← Тараджим

Тараджим · id 96492

سيرة الشاب الصالح عبد الرحمن بن سعيد بن علي بن وهف القحطاني

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (144 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

المسائية بعد العصر في حلقات تحفيظ القرآن الكريم في جامع الفاروق المذكور، على الشيخ: حافظ قاري غلام محمد بن فيض الله - جزاه الله خيراً -. ثم دخل المتوسطة الثانية لتحفيظ القرآن الكريم بمدينة الرياض، وذلك في ١٣ من جمادى الثاني عام ١٤٢٢هـ، فدرس بها بقية جمادى، ورجب، وشعبان، وستة عشر يوماً من رمضان ﵀ رحمة واسعة. وكان الابن عبد الرحيم ﵀ يحفظ من القرآن سبعة عشر جزءاً: من سورة الرعد إلى سورة الناس، ولله الحمد والمنة، وقد راجع هذه الأجزاء مرات كثيرة جداً على شيخه المذكور، وعلى الشيخ زمراوي محمد خيري، والشيخ سخاوة حسين، والشيخ مأمون الرشيد - جزاهم الله خيراً -. وكان الابن عبد الرحيم ﵀ يحب أن يرافقني، وقد كان يحضر معي الدروس عند سماحة شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀ ليلة الإثنين وفجر الخميس وليلة الجمعة في الجامع الكبير من كل أسبوع، وذلك في آخر حياة شيخنا ﵀ عام ١٤١٨، ١٤١٩هـ. وكان الابن عبد الرحيم ﵀ يحضر دروسي في جامع الفاروق حتى توفي ﵀. وكان الابن عبد الرحيم ﵀ طائعاً لوالديه، ويرحم أمه كثيراً، ويُحسن إليها، أحسن الله إليه وأنزله الفردوس الأعلى في أعلى منازل الشهداء، وقد أخبرتني والدته - ربط الله على قلبها؛ ﴿لِتَكُونَ مِنَ

стр. 37

الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١): أن عبد الرحيم إذا رجع إليها من المدرسة يعطيها أحياناً بعض الحلوى هديةً لها؛ لحبه لها جمعه الله وإيَّاها وشقيقه وإيَّايَ ووالدينا وجميع المؤمنين الصادقين المخلصين في الفردوس الأعلى في أعلى منازل الشهداء مع النبيين والصديقين والشهداء. وكان الابن عبد الرحيم كريماً يكرم أمه، وإخوانه، وأخواته من المال الذي أعطيه من أجل الانتفاع به أثناء المدرسة، وأخبرني الشيخ زمراوي محمد خيري أن عبد الرحيم كان يكرمهم بعد انتهاء الدراسة في التحفيظ ببعض العصيرات، ووصفه بالكرم فقال: ((كان عبد الرحيم كريماً ﵀). وكان الابن عبد الرحيم لا يقهقه؛ بل كان يبتسم في وجه كل من قابله، وقد أخبرني بعض الأساتذة في مدرسة الإمام حمزة لتحفيظ القرآن الكريم أن عبد الرحيم وأخاه عبد السلام يبتسمان كثيراً، وقال: قد سمَّيناهما: ((المبتسمان))!. وكان الابن عبد الرحيم قد أخذ زاوية صغيرة من مكتبتي الخاصة، وكلما ألّفت كتاباً أخذ نسخة وجعلها في هذه الزاوية، ومات ﵀ ومؤلفاتي في مكتبته الصغيرة التي تتكون من رفٍّ واحد؛ لحبه للاطلاع على كتبي خاصة، غفر الله له، وجمعنا وإياه في الفردوس الأعلى في أعلى منازل الشهداء مع النبيين والصديقين والشهداء.

стр. 38

وكان الابن عبد الرحيم يصوم رمضان منذ السنة السادسة من عمره، ويتبعه ستّاً من شوال، ويصوم يوم عاشوراء ويوماً قبله وربما صام يوماً قبله ويوماً بعده، وكان يصوم مع شقيقه عبد الرحمن ﵀ تسعة أيام من عشر ذي الحجة، وكان يحافظ على السنن الرواتب وصلاة الوتر. وكان الابن عبد الرحيم ﵀ في العشر الأواخر من رمضان من كل عام يأخذ كتاب الدعاء من الكتاب والسنة قبل الفجر بساعة أو ساعتين من كل ليلة، ويستقبل القبلة، ويرفع كفيه، ويدعو حتى ينهي الكتاب من أوله إلى آخره، رحمه الله تعالى. وأخبرني الشيخ حافظ قاري غلام محمد فيض الله الذي كان يُحفِّظ الابن عبد الرحيم القرآن الكريم، وكان مع ذلك يذهب بالابن على سيارته إلى المدرسة أيضاً، قال: كنت واقفاً عند الإشارة المرورية يوماً وعبد الرحيم ﵀ معي في السيارة، فرأى رجلاً يشرب الدخان ففتح عبد الرحيم ﵀ زجاج السيارة وقال: ((الدخان حرام)) أي ينصح شارب الدخان. وأخبرني الأخ أيمن بن عبد الله العاصمي أنه كان يوم جمعةٍ في الجامع، وعبد الرحيم ﵀ بجانبه، وكل منهما يقرأ سورة الكهف، وبعد أن أنهيا سورة الكهف تكلّم الأخ أيمن مع الابن عبد الرحيم، قال أيمن: فقال عبد الرحيم ﵀: ((لم يبق من خروج الخطيب إلا خمس دقائق، دعنا نستغلّها في التسبيح حتى يخرج علينا الخطيب))، قال الأخ

стр. 39

أيمن: ((فسبح عبد الرحيم، وسبّحت حتى خرج الخطيب)). وأخبرتني والدة عبد الرحيم ﵀ وجمع بينها وبينه في الفردوس الأعلى في أعلى منازل الشهداء، فقالت: إن عبد الرحيم يوم الخميس الموافق ثلاثة عشر من رمضان قبل أن يُتوفَّى بثلاثة أيام آلمته أسنانه، فلم يستطع أن ينام، فجاءت إليه والدته بحبوب مهدئة للآلام وماءٍ، فطلبت منه أن يفطر؛ لأنها تعتقد أنه غير مُكلَّفٍ؛ حيث يبلغ من العمر اثنتي عشرة سنة ونصفاً فقط؛ ولرحمتها له؛ لأنه لم ينم من الألم الشديد في ضرسه، ولكنه امتنع ولم يفطر، فقال له شقيقه عبد الرحمن ﵀: لا تفطر يا عبد الرحيم، فقال عبد الرحيم ﵀: ((تُعلِّمني؟)) أي أنا لا أفطر. وقد سَمِعَ مني الابن عبد الرحيم ﵀ ثلاثة الأصول للإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀، وحفظ أهم ما فيها، وسمع الدروس المهمة لعامة الأمة مرتين وحفظ أهم ما فيها؛ لكنه لم يكمل المرة الثانية؛ لموته ﵀. وكنت إذا سألته عن شروط لا إله إلا الله أجاب بالأبيات التي نظمها الشيخ حافظ الحكمي ﵀ فإذا قلت: يا عبد الرحيم كم شروط لا إله إلا الله وما عددها؟ فيقول ﵀: ثمانية: العلم، واليقين، والقبول ... والانقياد فادرِ ما أقول والصدق، والإخلاص، والمحبة ... وفقك الله لِمَا أحبه

