رسائل سعيد بن علي بن وهف القحطاني
زكاة الأثمان
الذهب، والفضة، والعملات المعدنية، والورقية
في ضوء الكتاب والسنة
تأليف الفقير إلى الله تعالى
د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً, أما بعد:
فهذه رسالة مختصرة في ((زكاة الأثمان)): من الذهب، والفضة، وما يقوم مقامهما من العملات الورقية، والمعدنية، بيَّنت فيها بإيجاز: مفهوم الأثمان: لغة، واصطلاحاً، وأوضحت وجوب الزكاة في الذهب والفضة: بالكتاب، والسنة، والإجماع، وذكرت مقدار نصاب الذهب والفضة، وأوضحت زكاة العملات الورقية والمعدنية المتداولة بين الناس الآن، وحكم ضمّ الذهب والفضة بعضهما إلى بعض في تكميل النصاب، وضمّ عروض التجارة إلى كل من الذهب والفضة في تكميل النصاب، وأن مقدار الواجب من الزكاة في الذهب والفضة: ربع العشر، وضربت الأمثلة على كيفية إخراج الزكاة بالطرق الحسابية الميسرة، وأوضحت حكم إخراج أحد النقدين عن الآخر في الزكاة، وذكرت ما يباح للرجال: من الفضة، والذهب، وما يباح للنساء من ذلك، وأن آنية الذهب والفضة محرمة على الرجال والنساء جميعاً، وذكرت أن الزكاة تجب في الحلي محرّم الاستعمال: من الذهب، والفضة، أو إذا كان من
стр. 3
عروض التجارة إجماعاً، ثم ذكرت أقوال العلماء في حكم زكاة الحلي المباح المعدّ للاستعمال، وأدلّة كل فريق، واجتهدت في اختيار القول الذي يدل عليه الكتاب، والسنة، والآثار عن الصحابة ﵃، ثم ذكرت ترجيح بعض العلماء قديماً وحديثاً في حكم زكاة الحلي، وختمت هذه الأقوال بفتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، ثم ذكرت: مصارف الزكاة: أهل الزكاة بأصنافهم الثمانية، وختمت ذلك بالأصناف الذين لا يصح دفع الزكاة إليهم، وقد استفدت كثيراً من تقريرات وترجيحات سماحة شيخنا الإمام عبدالعزيز بن عبد الله ابن باز، رفع الله منزلته، ونوَّر له في قبره، ورحمه رحمة واسعة.
والله أسأل أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، وأن يجعله مباركاً، نافعاً، وأن ينفعني به في حياتي، وبعد مماتي، وأن ينفع به كل من انتهى إليه؛ فإنه خير مسؤول، وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، وخيرته من خلقه، وأمينه على وحيه، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.
المؤلف أبو عبدالرحمن
سعيد بن علي بن وهف القحطاني
حرر عشية الأحد الموافق ١٥/ ٣/١٤٢٦هـ بالرياض
стр. 4
زكاة الأثمان: الذهب والفضة، والعملات: الورقية, والمعدنية
أولاًَ: مفهوم الأثمان:
الأثمان لغة: الثمن: العوض، والجمع أثمان، مثل: سبب وأسباب، يقال: ثمَّنته تثميناً: جعلت له ثمناً بالحدس والتخمين (١).
والثمن: العوض الذي يؤخذ على التراضي في مقابلة البيع عيناً كان أو سلعة (٢).
واصطلاحاً: الذهب والفضة أو ما يقوم مقامهما من العملات الورقية، أو النحاسية المستعملة الآن، ويقال أيضاً للذهب والفضة: النقدان، وجمعها نقود، والنقد هو العملة من الذهب والفضة أو ما يقوم مقامهما من العملات المستعملة بين الناس في البيع والشراء، وأنواع المنافع والمصالح (٣).
والخلاصة: أن النقدين من الذهب والفضة: ما اتَّخذه الناس ثمناً من المعادن المضروبة أو الأوراق المطبوعة الصادرة عن المؤسسة المالية، صاحب الاختصاص، وجمع النقدين: نقود (٤).
ثانياً: زكاة الذهب والفضة: واجبة ب الكتاب والسنة والإجماع:
أما الكتاب؛ فلقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ* يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ
стр. 5
فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ (١).
قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((ولا يتوعد بهذه العقوبة إلا على ترك واجب)) (٢).
وقال الله : ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ الله مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِله مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (٣).
وأما السنة ؛ فلحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من صاحب ذهب ولا فضةلا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة صُفِّحت له صفائح من نار فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى
بها جنبه، وجبينه، وظهره، كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار)) (٤)؛ ولحديث أبي هريرة ﵁ عنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((من آتاه الله مالاً فلم يؤدِّ زكاته مُثِّل له يوم القيامة شجاعاً أقرع (٥) له زبيبتان (٦) يطوِّقه يوم القيامة،
стр. 6
ثم يأخذ بلهزمتيه - يعني شدقيه - ثم يقول: أنا مالك، أنا كنزك، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ الله مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِله مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (١). وفي لفظ: ((يكون كنز أحدكم يوم القيامة شجاعاً أقرع يفرُّ منه صاحبه ويطلبه ويقول: أنا كنزك، قال: والله لن يزال يطلبه حتى يبسط يده فيلقمها فاه)) (٢).
أما الإجماع ، فقال الإمام ابن المنذر رحمه الله تعالى: ((وأجمعوا على أن في مائتي درهم خمسة دراهم، وأجمعوا على أن الذهب إذا كان عشرين مثقالاً وقيمتها مائتا درهمٍ أن الزكاة تجب فيه وانفرد الحسن البصري ... )) (٣). وقال الإمام ابن قدامة ﵀: ((وأجمع أهل العلم على أن في مائتي درهم خمسة دراهم، وعلى أن الذهب إذا كان عشرين مثقالاً، وقيمته مائتا درهم أن الزكاة تجب فيه، إلا ما اختلف فيه عن الحسن)) (٤).
