قال العلامة ابن القيم ﵀: ((هاتان الآيتان مشتملتان على آداب نوعي الدعاء: دعاء العبادة، ودعاء المسألة؛ فإن الدعاء في القرآن يراد به هذا تارة وهذا تارة، ويراد به مجموعهما وهما متلازمان.
فإن دعاء المسألة هو طلب ما ينفع الداعي، وطلب كشف ما يضره أو دفعه، ومن يملك الضر والنفع فإنه هو المعبود حقاً، والمعبود لا بد أن يكون مالكاً للنفع والضر)).
[قال المصحح: قد ذكرت في كتابي ((شروط الدعاء وموانع الإجابة)) أن شروط الدعاء خمسة شروط، هي: الإخلاص، والمتابعة للنبي ﷺ ، والثقة بالله مع اليقين بالإجابة، وحضور القلب مع الرغبة والخشوع لله، والعزم مع الجدِّ في الدعاء.
وذكرت أن موانع الدعاء ستة، وهي: التوسع في الحرام: أكلاً وشرباً وتغذيةً، والاستعجال وترك الدعاء، وارتكاب المعاصي والمحرمات، والدعاء بإثم أو قطيعة رحم، والحكمة الربانية؛ فيعطي السائل أكثر مما سأل.
وذكرت واحداً وعشرين أدباً للدعاء هي: أن يبدأ الداعي والذاكر بحمد الله تعالى والصلاة على النبي ﷺ ويختم بذلك، والدعاء في الرخاء والشدة، ولا يدعو على أهله أو ماله أو نفسه أو ولده، ويخفض الصوت بين المخافة والجهر، ويتضرع إلى الله في الدعاء، ويلح على ربه في الدعاء،
стр. 37
ويتوسل إلى الله تعالى باسم من أسمائه أو صفة من صفاته، أو بعمل صالح قام به الداعي نفسه لله تعالى، أو يطلب الدعاء له من مسلم صالح حي حاضر قادر، والاعتراف بالذنب والنعمة حال الدعاء، وعدم تكلف السجع في الدعاء، والدعاء ثلاثاً، واستقبال القبلة، ورفع الأيدي في الدعاء، والوضوء قبل الدعاء إن تسير، والبكاء سراً في الدعاء من خشية الله، وإظهار الافتقار إلى الله والشكوى إليه، ولا يعتدي في الدعاء، والتوبة مع رد المظالم، ويدعو لوالديه مع نفسه، ويدعو للمؤمنين والمؤمنات مع نفسه، ويبدأ بنفسه إذا دعا لغيره، ولا يسأل إلا الله وحده.
وذكرت أربعة وثلاثين من الأوقات والأحوال والأوضاع التي يجاب فيها الدعاء، هي: ليلة القدر، ودبر الصلوات المكتوبات، وجوف الليل الآخر، وبين الأذان والإقامة، وعند النداء للصلوات المكتوبات، وعند إقامة الصلاة، وعند نزول الغيث، وعند زحف الصفوف في سبيل الله، وساعة من الليل، وساعة من يوم الجمعة، وعند شرب ماء زمزم مع النية الصالحة، وفي السحر، وعند الاستيقاظ ليلاً والدعاء بالمأثور، وعند الدعاء بلا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، وعند الدعاء في المصيبة: بإنا لله وإنا إليه راجعون، وعند الدعاء بعد وفاة الميت بالمأثور، وعند الدعاء في استفتاح الصلاة بألله أكبر كبيراً، وعند الدعاء في استفتاح الصلاة بالحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وعند قراءة الفاتحة في الصلاة واستحضار ما يقول فيها، وعند رفع الرأس من الركوع
стр. 38
والدعاء بالمأثور، وعند التأمين في الصلاة إذا وافق قوله قول الملائكة، وعند قول: ربنا ولك الحمد في الرفع من الركوع، وبعد الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأخير، وعند قولك قبل السلام: اللهم إني أسألك يا الله الواحد الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، وعند قولك: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد ... وعند قولك: اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت، وعند دعاء المسلم عقب الوضوء بالمأثور، وعند دعاء الحاج يوم عرفة في عرفة، والدعاء بعد زوال الشمس قبل الظهر، وفي شهر رمضان، وعند اجتماع المسلمين في مجالس الذكر، وعند صياح الديك، والدعاء حالة إقبال القلب على الله، والدعاء في عشر ذي الحجة.
وذكرت أمكان تُجاب فيها الدعوات، وهي ستة: الدعاء على الصفا والمروة للحاج أو المعتمر، والدعاء داخل الكعبة، ومن دعا أو صلى داخل الحجر فهو من البيت، وعند الدعاء عند رمي الجمرة الصغرى والوسطى أيام التشريق للحاج، والدعاء عند المشعر الحرام يوم النحر للحاج، والدعاء في عرفة يوم عرفة للحاج.
وذكرت الدعوات المستجابات واحدة وعشرين دعوة هي: دعوة المسلم لأخيه المسلم بظهر الغيب، ودعوة المظلوم، ودعوة الوالد لولده، ودعوة المسافر، ودعوة الصائم، ودعوة الصائم حين يفطر، ودعوة
стр. 39
الإمام العادل، ودعوة الولد الصالح لوالديه، ودعوة المستيقظ من النوم إذا دعا بالمأثور، ودعوة المضطر، ودعوة من بات طاهراً على ذكر الله إذا استيقظ، ودعوة من دعا بدعوة ذي النون، ودعوة من أصيب بمصيبة إذا دعا بالمأثور، ودعوة من دعا بالاسم الأعظم، ودعوة الولد البار بوالديه، ودعوة الحاج، ودعوة المعتمر، ودعوة الغازي في سبيل الله، ودعوة الذاكر لله كثيراً، ودعوة من أحبه الله ورضي عنه.
وذكرت أهم ما يسأل العبد ربه وهي تسعة أمور: سؤال الله الهداية، وسؤال الله مغفرة الذنوب، وسؤال الله الجنة والاستعاذة به من النار، وسؤال الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة، وسؤال الله الثبات على دينه، وسؤال الله حسن العاقبة في الأمور كلها، وسؤال الله صلاح الدين والدنيا والآخرة، وسؤال الله دوام النعمة والاستعاذة به من زوالها، والاستعاذة بالله من جهد البلاء ودرك الشقاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء.
وقد ذكرت الأدلة على هذه المسائل كلها مع تخريجها، ومن أراد الرجوع إليها فليرجع إليها هناك، وبالله التوفيق] (١).
