← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 96495

شرح حصن المسلم من أذكار الكتاب والسنة

مجدي بن عبد الوهاب الأحمد

Полный текст (353 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

سلسلة مؤلفات سعيد بن علي بن وهف القحطاني شرح حصن المسلم من أذكار الكتاب والسنة شرحه مجدي بن عبد الوهاب أحمد صححه وعلق عليه مؤلف حصن المسلم

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة المصحح مؤلف الأصل إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله، وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد: فهذا شرح مختصر لحصن المسلم من أذكار الكتاب والسنة، شرحه الأخ في الله، مجدي بن عبد الوهاب الأحمد من بلاد الشام، من الأردن، وقد بذل فيه جهداً جيداً جزاه الله خيراً، إلا أن العصمة لمن عصم الله تعالى، وقد طبعه ونشره عن طريق المكتبة الإسلامية بالأردن - عمان - ومؤسسة الريان للطباعة والنشر والتوزيع، ببيروت- لبنان - وبعد أن بلغني أن الكتاب قد طُبِعَ اتصلت بصاحب المكتبة الإسلامية، وبمؤسسة الريان وطلبت منهما إرسال نسخة من الكتاب إليَّ، ثم قرأت الكتاب بعد أن أُرسل لي فوجدت ملاحظات وأخطاء لا بد من بيانها وإصلاحها، وهي على النحو الآتي: ١ - أخطاء نقلها الشارح في تأويل بعض صفات الله تعالى في مواضع من الكتاب (١)، فبينت مذهب أهل السنة فيها وعلقت عليها في

стр. 3

متن الكتاب. ٢ - أخطاء ذكرها الشارح في بعض المسائل الفقهية، فقد ذكر بعض الأقوال المرجوحة، أو الضعيفة، ورجح بنفسه بعض الترجيحات، فذكرت القول الذي أراه صواباً موافقاً للأدلة (١). ٣ - حذف مقدمة حصن المسلم التي بينت فيها منهجي، فأثبُّتها. ٤ - حذف الأرقام الفرعية تحت العناوين فأثبتها.

стр. 4

٥ - أضفت شرح بعض الكلمات وصححت بعض الأوهام والسقط في بعض الآيات والأحاديث والكلمات والجمل، والهوامش. ٦ - أضفت بعض الفوائد في الشرح. ٧ - الأخطاء المطبعية الكثيرة في الكتاب، فصححت ما ظهر لي منها. وقد جعلت كلامي بين معقوفين، سواء كان ذلك في المتن أو الحاشية، أو العناوين، وقلت في أول كل تصحيح لي: [قال المصحح ... ] وفي الهامش رمزت لما أضفته في الحاشية بقولي: (المصحح)، وبعد إصلاح هذه الأخطاء فقد أصبح الكتاب مفيداً جداً ولله الحمد؛ لأن الشارح بذل فيه جهداً طيباً مباركاً جزاه الله خيراً. والله أسألُ أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفعني به في حياتي وبعد مماتي، وأن ينفع به الشارح، ومن انتهى إليه؛ فإنه خير مسؤول، وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. المصحح مؤلف الأصل سعيد بن علي بن وهف القحطاني حرر عشية الأربعاء الموافق ١٥/ ١١/١٤٢٦هـ

стр. 5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [مقدمة الشارح] إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١). ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢). (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) (٣). أما بعد؛ فإن أصدق الحديث كتاب الله - تعالى - وخير الهدي هديُ محمد ﷺ ، وشرَّ الأمور محدثاتها، وكلّ محدثة بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة، وكلَّ ضلالة في النار. وبعد: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله - تعالى - أمر يحيى بن زكريا -

стр. 6

عليه الصلاة والسلام - بخمس كلمات أن يعمل بها، ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها ... - وذكر منها -: ((وآمركم أن تذكروا الله - تعالى -؛ فإن مثل ذلك كمثل رجل خرج العدو في أثره سِرَاعاً، حتى إذا أتى على حصنٍ حصينٍ فأحرز نفسه منهم، كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله - تعالى - ... )) (١). ((فلو لم يكن في الذكر إلا هذه الخصلة الواحدة؛ لكان حقيقاً بالعبد ألا يفتر لسانه من ذكر الله - تعالى - وألاّ يزال لهجاً بذكره؛ فإنه لا يحرز نفسه من عدوه إلا بالذكر، ولا يدخل عليه العدو إلا من باب الغفلة، فهو يرصده؛ فإذا غفل وثب عليه وافترسه)) (٢). وقال مطرف بن عبد الله - رحمه الله تعالى -: ((نظرت في هذا الأمر من أين هو؟ فإذا هو من عند الله - سبحانه -، ثم نظرت على مَن تَمامه، فإذا هو على الله - تعالى - ثم نظرت ما مَلاَكه؟! فإذا هو الدعاء، ثم نظرت في ابن آدم فإذا هو ملقى بين ربه وبين الشيطان فإذا أراد الله - تعالى - به خيراً اجتره إليه بعصمته، وإلا خلّى بينه وبين الشيطان)). إذن ذكر ودعاء الله هو حصن المسلم، وحياة قلبه، وقوت بدنه، وسعادة روحه، هو منجاته من كل شر وسوء ... وإن من أشمل وأسهل وأصح، ما يرشد إلى ذكر الله - تعالى - ويعين

стр. 7

على دعائه سبحانه، هو كتاب ((حصن المسلم)) للشيخ الفاضل سعيد بن علي بن وهف القحطاني - حفظه الله تعالى -. ولقد لاقى هذا الكتاب - على صغر حجمه - قَبولاً واسعاً كبيراً ... ؛ فلا تكاد تجد بيتاً إلا وفيه هذا الكتاب، بل لا تكادَ تجد مسلماً ليست له نسخة منه خاصة به ... بل ومن شدة إقبال الناس عليه؛ تُرجم إلى عدة لغات عالمية ... حقًّا إن مثل هذا الكتاب يجب أن يُعتنى به، ويُخدم خدمة علمية. ولقد سُئِلْتُ أن أضع عليه شرحاً يعين على فهمه، ويرشد إلى معرفة معانيه ... فوجد هذا السؤال في قلبي مكاناً رَحباً ... ، فسارعت مستعيناً بالله العظيم الكريم إلى الإجابة، مستفيداً في ذلك من شروح الكتب الستة وغيرها من شروح كتب السنة، وأيضاً من شرحي على كتاب ((الكلم الطيب)) (١) لشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى -. ولم أعزُ ذلك - على الغالب - لكثرة الاستفادة منها، وخشية إثقال الحواشي، وأيضاً لما فعلته من تصرف في بعض ألفاظها أحياناً. ولقد أبقيت كتاب ((حصن المسلم)) على ما هو عليه، وأبقيت التخريجات والتعليقات التي في الحاشية كما هي، إلا أن المصنف - حفظه الله - لم يذكر أرقام الأحاديث في تخريجه في الغالب؛ فرأيت أن أضع بين معقوفتين عزو

