أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ (١).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ)) (٢).
فينبغي أن يتخيّر الرجل المرأة الصالحة ذات الخلق الحميد والدين القويم، فلا يكون همه الجمال وحده، فقد تكون هذه المرأة سببُ تنغيصٍ وشقاوةٍ على الإنسان، ومن ثم ينشأ أولاده على: الفسق، والعصيان، وسوء الأخلاق، أما المرأة الصالحة، فهي تربي أجيالاً صالحين، وقد أرشد إليها الرسول ﷺ وأخبر أنها خير متاع، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((الدُّنْيَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ)) (٣). أي أن الدنيا متاع زائل، وخير ما في هذا المتاع المرأة الصالحة؛ لأنها تُسعد صاحبها في الدنيا، وتعينه على أمر الآخرة. ولله در من قال:
سعادة المرء في خمسٍ إذا اجتمعت ... صلاح جيرانه والبر في ولده
стр. 37
وزوجة حسنت أخلاقها ... وكذا خلٍّ وفيٍّ ورزق المرء في بلده (١)
والمرأة الصالحة خير كنز للإنسان المسلم، وهي أغلى من كنوز الذهب والفضة، فهي إذا نظر إليها سرته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته في نفسها وماله، وإذا أقسم عليها أبرته، فعن عبد الله بن سلام قال: قال الرسول ﷺ : ((خيرُ النِّساءِ مَن تَسُرُّكَ إذَا أبْصَرْتَ، وتُطيعُكَ إذا أمَرْتَ، وتحفَظُ غَيْبتكَ في نَفْسِهَا ومالِك)) (٢)، فقوله ﷺ : من تسرك إذا أبصرت: كناية عن جمال الخلقة ونظافة الملبس، وكمال الزينة، وقوله ﷺ : وتطيعك إذا أمرت: كناية عن طيب عنصرها، وحسن تربيتها، وقوله ﷺ : وتحفظ غيبتك في نفسها ومالك: كناية عن قوة دينها وصدق إيمانها بالله ورسوله ﷺ .
وحُقَّ لمن توفَّرت فيها هذه الصفات أن يصفها الصادق المصدوق ﷺ بأنها خير النساء.
والزوجة الصالحة فيض من السعادة، يغمر البيت ويملؤه سروراً وبهجة، فعن أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((ما اسْتَفَادَ الْمُؤْمِنُ بَعْدَ تَقْوَى الله خَيْرًا له من زَوْجَةٍ صَالِحَةٍ: إن أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ، وَإِنْ نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ، وَإِنْ أَقْسَمَ عليها أَبَرَّتْهُ، وَإِنْ غَابَ عنها نَصَحَتْهُ
стр. 38
في نَفْسِهَا وَمَالِهِ)) (١).
وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((مِنَ سعادةِ ابن آدَم ثَلاثة، ومن شَقاوة ابنِ آدمَ ثلاثة: مِن سَعَادةِ ابنِ آدم: الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ، وَالْمَسْكَنُ الْوَاسِعُ، وَالمركب الصَّالِحُ، ومِنْ شَقاوَةِ ابن آدم: َالْمَرْأَةُ السُّوءُ، وَالْمَسْكَنُ السُّوء، وَالْمَرْكَبُ السُّوءُ)) (٢). ولفظ ابن حبان في صحيحه: «أربعٌ مِنَ السَّعادة: المَرْأة الصَّالِحَة، والمسكَنُ الواسِع، والجَارُ الصَّالِح، والمَرْكب الهنيء، وأربعٌ من الشّقاوة: الجَار السُّوءُ، والمرأة السُّوءُ، والمسكن الضيِّق، والمركب السُّوءُ» (٣).
стр. 39
ولفظ الحاكم: «ثلاثٌ مِنَ السَّعَادة، وثَلاثٌ مِنَ الشّقاوة: فمِنَ السَّعادة: المرأةُ تَرَاها تُعْجِبُكَ، وتَغيْبُ عنها فتأْمَنها على نَفسِها ومالِكَ، والدَّابةُ تكونُ وطيَّة فتلحقُ بأصحابِكَ، والدَّارُ تكونُ واسعة كثيرة المرافق.
ومن الشقاوة المرأة تراها فتسؤك، وتحمل لسانها عليك، وإن غبت عنها لم تأمنها على نفسها ومالك، والدابة تكون قطوفاً فإن ضربتها أتعبتك وإن تركبها لم تلحقك بأصحابك، والدار تكون ضيقة قليلة المرافق (١).
وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((من رَزَقَهُ الله امْرَأَةً صَالِحَةً فَقَدْ أَعَانَهُ على شَطْرِ دِينِهِ، فَلْيَتَّقِ الله في الشَّطْرِ البَاقِي)) رواه الطبراني والحاكم وقال: صحيح الإسناد (٢).
стр. 40
والزوجة الصالحة هي سكن للزوج وحرث له، وهي شريكة حياته وربة بيته وأم أولاده، إن صلحت صلح الأولاد، وإن فسدت فسد الأولاد.
قال الشاعر:
الأمُّ مَدْرسَةً إذَا أعَدَدتها ... أعدَدتَ شعْباً طَيبَ الأعْرَاقِ (١)
ومن أجل هذا رغَّب الإسلام في اختيار الزوجة الصالحة.
والصالحة: هي التي تحافظ على دينها، وأخلاقها، وعرضها، وتربي أولادها التربية الإسلامية.