ثالثاً: نصاب الذهب والفضة على النحو الآتي:
١ - نصاب الفضة ، إذا بلغت الفضة مائتي درهم ففيها الزكاة؛
стр. 7
لحديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((قد عفوت عن الخيل والرقيق، فهاتوا صدقة الرقة (١) من كل أربعين درهماً درهماً، وليس في تسعين ومائة شيء، فإذا بلغت مائتين ففيها خمسة دراهم)) (٢)؛ ولحديث علي ﵁ عن النبي ﷺ وفيه: (( ... فإذا كانت لك مائتا درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم ... )) (٣)؛ ولحديث أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: ((ليس فيما دون خمس أواقٍ [من الورق] صدقة، وليس فيما دون خمس ذودٍ [من الإبل] صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسقٍ [من التمر] صدقة)) (٤). قال الإمام ابن الأثير رحمه الله تعالى: ((الأقية التي جاء ذكرها في الأحاديث مبلغها أربعون درهماً .. )) (٥). قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((وجملة ذلك أن نصاب الفضة مائتا درهم، لا خلاف في ذلك
стр. 8
بين علماء الإسلام، وقد بيَّنته السنة التي رويناها بحمد الله، والدراهم التي يعتبر بها النصاب: هي الدراهم التي كلُّ عشرة منها وزنُ سبعة مثاقيل بمثقال الذهب، وكلُّ دِرْهَمٍ نصف مثقال وخُمْسُهُ، وهي الدراهم الإسلامية التي تقدَّر بها نُصُبُ الزكاة، ومقدار الجزية، والديات، ونصاب القطع في السرقة، وغير ذلك .. )) (١)(٢). وقد ذكر المرداوي ﵀ في كتابه الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف: أن زنة كل مثقال اثنتان وسبعون حبة شعير متوسطة (٣). وقال العلامة عبدالرحمن القاسم: ((المثقال زنة اثنتان وسبعون حبة من حب الشعير الممتلئ، غير الخارج عن مقادير حب الشعير غالباً)) (٤). وحرر شيخنا الإمام عبدالعزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ ذلك فقال: ((زنة المثقال اثنتان وسبعون حبة شعير متوسطة)) (٥)(٦).
стр. 9
وقد جَرَّبْتُ ذلك بنفسي، فأخذت اثنتين وسبعين حبة من حب الشعير المتوسط ووزنته في ميزان الذهب عند أصحاب الذهب فكان وزنه أربعة غرامات وستة من عشرة (٤.٦) (١). وهذا هو وزن المثقال الواحد، وحرر
стр. 10
شيخنا الإمام عبدالعزيز بن عبد الله ابن باز ﵀، وحررت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء أن نصاب الفضة مائة وأربعون مثقالاً (١)، فيكون النصاب بالغرامات:
٤.٦ جرامات × ١٤٠مثقالاً = ٦٤٤ جراماً، وهذا الوزن هو نصاب الفضة تقريباً، وهو وزن خمس أواقٍ من الفضة، ويعادل مائتي درهم كما تقدم، فإذا نقص المال عن ذلك التقدير فلا زكاة فيه إلا أن يكون في ملكه عروض تجارة؛ فإنها تضم إلى الفضة في تكميل النصاب.
قال الإمام ابن قدامة ﵀: (( ... عروض التجارة تضمُّ إلى كل واحد من الذهب والفضة، ويكمّل به نصابه، لا نعلم فيه اختلافاً)). قال الخطابي: ((لا أعلم عامتهم اختلفوا فيه؛ لأن الزكاة إنما تجب في قيمتها فتقوم بكل واحد منها، فتضم إلى كل واحد منهما، ولو كان له ذهب وفضة وعروض وجب ضم الجميع إلى بعضٍ في تكميل النصاب؛ لأن العرض مضمومٌ إلى كل واحد منهما، فيجب ضمهما إليه، وجَمْع الثلاثة)). فلو كان يملك عشرة مثاقيل من الفضة، وخمسة مثاقيل من الذهب، وعقار معروض للبيع، وكلها دار عليها الحول؛ فإنه في هذه الحالة يضم بعضها إلى بعض في تكميل النصاب، فيحصي قيمة الذهب، والفضة، والعقار، ثم
стр. 11
يخرج الزكاة (١).
٢ - نصاب الذهب ، إذا بلغ الذهب عشرين ديناراً، أو عشرين مثقالاً ففيه الزكاة؛ لحديث علي ﵁ يرفعه إلى النبي ﷺ قال: (( ... فإذا كانت لك مائتا درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شيء، - يعني في الذهب - حتى يكون لك عشرون ديناراً، فإذا كان لك عشرون ديناراً؛ وحال عليها الحول ففيها نصف دينار، فما زاد فبحساب ذلك، وليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول)) (٢)؛ ولحديث عائشة أم المؤمنين وابن عمر ﵃ أن النبي ﷺ ((كان يأخذ من كل عشرين ديناراً فصاعداً نصف دينار، ومن الأربعين ديناراً ديناراً)) (٣). ولحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعاً: ((ليس في أقل من عشرين مثقالاً من الذهب ولا في أقل من مائتي درهم صدقة)) (٤).
стр. 12
قال الإمام ابن المنذر ﵀: ((وأجمعوا على أن الذهب إذا كان عشرين مثقالاً وقيمتها مائتا درهم أن الزكاة تجب فيه، وانفرد الحسن البصري فقال: ليس فيما دون أربعين ديناراً صدقة، وأجمعوا على أن الذهب إذا كان أقل من عشرين مثقالاً، ولا يبلغ قيمتها مائتي درهم أن لا زكاة فيه)) (١). وقد حقق الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى أن نصاب الذهب عشرون مثقالاً من غير اعتبار قيمتها؛ للأدلة الثابتة عن النبي ﷺ (٢)؛ ولأن الذهب والفضة مال تجب الزكاة في عينه، فلم يعتبر بغيره كسائر الأموال، وهذا هو الصواب الذي لا شك فيه (٣).
والخلاصة أن نصاب الذهب عشرون ديناراً، وهي عشرون مثقالاً، وزن المثقال الواحد ٤.٦ جرامات، ووزن عشرين مثقالاً يساوي ٩٢ جراماً، وهي تساوي ١١.٥ جنيهاً سعودياً، وزن الجنيه مثقالان إلا ربع، أي: ١.٧٥ أي جنيه وخمسة وسبعون بالمائة تقريباً. قال سماحة شيخنا الإمام ابن باز ﵀: ((وقد حررنا هذا فوجدنا النصاب اثنين وتسعين [يعني جراماً] إلا كسراً يسيراً، يعني عشرين مثقالاً، وهي أحد عشر جنيهاً
стр. 13
ونصف جنيه سعودي [لأن زنة الجنيه المذكور مثقالان إلا ربع مثقال].
وقال في موضع آخر: ((ومقدار النصاب بالجنيه السعودي والإفرنجي حتى يمكن تقدير الأوراق النقدية والعروض التجارية بذلك - أحد عشر جنيهاً وثلاثة أسباع الجنيه)) (١). وهكذا قالت
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (٢). والله تعالى أعلم (٣). وتقدم أن الإمام ابن قدامة ﵀ حكى الإجماع على أن عروض التجارة تضم إلى كل واحدٍ من الذهب والفضة في تكميل النصاب، وكذلك لو كان له ذهب، وفضة، وعروض تجارة لم يبلغ أحد منهم النصاب فإنه يضم بعضها إلى بعض، والخلاف إنما جاء في ضم الفضة إلى الذهب وليس معهما عروض تجارة (٤). فلو كان له عشرة مثاقيل من الفضة، وخمسة مثاقيل من الذهب، وبيت قد عرضه للبيع وكلها دار عليها الحول؛ فإنه يحصي قيمة الجميع ثم يخرج زكاتها.
