← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 96478

الهدي النبوي في تربية الأولاد في ضوء الكتاب والسنة

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (292 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه، وعلى آله، وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار (١). فهذه رسالة في ((الهدي النبوي في تربية الأولاد في ضوء الكتاب والسنة)) كتبت أصلها في النصف الثاني من سنة ١٤٠٢هـ ثم في عام ١٤٣١هـ، نظرت فيها، وتأملت وحررتها تحريراً، وزدت عليها زيادات نافعة إن شاءالله تعالى، وقد قسمت البحث إلى أربعة وعشرين مبحثاً على النحو الآتي: المبحث الأول: أهمية تربية الأولاد في الإسلام.

стр. 2

المبحث الثاني: أهمية اختيار الزوجة الصالحة في تربية الأولاد. المبحث الثالث: العقيقة واختيار الاسم الحسن حق للأولاد على الآباء. المبحث الرابع: أهمية الإنفاق على الأسرة من الحلال. المبحث الخامس: مداعبة الأولاد. المبحث السادس: الرعاية الصحية. المبحث السابع: الرضاعة. المبحث الثامن: الحضانة. المبحث التاسع: النفقة على الأولاد. المبحث العاشر: تعليمهم التعليم الشرعي. المبحث الحادي عشر: تعليمهم حرفة شريفة يكتسبون منها. المبحث الثاني عشر: الرعاية العقلية. المبحث الثالث عشر: تعويدهم على الأخلاق الفاضلة. المبحث الرابع عشر: تأديبهم بالأدب النبوي. المبحث الخامس عشر: العدل بين الأولاد. المبحث السادس عشر: الحلم والرفق بهم. المبحث السابع عشر: الرحمة بالأولاد. المبحث الثامن عشر: التلطف بالأولاد والتبسط معهم وإدخال السرور عليهم. المبحث التاسع عشر: مصاحبتهم بعد البلوغ. المبحث العشرون: تعليمهم اختيار الجليس الصالح والصاحب الصالح. المبحث الحادي والعشرون: فوائد وثمرات التربية الحسنة.

стр. 3

المبحث الثاني والعشرون: مضار التربية السيئة. المبحث الثالث والعشرون: الهدي النبوي في تربية الشباب. المبحث الرابع والعشرون: التربية والتأديب بالقوة عند الحاجة. والله أسأل أن يجعله نافعاً، مباركاً، خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفعني به في حياتي وبعد مماتي، وأن ينفع به كل من انتهى إليه؛ فإنه خير مسؤول، وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين. أبو عبد الرحمن سعيد بن علي بن وهف القحطاني كُتبَ أصله في النصف الثاني من عام ١٤٠٢هـ وحرِّر في ضحى يوم الأحد الموافق ١/ ٧/١٤٣١هـ

стр. 4

المبحث الأول: أهمية تربية الأولاد في الإسلام أولاً: حرص الأنبياء والمرسلين على تربية أهليهم وأولادهم: ١ - نوح عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام: ١ - قال اللَّه في قصته مع ابنه: (يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ * قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ) (١). قال العلامة السعدي ﵀: (وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ) لما ركب، ليركب معه (وَكَانَ) ابنه (فِي مَعْزِلٍ) عنهم، حين ركبوا، أي: مبتعداً وأراد منه، أن يقرب ليركب، فقال له: (يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ) فيصيبك ما يصيبهم. فـ (قَالَ) ابنه، مُكذِّباً لأبيه أنه لا ينجو إلا من ركب معه السفينة: (سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ) أي: سأرتقي جبلاً أمتنع به من الماء، فـ (قَالَ) نوح: (لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلا مَنْ رَحِمَ)، فلا يعصم أحداً، جبل ولا غيره، ولو تسبب بغاية ما يمكنه من الأسباب، لما نجا إن لم ينجه الله: (وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ) الابن (مِنَ الْمُغْرَقِينَ) (٢).

стр. 5

٢ - (وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (١). قوله : (وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ) أي: وقد قلت لي: فـ (احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ) ولن تخلف ما وعدتني به؛ لعله ﵊، حملته الشفقة، وأن الله وعده بنجاة أهله، ظن أن الوعد لعمومهم، من آمن، ومن لم يؤمن، فلذلك دعا ربه بذلك الدعاء، ومع هذا، ففوّض الأمر لحكمة الله البالغة، فـ (قَالَ) الله له: (إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ) الذين وعدتك بإنجائهم (إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ) أي: هذا الدعاء الذي دعوت به، لنجاة كافر، لا يؤمن بالله ولا رسوله. (فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) أي: ما لا تعلم عاقبته، ومآله، وهل يكون خيراً، أو غير خير. (إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) أي: أني أعظك وعظاً تكون به من الكاملين، وتنجو به من صفات الجاهلين.

стр. 6

فحينئذ ندم نوح ﵇، ندامة شديدة، على ما صدر منه، و (قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ). فبالمغفرة والرحمة ينجو العبد من أن يكون من الخاسرين، ودلّ هذا على أن نوحاً ﵇، لم يكن عنده علم، بأن سؤاله لربه، في نجاة ابنه محرم، داخل في قوله: (وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ) بل تعارض عنده الأمران، وظنّ دخوله في قوله: (وَأَهْلَكَ). وبعد ذلك تبين له أنه داخل في المنهي عن الدعاء لهم، والمراجعة فيهم)) (١). ٢ - إبراهيم عليه وعلى نبيّنا أفضل الصلاة والسلام: ١ - (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) (٢). ((يخبر تعالى، عن عبده وخليله، إبراهيم ﵇، المتفق على إمامته وجلالته، الذي كل من طوائف أهل الكتاب تدّعيه، بل وكذلك المشركون: أن الله ابتلاه وامتحنه بكلمات، أي: بأوامر ونواهي، كما هي عادة اللَّه في ابتلائه لعباده، ليتبين الكاذب الذي لا يثبت عند الابتلاء والامتحان من الصادق، الذي ترتفع درجته،