قال الشيخ محمد بن سالم البيحاني ﵀ في منظومته الرجزية:
وإن أرَدتَ العَيْشَ فِي وَدَاعةٍ ... فالتَمِسِ المَرأة ذاتَ الطَّاعِةِ
واحدة جميلة ذات شرف ... من أوسط البيوت لا من الطرف
تكون عوناً له في الحياة الحلوة ... لزوجها في حقله والخلوه
قارئة كاتبة وصانعة ... في بيتها جامعة ومانعة
стр. 41
وبالقليل والكثير تكتفي ... وللنساء المؤمنات تقتفي
منزلها في غاية النظافة ... كأنه الجوهرة الشَّفَّافة
أثاثه مرتب ترتيباً ... به تسر الأهل والغريب
ولا تمنّ بالذي تعمله ... والمستحق لبرها تصله (١)
روى النسائي وغيره بسند صحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((خَيْرُ النِّساء مَن إذَا نَظَرْتَ إليْهَا سَرَّتْكَ، وإذَا أمَرْتَها أطَاعَتْكَ، وإذا أقْسَمْتَ عليْهَا أبَرَّتْكَ، وإِذَا غِبْتَ عَنْها حَفِظَتْكَ في نَفْسِها ومالِك)) (٢).
فهذا تحديد ووصفٌ للمرأة الصالحة وأنها الجميلة المطيعة البارَّة، الأمينة، ومن المزايا التي ينبغي توفرها في المرأة الصالحة المخطوبة: أن تكون من بيئة كريمة، معروفة باعتدال المزاج، وهدوء الأعصاب، والبعد عن الانحرافات النفسية؛ فإنها أجدر أن تكون حانَّة على ولدها، بارة بزوجها، عابدة لربها. فقد خطب رسول الله ﷺ أمَّ هاني، فاعتذرت إليه بأنها صاحبة أولاد.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ
стр. 42
الْإِبِلَ صالحُ نِساءُ قُرَيشٍ، أَحْنَاهُ (١) على ولَدٍ في صِغرهِ، وَأَرْعَاهُ (٢) على زَوْجٍ في ذَاتِ يَدِهِ)) (٣).
وطبيعة الأصل الكريم أن يتفرع عنه مثله. فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((النَّاسُ مَعادِنُ كَمَعَادِنِ الذَّهبِ والفِضَّةِ، خِيَارُهُمْ في الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ في الْإِسْلَامِ إذا فَقُهُوا)) (٤).
فالمنبت الحسن يخرج نباته حسناً، والمنبت السوء لا يخرج إلا سوءاً والعياذ بالله، والغصن كما قال القائل من منبته.
وكما أن الزوجة سوف تكون ربةً لبيت الرجل، وتكون راعية في بيته، ومسؤولة عن رعيتها، كما ورد في السنة عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مسؤول عن رَعِيَّتِهِ، وَالْأَمِيرُ رَاعٍ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ على أَهْلِ بَيْتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ على بَيْتِ زَوْجِهَا وَوَلَدِهِ، فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مسؤول عن رَعِيَّتِهِ)) (٥).
стр. 43
فحريٌّ بالمرأة الصالحة التي تراقب الله أن تحافظ على أولادها، وعلى بيت زوجها، وكل ما يختص به من شؤون البيت ورعاية الأولاد، فهي تعلم أن طاعة زوجها من طاعة الله، ومعصيته من معصية الله، فهي تُنَفِّذ أمر الله وتطيع زوجها في غير معصية الله ﵎.
وعلى المرء أن يبحث عن الزوجة الصالحة، ويسأل الخالق الذي يعلم الغيب ويعلم ما تُكنُّ الضمائر، أن يرزقه زوجةً صالحةً، وأن يكون أكثر دعائه ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار﴾ (١).
قال بعض المفسرين في تفسير هذه الآية: إنها تشمل كل مطلوب دنيوي: من عافية، ودار رحبة، وزوجة حسنة، ورزق واسع، وعلم نافع، وعمل صالح، ومركب هين، وثناء جميل، إلى غير ذلك؛ فإنها كلها مندرجة في الحسنة في الدنيا (٢).
ومما ينبغي للرجل المسلم أثناء بحثه عن الزوجة الصالحة ألا يغفل عن المرأة الولود الودود؛ فإن الزواج بالمرأة الصالحة التي لا تلد لا يكون مساعداً على إنجاب الأولاد، الذين سوف يخدمون الإسلام، وقد ورد في هذا الجانب نصوص من الشريعة الإسلامية تحث على الزواج بالمرأة الولود الودود، فقد أخرج أبو داود بسنده
стр. 44
عن معقل بن يسار أن رسول الله ﷺ قال: ((تَزَوَّجُوا الْوَلُودَ الْوَدُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ)) (١).
وقد اعتبرت الشريعة الإسلامية الذرية من مظاهر الأنس والبهجة في الحياة، قال تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾ (٢)، فالأولاد زينة.
كما اعتبرت الشريعة الإسلامية الأولاد من مصادر النفع والخير في الحياة الدنيا، وبعد الممات. فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال ﷺ : ((إذا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عنه عَمَلُهُ إلا من ثَلَاثَةٍ: إلا من صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أو عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أو وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو له)) (٣).
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ وفيه: « ... إن الرجل لترفع درجته في الجنة، فيقول: أنَّى هذا؟ فيقال: باستغفار ولدك لك» هذا لفظ ابن ماجه، ولفظ أحمد: «إن الله ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة فيقول: يا ربِّ أنَّى لي هذه؟ فيقول: باستغفار ولدك
стр. 45
لك» (١).
وعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «إنَّ مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علماً علَّمه ونشره، وولداً صالحاً تركه، ومصحفاً وَرَّثه، أو مسجداً بناه، أو بيتاً لابن السبيل بناه، أو نهراً أجراه، أو صدقةً أخرجها من ماله في صحته وحياته، يلحقه من بعد موته» (٢).
وعن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: «سبع يجري أجرها للعبد بعد موته وهو في قبره: من عَلَّم علماً، أو أجرى نهراً، أو حفر بئراً، أو غرس نخلاً، أو بنى مسجداً، أو ورَّث مصحفاً، أو ترك ولداً يستغفر له بعد موته» (٣).
وحتى لو مات ولده قبله يحصل على الأجر العظيم؛ لحديث أبي سلمى راعي رسول الله ﷺ يرفعه: «بخٍ بخٍ – وأشار بيده الخمس – ما أثقلهن في الميزان: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، والولد الصالح يتوفَّى للمرء المسلم فيحتسبه» (٤).
стр. 46
وفضل تربية البنات والإحسان إليهن ثابت في الأحاديث الصحيحة، فعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من عال جاريتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو» وضم أصابعه (١)، وفي الترمذي: «وأشار بأصبعيه» (٢).
وعن عقبة بن عامر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من كان له ثلاث بنات فصبر عليهن، وأطعمهن، وسقاهن، وكساهن من جدته (٣) كُنَّ له حجاباً من النار يوم القيامة» (٤).
وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من مسلم تدركه ابنتان فيُحسن صحبتهما إلا أدخلتاه الجنة» (٥).
وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من كان
стр. 47
له ثلاث بنات يؤويهنَّ، ويكفيهنَّ، ويرحمهنَّ، فقد وجبت له الجنة البتة» فقال رجل من بعض القوم: واثنتين يا رسول الله؟ قال: «واثنتين» (١).
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يكون لأحد ثلاثُ بنات، أو ثلاث أخوات، أو ابنتان، أو أُختانِ، فيتقي الله فيهنَّ، ويُحسن إليهنَّ إلا دخل الجنة» (٢).
وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من عال ابنتين، أو ثلاثاً، أو أختين، أو ثلاثاً حتى يَبِنَّ (٣) أو يموت عنهنَّ كنتُ أنا وهوَ في الجنةِ كهاتَيْنِ» وأشار بأصبعهِ الوُسطى والتي تليها (٤).
стр. 48
وعن عائشة ﵂ أنها قالت: جاءتني مسكينة تحمل ابنتين لها، فأطعمتها ثلاث تمرات، فأعطت كل واحدة منهما تمرة، ورفعت إلى فيها تمرةً؛ لتأكلها، فاستطعمتها ابنتاها، فشقت التمرة التي كانت تريد أن تأكلها بينهما، فأعجبني شأنها، فذكرت الذي صَنَعَتْ لرسول الله ﷺ فقال: «إن الله قد أوجب لها بها الجنة، أو أعتقها بها من النار» (١).
وعن عائشة ﵂ قالت: دخلت عليَّ امرأة ومعها ابنتان لها تسأل، فلم تجد عندي شيئاً غير تمرةٍ، فأعطيتها إيَّاها، فقسمتها بين ابنتيها، ولم تأكل منها، ثم قامت وخرجت، فدخل النبي ﷺ فأخبرته فقال: «من ابتُلي من هذه البنات بشيء [فأحسن إليهنّ] كنَّ له ستراً من النار» (٢).
стр. 49
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في الجمع بين الحديثين السابقين: «ويمكن الجمع بأن مرادها بقولها في حديث عروة: فلم تجد عندي غير تمرة واحدة: أي أخصها بها، ويحتمل أنها لم تكن عندها في أول الحال سوى واحدة فأعطتها ثم وجدت ثنتين، ويحتمل تعدد القصة» (١).
فالأولاد نعمة من الله تعالى، وهبة من هباته، قال الله : ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاء إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاء الذُّكُور * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاء عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِير﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا﴾ أي: يجمع لمن يشاء سبحانه بين الذكور والإناث فضلاً منه وإحساناً.
فنفع الأولاد الصالحين يعود على الوالدين في الدنيا والآخرة، والآيات والأحاديث في الحث على طلب الأولاد كثيرة جداً.
وإذا كانت شريعتنا الغراء قد حثَّت على طلب الزوجة الصالحة، فإنها قد حثَّت كذلك الآباء على تزويج بناتهم رجالاً صالحين، فعلى الأب أن يجتهد في اختيار الرجل الكفء الذي يتمتع بالخلق الحميد، والدين القويم، وصفاء العقيدة، وأن يكون لديه القدرة على تحمل الأمانة، وحفظ المرأة، وصيانتها، والوفاء بجميع حقوقها، والذي إذا أحبها أكرمها، وإذا أبغضها لم يُهنها، فعن
стр. 50
أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إلا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأرضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ)) (١).
فقد بيَّن النبي ﷺ ما سيحدث للآباء من الأخطار
الجسيمة، والمفاسد الكبيرة التي تنتظرهم إذا لم يختاروا لبناتهم، أو من ولاَّهم الله رعايته: من بنات، أو أخوات، أو أقرباء - الرجال العقلاء، الذين يعرفون ما يسرّهم وما يضرّهم؛ فإن العاقل
الحازم هو الذي يحافظ على دينه، وشرفه، ويراقب ربه؛ لأنه يعلم أنه يراه، وسوف يحاسبه على ما عمل من عمل، ويُثيبه على كل ما يتقرب إليه به من الأعمال الصالحة، فهذا الرجل لا يمكن إن شاءالله أن يظلم من يتولَّى شؤونه: من زوجة وولد ... وغيرهم، كما أنه سوف يُعين هذه المرأة المسكينة على المحافظة على دينها، وشرفها؛ فإنها ولو كانت صالحة وتزوجت برجل لا يراقب مولاه، ولا يخشاه، فربما أضلَّها عن السبيل؛ لأن المرأة في الغالب على دين زوجها.