стр. 14
رابعاً: زكاة العملات المعدنية والورقية:
إذا بلغت العملات الورقية أو المعدنية نصاب الذهب أو الفضة زُكِّيت؛ فإن حكمها حكم النقدين على القول الصحيح، فينظر إلى ما يقابلها من النقدين؛ فإن بلغت قيمتها عشرين مثقالاً من الذهب، أو مائتي درهم من الفضة، وحال عليها الحول ففيها الزكاة (١)؛ لأنها بمنزلة النقدين في وجوب الزكاة؛ لدخولها في عموم قول الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (٢)؛ ولعموم قوله ﵊ لمعاذ بن جبل ﵁ حينما بعثه إلى اليمن، وفيه: (( ... فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم زكاة تؤخذ من أموالهم وتردُّ على فقرائهم .. )) (٣).
فالعملات الورقية، والمعدنية مال، والناس يجعلونها في منزلة النقدين من الذهب والفضة؛ ولهذا تكون الزكاة فيها واجبة إذا بلغت نصاب الذهب أو نصاب الفضة، وحال عليها الحول (٤).
خامساً: حقيقة الأوراق النقدية:
قرار هيئة كبار العلماء
رقم (١٠) وتاريخ ١٧/ ٤/١٣٩٣ ه ـ
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده, محمد، وعلى آله وصحبه، وبعد:
стр. 15
فبناء على توصية رئيس إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، والأمين العام لهيئة كبار العلماء بدراسة موضوع الورق النقدي من قبل هيئة كبار العلماء؛ استناداً إلى المادة السابعة من لائحة سير العمل في الهيئة التي تنص على أن ما يجري بحثه في مجلس الهيئة يتم بطلب من ولي الأمر، أو بتوصية من الهيئة، أو من أمينها، أو من رئيس إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، أو من اللجنة الدائمة المتفرعة عن الهيئة، فقد جرى إدراج الموضوع في جدول أعمال الهيئة لدورتها الثالثة المنعقدة فيما بين ١/ ٤/١٣٩٣هـ و١٧/ ٤/١٣٩٣هـ، وفي تلك الدورة جرى دراسة الموضوع بعد الاطلاع على البحث المقدم عنه من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.
وبعد استعراض الأقوال الفقهية التي قيلت في حقيقة الأوراق النقدية من اعتبارها أسناداً، أو عروضاً، أو فلوساً، أو بدلاً عن ذهب أو فضة، أو نقداً مستقلاً بذاته، وما يترتب على تلك الأقوال من أحكام شرعية – جرى تداول الرأي فيها، ومناقشة ما على كل قول منها من إيرادات. فتنتج عن ذلك عديد من التساؤلات التي تتعلق بالإجراءات المتخذة من قبل الجهات المصدرة لها:
وحيث إن الموضوع من المسائل التي تقضي المادة العاشرة من لائحة سير عمل الهيئة بالاستعانة بالشؤون الاقتصادية والاجتماعية والأنظمة العامة بما في ذلك القضايا البنكية والتجارية والعمالية؛ فإن عليها أن تشرك في البحث معها واحداً أو أكثر من المتخصصين في تلك العلوم – فقد جرى استدعاء سعادة محافظ مؤسسة النقد العربي السعودي
стр. 16
الدكتور أنور علي، وحضر معه الدكتور عمر شابريه أحد المختصين في العلوم الاقتصادية، ووجهت إلى سعادته الأسئلة التالية:
س١: هل تعتبر مؤسسة النقد ورق النقد السعودي نقداً قائماً بذاته أم تعتبره سندات تتعهد الدولة بدفع قيمتها لحاملها، كما هو مُدوَّنٌ على كل فئة من فئات أوراق النقد السعودي، وإذا لم يرد معنى هذه العبارة، فما معنى الالتزام بتسجيلها على كل ورقة، وهل يعني ذلك التعهد أن ورق النقد السعودي مغطى بريالات فضية أم لا؟
س ٢: هل لكل عملة ورقية غطاء مادي محفوظ في خزائن مصدِّريها، وإذا كان كذلك فهل هو غطاء كامل أم غطاء للبعض فقط، وإذا كان غطاء للبعض فما هو الحد الأعلى للتغطية، وما هو الحد الأدنى لها؟
س ٣: ما نوع غطاء العملات الورقية، وهل توجد عملة لأي دولة ما مغطاة بالفضة، وهل هناك جهات إصدار تخلت عن فكرة التغطية المادية مطلقاً؟
س ٤: المعروف أن الورقة النقدية لا قيمة لها في ذاتها، وإنما قيمتها في أمر خارج عنها، فما هي مقومات هذه القيمة؟
س ٥: نرغب شرح نظرية غطاء النقد بصفة عامة، وما هي مقومات اعتبار العملة الورقية على الصعيدين الدولي والمحلي؟
س ٦: هل الغطاء لا يكون إلا بالذهب، وإذا كان بالذهب وغيره فهل غير الذهب فرع عن الذهب باعتبار أنه قيمة له، وهل يكفي للغطاء ملاءة ومتانة اقتصادها وقوتها ولو لم يكن لنقدها رصيد؟
стр. 17
س ٧: ما يسمى بالدينار، والجنيه هل هو مغطى بالذهب؛ ولذا سمي ديناراً أو جنيهاً رمزاً لما غطي به، ومثله الريال السعودي هل هو مغطى بفضة أم أن هذه التسميات يقصد منها المحافظة على التسميات القديمة للعُمَلِ المتداولة فيما مضى بغض النظر عما هي مستندة عليه من ذهب أو فضة؟
س ٨: ما السبب في عدم الثقة في النقد المتداول اليوم مما أدى إلى ارتفاع الذهب ارتفاعاً لم يسبق له نظير؟
وأجاب سعادته عنها بواسطة المترجم القائد الدكتور أحمد المالك إجابة جرى رصد خلاصتها في محضر الجلسة مع سعادته، وقد توصلت بها الأكثرية من الهيئة إلى الاقتناع بما ارتأته فيها من رأي.
ثم بعد إعادة النظر في الأقوال الفقهية التي قيلت فيها على ضوء الإيضاحات التي ذكرها سعادة المحافظ قرر المجلس بالأكثرية ما يلي:
بناء على أن النقد هو كل شيء يجري اعتباره في العادة أو الاصطلاح، بحيث يلقى قبولاً عاماً كوسيط للتبادل، كما أشار إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: ((وأما الدرهم والدينار فما يعرف له حد طبعي ولا شرعي، بل مرجعه إلى العادة والاصطلاح؛ وذلك لأنه في الأصل لا يتعلق المقصود به، بل الغرض أن يكون معياراً لما يتعاملون به، والدراهم والدنانير لا تقصد لنفسها، بل هي وسيلة إلى التعامل بها؛ ولهذا كانت أثماناً ... إلى أن قال: والوسيلة المحضة التي لا يتعلق بها غرض، لا بمادتها ولا بصورتها يحصل بها المقصود كيفما كانت)). اهـ (١).
