← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 96496

شروط الدعاء وموانع الإجابة في ضوء الكتاب والسنة

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (108 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

سلسلة مؤلفات سعيد بن علي بن وهف القحطاني شروط الدعاء وموانع الإجابة في ضوء الكتاب والسنة تأليف الفقير إلى الله تعالى سعيد بن علي بن وهف القحطاني

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة إن الحمد للَّه، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى اللَّه عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فهذه رسالة مختصرة في شروط الدعاء وموانع إجابته، أخذتها وأفردتها من كتابي ((الذكر والدعاء والعلاج بالرقى)) (١)، وزدت عليها فوائد مهمة يحتاجها المسلم في دعائه، ورتبتها على النحو الآتي: الفصل الأول: مفهوم الدعاء، وأنواعه. الفصل الثاني: فضل الدعاء. الفصل الثالث: شروط الدعاء، وموانع الإجابة. الفصل الرابع: آداب الدعاء، وأحوال وأوقات الإجابة. الفصل الخامس: عناية الأنبياء بالدعاء، واستجابة اللَّه لهم. الفصل السادس: الدعوات المستجابات.

стр. 3

الفصل السابع: أهم ما يسأل العبد ربه. واللَّه أسأل أن يجعله عملاً صالحاً متقبلاً، نافعاً لي، ولكل من انتهى إليه، وأن ينفعني به في حياتي وبعد مماتي؛ فإنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى اللَّه، وسلم، وبارك على عبده ورسوله، وخيرته من خلقه، نبينا، وإمامنا، وقدوتنا، وحبيبنا، محمد بن عبد اللَّه، وعلى آله، وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. المؤلف حرر في ضحى يوم الجمعة ١٧/ ٦/١٤١٦هـ

стр. 4

الفصل الأول: مفهوم الدعاء وأنواعه المبحث الأول: مفهوم الدعاء الدعاء لغة: الطلب والابتهال: يُقال: دعوتُ اللَّه أدعوه دعاءً: ابتهلت إليه بالسؤال، ورغبت فيما عنده من الخير (١)، ودعا اللَّه: طلب منه الخير، ورجاه منه، ودعا لفلان: طلب الخير له، ودعا على فلان: طلب له الشر (٢). والدعاء: سؤال العبد ربه على وجه الابتهال، وقد يطلق على التقديس، والتحميد ونحوهما (٣). والدعاء نوع من أنواع الذكر؛ فإن الذكر ثلاثة أنواع: النوع الأول: ذكر أسماء اللَّه، وصفاته، ومعانيها، والثناء، على اللَّه بها، وتوحيد اللَّه بها، وتنزيهه عما لا يليق به، وهو نوعان أيضاً: أ- إنشاء الثناء عليه بها من الذاكر، وهذا النوع، هو المذكور في الأحاديث، نحو: ((سبحان اللَّه، والحمد للَّه، ولا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر)). ب- الخبر عن الرب تعالى بأحكام أسمائه وصفاته، نحو

стр. 5

قولك: اللَّه على كل شيء قدير، وهو أفرح بتوبة عبده من الفاقد لراحلته، وهو يسمع أصوات عباده، ويرى حركاتهم، ولا تخفى عليه خافية من أعمالهم، وهو أرحم بهم من أمهاتهم وآبائهم. النوع الثاني: ذكر الأمر، والنهي، والحلال، والحرام، وأحكامه، فيعمل بالأمر، ويترك النهي، ويُحرِّمُ الحرامَ، ويُحلُّ الحلالَ، وهو نوعان أيضاً: أ- ذكره بذلك إخباراً عنه بأنه أمر بكذا، ونهى عن كذا، وأحب كذا، وسخط كذا، ورضي كذا. ب- ذكره عند أمره، فيبادر إليه، ويعمل به، وعند نهيه، فيهرب منه، ويتركه. النوع الثالث: ذكر الآلاء، والنعماء، والإحسان، وهذا أيضاً من أجَلِّ أنواع الذكر، فهذه خمسة أنواع. وهي تكون ثلاثة أنواع أيضاً: أ- ذكرٌ يتواطأ عليه القلب واللسان، وهو أعلاها. ب- ذكرٌ بالقلب وحده، وهو في الدرجة الثانية. ج- ذكرٌ باللسان المجرَّد، وهو في الدرجة الثالثة (١). ومفهوم الذكر: هو التخلص من الغفلة، والنسيان، والغفلة: هي