стр. 40
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
حصن المسلم
المقدمة (١)
إن الحمدَ للهِ، نَحْمَدُهُ، ونَسْتَعينهُ، ونَستَغْفرُهُ، ونَعُوذُ باللَّهِ مِنْ شُرُورِ أنفُسِنَا، وسَيِّئَاتِ أعمَالِنا، مَنْ يَهْدِهِ الله فلا مُضِلَّ لَهُ، ومَنْ يُضلِلْ فلا هَادِيَ لهُ، وأشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيْكَ لَهُ، وأشْهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبْدُهُ ورَسُولُهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وأصْحَابِهِ ومَن تَبِعَهُمْ بإحْسانٍ إلى يَومِ الدِّينِ، وسَلَّم تسْليماً كَثيراً، أمَّا بَعْدُ.
فهَذا مُخْتصرٌ اخْتَصَرتُهُ منْ كِتَابي: ((الذِّكْرُ والدُّعاءُ والعِلاجُ بالرُّقَى مِنَ الكِتَابِ والسُّنَّة)) (٢) اخًتصَرْتُ فيهِ قِسْمَ الأذْكَار؛ ليَكُونَ خَفيفَ الحَمْلِ في الأسْفَارِ.
وقَدِ اقْتَصَرْتُ عَلَى مَتْنِ الذِّكْرِ، واكْتَفَيْتُ في تَخْريجِهِ بذِكْرِ مَصْدَرٍ أو مَصْدَرَيْنِ مِمَّا وُجِدَ في الأصْلِ، ومَنْ أرَادَ مَعْرِفَةَ الصَّحابِيِّ أوْ زِيَادَةً في التَّخْرِيجِ فَعَلَيْهِ بالرُّجُوعِ إلَى الأصْلِ. وأسْألُ الله بأسْمَائِهِ
الحُسْنَى، وصِفَاتِهِ العُلَى أنْ يَجْعَلَهُ خَالِصاً لوجههِ الكَريمِ، وأنْ يَنْفعَنِي بهِ
стр. 41
في حَيَاتي وبَعْدَ ممَاتِي، وأنْ يَنْفَعَ بهِ مَنْ قَرَأهُ، أوْ طَبَعَهُ، أوْ كَانَ سَبَباً في نَشْرِهِ؛ إنَّهُ سُبْحَانَهُ وَليُّ ذلِكَ والقَادِرُ عَلَيْهِ. وصَلَّى الله وسَلَّمَ عَلَى نَبيِّنَا مُحَمَّدٍ وعَلَى آلِهِ وأصْحَابِهِ، ومَنْ تَبِعَهُمْ بإحْسَانٍ إلَى يَوْمِ الدِّينِ.
المؤلف
سعيد بن علي بن وهف القحطاني
حرر في شهر صفر ١٤٠٩هـ
стр. 42
فضل الذكر
((قال الله تَعَالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ (١))
يعني: اذكروني بالطاعة أذكركم بالمغفرة؛ فحق على الله أن يذكر من ذكره؛ فمن ذكره في طاعة ذكره الله بخير، ومن ذكره في معصية ذكره الله باللعنة وسوء الدار.
وقيل: اذكروني في الرخاء أذكركم في البلاء.
((﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ (٢)).
يعني: اذكروا الله باللسان، واذكروه في الأحوال كلها؛ لأن الإنسان لا يخلو إما أن يكون في الطاعة، أو في المعصية، أو في النعمة أو في الشدة؛ فإذا كان في الطاعة ينبغي أن يذكر الله - تعالى - ويقر بالإخلاص، ويسأله القبول والتوفيق؛ وإذا كان في المعصية، ينبغي أن يذكر الله - تعالى - ويسأله التوبة والمغفرة؛ وإذا كان في النعمة، يذكره بالشكر؛ وإذا كان في الشدة يذكره بالصبر.
وقيل: ((اذكروا الله))، أثنوا عليه بضروب الثناء، من التقديس والتمجيد والتهليل والتكبير، وما هو أهله، وأكثروا ذلك.
ويجوز أن يريد بالذكر وإكثاره: تكثير الإقبال على العبادة؛ فإن كل
стр. 43
طاعة، وكل خير من جملة الذكر.
((﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١)).
يعني: الذين يذكرون الله - تعالى - باللسان من الرجال والنساء؛ وهذا في مقام المدح للذاكرين والذاكرات.
والذاكر الله كثيراً من لا يكاد يخلو من ذكر الله بقلبه، أو لسانه، أو بهما.
وقراءة القرآن، والاشتغال بالعلم من الذكر.
قال النبي ﷺ : ((من استيقظ من نومه وأيقظ امرأته، وصليا جميعاً ركعتين، كتبا من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات)) (٢).
وإذا واظب الإنسان على الأذكار المأثورة صباحاً ومساءً، وفي الأوقات والأحوال المختلفة ليلاً ونهاراً، كان من الذاكرين الله كثيراً.
((﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ (٣))).
يعني: اقرأ يا محمد إذا كنت إماماً في نفسك ﴿تَضَرُّعًا﴾ أي: مستكيناً، ﴿وَخِيفَةً﴾ أي: خوفاً من عذابه.
стр. 44
وقال الضحاك: ((معناه: اجهر بالقراءة في صلاة الغداة والمغرب والعشاء)).
﴿وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ يعني: لا تغفل عن القراءة في الظهر والعصر؛ فإنك تخفي القراءة فيهما.
قال الزمخشري ﵀: ((قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا﴾ عامٌّ في الأذكار من قراءة القرآن، والدعاء، والتسبيح، والتهليل، وغير ذلك. ﴿تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾ متضرعاً وخائفاً. ﴿وَدُونَ الْجَهْرِ﴾ ومتكلماً كلاماً دون الجهر؛ لأن الإخفاء أدخل في الإخلاص، وأقرب إلى حسن التفكر ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ لشغل هذين الوقتين، أو أراد الدوام، ومعنى ﴿بِالْغُدُوِّ﴾ بأوقات الغدو؛ وهي الغدوات ﴿وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ من الذين يغفلون عن ذكر الله، ويلهون عنه)).
قوله: ﴿بِالْغُدُوِّ﴾ أي: أول النهار.
قوله: ﴿وَالْآصَالِ﴾ جمع أصيل؛ وهو ما بين العصر إلى المغرب.
وقال ﷺ : ((مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ، وَالَّذِي لا يَذْكُرُ رَبَّهُ؛ مَثَلُ الحَيِّ وَالْمَيِّتِ)) (١).
صحابي الحديث هو أبو موسى الأشعري عبد الله بن قيس ﵁.
стр. 45
قوله: ((مثل الذي)) أي: مثل الرجل الذي ((يذكر ربه)) بنوع من أنواع الذكر.
