← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 96491

سلامة الصدر

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (73 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

سلامة الصدر وخطر الحقد, والحسد, والتباغض, والشحناء, والهجر، والقطيعة مفهوم، وأسباب، وآداب، وأحكام، وعلاج في ضوء الكتاب والسنة تأليف الفقير إلى الله تعالى د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً أما بعد: فهذه رسالة مختصرة في ((فضل سلامة الصدر، وخطر الحقد, والحسد, والتباغض، والشحناء, والهجر, والقطيعة)) بيَّنت فيها: مفهوم الهجر، والشحناء، والقطيعة: لغة، وشرعاً، وذكرت الأدلة من الكتاب والسنة الدالة على وجوب سلامة الصدر وطهارة القلب، والأدلة على تحريم الهجر،

стр. 3

والشحناء، والقطيعة، وذكرت الأسباب التي تسبب العداوة، والشحناء، والقطيعة؛ للتحذير منها، ومن الوقوع فيها، ثم ذكرت أسباب سلامة الصدر وطهارة القلب؛ للترغيب فيها، والعمل بها. والله أسأل أن يجعل هذا العمل مباركاً، نافعاً، خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفعني به في حياتي وبعد مماتي، وأن ينفع به كلَّ من انتهى إليه؛ فإنه تعالى خير مسؤول، وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العليم العظيم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. المؤلف: أبو عبد الرحمن حرر بعد عصر يوم الخميس الموافق ٢/ ٥/١٤٢٦هـ بمدينة الرياض

стр. 4

أولاً: مفهوم الهجر، والشحناء، والقطيعة: ١ - مفهوم الهجر لغة: القطع، يقال: هجرته هجراً: قطعته، والاسم الهجران (١). واصطلاحاً: هو هجر القريب وترك وصله ومنع الإحسان إليه (٢). ٢ - مفهوم القطيعة: الهجر، يقال: قطع فلان فلاناً، هجره، ولم يتصل به، ومنعه الخير، وقطعه عن حقه (٣). واصطلاحاً: هو قطع القريب والانفصال عنه وعدم وصله، ومنع الإحسان إليه (٤). ٣ - مفهوم الشحناء: المشاحن: المعادي،

стр. 5

والشحناء العداوة، والحقد (١). واصطلاحاً: امتلاء الصدر بالعداوة والبغضاء والحقد (٢). ثانياً: خطر الهجر، والقطيعة، والشحناء والحسد والبغضاء: الحقد, والبغضاء، والحسد، والهجر، والشحناء، والقطيعة، آفاتٌ مهلكةٌ، ومدمرةٌ للمجتمع، ومفرقة بين الأخلاء والأصحاب، وأسباب لنيل غضب الله ، وعقوبته في الدنيا والآخرة؛ للأدلة من الكتاب والسنة الثابتة الصريحة على النحو الآتي: ١ - تحريم التدابر، والتحاسد، والتباغض ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا،

стр. 6

ولا تدابروا (١)، ولا يبع بعضكم على بيع بعضٍ، وكونوا عباد الله إخواناً، المسلم أخو المسلم: لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى هاهنا)) ويشير إلى صدره ثلاث مرات ((بحسب امرئ من الشرِّ أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه، وماله، وعرضه)) (٢). وهذا الحديث قد دل على أمور عظمية، منها، ما يأتي: الأمر الأول: قوله ﷺ : ((لا تحاسدوا)) يدل على تحريم الحسد، وهو في الحقيقة: بغض نعمة الله تعالى على المحسود, وتمني زوالها، وهو على أنواع:

стр. 7

النوع الأول: بغض نعمة الله تعالى على المحسود، وتمني زوالها, فتكون له, وهذا فيه اعتراض على الله وقسمته، وما أحسن ما قاله القائل: ألا قل لمن بات لي حاسداً ... أتدري على من أسأت الأدب؟ أسأت على الله في حكمه ... بأنك لم ترض لي ما وهب النوع الثاني: بغض نعمة الله تعالى على المحسود وتمني زوالها, ولو لم تكن له, وهذا شر من النوع الأول، وما أحسن ما قاله القائل: اصبر على حسد الحسود ... فإن صبرك قاتله النار تأكل بعضها ... إن لم تجد ما تأكله وهذان النوعان من أنواع الحسد المذموم. النوع الثالث: حسد الغبطة: وهو تمني أن يكون له مثل حال المحسود من غير أن تزول النعمة عنه، فهذا لا بأس به ولا يعاب صاحبه، بل هذا قريب من المنافسة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ

стр. 8

فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ (١). ومثل ذلك قوله ﷺ : ((لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالاً، فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار)) (٢). وقد قسم الإمام ابن القيم ﵀ الحسد إلى ثلاث مراتب: المرتبة الأولى: تمني زوال النعمة عن المحسود، وتحقيق ذلك بالأذى بالقلب، واللسان، والجوارح، فهذا هو الحسد المذموم. المرتبة الثانية: تمني استصحاب عدم النعمة، فهو يكره أن يحدث الله تعالى لعبده نعمة، بل يحب

стр. 9

أن يبقى على حاله: من جهله، أو فقره، أو ضعفه، أو شتات قلبه عن الله، أو قلة دينه، فهو يتمنى دوام ما هو فيه من نقصٍ وعيبٍ، فهذا حسد على شيء مقدر، والأول حسد على شيء محقق. المرتبة الثالثة: حسد الغبطة، ففي حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: ((لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلَّطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها)) (١). فهذا حسد غبطة، الحامل لصاحبه عليه كِبَرُ نفسه، وحبُّه لخصال الخير. والحسد المذموم من صفات اليهود، ومن عمل إبليس، ومن أمثلته: قصة ابني آدم وحسد أولاد يعقوب لأخيهم يوسف، وأما أضراره فكثيرة منها:

стр. 10

أن فيه نوع اعتراض على الله في حكمه؛ ولهذا يذكر أنه يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، ومن أضراره ما يحصل لقلب الحسود ونفسه من الآلام والغل، والهم، والغم، والأعصاب وجرح الفؤاد، وغير ذلك من الأضرار. أما آثار الحسد في المجتمع فهو يسبب: الغيبة، والنميمة، والبغي، والعدوان، والظلم، والاتهام، والسرقة، والقتل، ويختلف الحاسدون كل على قدر قلة إيمانه وضعف دينه (١). والحسد مرضٌ, خطيرٌ, مهلكٌ، للقلوب, والأمم، والجماعات، والأسر، بل للدين والأخلاق، ومما يبيِّن هذه المهلكات الأسباب الآتية: ١ - الحسد مرض قديم من أمراض القلوب في

стр. 11

الأمم؛ لقوله ﷺ : ((دبَّ إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد، والبغضاء، وهي الحالقة، لا أقول: تحلق الشعر ولكن تحلق الدين)) (١). ٢ - الحسد من رَذائل الأخلاق القبيحة الفاسدة . ٣ - الحسد من أشد معاصي القلوب ، ومعاصي القلوب أشدُّ إثماً من كثير من معاصي الجوارح. ٤ - الحسد يدل على ضعف إيمان الحاسد ؛ لقول النبي ﷺ : ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)) (٢). ٥ - الحسد يدل على أن صاحبه فاقد التعاون

стр. 12

على البر والتقوى؛ لقول النبي ﷺ : ((إن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدُّ بعضه بعضاً)) وشبك ﷺ بين أصابعه (١). ٦ - الحسد يدل على أن صاحبه فاقد الرحمة ؛ لقول النبي ﷺ : ((مثل المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم، وتعاطفهم، مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)) (٢). ٧ - الحسد معصية لله تعالى ولرسوله ﷺ -، كما دل عليه الحديث ((لا تحاسدوا ... )).