стр. 8

الحديث إلى رقمه، وأن أنقل بعض التعليقات إلى المتن أو الشرح. وأيضاً لقد كانت مني تخريجات للأحاديث التي وردت في الشرح؛ فرأيت تمييز الحواشي؛ فرمزت إلى تخريجاته وتعليقاته بـ (ق)، وإلى تخريجاتي وتعليقاتي بـ (م). ولقد حاولت جاهداً أن أجعل شرحي هذا سهلاً واضحاً، خالياً من التعقيدات ... (١)، وأرجو أن أكون قد وُفِّقتُ إلى السداد والصواب، وجُنِّبْتُ الخطأ والزلل والخلل. والله العظيم أرجو أن يجزي المصنف خير الجزاء، وأن يرزقني وإياه والمسلمين جميعاً الإخلاص في القول والعمل، ويهدينا سواء السبيل، ويقينا شر أنفسنا، ويحفظنا من كيد الشيطان وشره، ويجعلنا من الذاكرين له سبحانه [كثيراً]، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. كتبه مجدي بن عبد الوهاب الأحمد/ أبو مسلم - غفر الله له، وعفا عنه - ليلة الخميس ٢٧ صفر ١٤٢٦هـ. الموافق ٦ نيسان ٢٠٠٥م في بلاد الشام - الأردن - الزرقاء الرمز البريدي: (١٣١١١)، ص. ب: (٥٨٢٧)

стр. 9

مسائل تتعلق بالذكر والدعاء [أولاً فوائد الذكر] وأستهلها بالفوائد التي ذكرها العلامة الإمام ابن القيم ﵀ في كتابه ((الوابل الصيب)) (١). الأولى: أنه يطرد الشيطان ويقمعه ويكسره. الثانية: أنه يُرْضِي الرحمن . الثالثة: أنه يزيل الهم والغم عن القلب، وأنه يجلب للقلب الفرح والسرور والنشاط. الرابعة: أنه يقوي القلب والبدن. الخامسة: أنه ينور الوجه والقلب. السادسة: أنه يجلب الرزق. السابعة: أنه يكسو الذاكر المهابة والحلاوة والنضرة. الثامنة: أنه يورث المحبة التي هي روح الإسلام، وقطب رحى الدين، ومدار السعادة والنجاة. التاسعة: أنه يورث المراقبة حتى يدخل في باب الإحسان، فيعبد الله كأنه يراه، ولا سبيل للغافل عن الذكر إلى مقام الإحسان. العاشرة: أنه يورث الإنابة والرجوع إلى الله - تعالى -.

стр. 10

الحادية عشرة: أنه يورث القرب من الله - تعالى -، فعلى قدر ذكر الله - تعالى - يكون القرب منه، وعلى قدر غفلته يكون بعده عنه. الثانية عشرة: أنه يفتح له باباً عظيماً من أبواب المعرفة، وكلما أكثر من الذكر ازداد من المعرفة. الثالثة عشرة: أنه يورث الهيبة لربه وإجلاله، لشدة استيلائه على قلبه، وحضوره مع الله - تعالى - بخلاف الغافل، فإن حجاب الهيبة دقيق في قلبه. الرابعة عشرة: أنه يورثه ذكر الله - تعالى - قال الله - تعالى-: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ ولو لم يكن في الذكر إلا هذه وحدها لكفى به فضلاً وشرفاً. الخامسة عشرة: أنه يورث حياة القلب، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ((الذكر للقلب مثل الماء للسمكة، فكيف يكون حال السمك إذا فارق الماء؟!!)). السادسة عشرة: أنه قوت القلب والروح. السابعة عشرة: أنه يورث جلاء القلب من صداه. ولا ريب أن القلب يصدأ كما يصدأ النحاس والفضة وغيرهما، وجلاؤه بالذكر؛ فإنه يجلوه حتى يدعه كالمرآة البيضاء، فإذا ترك الذكر صدأ، فإذا ذكر جلاه. وصدأ القلب بأمرين: بالغفلة والذنب، وجلاؤه بشيئين: بالاستغفار والذكر.

стр. 11

فمن كانت الغفلة أغلب أوقاته كان الصدأ متراكباً على قلبه، وصداه بحسب غفلته، وإذا صدأ القلب لم ينطبع فيه صور المعلومات على ما هي فيه، فيرى الباطل في صورة الحق، والحق في صورة الباطل؛ لأنه لما تراكم عليه الصدأ أظلم، فلم تظهر فيه صور الحقائق كما هي عليه، فإذا تراكم عليه الصدأ واسود، وركبه الرَّان؛ فسد تصوره وإدراكه، فلا يقبل حقاً، ولا ينكر باطلاً، وهذا أعظم عقوبات القلب. الثامنة عشرة: أنه يحط الخطايا، ويذهبها؛ فإنه من أعظم الحسنات؛ والحسنات يذهبن السيئات. التاسعة عشرة: أنه يزيل الوحشة بين العبد وبين ربه؛ فإن الغافل بينه وبين الله - تعالى - وحشة، لا تزول إلا بالذكر. العشرون: أن ما يذكر به العبد ربه من جلاله وتسبيحه وتحميده، تذكر لصاحبه عند الشدة. الحادية والعشرون: أن العبد إذا تقرب إلى الله - تعالى - بذكره في الرخاء، عرفه في الشدة. الثانية والعشرون: أنه منجاة من عذاب الله - تعالى -. الثالثة والعشرون: أنه سبب تنزل السكينة، وغشيان الرحمة، وحفوف الملائكة بالذكر، كما أخبر النبي ﷺ (١).