ووجه التشبيه بين الميت والغافل عدم النفع والانتفاع من كل واحد منهما؛ ويمكن أن يراد من قوله: ((الحي والميت)) الموجود والمعدوم؛ بأن يكون شبه الذاكر بالموجود، والغافل بالمعدوم، فكما أن الموجود له ثمرات، فكذلك الذاكر له ثمرات في الدنيا والآخرة، وكما أن المعدوم ليس له شيء، فكذلك الغافل ليس له شيء لا في الدنيا ولا في الآخرة.
والمثل في أصل كلامهم بمعنى: المِثل وهو النظير.
وقال ﷺ : ((أَلاَ أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أعْمَالِكُمْ، وأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ، وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ إنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ أنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أعْنَاقَكُمْ؟)) قَالوُا: بَلَى. قَالَ: ((ذِكْرُ اللهِ تَعَالَى)) (١).
صحابي الحديث هو أبو الدرداء عويمر بن عامر ﵁.
إن ذكر الله أفضل من جميع الأعمال، بل وأزكى الأعمال، وأرفعها
стр. 46
للدرجات، وإنه أفضل من الصدقة؛ حيث قال: ((وخير لكم من إنفاق الذهب والوَرِقِ))، وإنه أفضل من الجهاد، حيث قال: ((وخير لكم من أن تلقوا عدوكم، فتضربوا أعناقهم))، وضرب أعناق الأعداء جهاد، وأفضل من الشهادة؛ حيث قال: ((ويضربوا أعناقكم))؛ لأن الشهادة الفاضلة أن تضرب الأعناق في أيدي الأعداء، في سبيل الله تعالى.
قوله: ((ألا)) كلمة تنبيه؛ كأن المتكلم ينبه المخاطب على أمر عظيم الشأن، ظاهر البرهان.
قوله: ((أنبِّئكم)) من النبأ وهو الخبر، ومنه النبي؛ لأنه مُخْبَر من الله تعالى.
قوله: ((وخير)) هنا بمعنى أخْيَر؛ لأن لفظة ((خير وشر)) يستعملان في موضع أفعل للتفضيل على صيغتهما هكذا.
قوله: ((وأزكى)) أي: أطهر من الزكاة؛ وهي الطهارة، قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ أي: تطهر، أو من النماء، يقال: زكى الزرع إذا نمى.
قوله: ((المليك)) اسم من أسماء الله تعالى، والمليك والملك والمالك كلها من الملك.
قوله: ((الوَرِق)) أي: الفضة.
قوله: ((بلى)) أي: بلى أخبرنا؛ لأن ((بلى)) مختصة بإيجاب النفي، استفهاماً كان ذلك النفي أو خبراً، تقول في جواب من يقول: لم يقم زيد
стр. 47
أو: ألم يقم زيد؟ بلى؛ أي: بلى قد قام، ومنه قوله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ أي: بلى أنت ربنا، ولو قالوا: ((نعم))، لكان كفراً؛ لأن ((نعم)) مقررة لما قبلها، نفياً كان أو إيجاباً، إلا أن يحمل على العرف.
وقال ﷺ : ((يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأنَا مَعَهُ إذَا ذَكَرَنِي؛ فَإنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإنْ تَقَرَّبَ إِليَّ شِبْراً تَقَرَّبْتُ إِليْهِ ذِرَاعَاً، وإنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ ذِرَاعاً تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ بَاعاً، وإنْ أتَانِي يَمْشِي أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً)) (١).
- صحابي الحديث هو أبو هريرة؛ مختلف في اسمه على أقوال كثيرة، وأرجحها كما يقول البعض: عبد الرحمن بن صخر ﵁.
قوله: ((يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي)) أي: إن الله تعالى عند ظن عبده به؛ إن ظن خيراً فله، وإن ظن به سوى ذلك فله.
وفي رواية: ((إن الله تعالى يقول: أنا عند ظن عبدي بي؛ إن خيراً فخيرٌ، وإن شرًّا فشرٌّ)) (٢).
стр. 48
و ((معنى: ((ظن عبدي بي))؛ ظن الإجابة عند الدعاء، وظن القَبول عند التوبة، وظن المغفرة عند الاستغفار، وظن المجازاة عند فعل العبادة بشروطها تمسكاً بصادق وعده، ويؤيده قوله ﷺ : ((ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة)) (١) .. ، ولذلك ينبغي للمرء أن يجتهد في القيام بما عليه موقناً بأن الله يقبله ويغفر له؛ لأنه وعد بذلك، وهو لا يخلف الميعاد؛ فإن اعتقد أو ظن أن الله لا يقبلها، وأنها لا تنفعه، فهذا هو اليأس من رحمة الله، وهو من الكبائر، ومن مات على ذلك وُكِّلَ إلى ما ظن، وأما ظن المغفرة مع الإصرار؛ فذلك محض الجهل والغِرَّة)) (٢).
قوله: ((وأنا معه إذا ذكرني)) كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ (٣).
وهذه المعية خاصة بالمؤمنين، وهي تقتضي الحفظ والرعاية والتوفيق والتأييد ... ، وهي غير المعية العامة التي تشمل الخلق جميعاً، وتكون بالعلم؛ كقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ (٤).
стр. 49
قوله: ((فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي)) أي: إن ذكرني بالتنزيه والتقديس والتعظيم سراً، وبالخوف والوجل حال الخلوة، ذكرته في نفسي ذكراً يقتضي الإثابة والإنعام والحفظ والرعاية.
قوله: ((وإن ذكرني في ملأ)) أي: جماعة ((ذكرته في ملأ خير منهم)) أي: في جماعة من الملائكة خير من جماعته التي ذكرني عندهم.
قوله: ((وإن تقرب إليَّ شبراً تقربت إليه ذراعاً ... إلخ)) ومعنى ذلك: أن العبد إذا تقرب إلى الله تعالى بالطاعة، وأداء ما أمر به وحث عليه، بقدر معين قليلاً كان أو كثيراً، كان تقرب الله تعالى إليه بالإثابة والإنعام والرحمة أعظم وأسرع.
قوله: ((باعاً)) والباع هو قدر مَدّ اليدين.
قوله: ((الهرولة)) هي ضرب من المشي السريع.
وعن عَبْدِ اللهِ بْنِ بُسْرٍ ﵁ أنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إنَّ شَرَائِعَ الإسْلامِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ، فَأَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ أَتَشَبَّثُ بِهِ؛ قَالَ: ((لا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْباً مِنْ ذِكْرِ اللهِ)) (١).
стр. 50
قوله: ((إن شرائع الإسلام)) هي: جمع شريعة؛ وهي: الطريقة المرضية؛ أي: إن أمور الإسلام كثُرتْ عليَّ؛ مثل: الصلاة، والزكاة، والحج، والصوم، والجهاد ... ، وغير ذلك من الأعمال البدنية والمالية، والكف عن المحظورات، والامتناع عما فيه من العقوبات والكفارات ... ، ونحو ذلك.