стр. 51
فالآباء إذا أحسنوا اختيار الرجل الصالح لبناتهم، فقد اجتهدوا وألقوا الأمانة من على أكتافهم إلى رجال صالحين، سوف يحملون هذه الأمانة. قال الله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً﴾ (١).
والخلاصة أن من أسباب صلاح الذرية في هذا المبحث ما يأتي:
١ – التأكد من صلاح الزوجة في دينها وحسن خلقها، وأن تكون ودوداً ولوداً.
٢ – التأكد من صلاح الزوج في دينه وخلقه، وأمانته.
٣ – التأكد من صلاح أبوي الزوجين، وأولادهما: إخوة الزوجة، وإخوة الزوج؛ لأن أخلاق الوالدين وأخلاق إخوة الزوجين لها تأثير على أولاد الزوجين؛ لأن هذه الأخلاق تورث كما يورث الشَّبه في الغالب؛ ولأن العرق دسَّاس، وكذلك ينبغي أن يتَّصفوا بالسماحة، والشجاعة، والكرم، وحسن الخلق.
٤ – الدعاء عند الدخول وبعده؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال: بسم الله، اللهم جنِّبنا الشيطان وجنِّب الشيطان ما رزقتنا؛ فإنه إن قُدِّر
стр. 52
بينهما ولدٌ لم يضره شيطان أبداً» (١).
٥ – أن يكون الأبوان قدوة صالحة لأولادهما.
* ... * ... *
стр. 53
المبحث الثالث: العقيقة واختيار الاسم الحسن حقٌّ للأولاد على الآباء
أولاً: مفهوم العقيقة: لغة واصطلاحاً:
العقيقة لغة: مشتقة من العقِّ، وهو القطع؛ وأصل العق: الشق والقطع، وقيل للذبيحة عقيقة؛ لأنها يُشقُّ حلقها، ويقال للشعر الذي يخرج على رأس المولود من بطن أمه: عقيقة؛ لأنه يُحلق، وقد جعل الزمخشري الشعر أصلاً، والشاة المذبوحة مشتقة منه (١).
والعقيقة شرعاً: الشاة التي تذبح عن المولود في اليوم السابع من ولادته عند حلق شعره (٢)، وهي من حقوق الولد على والده.
وقال الإمام ابن قدامة ﵀: ((العقيقة: الذبيحة التي تذبح عن المولود، وقيل: هي الطعام الذي يصنع ويُدعى إليه من أجل المولود)) (٣).
ثانياً: حكم العقيقة عن المولود: الذكر والأنثى:
العقيقة سنة مؤكدة، سنَّها رسول الله ﷺ (٤)؛ للأحاديث الآتية:
стр. 54
الحديث الأول: حديث سلمان بن عامر الضبِّي، قال: سمعت
стр. 55
رسول الله ﷺ يقول: ((مَعَ الْغُلاَمِ عَقِيقَتُهُ، فَأَهْرِيقُوا عَنْهُ دَمًا، وَأَمِيطُوا عَنْهُ الأَذَى)) هذا لفظ البخاري وأهل السنن الأربع، ولفظ أحمد: ((مع الغُلام عقيقتُهُ، فأهريقوا عنه دماً، وأميطوا عنه الأذى))، وقال: ((الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم صلةٌ وصدقة)) (١).
الحديث الثاني: حديث سمرة بن جُندبٍ ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: ((كل غُلَام رهينةٌ بعقيقته، تذبح عَنهُ يَوْم سابعه، وَيُسَمَّى فِيهِ، ويُحلقُ رَأسُهُ)) (٢).
стр. 56
قال الإمام ابن الأثير ﵀: ((كل غُلام رَهِينة بعَقيقته)) الرَّهينة: الرَّهْن، والهاءُ للمبالغة، كالشَّتِيمة والشتْم، ثم استُعْمِلا بمعنى المَرْهُون، فقيل: هو رَهْن بكذا، ورَهِينَة بكذا، ومعنى قوله ﷺ : ((رهينة بعقَيِقته)) أن العقَيِقَة لازِمةٌ له لا بُدَّ منها، فشبَّهه في لُزومها له، وعَدم انْفِكاكه منها بالرَّهن في يَدِ المُرْتَهن، قال الخطابي: تكلَّم الناسُ في هذا، وأجْودُ ما قيل فيه ما ذَهب إليه أحمدُ بن حنْبَل، قال: هذا في الشفاعَةِ، يريدُ أنه إذا لم يُعَقَّ عنه فمات طِفلاً لم يَشْفَع في والدَيه، وقيل: معناه أنه مَرهون بأذَى شَعَره، واستدَلُّوا بقوله: ((فأمِيطُوا عنه الأذَى)) وهو ما عَلق به من دَم الرَّحِم)) (١)(٢).