стр. 12

الرابعة والعشرون: أنه سبب انشغال اللسان عن الغيبة، والنميمة، والكذب، والفحش، والباطل. الخامسة والعشرون: مجالس الذكر مجالس الملائكة، ومجالس اللغو والغفلة مجالس الشيطان. السادسة والعشرون: أنه يسعد الذاكر بذكره، ويسعد به جليسه، وهذا هو المبارك أينما كان، والغافل يشقى بلغوه وغفلته، ويشقى به مُجالسه. السابعة والعشرون: أنه يؤمِّن العبد من الحسرة يوم القيامة، وإن كل مجلس لا يذكر العبد فيه ربه - تعالى - كان عليه حسرة وترة يوم القيامة. الثامنة والعشرون: أنه مع البكاء في الخلوة سبب لإظلال الله - تعالى - العبد يوم الحشر الأكبر في ظل عرشه، والناس في حر الشمس؛ قد صهرتهم في الموقف، وهذا الذاكر مستظل بظل عرش الرحمن . التاسعة والعشرون: أن الاشتغال به سبب إعطاء الله - تعالى - الذاكر أفضل ما يعطي السائلين. الثلاثون: أنه أيسر العبادات، وهو من أحلاها وأفضلها؛ فإن حركة اللسان أخف حركات الجوارح وأيسرها، ولو تحرك عضو من أعضاء الإنسان في اليوم والليلة مقدار حركة اللسان، لشق عليه غاية المشقة بل لا يمكن ذلك.

стр. 13

الحادية والثلاثون: أنه غرس الجنة؛ قال ﷺ : ((من قال سبحان الله العظيم وبحمده، غرست له نخلة في الجنة)) (١). الثانية والثلاثون: أن العطاء والفضل الذي رتب عليه لم يرتب على غيره من الأعمال. الثالثة والثلاثون: أن دوام ذكر الله - تعالى - يوجب الأمان من لسانه، الذي هو سبب شقاء العبد في معاشه ومعاده، فإن نسيان الرب، يوجب نسيان نفسه ومصالحها، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (٢). الرابعة والثلاثون: أن الذكر يُسيِّر العبد وهو على فراشه، وفي سوقه، وفي حال صحته وسقمه، وفي حال نعيمه ولذته، ومعاشه، وقيامه، وقعوده، واضطجاعه، وسفره، وإقامته، فليس في الأوقات شيء يعم الأوقات والأحوال مثله. الخامسة والثلاثون: أن الذكر نور للذاكر في الدنيا، ونور له في قبره، ونور له في معاده، يسعى بين يديه على الصراط؛ ولأجل ذلك كان ﷺ يبالغ في سؤاله ربه في النور، حتى سأله أن يجعله في لحمه وعظامه، وعصبه وشعره، وسمعه وبصره، ومن فوقه ومن تحته، وعن يمينه وعن شماله،

стр. 14

وخلفه وأمامه، حتى يقول: ((واجعلني نوراً)) فسأل ربه أن يجعل النور في ذاته الظاهرة والباطنة، وأن يجعله محيطاً به من جهاته، فدين الله نور، وكتابه نور، ورسوله نور، وداره التي أعدها لأوليائه نور يتلألأ، والله - تعالى - نور السموات والأرض، ومن أسمائه ((النور)) . السادسة والثلاثون: أن الذكر رأس الأصول، وطريق عامة الطائفة، ومنشود الولاية، فمن فُتح له فيه فقد فَتح باب الدخول على الله فليتطهر وليدخل على ربه، يجد عنده كل ما يريد، فإن وجد ربه - تعالى - يجد كل شيء، وإن فاته ربه - تعالى - فاته كل شيء. السابعة والثلاثون: أن الذكر يجمع المُفرَّق، ويفُرِّق المجتمع، ويُقرب البعيد، ويُبعد القريب؛ فيجمع ما تفرَّق على العبد من قلبه وإرادته، ويُفرِّق ما اجتمع عليه من الهموم والغموم، والأحزان والحسرات، ويفرق أيضاً ما اجتمع عنده من جند الشيطان؛ فإن إبليس - عليه اللعنة - لا يزال يبعث له سرية بعد سرية، والذكر يُقرِّب الآخرة ويُعظِّمها في قلبه، ويُصَغِّر الدنيا في عينيه، ويُبعدها عن قلبه ولسانه. الثامنة والثلاثون: أن الذِّكر يُنَبِّهُ القلب من نومه، ويوقظه من سِنته والقلب إذا كان نائماً فاتته الأرباح والمتاجر، وكان الغالب عليه الخسران. التاسعة والثلاثون: أن الذكر شجرة تثمر المعارف. الأربعون: أن الذاكر قريب من مذكوره، ومذكوره معه، وهذه المعية معية الولاية والمحبة، والنصرة والتوفيق، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ

стр. 15

اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ (١)، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمحْسِنِينَ﴾ (٢)، ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (٣) وللذاكر من هذه المعية نصيب وافر، كما في الحديث القدسي: ((أنا مع عبدي ما ذكرني، وتحركت بي شفتاه)) (٤). الحادية والأربعون: أن الذكر يعدل الضرب بالسيف في سبيل الله - تعالى - بعد نفقة الأموال، والحمل على الخيل في سبيل الله - تعالى -. الثانية والأربعون: أن الذكر رأس الشكر؛ فما شكر الله - تعالى - من لم يذكره. الثالثة والأربعون: أن أكرم الخلق على الله - تعالى - من المؤمنين من لا يزال لسانه رطباً من ذكره؛ فإنه أبقاه في أمره ونهيه، وجعل ذكره شعاره، والتقوى أوجبت له دخول الجنة، والنجاة من النار. الرابعة والأربعون: أن في القلب قسوة لا يذهبها إلا ذكر الله - تعالى - قال رجل للحسن البصري ﵀: يا أبا سعيد، أشكو إليك قسوة قلبي؟! قال: ((أذِبْهُ بالذكر)). الخامسة والأربعون: أن الذكر شفاء للقلب ودواؤه، والغفلة مرضه، والقلوب مريضة، وشفاؤها ودواؤها في ذكر الله - تعالى -.

