وغيرها من الحلي الذي ليس بذهب ولا فضة، إلا أن يقصد به التجارة، ففيه زكاة عروض التجارة، والله تعالى أعلم (١).
الخامس عشر: وجوب الزكاة في الحلي المحرم، أو المعد للتجارة: من الذهب والفضة:
قال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: ((وكل ما كان اتخاذه محرماً من الأثمان لم تسقط زكاته باتخاذه؛ لأن الأصل وجوب الزكاة فيها؛ لكونها مخلوقة للتجارة، والتوسل بها إلى غيرها، ولم يوجد ما يمنع ذلك، فبقيت على أصلها)) (٢).
وذكر رحمه الله تعالى أثناء كلامه على تحريم آنية الذهب والفضة، فقال: ((إذا ثبت هذا فإن فيها الزكاة بغير خلاف بين أهل العلم، ولا زكاة فيها حتى تبلغ نصاباً بالوزن، أو يكون عنده ما يبلغ نصاباً بضمِّها إليه، وإن زادت قيمته؛ لصياغته، فلا عبرة بها؛ لأنها محرمة فلا قيمة لها في الشرع ... )) (٣).
قالت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: ((أجمع أهل العلم على وجوب الزكاة في حلي الذهب والفضة إذا كان حليًّا محرم الاستعمال، أو كان معدًّا للتجارة أو نحوها)) (٤).
السادس عشر: زكاة الحلي المباح المعد للاستعمال:
اختلف العلماء رحمهم الله تعالى، قديماً وحديثاً في زكاة الحلي المباح, الذي أُعد للاستعمال: هل تجب فيه الزكاة أو لا تجب؟ (٥).
стр. 37
وقد دل الكتاب العزيز والسنة المطهرة على وجوب ردِّ ما تنازع فيه الناس إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، عملاً بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا الله وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِالله وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (١)،وقال : ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٢). وقال : ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى الله﴾ (٣). وإذا رددنا هذه المسألة إلى الكتاب والسنة، وجدناهما يدلان دلالة ظاهرة على وجوب الزكاة في حلي النساء: من الذهب والفضة، حتى لو كان للاستعمال أو العارية، سواء كانت: قلائد، أو أسورة، أو خواتم، أو ما تحلى به السيوف والخناجر من الذهب والفضة إذا بلغ ذلك نصاباً أو كان عند مالكه من
стр. 38
الذهب والفضة أو عروض التجارة ما يكمل به النصاب، والقول بوجوب الزكاة في الحلي المباح المعد للاستعمال هو أصح أقوال أهل العلم (١)، وقد رُوي هذا الوجوب: عن عمر بن الخطاب ﵁، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، ﵃، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وعطاء، ومجاهد، وعبد الله بن شداد، وجابر بن زيد، وابن سيرين، وميمون بن مهران، والزهري، والثوري، وبه قال الإمام أبو حنيفة، وهو رواية عن الإمام أحمد، وداود الظاهري ﵏ ورضي عنهم جميعاً (٢). واستدلوا بأدلة: من الكتاب، والسنة الثابتة، وأقوال بعض أصحاب النبي ﷺ على النحو الآتي:
١ - عموم قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيم* يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ (٣). قال الإمام الطبري ﵀: (( ... قال بعضهم: هو كل مال وجبت فيه الزكاة، فلم تؤدَّ زكاته، قالوا: وعنى بقوله: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله﴾ ولا يؤدون زكاتها)) ثم ساق بإسناده إلى ابن عمر ﵄ أنه قال: ((كل مال أديت زكاته فليس بكنز، وإن كان مدفوناً، وكل مال لم تؤدَّ منه الزكاة وإن لم يكن مدفوناً فهو كنز)) (٤). ثم قال الإمام الطبري رحمه الله تعالى بعد ذكره
стр. 39
لأقوال أهل العلم في تفسير الآية: ((وأولى الأقوال في ذلك بالصحة القول الذي ذكر عن ابن عمر: من أن كل مال أديت زكاته فليس بكنز يحرم على صاحبه اكتنازه وإن كثر، وأن كل مالٍ لم تؤدَّ زكاته فصاحبه معاقب مستحق وعيد الله، إلا أن يتفضل الله عليه بعفوه، وإن قل إذا كان مما يجب فيه الزكاة)) (١). والآية عامة في زكاة الذهب والفضة، ويدخل في العموم زكاة الحلي، قال الجصاص رحمه الله تعالى: ((وجه دلالة الآية على وجوبها في الحلي لشمول الاسم له)) (٢). أي: الآية تتناول الذهب والفضة ويدخل في ذلك الحلي، فلا يجوز إخراج الحلي بدون دليل مخصص. وقال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: ((باب ما أدِّيَ زكاته فليس بكنز، ثم ساق خبر ابن عمر ﵄ أنه قال له أعرابي: أخبرني عن قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله﴾ (٣). قال ابن عمر ﵄: من كنزها فلم يؤدِّ زكاتها فويل له، إنما كان هذا قبل أن تُنزل الزكاة، فلما أنزلت جعلها الله طهرة للأموال)) (٤).