стр. 40

ثم يقول: والكفر بما يُعْبَد من دون الله. وقد أخبرني الابن عبد الله، وعبد السلام، وعبد الرزاق أن الابن عبد الرحيم ﵀ كان يردّد هذه الأبيات قبل موته فيقول: إنما الدنيا فناء ... ليس للدنيا ثبوت إنما الدنيا كبحرٍ ... يحتوي سمكاً وحوت ولقد يكفيك منها ... أيها الطالب قوت فاغتنم وقتك فيها ... قبل ما فيها يموت إنما الدنيا كبيت ... نسجته العنكبوت ﵀ ورفع منزلته وجمعنا وإياه وشقيقه في الفردوس الأعلى في أعلى منازل الشهداء؛ فإن هذا الاجتماع الذي لا فراق بعده. ولم يكن للابن عبد الرحيم ﵀ ما لشقيقه عبد الرحمن من المواقف والمناقب؛ لأن الابن عبد الرحيم صغير السن، فقد كان عمره اثنتي عشرة سنة وستة أشهر تماماً بلا زيادة ولا نقص، بينما عمر عبد الرحمن ﵀ ثمانية عشر عاماً وتسعة أشهر وتسعة عشر يوماً بلا زيادة ولا نقص. وكان عبد الرحيم ﵀ يَدْرُسُ في التحفيظ في نفس الجامع الذي يُدَرِّسُ فيه شقيقه، ولكنه عند مُدَرِّسٍ آخر، وقد توفي عبد الرحمن وعبد الرحيم في ساعة الحادث المذكور، وهما في طريقهما إلى حلقات

стр. 41

القرآن الكريم: الابن عبد الرحمن؛ ليعلّم في حلقة الإمام الذهبي، وعبد الرحيم يتعلّم في حلقة الإمام ابن ماجه، رحمهما الله. وقد صلَّى عليهما جمع كبير من الناس بعد صلاة الظهر يوم الأحد السابع عشر من رمضان سنة ١٤٢٢هـ، في جامع الراجحي بالربوة بمدينة الرياض، وكان دفنهما بمقبرة النسيم، رحمهما الله تعالى. أسأل الله العظيم، رب العرش الكريم، الرؤوف، الرحيم، الكريم، المنّان، أن يُدخلهما الفردوس، ويجعل هذا الحادث شهادة لهما، وأن يبلّغهما أعلى منازل الشهداء؛ فإنه على كل شيء قدير، وهو ذو الجود والإحسان، والفضل والامتنان، لا يُسأل عما يفعل ﵎. كما أسأله بوجهه الكريم أن يجمع بينهما وبين والديهما في ذاك المكان العظيم؛ فإن هذا هو الاجتماع الذي فراق بعده. والحمد لله على كل حال، وعلى قدره وقضائه، واختياره، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أبو عبد الرحمن سعيد بن علي بن وهف القحطاني حرر في يوم الخميس الموافق ٢٦/ ١٠/١٤٢٢هـ

стр. 42

ثامناً: ما قاله عنه: العلماء، ومعلموه، وزملاؤه: أ - ما قاله العلماء ، وطلاب العلم وبعض الأساتذة: ١ - (١) الحمد لله على قدره وقضائه واختياره لعبده بقلم الشيخ العلامة: عبد الله بن صالح القصير. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه. أما بعد: فقد عرفت الأخ في الله عبد الرحمن بن سعيد بن علي بن وهف القحطاني - رحمه الله تعالى - من خلال حضوره لدروسي، وقراءته عليَّ في كتاب التوحيد، في دورة الدروس العلمية المقامة في مسجد جامع خادم الحرمين الشريفين في منطقة الباحة عام ١٤٢٠هـ، وقد ظهر لي من الأخ عبد الرحمن رحمه الله تعالى: ١ - الحرص على طلب العلم الشرعي. ٢ - التحلي بأخلاق طالب العلم. ٣ - ينطبق عليه وصف النبي ﷺ لأحد الأصناف السبعة الذين يظلم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله بقوله ﷺ : ((وشاب نشأ في عبادة الله)) (١). أحسبه كذلك ولا أزكي على الله أحداً. والحمد لله على قدره وقضائه واختياره لعبده، وأسأل الله تعالى أن

стр. 43

يتغمده برحمته، وأن يجعله ذخراً لوالديه، وأن يعوضهما خيراً، والحمد لله أولاً وآخراً. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه. وكتبه الفقير إلى عفو ربه القدير عبد الله بن صالح القصير

стр. 44

٢ - (٢) علوُّ الهمةِ وصِدقُ العزيمةِ بقلم الشيخ: عبد الله بن عبد العزيز بن إبراهيم الخضير الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد: فإن على كل مسلم أن يعلم - في ضوء الوحي - الغاية التي يريد بلوغها في هذه الحياة، وأن يسلك السبيل الموصلة إليها، ويأخذ بالأسباب المعينة على ذلك. ومن المعلوم أن الحكمة العظمى من خلق الثقلين هي عبادة الله وحده على بصيرة، ولا سبيل إلى هذا إلا بالعلم النافع، فإنه الهدى الذي أرسل الله به نبيه محمداً ﷺ : ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ (١)، فالهدى هو العلم النافع، ودين الحق هو العمل الصالح، وإدراك هذا يقتضي أن يعتني كل لبيب بتزكية نفسه تَزْكِيةً فِعْليَّة بتلقِّي العلم الموروث عن نبينا ﵊، والعمل بمقتضى هذا العلم، وأن يبادر ذلك في سن الشباب حيث تكون قدرته على الأمرين أقوى؛ ولأن الاشتغال بهما في هذا السن من أعظم أسباب الاستقامة والتثبيت، وأهم طرق الوقاية من الطيش والمزالق، وإن المسلم ليغتبط حين يرى عدداً من شباب المسلمين سلَّمهم الله من الوقوع فيما وقع فيه لداتهم، واشتغل به أترابهم من توافه الأمور، وأضاعوا فيه أفضل مراحل الأعمار،