وقال العلامة ابن القيم ﵀: ((والرهن في اللغة: الحبس، قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (٣)،وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنّهُ رَهِينَةٌ فِي نَفْسِهِ، مَمْنُوعٌ مَحْبُوسٌ عَنْ خَيْرٍ يُرَادُ بِهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُعَاقَبَ عَلَى ذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ، وَإِنْ حُبِسَ بِتَرْكِ أَبَوَيْهِ الْعَقِيقَةَ عَمّا يَنَالُهُ
стр. 57
مَنْ عَقّ عَنْهُ أَبَوَاهُ، وَقَدْ يَفُوتُ الْوَلَدَ خَيْرٌ بِسَبَبِ تَفْرِيطِ الْأَبَوَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ كَسْبِهِ، كَمَا أَنّهُ عِنْدَ الْجِمَاعِ إذَا سَمّى أَبُوهُ لَمْ يَضُرّ الشّيْطَانُ وَلَدَهُ، وَإِذَا تَرَكَ التّسْمِيَةَ لَمْ يَحْصُلْ لِلْوَلَدِ هَذَا الْحِفْظُ، وَأَيْضًا؛ فَإِنّ هَذَا إنّمَا يَدُلّ عَلَى أَنّهَا لَازِمَةٌ لَا بُدّ مِنْهَا، فَشَبّهَ لُزُومَهَا وَعَدَمَ انفكاك المولود عنها بالرهن، وقد يستدل بهذا من يرى وجوبها: كَاللّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيّ، وَأَهْلِ الظّاهِرِ، وَاَلله أَعْلَمُ)) (١).
الحديث الثالث: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، قال: سُئل رسول الله ﷺ عن العقيقة، فقال: ((لا يحبُّ الله العقوق)) وكأنه كره الاسم، قال لرسول الله ﷺ : إنما سألك: أحدُنا يولَدُ له؟ فقال: ((من أحب أن ينْسُك عن ولده، فلينسك عنه، عن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية: شاة))، قال داود [راويه]: سألت زيد بن أسلم عن ((المكافئتان؟)) قال: الشاتان: المشبَّهتان تذبحان جميعاً، وهذا لفظ النسائي، ولفظ أحمد: سُئل عن العقيقة فقال: ((إن الله لا يحب العقوق)) وكأنه كره الاسم، قالوا: يا رسول الله، إنما نسألك عن أحدنا يولد له؟ قال: ((من أحب منكم أن ينسك عن ولده
стр. 58
فليفعل، عن الغلام: شاتان مكافأتان، وعن الجارية شاة))، ولفظ أبي داود: ((لا يحب الله العقوق)) كأنه كره الاسم، وقال: ((من ولد له ولد فأحبَّ أن ينسك عنه فلينسك: عن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاة)) (١).
الحديث الرابع: حديث عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: ((عن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاة))، وهذا لفظ أحمد، وفي لفظ له آخر: ((أمرنا رسول الله ﷺ : أن نعقَّ عن الجارية شاة، وعن الغلام شاتين))، ولفظ الترمذي: ((أن رسول الله ﷺ أمرهم عن الغلام شاتان مكافئتانِ، وعن الجارية شاة)) (٢).
ومعنى: ((مكافأتان))، و ((مكافئتان)) واحد: والمعنى يجزئ في عقيقته: شاتان متساويتان في السن، والشَّبه، ولا ينزل سنهما عن سنِّ أدنى ما يجزئ في الأضحية، وتذبحان جميعاً (٣).
стр. 59
وأما قوله ﷺ : ((لا يحب الله العقوق)) فقد قال الإمام ابن عبد البر ﵀: ((وفي هذا الحديث كراهية ما يقبح معناه من الأسماء، وكان رسول الله ﷺ يحب الاسم الحسن، ويعجبه الفأل الحسن ... وكان الواجب بظاهر الحديث أن يقال للذبيحة عن المولود: نسيكة ولا يقال: عقيقة، لكني لا أعلم أحداً من العلماء مال إلى ذلك، ولا قال
стр. 60
به، وأظنهم - والله أعلم - تركوا العمل بهذا المعنى المدلول عليه من هذا الحديث؛ لما صح عندهم من لفظ العقيقة ... ))، ثم ذكر حديث سمرة بن جندب ﵁: ((كل غلام رهينة بعقيقته، تذبح عنه يوم سابعه، ويُسَمَّى فيه، ويحلق رأسه)) (١).
وحديث سلمان العنسي ﵁: ((مع الغلام عقيقته، فأهريقوا عنه دماً، وأميطوا عنه الأذى)) (٢)، ثم قال: (( ... وهما حديثان ثابتان، إسناد كل واحد منهما خير من إسناد حديث زيد بن أسلم هذا)) (٣).
وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول في العقيقة: ((لا حرج في تسميتها بالعقيقة؛ لتسمية النبي ﷺ [لها بذلك] في الأحاديث الصحيحة)) (٤)(٥).
стр. 61
ثالثاً: وقت العقيقة:
الأفضل أن تذبح عن المولود اليوم السابع، وإن ذُبحت قبل ذلك بعد الولادة فلا بأس، قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((فإن ذبحها قبل السابع جاز؛ لأنه فعلها بعد سببها، فجاز كتقديم الكفارة على الحنث ... )) (١)، ولكن السنة أن تذبح في اليوم السابع، قال الإمام ابن قدامة: ((وإن ذبح قبل ذلك أو بعده أجزأه)) (٢)، وقد دلَّت السنة الثابتة على مشروعية الالتزام بالسنة في اليوم السابع (٣)؛ لحديث
стр. 62
سمرة بن جندب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((كل غلام رهينة بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه، ويُسمَّى فيه، ويُحلق رأسُه)) (١).