وزكاة الحلي تدخل في هذا العموم، إلا بدليل صحيح صريح مخصص)) (٥).
стр. 40
٢ - روى مسلم في صحيحه بسنده عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صُفحت له صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم، فيُكوى بها جنبه، وجبينه، وظهره، كلما بردت أعيدت له، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يُقضى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار .. )) (١). فالحديث عام في وجوب الزكاة في كل ذهب وفضة، بهذا النص الصحيح، ولم يأت إجماع قط بأنه ﵊ لم يرد إلا بعض أحوال الذهب وصفاته، فلم يجز تخصيص شيء من ذلك بغير نص صحيح ولا إجماع)) (٢).
٣ - روى أبو داود، والنسائي، وأحمد، والترمذي، واللفظ لأبي داود، عن عبد الله بن عمرو ابن العاص ﵄: أن امرأة أتت رسول الله ﷺ ومعها ابنة لها، وفي يد ابنتها مَسكتَان (٣) غليظتان من ذهب، فقال لها: ((أتعطين زكاة هذا؟ ((قالت: لا، قال: ((أيَسُرُّكِ أن يُسَوِّركِ اللهُ بهما يوم القيامة سوارين من نار؟)) قال: فخلعتهما، فألقتهما إلى النبي ﷺ ، وقالت: هما لله ولرسوله)) (٤).
стр. 41
وهذا الحديث الثابت عن النبي ﷺ يدل على وجوب الزكاة في الحلي؛ لأنه ﷺ ألحق الوعيد الشديد بترك أداء الزكاة في الحلي كما في هذا الحديث.
٤ - وروى أبو داود، واللفظ له، والحاكم، والدارقطني، والبيهقي، عن عبد الله بن شداد بن الهاد، أنه قال: دخلنا على عائشة زوج النبي ﷺ فقالت: دخل عليَّ رسول الله ﷺ ، فرأى في يديَّ فتخاتٍ (١) من وَرِقٍ، فقال: ((ما هذا يا عائشة؟)) فقلت: صنعتهنَّ أتزيَّنُ لك يا رسول الله! قال: ((أتُؤدِّين زكاتهُنَّ؟)) قلت: لا، أو ما شاء الله، قال: ((هو حَسْبُكِ من النار)) (٢).
وهذا الحديث الصحيح يدل على وجوب زكاة الحلي المعد للاستعمال؛ لأن عائشة ﵂ استعملت الفتخات لتتزين بها لرسول الله ﷺ ، ومع ذلك تَضَمَّن الحديث الوعيد لمن لم يؤدِّ زكاة الحلي، ولم يستثن النبي ﷺ من الحلي شيئاً: لا المستعار ولا غيره، فوجب الأخذ
стр. 42
بصريح النص وعمومه، ولا يجوز أن تخصص النصوص إلا بنصٍّ ثابتٍ يقتضي التخصيص (١).