стр. 7

ويزيد قدره، ويزكو عمله، ويخلص ذهبه، وكان من أجلِّهم في هذا المقام، الخليل ﵇. فأتمّ ما ابتلاه اللَّه به، وأكمله ووفَّاه، فشكر اللَّه له ذلك، ولم يزل اللَّه شكوراً، فقال: (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا) أي: يقتدون بك في الهدى، ويمشون خلفك إلى سعادتهم الأبدية، ويحصل لك الثناء الدائم، والأجر الجزيل، والتعظيم من كل أحد. وهذه - لعمر اللَّه - أفضل درجة، تنافس فيها المتنافسون، وأعلى مقام، شمّر إليه العاملون، وأكمل حالة حصّلها أولو العزم من المرسلين وأتباعهم، من كلِّ صدّيق متَّبِعٍ لهم، داعٍ إلى اللَّه وإلى سبيله. فلما اغتبط إبراهيم بهذا المقام، وأدرك هذا، طلب ذلك لذرّيته (قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي)؛ لتعلو درجته ودرجة ذريّته، وهذا أيضاً من إمامته، ونصحه لعباد اللَّه، ومحبّته أن يكثر فيهم المرشدون، فلله عظمة هذه الهمم العالية، والمقامات السامية. فأجابه الرحيم اللطيف، وأخبر بالمانع من نيل هذا المقام، فقال: (لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) أي: لا ينال الإمامة في الدين، من ظلم نفسه وضرّها، وحطّ قدرها، لمنافاة الظلم لهذا المقام، فإنه مقام آلته الصبر واليقين، ونتيجته أن يكون صاحبه على جانب عظيم من الإيمان، والأعمال الصالحة، والأخلاق الجميلة، والشمائل السديدة، والمحبّة التامّة، والخشية والإنابة، فأين الظلم وهذا المقام؟

стр. 8

ودلّ مفهوم الآية، أن غير الظالم، سينال الإمامة، ولكن مع إتيانه بأسبابها)) (١). ٢ - (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (٢). أي: واذكر إبراهيم وإسماعيل، في حالة رفعهما القواعد من البيت الأساس، واستمرارهما على هذا العمل العظيم، وكيف كانت حالهما من الخوف والرجاء، حتى إنهما مع هذا العمل دعَوَا اللَّه أن يتقبّل منهما عملهما، حتى يحصل فيه النفع العميم. ودعَوَا لأنفسهما، وذريتهما بالإسلام، الذي حقيقته، خضوع القلب، وانقياده لربه، المتضمِّن لانقياد الجوارح. (وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا) أي: علّمناها على وجه الإراءة والمشاهدة، ليكون أبلغ. يحتمل أن يكون المراد بالمناسك: أعمال الحج كلّها، كما يدلّ عليه السياق والمقام، ويحتمل أن يكون المراد ما هو أعمُّ من ذلك، وهو الدّين كلّه، والعبادات كلّها، كما يدلّ عليه عموم اللفظ، لأن النسك: التعبد، ولكن غلب على متعبّدات الحج، تغليباً عرفياً، فيكون

стр. 9

حاصل دعائهما، يرجع إلى التوفيق للعلم النافع، والعمل الصالح، ولمّا كان العبد - مهما كان - لا بد أن يعتريه التقصير، ويحتاج إلى التوبة قالا: (وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (١). ٣ - (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ* وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (٢). (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ) امتثالاً لربه: (أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) إخلاصاً وتوحيداً، ومحبة، وإنابة فكان التوحيد للَّه نعته. ثم ورثه في ذريته، ووصّاهم به، وجعلها كلمة باقية في عقبه، وتوارثت فيهم، حتى وصلت ليعقوب، فوصّى بها بنيه. فأنتم - يا بني يعقوب - قد وصّاكم أبوكم بالخصوص، فيجب عليكم كمال الانقياد، واتباع خاتم الأنبياء قال: (يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ) أي: اختاره وتخيره لكم، رحمة بكم، وإحساناً إليكم، فقوموا به، واتصفوا بشرائعه، وانصبغوا بأخلاقه، حتى تستمروا على ذلك، فلا يأتيكم الموت إلا وأنتم عليه، لأن من عاش على شيء، مات عليه، ومن مات على شيء، بعث عليه)) (٣).

стр. 10

٤ - (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (١). ((أي: (وَ) اذكر إبراهيم ﵊ في هذه الحالة الجميلة، إذ قَال: (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ) أي: الحرم) آمِنًا (فاستجاب الله دعاءه شرعاً وقدراً، فحرّمه الله في الشرع، ويسّر من أسباب حرمته قدراً ما هو معلوم، حتى إنه لم يُرده ظالم بسوء إلاّ قصمه اللَّه، كما فعل بأصحاب الفيل وغيرهم. ولما دعا له بالأمن دعا له ولبنيه بالأمن، فقال: (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأصْنَامَ) أي: اجعلني وإياهم جانباً بعيداً عن عبادتها، والإلمام بها، ثم ذكر الموجب لخوفه عليه وعلى بنيه بكثرة من افتتن، وابتلي بعبادتها فقال: (رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ) أي: ضلوا بسببها، (فَمَنْ تَبِعَنِي) على ما جئت به من التوحيد والإخلاص للَّه ربّ العالمين (فَإِنَّهُ مِنِّي) لتمام الموافقة، ومن أحبّ قوماً وتبعهم التحق بهم. (وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) وهذا من شفقة الخليل ﵊؛ حيث دعا للعاصين بالمغفرة والرحمة من اللَّه،

стр. 11

واللَّه ﵎ أرحم منه بعباده، لا يعذب إلا من تمرّد عليه)) (١). ٥ - (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ * رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ) (٢). وذلك أنه أتى بـ (هاجر) أم إسماعيل، وبابنها إسماعيل ﵊، وهو في الرضاع، من الشام حتى وضعهما في مكة، وهي -إذ ذاك- ليس فيها سكن، ولا داعٍ، ولا مجيب، فلما وضعهما دعا ربه بهذا الدعاء، فقال - متضرعاً متوكلاً على ربه: (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي) أي: لا كل ذريتي؛ لأن إسحاق في الشام، وباقي بنيه كذلك، وإنما أسكن في مكة إسماعيل وذريته، وقوله: (بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ) أي: لأن أرض مكة لا تصلح للزراعة، (رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ) أي: اجعلهم موحدين مقيمين الصلاة؛ لأن إقامة الصلاة من أخصّ وأفضل العبادات الدينية، فمن أقامها كان مقيما لدينه، (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ) أي: تحبّهم وتحب الموضع الذي هم ساكنون فيه، فأجاب اللَّه دعاءه، فأخرج