وقوله: ((فأخبرني بشيء أتشبث به)) أي: لَمَّا لم أقدر أن أخرج عن عهدة أمور الشريعة كما هو حقها، ولا أقدر على مواظبتها ومداومتها دائماً، فأخبرني بشيء أتشبث به، لعلي أفوز بذلك، ويكون ذلك شيئاً كثيراً في الميزان، يسيراً في الإتيان.
و ((التشبُّث)) التعلُّق؛ أي: التمسك به، وأتعلق به؛ فقال له رسول الله ﷺ : ((لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله ))؛ يعني: لا تزال رطوبة لسانك مستمرة من الذكر، وإنما قلت هكذا لأنَّ رطوبة اللسان كناية عن اشتغاله بالذكر.
وَقَالَ ﷺ : ((مَنْ قَرَأَ حَرْفاً مِنْ كِتَابِ اللهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، والحَسَنَةُ بِعَشْرِ أمْثَالِهَا، لا أَقُولُ: ﴿الم﴾ حَرْفٌ؛ وَلَكِنْ: أَلِفٌ حَرْفٌ، وَلاَمٌ حَرْفٌ، وَمِيمٌ حَرْفٌ)) (١).
стр. 51
- صحابي الحديث هو عبد الله بن مسعود ﵁.
قوله: ((من قرأ حرفاً)) أي: أي حرف ((من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها)) أي: تضاعف إلى عشرة أضعاف.
قوله: ((لا أقول: ﴿الم﴾ حرف))، وهذا تأكيد وتوضيح على أن كل حرف من كتاب الله تعالى على قراءته أجر، بل ولا يظن الظان أن ﴿الم﴾ حرف واحد، بل ((ألف حرف)) وعلى قراءته عشر حسنات، و ((لام حرف)) وعلى قراءته عشر حسنات، و ((ميم حرف)) وعلى قراءته عشر حسنات.
وفيه حَثٌّ على الإكثار من تلاوة القرآن، الذكر العظيم، الذي يحمل الأجور المضاعفة الكثيرة.
وعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ الله ﷺ وَنَحْنُ فِي الصُّفَّةِ فَقالَ: ((أيُّكُمْ يُحِبُّ أنْ يَغْدُوَ كُلَّ يَوْمِ إلَى بُطْحَانَ أوْ إلى الْعَقِيقِ فَيَأْتِي مِنْهُ بِنَاقَتَيْنِ كَوْمَاوَيْنِ فِي غَيْر إثْمٍ وَلا قَطِيْعَةِ رَحِمٍ؟)) فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ نُحِبُّ ذَلِكَ. قَالَ: ((أَفَلا يَغْدُو أَحَدُكُمْ إلَى الْمَسْجِدِ فَيعْلَمَ، أوْ يَقْرَأَ آيَتَيْنِ مِنْ كِتَابِ اللهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ نَاقَتَيْنِ، وثَلاثٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلاَثٍ، وَأرْبَعٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أرْبَعٍ، ومِنْ أعْدَادِهِنَّ مِنَ
стр. 52
الإبِلِ)) (١).
قوله: ((ونحن في الصُّفَّة)) والصفة مكان في مؤخر المسجد، أعد لنزول من لا مأوى له ولا أهل.
قوله: ((يغدو)) أي: يذهب في أول النهار.
قوله: ((إلى بُطحان)) اسم وادٍ في المدينة؛ وسمي بذلك لسعته وانبساطه؛ من البطح وهو البسط.
قوله: ((أو إلى العقيق)) قيل: أراد العقيق الأصغر؛ وهو على ثلاثة أميال أو ميلين من المدينة.
وقوله: ((أو)) إما شك من الراوي، وإما للتنويع؛ لأنهما أي: بطحان والعقيق - أقرب المواضع التي يقام فيها أسواق الإبل في المدينة.
قوله: ((كوماوين)) تثنية كوماء - قلبت الهمزة واواً -؛ وهي الناقة العظيمة السنام؛ وهي من خيار أموال العرب.
قوله: ((في غير إثم)) أي: كالسرقة والغصب.
قوله: ((ولا قطيعة رحم)) أي: ولا يوجب قطيعة رحم.
قوله: ((ومن أعدادهن)) أي: أن الآيتين خير من ناقتين ومن أعدادهما من الإبل، وثلاث خير من ثلاث ومن أعدادهن من الإبل،
وكذا أربع ...
стр. 53
والحاصل أن النبي ﷺ أراد ترغيبهم في قراءة القرآن، وتزهيدهم في الدنيا ومتاعها.
وقال ﷺ : ((مَنْ قَعَدَ مَقْعَداً لَمْ يَذْكُرِ اللهَ فِيْهِ كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تِرَةٌ، ومَنِ اضْطَجَعَ مَضْجَعاً لَمْ يَذْكُرِ اللهَ فِيهِ كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تِرَةٌ)) (١).
- صحابي الحديث هو أبو هريرة ﵁.
يعني: من جلس مجلساً لم يذكر الله فيه كانت عليه من الله ترة؛ أي: نقص؛ أصله من وَتَرَ يَتِرُ تِرَةٌ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾.
قال الزمخشري ﵀: ((من وَتَرْتَ الرجل إذا قَتَلْتَ له قَتيلاً من ولد أو أخ أو حميم، وحقيقته أفردته من قريبه أو ماله؛ من الوتر: وهو الفرد؛ فشبه إضاعة عمل العامل، وتعطيل ثوابه بوتر الواتر، وهو من فصيح الكلام، ومنه قوله ﷺ : ((من فاتته صلاة العصر فكأنما وُتِر أهله وماله)) (٢)؛ أي: أفرد عنهما قتلاً ونهباً)).
وأشار ﷺ بذلك إلى أنه على العبد أن يستغرق جميع أوقاته، في جميع أحواله بذكر الله تعالى ولا يفتُرُ عنه؛ فإن تركهُ حسرة وندامة.
стр. 54
قوله: ((مضجعاً)) المضجع: موضع النوم، من الاضطجاع وهو النوم.
وقَالَ ﷺ : ((مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِساً لَمْ يَذْكُرُوا اللهَ فيهِ، وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى نَبِيِّهِمْ إلاَّ كَانَ عَلَيْهِمْ تِرَةٌ؛ فَإنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ وإنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ)) (١).
- صحابي الحديث هو أبو هريرة ﵁.
قوله: ((ترة)) أي: نقص وحسرة وندامة.
قوله: ((فإن شاء عذبهم)) أي: على تقصيرهم بعدم ذكر الله تعالى أو الصلاة على النبي في مجالسهم التي جلسوا فيها.
قوله: ((وإن شاء غفر لهم)) أي: فضلاً منه ورحمة.