رابعاً: مقدار ما يذبح في العقيقة:
السنة أن يذبح عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاةٌ؛ للأحاديث الآتية:
الحديث الأول: حديث أم كرز الكعبية ﵂، أن رسول الله ﷺ قال: ((عَنِ الْغُلامِ شَاتَانِ، وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ))، هذا لفظ النسائي، وفي لفظٍ له أيضاً: قالت ﵂: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِالْحُدَيْبِيَةِ أَسْأَلُهُ عَنْ لُحومِ الْهَدْيِ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((عَلَى الْغُلَامِ شَاتَانِ، وَعَلَى الْجَارِيَةِ شَاةٌ، لَا يَضُرُّكُمْ ذُكْرَانًا كُنَّ أَمْ إِنَاثًا))، ولفظ أبي داود: ((عَنِ الْغُلاَمِ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ))، قال أبو داود: سمعت أحمد
стр. 63
قال: مكافِئتان، أي مستويتان، أو متقاربتان))، وفي لفظ لأبي داود: قالت: قال رسول الله ﷺ : ((عَنِ الْغُلاَمِ شَاتَانِ مِثْلاَنِ، وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ)) (١).
الحديث الثاني: حديث ابن عمر ﵄ وفيه: ((مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْسُكَ عَنْ وَلَدِهِ فَلْيَنْسُكْ عَنْهُ: عَنْ الْغُلَامِ شَاتَانِ مُكَافَأَتَانِ، وَعَنْ الْجَارِيَةِ شَاةٌ))، هذا لفظ النسائي، ولفظ أبي داود: ((مَنْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ فَأَحَبَّ أَنْ يَنْسُكَ عَنْهُ فَلْيَنْسُكْ: عَنِ الْغُلاَمِ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ، وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ)) (٢).
الحديث الثالث: حديث عائشة ﵂، قالت: ((أمرنا رسول الله ﷺ : أن نعقَّ عن الغلام شاتين، وعن الجارية شاة)) (٣).
стр. 64
الحديث الرابع: حديث ابن عباس ﵄، قال: ((عقَّ رسول الله ﷺ عن الحسن والحسين ﵃: بكبشين كبشين)) (١).
الحديث الخامس: حديث أسماء بنت يزيد ﵂، عن النبي ﷺ قال: ((عَنِ الْغُلَامِ شَاتَانِ مُكَافَأَتَانِ وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ)) (٢).
وسمعت شيخنا عبد العزيز ابن باز ﵀ يقول: ((السنة في العقيقة: شاتان عن الغلام، وشاة عن الجارية، ولا حرج أن يزيد إذا كان عنده ضيوف كثير ولا يكفيهم، والعقيقة أمرها واسع، سواء وزَّعها على إخوانه، أو أكل بعضاً وأهدى بعضاً، أو دعا عليها إخوانه، والسنة مثل الأضحية، وإزالة شعر الرأس بالحلق خاص بالغلام)) (٣).
وهذه الأحاديث الصحيحة تدل على أن السنة أن يُذبح عن الغلام شاتان متماثلتان متقاربتان، وعن الجارية شاة، يتقرب بها
стр. 65
العبد إلى الله تعالى شكراً على نعمته بهذا المولود (١).
стр. 66
خامساً: السنُّ المجزئ في العقيقة سنّ الضحايا والهدايا:
قال العلامة ابن القيم ﵀: ((وفي قوله ﷺ : ((مَنْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ فَأَحَبَّ أَنْ يَنْسُكَ عَنْهُ فَلْيَنْسُكْ ... )) (١)(٢).
فاستنبط ﵀، أن هذا الحديث دليل على أنه إنما يجزئ في العقيقة ما يجزئ في النسك: من الضحايا، والهدايا؛ ولأنه ذبح مسنون إما وجوباً، وإما استحباباً: يجري مجرى الهدي والأضحية:
في الصدقة، والهدية، والأكل، والتقرب إلى الله، فاعتبر فيها السنّ الذي يجزئ في الهدي والأضحية؛ ولهذا شُرِعَ في حق الغلام شاتان، وشرع أن تكونا مكافِئتين، لا تنقص إحداهما عن الأخرى، فاعتبر أن يكون سنّهما سنّ الذبائح المأمور بها؛ ولهذا جرت مجراها في عامة أحكامها (٣)، ثم قال ابن القيم ﵀: ((قال أبو عمر ابن عبد البر: وقد
стр. 67
أجمع العلماء: أنه لا يجوز في العقيقة إلا ما يجوز في الضحايا من الأزواج الثمانية، إلا من شذّ ممن لا يُعدُّ قوله خلافاً ... وقال مالك: العقيقة، بمنزله النسك، والضحايا، ولا يجوز عوراء، ولا عجفاء، ولا مكسورة، ولا مريضة، ولا يباع من لحمها شيء، ولا جلدها ... ويأكل أهلها منها ويتصدقون)) (١).
وقال الإمام ابن قدامة ﵀: (( ... حكم العقيقة حكم الأضحية: في سنِّها، وأنه يمنع فيها من العيوب ما يمنع فيها، ويستحب فيها من الصفة ما يستحبُّ فيها)) (٢).
وقال شيخنا ابن باز ﵀: ((وقد عقَّ النبي ﷺ عن الحسن والحسين ﵄، وصاحبها مخير: إن شاء وزَّعها لحماً بين الأقارب والأصحاب، والفقراء، وإن شاء طبخها ودعا إليها من شاء من الأقارب، والجيران، والفقراء، ... )) (٣).
стр. 68
سادساً: تسمية المولود في اليوم السابع من ولادته:
الأفضل والسنة أن يُسمَّى المولود في اليوم السابع من ولادته؛ لحديث سمرة بن جندب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((كلُّ غلامٍ رهينة بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه، ويُسمَّى فيه، ويُحلق رأسه)) (١).