стр. 6

تركٌ باختيار الإنسان، والنسيان تركٌ بغير اختياره. والذكر على ثلاث درجات: ١ - الذكر الظاهر: ثناء على اللَّه تعالى، كقول: ((سبحان اللَّه، والحمد للَّه، ولا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر)). أو ذكر دعاء: نحو ﴿قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١)، ونحو قوله: ((يا حيّ يا قيّوم، برحمتك أستغيث))، ونحو ذلك. أو ذكر رعاية: مثل قول القائل: اللَّه معي، اللَّه ينظر إليَّ، اللَّه شاهدي، ونحو ذلك مما يستعمل لتقوية الحضور مع اللَّه، وفيه رعاية لمصلحة القلب، ولحفظ الأدب مع اللَّه، والتحرّز من الغفلة، والاعتصام باللَّه من الشيطان وشر النفس. والأذكار النبوية تجمع الأنواع الثلاثة؛ فإنها تضمنت الثناء على اللَّه، والتعرّض للدعاء والسؤال، والتصريح به. وهي متضمنة لكمال الرعاية، ومصلحة القلب، والتحرّز من الغفلات، والاعتصام من الوساوس والشيطان. ٢ - الذكر الخفي: وهو الذكر بمجرد القلب، والتخلص من الغفلة، والنسيان، والحجب الحائلة بين القلب وبين الرب سبحانه،

стр. 7

وملازمة الحضور بالقلب مع اللَّه كأنه يراه. ٣ - الذكر الحقيقي: وهو ذكر اللَّه تعالى للعبد (١): ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ﴾ (٢). وقال النبي ﷺ : ((يقول اللَّه تعالى: أنا عند ظنّ عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأٍ ذكرته في ملأٍ خيرٍ منهم، وإن تقرّب إليَّ شبراً تقرّبتُ إليه ذراعاً، وإن تقرّب إليَّ ذراعاً تقربتُ إليه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة)) (٣). المبحث الثاني: أنواع الدعاء النوع الأول: دعاء العبادة: وهو طلب الثواب بالأعمال الصالحة: كالنطق بالشهادتين، والعمل بمقتضاهما، والصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، والذبح للَّه، والنذر له، وبعض هذه العبادات تتضمّن الدعاء بلسان المقال مع لسان الحال، كالصلاة. فمن فعل هذه العبادات وغيرها من أنواع العبادات الفعلية، فقد دعا ربه، وطلبه بلسان الحال أن يغفر له، والخلاصة أنه يتعبد للَّه طلباً

стр. 8

لثوابه وخوفاً من عقابه. وهذا النوع لا يصح لغير اللَّه تعالى، ومن صرف شيئاً منه لغير اللَّه فقد كفر كفراً أكبر مخرجاً من الملة، وعليه يقع قوله تعالى (١): ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِين﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٣). النوع الثاني: دعاء المسألة: وهو دعاء الطلب: طلب ما ينفع الداعي من جلب نفع، أو كشف ضر، وطلب الحاجات، ودعاء المسألة فيه تفصيل كالآتي: أ- إذا كان دعاء المسألة صدر من عبد لمثله من المخلوقين، وهو قادر حي حاضر، فليس بشرك، كقولك: اسقني ماءً، أو يا فلان أعطني طعاماً، أو نحو ذلك، فهذا لا حرج فيه؛ ولهذا قال النبي ﷺ : ((من سأل باللَّه فأعطوه، ومن استعاذ باللَّه فأعيذوه، من دعاكم فأجيبوه، ومن صنع إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه)) (٤).