стр. 12

من ذرية إسماعيل محمداً ﷺ ، حتى دعا ذريته إلى الدين الإسلامي، وإلى ملة أبيهم إبراهيم، فاستجابوا له، وصاروا مقيمي الصلاة. وافترض اللَّه حجّ هذا البيت الذي أسكن به ذرية إبراهيم، وجعل فيه سراً عجيباً جاذباً للقلوب، فهي تحجّه، ولا تقضي منه وطراً على الدوام، بل كلما أكثر العبد التردد إليه، ازداد شوقه، وعظم ولعه، وتوقه، وهذا سرّ إضافته تعالى إلى نفسه المقدسة. (وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) فأجاب اللَّه دعاءه، فصار يجبى إليه ثمرات كل شيء، فإنك ترى مكة المشرّفة كل وقت والثمار فيها متوفرة، والأرزاق تتوالى إليها من كل جانب. (رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ) أي: أنت أعلم بنا منّا، فنسألك من تدبيرك، وتربيتك لنا، أن تيسّر لنا من الأمور التي نعلمها، والتي لا نعلمها، ما هو مقتضى علمك ورحمتك، (وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الأرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ)، ومن ذلك هذا الدعاء الذي لم يقصد به الخليل إلا الخير، وكثرة الشكر للَّه ربّ العالمين. فهبتهم من أكبر النعم، وكونهم على الكبر في حال الإياس من الأولاد نعمة أخرى، وكونهم أنبياء صالحين أجلّ وأفضل، (إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ) أي: لقريب الإجابة ممّن دعاه، وقد دعوته فلم يخيب رجائي)) (١).

стр. 13

٦ - (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ * رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ) (١). ثم دعا لنفسه ولذريته، فقال: (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ * رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ) فاستجاب الله له في ذلك كله إلا أن دعاءه لأبيه إنما كان عن موعدة وعده إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه ٧ - (رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ * فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ) (٢). (رَبِّ هَبْ لِي) ولداً يكون (مِنَ الصَّالِحِينَ)، وذلك عند ما أيس من قومه، ولم يرَ فيهم خيراً، دعا اللَّه أن يهب له غلاماً صالحاً، ينفع الله به في حياته، وبعد مماته، فاستجاب الله له، وقال: (فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ)، وهذا إسماعيل ﵇ بلا شك، فإنه ذكر بعده البشارة بإسحاق؛ ولأن الله تعالى قال في بشراه بإسحاق (فَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ) فدلّ على أن إسحاق غير الذبيح، ووصف الله إسماعيل ﵇ بالحلم، وهو يتضمّن الصبر، وحسن الخلق، وسعة الصدر والعفو عمن جنى)) (٣). ٣ - إسماعيل بن إبراهيم عليهما وعلى نبيّنا أفضل الصلاة والسلام: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ

стр. 14

رَسُولًا نَبِيًّا * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا) (١). ((أي: واذكر في القرآن الكريم، هذا النبي العظيم، الذي خرج منه الشعب العربي، أفضل الشعوب، وأجلّها، الذي منهم سيّد ولد آدم. (إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ) أي: لا يعد وعداً إلا وفى به. وهذا شامل للوعد الذي يعقده مع اللَّه، أو مع العباد؛ ولهذا لمّا وعد من نفسه الصبر على ذبح أبيه له، وقال: (سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ)، وفى بذلك، ومكّن أباه من الذبح، الذي هو أكبر مصيبة تصيب الإنسان، ثم وصفه بالرسالة والنبوة، التي هي أكبر منن اللَّه على عبده، وأهلها من الطبقة العليا من الخلق. (وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ) أي: كان مقيماً لأمر اللَّه على أهله، فيأمرهم بالصلاة المتضمنة للإخلاص للمعبود، وبالزكاة المتضمّنة للإحسان إلى العبيد، فكمل نفسه، وكمل غيره، وخصوصاً أخصّ الناس عنده، وهم أهله؛ لأنهم أحقّ بدعوته من غيرهم. (وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا)، وذلك بسبب امتثاله لمراضي ربه، واجتهاده فيما يرضيه، ارتضاه اللَّه وجعله من خواصّ عباده، وأوليائه المقربين، فرضي اللَّه عنه، ورضي هو عن ربه)) (٢). ٤ - يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام: (أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ

стр. 15

إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (١). ((ولمّا كان اليهود يزعمون أنهم على ملّة إبراهيم، ومن بعده يعقوب، قال تعالى منكراً عليهم: (أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ) أي: حضوراً (إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ) أي: مقدماته وأسبابه، فقال لبنيه على وجه الاختبار، ولتقرّ عينه في حياته بامتثالهم ما وصاهم به: (مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي)؟ فأجابوه بما قرّت به عينه، فقالوا: (نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا)، فلا نشرك به شيئاً، ولا نعدل به أحداً، (وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) فجمعوا بين التوحيد والعمل. ومن المعلوم أنهم لم يحضروا يعقوب؛ لأنهم لم يوجدوا بعد، فإذا لم يحضروا، فقد أخبر اللَّه عنه أنه وصّى بنيه بالحنيفية، لا باليهودية)) (٢). ٥ - زكريا عليه وعلى نبيّنا أفضل الصلاة والسلام: (هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ) (٣). ((أي: دعا زكريا ﵇ ربه أن يرزقه ذرية طيبة، أي: طاهرة الأخلاق، طيبة الآداب، لتكمل النعمة الدينية والدنيوية بهم.

стр. 16

فاستجاب له دعاءه)) (١). (وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) (٢). ((أي: واذكر عبدنا ورسولنا زكريا، منوهاً بذكره، ناشراً لمناقبه وفضائله، التي من جملتها، هذه المنقبة العظيمة المتضمّنة لنصحه للخلق، ورحمة الله إياه، وأنه (نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا) أي: (قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا * وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا) (٣) من هذه الآيات علمنا أن قوله: (رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا) أنه لما تقارب أجله، خاف أن لا يقوم أحد بعده مقامه في الدعوة إلى اللَّه، والنصح لعباد اللَّه، وأن يكون في وقته فرداً، ولا يخلف من يشفعه ويعينه، على ما قام به، (وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ) أي: خير الباقين، وخير من خلفني بخير، وأنت أرحم بعبادك مني، ولكني أريد ما يطمئنّ به قلبي، وتسكن له نفسي، ويجري في موازيني ثوابه. (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى) النبي الكريم، الذي