стр. 16

السادسة والأربعون: أن الذكر أصل موالاة الله والغفلة أصل معاداته، وأن العبد لا يزال يذكر ربه حتى يحبه فيواليه، ولا يزال يغفل عنه حتى يبغضه فيعاديه. السابعة والأربعون: أنه ما استجلبت نعم الله - تعالى - واستدفعت نقمهُ بمثل ذكره، فالذكر جلاَّب للنعم، دفَّاع للنقم؛ قال بعض السلف: ((ما أقبح الغفلة عن ذكر من لا يغفل عن بِرّك)). الثامنة والأربعون: الذكر يوجب صلاة الله وملائكته على الذاكر، ومن صلى عليه الله وملائكته فقد أفلح، وفاز كل الفوز؛ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا * هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ (١). التاسعة والأربعون: أن من شاء أن يسكن رياض الجنة؛ فليستوطن مجالس الذكر؛ فإنها رياض الجنة. الخمسون: أن مجالس الذكر مجالس الملائكة، فليس من مجالس الدنيا لهم مجلس، إلا مجلس يذكر الله فيه، كما ورد في قوله: ((إن لله ملائكة يطوفون في الطُّرق، يلتمسون أهل الذكر)). الحديث (٢). الحادية والخمسون: أن الله يباهي ملائكته بالذاكرين؛ كما جاء عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: ((خرج معاوية على حلقة في

стр. 17

المسجد، فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله - تعالى - قال: آلله ما أجلسكم إلا ذلك؟ قالوا: آلله ما أجلسنا إلا ذلك، قال: أمَا إني لم أستحلفكم تهمة لكم، قال: وما كان أحد بمنزلتي من رسول الله ﷺ أقل عنه حديثاً مني، وإن رسول الله ﷺ خرج على حلقة من أصحابه، فقال: ((ما أجلسكم ها هنا؟)) قالوا: جلسنا نذكر الله - تعالى - ونحمده على ما هدانا للإسلام، ومَنَّ به علينا بك، قال: ((آلله ما أجلسكم إلا ذلك؟)) قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذلك، قال: ((ألا إني لم أستحلفكم تهمة لكم، ولكنه أتاني جبريل ﵇ وأخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة)) (١)؛ فهذه المباهاة من الرب دليل على شرف الذكر عنده، ومحبته له، وأن له مزية على غيره من الأعمال. الثانية والخمسون: أن جميع الأعمال إنما شرعت إقامة لذكر الله فالمقصود بها تحصيل ذكر الله قال الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (٢)، وذُكر عن ابن عباس ﵄ أنه سئل: أي العمل أفضل؟ قال: ((ذكر الله أكبر)). الثالثة والخمسون: أن أفضل أهل كل عمل أكثرهم فيه ذكراً لله - تعالى - فأفضل الصوم أكثرهم ذكراً لله - سبحانه - في صومهم،

стр. 18

وأفضل الحجاج أكثرهم ذكراً لله، وأكثر المتصدقين أكثرهم ذكراً لله ... وهكذا سائر الأعمال. الرابعة والخمسون: أن إدامة الذكر تنوب عن التطوعات، وتقوم مقامها، سواء كانت بدنية، أو مالية، أو بدنية ومالية كحج التطوع، وقد جاء ذلك صريحاً في حديث أبي هريرة ﵁: أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله ذهب أهل الدُّثُور بالدرجات العلى، والنعيم المقيم؛ يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضل أموال يحجون بها، ويعتمرون، ويجاهدون؟! فقال: ((ألا أعلمكم شيئاً تدركون به من سبقكم، وتسبقون به من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع ما صنعتم؟)) قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ((تسبحون، وتحمدون، وتكبرون خلف كل صلاة ... )) الحديث (١). فجعل الذكر عوضاً عما فاتهم من الحج والعمرة والجهاد، وأخبر أنهم يسبقونهم بهذا الذكر. الخامسة والخمسون: أن ذكر الله - تعالى - من أكبر العون على طاعته؛ فإنه يحببها إلى العبد، ويسهلها عليه، ويلذذها له، ويجعل قرة عينه فيها. السادسة والخمسون: أن ذكر الله - تعالى - يُسَهِّل الصعب، ويُيسِّر العسير، ويخفف المشاق. السابعة والخمسون: أن ذكر الله يذهب عن القلب مخاوفه

стр. 19

كلها، وله تأثير عجيب في حصول الأمن، فليس للخائف الذي قد اشتد خوفه أنفع من ذكر الله - تعالى -. الثامنة والخمسون: أن الذكر يعطي الذاكر قوة، حتى إنه ليفعل مع الذكر ما لم يطق فعله بدونه؛ ألا ترى كيف علّم رسول الله ﷺ ابنته فاطمة وعلياً ﵄ أن يسبحا كل ليلة، إذا أخذا مضاجعهما ثلاثاً وثلاثين، ويحمدا ثلاثاً وثلاثين، ويكبرا أربعاً وثلاثين، لما سألته الخادمَ، وشكت إليه ما تقاسيه من الطحن والسقي والخدمة، وعلمها ذلك، وقال: ((إنه خير لكما من خادم)) (١). فقيل: إن من داوم على ذلك وجد قوة في يومه مغنية عن خادم. التاسعة والخمسون: أن أعمال الآخرة كلها في مضمار السباق، والذاكرون هم أسبقهم في ذلك المضمار. الستون: كثرة ذكر الله أمان من النفاق؛ فإن المنافق قليل الذكر لله قال الله تعالى في المنافقين: ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٢). وقال كعب: ((من أكثر ذكر الله برئ من النفاق)).