стр. 9

ب- أن يدعو الداعي مخلوقاً ، ويطلب منه ما لا يقدر عليه إلا اللَّه وحده، فهذا مشرك كافر؛ سواء كان المدعو حيّاً أو ميتاً، أو حاضراً أو غائباً، كمن يقول: يا سيدي فلان اشف مريضي، ردَّ غائبي، مدد مدد، أعطني ولداً، وهذا كفر أكبر مُخرج من الملَّة، قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُير﴾ (١)، وقال سبحانه: ﴿وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ * وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٣). وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلآ أَنفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ (٤).

стр. 10

وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ * يَدْعُوا مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُ وَمَا لا يَنفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ* يَدْعُوا لَمَن ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ * مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٢). وقال ﵎: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ *وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ﴾ (٣). وقال سبحانه: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ * وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا

стр. 11

فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (١). وقال : ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ* إِن تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ (٢). وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ (٣). وكل من استغاث بغير اللَّه، أو دعا غير اللَّه دعاء عبادة، أو دعاء مسألة فيما لا يقدر عليه إلا اللَّه، فهو مشرك مرتد، كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ

стр. 12

لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا﴾ (١). وقال تعالى: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ (٢). وقال : ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنْ الشَّاكِرِينَ﴾ (٣). وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (٤). الفرق بين الاستغاثة والدعاء: الاستغاثة: طلب الغوث: وهو إزالة الشدة، كالاستنصار: طلب النصر، والاستعانة: طلب العون. فالفرق بين الاستغاثة والدعاء: أن الاستغاثة لا تكون إلا من المكروب، والدعاء أعم من الاستغاثة؛ لأنه يكون من المكروب وغيره. فإذا عُطِفَ الدعاء على الاستغاثة، فهو من باب عطف العام على الخاص، فبينهما عموم وخصوص مطلق، يجتمعان في مادة، وينفرد الدعاء عنها في مادة، فكل استغاثة دعاء، وليس كل دعاء استغاثة.

стр. 13

ودعاء المسألة متضمِّن لدعاء العبادة، ودعاء العبادة مستلزم لدعاء المسألة، ويراد بالدعاء في القرآن دعاء العبادة تارة، ودعاء المسألة تارة، ويُراد به تارة مجموعهما (١).

стр. 14

الفصل الثاني: فضل الدعاء جاء في فضل الدعاء آيات وأحاديث كثيرة، منها: ١ - قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (١). ٢ - وقال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (٢). ٣ - وقال تعالى: ﴿ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِين * وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣). ٤ - وقال ﵎: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (٤). ٥ - وقال : ﴿هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٥). ٦ - وعن النعمان بن بشير ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((الدُّعاءُ هوَ

стр. 15

العبادةُ))، وقرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (١). ٧ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((ليس شيءٌ أكرَمَ على اللَّه تعالى من الدعاء)) (٢). ٨ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: رسول اللَّه ﷺ قال: ((منْ لم يَسألِ اللَّه يَغْضَبْ عليهِ)) (٣). وأنشد القائل: لا تَسأَلنَّ بني آدم حاجةً ... وسلِ الذي أبوابه لا تحجبُ اللَّه يغضبُ إن تركت سؤاله ... وبُنيَّ آدم حين يُسأل يغضبُ ٩ - وعن أبي سعيد ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((ما من مسلم يدعو اللَّه بدعوةٍ ليس فيها إثمٌ، ولا قطيعةُ رحم، إلا أعطاه اللَّه بها إحدى ثلاث: إما أن تعجّل له دعوته، وإما أن يدّخرها له في الآخرة، وإما