٥ - وروى أبو داود بلفظه، والدارقطني، والحاكم، والبيهقي، عن أمِّ سلمة أمِّ المؤمنين ﵂ قالت: كنت ألبس أوضاحاً (٢) من ذهب، فقلت: يا رسول الله! أكنز هُوَ؟ فقال: ((ما بلغ أن تؤدَّى زكاته فزكِّي فليس بكنز)) (٣). في هذا الحديث الإشارة إلى اشتراط النصاب، وأن ما لم يبلغ النصاب فلا زكاة فيه، ولا يدخل في الكنز المتوعد عليه بالعذاب، وأن كل مال وجبت فيه الزكاة فلم يزكَّ فهو من الكنز المتوعد عليه بالعذاب، وفي الحديث الدلالة الصريحة على وجوب الزكاة في الحلي؛ لأن أم سلمة ﵂ سألت عن ذلك كما هو صريح الحديث)) (٤).
٦ - وعن فاطمة بنت قيس ﵂، قالت: أتيت النبي ﷺ بطوق فيه سبعون مثقالاً من ذهب، فقلت: يا رسول الله خذ منه الفريضة التي جعل الله فيه، قالت: فأخذ رسول الله ﷺ مثقالاً وثلاثة أرباع مثقالٍ فوجهه. قالت: فقلت: يا رسول الله خذ منه الذي جعل الله فيه، قالت:
стр. 43
فقسم رسول الله ﷺ على هذه الأصناف الستة، وعلى غيرهم، فقال: فذكره، قالت: قلت: يا رسول الله، رضيت لنفسي ما رضي الله به ورسوله)) (١). قال العلامة الألباني ﵀: ((وفي هذا الحديث دلالة صريحة على أنه كان معروفاً في عهد النبي ﷺ وجوب الزكاة على حُلي النساء، وذلك بعد أن أمر ﷺ بها في غير ما حديث صحيح، كنت ذكرت بعضها في ((آداب الزفاف))؛ ولذلك جاءت فاطمة بنت قيس ﵂ بطوقها إلى النبي ﷺ ؛ ليأخذ زكاتها منه، فليُضم هذا الحديث إلى تلك لعل في ذلك ما يقنع الذين لايزالون يفتون بعدم وجوب الزكاة على الحلي، فيحرمون بذلك الفقراء من بعض حقهم في أموال زكاة الأغنياء)).
٧ - آثار واردة عن بعض الصحابة ﵃ دالة على وجوب الزكاة، منها ما يأتي:
الأثر الأول: عن عمر بن الخطاب ثاني الخلفاء الراشدين ﵁، أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري: ((أن مرَّ من قبلك من نساء المسلمين أن يصدقن من حليهنَّ)) (٢).
стр. 44
الأثر الثاني: عن ابن عباس ﵄: ((أنه أوجب الزكاة في الحلي)) (١).
الأثر الثالث: عن ابن مسعود ﵁ أن امرأته سألته عن حلي لها، فقال: ((إذا بلغ مائتي درهم ففيه الزكاة))، قالت: أضعها في بني أخ لي في حجري؟ قال: ((نعم)) (٢).
الأثر الرابع: عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ ((أنه كان يزكي حلي نسائه، وبناته)) (٣).
الأثر الخامس: عن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: ((لا بأس بلبس الحلي إذا أعطيت زكاته)) (٤).
السابع عشر: ترجيح جمع كثير من العلماء لوجوب زكاة الحلي:
أذكر مجموعة من أهل العلم الذين بلغني قولهم بوجوب زكاة الحلي المباح الذي أعد للاستعمال، إذا كمل النصاب ودار عليه الحول، ومنهم على سبيل الإيجاز لا الحصر، ما يأتي:
١ - ابن حزم رحمه الله تعالى، حيث قال: ((والزكاة واجبة في حلي الفضة والذهب، إذا بلغ كل واحد منهما المقدار الذي ذكرنا - النصاب - وأتم
стр. 45
عند مالكه عاماً قمريًّا)) (١).
٢ - الفخر الرازي قال: ((الصحيح عندنا وجوب الزكاة في الحلي)) (٢).
٣ - الصنعاني ، قال: ((وأظهر الأقوال دليلاً وجوبها [أي وجوب زكاة الحلي]؛ لصحة الحديث وقوته)) (٣).
٤ - أحمد البناء قال: ((وأظهر الأقوال دليلاً، وأقواها، ما ذهب إليه الأولون: من وجوب الزكاة في الحلي)) (٤).