стр. 20

[ثانياً] آداب الذكر والدعاء (١) إن للذكر والدعاء آداباً مشروعة، وشروطاً مفروضة، فمن وَفَّى وُفِّي له، ومن لزم تلك السيرة على شروط الآداب أوشك نيل ما سأل، ومن أخل بالآداب استحق ثلاث خلال: المقت، والبعد، والحرمان - عياذاً بالله تعالى -. وها أنا أذكر آداب الذكر والدعاء وشروطهما. [١]- فمن آدابه: أن تعلم أن سيرة الأنبياء والمرسلين والأولياء الصالحين، إن أرادوا استقضاء حاجة عند مولاهم، أن يبادروا قبل السؤال فيقوموا بين يدي ربهم، فَيَصُفُّوا أقدامهم، ويبسطوا أكفهم، ويرسلوا دموعهم على خدودهم، فيبدؤوا بالتوبة من معاصيهم، والتنصل من مخالفتهم، ويستبطنوا الخشوع في قلوبهم، ويتمسكنوا، ويتذللوا ... فيبدؤون بالثناء على معبودهم، وتقديسه، وتنزيهه، وتعظيمه، والثناء عليه بما هو أهله، ثم يرغبون في الدعاء. هذا إبراهيم خليل الله ﵇ لما أراد مناجاة مولاه في استقضاء حوائجه، واستدرار ما في خزائنه، بدأ بالثناء على ربه قبل سؤاله، فبدأ

стр. 21

بقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ (١). فأثنى على الله سبحانه بخمسة أثنية؛ أنه الخالق الهادي، المطعم المسقي، الشافي من الأوصاب، والمحيي والمميت، والغافر. ثم سأل خمس حوائج؛ فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ * وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ * وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ * وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ * وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ (٢). فقضى الله - سبحانه - حوائجه إلا واحدة فقال في الأولى: ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (٣)، وقال في قوله تعالى: ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ (٤)، ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٥). وفي قوله في سؤاله الثناء في الأمم: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ (٦).

стр. 22

وقال في قوله: ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ (١)، ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ (٢). واعتذر إليه في سؤال المغفرة لأبيه بقوله: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ (٣). وقد شرف الله هذه الأمة بمثلها، فأنزل عليهم فاتحة الكتاب، أولها ثناء وتمجيد إلى قوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وسائرها دعاء. وهذا موسى ﵇ قدم الثناء على الله تعالى؛ فقال: ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾ (٤). وروى البخاري في حديث الشفاعة عن النبي ﷺ : ((أن الخلائق تسأل الأنبياء ﵈ الشفاعة إلى ربها في عرصات القيامة، فكل واحد يذكر ذنبه ويقول: اذهبوا إلى غيري، قال: فأقول: ((أنا لها فأستأذن على ربي، فإذا رأيته وقعت ساجداً فيدعني ما يشاء، ثم يقال: ارفع رأسك، وسل تعطه، وقل تسمع، واشفع تشفع، فيلهمني محامد أحمده بها، فأحمده بتلك المحامد)) (٥).

стр. 23

وفي لفظ آخر: ((فأحمد ربي بتحميد يعلمني)). فقدم بين يدي الشفاعة تحميداً وتمجيداً. عن فضالة بن عبيد ﵁ قال: سمع النبي ﷺ رجلاً يدعو في صلاته، لم يمجد الله، ولم يصلِّ على النبي ﷺ فقال: ((عجَّل هذا))، ثم دعاه، فقال له أو لغيره: ((إذا صلى أحدكم فليبدأ بتمجيد ربه، والثناء عليه، ثم يصلي على النبي ﷺ ، ثم يدعو بعدُ بما شاء)) (١). [٢] ومن آدابه: أن يكون مخلصاً راغباً، راهباً، متذللاً، خاشعاً؛ قال الله سبحانه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ (٢). أي: رغبة فيما عندنا ورهبة. [٣] ومن آدابه: أن تسأل بعزم وجد وحزم، ولا تقل: إن شئت أعطني. قال النبي ﷺ : ((لا يقل الداعي في دعائه: اللهم ارحمني إن شئت، ليعزم المسألة؛ فإنه لا مكره له)) (٣). قال رسول الله ﷺ : ((إذا دعا أحدكم فليعزم المسألة، ولا يقولن: اللهم إن شئت فأعطني؛ فإنه لا مُستكره له)) (٤).

стр. 24

وفي رواية: ((فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه)) (١)؛ والمعنى واحد. يعني أن الله تعالى لا يُكرَه على الإعطاء، فإن شاء أعطى، وإن شاء منع. [٤] ومن آدابه: أن يقوي رجاءه في مولاه، ولا يقنط من رحمة الله تعالى، وإن تأخرت الإجابة، فلا يستبطئ ما سأل، فإن لكل شيء أجلاً. قال النبي ﷺ : ((يُستجاب لأحدكم ما لم يعجل؛ فيقول: قد دعوت فلم يستجب لي)) (٢). [٥] ومن آدابه: أن تسأل للمؤمنين مع نفسك؛ قال الله سبحانه: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (٣). [٦] ومن آدابه: أن تبدأ بتوحيده، كما فعل ذو النون: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٤). ناداه بالتوحيد، ثم نزهه عن النقائص والظلم بالتسبيح، ثم باء على نفسه بالظلم، اعترافاً واستحقاقاً، قال الله سبحانه: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾ (٥). [٧] ومن آدابه: إخفاؤه سراً، فلا يسمعه غير من يناجيه، قال الله

стр. 25

سبحانه: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ (١). قال الحسن ﵀: ((كان المسلمون يجتهدون في الدعاء، ولا يُسمع لهم صوت، إن كان إلا همساً فيما بينهم وبين ربهم)). [٨] ومن آدابه: إذا سألت الله تعالى في شيء فالزم التضرع والاستكانة، واعزل نفسك عن القدرة والتعاظم، ألا ترى إلى قول يعقوب ﵇: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (٢) فتم له ما أراد، وقال يوسف ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ * فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٣)، أي: سميع الدعاء؛ فتم له أمره حين اعترف بالافتقار، وأخرج نفسه من الحول والقوة، وفوض الأمر إلى ربه . [٩] ومن آدابه: أن يكون الذاكر على أكمل الصفات، فإن كان جالساً في موضع استقبل القبلة وجلس متذللاً متخشعاً بسكينة ووقار مطرقاً رأسه، ولو ذكر على غير هذه الأحوال جاز ولا كراهة في حقه، لكن إن كان بغير عذر كان تاركاً للأفضل؛ والدليل على عدم الكراهة قول الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ

стр. 26

لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (١). [١٠] ومن آدابه: الإلحاح في الدعاء: عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ كان يصلي عند البيت، وأبو جهل وأصحاب له جلوس؛ إذ قال بعضهم لبعض: أيكم يجيء بسلى جزور بني فلان، فيضعه على ظهر محمد إذا سجد، فانبعث أشقى القوم، فجاء به فنظر حتى إذا سجد النبي ﷺ وضعه على ظهره بين كتفيه، وأنا أنظر لا أغني شيئاً، لو كانت لي منعة، قال: فجعلوا يضحكون، ويميل بعضهم على بعض، ورسول الله ﷺ ساجد لا يرفع رأسه، حتى جاءته فاطمة فطرحت عن ظهره، فرفع رأسه، ثم قال: ((اللهم عليك بقريش)) ثلاث مرات، فشق عليهم إذ دعا عليهم، قال: وكانوا يرون أن الدعوة في ذلك البلد مستجابة، ثم سمى: ((اللهم عليك بأبي جهل، وعليك بعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط)) وعد السابع فلم نحفظه، قال: فوالذي نفسي بيده لقد رأيت الذين عدّ رسول الله ﷺ صرعى في القليب قليب بدر (٢). وعن أنس بن مالك ﵁ يذكر أن رجلاً دخل يوم الجمعة من باب كان وجاه المنبر ورسول الله ﷺ قائماً، فقال: يا رسول الله هلكت

стр. 27

المواشي، وانقطعت السبل؛ فادع الله أن يغيثنا، قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه، فقال: ((اللهم اسقنا، اللهم اسقنا، اللهم اسقنا))، قال أنس: ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة ولا شيئاً وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار، قال: فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت، قال: والله ما رأينا الشمس سبتاً، ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة - ورسول الله ﷺ قائم يخطب - فاستقبله قائماً، فقال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل، فادع الله يمسكها، قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه، ثم قال: ((اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب والأودية ومنابت الشجر))، قال: فانقطعت وخرجنا نمشي في الشمس (١). [١١] ومن آدابه: رفع اليدين واستقبال القبلة: عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: دعا النبي ﷺ بماء فتوضأ به، ثم رفع يديه فقال: ((اللهم اغفر لعبيد أبي عامر)) - ورأيت بياض إبطيه - فقال: ((اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك من الناس)) (٢). وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: لما كان يوم بدر نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاث مئة وتسعة عشر رجلاً،

стр. 28

فاستقبل نبي الله ﷺ القبلة، ثم مد يديه، فجعل يهتف بربه: ((اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آت ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض))، فما زال يهتف بربه، مادًّا يديه، مستقبل القبلة، حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه، وقال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله : ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ (١) فأمده الله بالملائكة. عن أنس ﵁ ((أن رسول الله ﷺ كان لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء، فإنه كان يرفع يديه حتى يُرى بياض إبطيه)) (٢). وقال رسول الله ﷺ : ((إن الله حيي كريم، يستحي إذا رفع الرجل إليه يديه، أن يردهما صفراً خائبتين)) (٣). [١٢] ومن آدابه: أن يكون الموضع الذي يذكر الله تعالى فيه خالياً عما يشغل نظيفاً؛ فإنه أعظم في احترام الذكر والمذكور، ولهذا مُدِح الذكر في المساجد والمواضع الشريفة. وجاء عن أبي ميسرة ﵀ قال: ((لا يُذْكَر الله تعالى إلا في مكان طيب)).

стр. 29

[١٣] ومن آدابه: أن يكون فمه نظيفاً، فإن كان فيه تغيّر أزاله بالسواك، وبالغسل بالماء. [١٤] ومن آدابه: أن الذكر مَحْبوبٌ في جميع الأحوال إلا في أحوال ورد الشرع باستثنائها نذكر منها طرفاً، إشارة إلى ما سواها؛ فمن ذلك أنه يكره الذكر حالة الجلوس على قضاء الحاجة، وفي حالة الجماع، وفي حالة الخطبة لمن يسمع صوت الخطيب، وفي القيام في الصلاة، بل يشتغل بالقراءة. [١٥] ومن آدابه: إذا سُلّم عليه ردَّ السلام ثم عاد إلى الذكر، وكذا إذا عطس عنده عاطس شَمَّتَهُ ثم عاد إلى الذكر، وكذا إذا سمع الخطيب، وكذا إذا سمع المؤذِّن أجابه في كلمات الأذان ثم عاد إلى الذكر، وكذا إذا رأى منكراً أزاله، أو معروفاً أرشد إليه، أو مسترشداً أجابه ثم عاد إلى الذكر؛ وكذا إذا غلبه النعاس أو نحوه ... وما أشبه هذا كله. [ثالثاً] أوقات الإجابة [وأحوالها] [١] الثلث الأخير من الليل: قال الله سبحانه عن آل يعقوب: ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ * قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (١). قيل: إنه أخَّر طلب الاستغفار إلى الثلث الأخير من الليل.

стр. 30

وقال رسول الله ﷺ : ((ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا، حين يبقى الثلث الأخير من الليل؛ فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟)) (١). [٢] في السجود: قال رسول الله ﷺ : ((نُهيت أن أقرأ القرآن راكعاً، أو ساجداً؛ فأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا فيه بالدعاء؛ فإنه قمن أن يستجاب لكم)) (٢). وقال الله تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ (٣). وقال ﷺ : ((أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد؛ فأكثروا الدعاء)) (٤). [٣] في ساعة يوم الجمعة: قال رسول الله ﷺ : ((خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خُلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه تيب عليه، وفيه أهبط إلى الأرض، وفيه تقوم الساعة)) (٥). وقال ﷺ : ((في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها مسلم وهو قائم يصلي، يسأل الله خيراً إلا أعطاه))، وقال بيده، قلنا يقللها يزهدها (٦).

стр. 31

وقد اختلف العلماء في هذه الساعة؛ فقال قوم: إنها عند طلوع الشمس، وقال بعضهم: عند الزوال، وقال آخرون: مع الأذان، وقيل: إذا صعد الخطيب المنبر، فأخذ في الخطبة، وقيل: إذا قام الناس إلى الصلاة. وقال معظم العلماء: إنها بعد العصر. ثم اختلف هؤلاء، فقال بعضهم: هي وقت الأصيل، وقال بعضهم: آخر ساعات النهار، وهذا القول هو الراجح. والدليل هو قول النبي ﷺ : ((يوم الجمعة ثنتا عشرة - يريد ساعة - لا يوجد مسلم يسأل الله - تعالى - شيئاً إلا آتاه الله ؛ فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر)) (١). [٤] دبر الصلوات المكتوبات: عن أبي أمامة ﵁ قال: قيل لرسول الله: أيُّ الدعاءُ أسْمَعُ؟ قال: ((جوف الليل الآخر، ودُبر الصلوات المكتوبات)) (٢). [٥] بين الأذان والأقامة: قال رسول الله ﷺ : ((لا يرد الدعاء بين الأذان والإقامة)) (٣). وقال ﷺ : ((ثنتان لا تُردان أو قلَّ ما تردان: الدعاء عند النداء)) (٤).