стр. 17

لم يجعل اللَّه له من قبل سمياً. (وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ) بعدما كانت عاقراً، لا يصلح رحمها للولادة، فأصلح اللَّه رحمها للحمل، لأجل نبيه زكريا، وهذا من فوائد الجليس، والقرين الصالح، أنه مبارك على قرينه، فصار يحيى مشتركاً بين الوالدين. ولمّا ذكر هؤلاء الأنبياء والمرسلين، كلاً على انفراده، أثنى عليهم عموماً، فقال: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ) أي: يبادرون إليها، ويفعلونها في أوقاتها الفاضلة، ويكملونها على الوجه اللائق الذي ينبغي، ولا يتركون فضيلة يقدرون عليها، إلا انتهزوا الفرصة فيها، (وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا) أي: يسألوننا الأمور المرغوب فيها، من مصالح الدنيا والآخرة، ويتعوّذون بنا من الأمور المرهوب منها، من مضارّ الدارين، وهم راغبون راهبون، لا غافلون، لاهون، ولا مدلون، (وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) أي: خاضعين متذلّلين متضرّعين، وهذا لكمال معرفتهم بربهم)) (١). ٦ - محمد خاتم الأنبياء والمرسلين ﷺ -: ١ - أمره اللَّه تعالى بقوله: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى) (٢). ((أي: حثّ أهلك على الصلاة، وأزعجهم إليها من فرض ونفل. والأمر بالشيء، أمر بجميع ما لا يتمّ إلا به، فيكون أمراً

стр. 18

بتعليمهم، ما يصلح الصلاة ويفسدها ويكملها. (وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا) أي: على الصلاة بإقامتها، بحدودها وأركانها وآدابها وخشوعها، فإن ذلك مشق على النفس، ولكن ينبغي إكراهها وجهادها على ذلك، والصبر معها دائماً، فإن العبد إذا أقام صلاته على الوجه المأمور به، كان لما سواها من دينه أحفظ وأقوم، وإذا ضيعها كان لما سواها أضيع، ثم ضمن تعالى لرسوله الرزق، وأن لا يشغله الاهتمام به عن إقامة دينه، فقال: (نَحْنُ نَرْزُقُكَ) أي: رزقك علينا قد تكفّلنا به، كما تكفّلنا بأرزاق الخلائق كلهم، فكيف بمن قام بأمرنا، واشتغل بذكرنا؟! ورزق اللَّه عام للمتقي وغيره، فينبغي الاهتمام بما يجلب السعادة الأبدية، وهو: التقوى، ولهذا قال: (وَالْعَاقِبَةُ) في الدنيا والآخرة (لِلتَّقْوَى) التي هي فعل المأمور، وترك المنهي، فمن قام بها، كان له العاقبة، كما قال تعالى: (وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (١). ٢ - أوحى اللَّه إليه بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) (٢). ((أي: يا مَنْ مَنَّ اللَّه عليهم بالإيمان، قوموا بلوازمه وشروطه، فـ (قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا) موصوفة بهذه الأوصاف الفظيعة،

стр. 19

ووقاية الأنفس بإلزامها أمر اللَّه، والقيام بأمره امتثالاً، ونهيه اجتنابًا، والتوبة عما يسخط اللَّه، ويوجب العذاب، ووقاية الأهل، والأولاد، بتأديبهم، وتعليمهم، وإجبارهم على أمر اللَّه، فلا يسلم العبد إلا إذا قام بما أمر اللَّه به في نفسه، وفيما يدخل تحت ولايته من الزوجات والأولاد وغيرهم ممن هو تحت ولايته وتصرفه. ووصف اللَّه النار بهذه الأوصاف، ليزجر عباده عن التهاون بأمره فقال: (وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) كما قال تعالى: (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ). (عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ) أي: غليظة أخلاقهم، عظيم انتهارهم، يفزعون بأصواتهم ويخيفون بمرآهم، ويهينون أصحاب النار بقوتهم، ويمتثلون فيهم أمر اللَّه، الذي حتم عليهم العذاب، وأوجب عليهم شدة العقاب، (لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)، وهذا فيه أيضًا مدح للملائكة الكرام، وانقيادهم لأمر اللَّه، وطاعتهم له في كلّ ما أمرهم به)) (١). ٣ - أمر رسول الله ﷺ الناس بقوله: ((مُرُوا أَوْلاَدَكُمْ بِالصَّلاَةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرِ سِنِينَ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِع)) (٢).

стр. 20

ثانياً: حرص الصالحين الصادقين على صلاح الذرية: ١ - حرص امرأة عمران: (إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (١). قوله تعالى: ((إذ قالت امرأة عمران) أي: والدة مريم لمّا حملت: (رب إني نذرت لك ما في بطني محررًا) أي: جعلتُ ما في بطني خالصاً لوجهك، محرراً لخدمتك وخدمة بيتك (فتقبل مني) هذا العمل المبارك (إنك أنت السميع العليم) تسمع دعائي، وتعلم نيّتي وقصدي، هذا وهي في البطن قبل وضعها، (فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى) كأنها تشوّفت أن يكون ذكراً؛ ليكون أقدر على الخدمة، وأعظم موقعاً، ففي كلامها نوع عذر من ربّها، فقال اللَّه: (واللَّه أعلم بما وضعت) أي: لا يحتاج إلى إعلامها، بل علمه متعلِّق بها قبل أن تعلم أمّها ما هي (وليس الذكر

стр. 21

كالأنثى وإني سميتها مريم) فيه دلالة على تفضيل الذكر على الأنثى، وعلى التسمية وقت الولادة، وعلى أن للأم تسمية الولد إذا لم يكره الأب (وإنّي أُعيذها بك وذرّيتها من الشيطان الرجيم) دعت لها ولذرّيتها أن يُعيذهم اللَّه من الشيطان الرجيم. (فتقبّلها ربها بقبولٍ حسنٍ) أي: جعلها نذيرة مقبولة، وأجارها وذرّيتها من الشيطان (وأنبتها نباتًا حسنًا) أي: نبتت نباتاً حسناً في بدنها وخلقها وأخلاقها، لأن اللَّه تعالى قيّض لها زكريا ﵇ (وكفّلها) إيّاه، وهذا من رفقه بها؛ ليربيها على أكمل الأحوال، فنشأت في عبادة ربها، وفاقت النساء، وانقطعت لعبادة ربّها، ولزمت محرابها أي: مصلاَّها فكان (كلّما دخل عليها زكريّا المحراب وجد عندها رزقًا) أي: من غير كسب ولا تعب، بل رزق ساقه اللَّه إليها، وكرامة أكرمها اللَّه بها، فيقول لها زكريا: (أنَّى لك هذا قالت هو من عند اللَّه) فضلاً وإحساناً (إن اللَّه يرزق من يشاء بغير حساب) أي: من غير حسبان من العبد، ولا كسب، قال تعالى: (ومن يتَّقِ اللَّهَ يجعلْ له مخرجًا ويرزقْهُ من حيثُ لا يحتسب) وفي هذه الآية دليل على إثبات كرامات الأولياء الخارقة للعادة، كما قد تواترت الأخبار بذلك، خلافاً لمن نفى ذلك)) (١).