стр. 18
وذكر نحو ذلك الإمام مالك في (المدونة) من كتاب الصرف حيث قال: ((ولو أن الناس أجازوا بينهم الجلود حتى يكون لها سكة وعين لكرهتها أن تباع بالذهب والورق نظرة)) اهـ (١).
وحيث إن الورق النقدي يلقى قبولاً عاماً في التداول، ويحمل خصائص الأثمان من كونه مقياساً للقيم ومستودعاً للثروة، وبه الإبراء العام، وحيث ظهر من المناقشة مع سعادة المحافظ: أن صفة السندية فيها غير مقصودة، والواقع يشهد بذلك ويؤكده، كما ظهر أن الغطاء لا يلزم أن يكون شاملاً لجميع الأوراق النقدية، بل يجوز في عرف جهات الإصدار أن يكون جزءاً من عملتها بدون غطاء، وأن الغطاء لا يلزم أن يكون ذهباً، بل يجوز أن يكون من أمور عدة: كالذهب والعملات الورقية القوية، وأن الفضة ليست غطاءً كلياً أو جزئياً لأي عملة في العالم، كما اتضح أن مقومات الورقة النقدية قوة وضعفاً مستمدة مما تكون عليه حكومتها من حال اقتصادية، فتقوى الورقة بقوة دولتها وتضعف بضعفها، وأن الخامات المحلية؛ كالبترول والقطن والصوف لم تعتبر حتى الآن لدى أي من جهات الإصدار غطاء للعملات الورقية.
وحيث إن القول باعتبار مطلق الثمنية علة في جريان الربا في النقدين هو الأظهر دليلاً، والأقرب إلى مقاصد الشريعة، وهو إحدى الروايات عن الأئمة مالك, وأبي حنيفة, وأحمد، قال أبو بكر: روى ذلك عن أحمد
стр. 19
جماعة، كما هو اختيار بعض المحققين من أهل العلم؛ كشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وغيرهما.
وحيث إن الثمنية متحققة بوضوح في الأوراق النقدية؛ لذلك كله فإن هيئة كبار العلماء تقرر بأكثريتها: أن الورق النقدي يعتبر نقداً قائماً بذاته كقيام النقدية في الذهب والفضة وغيرها من الأثمان، وأنه أجناس تتعدد بتعدد جهات الإصدار، بمعنى: أن الورق النقدي السعودي جنس، وأن الورق النقدي الأمريكي جنس، وهكذا كل عملة ورقية جنس مستقل بذاته، وأنه يترتب على ذلك الأحكام الشرعية الآتية:
أولاً: جريان الربا بنوعيه فيها، كما يجري الربا بنوعيه في النقدين: الذهب, والفضة, وفي غيرهما من الأثمان كالفلوس، وهذا يقتضي ما يلي:
(أ) لا يجوز بيع بعضه ببعض أو بغيره من الأجناس النقدية الأخرى من ذهب أو فضة أو غيرهما – نسيئة مطلقاً، فلا يجوز مثلاً بيع الدولار الأمريكي بخمسة أريلة سعودية أو أقل أو أكثر نسيئة.
(ب) لا يجوز بيع الجنس الواحد منه بعضه ببعض متفاضلاً، سواء كان ذلك نسيئة أو يداً بيد، فلا يجوز مثلاً بيع عشرة أريلة سعودية ورق بأحد عشر ريالاً سعودياً ورقاً.
(ج) يجوز بيع بعضه ببعض من غير جنسه مطلقاً، إذا كان ذلك يداً بيد، فيجوز بيع الليرة السورية أو اللبنانية بريال سعودي، ورقاً كان أو فضة، أو أقل من ذلك أو أكثر، وبيع الدولار الأمريكي بثلاثة أريلة سعودية أو أقل أو أكثر إذا كان ذلك يداً بيد، ومثل ذلك في الجواز بيع
стр. 20
الريال السعودي الفضة بثلاثة أريلة سعودية ورق أو أقل أو أكثر يداً بيد؛ لأن ذلك يعتبر بيع جنس بغير جنسه ولا أثر لمجرد الاشتراك في الاسم مع الاختلاف في الحقيقة.
ثانياً: وجوب زكاتها إذا بلغت قيمتها أدنى النصابين من ذهب أو فضة أو كانت تكمل النصاب مع غيرها من الأثمان والعروض المعدة للتجارة إذا كانت مملوكة لأهل وجوبها.
ثالثاً: جواز جعلها رأس مال في السلم والشركات.
والله أعلم، وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
هيئة كبار العلماء (١)
رئيس الدورة الثالثة: محمد الأمين الشنقيطي (متوقف) ... صالح بن لحيدان (متوقف) ... عبد الله بن منيع
عبد الرزاق عفيفي: لي وجهة نظر أخرى في الأوراق النقدية أقدم بها بياناً إن شاءالله ... عبد الله بن حميد (متوقف) ... عبدالعزيز بن باز
عبد الله خياط
عبدالمجيد حسن ... عبدالعزيز بن صالح ... محمد الحركان
إبراهيم محمد آل الشيخ ... سليمان بن عبيد ... صالح بن غصون
عبد الله بن غديان (متوقف) ... راشد بن خنين ... محمد بن جبير
سادساً: حكم ضم الذهب والفضة بعضهما إلى بعض في تكميل النصاب:
قال الإمام الحجَّاوي ﵀: ((ويُضمُّ الذهب إلى الفضة في تكميل
стр. 21
النصاب، وتضمُّ قيمة العروض إلى كل منهما)) (١). وقال العلامة محمد بن مفلح المقدسي ﵀: ((ويكمل نصاب أحدهما بالآخر في روايةٍ اختارها الأكثر: الخلاَّلُ، والخرقيُّ، والقاضي وأصحابه، وصاحب ((المحرر)) وغيرهم، حاضراً (٢)، أو دينٌ فيه زكاةٌ؛ لأن مقاصدهما وزكاتهما متفقةٌ، فهما كنوعي الجنس)) (٣). ((من حبٍّ أو ثمرٍ في ضم أحدهما إلى الآخر، وفي الاجتزاء بأحدهما عن الآخر)) (٤)(٥).