وفيه إشارة إلى أنهم إذا ذكروا الله تعالى لم يعذبهم حتماً، بل يغفر لهم جزماً.
وقَالَ ﷺ : ((مَا مِنْ قَوْمٍ يَقُومُونَ مِنْ مَجْلِسٍ لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ فِيهِ، إلاَّ قَامُوا عَنْ مِثْلِ جِيْفَةِ حِمَارٍ؛ وكَانَ لَهُمْ حَسْرَةً)) (٢).
- صحابي الحديث هو أبو هريرة ﵁.
قوله: ((عن مثل جيفة حمار)) أي: أن الذين يقومون عن مجلس فيه
стр. 55
جيفة حمار، لا يحصل لهم إلا روائح منتنة كريهة مضرة، ولا يقومون إلا وهم بندامة وحسرة من ذلك، فكذلك القوم الذين يقومون عن مجلس بغير ذكر الله تعالى، لا يحصل لهم إلا ذنوب الأباطيل، واللغط من الكلام، وأشياء تضر الآخرة، ولم يزالوا في ندامة وحسرة.
١ - أَذْكارُ الاسْتِيْقاظِ مِنَ النَّوْمِ
١ - (١) ((الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أمَاتَنَا وإِلَيْهِ النُّشُورُ)) (١).
- صحابي الحديث هو حذيفة بن اليمان، والبراء بن عازب ﵄.
قوله: ((الحمد لله)) والحمد: هو الوصف بالجميل على الجميل، على قصد التعظيم مع المحبة، وقيل: هو الثناء.
قوله: ((بعدما أماتنا)) المراد من هذه الإماتة النوم.
قوله: ((وإليه النشور)) أي: الإحياء للبعث يوم القيامة.
فنبه بإعادة اليقظة بعد النوم - الذي هو موت - على إثبات البعث بعد الموت.
٢ - (٢) ((لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، سُبْحَانَ اللَّهِ، والْحَمْدُ للَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، وَلاَ حَوْلَ وَلا قُوَّة
стр. 56
إِلاَّ بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ، رَبِّ اغْفِر لِي)) (١).
- صحابي الحديث هو عبادة بن الصامت ﵁.
وجاء فيه: ((من قال ذلك غُفِرَ له، فإن دعا استجيب له، فإن قام فتوضأ ثم صلى قبلت صلاته)).
قوله: ((لا إله إلا الله)) اعلم أن هذه كلمة التوحيد بالإجماع، وهي مشتملة على النفي والإثبات؛ فقوله: ((لا إله)) نفي للألوهية عن غير الله، وقوله: ((إلا الله)) إثبات للألوهية لله تعالى، وبهاتين الصفتين صارت كلمة الشهادة والتوحيد.
وخبر ((لا)) التي لنفي الجنس محذوف تقديره: لا إله حَقٌّ - أو بحقٍّ - إلا الله تعالى.
قوله: ((لا شريك له)) تأكيد لقوله: ((وحده))؛ لأنَّ الواحد لا يكون له شريك.
قوله: ((له الملك)) المُلك بضم الميم يعم، والمِلك بكسر الميم يخص.
قوله: ((وله الحمد)) أي: جميع حمد وثناء أهل السموات والأرض، وجميع المحامد.
قوله: ((سبحان الله)) سبحان: عَلَمٌ للتسبيح كعثمان علم للرجل، وانتصابه بفعل مضمر متروك إظهاره، تقديره: أُسَبِّح الله سبحانه، بمعنى
стр. 57
تسبيحاً، ثم نزل ((سبحان)) منزلة الفعل فَسَدَّ مسده، ومعنى التسبيح التنزيه عما لا يليق به ؛ من الشريك والولد والصاحبة والنقائص مطلقاً.
قوله: ((الله أكبر)) أي: هو سبحانه أكبر وأعظم من كل شيء.
قوله: ((ولا حول ولا قوة إلا بالله)) أي: لا يتوصل إلى تدبير أمر وتغيير حال إلا بمشيئته ومعونته سبحانه.
قوله: ((رب اغفر لي)) أي: يا رب استر ذنوبي.
٣ - (٣) ((الحَمْدُ للَّهِ الَّذِي عَافَانِي في جَسَدِي، وَرَدَّ عَلَيَّ رُوحِي، وَأَذِنَ لِي بذِكْرِهِ)) (١).
- صحابي الحديث هو أبو هريرة ﵁.
قوله: ((عافاني في جسدي)) من المعافاة؛ وهي دفاع الله - تعالى - عن العبد الأسقاط والبلايا؛ بأن يحفظه من الهوام والحشرات القتالة، وطوارق الليل ... ونحو ذلك.
وحَمدَه حيث أقامه من نومه على عافية.
قوله: ((ردَّ عليَّ روحي)) وصف الله - تعالى - بذلك؛ لأن هذا المقام يقتضي ذكر هذه الصفة المناسبة.
قوله: ((أَذِنَ لي بِذكره)) أي: يسر وسهل لي ذكره.
خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ * وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لََمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١)(٢)).
هذه الآيات ذُكِرَتْ في حديث عبد الله بن عباس ﵄، وهو بتمامه: أنه ﵁ بات عند ميمونة زوج النبي ﷺ - وهي خالته -، قال: فاضطجعتُ في عَرض الوسادة، واضطجع رسول الله ﷺ وأهله في طولها، فنام رسول الله ﷺ ، حتى إذا انتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل، استيقظ رسول الله ﷺ ، فجعل يمسح النوم عن وجهه بيده، ثم قرأ العشر الآيات الخواتم من سورة آل عمران، ثم قام إلى شَنٍّ معلقةٍ، فتوضأ منها فأحسن وضوءه، ثم قام يُصلي، فقمتُ فصنعت مثل ما صنع، ثم ذهبت فقمت إلى جنبه، فوضع رسول الله ﷺ يده اليمنى على رأسي، وأخذ بأذني اليمنى يفتلها، فصلى ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم أوتر، ثم اضطجع حتى جاءه المؤذن، فقام فصلى ركعتين خفيفتين، ثم خرج فصلى الصبح.
قوله: ((شَنَّ)) أي: القربة الخَلَق الصغيرة.
стр. 60
٢ - دُعَاءُ لُبْسِ الثَّوْبِ
٥ - ((الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَسَانِي هَذَا (الثَّوْبَ)، ورَزَقَنيهِ مِنْ غيْرِ حَولٍ منِّي ولا قُوَّةٍ ... )) (١).
- صحابي الحديث هو معاذ بن أنس الأنصاري ﵁.
قوله: ((ورزقنيه من غير حول مني)) أي: من غير حركة وحيلة مني.