стр. 32

[٦] عند لقاء العدو: قال رسول الله ﷺ : ((ثنتان لا تردان أو قَلَّ ما تردان: ... ، وعند البأس حين يُلْحَمُ بعضه بعضاً)) (١). [٧] ليلة القدر: فإنها مظنة الخيرات، وإجابة الدعوات، ومضاعفة الأعمال، وحط الأحمال الثقال، والعمل فيها خير من ألف من مثله في سائرها، قال الله تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ (٢). يعني: ليس فيها ليلة القدر، وقيل فيها: إنها ليلة سبع وعشرين، وكان ابن عباس، وهو حبر الأمة، وترجمان القرآن يختار هذا القول، ويستدل عليه بأن السورة ثلاثون كلمة، والكلمة السابعة والعشرون قوله سبحانه: (هي). ولكن الأظهر والأقوى، أنها لم تحدد، والله أعلم. [٨] دعاء الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم: قال رسول الله ﷺ : ((ثلاثة لا ترد دعوتهم؛ الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم؛ يرفعها الله دون الغمام يوم القيامة، وتُفتح لها أبواب السماء، ويقول: بعزتي لأنصرنك ولو بعد حين)) (٣). قال رسول الله ﷺ لمعاذ ﵁ حين بعثه إلى اليمن: ((اتقِ دعوة المظلوم؛ فإنها ليس بينها وبين الله حجاب)) (٤).

стр. 33

[٩] الدعاء بظهر الغيب: قال رسول الله ﷺ : ((دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة؛ عند رأسه ملك موكل كلما دعا لأخيه بخير، قال الملك الموكل به: آمين ولك بمثل)) (١). [رابعاً] إجابة الدعاء قال رسول الله ﷺ : ((ما من مسلم يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن تعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها)) قالوا: إذاً نكثر، قال: ((الله أكثر)) (٢). [خامساً] من لا يجاب له دعاء قال رسول الله ﷺ : ((أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾، - ثم ذكر - الرجل يطيف السفر، أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب ... ، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وغذي بالحرام؛ فأنَّى يُستجاب لذلك)) (٣).

стр. 34

[سادساً] ما يُنهى عنه] في الدعاء [١] النهي عن تعجيل العقوبة في الدنيا: عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ عاد رجلاً من المسلمين، قد خَفَتَ فصار مثل الفرخ؛ فقال له رسول الله ﷺ : ((هل كنت تدعو بشيء أو تسأله إياه؟)) قال: نعم، كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة، فعجله لي في الدنيا، فقال رسول الله ﷺ : ((سبحان الله لا تطيقه أو لا تستطيعه!! أفلا قلت: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار)) فدعا الله له فشفاه (١). [٢] النهي عن الاعتداء في الدعاء: عن عبد الله بن مغفل ﵁ أنه سمع ابنه يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة، إذا دخلتها، فقال: يا بني، سل الله ﵎ الجنة، وعُذْ به من النار، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((يكون قوم يعتدون في الدعاء والطهور)) (٢). [٣] النهي عن الدعاء بالإثم وقطيعة الرحم: قال رسول الله ﷺ : ((لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل))، قيل يا رسول الله: ما الاستعجال؟ قال: ((يقول قد دعوت وقد دعوت فلم أر يستجيب لي؛ فيستحسر عند ذلك، ويدع الدعاء)) (٣).

стр. 35

[٤] النهي عن الدعاء على النفس والأولاد والخدم والمال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على خدمكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ﵎ ساعة نيل فيها عطاء فيستجيب لكم)) (١). [٥] النهي عن تمني الموت: قال رسول الله ﷺ : ((لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به؛ فإن كان لا بد متمنياً للموت؛ فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي)) (٢). [سابعاً] الحث على الدعاء قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (٣). قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (٤). قال الله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٥).

стр. 36

قال العلامة ابن القيم ﵀: ((هاتان الآيتان مشتملتان على آداب نوعي الدعاء: دعاء العبادة، ودعاء المسألة؛ فإن الدعاء في القرآن يراد به هذا تارة وهذا تارة، ويراد به مجموعهما وهما متلازمان. فإن دعاء المسألة هو طلب ما ينفع الداعي، وطلب كشف ما يضره أو دفعه، ومن يملك الضر والنفع فإنه هو المعبود حقاً، والمعبود لا بد أن يكون مالكاً للنفع والضر)). [قال المصحح: قد ذكرت في كتابي ((شروط الدعاء وموانع الإجابة)) أن شروط الدعاء خمسة شروط، هي: الإخلاص، والمتابعة للنبي ﷺ ، والثقة بالله مع اليقين بالإجابة، وحضور القلب مع الرغبة والخشوع لله، والعزم مع الجدِّ في الدعاء. وذكرت أن موانع الدعاء ستة، وهي: التوسع في الحرام: أكلاً وشرباً وتغذيةً، والاستعجال وترك الدعاء، وارتكاب المعاصي والمحرمات، والدعاء بإثم أو قطيعة رحم، والحكمة الربانية؛ فيعطي السائل أكثر مما سأل. وذكرت واحداً وعشرين أدباً للدعاء هي: أن يبدأ الداعي والذاكر بحمد الله تعالى والصلاة على النبي ﷺ ويختم بذلك، والدعاء في الرخاء والشدة، ولا يدعو على أهله أو ماله أو نفسه أو ولده، ويخفض الصوت بين المخافة والجهر، ويتضرع إلى الله في الدعاء، ويلح على ربه في الدعاء،