стр. 13

٨ - الحسد من صفات أقبح المخلوقات الناطقة: أ) فهو من صفات إبليس، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ (١) , فقد حسد إبليس آدم فعصى الله تعالى ولم يسجد حينما أمره الله سبحانه. ب) والحسد من صفات اليهود والنصارى، قال الله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٣). جـ) والحسد من صفات المنافقين، قال الله تعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ

стр. 14

الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١١٩) إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (١). ٩ - الحسد لا يقع إلا بين ضعفاء البصائر: أ) فهو يقع بين النساء، فيحسد بعضهن بعضاً، وخاصة المتزوجات بزوج واحد, إلا من عصم الله تعالى. ب) ويقع بين المتشاركين في رئاسة أو مال. جـ) ويقع بين النظراء والزملاء، كحسد ابني آدم, فقد حسد القاتل المقتول فقتله. ١٠ - أسباب الحسد التي إذا وجدت أو بعضها حصل الحسد من الحاسد للمحسود وهي: أ) العداوة والبغضاء ؛ فإن من آذاه إنسان لسبب

стр. 15

من الأسباب أبغضه قلبه، وغضب عليه, ورسخ في قلبه الحقد عليه، والحقد يقتضي التشفِّي والانتقام، فإن عجز عن التشفي منه بنفسه أحب أن ينزل به مصيبة يتشفَّى بها؛ فإن حصلت له المصيبة فرح بها وشمت عليه، وظنها لأجله، وإذا أصابته نعمة أساءه ذلك؛ لأنها ضد مراده ومرغوبه. ب) خبث النفس وشحها بالخير لعباد الله تعالى , فنجد بعض الناس العاطلين إذا ذُكِرَ إنسان عنده بخير أساءه ذلك، وإذا ذُكِر بسوء فرح به، فهو أبداً يكره الخير للناس، ويحب لهم الشر والأذى، كأنهم يأخذون الخير من بيته وخزائنه، وهو من فضل الله وجوده. يقول بعضه العلماء: البخيل من يبخل بمال نفسه، والشحيح هو الذي يبخل بمال غيره على

стр. 16

الناس. وقيل: البخيل الذي يمسك مال نفسه ولا ينفقه في الواجب، والشحيح هو الذي لا ينفقه في الواجب مع الحرص عليه. والحسود بخيل شحيح: بخيل بنعمة الله على عباده، ويعادي فضل الله على خلقه، وهذا ليس له سبب إلا الخبث في النفس، والرذالة في الطبع, ومعالجة هذا شديدة عسرة؛ لأن الحسد بسائر الأسباب أسبابه عارضة يمكن زوالها فيزول, وهذا خبث في الجبلة لا عن سبب عارض؛ فلذا تعسر إزالته، نسأل الله العفو والعافية! ١١ - آثار الحسد التي تحصل بسبب وجود الحسد: أ) المقاطعة، والهجر, والبغضاء, والشحناء . ب) الغيبة, والنميمة . جـ) الظلم، والعدوان .

стр. 17

د) السرقة, والقتل . ١٢ - علاج الحسد: على النحو الآتي: أ) يجب على الحاسد أن يتوب إلى الله تعالى ؛ ويعلم أن الله الذي يعطي ويمنع، ويعز ويذل، وكل ذلك بحكمة بالغة، فلا يُعطي إلا لحكمة، ولا يمنع إلا لحكمة يعلمها سبحانه. ب) يقطع نظره عن الناس , ويعلق قلبه بالله ، ويسأله من فضله. جـ) إذا رأى من ينافسه في الدنيا فلينافسه في الأعمال الصالحة التي ترتفع بها منزلته عند الله يوم القيامة. د) التربية منذ الطفولة على حب الخير للناس . هـ) أن يدرب نفسه على قول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، إذا أعجبه شيء. و) إذا وجد في نفسه شيئاً من الحسد المذموم

стр. 18

بادر بالدعاء للمحسود بالزيادة من فضل الله تعالى؛ لأن الإنسان قد يكون عنده حسد ويخفيه، ولا يترتب على حسده أذىً بأي وجه من الوجوه: لا بفعله، ولا بلسانه، ولا بيده، ولا يعامل أخاه إلا بما يحب الله ورسوله, وهذا لا يكاد يخلو منه أحد إلا من عصم الله؛ ولهذا قيل: ما خلا جسدٌ من حسدٍ، لكن اللئيم يبديه، والكريم يخفيه؛ ولهذا الحسد مرض من أمراض القلوب لا يخلص منه إلا القليل. ولكن على المؤمن أن يجاهد نفسه على دفع ذلك، ويدعو للمحسود بصدقٍ وإخلاصٍ، ويتمنى زيادة الخير له، ولا يُرتِّب على ذلك أذىً للمحسود: لا بالقول، ولا بالفعل، ولا بأي أذىً بوجه من الوجوه, ولا يضره ذلك الذي وقع في نفسه! ١٣ - الحاسد قد يصيب بعينه ؛ فيجب على