وإن سمَّاه قبل السابع فلا بأس؛ لحديث أنس بن مالكٍ ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((وُلِدَ لي الليلةَ غلامٌ فسميته باسم أبي إبراهيم ﵇ .. )) (٢)؛ ولحديث أبي موسى ﵁، قال: ((وُلد لي غلامٌ فأتيت به النبي ﷺ ، فسماه إبراهيم، فحنَّكه بتمرةٍ، ودعا له بالبركة، ودفعه إليَّ ... )) (٣)؛ ولحديث أنس بن مالك ﵁، قال: ذهبت بعبد الله بن أبي طلحة الأنصاري إلى رسول الله ﷺ حين وُلِدَ ورسول الله ﷺ في عباءةٍ يهنأ (٤) بعيراً له، فقال: ((هل معك تمر؟)) فقلت: نعم، فناولته تمراتٍ فألقاهن في فيه فلاكهن، ثم فغر فا الصبي (٥) فمجَّه في فيه، فجعل الصبي يتلمَّظه، قال رسول الله ﷺ : ((حبُّ الأنصار التمر))، وسماه عبد الله (٦).
стр. 69
وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: ((وهذا يدلّ على شرعية تسمية المولود أول ما يولد، وهذا سنة، ويدل على شرعية التحنيك في أول يوم)) (١).
سابعاً: تحسين اسم المولود، واختيار الاسم الذي لا محذور فيه شرعاً، ورد على أنواع:
النوع الأول: أحبُّ الأسماء إلى الله تعالى: عبد الله وعبد الرحمن؛ لحديث ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إنَّ أحبَّ أسمائكم إلى الله: عبد الله، وعبد الرحمن))، هذا لفظ مسلم، ولفظ أبي داود والترمذي: ((أحبُّ الأسماء إلى الله تعالى: عبد الله وعبد الرحمن)) (٢).
النوع الثاني: أسماء سمَّاها النبي ﷺ ابتداءً ، ومنها ما يأتي:
١ - إبراهيم ؛ لحديث أبي موسى ﵁، وفيه: ((ولد لي غلامٌ، فأتيت به النبي ﷺ ، فسمّاه إبراهيم، فحنَّكه بتمرٍ ودعا له بالبركة)) (٣)؛ ولحديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((وُلد لي الليلة غلامٌ، فسمّيته باسم أبي إبراهيم ﵇)) (٤).
стр. 70
٢ - عبد الله ؛ لحديث أنس ﵁، وفيه: أن النبي ﷺ حنَّك ابن أبي طلحة، وسماه: ((عبد الله)) (١).
٣ - كنَّى بأمِّ عبد الله ، فعن عائشة ﵂ قالت: قلت يا رسول الله كلُّ صواحبي لهنَّ كُنى، قال: ((فاكتني بابنك عبد الله بن الزبير)) [يعني ابن اختها]، فكانت تُكنَّى: أمُّ عبد الله (٢).
وَيُؤَيِّده حديث البراء بن عازب ﵃، عن النبي ﷺ قال: ((الخالة بمنزلة الأم)) (٣).
٤ - يوسف ، عن يوسف بن عبد الله بن سلام، قال: ((سمّاني رسول الله ﷺ يوسف وأقعدني على حجره ومسح على رأسي)) (٤).
النوع الثالث: أسماء غيَّرها النبي ﷺ -:
١ - ((برَّة)) سمّاها زينب ؛ لحديث أبي هريرة ﵁: أن زينب بنت أبي سلمة، كان اسمها برة (٥)، فقيل: تُزكِّي نفسها، فسماها رسول الله ﷺ
стр. 71
((زينب)) (١).
٢ - ((برة)) أسماها جويرية أيضاً؛ لحديث ابن عباس ﵄، قال: كانت جويرية اسمها برة، فحوّل رسول الله ﷺ اسمها جويرية، وكان يكره أن يقال خرج من عند برّة (٢).
٣ - ((عاصية))، سمّاها جميلة ؛ لحديث ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ غيّر اسم عاصية، وقال: ((أنت جميلة))، وفي رواية: أن ابنة لعمر كانت يقال لها عاصية، فسمّاها رسول الله ﷺ ((جميلة)) (٣).
٤ - ((أبو الحكم)) كَنَّاه النبيُّ ﷺ بأبي شريح أكبر أولاده، فقد كان يكنى بأبي الحكم فقال النبي ﷺ : ((إن الله هو الحكم وإليه الحكم))، ثم سأل الرجل عن أكبر أولاده؟ فقال: شريح، فقال النبي ﷺ : ((فأنت أبو شريح)) (٤).
٥ - ((أصرم)) إلى زُرْعة ؛ لحديث أسامة ﵁، وفيه: أن رسول الله ﷺ قال لرجل: ((ما اسمك؟)) قال: أنا أصرم، قال: ((بل أنت زُرْعة)) (٥).
стр. 72
٦ - ((حزْن)) إلى سهل ، سأل النبي ﷺ جدَّ سعيد بن المسيب، فَقَالَ: ((مَا اسْمُكَ؟))، قَالَ: اسْمِي حَزْنٌ، قَالَ: ((بَلْ أَنْتَ سَهْلٌ))، قَالَ: مَا أَنَا بِمُغَيِّرٍ اسْمًا سَمَّانِيهِ أَبِي، قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: فَمَا زَالَتْ فِينَا الْحُزُونَةُ بَعْدُ))، هذا لفظ البخاري، ولفظ أبي داود، قال: ((أنت سهل))، قال: لا، السَّهْلُ يُوطأ ويُمتهن)) (١).