стр. 22

٢ - حرص لقمان الحكيم: ١ - (وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) (١). ٢ - (يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ * يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ * وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ) (٢). ((والله تعالى لم يذكر عنه إلا أنه آتاه الحكمة، وذكر بعض ما يدلّ على حكمته في وعظه لابنه، فذكر أصول الحكمة وقواعدها الكبار فقال: (وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ)، أو قال له قولاً به يعظه بالأمر، والنهي، المقرون بالترغيب والترهيب، فأمره بالإخلاص، ونهاه عن الشرك، وبيَّن له السبب في ذلك فقال: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) ووجه كونه عظيماً، أنه لا أفظع وأبشع ممّن سَوَّى المخلوق من تراب، بمالك الرقاب، وسوَّى الذي لا يملك

стр. 23

من الأمر شيئاً، بمن له الأمر كله، وسوَّى الناقص الفقير من جميع الوجوه، بالربّ الكامل الغني من جميع الوجوه، وسوَّى من لم ينعم بمثقال ذرة من النعم بالذي ما بالخلق من نعمة في دينهم، ودنياهم وأخراهم، وقلوبهم، وأبدانهم، إلاّ منه، ولا يصرف السوء إلا هو، فهل أعظم من هذا الظلم شيء؟؟! وهل أعظم ظلماً ممن خلقه الله لعبادته وتوحيده، فذهب بنفسه الشريفة، فجعلها في أخس المراتب جعلها عابدة لمن لا يسوى شيئا، فظلم نفسه ظلماً كبيراً. (يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ) التي هي أصغر الأشياء وأحقرها، (فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ) أي في وسطها (أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأرْضِ) في أي جهة من جهاتهما (يَأْتِ بِهَا اللَّهُ) لسعة علمه، وتمام خبرته، وكمال قدرته، ولهذا قال: (إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ) أي: لطيف في علمه وخبرته، حتى اطلع على البواطن والأسرار، وخفايا القفار والبحار. والمقصود من هذا، الحثّ على مراقبة الله، والعمل بطاعته، مهما أمكن، والترهيب من عمل القبيح، قَلَّ أو كَثُرَ. (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ) حثّه عليها، وخصّها لأنها أكبر العبادات البدنية، (وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ) وذلك يستلزم العلم بالمعروف ليأمر به، والعلم بالمنكر لينهى عنه. والأمر بما لا يتمّ الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر إلا به، من الرفق، والصبر، وقد صرح به في قوله: (وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ) ومن كونه فاعلاً

стр. 24

لما يأمر به، كافّاً لما ينهى عنه، فتضمّن هذا، تكميل نفسه بفعل الخير، وترك الشر، وتكميل غيره بذلك، بأمره ونهيه. ولما علم أنه لا بدّ أن يبتلى إذا أمر ونهى، وأن في الأمر والنهي مشقة على النفوس، أمره بالصبر على ذلك فقال: (وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ) الذي وعظ به لقمان ابنه (مِنْ عَزْمِ الأمُورِ) أي: من الأمور التي يعزم عليها، ويهتمّ بها، ولا يوفق لها إلا أهل العزائم. (وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ) أي: لا تُمِلْهُ وتعبس بوجهك للناس، تكبُّرًا عليهم، وتعاظماً. (وَلا تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحًا) أي: بطراً، فخراً بالنعم، ناسياً المنعم، معجباً بنفسك. (إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ) في نفسه وهيئته وتعاظمه (فَخُور) بقوله. (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ) أي: امش متواضعاً مستكيناً، لا مَشْيَ البطر والتكبّر، ولا مشي التماوت. (وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ) أدباً مع الناس ومع الله، (إِنَّ أَنْكَرَ الأصْوَاتِ) أي أفظعها وأبشعها (لَصَوْتُ الْحَمِيرِ) فلو كان في رفع الصوت البليغ فائدة ومصلحة، لما اختصّ بذلك الحمار، الذي قد عُلمت خسّته وبلادته. وهذه الوصايا، التي وصّى بها لقمان لابنه، تجمع أمّهات الحِكَم، وتستلزم ما لم يذكر منها، وكل وصية يقرن بها ما يدعو إلى فعلها، إن كانت أمراً، وإلى تركها إن كانت نهياً. وهذا يدلّ على ما ذكرنا في تفسير الحكمة، أنها العلم بالأحكام، وحِكَمِها ومناسباتها، فأمره بأصل الدين، وهو التوحيد، ونهاه عن الشرك، وبيَّن له الموجب لتركه، وأمره ببر الوالدين، وبين له السبب

стр. 25

الموجب لبرّهما، وأمره بشكره وشكرهما، ثم احترز بأن محل برهما وامتثال أوامرهما، ما لم يأمرا بمعصية، ومع ذلك فلا يعقهما، بل يحسن إليهما، وإن كان لا يطيعهما إذا جاهداه على الشرك. وأمره بمراقبة الله، وخوَّفه القدوم عليه، وأنه لا يغادر صغيرة ولا كبيرة من الخير والشر، إلا أتى بها. ونهاه عن التكبّر، وأمره بالتواضع، ونهاه عن البطر والأشر، والمرح، وأمره بالسكون في الحركات والأصوات، ونهاه عن ضد ذلك. وأمره بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإقامة الصلاة، وبالصبر اللذين يسهل بهما كل أمر، كما قال تعالى، فحقيق بمن أوصى بهذه الوصايا، أن يكون مخصوصاً بالحكمة، مشهوراً بها. ولهذا من منة الله عليه وعلى سائر عباده، أن قصّ عليهم من حكمته، ما يكون لهم به أسوة حسنة)) (١). ٣ - حرص عباد الرحمن: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا*أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا * خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا) (٢). (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا) أي: قرنائنا من أصحاب وأقران وزوجات، (وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ) أي: تقر بهم أعيننا. وإذا استقرأنا حالهم، وصفاتهم عرفنا من هممهم، وعلوّ