стр. 19

الحاسد أن لا يضر إخوانه، ولا شك: أن العائن حاسد خاص، وهو أضر من الحاسد، فكل عائنٍ حاسد ولابد، وليس كل حاسد عائن، فإذا استعاذ المسلم من شر الحاسد دخل فيه العائن، وهذا من شمول القرآن وإعجازه وبلاغته. ١٤ - الأسباب التي يُدفع بها شر الحاسد عشرة كما ذكرها ابن القيم ﵀ وهي: * التعوذ بالله من شره. * تقوى الله تعالى، والصبر على الحاسد. * لا يحدث نفسه بأذاه. * التوكل على الله تعالى. * يفرغ قلبه من التفكر فيه والاشتغال به. * الإقبال على الله والإخلاص له. * تجريد التوبة من الذنوب.

стр. 20

* الصدقة والإحسان. * إطفاء نار الحاسد بالإحسان إليه والدعاء له، وهذا من أصعب الأشياء على النفوس. * السبب الأعظم تجريد التوحيد لله تعالى. الأمر الثاني: قوله ﷺ : ((ولا تناجشوا)) يدلُّ على تحريم النجش: وهو الزيادة في السلعة وهو لا يريد شراءها، إما لنفع البائع بزيادة الثمن له، أو بإضرار المشتري بتكثير الثمن عليه، والناجش آكل رباً خائن. الأمر الثالث: قوله ﷺ : ((ولا تباغضوا)) يدلُّ على تحريم التباغض، فنهى النبي ﷺ المسلمين عن التباغض بينهم في غير الله تعالى، بل على أهواء النفوس، فإن المسلمين جعلهم الله إخوة، والأخوة يتحابون بينهم، ولا يتباغضون، أما البغض في الله فهو من أوثق عرى الإيمان وليس داخلاً في النهي.

стр. 21

الأمر الرابع: قوله ﷺ : ((ولا تدابروا)) يدلُّ على تحريم التدابر: وهو المصارمة والهجران، مأخوذ من أن يولّي الرجل صاحبه دبره، ويعرض عنه بوجهه، وهو التقاطع. الأمر الخامس: قوله ﷺ : ((ولا يبع بعضكم على بيع بعض)) يدلُّ على تحريم بيع المسلم على بيع أخيه، وهذا يدل على أن هذا حق للمسلم على أخيه المسلم، فلا يبيع على بيعه، ولا يشتري على شرائه. الأمر السادس: قوله ﷺ : ((وكونوا عباد الله إخواناً)) أمر النبي ﷺ بالأخوة في الله تعالى، وهذا كالتعليل؛ لما تقدم، فإذا تركوا التحاسد، والتناجش، والتباغض، والتدابر، وبيع بعضهم على بيع بعض كانوا إخواناً. الأمر السابع: قوله ﷺ : ((المسلم أخو المسلم)) بيَّن النبي ﷺ : أن المسلم أخو المسلم، وهو مأخوذ

стр. 22

من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ (١). فإذا كان المؤمنون إخوة أُمروا فيما بينهم بما يوجب تآلف القلوب, واجتماعها، ونهوا عما يوجب تنافر القلوب، واختلافها، وهذا من ذلك. الأمر الثامن: قوله ﷺ : ((المسلم أخو المسلم لا يظلمه)) دلَّ على تحريم الظلم؛ فإنه ظلمات يوم القيامة، وقد حرمه الله تعالى على نفسه وجعله محرماً بين عباده، فقال: ((يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا)) (٢). وقال ﵊: ((الظلم ظلمات يوم القيامة)) (٣).

стр. 23

الأمر التاسع: قوله ﷺ : ((ولا يخذله)) يدلُّ على تحريم خذلان المسلم لأخيه المسلم، فهو مأمور بنصر أخاه ظالماً أو مظلوماً، ونصره إذا كان ظالماً: منعه من الظلم (١). الأمر العاشر: قوله ﷺ : ((ولا يحقره)) يدلُّ على تحريم احتقار المسلم لأخيه المسلم، والاحتقار ناشئ عن الكبر؛ لقول النبي ﷺ : ((الكبر بطر الحق وغمط الناس)) (٢). والمتكبر ينظر إلى نفسه بعين الكمال وإلى غيره بعين النقص، فيحتقرهم ويزدريهم، ولا يراهم أهلاً لأن يقوم بحقوقهم، ولا أن يقبل من أحدهم الحق إذا أورده عليه.