стр. 37

ويتوسل إلى الله تعالى باسم من أسمائه أو صفة من صفاته، أو بعمل صالح قام به الداعي نفسه لله تعالى، أو يطلب الدعاء له من مسلم صالح حي حاضر قادر، والاعتراف بالذنب والنعمة حال الدعاء، وعدم تكلف السجع في الدعاء، والدعاء ثلاثاً، واستقبال القبلة، ورفع الأيدي في الدعاء، والوضوء قبل الدعاء إن تسير، والبكاء سراً في الدعاء من خشية الله، وإظهار الافتقار إلى الله والشكوى إليه، ولا يعتدي في الدعاء، والتوبة مع رد المظالم، ويدعو لوالديه مع نفسه، ويدعو للمؤمنين والمؤمنات مع نفسه، ويبدأ بنفسه إذا دعا لغيره، ولا يسأل إلا الله وحده. وذكرت أربعة وثلاثين من الأوقات والأحوال والأوضاع التي يجاب فيها الدعاء، هي: ليلة القدر، ودبر الصلوات المكتوبات، وجوف الليل الآخر، وبين الأذان والإقامة، وعند النداء للصلوات المكتوبات، وعند إقامة الصلاة، وعند نزول الغيث، وعند زحف الصفوف في سبيل الله، وساعة من الليل، وساعة من يوم الجمعة، وعند شرب ماء زمزم مع النية الصالحة، وفي السحر، وعند الاستيقاظ ليلاً والدعاء بالمأثور، وعند الدعاء بلا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، وعند الدعاء في المصيبة: بإنا لله وإنا إليه راجعون، وعند الدعاء بعد وفاة الميت بالمأثور، وعند الدعاء في استفتاح الصلاة بألله أكبر كبيراً، وعند الدعاء في استفتاح الصلاة بالحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وعند قراءة الفاتحة في الصلاة واستحضار ما يقول فيها، وعند رفع الرأس من الركوع

стр. 38

والدعاء بالمأثور، وعند التأمين في الصلاة إذا وافق قوله قول الملائكة، وعند قول: ربنا ولك الحمد في الرفع من الركوع، وبعد الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأخير، وعند قولك قبل السلام: اللهم إني أسألك يا الله الواحد الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، وعند قولك: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد ... وعند قولك: اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت، وعند دعاء المسلم عقب الوضوء بالمأثور، وعند دعاء الحاج يوم عرفة في عرفة، والدعاء بعد زوال الشمس قبل الظهر، وفي شهر رمضان، وعند اجتماع المسلمين في مجالس الذكر، وعند صياح الديك، والدعاء حالة إقبال القلب على الله، والدعاء في عشر ذي الحجة. وذكرت أمكان تُجاب فيها الدعوات، وهي ستة: الدعاء على الصفا والمروة للحاج أو المعتمر، والدعاء داخل الكعبة، ومن دعا أو صلى داخل الحجر فهو من البيت، وعند الدعاء عند رمي الجمرة الصغرى والوسطى أيام التشريق للحاج، والدعاء عند المشعر الحرام يوم النحر للحاج، والدعاء في عرفة يوم عرفة للحاج. وذكرت الدعوات المستجابات واحدة وعشرين دعوة هي: دعوة المسلم لأخيه المسلم بظهر الغيب، ودعوة المظلوم، ودعوة الوالد لولده، ودعوة المسافر، ودعوة الصائم، ودعوة الصائم حين يفطر، ودعوة

стр. 39

الإمام العادل، ودعوة الولد الصالح لوالديه، ودعوة المستيقظ من النوم إذا دعا بالمأثور، ودعوة المضطر، ودعوة من بات طاهراً على ذكر الله إذا استيقظ، ودعوة من دعا بدعوة ذي النون، ودعوة من أصيب بمصيبة إذا دعا بالمأثور، ودعوة من دعا بالاسم الأعظم، ودعوة الولد البار بوالديه، ودعوة الحاج، ودعوة المعتمر، ودعوة الغازي في سبيل الله، ودعوة الذاكر لله كثيراً، ودعوة من أحبه الله ورضي عنه. وذكرت أهم ما يسأل العبد ربه وهي تسعة أمور: سؤال الله الهداية، وسؤال الله مغفرة الذنوب، وسؤال الله الجنة والاستعاذة به من النار، وسؤال الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة، وسؤال الله الثبات على دينه، وسؤال الله حسن العاقبة في الأمور كلها، وسؤال الله صلاح الدين والدنيا والآخرة، وسؤال الله دوام النعمة والاستعاذة به من زوالها، والاستعاذة بالله من جهد البلاء ودرك الشقاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء. وقد ذكرت الأدلة على هذه المسائل كلها مع تخريجها، ومن أراد الرجوع إليها فليرجع إليها هناك، وبالله التوفيق] (١).

стр. 40

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ حصن المسلم المقدمة (١) إن الحمدَ للهِ، نَحْمَدُهُ، ونَسْتَعينهُ، ونَستَغْفرُهُ، ونَعُوذُ باللَّهِ مِنْ شُرُورِ أنفُسِنَا، وسَيِّئَاتِ أعمَالِنا، مَنْ يَهْدِهِ الله فلا مُضِلَّ لَهُ، ومَنْ يُضلِلْ فلا هَادِيَ لهُ، وأشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيْكَ لَهُ، وأشْهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبْدُهُ ورَسُولُهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وأصْحَابِهِ ومَن تَبِعَهُمْ بإحْسانٍ إلى يَومِ الدِّينِ، وسَلَّم تسْليماً كَثيراً، أمَّا بَعْدُ. فهَذا مُخْتصرٌ اخْتَصَرتُهُ منْ كِتَابي: ((الذِّكْرُ والدُّعاءُ والعِلاجُ بالرُّقَى مِنَ الكِتَابِ والسُّنَّة)) (٢) اخًتصَرْتُ فيهِ قِسْمَ الأذْكَار؛ ليَكُونَ خَفيفَ الحَمْلِ في الأسْفَارِ. وقَدِ اقْتَصَرْتُ عَلَى مَتْنِ الذِّكْرِ، واكْتَفَيْتُ في تَخْريجِهِ بذِكْرِ مَصْدَرٍ أو مَصْدَرَيْنِ مِمَّا وُجِدَ في الأصْلِ، ومَنْ أرَادَ مَعْرِفَةَ الصَّحابِيِّ أوْ زِيَادَةً في التَّخْرِيجِ فَعَلَيْهِ بالرُّجُوعِ إلَى الأصْلِ. وأسْألُ الله بأسْمَائِهِ الحُسْنَى، وصِفَاتِهِ العُلَى أنْ يَجْعَلَهُ خَالِصاً لوجههِ الكَريمِ، وأنْ يَنْفعَنِي بهِ
следующие страницы →