стр. 16

أن يصرف عنه من السوء مثلها)). قالوا: إذاً نُكثر. قال: ((اللَّه أكثر)) (١). ١٠ - وعن سلمان الفارسي ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : ((إنَّ ربَّكُم ﵎ حييُّ كَرِيمٌ، يستَحي مِنْ عبدهِ إذا رفع يديه إليه أن يردَّهما صِفراً)) (٢). والدعاء من أقوى الأسباب في دفع المكروه، وحصول المطلوب، وهو من أنفع الأدوية، وهو عدو البلاء، يدافعه ويعالجه، ويمنع نزوله، ويرفعه، أو يخففه إذا نزل، وهو سلاح المؤمن، وللدعاء مع البلاء ثلاثة مقامات: ١ - أن يكون الدعاء أقوى من البلاء، فيدفعه. ٢ - أن يكون أضعف من البلاء، فيقوى عليه البلاء، فيصاب به العبد، ولكن يخففه وإن كان ضعيفاً. ٣ - أن يتقاوما، ويمنع كل واحد منهما صاحبه (٣). وعن ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((الدعاء ينفع مما نزل،

стр. 17

ومما لم ينزل، فعليكم عباد اللَّه بالدعاء)) (١). وعن سلمان ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : ((لا يردُّ القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد في العُمرِ إلا البر)) (٢).

стр. 18

الفصل الثالث: شروط الدعاء وموانع الإجابة ((الأدعيةُ، والتعوذات بمنزلة السلاح، والسلاحُ بضاربه، لا بحدِّه فقط، فمتى كان السلاحُ سلاحاً تامّاً، لا آفة به، والساعدُ ساعداً قويّاً، والمانعُ مفقوداً، حصلت به النكاية في العدوِّ، ومتى تخلَّف واحدٌ من هذه الثلاثة، تخلَّف التأثير، فإن كان الدعاءُ في نفسه غيرَ صالح، أو الداعي لم يجمع بين قلبه ولسانه، أو كان ثَمَّ مانعٌ من الإجابة، لم يحصل التأثير)) (١)، وإليك شروط الدعاء، وموانع الإجابة في المبحثين الآتيين: المبحث الأول: شروط الدعاء الشرط: لغة: العلامة، واصطلاحاً: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود، ولا عدم لذاته (٢). من أعظم وأهم شروط قبول الدعاء ما يأتي: الشرط الأول: الإخلاص: وهو تصفية الدعاء، والعمل من كل ما يشوبه، وصرف ذلك كلّه للَّه وحده، لا شرك فيه، ولا رياء، ولا سمعة، ولا طلباً للعرض الزائل، ولا تصنعاً، وإنما يرجو العبد ثواب

стр. 19

اللَّه، ويخشى عقابه، ويطمع في رضاه (١). وقد أمر اللَّه تعالى بالإخلاص في كتابه الكريم، فقال تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ (٢)، وقال : ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ (٤). وقال سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٥). وعن عبد اللَّه بن عباس ﵁ قال: كنت خلف النبي ﷺ فقال: ((يا غُلامُ إني أُعلِّمك كلمات: احفظ اللَّه يحفظْكَ، احفظِ اللَّه تجدْهُ تُجاهك، إذا سألت فاسأل اللَّه، وإذا استعنت فاستعن باللَّه، واعلم أنَّ الأُمة لَوِ اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوكَ إلا بشيء قد كتبه اللَّه لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا

стр. 20

بشيء قد كتبه اللَّه عليك، رُفعتِ الأقلامُ، وجفَّت الصُّحفُ)) (١). وسؤال اللَّه تعالى: هو دعاؤه، والرغبة إليه؛ كما قال تعالى: ﴿وَاسْأَلُواْ اللَّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ (٢). الشرط الثاني: المتابعة ، وهي شرط في جميع العبادات، لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (٣)، والعمل الصالح هو ما كان موافقاً لشرع اللَّه تعالى، ويُراد به وجه اللَّه سبحانه، فلا بد أن يكون الدعاء والعمل خالصاً للَّه، صواباً على شريعة رسول اللَّه ﷺ (٤)؛ ولهذا قال الفضيل بن عياض في تفسير قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ* الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ (٥)، قال: هو أخلصه وأصوبه، قالوا: يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟ فقال: ((إن العمل إذا كان خالصاً، ولم يكن صواباً، لم يقبل، وإذا كان صواباً، ولم يكن خالصاً، لم يُقبل، حتى يكون