٣ - دُعَاءُ لُبْسِ الثَّوْبِ الجَدِيدِ
٦ - ((اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ أنْتَ كَسَوْتَنِيهِ، أسْألُكَ مِنْ خَيرهِ وخَيْرِ مَا صُنِعَ لَهُ، وأعوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهِ وشَرِّ ما صُنِعَ لَهُ)) (٢).
- صحابي الحديث هو أبو سعيد الخدري؛ سعد بن مالك ﵁.
قوله: ((أسألك من خيره وخير ما صنع له ... )) أي: خير الثوب؛ وهو
стр. 61
بقاؤه ونقاؤه، وكونه ملبوساً للضرورة والحاجة، وخير ما صنع له هو الضرورات التي من أجلها يصنع اللباس من الحر والبرد وستر العورة.
والمراد سؤال الخير في هذه الأمور، وأن يكون مبلغاً إلى المطلوب الذي صنع لأجله الثوب من العون على العبادة والطاعة لمولانا.
وفي الشر عكس هذه المذكورات؛ وهو كونه حراماً ونجساً ولا يبقى زماناً طويلاً، أو يكون سبباً للمعاصي والشرور والافتخار والعجب والغرور وعدم القناعة.
٤ - الدُّعَاءُ لِمَنْ لَبِسَ ثَوْباً جَدِيداً
٧ - (١) ((تُبْلِي وَيُخْلِفُ الله تَعَالَى)) (١).
- صحابي الحديث هو أبو سعيد الخدري ﵁.
قوله: ((تبلي)) من الإبلاء؛ أي: الإخلاق؛ والمراد أن يعمر ويلبس ذلك الثوب حتى يبلى ويصير خَلَقاً.
قوله: ((ويخلف الله - تعالى -)) أي: يعوضه عنه، ويبدله خيراً منه.
٨ - (٢) ((الْبَسْ جَدِيداً، وعِشْ حَمِيداً، وَمُتْ شَهِيداً)) (٢).
стр. 62
- صحابي الحديث هو عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄.
قوله: ((البس جديداً)) صيغة أمر أُريد بها الدعاء؛ بأن يرزقه الله ثوباً جديداً؛ لأن النبي ﷺ قال هذا الدعاء حين رأى عُمَر عليه قميصاً أبيضَ، فقال له ﷺ : ((ثوبك هذا غسيل أم جديد؟)) فقال: لا، بل غسيل، قال ﷺ : ((البس جديداً ... )).
قوله: ((وعش حميداً)) كذلك صيغة أمر أُريد بها الدعاء؛ بأن تطل حياته على طاعة الله تعالى؛ فتكون حامداً لربك ومحموداً عنده وعند الناس.
قوله: ((ومت شهيداً)) كذلك صيغة أمر أُريد بها الدعاء؛ بأن يرزقك الله تعالى المِيْتةَ الحسنة، وأحسنها الشهادة في سبيل الله تعالى.
٥ - مَا يَقُولُ إذَا وَضَعَ ثَوْبَهُ
٩ - ((بِسْمِ اللَّهِ)) (١).
- صحابي الحديث هو علي بن أبي طالب، وأنس بن مالك ﵄.
والحديث بتمامه؛ هو قوله ﷺ : ((ستر ما بين أعين الجن وعورات بني
стр. 63
آدم إذا وَضَعَ أحدهم ثوبه؛ أن يقول: بسم الله)).
قوله: ((ستر ما بين أعين)) الستر؛ أي: الحجاب.
قوله: ((أن يقول: بسم الله)) لأن اسم الله تعالى كالطابع على بني آدم، فلا يستطيع الجن فكه.
وقال بعض العلماء: ((لا يُزَاد عليها: ((الرحمن الرحيم)) وقوفاً مع ظاهر الخبر)).
٦ - دُعَاءُ دُخُولِ الْخَلاَءِ
قوله: ((الخلاء)) أي: موضع قضاء الحاجة؛ وأصله المكان الخالي، واستعمل في المكان المُعَدِّ لقضاء الحاجة.
١٠ - (([بِسْمِ اللهِ] اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبْثِ والخَبَائِثِ)) (١).
- صحابي الحديث هو أنس بن مالك ﵁.
وفي إحدى رواية البخاري: ((إذا أراد أن يدخل)) ومعناه أنه كان يقول هذا الدعاء قبل أن يدخل لا بعده.
قوله: ((اللهم)) أصلها يا الله، والميم المشددة في آخره عوض من الياء.
قوله: ((إني أعوذ بك)) أي: ألوذ وألتجىء.
стр. 64
قوله: ((من الخبث - بإسكان الباء أو ضمها - والخبائث)) الخبث جمع خبيث والخبائث جمع خبيثة؛ يريد ذكران الشياطين وإناثهم.
وقيل: أراد المكروه.
٧ - دعاء الخُرُوج مِنَ الْخَلاَءِ
أي: الدعاء الذي يكون بعد الخروج من الخلاء.
١١ - ((غُفْرَانَكَ)) (١).
- صحابية الحديث هي عائشة بنت أبي بكر الصديق ﵀ وعنه.
قوله: ((غفرانك)) أي: أسألك وأطلب منك المغفرة.
وقيل: في تعقيبه الخروج بهذا الدعاء: أن القوة البشرية قاصرة عن الوفاء بشكر ما أنعم الله تعالى عليه من تسويغ الطعام والشراب، وترتيب الغذاء على الوجه المناسب لمصلحة البدن إلى أوان الخروج؛ فلجأ إلى الاستغفار اعترافاً بالقصور عن بلوغ حق تلك النعم، والله أعلم.
٨ - الذِّكْرُ قَبْلَ الْوُضُوءِ
١٢ - ((بِسْمِ اللهِ)) (٢).
стр. 65
- صحابي الحديث هو أبو هريرة وغيره ﵃.
والحديث بتمامه؛ هو قوله ﷺ : ((لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه)).
قال ولي الله الدهلوي ﵀ في ((الحجة)): ((هو نص على أن التسمية ركن أو شرط، ويحتمل أن يكون المعنى لا يكمل الوضوء، لكن لا أرتضي بمثل هذا التأويل؛ فإنه من التأويل البعيد، الذي يعود بالمخالفة على اللفظ)). انتهى.
٩ - الذِّكْرُ بَعْدَ الفَرَاغِ مِنَ الوُضُوءِ
١٣ - (١) ((أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيْكَ لَهُ، وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ ورَسُولُهُ ... )) (١).
- صحابي الحديث هو عقبة بن عامر الجهني ﵁.
قوله: ((أشهد)) أي: أقر بقلبي ناطقاً بلساني؛ لأن الشهادة نطق وإخبار عما في القلب.
وأصلها - أي: الشهادة - من شهود الشيء؛ أي: حضوره ورؤيته؛ فكأن هذا المخبر عما في قلبه الناطق بلسانه، كأنه يشاهد الأمر بعينه.