стр. 26

مرتبتهم أنهم لا تقرّ أعينهم حتى يروهم مطيعين لربهم، عالمين عاملين، وهذا كما أنه دعاء لأزواجهم وذرياتهم في صلاحهم، فإنه دعاء لأنفسهم؛ لأن نفعه يعود عليهم، ولهذا جعلوا ذلك هبة لهم فقالوا: (هَبْ لَنَا) بل دعاؤهم يعود إلى نفع عموم المسلمين؛ لأن بصلاح من ذكر يكون سبباً لصلاح كثير ممن يتعلّق بهم وينتفع بهم. (وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) أي: أوصلنا يا ربنا إلى هذه الدرجة العالية، درجة الصديقين، والكمّل من عباد اللَّه الصالحين، وهي درجة الإمامة في الدين، وأن يكونوا قدوة للمتقين في أقوالهم وأفعالهم، يقتدى بأفعالهم، ويطمئن لأقوالهم، ويسير أهل الخير خلفهم فيهدون ويهتدون. ومن المعلوم أن الدعاء ببلوغ شيء دعاء بما لا يتمّ إلا به، وهذه الدرجة -درجة الإمامة في الدين- لا تتمّ إلا بالصبر واليقين، كما قال تعالى: (وَجَعَلْنَاهم أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ)، فهذا الدعاء يستلزم من الأعمال، والصبر على طاعة اللَّه، وعن معصيته، وأقداره المؤلمة، ومن العلم التامّ الذي يوصل صاحبه إلى درجة اليقين، خيراً كثيراً وعطاءً جزيلاً وأن يكونوا في أعلى ما يمكن من درجات الخلق بعد الرسل؛ ولهذا لمّا كانت هممهم ومطالبهم عالية، كان الجزاء من جنس العمل، فجازاهم بالمنازل العاليات، فقال: (أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا) أي: المنازل الرفيعة والمساكن الأنيقة الجامعة لكل ما يشتهى، وتلذّه الأعين، وذلك بسبب صبرهم نالوا ما نالوا، كما قال

стр. 27

تعالى: (وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ)، ولهذا قال هنا: (وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا) من ربهم، ومن ملائكته الكرام، ومن بعض على بعض، ويسلمون من جميع المنغصات والمكدرات. والحاصل: أن اللَّه وصفهم بالوقار والسكينة والتواضع له ولعباده، وحسن الأدب والحلم، وسعة الخلق والعفو عن الجاهلين، والإعراض عنهم، ومقابلة إساءتهم بالإحسان، وقيام الليل، والإخلاص فيه، والخوف من النار والتضرّع لربهم أن ينجيهم منها، وإخراج الواجب والمستحب في النفقات والاقتصاد في ذلك - وإذا كانوا مقتصدين في الإنفاق الذي جرت العادة بالتفريط فيه أو الإفراط، فاقتصادهم وتوسّطهم في غيره من باب أولى- والسلامة من كبائر الذنوب، والاتصاف بالإخلاص للَّه في عبادته، والعفة عن الدماء والأعراض والتوبة عند صدور شيء من ذلك، وأنهم لا يحضرون مجالس المنكر والفسوق القولية والفعلية، ولا يفعلونها بأنفسهم، وأنهم يتنزّهون من اللغو والأفعال الرديَّة التي لا خير فيها، وذلك يستلزم مروءتهم وإنسانيتهم وكمالهم، ورفعة أنفسهم عن كل خسيس قولي وفعلي، وأنهم يقابلون آيات اللَّه بالقبول لها، والتفهم لمعانيها والعمل بها، والاجتهاد في تنفيذ أحكامها، وأنهم يدعون اللَّه تعالى بأكمل الدعاء، في الدعاء الذي ينتفعون به، وينتفع به من يتعلّق بهم، وينتفع به المسلمون من صلاح أزواجهم وذريتهم، ومن

стр. 28

لوازم ذلك سعيهم في تعليمهم ووعظهم ونصحهم؛ لأن من حرص على شيء، ودعا اللَّه فيه، لا بد أن يكون متسبباً فيه، وأنهم دعوا اللَّه ببلوغ أعلى الدرجات الممكنة لهم، وهي درجة الإمامة والصديقية. فَلِلَّهِ ما أعلى هذه الصفات، وأرفع هذه الهمم، وأجلّ هذه المطالب، وأزكى تلك النفوس، وأطهر تلك القلوب، وأصفى هؤلاء الصفوة، وأتقى هؤلاء السادة، وللَّه فضل اللَّه عليهم ونعمته ورحمته التي جلّلتهم، ولطفه الذي أوصلهم إلى هذه المنازل. وللَّه، منة اللَّه على عباده أن بين لهم أوصافهم، ونعت لهم هيئاتهم، وبين لهم هممهم، وأوضح لهم أجورهم، ليشتاقوا إلى الاتصاف بأوصافهم، ويبذلوا جهدهم في ذلك، ويسألوا الذي منّ عليهم وأكرمهم الذي فضله في كل زمان ومكان، وفي كل وقت وأوان، أن يهديهم كما هداهم ويتولاهم بتربيته الخاصة كما تولاهم)) (١). ٤ - حرص المؤمنين على صلاح ذريتهم ، قال الله تعالى: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا

стр. 29

يُوعَدُونَ) (١). ((هذا من لطفه تعالى بعباده، وشكره للوالدين، أن وصّى الأولاد وعهد إليهم أن يحسنوا إلى والديهم بالقول اللطيف، والكلام الليّن، وبذل المال والنفقة، وغير ذلك من وجوه الإحسان. ثم نبّه على ذكر السبب الموجب لذلك، فذكر ما تحمّلته الأمّ من ولدها، وما قاسته من المكاره وقت حملها، ثمّ مشقّة ولادتها المشقّة الكبيرة، ثم مشقّة الرضاع، وخدمة الحضانة، وليست المذكورات مدة يسيرة ساعة أو ساعتين، وإنما ذلك مدّة طويلة قدرها (ثَلاثُونَ شَهْرًا) للحمل تسعة أشهر ونحوها، والباقي للرضاع هذا هو الغالب. ويستدلّ بهذه الآية مع قوله: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ) (٢) أن أقلّ مدّة الحمل ستة أشهر؛ لأنّ مدّة الرضاع -وهي سنتان- إذا سقطت منها السنتان بقي ستة أشهر مدّة للحمل، (حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ) أي: نهاية قوته وشبابه، وكمال عقله، (وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي) أي: ألهمني ووفقني (أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ) أي: نعم الدين، ونعم الدنيا، وشكره بصرف النعم في طاعة مسديها وموليها، ومقابلة منته بالاعتراف والعجز عن الشكر، والاجتهاد في الثناء بها على اللَّه، والنعم على الوالدين: نعم على أولادهم وذريتهم؛ لأنهم لا بد أن