стр. 21

خالصاً صواباً، والخالص أن يكون للَّه، والصواب أن يكون على السنة)) (١)، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ (٤). فإسلامُ الوجه: إخلاصُ القصد، والدعاء، والعمل للَّه وحده، والإحسانُ فيه: متابعة رسول اللَّه ﷺ وسنته (٥). فيجب على المسلم أن يكون متِّبعاً للنبي ﷺ في كل أعماله؛ لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (٦). وقال: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ

стр. 22

ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (٢). وقال: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ (٣). ولا شك أن العمل الذي لا يكون على شريعة النبي ﷺ يكون باطلاً؛ لحديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ)) (٤). الشرط الثالث: الثقة باللَّه تعالى، واليقين بالإجابة (٥): فمن أعظم الشروط لقبول الدعاء الثقة باللَّه تعالى، وأنه على كل شيء قدير؛ لأنه تعالى يقول للشيء كن فيكون، قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ (٦)، وقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٧)، ومما يزيد ثقة

стр. 23

المسلم بربه تعالى أن يعلم أن جميع خزائن الخيرات والبركات عند اللَّه تعالى، قال سبحانه: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾ (١). وقال النبي ﷺ في الحديث القدسي الذي رواه عن ربه ﵎: (( ... يا عبادي لو أن أوَّلكم وآخركُم وإنسَكُم وجنَّكم قاموا في صعيدٍ واحدٍ فسألوني، فأعطيتُ كلَّ إنسانٍ مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما يَنْقُصُ المِخْيَطُ إذا أُدخِلَ البَحْرَ)) (٢)، وهذا يدل على كمال قدرته ، وكمال ملكه، وأن ملكه وخزائنه لا تنفد، ولا تنقص بالعطاء، ولو أعطى الأولين والآخرين: من الجن والإنس جميع ما سألوه في مقام واحد (٣)؛ ولهذا قال النبي ﷺ : ((يدُ اللَّه (٤) ملأى لا يَغِضُها نَفَقةٌ سحّاءُ (٥) الليلَ والنهارَ، أرأيتُم ما أنفقَ مَذُ خلَقَ السماءَ (٦) والأرض؛ فإنه لم يغِضْ ما في يده، وكان عرشُهُ على

стр. 24

الماءِ، وبيده (١) الميزان يخفض ويرفع)) (٢). فالمسلم إذا علم ذلك، فعليه أن يدعو اللَّه وهو موقن بالإجابة؛ لما تقدم؛ ولحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((ادعوا اللَّه وأنتم موقنون بالإجابة ... )) (٣) الحديث؛ ولهذا بين ﷺ أن اللَّه يستجيب دعاء المسلم الذي قام بالشروط وعمل بالآداب، وابتعد عن الموانع، فقال: ((ما من مسلم يدعو اللَّه بدعوة ليس فيها إثم، ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه اللَّه بها إحدى ثلاث ... )) (٤) الحديث. الشرط الرابع: حضور القلب والخشوع والرغبة فيما عند اللَّه من الثواب والرهبة مما عنده من العقاب، فقد أثنى اللَّه تعالى على زكريا وأهل بيته فقال تعالى: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا

стр. 25

لَنَا خَاشِعِينَ﴾ (١). فلا بد للمسلم في دعائه من أن يحضر قلبه، وهذا أعظم شروط قبول الدعاء، كما قال الإمام ابن رجب رحمه اللَّه تعالى (٢)، وقد جاء في حديث أبي هريرة عند الإمام الترمذي: ((ادعوا اللَّه وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن اللَّه لا يستجيب دعاءً من قلب غافل لاهٍ)) (٣)، وقد أمر اللَّه تعالى بحضور القلب، والخشوع في الذكر والدعاء، فقال سبحانه: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ﴾ (٤). الشرط الخامس: العزمُ والجَزمُ ، والجِدُّ في الدعاء: المسلم إذا سأل ربه فإنه يجزم، ويعزم بالدعاء؛ ولهذا نهى النبي ﷺ عن الاستثناء في الدعاء، فعن أنس ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : ((إذا دعا أحدكم فليعزم في الدعاء ولا يقلْ اللَّهم إن شئت فأعطني فإن اللَّه لا مُسْتَكْرِهَ لهُ)) (٥)، وفي رواية: ((فإن اللَّه لا مُكْرِهَ له)) (٦).

стр. 26

وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((لا يَقُولَنَّ أحدكم: اللَّهم اغفر لي إن شئت، اللَّهم ارحمني إن شئت، ولكن ليعزم المسألة وليُعظِّم الرغبة فإن اللَّه لا يتعاظمُهُ شيءٌ إلا أعطاه)) (١). المبحث الثاني: موانع إجابة الدعاء المانع: لغة: الحائل بين الشيئين، واصطلاحاً: ما يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود، ولا عدم لذاته، عكس الشرط (٢). ومن هذه الموانع ما يأتي: المانع الأول: التوسع في الحرام: أكلاً، وشرباً، ولبساً، وتغذية (٣). عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : ((يا أيها الناس، إن اللَّه طيّبٌ لا يقبلُ إلا طيباً، وإن اللَّه تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ

стр. 27

كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ (١)، ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث، أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا ربِّ! يا ربِّ! ومطعمُهُ حرامٌ، ومشربُهُ حرامٌ، وملبسُهُ حرامٌ، وغُذِّيَ بالحرام، فأنَّى يُستجاب لذلك)) (٢)، وقد قيل كما ذكر ابن رجب ‘ في معنى هذا الحديث: إن اللَّه لا يقبل من الأعمال إلا ما كان طيباً طاهراً من المفسدات كلها: كالرياء، والعجب، ولا من الأموال إلا ما كان طيباً حلالاً؛ فإن الطيب توصف به الأعمال، والأقوال، والاعتقادات (٣)، والمراد بهذا أن الرسل وأممهم مأمورون بالأكل من الطيبات، والابتعاد عن الخبائث والمحرمات، ثم ذكر في آخر الحديث استبعاد قبول الدعاء مع التوسع في المحرمات: أكلاً، وشرباً، ولبساً، وتغذيةً، ولهذا كان الصحابة، والصالحون يحرصون أشد الحرص على أن يأكلوا من الحلال، ويبتعدوا عن الحرام، فعن عائشة ’ قالت: ((كان لأبي بكر غلامٌ يُخرج له الخراجَ، وكان أبو بكر يأكل من خراجه (٤)، فجاء يوماً بشيء، فأكله أبو بكر، فقال له الغلام: أتدري ما هذا؟ فقال أبو بكر: وما هو؟ قال: كنتُ تكهَّنتُ لإنسانٍ في الجاهلية، وما أُحسِنُ الكِهانةَ، إلا أني خَدعتُهُ

стр. 28

فأعطاني بذلك، فهذا الذي أكلتَ منه، فأدخل أبو بكر يده (١)، فقاءَ كلَّ شيء في بطنه)) (٢)، ورُوي في رواية لأبي نُعيم في الحلية، وأحمد في الزهد: ((فقيل له يرحمك اللَّه، كلُّ هذا من أجل هذه اللقمة؟ قال: لو لم تخرج إلا مع نفسي لأخرجتها، سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: ((كلُّ جسد نبت من سُحْتٍ فالنارُ أولى به))، فخشيت أن ينبت شيء من جسدي من هذه اللقمة (٣). ففي حديث الباب أن هذا الرجل الذي قد توسع في أكل الحرام، قد أتى بأربعة أسباب من أسباب الإجابة: الأول: إطالة السفر. والثاني: حصول التبذل في اللباس والهيئة؛ ولهذا قال ﷺ : ((ربَّ أشْعَثَ (٤) مدفوع بالأبواب لو أقسم على اللَّه لأبره)) (٥). والثالث: يمد يديه إلى السماء ((إن اللَّه حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفراً خائبتين)) (٦).

