يا معشر النساء تصدقن وأكثرن الاستغفار، فإني رأيتكن

стр. 39

أكثر أهل النار، فقالت امرأة منهن جزلة: وما لنا يا رسول الله أكثر أهل النار؟ قال: تُكْثِرْنَ اللَّعنَ، وتَكْفُرْنَ العشير)) (١). وعن عمران بن حصين ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((اطّلعتُ في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطّلعتُ في النار فرأيت أكثر أهلها النساء)) (٢).

стр. 40

المبحث الثاني عشر: درجات الجنة ودركات النار أولاً: درجات الجنة: قال الله تعالى: ﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ الله الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ الله الْحُسْنَى وَفَضَّلَ الله الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا * دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ الله غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (١). وقال : ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ الله كَمَن بَاءَ بِسَخْطٍ مِّنَ الله وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ الله والله بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ (٢). وقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (٣). وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر (٤) من الأفق من المشرق أو من المغرب لِتَفَاضُلِ ما بينهم)). قالوا: يا رسول
следующие страницы →