стр. 30

ينالهم منها ومن أسبابها وآثارها، خصوصاً نعم الدين، فإن صلاح الوالدين بالعلم والعمل من أعظم الأسباب لصلاح أولادهم. (وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ) بأن يكون جامعاً لما يصلحه، سالماً مما يفسده، فهذا العمل الذي يرضاه اللَّه ويقبله ويثيب عليه. (وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي) لمّا دعا لنفسه بالصلاح، دعا لذريته أن يصلح اللَّه أحوالهم، وذكر أن صلاحهم يعود نفعه على والديهم لقوله: (وَأَصْلِحْ لِي)، (إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ) من الذنوب والمعاصي، ورجعت إلى طاعتك (وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ). (أُولَئِكَ) الذين ذكرت أوصافهم (الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا)، وهو الطاعات لأنهم يعملون أيضاً غيرها. (وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ) فِي جملة (أَصْحَابِ الْجَنَّةِ)، فحصل لهم الخير والمحبوب، وزال عنهم الشر والمكروه. (وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ) أي: هذا الوعد الذي وعدناهم هو وعد صادق من أصدق القائلين الذي لا يخلف الميعاد)) (١) . ثالثاً: أصول يجب العلم بها في التربية وغيرها: ١ - الإيمان أن هداية التوفيق والتسديد والتثبيت بيد الله تعالى ، قال الله : ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ

стр. 31

بِالْمُهْتَدِين﴾ (١) فلا يهتدي مهتدٍ، ولا يهديه هادٍ إلا بتوفيق الله . ٢ - الإيمان بأن الله تعالى عَلِمَ هداية المهتدين ، وضلال الضالين في علمه السابق الذي لا أوَّل له، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير﴾ (٢) قال العلامة السعدي ﵀: « ... ذكر أنه [ ] خلق العباد وجعل منهم المؤمن والكافر، فإيمانهم وكفرهم كله بقضاء الله وقدره، وهو الذي شاء ذلك منهم، بأن جعل لهم قدرة وإرادة، بهما يتمكنون من كل ما يريدون، من الأمر، والنهي ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير﴾» (٣). وعن علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفوسَةٍ إلا كُتِبَ مكانَها: مِنَ الجَنَّة والنَّارِ، وإلا قد كُتِبت شَقِيَّة أو سَعِيدة» فقال رجل يا رسول الله أفلا نتَّكِلُ على كتابنا وندع العمل؟ فمن كان منَّا من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة، وأمَّا من كان منَّا من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة؟ قال: «[اعْمَلوا فَكُلٌّ مُيَسَّر لما خُلِقَ له] أمَّا أهل السَّعادة فسيُيَسَّرون إلى عملِ أهل السَّعادة، وأما أهل الشقاوة فسيُيَسَّرون لعمل أهل الشقاوة، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى* وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى* فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى* وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى

стр. 32

*فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾» (١). ولا شك أن الله تعالى إنّما يهدي من كان أهلاً للهداية، ويضلُّ من كان أهلاً للضلالة، قال : ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِين﴾ (٢). فبيَّن الله أن أسباب الضلالة لمن ضل إنما هي بسبب من العبد نفسه، والله لا يظلم الناس شيئاً، ولكن الناس أنفسهم يظلمون، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٣). وقال : ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُون﴾ (٤). وقال الله تعالى: ﴿وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُون﴾ (٥). ٣ - الإيمان بأن ذلك التفاوت: من الشقاوة والسعادة، لحكمةٍ عظيمة جعلها الله سبحانه من أمور الغيب وأوجب على عباده الإيمان بها، والتَّسليم بأن ذلك عين الحكمة، والعدل، والرحمة، كما قال الخضر

стр. 33

لموسى: ﴿وَأَمَّا الْغُلاَمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ (١). قال العلامة السعدي ﵀: «وكان ذلك الغلام قد قُدِّر عليه أنه لو بلغ لأرهق أبويه طغياناً وكفراً، أي: لحملهما على الطغيان والكفر، إما لأجل محبتهما إياه، أو للحاجة إليه، أو يحدهما على ذلك: أي فقتلته لاطلاعي على ذلك سلامة لدين أبويه المؤمنين، وأي فائدة أعظم من هذه الفائدة الجليلة؟ وهو وإن كان فيه إساءة إليهما، وقطع لذريتهما فإن الله سيعطيهم من الذرية ما هو خير منه، ولهذا قال: ﴿فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ أي: ولداً صالحاً، زكياً، واصلاً لرحمه، فإن الغلام الذي قتل لو بلغ لعقهما أشد العقوق بحملهما على الكفر والطغيان» (٢). وهذا لحكمةٍ عظيمةٍ يجب الإيمان بها وليست للعبث، قال الله : ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُون﴾ (٣). ٤ – الإيمان بأن الله قادر على أن يجعل الناس كلهم مؤمنين ؛ لقوله : ﴿وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أفَأنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُوْنُوا مُؤْمِنين﴾ (٤). ٥ – التبري من الحول والقوة «لا حول ولا قوة إلا بالله» وأن يخاف

стр. 34

المؤمن سوء الخاتمة، فهو لا يدري بما يختم له، وهذا نبينا ﷺ يقول: «يا مُقَلِّبَ القُلوبَ ثَبِّتْ قَلْبي عَلَى دِينِك» (١). وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وقد بيَّن ﷺ أن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يُقلبهما كيف يشاء، فنحن أولى بهذا الدعاء؛ لضعفنا، وعدم عصمتنا، ونسأل الله للمهتدي الثبات، وللكافر والفاسق الهداية. ٦ - الإيمان بأن الله تعالى يجيب الدعوات ، فينبغي للعبد أن يسأل الله تعالى الذرية الصالحة، ويسأله صلاح الذرية، ويلح في ذلك كما سبق في حال الأنبياء والصالحين (٢).