стр. 45

فانصرفت تلك الثُّلة الموفقة إلى الاشتغال بالمعالي، والاجتهاد في تحصيل المكرمات مستعينة بالله تعالى، وناظرة إلى ما يؤول إليه هذا من حسن النتائج، ومحمود العواقب، غير ملتفتة إلى ما تدعو إليه النفس الأمّارة بالسوء، الحرُون عن الخير البطيئة عن فعله، وما تميل إليه من إيثار الراحة والركون إلى الدعة، واستثقال الجد والمثابرة، واستطالة طريق المجد المؤثَّل، ولا عابئة بما يعين النفس الضعيفة على صاحبها من الالتفات إلى اشتغال الناس بالمحقرات، وموافقة مشتهيات النفوس، ولا مكترثة بتخذيل المثبّطين، وثني المخذّلين، بل يحملها توفيق الله وعونه، ثم علوّ الهمة وصدق العزيمة على بذل الأوقات، واستسهال الصعاب، من أجل ما يرضاه الله ويحبه من الاشتغال بالعلم النافع والعمل الصالح، فهمّة هذه الثُّلة عمارة الوقت بمحبوبات الله المتنوعة، مراعية في ذلك ترتيبها وفقاً لما جاء في الشرع من البداءة بالأهم قبل المهم، وتقديم الواجبات على المستحبات والمندوبات، والله المسؤول أن يأخذ بأيدي هذه الثلة، ويبلغهم مراداتهم الحسنة، ويصلح لنا ولهم المقاصد والنيات والأقوال والأعمال، وأن يوفق سائر شباب المسلمين ليحذوا حذوهم، ويسيروا في ركبهم ليجنوا ثمرات ذلك الحسنة حالاً ومآلاً عاجلاً وآجلاً. هذا وإن من نماذج تلك الثلة - فيما أحسب - الابن عبد الرحمن بن سعيد بن علي القحطاني - يرحمه الله - فقد كان له نصيب من علو الهمة وصدق العزيمة كانا له بعد توفيق الله - ذي الحول والطول، والإفضال والإنعام - عوناً على تحصيل عدد من محابّ الله ومراضيه، أولها بعد أداء

стр. 46

الفرائض حفظ القرآن الكريم وتعاهده ومراجعته، والالتحاق بمدارسه التي تعنى بتعليمه وعلومه، ثم تعليمه الآخرين، يلي ذلك العناية بالعلوم الشرعية الأخرى عن طريق القراءة على والده وعلى غيره، وحضور بعض حلق العلم، والانتظام بكلية الشريعة بالرياض إلى جانب الإسهام في نصح الآخرين وتوجيههم. اشتغل يرحمه الله بما حقَّه أن يكون شاغل كل شاب مسلم يقفو أثر السلف الصالح الذين تخرجوا في مدارس العلم الموروث عن رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم، فأدرك طرفاً صالحاً حتى وافاه الأجل وهو في مضمار التنافس في محاب الله، وبقي له من الذكر والخبر ما يحفز نفوس الشباب على التشمير فيما نافس فيه، فإني أراه شاباً نشأ في طاعة الله ، وكان يقرأ عليَّ في القواعد الحسان لابن السعدي، ولئن كان آلمني خبر وفاته يرحمه الله، فقد سرّني ما عرفته عنه من أخبار في مجال الدعوة والمناصحة. وما المرء إلا حديث بعده ... فكن حديثاً حسناً لمن روى أسأل الله تعالى أن يتغمده برحمته، ويظله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وأن يبارك في إخوانه وفي سائر شباب المسلمين، وأن يجعلهم مفاتيح خير لأمة الإسلام، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قاله الفقير إلى ربه عبد الله بن عبد العزيز بن إبراهيم الخضير

стр. 47

٣ - (٣) يا فتى الطُّهرِ طِبتَ حيّاً وميّتاً بقلم الشيخ: محمد بن أحمد الفراج أخي الكريم/ أبا عبد الرحمن: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، وبعد: سمعت كغيري نبأ وفاة ابنيك رحمهما ربهما، وآجرك فيهما، ولا أراك مكروهاً بقية عمرك المبارك، ولا فجعك في نفس وحبيب، وحضرت للعزاء كغيري، ولكن الشيء الذي بقي علمه مطويّاً عني هو هذا التميز الذي كان عليه فقيدك عبد الرحمن منذ صغره، قرأت الأسطر التي كتبتها في مقدمة كتابه، واستعرضت كتابه ﵀ فأوجد لديّ شعوراً هائلاً ترجمت بعضه بهذه الأبيات: ١ - هل لِقَلبٍ مِنَ الهُمُومِ عميدِ ... يُسْعِف الفِكر في عَزاءِ سعيدِ ٢ - في مُصَابِ الفتى الهُمام ويوفي ... حقَّ ذي العزم والبيانِ السَّديدِ ٣ - يقفُ الشِّعرُ حائراً كلُّ بَحْرٍ ... يُعلِن العَجزَ عن رثاءِ الفقيدِ ٤ - إنَّ عبدَ الرَّحمن بدرُ تمامٍ ... فجأةً غابَ عن سماءِ الوجودِ ٥ - ودّع الصَّحبَ تاركاً كلَّ جَفنٍ ... يَتَلظَّى مِنْ حرقة التَّسهيدِ ٦ - لوْعَةٌ في الُفؤادِ من وَحْشةِ البينِ ... وحُزنٌ ودمْعَةٌ في الخُدودِ ٧ - ما دَرَى قَبْرهُ ولا دافِنُوهُ ... أيَّ شهمٍ قد غيَّبُوا في اللحودِ ٨ - أيَّ نبلٍ قد ودَّعُوا وذَكاءٍ ... وكريمٍ مِنَ الخِصَال وَجُودِ ٩ - وشبابٍ في الرَّوعِ حَامَتْ عليهِ ... حائِماتٌ أظفارُها من حديدِ ١٠ - ما لقلبي كقطعةٍ من جَليدٍ ... ولعَيني كصخرةِ الجلمودِ

стр. 48

١١ - تقصِفُ الحادثاتُ شَرقاً وغَرباً ... وجَنُوباً وشَمالاً كالرُّعُودِ ١٢ - وأرَانا وكُلّنا في سُباتٍ ... وسُعارٍ على الدَّنايا شديدِ ١٣ - كلّ يومٍ نرى مُصاباً جديداً ... في حبيبٍ أو والدٍ أو وليدِ ١٤ - كم رسولٍ قد أرسلَ الموتَ فينا ... ونذيرٍ محذّرٍ وبريدِ ١٥ - والمنايا لنا بكلِّ طريقٍ ... راصِدات يرمقنَنَا من بعيدِ ١٦ - وأرانا على الرَّزايا مُكبِّين ... سُكارَى متاعِها المعبودِ ١٧ - يا فتىً فتَّ موته كلَّ قلبٍ ... إذ مُصاب التُّقاة قرحُ الكُبُودِ ١٨ - غيرُ مأسوفَة الزَّوالِ حياةٌ ... زلتَ عنها وعيشِها المَنْكُودِ ١٩ - ما رأينا من أهلها غيرَ لُؤم ... ونفاقِ مخادعٍ وكُنودِ ٢٠ - يذهبُ الصَّالِحونَ عنها وتُبقي ... كلّ نذلٍ وفاجرٍ وبليدِ ٢١ - في قليلٍ من الصلاحِ عزيز ... في غريبٍ مِنَ الأنامِ شريدِ ٢٢ - يا فتى الطّهر طِبتَ حيّاً ومَيْتاً ... وتسامَيْتَ في مَرَاقي الصُّعُودِ ٢٣ - ناشئاً في عبادةِ الله ترجو ... مِنْحةَ الرّبّ في ظلالِ الوَدُودِ ٢٤ - لكأنّي بالذِّكرِ صارَ أنيساً ... لك في القبرِ والكتابِ المجيدِ ٢٥ - وكأنِّي أرى خيالَكَ طَيفاً ... مُشرقَ الوَجهِ في سَماءِ الخُلودِ ٢٦ - وكأنّي بِكَ ازدَريتَ حياةَ ... الذُّلِّ والعيشَ في رباقِ العبيدِ ٢٧ - فابتدَرتَ الهِلال لله تَعْدُو ... عَدْوَ صَبٍّ لم ينتظِرْ يومَ عِيدِ ٢٨ - أيُّ عيدٍ يُسرُّ فيه ذليلٌ ... لصليبٍ وحفنةٍ من يهودِ ٢٩ - شَرِبوا الذُّلَّ باليدين ونامُوا ... ملء جفنٍ وكلبُهم بالوَصِيدِ