٥ - سماحة شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀، يفتي بوجوب الزكاة في الحلي المباح المعد للاستعمال منذ زمن طويل، ومن ذلك قوله ﵀:
((بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد: فقد تكرر السؤال من كثير من الناس عن حكم زكاة الحلي من الذهب والفضة وما ورد في ذلك من الأدلة؛ ولتعميم الفائدة أجبت بما يلي والله الموفق والهادي إلى الصواب:
لا ريب أن هذه المسألة من مسائل الخلاف بين أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم، وقد دل الكتاب والسنة على وجوب رد ما تنازع فيه الناس إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ عملاً بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا الله وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ
стр. 46
فَرُدُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِالله وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (١). وإذا رددنا هذه المسألة إلى الكتاب والسنة وجدناهما يدلان دلالة ظاهرة على وجوب الزكاة في حلي النساء من الذهب والفضة وإن كان هذا للاستعمال أو العارية؛ سواء كانت: قلائد, أو أسورة, أو خواتيم, أو غيرها من أنواع الذهب والفضة، ومثل ذلك ما تحلى به السيوف والخناجر, من الذهب والفضة إذا كان الموجود من ذلك نصاباً، أو كان عند مالكه من الذهب أو الفضة أو عروض التجارة ما يكمل النصاب، وهذا القول هو أصح أقوال أهل العلم في هذه المسألة، والدليل على ذلك من القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ*يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ (٢).
ومن السنة المطهرة ما ثبت في صحيح مسلم عن رسول الله ﷺ أنه قال: ((ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي حقها إلا صفحت له يوم القيامة صفائح من نار فيكوى بها جنبه, وجبينه, وظهره, كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة, ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار)) (٣). فهذان النصان العظيمان من الكتاب والسنة يعُمَّان
стр. 47
جميع أنواع الذهب والفضة ويدخل في ذلك أنواع الحلي: من الذهب, والفضة، ومن استثنى شيئاً فعليه الدليل المخصص لهذا العموم, لو لم يرد إلا العموم في هذه المسألة، فكيف وقد ورد في هذه المسألة بعينها أحاديث صحيحة دالة على وجوب الزكاة في الحلي، منها ما خرَّجه أبو داود, والنسائي بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أن امرأة دخلت على النبي ﷺ وفي يد ابنتها مسكتان من ذهب، فقال النبي ﷺ : ((أتعطين زكاة هذا؟)) قالت: لا. قال: ((أيسرك أن يسوِّرك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار)) فألقتهما وقالت: هما لله ولرسوله (١).
قال الحافظ ابن القطان: إسناده صحيح. وخرج أبو داود بإسناد جيد عن أم سلمة ﵂ أنها كانت تلبس أوضاحاً من ذهب فقالت: يا رسول الله أكنز هو؟ فقال ﵊: ((ما بلغ أن تؤدَّى زكاته فزكي فليس بكنز)) (٢) ففي هذا الحديث فائدتان جليلتان:
إحداهما: اشتراط النصاب, وأن ما لم يبلغ النصاب فلا زكاة فيه، ولا يدخل في الكنز المتوعد عليه بالعذاب.
والفائدة الثانية: أن كل مال وجبت فيه الزكاة فلم يزك فهو من الكنز المتوعد عليه بالعذاب.
وفيه أيضاً فائدة ثالثة: وهي المقصود من ذكره, وهي الدالة على وجوب الزكاة في الحلي؛ لأن أم سلمة ﵂ سألت عن ذلك كما هو
стр. 48
صريح الحديث.
ومن ذلك ما ثبت في سنن أبي داود عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ رأى عليها فتخات من فضة, فقال: ((ما هذا يا عائشة؟)) قلت: صنعتهن أتزين لك يا رسول الله. فقال: ((أتؤدين زكاتهن؟)) قلت: لا. أو ما شاءالله. قال: ((هو حسبك من النار)) (١).
ففي هذه النصوص الدلالة الظاهرة على وجوب الزكاة في حلي الذهب والفضة، وإن أعدت للاستعمال أو العارية؛ لأن الرسول ﷺ أنكر على عائشة والمرأة المذكورة في حديث عبد الله بن عمرو تركُ زكاة حليهما وهما مستعملتان له، ولم يستثن ﷺ من الحلي شيئاً لا المستعار ولا غيره، فوجب الأخذ بصريح النص وعمومه، ولا يجوز أن تخصص النصوص إلا بنص ثابت يقتضي التخصيص.