стр. 29

والرابع: الإلحاح على اللَّه بتكرير ذكر ربوبيته، وهو من أعظم ما يطلب به إجابة الدعاء، ومع ذلك كله قال ﷺ : ((فأنى يستجاب لذلك))، وهذا استفهام وقع على وجه التعجب والاستبعاد (١). فعلى العبد المسلم التوبة إلى اللَّه تعالى من جميع المعاصي والذنوب، ويردّ المظالم إلى أهلها حتى يسلم من هذا المانع العظيم الذي يحول بينه وبين إجابة دعائه. المانع الثاني: الاستعجال وترك الدعاء: من الموانع التي تمنع إجابة الدعاء أن يستعجل الإنسان المسلم ويترك الدعاء؛ لتأخر الإجابة (٢)، فقد جعل رسول اللَّه ﷺ هذا العمل مانعاً من موانع الإجابة، حتى لا يقطع العبد رجاءه من إجابة دُعائه، ولو طالت المدة، فإنه سبحانه يحب الملحين في الدعاء (٣). عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: ((يُستجاب لأحدكم ما لم يعجلْ فيقول: قد دعوتُ فلم يُستجَبْ لي (((٤). وعنه ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((لا يزالُ يستجاب للعبد ما لم يدعُ بإثم أو قطيعةِ رحمٍ ما لم يستعجل)). قيل: يا رسول اللَّه! ما

стр. 30

الاستعجال؟ قال: ((يقول قد دعوتُ، وقد دعوتُ، فلم أرَ يستجيبُ لي، فيستحسر (١) عند ذلك، ويدعُ الدعاءَ)) (٢). فالعبد لا يستعجل في عدم إجابة الدعاء؛ لأن اللَّه قد يؤخر الإجابة لأسباب: إما لعدم القيام بالشروط، أو الوقوع في الموانع، أو لأسباب أخرى تكون في صالح العبد وهو لا يدري، فعلى العبد إذا لم يستجب دعاؤه أن يراجع نفسه، ويتوب إلى اللَّه تعالى من جميع المعاصي، ويبشر بالخير العاجل والآجل، واللَّه تعالى يقول: ﴿وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣)، فما دام العبد يلحُّ في الدعاء، ويطمعُ في الإجابة من غير قطع، فهو قريب من الإجابة، ومن أدمن قرع الباب يوشك أن يفتح له (٤). وقد تُؤخَّرُ الإجابة لمدة طويلة، كما أخّر سبحانه إجابة يعقوب في ردّ ابنه يوسف إليه، وهو نبي كريم، وكما أخّر إجابة نبيّه أيوب ﵊ في كشف الضر عنه، وقد يُعطى السائل خيراً

стр. 31

مما سأل، وقد يُصرف عنه من الشر أفضل مما سأل (١). المانع الثالث: ارتكاب المعاصي والمحرمات: قد يكون ارتكاب المحرمات الفعلية مانعاً من الإجابة (٢)؛ ولهذا قال بعض السلف: لا تستبطئ الإجابة وقد سددت طريقها بالمعاصي، وأخذ هذا بعض الشعراء فقال: نحنُ ندعو الإله في كلِّ كربٍ ... ثمَّ ننساه عند كشف الكروبِ كيف نرجو إجابةً لدُعاءٍ ... قد سددْنا طريقها بالذنوب (٣) ولا شك أن الغفلة والوقوع في الشهوات المحرمة من أسباب الحرمان من الخيرات. وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ﴾ (٤). المانع الرابع: ترك الواجبات التي أوجبها اللَّه: كما أن فعل الطاعات يكون سبباً لاستجابة الدعاء، فكذلك ترك الواجبات يكون مانعاً من موانع استجابة الدعاء (٥)؛ ولهذا جاء عن