стр. 22
سابعاً: تضم عروض التجارة إلى كل من الذهب والفضة:
عروض التجارة: كل ما أعد للتجارة، وهذه تضم قيمتها إلى كل من
стр. 23
الذهب والفضة في تكميل النصاب؛ لأن عروض التجارة تضم إليهما في تكميل النصاب، قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((لا نعلم فيه خلافاً)). وقال ابن قدامة ﵀ أيضاً: ((ولو كان له ذهب، وفضة، وعروض، وجب ضم الجميع بعضه إلى بعض في تكميل النصاب؛ لأن العروض مضمومٌ إلى كل واحد منهما، فيجب ضمهما إليه وجمع الثلاثة ... )) (١). والاختلاف إنما وقع إذا كان للإنسان المسلم من كل واحد من الذهب والفضة مالاً يبلغ نصاباً بمفرده، أو كان له نصاب من أحدهما وأقل من نصاب من الآخر)) (٢). [وتقدم تفصيل ذلك].
ثامناً: مقدار الزكاة في الذهب والفضة: ربع العشر:
فإذا تمت الفضة مائتي درهمٍ، والذهب عشرين ديناراً فالواجب في كلٍ منهما: ربع العشر، قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((ولا نعلم خلافاً بين أهل العلم في أن زكاة الذهب والفضة: رُبعُ عُشْرِهِ)) (٣). وقد ثبت ذلك في حديث أنس ﵁ الذي كتب له أبو بكر ﵁ في فريضة الصدقة التي فرض رسول الله ﷺ على المسلمين، وفيه: ((وفي الرقة ربع العشر، فإن لم تكن إلا تسعين ومائة فليس فيها شيء إلا أن يشاء ربها)) (٤)؛ ولحديث علي ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((هاتوا ربع العشور: من كل أربعين درهماً درهم، وليس عليكم شيء حتى تتمّ مائتي درهمٍ، فإذا كانت مائتي درهمٍ ففيها خمسة
стр. 24
دراهم، فما زاد فعلى حساب ذلك)) (١)؛ولحديث علي ﵁ أيضاً عن النبي ﷺ ، وفيه: (( ... فإذا كانت لك مائتا درهم، وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شيء - يعني في الذهب - حتى يكون لك عشرون ديناراً، فإذا كان لك عشرون ديناراً، وحال عليها الحول ففيها نصف دينار، فما زاد فبحساب ذلك ... وليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول)) (٢)؛ ولحديث عائشة وابن عمر ﵃: أن النبي ﷺ ((كان يأخذ من كل عشرين ديناراً نصف دينارٍ، ومن كل أربعين ديناراً ديناراً)) (٣). وفي الزيادة على نصاب الذهب والفضة الزكاة بحساب ذلك حتى ولو كانت الزيادة قليلة؛ لحديث علي ﵁ عنه المذكور آنفاً (( ... فما زاد فعلى حساب ذلك ... )). وفي لفظ: ((فما زاد فبحساب ذلك)) (٤).
قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((وروي ذلك عن علي, وابن عمر ﵃ موقوفاً عليهما ولم يعرف لهما مخالفاً من الصحابة، فيكون إجماعاً؛ ولأنه مال متَّجرٌ, فلم يكن له عفوٌ بعد النصاب كالحبوب)) (٥).
تاسعاً: كيفية إخراج الزكاة من المال تكون بطرق منها:
الطريقة الأولى: ربع العشر: واحد من أربعين، وهذا يفيد المسلم
стр. 25
الذي عنده زكاة: أن يقسم ما عنده من المال على أربعين, فما خرج فهو الزكاة، فمثلاً: أربعون مليوناً تقسيم أربعين يساوي مليوناً، وهذا زكاتها (١) فعلى هذا يكون الجزء الثابت لحساب الزكاة: هو جميع ما عند المسلم من المال يقسم على أربعين, والناتج: هو زكاة ماله.
أمثلة على هذه الطريقة لاستخراج الزكاة:
١ - رجل يملك خمسة آلاف ريال سعودي فزكاتها:
٥٠٠٠ ÷ ٤٠ = ١٢٥ ريالاً سعودياً.
٢ - شخص يملك عشرة آلاف دولار، فتكون زكاتها:
١٠٠٠٠ ÷ ٤٠ = ٢٥٠ دولاراً.
٣ - امرأة تملك مائة ألف جنيه، فتكون زكاتها:
١٠٠٠٠٠ ÷ ٤٠ = ٢٥٠٠ جنيهاً.
٤ - مالك يملك مليون ريالاً سعودياً، فزكاتها: ١٠٠٠٠٠٠ ÷ ٤٠ = ٢٥٠٠٠
٥ - مالك يملك تسعة وتسعين مليون روبية، فزكاته:
٩٩٠٠٠٠٠٠ ÷ ٤٠ = ٢٤٧٥٠٠٠ روبية
وهكذا يقسم جميع المال على أربعين، والناتج هو زكاة المال.
الطريقة الثانية: اثنين ونصف بالمائة تضرب في جميع المال, ثم يقسم الناتج على مائة, والناتج: هو الزكاة فمثلاً: أربعون مليوناً رأس
стр. 26
المال، وزكاتها اثنان ونصف بالمائة ضرب أربعين مليوناً، والناتج يقسم على مائة، والناتج يساوي مليوناً.
والطريقة الأولى أسهل، وأيسر، وأفضل؛ لقول عائشة وابن عمر ﵃: إن النبي ﷺ ((كان يأخذ من كل عشرين ديناراً فصاعداً نصف دينار، ومن الأربعين ديناراً ديناراً)) (١).
أمثلة على هذه الطريقة لاستخراج الزكاة:
١ - ٥٠٠٠ زكاتها: ٢.٥ × ٥٠٠٠ = ١٢٥٠٠ ÷ ١٠٠ = ١٢٥
٢ - ١٠٠٠٠ زكاتها: ٢.٥ × ١٠٠٠٠ = ٢٥٠٠٠ ÷ ١٠٠ = ٢٥٠
٣ - ١٠٠٠٠٠ زكاتها: ٢.٥ × ١٠٠٠٠ = ٢٥٠٠٠٠ ÷ ١٠٠ = ٢٥٠٠
وهكذا مجموع المال يضرب في اثنين ونصف, والناتج يقسم على مائة، والناتج يكون هو الزكاة المفروضة.
والطريقة الأولى أسهل وأيسر، والله تعالى الموفق.
وتقدم أن العملات الورقية أو المعدنية إذا بلغت نصاب الذهب أو الفضة زكيت؛ لأن حكمها حكم النقدين، وما تقدم هنا يمثل العملات الورقية أو المعدنية.