стр. 49

٣٠ - باسِطٌ فوقهم ذِراعيهِ قَهْراً ... غاصبٌ منهم ديارَ الجُدودِ ٣١ - عائِثٌ في البلادِ قتلاً وأسراً ... محكمٌ قبضةَ العدوّ اللدودِ ٣٢ - فلِهَذا وغيرِهِ وكثير ... يا فتى قد مَلَلْتَ عيش الرّقودِ ٣٣ - فإلى الله والجِنَان وحورٍ ... وقُصُور وظلّها الممدودِ ٣٤ - في رياضٍ من النَّعيم فِساح ... وشُهودٍ من الإلهِ مزيدِ ٣٥ - وجِوَار من النبيين طُوبَى ... لجوارِ الكليم مُوسى وهُودِ ٣٦ - وجِوار النَّبيِّ والصَّحب سَعدٍ ... وعليّ وعامرٍ وسعيدِ أخوك الوادُّ محمد بن أحمد الفراج

стр. 50

٤ - (٤) أنتم شهداء الله في الأرض بقلم الشيخ سعيد بن فيصل بن شائع القحطاني الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على البشير النذير، والسراج المنير؛ محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة والسلام، أما بعد: فهذه كلمة مختصرة في بعض ما أعرفه عن الشاب الصالح: عبد الرحمن بن سعيد بن علي بن وهف ﵀، ورفع درجته في عليين، وجعله وأخاه عبد الرحيم في جنات ونهر في مقعد صدقٍ عند مليك مقتدر -. وجعل والديه ممن قال الله فيهم: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ﴾ (١)، وممن قال الله فيهم: ﴿أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا﴾ (٢). فإن عبد الرحمن عرفته منذ زمن، ورأيت فيه خصالاً عظيمة لم أرها في كثير من شباب هذا العصر. منها أنني كلما زرت والده وجدت عبد الرحمن ﵀ إما في المسجد في حلقة القرآن الكريم، أو في المسجد يراجع حفظه، أو يُدرِّس في المسجد لكتاب الله تعالى، أو ذاهباً إلى المسجد؛ ليؤذن للصلاة، وما رأيته في السفر إلا حاجّاً أو معتمراً مع والده، وما سألت عنه إلا جاءني الخبر بأن عبد الرحمن في حلقة علم، أو دورة علمية مع والده في

стр. 51

الإجازات الصيفية، يلازم والده في الدروس والمحاضرات، فكان يسرني ذلك كثيراً، وكان أملي في الله عظيماً أن يكون عبد الرحمن ممن قال فيهم النبي ﷺ من حديث أبي هريرة المتفق على صحته: ((سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله))، وذكر منهم: ((شاب نشأ في عبادة الله تعالى)) (١). الحديث، وممن قال فيهم النبي ﷺ في الحديث الطويل الذي رواه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ وفيه: ((ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهَّل الله له به طريقاً إلى الجنة)) (٢) الحديث. وكأنه يتمثل قول القائل: دع التّكاسُل في الخيرات تطلبها ... فليس يسعدُ بالخيرات كسلانُ ومنها أنه كان ذا خُلقٍ حسن ﵀، وأملي في الله عظيمٌ أن يكون ممن قال فيهم النبي ﷺ : ((إن من أحبّكم إليّ وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً)) (٣). وممن قال فيهم ﷺ : ((أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً)) (٤). ومنها أنني لم أره يوماً من الأيام يميل إلى ما يميل إليه الصبيان من اللعب، فما رأيته يلعب مطلقاً ﵀.

стр. 52

ومنها أنني ما سمعت أحداً ذكره صغيراً أو كبيراً، ذكراً أو أنثى إلا أثنى عليه خيراً: حيّاً وميتاً ﵀. ومنها أنه كان من خلقه الحياء، وقد قال النبي ﷺ : ((الحياء لا يأتي إلا بخير)) (١). ولمسلم: ((الحياء خير كله)) (٢). فنصيحتي لإخواني الشباب الرجوع إلى الله، والاستفادة من كتاب عبد الرحمن، ومن أخلاقه وسيرته ﵀ قبل أن يأتي أحدهم الموت وهو على غير طاعة الله تعالى. فبادر مادام في العمر فسحةٌ ... وعَدلك مقبول وصرفك قيم وجد وسارع واغتنم زمن الصِّبا ... ففي زمن الإمكان تسعى وتغنمُ أسأل الله أن يغفر لعبد الرحمن وأخيه، وأن يجعلهما من السعداء ويجمعنا وإياهما ووالديهما في أعلى عليين، إنه على ذلك قدير، وبالإجابة جدير، وصلى الله وسلم على نبينا محمد. قاله كاتبه: سعيد بن فيصل بن شايع القحطاني مدرسة الإمام مسلم الثانوية لتحفيظ القرآن الكريم بالحرس الوطني في٢٦/ ١/١٤٢٣هـ ٥ - (٥) صاحب الروح الطيبة والسيرة العطرة بقلم د. سعد بن علي بن وهف القحطاني

стр. 53

الأستاذ بجامعة الملك سعود إلى أخي الودود أبي عبد الرحمن: وفقه الله، وربط على قلبه، وبرد حرارة مصيبته، وكسانا وإياه حلل الكرامة يوم القيامة. أخي ... حسبك مما فقدت من ثمرات الأفئدة ما أعده الله لك ولأمثالك في بيت الحمد في الجنة إن شاء الله تعالى. وحسبك أيضاً أنهما هجرا ضنك الدنيا إلى جنة عرضها السموات والأرض إن شاء الله تعالى. فإلى جنة الخلد يا عبد الرحمن إن شاء الله تعالى، صاحب الروح الطيبة، والسيرة العطرة، والمواهب المتعددة، التي كانت سرّاً كامناً لم يكتشفها الناس إلا بعد رحيلك، وهذا هو حال العظماء من الرجال، لا تعرف مكانتهم إلا بعد أن يشعر الناس بالفراغ الذي تركه رحيلهم، ولئن كنا اليوم نبكي موتك فسنظلّ نذكر الأثر الطيّب الذي تركته في نفوسنا، حتى يجمع الله بيننا وبينك في الجنة إن شاء الله تعالى، وعزاؤنا فيك أنك متّ عزيزاً، شهماً. أطاب النفس أنك مت موتاً ... تمنته البواقي والخوالي رحلت ولم تر يوماً كريهاً ... تسرُّ النفسُ فيه بالزوال وإلى عبد الرحيم تلك الزهرة التي لم تكد تتفتح، أقول فيك ما قاله المتنبي في ابن سيف الدولة:

стр. 54

فإن تك في قبر فإنك في الحشا ... وإن تك طفلاً ففعلك ليس بالطفل ومثلك لا يُبكى على قدر سنه ... ولكن على قدر العزيمة والأصل اللهم ألهم والديهما الصبر والاحتساب، واجعلهما لهما حجاباً من النار، واجمعنا وإياهم جميعاً في الفردوس الأعلى في أعلى علّيين في جنات ونَهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر. كتبه أخوك ومودّك أبو عبد العزيز

стр. 55

ب - ما قاله معلموه: ٦ - (١) - دمعة على فراق أبي سعيد بقلم الشيخ عادل بن عبد الرحمن السنيد لست من أرباب البيان، ولا روّاد البلاغة حتى أُسطّر كلمات تليق بأبي سعيد، ولكنها نبضات قلب محب ومشاعر أبت إلا أن تخرج في أي قلب كانت. عبد الرحمن: اسم يتجلجل صداه في مسامعي، وتدوي معانيه في خاطري، فلا أملك إلا أن أسترجع بأدمعي، غابت شمسك يا أبا سعيد، وأفل نجمك، وإن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا. عبد الرحمن: عندما تتراءى صورته أمامي أذكر معاني: القناعة، الحرص على هداية الناس، لين الجانب، دماثة الأخلاق، صفاء النفس، نقاء السريرة، بذل النصيحة، حمل هم الآخرة، المسارعة إلى خدمة الآخرين. أبا سعيد: يتجاذبني شعوران متناقضان: شعور بالفرحة والسرور؛ لأن ذكرك حَسَنٌ، وسيرتُك عطرَة، ولله الحمد، وأنتم شهداء الله في أرضه. وشعور بالحزن والأسى إذا تذكرت أن عيني لن تكتحل برؤيتك في الدنيا بعد اليوم:

стр. 56

أأحبابنا إن الصحاب كثير ... وأنتم رأس وعين كاهل أسأل الله أن يجمعنا وإياك ووالدينا وجميع المسلمين في الفردوس الأعلى من الجنة، وأن ينزلنا منازل الشهداء آمين، آمين، آمين. أبا سعيد لا أقول وداعاً، ولكن إلى اللقاء في الجنة - إن شاء الله -. أبو عبد الإله: عادل السنيد مدرس القرآن الكريم والقراءات بثانوية أبي عمرو البصري لتحفيظ القرآن الكريم بالرياض فجر الأحد ١٠/ ١/١٤٢٣هـ

стр. 57

٧ - (٢) ورحل ... عبد الرحمن !!! بقلم الشيخ بدر بن ناصر العواد ربما كانت هذه الكلمة هي الكلمة الأولى التي صكَّت أذني، فكنتُ على موعد مع الحزن الآسر، لم يَدُرْ في خَلَدِي يوماً ما أن أقفَ في لحظة صمتٍ خاشعةٍ لأستعيدَ شريطَ الذكريات الجميلةِ معه بعدما لحق بركب الموتى. كم عجيب هو الموت، لحظاتٌ فقط ويصبح الإنسان خَبَراً في ذمَّة كان، طرفة عين - لا أكثر - هي الخيط الرقيق الفاصل بين الحياة والموت!!! في مثل هذا الموقف الحزين يضجُّ في أروقة دماغك ألفُ سؤال حائر عن الموت وما بعده، ويتدفّقُ شلالٌ من الحزن في جنبات قلبك، ويلوح أمامَ ناظريكَ إعصارٌ من الأسى، يعصف بأحاسيسك، ويأخذك بعيداً إلى ما وراء الوراء!!! عبد الرحمن ... مَنْ عبدُ الرحمن؟؟؟ وجهٌ يهمي بالطُّهر كإشراقة الفجر النَّدي، وصدرٌ لا مكان فيه لغير المحبة والمصافاة، وثغرٌ سكَنَت فيه ابتسامةٌ عذبةٌ أبَتْ أن ترحلَ عنه! لم يكن عبد الرحمن بالنسبة لمعلميه مجرَّدَ طالب في مدرسة تعجُّ بالمتميزين كهذه، بل كان طالباً من الطراز الأول ... التزامٌ جادٌّ، واهتمامٌ بالتحصيل العلمي، وعزمٌ متوهِّجٌ لم يستطع الكَلَلُ أن يَفُتَّ في عَضُدِه. وليس غريباً أن يكون من تربَّى في محاضنِ القرآن الكريم، ونهل من

стр. 58

ينابيعِ السنة النبوية الشريفة؛ بارّاً بوالديه، مسكوناً بهموم أمته، متميزاً بين لدَاتِه. وإن أنسَ فلا أنسى ما كان يتحلَّى به من أدبٍ رفيعٍ، وروحٍ مرحةٍ داخلَ فصله، ونَهمٍ معرفيٍّ يحدوه في الفُسَحِ إلى إغراقي بوابلٍ من الأسئلة. لقد مضى إلى ربِّه بعدما نقش اسمه بحروفٍ من نورٍ في ذاكرة من عرفوه، وستبقى ذكراه العَبقَة أنشودةً حلوةً على كل الشِّفاه ... و ((الذِّكْرُ للإنسانِ عُمْرٌ ثاني)). بدر بن ناصر العواد مدرس العلوم الشرعية بثانوية أبي عمرو البصري لتحفيظ القرآن الكريم

стр. 59

٨ - (٣) ورحل عبد الرحمن بقلم الشيخ محمد بن عبد العزيز الغامدي سطرت يراع عبد الرحمن ﵀ هذه الكلمات قبل أن يغادر هذه المدرسة متخرجاً بتميز علمي وخُلقي. لقد مضى عبد الرحمن، وبقيت ذكرياته. وما هذه الكلمات إلا جزء من هذه الذكريات، كتبها ولم يكن يدر بخلده حينها أنها ستبقى ذكرى من بعده يقلبها معلموه وزملاؤه. غادرنا عبد الرحمن وهو يقول: (بعد مغادرتي للمدرسة على خير إن شاء الله)، وأقلّ من عام، وإذا به يغادر ليس المدرسة فحسب بل الدنيا كلها، وهو على خير إن شاء الله. مضى عبد الرحمن ... ونحن لم نمض بعد. وغادر عبد الرحمن ... ونحن لم نغادر بعد ... يا ترى ... كيف كانت أمانيه قبل أن يمضي؟ وما آماله وأحلامه قبل أن يغادر؟ لقد مضت تلك الأماني معه وغادرت تلك الآمال والأحلام إلى حيث غادر ... لكن ... قل لي بربك: ما مصير أمانينا وآمالنا؟ هل سندركها؟ أم ستخترمها المنون؟ اسأل نفسك ... والحر تكفيه الإشارة. اللهم حرِّم وجه عبد الرحمن على النار ... وارفع درجته في دار

стр. 60

القرار ... في جنة ونهر ... في مقعد صدق عند مليك مقتدر. محمد بن عبد العزيز الغامدي مدرس العلوم الشرعية في ثانوية أبي عمرو البصري لتحفيظ القرآن الكريم بالرياض