٧ - ((فلان)) إلى المنذر ؛ لحديث سهل، وفيه أن النبي ﷺ سأل أبا أُسَيد عن اسم ولده فقَالَ: ((مَا اسْمُهُ؟))، قَالَ: فُلَانٌ، فقَال النَّبيّ ﷺ : ((وَلَكِنْ أَسْمِهِ الْمُنْذِرَ)) فَسَمَّاهُ يَوْمَئِذٍ الْمُنْذِرَ (٢).
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: ((وَغَيَّرَ النَّبِيُّ ﷺ اسْمَ: الْعَاصِ، وَعَزِيزٍ، وَعَتَلَةَ، وَشَيْطَانٍ، وَالْحَكَمِ، وَغُرَابٍ، وَحُبَابٍ، وَشِهَابٍ، فَسَمَّاهُ هِشَامًا، وَسَمَّى حَرْبًا سَلْمًا، وَسَمَّى الْمُضْطَجِعَ الْمُنْبَعِثَ، وَأَرْضًا تُسَمَّى عَفِرَةَ سَمَّاهَا خَضِرَةَ، وَشِعْبَ الضَّلاَلَةِ سَمَّاهُ شِعْبَ الْهُدَى، وَبَنُو الزِّنْيَةِ سَمَّاهُمْ بَنِي الرِّشْدَةِ، وَسَمَّى بَنِي مُغْوِيَةَ بَنِي رِشْدَةَ)) (٣).
وعن أبي وهب الجشمي ﵁،وفيه أن النبي ﷺ قال: (( ... وَأَحَبُّ الأَسْمَاءِ إِلَى الله: عَبْدُ الله وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَأَصْدَقُهَا حَارِثٌ وَهَمَّامٌ، وَأَقْبَحُهَا حَرْبٌ
стр. 73
وَمُرَّةُ)) (١).
ومعاني الأسماء المذكورة آنفاً:
١ - أصرم: إنما كره أصرم لما فيه من معنى الصرم: وهو القطع.
٢ - زرعة: جعله زرعة؛ لأنه من الزرع والزرع النبات، وهو ضد القطع (٢).
٣ - حزن: الحزونة: ضد السهولة، وهو ما خشن وغلظ من الأرض، ومعنى: ((يمتهن)): يداس (٣).
٤ - عتلة: العتلة: الشدة والغلظة، يقال: عتلت الرجل إذا جذبته جذباً عنيفاً، ومنه قيل: رجل عُتلٌّ، وهو الجافي الغليظ.
٥ - عزيز: إنما كره العزيز؛ لأن العبد موصوف بالذل والخضوع لله تعالى.
٦ - شهاب: وكره شهاباً؛ لأن الشهاب الشعلة؛ ولأنه يرجم به الشيطان.
٧ - غراب: وكره غراباً؛ لأن معناه البعد، والغراب من أخبث الطيور، وقد أُبيح قتله في الحلِّ والحرم.
٨ - عفرة: العفرة من عفر الأرض، وهو لونها، ورويت عثرة بالثاء،
стр. 74
وهي التي لا نبات فيها، إنما هي صعيد، علاها العثير: وهو الغبار.
٩ - بني الزنيّة: يقال فلان لزنية، إذا كان ولد زنا، وفلان لرشدة إذا كان النكاح صحيحاً.
١٠ - الحُبَاب: الحيَّة، وبه يسمَّى الشيطان حُباباً (١).
١١ - حرب: تركه لما فيه من القتل والأذى.
١٢ - مُرّة: معناها المُرّ، والمُرُّ: كريه بغيض إلى الطباع (٢).
النوع الرابع: أسماء نهى عنها النبي ﷺ -:
عن سمرة بن جندب ﵁، قال: ((نهانا رسول الله ﷺ : أن نسمِّيَ رقيقنا، بأربعة أسماء: أفلح، ورباح، ويسار، ونافع)) (٣).
وفي رواية عن سمرة عن النبي ﷺ ، وفيه: ((وَلاَ تُسَمِّيَنَّ غُلاَمَكَ يَسَارًا، وَلاَ رَبَاحًا، وَلاَ نَجِيحًا، وَلاَ أَفْلَحَ، فَإِنَّكَ تَقُولُ: أَثَمَّ هُوَ فَلاَ يَكُونُ فَيَقُولُ: لاَ)) (٤)(٥).
стр. 75
وعن جابر ﵁ قال: ((أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَنْهَى عَنْ أَنْ يُسَمَّى بِيَعْلَى، وَبِبَرَكَةَ، وَبِأَفْلَحَ، وَبِيَسَارٍ، وَبِنَافِعٍ، وَبِنَحْوِ ذَلِكَ، ثُمَّ رَأَيْتُهُ سَكَتَ بَعْدُ عَنْهَا، فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا، ثُمَّ قُبِضَ رَسُولُ الله ﷺ وَلَمْ يَنْهَ عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ أَرَادَ عُمَرُ أَنْ يَنْهَى عَنْ ذَلِكَ ثُمَّ تَرَكَهُ)) (١).
و مجموع الأسماء التي جاء النهي عنها في هذه الأحاديث على النحو الآتي:
١ - يسار .
٢ - رباح .
٣ - نجيح .
٤ - أفلح .
٥ - يعلى .
٦ - بركة .
٧ - نافع .
قال الإمام النووي ﵀: ((يكره التسمية بهذه الأسماء المذكورة في الحديث وما في معناها، ولا تختصّ الكراهة بها وحدها، وهي كراهة تنزيه لا تحريم، والعلّة في الكراهة ما بيّنه ﷺ في قوله: ((فإنك