أما نصاب الذهب فقد سبق أن أقله ((عشرون ديناراً)) وهي تساوي (عشرون مثقالاً) والمثقال يساوي وزنه ٤.٦ جرام وهو وزن ٧٢ حبة شعير متوسطة كما تقدم, فيكون نصاب الذهب ٤.٦ × ٢٠ = ٩٢ جراماً، وهي
стр. 27
تساوي بالجنيه السعودي ١١.٥ جنيهاً، ووزن الجنية ٨ جرامات × ١١.٥ = ٩٢ جرام. وسعر جرام الجنيه بتاريخ ٨/ ٣/١٤٢٦هـ = ٤٤.٧٠ × ٨ = ٣٥٧.٦ ريال سعودي فيكون سعر نصاب الذهب بالريال السعودي ٣٥٧.٦ × ١١.٥ جنيه = ٤١١٢.٤ ريالاً سعودياً، أو يضرب سعر جرام الجنيه في عدد جرامات النصاب ٤٤.٧ × ٩٢ = ١١٢.٤ ريالاً سعودياً، وأما نصاب الفضة فقد سبق أن وزن المثقال ٤.٦ جرام × نصاب الفضة ١٤٠ مثقالاً = ٦٤٤ جراماً, وهذا نصاب الفضة بالجرامات تقريباً، وتضرب الجرامات هذه في سعر الجرام بالريال, فينتج النصاب بالعملة الورقية, وكان وزن الريال السعودي الفضّي بتاريخ ٨/ ٣/١٤٢٦هـ ١١.٦جرام وسعره=٨ ريالات سعودية ورقية وقد سبق أن النصاب بريالات الفضة ٥٦ ريالاً سعودياً فضِّياً فيكون النصاب أيضاً بجرامات الريال السعودي الفضي = ٥٦ × ١١.٦ = ٦٤٩.٦ جرام, وهذا يزيد ٥.٦ جرام, ولكن هذا يكون بالتقريب.
إذاً يكون نصاب الفضة بالريالات السعودية الورقية في تاريخ ٨/ ٣/١٤٢٦هـ هو: ٨ × ٥٦ = ٤٤٨ ريالاً تقريباً، والله تعالى أعلم.
عاشراً: إخراج أحد النقدين: من الذهب والفضة عن الآخر في الزكاة:
قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((وهل يجوز إخراج أحد النقدين عن الآخر؟ فيه روايتان. نص عليهما: إحداهما: لا يجوز، وهو اختيار أبي بكر؛ لأن أنواع الجنس لا يجوز إخراج أحدهما عن الآخر إذا كان أقل في المقدار، فمع اختلاف الجنس أولى، والثانية: يجوز وهو أصح إن شاء الله؛
стр. 28
لأن المقصود من أحدهما يحصل بإخراج الآخر، فيجزئ كأنواع الجنس، وذلك لأن المقصود منهما جميعاً الثمنية، والتوسل بهما إلى المقاصد، وهما يشتركان فيه على السواء، فأشبه إخراج المكسَّرة عن الصحاح بخلاف سائر الأجناس، والأنواع مما تجب فيه الزكاة؛ فإن لكل جنس مقصوداً مختصاً به لا يحصل من الجنس الآخر، وكذلك أنواعها، فلا يحصل بإخراج غير الواجب من الحكمة ما يحصل من إخراج الواجب، وههنا المقصود حاصل فوجب إجزاؤه، إذ لا فائدة في اختصاص الأجزاء بعين، مع مساواة غيرها لها في الحكمة؛ وكون ذلك أرفق: بالمعطي والآخذ، وأنفع لهما، ويندفع به الضرر عنهما؛ فإنه لو تعين إخراج زكاة الدنانير منها شق على من يملك أقل من أربعين ديناراً إخراج جزء من دينار، ويحتاج إلى التشقيص ومشاركة الفقير له في دينار من ماله، أو بيع أحدهما نصيبه، فيستضر المالك والفقير، وإذا جاز إخراج الدراهم عنها دفع إلى الفقير من الدراهم بقدر الواجب فيسهل ذلك عليه، وينتفع الفقير من غير كلفة، ولا ضرر ... وفي جواز إخراج أحدهما عن الآخر نفع محض ودفع لهذا الضرر، وتحصيل لحكمة الزكاة على التمام والكمال، فلا حاجة، ولا وجه لمنعه .. )) (١). قال العلامة ابن عثيمين ﵀: ((والصحيح أنه لا بأس أن تخرج من أحد النوعين يعني بالقيمة)) (٢).
стр. 29
الحادي عشر: ما يباح للرجال: من الفضة والذهب: يباح من ذلك الآتي:
١ - خاتم الفضة؛ لحديث أنس بن مالك ﵁، قال: ((كان خاتم النبي ﷺ في هذه، وأشار إلى الخنصر من يده اليسرى)). وفي لفظ: (( ... كأني أنظر إلى وبيض خاتمه من فضةٍ، ورفع أصبعه اليسرى بالخنصر)). وفي لفظ: ((أن رسول الله ﷺ لبس خاتم فضة في يمينه، فيه فصٌّ حبشيٌّ، كان يجعل فَصَّهُ مما يلي كفه)). وهذه الألفاظ الثلاثة لمسلم، أما ألفاظ البخاري لحديث أنس هذا فهي: ((أن نبي الله ﷺ أراد أن يكتب إلى رهطٍ أو أناسٍ من الأعاجم [وفي رواية: الروم] فقيل له: إنهم لا يقبلون [وفي رواية: لن يقرؤوا] كتاباً إلا عليه خاتم [وفي رواية: إلا أن يكون مختوماً] فاتخذ النبي ﷺ خاتماً من فضةٍ نقشهُ: محمدٌ رسول الله [وقال: إني اتخذت خاتماً من ورقٍ، ونقشت فيه محمد رسول الله فلا ينقش أحد على نقشه] فكأني بوبيص أو بصيص الخاتم [وفي رواية: كأني أنظر إلى بياضه] في إصبع النبي ﷺ ، أو في كفه [وفي طريق: قال: فإني لأرى بريقه في خنصره] [قال أنس: كان خاتم النبي ﷺ في يده، وفي يد أبي بكر بعده، وفي يد عمر بعد أبي بكر، فلما كان عثمان جلس على بئر أريس، فأخرج الخاتم فجعل يَعبثُ به فسقط، قال: فاختلفنا ثلاثة أيام مع عثمان - أي في الذهاب والرجوع والنزول إلى البئر والطلوع منها - فننزح البئر فلم نجده (([وكان نقش الخاتم ثلاثة أسطر: محمد سطر، ورسول سطر، والله سطر] (١).
стр. 30
وقد جاءت الأحاديث في لبس الخاتم في اليسار، وفي اليمين، قال الإمام النووي ﵀: ((وأما الحكم في المسألة عند الفقهاء: فأجمعوا على جواز التختم في اليمين، وعلى جوازه في اليسار، ولا كراهة في واحدة منهما، واختلفوا أيتهما أفضل .. )) (١).
وسمعت شيخنا الإمام عبدالعزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: ((وضع الخاتم في الخنصر هو الأفضل, سواء في اليمنى أو اليسرى، ويلبس في الخنصر والبنصر، ولا يتختم في الوسطى والسبابة)) (٢).