стр. 24

الأمر الحادي عشر: قوله ﷺ : ((التقوى ها هنا)) وأشار إلى صدره. الحديث فيه البيان بأن أكرم الخلق عند الله أتقاهم، فرب من يحقره الناس؛ لضعفه، وقلة حظه من الدنيا وهو أعظم قدراً عند الله تعالى ممن له قدر في الدنيا؛ فإن الناس إنما يتفاوتون بحسب التقوى. والتقوى: أصلها في القلب، وإذا كانت التقوى كذلك فلا يطلع على حقيقتها إلا الله تعالى، ولكن التقوى يصدقها العمل. الأمر الثاني عشر: قوله ﷺ : ((بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم))، الحديث يدل على أن احتقار المسلم من الأمور الخطيرة، وأنه يكفي من الشر؛ لخطره؛ ولأنه لم يحتقر أخاه إلا لتكبره عليه، والكبر من أعظم خصال الشر؛ ولهذا قال ﵊: ((لا يدخل الجنة من كان في قلبه

стр. 25

مثقال ذرة من كبر)) (١). الأمر الثالث عشر: قوله ﷺ : ((كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه)) في هذا الحديث البيان العظيم: أن المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه، وهذا مما كان يخطب به النبي ﷺ في المجامع العظيمة؛ فإنه خطب به في حجة الوداع يوم عرفة، ويوم النحر، واليوم الثاني من أيام التشريق، وقال: ((إن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم [وأبشاركم] (٢) عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا)) (٣).

стр. 26

وعن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا. [ولا تقاطعوا] وكونوا عباد الله إخواناً، ولا يحلُّ لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام)) [وفي رواية: ثلاث ليال] (١). قال الإمام النووي ﵀: ((التدابر: المعاداة، وقيل المقاطعة؛ لأن كل واحد يولّي صاحبه دبره، والحسد تمنِّي زوال النعمة، وهو حرام، ومعنى كونوا عباد الله إخواناً: أي تعاملوا وتعاشروا معاملة الإخوة ومعاشرتهم في المودة والرفق، والشفقة، والملاطفة، والتعاون في الخير، ونحو ذلك من صفاء

стр. 27

القلوب والنصيحة بكل حال ... )) (١). وقال الإمام مالك ﵀: ((ولا أحسب التدابر إلا الإعراض عن المسلم يعرض عنه بوجهه)) (٢). ٢ - تحريم الهجر فوق ثلاثة أيام بلا عذر شرعي؛ لحديث أبي أيوب الأنصاري أن رسول الله ﷺ قال: ((لا يحلُّ لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليالٍ، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام)) (٣). قال العلماء في هذا الحديث: ((تحريم الهجر بين

стр. 28

المسلمين أكثر من ثلاث ليال، وإباحته في الثلاث الأول بنص الحديث، والثاني مفهومه، وإنما عفي عن الهجر في الثلاث؛ لأن الإنسان مجبول على الغضب وسوء الخلق ونحو ذلك, فَعُفِيَ عن الهجر في الثلاثة؛ ليذهب ذلك العارض، وقوله: ((يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا)) وفي رواية: ((فيصدُّ هذا ويصدُّ هذا)) ومعنى يصد: يعرض: أي يوليه عُرضَه - بضم العين - وهو جانبه، والصُدّ - بضم الصاد - وهو أيضاً: الجانب والناحية)). وقوله ﷺ : ((وخيرهما الذي يبدأ بالسلام)): أي هو أفضلهما، وفيه دليل لمذهب الشافعي ومالك ومن وافقهما: أن السلام يقطع الهجر، ويرفع الإثم فيه، ويزيله، وقال أحمد وغيره: إن كان يؤذيه لم يقطع هجرته، ولو كاتبه، أو راسله عند غيبته عنه هل يزول إثم الهجرة