وأما ما يروى عن النبي ﷺ أنه قال: ((ليس في الحلي زكاة)) (٢). فهو حديث ضعيف لا يصلح للاحتجاج ولا يقوى على معارضة أو تخصيص هذه النصوص المتقدم ذكرها، بل قال الحافظ البيهقي: ((إنه حديث باطل لا أصل له)) نقل عنه ذلك الحافظ الزيلعي في نصب الراية، والحافظ ابن حجر في التلخيص (٣).
٦ - فضيلة الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀
стр. 49
يفتي بوجوب زكاة الحلي المباح المعد للاستعمال إذا بلغ نصاباً ودار عليه الحول، وفتاواه كثيرة في هذه المسألة (١).
وكتب رسالة لطيفة نافعة، ذكر فيها أقوال أهل العلم، وبين أنه يجب على الناس أن يردوا مسائل الخلاف عند التنازع إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ، وذكر خمسة أقوال لأهل العلم في مسألة زكاة الحلي، ومن ذلك قوله ﵀: (( ... القول الخامس: وجوب الزكاة فيه إذا بلغ نصاباً كل عام، وهومذهب أبي حنيفة [﵀] ورواية عن أحمد، ﵀، وأحد القولين في مذهب الشافعي ﵀، وهذا هو القول الراجح لدلالة الكتاب والسنة، والآثار عليه ... )) ثم ذكر الأدلة على ذلك تفصيلاً، ورد على من قال بعدم الوجوب ردًّا مفصلاً. رحمه الله تعالى (٢).
٧ – فضيلة الشيخ العلامة المحدث ناصر الدين الألباني ﵀، قال ﵀ على حديث فاطمة بنت قيس في وجوب الزكاة: ((وفي الحديث دلالة صريحة على أنه كان معروفاً في عهد النبي ﷺ وجوب الزكاة على حلي النساء، وذلك بعد أن أمر ﷺ بها في غير ما حديث صحيح كنت ذكرت بعضها في ((آداب الزفاف ص ٢٦٤))، ولذلك جاءت فاطمة بنت قيس ﵂ بطوقها إلى النبي ﷺ ليأخذ زكاتها منه، فليُضم هذا الحديث إلى تلك الأحاديث لعل في ذلك ما يُقنع الذين لا يزالون يُفتون بعدم وجوب الزكاة على الحليّ، فيحرمون بذلك الفقراء من بعض حقهم في
стр. 50
أموال زكاة الأغنياء)) (١).
٨ - فضيلة الشيخ العلامة عبد الله بن جبرين حفظه الله تعالى، قال حينما سُئل عن زكاة الحلي؟: ((لا شك أن هناك خلافاً قوياً، قديماً وحديثاً في حكم زكاة الحلي المستعمل، ولكن القول الذي أختاره لزوم إخراج زكاته كل عام، ولو كان ملبوساً؛ لقوة الأدلة التي تؤيد هذا القول، وعلى هذا فإنها تقدر بقيمتها الحالية، ولا ينظر إلى رأس مالها، فتزكَّى قيمة الحلي التي يُقوَّم بها في الحال، سواء كان أكثر مما اشترت به، أو أقل، ثم تزكي تلك القيمة بربع العشر، والله أعلم (٢).
٩ - جماعة من أهل العلم أيدوا القول بالوجوب ، ورأوا أنه الأسلم للمسلم، والأبرأ للذمة، ومنهم:
١٠ - العلامة الخطابي، قال: ((الظاهر من الكتاب يشهد لقول من أوجبها، والأثر يؤيده، ومن أسقطها ذهب إلى النظر، ومعه طرف من الأثر، والاحتياط أداؤها والله أعلم)) (٣).
١١ - العلامة السندي، قال: (( ... لكن تعدد أحاديث الباب، وتأييد بعضها ببعض يؤيد القول بالوجوب، وهو الأحوط، والله تعالى أعلم)) (٤).