стр. 61

ج - قال عنه زملاؤه: ٩ - (١) عاجل بشرى المؤمن بقلم زميله بكلية الشريعة: عادل بن عبد الله المطرودي الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبيه الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: إلى فضيلة الشيخ د. سعيد بن علي القحطاني - حفظه الله ورعاه - فقد سرّني وأثلج صدري ذلك البحث القيِّم لحميد الشِّيَم ابنكم عبد الرحمن قدَّس الله روحه، ونوّر ضريحه، والذي أسأل الله أن يجعله من الباقيات الصالحات. ثم إني بحكم دراستي مع عبد الرحمن ﵀ لعدّة أشهر في كلية الشريعة أحببت أن أكتب عنه هذه الكلمات، فأقول وبالله أستعين: كان ﵀ حريصاً على طلب العلم، كثير السؤال لأهل العلم، وقد كنت أمازحه فقلت له ذات مرة: أسئلتُك أسئلةُ فقيه؟ فقال لي: ((الله يسمع منك)). وكان لا يستحيي في السؤال لسان حاله كما قال الشاعر: العلم حربٌ للفتى المتعالي ... كالسيل حربٌ للمكان العالي وكان ﵀ ينفع إخوانه كثيراً، وكان كثيرٌ من الزملاء يأخذون ما يفوتهم من التعليقات منه ﵀.

стр. 62

وقد التقيت به يوماً في أحد ممرات الكلية فقال لي: انظر إلى هذه الرسالة - رسالة وصلت إليه خطأ عن طريق الجوال أُرسلت لشخصٍ، فأخطأ المرسل فوقعت في جوال عبد الرحمن ﵀ فيها عبارات كفرية والعياذ بالله، فقال: ما رأيك فيها؟ فقلت له: إن صاحبها على خطر عظيم، فقال لي: ((إني قد اتصلت به ونصحته فشتمني وسبَّني هداه الله)). وكان ﵀ على خلق عظيم، ولا أذكر أني شهدت منه خلقاً ذميماً ﵀ رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته -. وختاماً أُوصيكم بالصبر والاحتساب وأبشركم بأن عبد الرحمن كان ولا يزال محل ثناء زملائه، وإخوانه في الكلية، وهذا من عاجل بشرى المؤمن، أسأل الله أن يغفر لي، ولعبد الرحمن، ولأخيه، ولوالديه، ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين، وإنا لله وإنا إليه راجعون. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. كتبه العبد الفقير إلى رحمة ربه عادل بن عبد الله المطرودي الرياض ١٥/ ١/١٤٢٣هـ كلية الشريعة قسم الشريعة

стр. 63

١٠ - (٢) أعظم الأماني الشهادة في سبيل الله تعالى بقلم: زميله بكلية الشريعة: عبد الرحمن بن عبد العزيز بن سليمان الشبيب الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد: فهذا بعض ما أعرفه عن أخي وصديقي الأخ الفاضل عبد الرحمن بن سعيد بن علي بن وهف القحطاني ﵀ فأقول: كانت بداية معرفتي للأخ عبد الرحمن هي بداية دراستي في الجامعة، ومن العجيب أنه على الرغم من قصر المدة التي تعرَّفت فيها على الأخ عبد الرحمن ﵀ إلا أنه كان بيننا من الألفة والمحبة حتى كأنني أعرفه قبل عدة سنوات، وذلك لما يتحلّى به من حسن الخلق، وبشاشة الوجه، وكان الأخ عبد الرحمن ذا علمية جيدة، وقد عرفت ذلك من مناقشاته الجيدة للمشايخ في قاعة الكلية، وتعليقاته المفيدة على بعض كتبه، وقد كنت يوماً من الأيام أتأمل في شباب القاعة، وأتخرص من هو الذي سيخدم الدين؟ فكنت أنظر إلى الأخ عبد الرحمن، وأتوسّم فيه سمات القضاة، فقد كان حكيماً ذا سمت حسن، وقد كان ﵀ يهتم بأحوال المسلمين، خاصة إخواننا في أفغانستان، وقد كان يخبرني ببعض أخبارهم، ويأتي ببعض المجلات التي تهتم بقضاياهم، وكان يزرع في نفسي أن النصر للمسلمين مهما حصل من الضعف في بعض الأوقات، وكنا نناقش في يوم من الأيام بعض أحوال المسلمين، فقال: ((إن من أعظم الأماني عندي أن أذهب إلى ساحة الوغى ثم أقتل في سبيل الله تعالى)).

стр. 64

فرحم الله الأخ عبد الرحمن، وجعلني وإياه ممن يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، فقد كنا متحابين في الله تعالى، فرحمه الله رحمة واسعة، وجعل قبره روضة من رياض الجنة، إنه جواد كريم، وبالإجابة جدير. محبه: عبد الرحمن بن عبد العزيز بن سليمان الشبيب ١٢/ ١/١٤٢٣هـ جامعة الإمام - كلية الشريعة - قسم الشريعة - الرياض

стр. 65

١١ - (٣) الأمر بالمعروف مع سعة الصدر بقلم زميله: محمد بن حسان بن محمد بن بشُّور السوري الحمد لله الذي جعل لكل أمر علامة، ولكل شيء نهاية، ﴿إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (١) فسبحانه مدبر الأمور، يصرفها كما يشاء وهو العليم الحكيم، والصلاة والسلام على خير الأنام محمد ﵊، أما بعد: فهذه النقاط فقط ذكريات صديق حبيب، أمارات النور برقت على جبينه، فكنَّا ندرس سويّاً في المدرسة، فكان ﵀ رحمة واسعة وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة نحن ووالديه ووالدينا وجميع المسلمين - آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، فإذا رأى صديقاً تبدو عليه أمارات السوء أمره بالمعروف ونهاه عن المنكر، وكان ﵀ محبّاً للاطلاع يشغل فراغه بما يفيده، فإذا كان لدينا حصة فراغ، أو لم يحضر المعلم، أو شرح الدرس وبقي جزء من الحصة استغلها بما يفيده كمراجعة ما يحفظ من كتاب الله تعالى، أو قراءة كتاب مفيد، أو غير ذلك مما يفيده. وكان ﵀ واسع الصدر لا يحمل الحقد على أي صديق، ومن أبرز الأمثلة على ذلك، أنه إذا قال له شخص: فلان قال كذا وكذا عنك،

стр. 66

قال له: لا تظن بأخيك ظنّاً سيئاً، وكنَّا في يوم من الأيام نذاكر مادةً علينا فيها اختبار في الصف الثالث ثانوي، وقبل الاختبار نتبادل المعلومات يُذَكِّرني وأُذَكِّره، وكان يقول لي: يا محمد توكل على الله، ولا تحمل همَّ الاختبار. وكما كان أيضاً طموحاً للأعلى، فقد كان ﵀ يحب الخط العربي والشعر، فقد كان ﵀ يسلينا أحياناً في الفصل ببعض أشعاره اللطيفة، وكان يحب الاطلاع في الكتب، فقد كان أيضاً مُثَقَّفاً حريصاً على سماع أخبار المسلمين في الراديو، فكنت أسأله عن بعض ما جرى فيجيبني، وأخيراً كما قال الشاعر: إذا لم نلتقِ في الأرض يوماً ... وفرَّق بيننا كأس المنونِ فموعدنا غداً في دارِ خُلدٍ ... بها يحيى الحنون مع الحنونِ وقد قلت هذه الكلمات في عبد الرحمن ﵀ الآتي نصها: فقدتك والذكرى مُؤرّقة ... من صميم فؤادي فقدتك ومدامعي تلوح ... سيلاً على أجفاني فقدتك والخيال أذكرني ... جوهراً كالياقوت والمرجانِ االله من رجعة نلتقي ... بها في الجناني محبة في الله صادقة ... معلناً بها في صفحاتي اللهم ارحمه رحمةً واسعة، وأسكنه الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، ونحن ووالديه ووالدينا وجميع المسلمين.