стр. 29

وفيه وجهان: أحدهما لا يزول؛ لأنه لم يكلمه، وأصحهما يزول؛ لزوال الوحشة (١). ٣ - إذا سلم أحدهما على الآخر فرد عليه فقد اشتركا في الأجر ، وإن لم يرد عليه فقد باء بالإثم, وخرج المسلِّمُ من الهجر؛ لحديث أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: ((لا يحلُّ لمؤمن أن يهجر مؤمناً فوق ثلاثٍ، فإن مرت به ثلاث فلقيه فليسلِّم عليه، فإن ردَّ ﵇ اشتركا في الأجر، وإن لم يردَّ عليه فقد باء بالإثم وخرج المُسلِّمُ من الهجرة)) (٢). وعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: ((لا يكون لمسلم أن يهجر مسلماً فوق ثلاثٍ، فإذا لقيه سلَّم عليه ثلاث مرار, كل ذلك لا يردُّ عليه فقد

стр. 30

باء بإثمه)) (١). ٤ - من هجر أخاه المسلم فوق ثلاثة أيام فمات قبل أن يعود دخل النار؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، فمن هجر فوق ثلاث فمات دخل النار)) (٢). ٥ - من هجر أخاه المسلم سنة فهو كسفك دمه ؛ لحديث أبي خراش السلمي ﵁، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ((من هجر أخاه سنة فهو كسفك دمه)) (٣).

стр. 31

والسفك: إراقة الدم، لما جاوز الحد بإصراره عليه سنة كاملة، فكأنه قتله بسيف الفرقة (١). ٦ - الملائكة تردُّ السلام إذا لم يرد أحد المتهاجرين على الآخر ؛ لحديث هشام بن عامر الأنصاري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا يحلُّ لمسلم أن يهجرَ مُسلماً فوق ثلاث ليالٍ، فإن تصارما (٢) فوق ثلاث؛ فإنهما ناكبان عن الحق (٣) ماداما على صُرامهما، وأولهما فَيْئاً يكون سبقه بالفئ (٤) كفارة له، فإن سلَّم عليه فلم يَرُدَّ عليه (٥)

стр. 32

وردَّ عليه سلامه (١) ردَّت عليه الملائكة, وردَّ على الآخر الشيطان (٢) فإن ماتا على صُرامهما لم يجتمعا في الجنة أبداً)) (٣). ٧ - تعرض الأعمال في كل يوم خميس واثنين فيغفر الله تعالى في ذلك اليوم لكل امرئ لا يشرك بالله شيئاً, إلا امرأً كانت بينه وبين أخيه شحناء؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس، فيغفر

стр. 33

لكل مسلم لا يشرك بالله شيئاً، إلا رجلاً كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا)). وفي رواية: ((تُعرض الأعمال في كل يوم خميس واثنين فيغفر الله في ذلك اليوم لكل امرئ لا يشرك بالله شيئاً، إلا امرأ كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أركوا هذين (١) حتى يصطلحا، أركوا هذين حتى يصطلحا)) (٢). ٨ - الهجر المشروع للمصلحة لا يدخل في الهجر المحرم، فالإمام والعالم، والمطاع يجوز له أن يهجر من فعل ما يوجب العتب، ويكون هجرانه

стр. 34

دواء له، بحيث لا يضعف عن حصول الشفاء به، ولا يزيد في الكمية والكيفية، فيهلكه, إذ المراد تأديبه لا إتلافه (١). وقد قال أبو داود: ((النبي ﷺ هجر بعض نسائه أربعين يوماً، وابن عمر هجر ابناً له إلى أن مات (٢)، قال أبو داود: إذا كانت الهجرة لله، فليس من هذا في شيء، وإن عمر بن عبد العزيز غطى وجهه عن رجل)) (٣). ويوضح ذلك ما قرر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: من أن الهجر يختلف باختلاف الهاجرين

стр. 35

في قوتهم وضعفهم، وقلتهم وكثرتهم، فإن المقصود به زجر المهجور، وتأديبه، ورجوع العامة عن مثل حاله، فإن كان هجره يضعف الشر؛ كان مشروعاً، وإن كان المهجور لا يرتدع بذلك، ولا يرتدع به غيره، بل يزيد الشر والهاجر ضعيف، وتكون مفسدة الهجر راجحة على مصلحته, لم يشرع الهجر، بل يكون التأليف لبعض الناس أنفع من الهجر، كما كان الهجر لبعض الناس أنفع من التأليف؛ ولهذا كان النبي ﷺ يتألف قوماً ويهجر آخرين (١)، وينبغي أن يفرق بين الهجر لحق الله، وبين الهجر لحق النفس، فالهجر لحق الله تعالى مأمور به، والهجر لحق النفس منهي عنه (٢).