وقد نهى النبي ﷺ عن التختم في السبابة والوسطى؛ لحديث علي ﵁ قال: ((نهاني رسول الله ﷺ أن أتختم في أصبعي هذه، أو هذه، فأومأ إلى الوسطى والتي تليها)) (٣).
ولفظ النسائي: (( ... ونهاني أن أجعل الخاتم في هذه وهذه، وأشار: يعني بالسبابة والوسطى)) (٤).
قال الإمام النووي ﵀: (( ... وأجمع المسلمون على أن السنة جعل خاتم الرجل في الخنصر، وأما المرأة فإنها تتخذ خواتيم في أصابع ... ويكره للرجل جعله في الوسطى والتي تليها؛ لهذا الحديث وهي كراهة تنزيه ... )) (٥).
стр. 31
وما تقدم في أحاديث إباحة خاتم الفضة للرجال، أما الذهب فيحرم على الرجال؛ لحديث عبد الله بن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ رأى خاتماً من ذهب في يد رجل فنزعه فطرحه، وقال: ((يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده)) فقيل للرجل بعدما ذهب رسول الله ﷺ : خذ خاتمك انتفع به، قال: لا والله، لا آخذه أبداً وقد طرحه رسول الله ﷺ )) (١).
وعن علي ﵁ قال: إن نبي الله ﷺ أخذ حريراً فجعله في يمينه، وأخذ ذهباً فجعله في شماله ثم قال: ((إن هذين حرام على ذكور أمتي)) (٢).
وعن أبي موسى ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((أُحلَّ الذهب والحريرُ لإناث أمتي، وحُرِّم على ذكورها)) (٣).
٢ – قبيعة السيف، ونصل السيف؛ لحديث أنس ﵁ قال: ((كان نعْلُ سيف رسول الله ﷺ من فضةٍ، وقبيعة سيفه (٤) فِضَّةٌ, وما بين ذلك حِلَقُ فِضَّةٍ)) (٥)؛ ولحديث أبي أمامة، وسعيد ابن أبي الحسن قالا: ((كانت قبيعة سيف
стр. 32
رسول الله ﷺ من فضة)) (١)(٢).
٣ – ما دعت إليه ضرورة: كأنفٍ من ذهب، أو ربط الأسنان وشدها بالذهب، أو نحو ذلك؛ لحديث عرفجة بن سعد ﵁ قال: ((أصيب أنفي يوم الكلاب في الجاهلية, فاتخذت أنفاً من ورقٍ، فأنتن عليَّ، فأمرني رسول الله ﷺ أن أتخذ أنفاً من ذهب)) (٣).
قال الإمام الترمذي ﵀: ((وقد رُوِيَ عن غير واحد من أهل العلم: أنهم شدّوا أسنانهم بالذهب، وفي الحديث حجة لهم)) (٤).
وقد روي عن جماعة من السلف أنهم شدُّوا أسنانهم بالذهب، منهم: موسى بن طلحة (٥) ونصر بن عمران البصري أحد الأئمة الثقات (٦) , وثابت البناني (٧)، وإسماعيل بن زيد بن ثابت بن الضحاك (٨)، والمغيرة بن عبد الله (٩).
стр. 33
الثاني عشر: ما يباح للنساء من الذهب والفضة:
يباح للنساء من الذهب والفضة ما جرت عادتهنَّ بلبسه، ولو كثر: كالطوق (١) والخلخال (٢)، والسوار (٣)، والقرط (٤)، وما في المخانق (٥)، والمقالد (٦)، والتاج، وما أشبه ذلك؛ لعموم قول الله تعالى: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ (٧)؛ ولقوله ﷺ : ((أُحلَّ الذهب والحرير لإناث أمتي، وحُرِّم على ذكورها)) (٨)(٩). قال العلامة عبدالرحمن بن محمد بن قاسم ﵀: ((فدل على إباحة التحلي بهما لهن (١٠)، وأجمع العلماء على ذلك؛ لهذا الخبر، وغيره؛ ولأن المرأة محتاجة للتجمل، والتزين لزوجها، فأباح الشارع لها ما تجمل به)) (١١).
стр. 34
قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((ويباح للنساء من حلي الذهب, والفضة, والجواهر، كلُّ ما جرت عادتهن بلبسه: مثل السوار، والخلخال، والقرط، والخاتم، وما يلبسنه على وجوههن، وفي أعناقهن، وأيديهن، وأرجلهن، وآذانهن، وغيره، وأما ما لم تجرِ عادتهن بلبسه: كالمنطقة وشبهها من حلي الرجال فهو محرم ... )) (١).
الثالث عشر: تحريم آنية الذهب والفضة على الرجال والنساء جميعاً:
اتخاذ آنية الذهب أو الفضة حرام على الرجال والنساء جميعاً، وكذلك استعمالهما؛ لحديث أم سلمة زوج النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ قال: ((الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر (٢) في بطنه نار جهنم)) وفي لفظ لمسلم: ((أن الذي يأكل أو يشرب في آنية الفضة والذهب ... )). وفي لفظ لمسلم أيضاً: ((من شرب في إناء من ذهب أو فضة فإنما يجرجر في بطنه ناراً من جهنم)) (٣).
وعن حذيفة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها؛ فإنها لهم في الدنيا ولنا في الآخرة)) (٤).
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: ((وأجمع المسلمون على تحريم
стр. 35
الأكل والشرب في إناء الذهب، وإناء الفضة، على الرجل والمرأة ... )) (١).
وقال الإمام ابن قدامة ﵀: ((وجملته: أن اتخاذ آنية الذهب والفضة حرام على النساء والرجال جميعاً، وكذلك استعمالها)) (٢).
الرابع عشر: لا زكاة في الحلي من غير الذهب والفضة: إجماعاً
قال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: ((فإن كان في الحلي جوهر، ولآلئ مرصَّعةٌ فالزكاة في الحلي: من الذهب, والفضة, دون الجوهر؛ لأنها لا زكاة فيها عند أحد من أهل العلم، فإن كان الحلي للتجارة قوَّمه بما فيه من الجواهر، ولو كانت مفردة وهي للتجارة لقوِّمت وزكيت، فكذلك إذا كانت في حلي التجارة)) (٣) , وقال ﵀: ((ولا زكاة في الجواهر، واللآلئ؛ لأنها معدة للاستعمال، فأشبهت ثياب البذلة، وعوامل الماشية)) (٤).وقال العلامة ابن مفلح ﵀: ((لا زكاة في الجوهر، واللؤلؤ؛ لأنه معدٌّ للاستعمال، كثياب البذلة، ولو كان في حلْي، إلا أن يكون للتجارة، فيقوَّم جميعه تبعاً ... )) (٥).