стр. 66
قوله: ((لا إله إلا الله)) أي: لا معبود حقٌّ - أو بحق - إلا الله تعالى.
قوله: ((وحده)) توكيد للإثبات.
قوله: ((لا شريك له)) توكيد للنفي.
قوله: ((عبده)) وصفه بالعبد لأنه أعبد الناس، وأشدهم تحقيقاً لعبادة الله تعالى.
قوله: ((ورسوله)) وصفه بالرسول؛ لأنه حمل الرسالة العظيمة - وهي الإسلام - إلى الناس كافة.
وجاء في نهاية الحديث قوله ﷺ ، في جزاء من قال هذا الذكر: ((إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء)).
١٤ - (٢) ((اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابينَ، واجْعَلْنِي مِنَ الْمُتَطَهِّرِينَ)) (١).
- صحابي الحديث هو عمر بن الخطاب ﵁.
قوله: ((التَّوَّابين)) جمع توَّاب، وهي صفة مبالغة، والتوبة هي الرجوع من معصية الله تعالى إلى طاعة الله تعالى.
قال العلماء: التوبة واجبة من كل ذنب، فإن كانت المعصية بين العبد وبين الله تعالى لا تتعلق بحق آدمي، فلها ثلاثة شروط: أحدها: أن يقلع عن المعصية، والثاني: أن يندم على فعلها، والثالث: أن يعزم ألا يعود
стр. 67
إليها أبداً؛ فإن فُقِدَ أحدُ الثلاثة لم تصح التوبة.
وإن كانت المعصية تتعلق بآدمي فشروطها أربعة: هذه الثلاثة، وأن يبرأ من صاحبها؛ فإن كانت مالاً أو نحوه رده إليه، وإن كانت حدَّ قذف ونحوه مَكَّنَه منه أو طلب عفوه، وإن كانت غيبة استحلَّهُ منها.
ويجب أن يتوب من جميع الذنوب، فإن تاب من بعضها، صحت توبته عند أهل الحق من ذلك الذنب، وبقي عليه الباقي.
واعلم أن التوبة لابد أن تكون في زمن تقبل فيه؛ فإن تاب في زمن لا تقبل فيه لم تنفعه التوبة.
والزمن الذي لا تقبل فيه التوبة هو حين الغرغرة؛ لقوله ﷺ : ((إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر)) (١)؛ والغرغرة هي: وصول الروح الحلقوم، وحين طلوع الشمس من مغربها؛ لقوله ﷺ : ((من تاب قبل أن تطع الشمس من مغربها تاب الله تعالى عليه)) (٢).
قوله: ((المتطهرين)) جمع متطهر؛ صفة مبالغة، والطهارة هي النظافة ورفع الحدث أو إزالة النجس.
ولما كانت التوبة طهارة الباطن عن أدران الذنوب، والوضوء طهارة الظاهر عن الأحداث المانعة عن التقرب إلى الله تعالى، ناسب الجمع بين هذا
стр. 68
الحديث وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (١).
١٥ - (٣) ((سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إلاَّ أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وأَتُوبُ إلَيْكَ)) (٢).
- صحابي الحديث هو أبو سعيد الخدري؛ سعد بن مالك ﵁.
قوله: ((سبحانك اللهم وبحمدك)) سبحان اسم أقيم مقام المصدر وهو التسبيح، منصوب بفعل مضمر تقديره أسبحك تسبيحاً؛ أي: أنزهك تنزيهاً من كل السوء والنقائص، وقيل: تقديره أسبحك تسبيحاً مقترناً بحمدك.
قوله: ((أستغفرك)) أي: أطلب مغفرتك.
قوله: ((أتوب إليك)) أي: أرجع إليك.
وجاء في نهاية الحديث؛ قوله في جزاء مَن قال هذا الذكر: ((كتب في رق ثم طبع بطابع، فلم يكسر إلى يوم القيامة)).
١٠ - الذِّكْرُ عِنْدَ الخُرُوجِ مِنَ المَنْزِلِ
١٦ - (٣) ((بِسْمِ اللَّهِ، تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ، وَلاَ حَوْلَ وَلا
стр. 69
قُوَّةَ إلاَّ بِاللَّهِ)) (١).
- صحابي الحديث هو أنس بن مالك ﵁.
وجاء في نهاية الحديث؛ قوله ﷺ : ((يُقال له: كُفِيتَ وَوُقِيتَ وهُدِيتَ، وتنحَّى عنه الشيطان، فيقول لشيطان آخر: كيف لك برجلٍ قد هُدي وكفي ووقي؟)).
قوله: ((بسم الله)) أي: بسم الله أخرج.
قوله: ((توكلت على الله)) أي: فوضت جميع أموري إليه .
قوله: ((يقال له)) يجوز أن يكون القائل هو الله تعالى، ويجوز أن يكون ملك من الملائكة.
قوله: ((كفيت)) أي: صرف عنك الشر.
قوله: ((ووقيت)) أي: حفظت عن الأشياء الخفية عنك من الأذى والسوء.
قوله: ((وهديت)) إلى طريق الحق والصواب، حيث وفقت على تقديم ذكر الله تعالى، ولم تزل مهدياً في جميع أفعالك، وأقوالك، وأحوالك.
قوله: ((وتنحى عنه)) أي: بعد عنه الشيطان، ((فيقول لشيطان آخر))
стр. 70
يَقْصِدُ أذاه، وإخلاله: ((كيف لك برجل)) يعني: ما بقي لك يد في رجل قد هُدي بذكر الله، وكُفي شرك، وَوقي من مكرك وكيدك.
١٧ - (٢) ((اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أَضِلَّ، أوْ أُضَلَّ، أوْ أَزِلَّ، أوْ أُزَلَّ، أوْ أَظْلِمَ، أوْ أُظْلَمَ، أوْ أجْهَلَ، أوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ)) (١).
- صحابية الحديث هي أم سلمة؛ هند بنت أبي أمية المخزومية - زوج النبي ﷺ ﵄.
قوله: ((أنْ أَضِلَّ)) أي: أن أضل في نفسي، والضلال الذي هو نقيض الهدى، وفي الأصل ضل الشيء إذا ضاع، وضل عن الطريق إذا حار.
قوله: ((أو أُضَل)) أو أن يضلني غيري.
قوله: ((أو أَزِلَّ أو أُزَلَّ)) كلاهما من الزلة؛ أي: الخطأ؛ ومعنى الأول: أن أخطئ من نفسي أو أوقع غيري به، ومعنى الثاني: أن يوقعني غيري فيه.