стр. 67

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. محمد بن حسان بن محمد بن بشور حرر في يوم السبت ٢٣/ ١/١٤٢٣هـ زميله ومحبه في الله تعالى في ثالث ثانوي لتحفيظ القرآن الكريم مدرسة أبي عمرو البصري (سابقاً)

стр. 68

١٢ - (٤) عبد الرحمن لم تمت أخلاقه وبقيت معالمها بقلم زميله: ياسر بن محمد بن سليمان الحقيل عندما مات عبد الرحمن تحركت المشاعر، وجاشت القرائح، مات إلا أن أخلاقه لم تمت، وبقيت معالمها واضحة جلية في نفوس زملائه، وأصحابه، وفي نفوس كل من تعامل معه، وكان مما جاشت به القريحة هذه الأبيات: الفاجعة ١ - هَزَّ الجميعَ رَنينُ ذا الجوالِ ... في هجعةِ الليلِِ البهيمِ الخالي ٢ - فرَدَدتُ كي تبقى الفجيعة في الورى ... هل مات حقّاً ذا الصديق الغالي ٣ - هل مات حقّاً ابن قحطانٍ وما ... عجبٌ هنا فالموتُ ليسَ بسالي ٤ - فُجِعَ الجميعُ بموتِهِ ولعلَّهُ ... في موتهِ عظةٌ لغيرِ مبالي ٥ - فُجِعَ الصَّحابةُ قبلَنا بمصيبةٍ ... موتِ الرَّسولِ فداهُ كلُّ المالِ ٦ - قد ماتَ إلا أن ذكراهُ بقتْ ... رغمَ السنين وعبرَ ذي الأجيالِ ٧ - فلَنعمَ ذي الذِّكرى وأيضاً أنْعِمَنْ ... بذوي العقولِ عقولِ خيرِ رجالِ ٨ - يا أيُّها العبد لرحمن السَّما ... وسِعَتْكَ رحمةُ ربِّنا المتعالي ٩ - فلعلَّ يجمعُنا الإلهُ معاً هناك ... بجنةِ الفردوسِ والإجلالِ ١٠ - فيها الذي لا شيءَ من عينٍ رأت ... والحورُ فيها ينتظرنَ الغالي ١١ - يا من سمعتَ قصيدتي ووعيتَها ... هلاّ اتعظتَ بقاطعِ الآمالِ ١٢ - الموتُ قد يأتي عليك بغفلةٍ ... فتقول ربي أخِّرَنْ آجالي

стр. 69

١٣ - تمَّ الكلامُ وبعدهُ صلُّوا على ... خيرِ الخليقة سيدِ الأبطالِ ١٤ - والآلِ والصَّحْبِ الكرامِ ومن مضى ... في سُنَّةِ الهادي بغيرِ جِدالِ قاله وكتبه أبو عبد الرحمن ياسر بن محمد بن سليمان الحقيل كلية الشريعة بالرياض حرر في يوم الأربعاء ٢٧/ ١/١٤٢٣هـ

стр. 70

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١٣ - (٥) يا رب فارحمه ووسِّع قبره وانشر له نوراً بكل مكان بقلم زميله بكلية الشريعة: عبد الرحمن بن حمود بن سعد البدراني: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فعندما توفي الزميل العزيز عبد الرحمن بن سعيد بن علي بن وهف القحطاني - رحمه الله تعالى - جاشت المشاعر، فكتبت قصيدة طويلة في رثائه رحمه الله تعالى، ولكن قدَّر الله أن تُفقد هذه القصيدة كلها، وبحثت عنها كثيراً فلم أجدها، فالله المستعان، ولكن يحضرني منها بالمعنى الأبيات الآتية: ١ - ما للهداة قضوا ولاتَ مُخْبرٌ ... عن حالهم بعد المكان الثانِ ٢ - كان (ابن وهفٍ) للأذان مرجِّعٌ ... والآن في قبرٍ وفي أكفانِ ٣ - يا مرسل البَسَماتِ في القاعات يا ... ذا الهمة العليا من الإخوانِ ٤ - نزل القضاءُ عليك بعد تراوُح ... وتروّحٍ هذا خِتامُ مُعانِ ٥ - نزل القضاءُ وكان قصدُك حلقةً ... للذِّكرِ والتعليم للقرآنِ ٦ - والله لن أبكيك بل أبكي على ... من مات في فِسْقٍ وفي طغيانِ ٧ - يا صاحب الدين المتينِ يَزينُهُ ... خُلُقُ الذي قد سار للرحمنِ ٨ - ولسانه في عفةٍ عن كل ما ... يأباه ذو تقوى وذو إيمان (١)

стр. 71

٩ - ما زلتُ أشهد نطقه ودُعابَه الـ ... الأشياخَ في أدبٍ وفي إحسانِ ١٠ - قد قلَّ في أقرانه مَنْ شِبْهَهُ ... فالحمد قبلُ وبعد للمنانِ ١١ - أرثيه ثم أقول معتذراً له ... وُفِّقْتَ حين تركت دار هوانِ (١) ١٢ - إني أعزِّي والداً فيه وقد ... عزَّيتُ فيه يراعتي وبناني ١٣ - عزيتُ فيه الصحب ثم إليكمو ... أُهدي نصيحةَ مشفقٍ ولهانِ ١٤ - يا إخوتي هذي المنايا دأبُها ... فقد الحبيب ومُوْجِعُ الهُجرانِ ١٥ - هلاّ اعتبرنا في فناءٍ قد سَرَى ... في الناس منذُ الخلقِ للأكوانِ ١٦ - هذي الحياةُ متاعبٌ ومصاعبٌ ... شَمِّر هُديت إلى ادِّكارِ معانِ ١٧ - ثم السؤال من الإله بفضلهِ ... أن يرحم الأخَ (عابد الرحمنِ) ١٨ - فهو الكريمُ كذا الرحيمُ بِخَلْقه ... وهو القديرُ وواسع الغفرانِ ١٩ - يا ربِّ فارحَمْهُ ووسِّع قَبْرَهُ ... وانشر لَهُ نُوراً بِكُلِّ مكانِ ٢٠ - وافسح له في لَحْدِهِ أُفُقَ المدى ... وافْرُجْ له فُرُجاً من الرضوانِ ٢١ - رَوْحٌ وريحانٌ عذوقُ ثِمَارِها ... والحورَ أوْلِ زميلنا القحطاني ثُمَّ الصلاةُ على النّبيِّ محمّدٍ ... ما صَوَّتَ القُمْري على الأغصانِ وكتبه: عبد الرحمن بن حمود بن سعد البدراني.