وقال الإمام عبدالعزيز بن عبد الله ابن باز ﵀: ((المجوهرات من غير الذهب والفضة: كالماس، ليس فيها زكاة، إلا أن يراد بها التجارة)) (٦).
والخلاصة: أن جماهير الفقهاء اتفقوا على عدم وجوب الزكاة فيما تستخدمه المرأة: من الجواهر: كاللؤلؤ، والمرجان، والياقوت، والزمرد،
стр. 36
وغيرها من الحلي الذي ليس بذهب ولا فضة، إلا أن يقصد به التجارة، ففيه زكاة عروض التجارة، والله تعالى أعلم (١).
الخامس عشر: وجوب الزكاة في الحلي المحرم، أو المعد للتجارة: من الذهب والفضة:
قال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: ((وكل ما كان اتخاذه محرماً من الأثمان لم تسقط زكاته باتخاذه؛ لأن الأصل وجوب الزكاة فيها؛ لكونها مخلوقة للتجارة، والتوسل بها إلى غيرها، ولم يوجد ما يمنع ذلك، فبقيت على أصلها)) (٢).
وذكر رحمه الله تعالى أثناء كلامه على تحريم آنية الذهب والفضة، فقال: ((إذا ثبت هذا فإن فيها الزكاة بغير خلاف بين أهل العلم، ولا زكاة فيها حتى تبلغ نصاباً بالوزن، أو يكون عنده ما يبلغ نصاباً بضمِّها إليه، وإن زادت قيمته؛ لصياغته، فلا عبرة بها؛ لأنها محرمة فلا قيمة لها في الشرع ... )) (٣).
قالت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: ((أجمع أهل العلم على وجوب الزكاة في حلي الذهب والفضة إذا كان حليًّا محرم الاستعمال، أو كان معدًّا للتجارة أو نحوها)) (٤).
السادس عشر: زكاة الحلي المباح المعد للاستعمال:
اختلف العلماء رحمهم الله تعالى، قديماً وحديثاً في زكاة الحلي المباح, الذي أُعد للاستعمال: هل تجب فيه الزكاة أو لا تجب؟ (٥).
стр. 37
وقد دل الكتاب العزيز والسنة المطهرة على وجوب ردِّ ما تنازع فيه الناس إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، عملاً بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا الله وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِالله وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (١)،وقال : ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٢). وقال : ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى الله﴾ (٣). وإذا رددنا هذه المسألة إلى الكتاب والسنة، وجدناهما يدلان دلالة ظاهرة على وجوب الزكاة في حلي النساء: من الذهب والفضة، حتى لو كان للاستعمال أو العارية، سواء كانت: قلائد، أو أسورة، أو خواتم، أو ما تحلى به السيوف والخناجر من الذهب والفضة إذا بلغ ذلك نصاباً أو كان عند مالكه من
стр. 38
الذهب والفضة أو عروض التجارة ما يكمل به النصاب، والقول بوجوب الزكاة في الحلي المباح المعد للاستعمال هو أصح أقوال أهل العلم (١)، وقد رُوي هذا الوجوب: عن عمر بن الخطاب ﵁، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، ﵃، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وعطاء، ومجاهد، وعبد الله بن شداد، وجابر بن زيد، وابن سيرين، وميمون بن مهران، والزهري، والثوري، وبه قال الإمام أبو حنيفة، وهو رواية عن الإمام أحمد، وداود الظاهري ﵏ ورضي عنهم جميعاً (٢). واستدلوا بأدلة: من الكتاب، والسنة الثابتة، وأقوال بعض أصحاب النبي ﷺ على النحو الآتي:
١ - عموم قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيم* يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ (٣). قال الإمام الطبري ﵀: (( ... قال بعضهم: هو كل مال وجبت فيه الزكاة، فلم تؤدَّ زكاته، قالوا: وعنى بقوله: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله﴾ ولا يؤدون زكاتها)) ثم ساق بإسناده إلى ابن عمر ﵄ أنه قال: ((كل مال أديت زكاته فليس بكنز، وإن كان مدفوناً، وكل مال لم تؤدَّ منه الزكاة وإن لم يكن مدفوناً فهو كنز)) (٤). ثم قال الإمام الطبري رحمه الله تعالى بعد ذكره
стр. 39
لأقوال أهل العلم في تفسير الآية: ((وأولى الأقوال في ذلك بالصحة القول الذي ذكر عن ابن عمر: من أن كل مال أديت زكاته فليس بكنز يحرم على صاحبه اكتنازه وإن كثر، وأن كل مالٍ لم تؤدَّ زكاته فصاحبه معاقب مستحق وعيد الله، إلا أن يتفضل الله عليه بعفوه، وإن قل إذا كان مما يجب فيه الزكاة)) (١). والآية عامة في زكاة الذهب والفضة، ويدخل في العموم زكاة الحلي، قال الجصاص رحمه الله تعالى: ((وجه دلالة الآية على وجوبها في الحلي لشمول الاسم له)) (٢). أي: الآية تتناول الذهب والفضة ويدخل في ذلك الحلي، فلا يجوز إخراج الحلي بدون دليل مخصص. وقال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: ((باب ما أدِّيَ زكاته فليس بكنز، ثم ساق خبر ابن عمر ﵄ أنه قال له أعرابي: أخبرني عن قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله﴾ (٣). قال ابن عمر ﵄: من كنزها فلم يؤدِّ زكاتها فويل له، إنما كان هذا قبل أن تُنزل الزكاة، فلما أنزلت جعلها الله طهرة للأموال)) (٤).
وزكاة الحلي تدخل في هذا العموم، إلا بدليل صحيح صريح مخصص)) (٥).
стр. 40
٢ - روى مسلم في صحيحه بسنده عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صُفحت له صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم، فيُكوى بها جنبه، وجبينه، وظهره، كلما بردت أعيدت له، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يُقضى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار .. )) (١). فالحديث عام في وجوب الزكاة في كل ذهب وفضة، بهذا النص الصحيح، ولم يأت إجماع قط بأنه ﵊ لم يرد إلا بعض أحوال الذهب وصفاته، فلم يجز تخصيص شيء من ذلك بغير نص صحيح ولا إجماع)) (٢).
٣ - روى أبو داود، والنسائي، وأحمد، والترمذي، واللفظ لأبي داود، عن عبد الله بن عمرو ابن العاص ﵄: أن امرأة أتت رسول الله ﷺ ومعها ابنة لها، وفي يد ابنتها مَسكتَان (٣) غليظتان من ذهب، فقال لها: ((أتعطين زكاة هذا؟ ((قالت: لا، قال: ((أيَسُرُّكِ أن يُسَوِّركِ اللهُ بهما يوم القيامة سوارين من نار؟)) قال: فخلعتهما، فألقتهما إلى النبي ﷺ ، وقالت: هما لله ولرسوله)) (٤).