١٢ - فضيلة الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي ﵀،
стр. 51
قال: (( ... قال مقيده - عفا الله عنه - وإخراج زكاة الحلي أحوط؛ لأن من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، والعلم عند الله تعالى)) (١).
١٣ - فضيلة الشيخ محمود محمد خطاب السبكي، قال ﵀: ((وأظهر الأقوال: القول الأول- القول بالوجوب؛ لقوة أدلته، وهو الأحوط)) (٢).
١٤ - الشيخ العلامة أبو بكر الجزائري، قال: ((والأحوط في حلي النساء الزكاة على كل حال)) (٣).
١٥ - فضيلة الشيخ العلامة صالح البليهي، قال: (( ... من كلام الشيخ تقي الدين، وابن القيم أن الزكاة لا تجب في الحلي، وعلى كل حال العمل بالأحوط أحوط، وأسلم للعاقبة، كيف وقد قال ﷺ : ((ما نقص مال من صدقة بل تزده بل تزده)). وقال عليه [الصلاة] والسلام: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، والحمد لله رب العالمين)) (٤).
١٦ - اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء . تصفّحت جميع الفتاوى في زكاة الحلي في فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، فوجدت أنها كلها تذكر الوجوب، وقد بدأ أصحاب الفضيلة الأعضاء ببحث قيم مفيدٍ عن زكاة الحلي المباح المعد للاستعمال، وذكروا
стр. 52
أقوال أهل العلم في الجملة، وذكروا أدلة كل فريق، ووجه الدلالة، ثم رجحوا القول بالوجوب، ثم بعد هذا البحث والترجيح اتخذوا منهجاً في جميع الفتاوى اللاحقة التي تعرض عليهم، فيفتون بوجوب الزكاة في الحلي المباح المستعمل إذا كمل النصاب، أو كان عند المالك من عروض التجارة ما يكمّل به النصاب، ودار عليه الحول، وأعضاء اللجنة هم:
١٧ - سماحة الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز رئيس اللجنة.
١٨ - صاحب الفضيلة العلامة عبد الرزاق عفيفي نائب رئيس اللجنة.
١٩ - صاحب الفضيلة العلامة عبد الله بن غديان عضو.
٢٠ - صاحب الفضيلة العلامة عبد الله بن قعود عضو (١).
ومن نماذج الفتاوى، الفتوى رقم (١٧٩٧) قال فيها أصحاب الفضيلة: ((أجمع أهل العلم على وجوب الزكاة في حلي الذهب والفضة إذا كان حلياً محرم الاستعمال، أو كان معدًّا للتجارة، أو نحوها، أما إذا كان حلياً مباحاً معدًّا للاستعمال أو الإعارة: كخاتم الفضة، وحلية النساء، وما أبيح من حلية السلاح، فقد اختلف أهل العلم في وجوب زكاته ... )) ثم ذكروا القولين المشهورين، كل قول بدليله، وأجادوا وأفادوا ثم قالوا:
((والأرجح من القولين قول من قال بوجوب الزكاة فيها، إذا بلغت النصاب، أو كان لدى مالكيها: من الذهب، والفضة، أو عروض التجارة، ما يكمل النصاب؛ لعموم الأحاديث في وجوب الزكاة في الذهب والفضة، وليس هناك مخصص صحيح فيما نعلم؛ ولأحاديث: عبد الله بن عمرو بن العاص، وعائشة، وأم سلمة المتقدم ذكرها، وهي
стр. 53
أحاديث جيدة الأسانيد، لا مطعن فيها مؤثر، فوجب العمل بها. أما تضعيف الترمذي، وابن حزم لها والموصلي فلا وجه له، فيما نعلم، مع العلم بأن الترمذي ﵀ معذور فيما ذكره؛ لأنه ساق حديث عبد الله بن عمرو من طريق ضعيفة وقد رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، من طريق أخرى صحيحة، ولعل الترمذي لم يطلع عليها.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان عبد الرزاق عفيفي ... عبدالعزيز بن عبد الله بن باز (١)
الثامن عشر: أهل الزكاة ثمانية أصناف، على النحو الآتي:
١ - الفقير: وهو من لا يجد شيئاً، أو يجد أقل من نصف الكفاية، فتُكمّل له كفايته من النفقة، فيُعطى من الزكاة ما يكفيه حولاً كاملاً.