стр. 36

ثالثاً: أسباب العداوة والشحناء كثيرة يجب الابتعاد عنها، ومنها ما يأتي: ١ - تحريش الشيطان بين الناس ؛ ليسبب العداوة بينهم؛ لحديث جابر ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: ((إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم)) (١). والمعنى أنه يُغيِّر القلوب فيدخل فيها البغضاء والتقاطع، ويسعى في التحريش بين الناس بالخصومات والشحناء، والحروب، والفتن (٢). ٢ - بعث الشيطان سراياه بين الناس؛ لإفسادهم؛ لحديث جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن عرش إبليس على البحر،

стр. 37

فيبعث سراياه فيفتنون الناس، فأعظمهم عنده أعظمهم فتنة)) وفي لفظ: ((فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة، يجيء أحدهم فيقول فعلت كذا وكذا، فيقول: ما صنعت شيئاً، ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته، قال: فيدنيه منه، ويقول: نِعْمَ أنت)) قال الأعمش: أراه قال: ((فيلتزمه)) (١). قال الإمام النووي ﵀: ((العرش هو سرير الملك، ومعناه: أن مركزه البحر، ومنه يبعث سراياه في نواحي الأرض. وقوله: ((فيدنيه منه ويقول: نِعْمَ أنت)) بكسر النون وإسكان العين، وهي نعم الموضوعة للمدح، فيمدحه؛ لإعجابه بصنعه، وبلوغه الغاية التي أرادها، وقوله:

стр. 38

((فيلتزمه)) أي يضمه إليه ويعانقه)) (١). ٣ - قرين الإنسان من أسباب البلاء والفتنة والشر ؛ لحديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما منكم من أحد إلا وقد وكِّل به قرينه من الجن)) قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: ((وإياي إلا أن الله أعانني عليه فأسلم, فلا يأمرني إلا بخير)) (٢). وعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ خرج من عندها ليلاً، قالت: فغرت عليه, فجاء فرأى ما أصنع, فقال: ((مالكِ يا عائشة أغرت؟)) فقلت: وما لي لا يغار مثلي على مثلك؟! فقال رسول الله ﷺ : ((قد جاءك شيطانك)) قلت: يا رسول الله:

стр. 39

أومعي شيطان؟! قال: ((نعم)) قلت: ومع كل إنسان؟ قال: ((نعم)) ومعك يا رسول الله؟ قال: ((نعم، ولكن ربي أعانني عليه حتى أسلم)) (١). والظاهر أن شيطان النبي ﷺ صار مؤمناً لا يأمر النبي ﷺ إلا بخير، وفي هذا الحديث إشارة إلى التحذير من فتنة القرين، ووسوسته، وإغوائه، فأعلمنا النبي ﷺ أنه معنا؛ لنحترز منه بحسب الإمكان (٢). ٤ - النميمة من أسباب زرع البغضاء والحقد في قلوب الناس ؛ ولعظم خطرها حذر منها النبي ﷺ ، ففي حديث حذيفة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا يدخل الجنة نمَّام)). وفي لفظ: ((لا يدخل الجنة قتَّات)) (٣). النمام هو القتات،

стр. 40

والقتات هو النمام؛ ولكن النمام هو الذي يحضر القصة فينقلها، والقتات الذي يستمع من حيث يعلم به فينقل ما سمعه (١). والنميمة هي نقل الكلام بين الناس على جهة الإفساد؛ ولهذا فالنمام هو شر الناس؛ لحديث أبي هريرة ﵁، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ((إن شر الناس ذو الوجهين, الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه)). وفي لفظ: ((تجدُ من شرار الناس يوم القيامة عند الله ذا الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه، وهؤلاء بوجه)) (٢). وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: إن
следующие страницы →