стр. 72

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١٤ - (٦) الخشوع والإخبات لله تعالى بقلم الشيخ المعبِّر حسن بن شريف المشيخي الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين، أما بعد: فلا شك بأنني آخر من كتب من الإخوة المشايخ، والدعاة، وطلبة العلم، وأظن ذلك لحكمة أرادها الله تعالى، فمنذ ساعة وفاة أبناء الشيخ سعيد، وأنا أريد أن أكتب ما أجده من خواطر تجاه عبد الرحمن وعبد الرحيم - رحمهما الله - لكنني لم أتمكن من ذلك للانشغال ببعض البحوث العلمية، فإذا تذكَّرتهما لُمْتُ نفسي على التقصير، ثم أعوضهما بالدعاء والإلحاح على الله أن يغفر لهما، ويرفع درجاتهما، ولا شك أن ذلك أنفع لي ولهما، وسأكتفي بأحدهما إذ أن الآخر مازال دون التكليف أثناء وفاته، وإن كان قد حفظ ما يقارب سبعة عشر جزءاً، فأسال الله له رفعة الدرجات، وسأقتصر هنا على صاحب هذا المؤلف القيم/ عبد الرحمن بن سعيد بن علي بن وهف القحطاني، ففي ليلة الأحد السابع عشر من رمضان لعام ألف وأربعمائة واثنين وعشرين للهجرة ذهل الصغار لما رأوا الكبار جادوا بمدمع وبكاء، رحل ابنا الشيخ سعيد بن وهف في لحظة لا أحد يتوقع ذلك، لكن المولى - جل وعلا - أراد ذلك، فله الحمد على ما قضى وأحكم وأبرم. مضى ابن سعيد حيث لم يبق مشرق ... ولا مغرب إلا وله فيه مادح

стр. 73

وكنت أعلم عن جميل صفاته ... كما ولكن غيبتها الصفائح وأصبح في لحدٍ من الأرض ميتاً ... وكان به حيّاً تضيق الصحاصح وما نحن من رزءٍ وإن جلَّ نجزع ... ولا بسرورٍ بعد فقده نفرح لقد كان شابّاً صالحاً محبوباً، يعلوه وقار العلماء، وفي مُحيّاه ملامح العظماء، وكما أحبه الصغار والكبار في حياته، فلقد بكى عليه القوم بعد وفاته، ولكن يا ترى هل كان سبب تلك المحبة كتاب الله الذي قد حواه في صدره حفظاً وإتقاناً وعملاً وتعليماً، فهو وإن كان صغيراً فهو يتمتع بهمَّة الكبار، وبراءة الصغار؛ مما جعله أنموذجاً غريباً يتحيَّر فيه المتأمِّل لتلك الأعمال، فقد بكت السارية التي كان يسند الصغير ظهره عليها، نعم، فقد بكت بحرقة وحسرة وألم ... نعم وما يدريك ... أم يا ترى كان سبب ذلك التحاقه بكلية الشريعة التي قد أجاد معظم مناهجها على يد والده من سنٍّ مبكرٍ، أم أن سبب ذلك تعيينه مُؤذِّناً في ذلك الجامع الذي يؤمُّه والده، والذي يتنافس على ذلك الجامع طلبة العلم، ولقد شاهدت ذلك الصغير يتنافس مع بعض طلبة العلم، وكم كانت دهشتي عندما علمت أنه هو الفائز، لكن كل ذلك وغيره لم يكن هو السبب الرئيس في انشراح صدر ذلك الشاب، وحبه للعلم، وانطلاق لسانه بالشعر، إضافة إلى ما عنده من القرآن والحكمة، ولم يكن سبب ذلك الأذان الذي يصدح في الوقت تماماً، والذي يدفع كل من يصل إليه صوته إلى فتح النوافذ، والاستماع إلى ذلك الأذان العجيب، وأنا من هؤلاء، وليس سبب حب الجميع له بسبب حضوره المبكر للجامع قبل

стр. 74

مواعيد الأذان عندما كان يسلك ذلك الرصيف الطويل من منزل والده إلى الجامع دون أن يلتفت يمنة أو يسرة أبداً، حتى إنني أضطر أحياناً لاستخدام منبه السيارة حتى يلتفت فألقي ﵇. ولكن السبب سأورده لكم، ليس إلا خوفاً من الإطالة عليكم، إن السبب هو خشوعه وإخباته لله والرغبة فيما عند الله - جل وعلا - من سن مبكر، وإليكم شاهد على ما أقول: عندما كان عمره اثني عشر عاماً تقريباً، وبالتحديد في شهر رمضان، وكان مؤذن الجامع في ذلك الوقت أحد القضاة، وكان الشيخ يُقدم ذلك القاضي أحياناً في بعض ركعات صلاة التراويح أو القيام، بناءً على طلب القاضي من أجل ترسيخ الحفظ لبعض الأجزاء، وكنت أَصُفُّ أنا وذلك الصغير عبد الرحمن ﵀ ومن معنا من المصلين في صلاة التراويح أو القيام، وفي إحدى الليالي عندما كان يؤمّنا ذلك القاضي، وكنت شارد الذهن في تلك اللحظة، لم يردني إلى استحضار القلب في الصلاة إلا أزيز غريب من جانبي الأيسر، فشردت بالذهن مرة أخرى، ولكن داخل المسجد، وبالتحديد من جانبي الأيسر، وإذا بذلك الغلام الصغير قد أغرق وجهه وصدره ومكان سجوده بالدموع من بداية صلاته، ولكنه في النهاية لم يستطع أن يتمالك نفسه، فغلبه البكاء وارتفاع الصوت، فهل بكيت أخي في مثل هذا الموقف وقد شاب عارضاك؟ وماذا كنت تعمل في ذلك السن؟ رحم الله عبد الرحمن رحمة واسعة:

стр. 75

فلئن حسنت فيه المراثي بذكرها ... فلقد حسنت من قبل فيه المدائح ولهذا ليس بغريب أن يصلي عليه ذلك الجمع العظيم من الناس، ويشيعه إلى القبر أعداد هائلة من الناس، ومنهم العلماء، وأساتذة الجامعات، وطلبة العلم، وقد رأيتهم بعيني يتنافسون للإمساك بالنعش: وليس صرير النعش ما يسمعونه ... ولكنه أصلُب قوم تقصفُ وليس نسيم المسك ريا حنوطه ... ولكنه ذاك الثناء المخلفُ أما لسان حالهم فيقول: ... ... فلن أرتجي في الموت بعدك طائلاً ... ولا أتقي للدهر بعدك من خطب اللهم ما تلا من قرآن فارفع درجته، وزكِّه به، وما صلَّى من صلاة فتقبلها منه، وما تصدَّق أو تُصدِّق عنه بصدقة فنمِّها له، اللهم أقِلْ عثرته، واعفُُ عن زلته، وعده بحلمك، فإنه لا يرجو غيرك، ولا يثق إلا بك، وأنت واسع المغفرة، اللهم أجر والديه في مصيبتهما، وأعقب لهما خيراً منها في الدنيا والآخرة، إنك يا رب ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. قاله وكتبه/ حسن بن شريف المشيخي ١١/ ٧/١٤٢٣هـ
следующие страницы →