٢ - المسكين: وهو من يجد نصف الكفاية أو أكثرها، فتُكمّل له كفايته من النفقة، فيُعطى من الزكاة ما يكفيه حولاً كاملاً.
هذا إذا جمع بين لفظ الفقير ولفظ المسكين كما في آية مصارف الزكاة، أما إذا أطلق لفظ أحدهما ولم يذكر الآخر دخل أحدهما في الآخر: فالفقير هو المسكين، والمسكين هو الفقير؛ ولهذا يقال: إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا: مثل لفظ الإسلام ولفظ الإيمان.
٣ - العامل عليها: وهو الجابي، والحافظ، والكاتب والقاسم
стр. 54
فيُعطى بقدر أجرته من الزكاة حتى لو كان غنيًّا، إلا إذا كان له مرتب من بيت مال المسلمين فلا يُعطى من الزكاة؛ لأنه إنما أعطي من الزكاة بقدر أجرته وقد حصل له ذلك.
٤ - المؤلَّف: وهو السيد المطاع في عشيرته ممن يُرجى إسلامه، أو يُخشى شرّه، أو يُرجى بعطيته قوة إيمانه، فيُعطى من الزكاة ما يحصل به التأليف؛ لترغيبه في الإسلام، أو كفّ شرّه، أو قوّة إيمانه, أو تأثيره على أتباعه في دخولهم في الإسلام.
٥ - المكاتَب: يُعطى من الزكاة ما يقضي دينه، ويفكّ منها الأسير المسلم، ويجوز العتق منها لعموم الآية.
٦ - الغارم: وهو من تدين للإصلاح بين الناس ولو كان غنيًّا، أو تدين لنفسه وأعسر، فلم يستطع القضاء فيُعطى ما يقضي به دينه.
٧ - الغازي في سبيل الله: الذي ليس له مرتب ولو كان غنيًّا؛ لأنه لحاجة المسلمين وهو متطوع، أما الغزاة الذين لهم ديوان فلا يُعطون من الزكاة، فيُعطى الغازي المذكور ما يحتاج إليه في غزوه.
٨ - ابن السبيل: وهو الغريب المنقطع المسافر لغير بلده، فيُعطى ما يوصله إلى بلده ولو كان غنيًّا في بلده إذا لم يجد من يقرضه.
التاسع عشر: أصناف الذين لا يصحّ دفع الزكاة إليهم:
على النحو التالي:
١ - آل النبي محمد ﷺ وهم بنو هاشم؛ لأن الزكاة محرّمة عليهم؛
стр. 55
لأنها أوساخ الناس.
٢ – الأغنياء بمال أو كسب .
٣ – الكفار إلا المؤلَّفة قلوبهم سواء كان الكافر أصليَّا أو مرتدًّا.
٤ – الرقيق المملوك ؛ لأن نفقته على سيده.
٥ – من تلزم نفقته: كالزوجة، ووالديه وإن علوا، وأولاده وإن نزلوا، الوارث منهم وغيره.
٦ – الفاسق والمبتدع الذين يصرفونها في المعاصي؛ لأن من أظهر بدعةً أو فجوراً يستحق العقوبة بالهجر وغيره والاستتابة، فكيف يُعان على ذلك، فينبغي للإنسان أن يتحرّى بزكاته المستحقين من أهل الدين المتّبعين للشريعة.
٧ – جهات الخير من غير الأصناف الثمانية: كبناء المساجد، وإصلاح الطرق، وتجهيز الأموات، ودور تحفيظ القرآن الكريم، وغير ذلك من الجهات الخيرية.
والزكاة حق الله، لا تجوز المحاباة فيها لمن لا يستحقّها، ولا أن يجلب الإنسان بها لنفسه نفعاً، أو يدفع شرًّا، ولا أن يقي بها ماله أو يدفع بها عنه مذمة، بل يجب دفعها لهم؛ لكونهم من أهلها (١).
والله أسأل التوفيق والقبول، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا وإمامنا
стр. 56
وأسوتنا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
تمت بحمد الله تعالى الرسالة الرابعة، ويليها إن شاء الله تعالى الرسالة الخامسة: ((زكاة عروض التجارة)).