стр. 35

المبحث الثاني: أهمية اختيار الزوجة الصالحة في تربية الأولاد لقد شرع الله ﵎ الزواج للحفاظ على الأخلاق والنسل؛ لكي لا تختلط الأنساب وتُنتهك الأعراض؛ فإن الزواج أفضل طريق لاستنفاد طاقة الإنسان الجنسية المتجددة، ووسيلة لتنظيم الفطرة والغريزة، التي أودعها الله في الإنسان، حتى يحقق غاية استخلافه في الأرض، والسير بالحياة في مجال الخير والإصلاح، فليس أضر بالأمة ولا أفتك بها، ولا أسرع إلى خرابها من انتشار الفسق وترك الحبل على الغارب للمجرمين، فسدًّا لهذا جعل الله الزواج من سنن المرسلين، وجعله واجباً على من خاف على نفسه من الوقوع في الزنا، فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((يا مَعْشَرَ الشَّبَابِ من اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فإنَّه أغضُّ للبَصَرِ وأحْصَنُ للفَرْجِ، وَمَنْ لم يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فإنه له وِجَاءٌ)) (١). ثم إنَّ الإسلام قد حثَّ الرجل المسلم على البحث عن الزوجة الصالحة؛ لأنها شريكة حياته، وهي التي سوف تربي أولاده، وهي نعمة عظيمة من الله ، إذ أنعم بها على الذكر، وكذلك أنعم على الأنثى بالذكر، قال تعالى: ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ

стр. 36

أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ (١). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ)) (٢). فينبغي أن يتخيّر الرجل المرأة الصالحة ذات الخلق الحميد والدين القويم، فلا يكون همه الجمال وحده، فقد تكون هذه المرأة سببُ تنغيصٍ وشقاوةٍ على الإنسان، ومن ثم ينشأ أولاده على: الفسق، والعصيان، وسوء الأخلاق، أما المرأة الصالحة، فهي تربي أجيالاً صالحين، وقد أرشد إليها الرسول ﷺ وأخبر أنها خير متاع، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((الدُّنْيَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ)) (٣). أي أن الدنيا متاع زائل، وخير ما في هذا المتاع المرأة الصالحة؛ لأنها تُسعد صاحبها في الدنيا، وتعينه على أمر الآخرة. ولله در من قال: سعادة المرء في خمسٍ إذا اجتمعت ... صلاح جيرانه والبر في ولده

стр. 37

وزوجة حسنت أخلاقها ... وكذا خلٍّ وفيٍّ ورزق المرء في بلده (١) والمرأة الصالحة خير كنز للإنسان المسلم، وهي أغلى من كنوز الذهب والفضة، فهي إذا نظر إليها سرته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته في نفسها وماله، وإذا أقسم عليها أبرته، فعن عبد الله بن سلام قال: قال الرسول ﷺ : ((خيرُ النِّساءِ مَن تَسُرُّكَ إذَا أبْصَرْتَ، وتُطيعُكَ إذا أمَرْتَ، وتحفَظُ غَيْبتكَ في نَفْسِهَا ومالِك)) (٢)، فقوله ﷺ : من تسرك إذا أبصرت: كناية عن جمال الخلقة ونظافة الملبس، وكمال الزينة، وقوله ﷺ : وتطيعك إذا أمرت: كناية عن طيب عنصرها، وحسن تربيتها، وقوله ﷺ : وتحفظ غيبتك في نفسها ومالك: كناية عن قوة دينها وصدق إيمانها بالله ورسوله ﷺ . وحُقَّ لمن توفَّرت فيها هذه الصفات أن يصفها الصادق المصدوق ﷺ بأنها خير النساء. والزوجة الصالحة فيض من السعادة، يغمر البيت ويملؤه سروراً وبهجة، فعن أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((ما اسْتَفَادَ الْمُؤْمِنُ بَعْدَ تَقْوَى الله خَيْرًا له من زَوْجَةٍ صَالِحَةٍ: إن أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ، وَإِنْ نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ، وَإِنْ أَقْسَمَ عليها أَبَرَّتْهُ، وَإِنْ غَابَ عنها نَصَحَتْهُ

стр. 38

في نَفْسِهَا وَمَالِهِ)) (١). وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((مِنَ سعادةِ ابن آدَم ثَلاثة، ومن شَقاوة ابنِ آدمَ ثلاثة: مِن سَعَادةِ ابنِ آدم: الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ، وَالْمَسْكَنُ الْوَاسِعُ، وَالمركب الصَّالِحُ، ومِنْ شَقاوَةِ ابن آدم: َالْمَرْأَةُ السُّوءُ، وَالْمَسْكَنُ السُّوء، وَالْمَرْكَبُ السُّوءُ)) (٢). ولفظ ابن حبان في صحيحه: «أربعٌ مِنَ السَّعادة: المَرْأة الصَّالِحَة، والمسكَنُ الواسِع، والجَارُ الصَّالِح، والمَرْكب الهنيء، وأربعٌ من الشّقاوة: الجَار السُّوءُ، والمرأة السُّوءُ، والمسكن الضيِّق، والمركب السُّوءُ» (٣).

стр. 39

ولفظ الحاكم: «ثلاثٌ مِنَ السَّعَادة، وثَلاثٌ مِنَ الشّقاوة: فمِنَ السَّعادة: المرأةُ تَرَاها تُعْجِبُكَ، وتَغيْبُ عنها فتأْمَنها على نَفسِها ومالِكَ، والدَّابةُ تكونُ وطيَّة فتلحقُ بأصحابِكَ، والدَّارُ تكونُ واسعة كثيرة المرافق. ومن الشقاوة المرأة تراها فتسؤك، وتحمل لسانها عليك، وإن غبت عنها لم تأمنها على نفسها ومالك، والدابة تكون قطوفاً فإن ضربتها أتعبتك وإن تركبها لم تلحقك بأصحابك، والدار تكون ضيقة قليلة المرافق (١). وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((من رَزَقَهُ الله امْرَأَةً صَالِحَةً فَقَدْ أَعَانَهُ على شَطْرِ دِينِهِ، فَلْيَتَّقِ الله في الشَّطْرِ البَاقِي)) رواه الطبراني والحاكم وقال: صحيح الإسناد (٢).

стр. 40

والزوجة الصالحة هي سكن للزوج وحرث له، وهي شريكة حياته وربة بيته وأم أولاده، إن صلحت صلح الأولاد، وإن فسدت فسد الأولاد. قال الشاعر: الأمُّ مَدْرسَةً إذَا أعَدَدتها ... أعدَدتَ شعْباً طَيبَ الأعْرَاقِ (١) ومن أجل هذا رغَّب الإسلام في اختيار الزوجة الصالحة. والصالحة: هي التي تحافظ على دينها، وأخلاقها، وعرضها، وتربي أولادها التربية الإسلامية. قال الشيخ محمد بن سالم البيحاني ﵀ في منظومته الرجزية: وإن أرَدتَ العَيْشَ فِي وَدَاعةٍ ... فالتَمِسِ المَرأة ذاتَ الطَّاعِةِ واحدة جميلة ذات شرف ... من أوسط البيوت لا من الطرف تكون عوناً له في الحياة الحلوة ... لزوجها في حقله والخلوه قارئة كاتبة وصانعة ... في بيتها جامعة ومانعة
следующие страницы →