قوله: ((أو أَظلِم، أو أُظلَم)) من الظلم، وهو وضع الشيء في غير محله؛ معنى الأول: أن أظلم غيري، أو نفسي، ومعنى الثاني: أن يظلمني غيري.
قوله: ((أو أَجهل، أو يُجهل عليَّ)) معنى الأول: أن أفعل فعل الجهلاء،
стр. 71
أو أشتغل في شيء لا يعنيني، ومعنى الثاني: أن يجهل غيري علي؛ بأن يقابلني مقابلة الجهلاء بالسفاهة، والمجادلة ... ، ونحوهما.
وفي هذا تعليم لأمته ﷺ ، وبيان الطريقة في كيفية استعاذتهم عند خروجهم من منازلهم.
١١ - الذِّكْرُ عِنْدَ دُخُولِ المَنْزِلِ
١٨ - ((بِسْمِ اللهِ وَلَجْنَا، وبِسْمِ اللَّهِ خَرَجْنَا، وعَلَى اللَّهِ رَبِّنا تَوَكَّلْنَا، ثُمَّ لِيُسَلِّمْ عَلَى أهْلِهِ)) (١).
- صحابي الحديث هو أبو مالك الأشعري؛ مختلف في اسمه؛ قيل: عبيد، وقيل: عبد الله، وقيل: عمرو، وقيل: كعب بن كعب، وقيل: عامر بن الحارث ﵁.
قوله: ((بسم الله ولجنا)) أي: دخلنا.
قوله: ((بسم الله خرجنا)) أي: كان خروجنا أيضاً على ذكر الله تعالى.
стр. 72
قوله: ((وعلى الله ربنا توكلنا)) أي: معتمدين في دخولنا وخروجنا، وفي كل أمرنا على الله ربنا .
قوله: ((ثم يسلم على أهله)) أي: أهل بيته؛ يقول لهم: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
١٢ - دُعَاءُ الذَّهَابِ إلَى المَسْجِدِ
١٩ - ((اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُوراً، وَفِي لِسَانِي نُوراً، وَفِي سَمْعِي نُوراً، وَفِي بَصَرِي نُوراً، ومِنْ فَوْقِي نُوراً، وَمِنْ تَحْتِي نُوراً، وَعَنْ يَمِينِي نُوراً، وَعَنْ شِمَالِي نُوراً، وَمِنْ أمَامِي نُوراً، وَمِنْ خَلْفِي نُوراً، واجْعَلْ في نَفْسِي نُوراً، وأعْظِمْ لِي نُوراً، وَعَظِّمْ لِي نُوراً، واجْعَلْ لِي نُوراً، وَاجْعَلْنِي نُوراً، اللَّهُمَّ أعْطِنِي نُوراً، واجْعَلْ فِي عَصَبِي نُوراً، وَفِي لَحْمِي نُوراً، وَفِي دَمِي نُوراً، وفِي شَعْرِي نُوراً، وفِي بَشَرِي نُوراً)) (١).
[((اللَّهُمَّ اجْعَلْ لِي نُوراً فِي قَبْرِي ... ونُوراً فِي عِظَامِي])) (٢)
стр. 73
[((وَزِدْنِي نُوراً، وَزِدْنِي نُوراً، وَزِدْنِي نُوراً])) (١) [((وَهَبْ لِي نُوراً عَلَى نُورٍ])) (٢).
- صحابي الحديث هو عبد الله بن عباس ﵄.
قال القرطبي رحمه الله تعالى: ((هذه الأنوار التي دعا بها رسول الله ﷺ يمكن حملها على ظاهرها؛ فيكون سأل الله تعالى أن يجعل له في كل عضو من أعضائه نوراً، يستضيء به يوم القيامة في تلك الظلم، هو ومن تبعه أو مَن شاء الله منهم.
والأولى أن يقال: هي مستعارة للعلم والهداية؛ كما قال تعالى:
﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ (٤).
والتحقيق في معناه أن النور مُظهِرٌ ما نسب إليه، وهو يختلف بحسبه، فنور السمع مظهر للمسموعات، ونور البصر كاشف للمبصرات، ونور القلب
стр. 74
كاشف عن المعلومات، ونور الجوارح ما يبدو عليها من أعمال الطاعات)).
قال الطيبي ﵀: ((معنى طلب النور للأعضاء عضواً عضواً؛ أن يتحلى بأنوار المعرفة والطاعات ويتعرى عما عداهما؛ فإن الشياطين تحيط بالجهات الست بالوساوس، فكان التخلص منها بالأنوار السادَّة لتلك الجهات.
وكل هذه الأمور راجعة إلى الهداية والبيان وضياء الحق، وإلى ذلك يرشد قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إلى قوله تعالى:
﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ (١).
١٣ - دُعَاءُ دُخُولِ المَسْجِدِ
٢٠ - ((يَبْدَأُ بِرِجْلِهِ اليُمْنَى)) (٢)، ويقول: ((أعُوذُ باللَّهِ العَظِيمِ، وَبِوَجْهِهِ الكَرِيمِ، وسُلْطَانِهِ القَدِيمِ، مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ)) (٣).
- صحابي الحديث هو عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄.
وجاء في نهاية الحديث قوله: ((فإذا قال ذلك، قال الشيطان: حُفظ مني سائر اليوم)).
قوله: ((بوجهه الكريم)) العرب تطلق الكريم على الشيء النافع الذي
стр. 75
يدوم نفعه، ويسهل تناوله، وكل شيء يشرف في بابه؛ فإنهم يصفونه بالكرم، ولا يستعمل الكرم في وصف أحد إلا في المحاسن الكثيرة، والعرب تقول: كرَّم الله وجهك؛ أي: أكرمك، ويستعمل الوجه في أشرف ما يقصد، وأعظم ما يُبتغى، ووجه الله الكريم أشرف ما يتوجه إليه، وأكرم ما يتوسل به.
[قال المصحح: ووجه الله الكريم يليق بجلاله وهو صفة من صفاته الذاتية لا يشبهه في ذلك أحداً من خلقه، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾] (١).
قوله: ((وسلطانه القديم)) السلطان في الأصل الحجة، والمراد به هاهنا قهره وقدرته الباهرة القديمة.
ومعنى اختصاص وجه الله الكريم، وسلطانه القديم بالذكر عند الاستعاذة؛ أن التعوذ إنما يصح بمن انتهى كرمه، وعلا شأنه، وكملت قدرته، فلا يَخْذِلُ المستعيذ به، ولا يُسْلِمُهُ، ولا يُخيبُ رجاءه، ولا يعجز عن أمره، ولا يحيل إلى غيره، وذلك بما لا يوجد إلا عند الله، ولا ينال إلا منه .
قوله: ((الرجيم)) أي: المطرود من رحمة الله تعالى.
قوله: ((سائر اليوم)) أي: جميع اليوم.