стр. 32

النبي ﷺ هذا المعنى، فعن حذيفة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((والذي نفسي بيده لتأْمُرُنَّ بالمعروفِ ولتنهوُنَّ عن المنكر، أو ليُوشِكَنَّ اللَّه أنْ يبعثَ عليكم عِقاباً منه ثمَّ تدعونَهُ فلا يُستجابُ لكم)) (١). المانع الخامس: الدعاء بإثم، أو قطيعة رحم . المانع السادس: الحكمة الربانية، فيُعطى أفضل مما سأل: عن أبي سعيد ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((ما من مسلم يدعو اللَّه بدعوةٍ ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه اللَّه بها إحدى ثلاث: إما أن تُعجَّل له دعوته، وإما أن يدَّخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها))،. قالوا: إذاً نكثِرَ. قال: ((اللَّه أكثر)) (٢)، فقد يظن الإنسان أنه لم يجب، وقد أجيب بأكثر مما سأل، أو صرف عنه من المصائب والأمراض أفضل مما سأل، أو أخَّره له إلى يوم القيامة (٣).

стр. 33

الفصل الرابع: آداب الدعاء، وأماكن وأوقات الإجابة المبحث الأول: آداب الدعاء ١ - يبدأ بحمد اللَّه، ويصلي على النبي ﷺ ويختم بذلك . أ- عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: ((كلُّ دُعاءٍ محجوب حتَّى يُصلَّى على محمد ﷺ وآل محمد)) (١). ب- عن فضالة بن عبيد اللَّه ﵁ قال: سمع رسول اللَّه ﷺ رجلاً يدعو في صلاته لم يمجِّد اللَّه تعالى ، ولم يصلِّ على النبي ﷺ فقال رسول اللَّه ﷺ : ((عجَّل هذا))، ثم دعاه فقال له أو لغيره: ((إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد اللَّه والثناء عليه، ثم يصلي على النبي ﷺ ، ثم يدعو بعدُ بما شاء)) (٢).

стр. 34

جـ- ورأى رسول اللَّه ﷺ رجلاً آخر يصلي فمجَّد اللَّه ، وحمده، وصلى على النبي ﷺ ، فقال رسول اللَّه ﷺ : ((أيها المصلي ادعُ تُجَبْ، [وسَلْ تُعْطَ])) (١). د - عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: كنت أصلي والنبي ﷺ -، وأبو بكر، وعمر معه، فلما جلست بدأت بالثناء على اللَّه، ثم الصلاة على النبي ﷺ ، ثم دعوت لنفسي، فقال النبي ﷺ : ((سَلْ تُعطَهْ، سَلْ تُعطَهْ)) (٢). وقد ذكر الإمام ابن القيم رحمه اللَّه تعالى أن للصلاة على النبي ﷺ عند الدعاء ثلاث مراتب: المرتبة الأولى: أن يصلي عليه ﷺ قبل الدعاء، وبعد حمد اللَّه تعالى. المرتبة الثانية: أن يصلي عليه ﷺ في أول الدعاء، وفي أوسطه، وفي آخره. المرتبة الثالثة: أن يصلي عليه ﷺ في أوله، وآخره، ويجعل حاجته متوسطة بينهما (٣).

стр. 35

٢ - الدعاء في الرخاء والشدة: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : ((منْ سَرَّهُ أنْ يستَجيبَ اللَّه لهُ عِندَ الشَّدائدِ والكُرَبِ فلْيُكثِر الدُّعاءَ في الرَّخاءِ)) (١). والمعنى: من أحب أن يستجيب اللَّه له عند الشدائد، وهي الحادثة الشاقة، والكُرَب: وهي الغم الذي يأخذ النفس، فليكثر الدعاء في حالة الصحة والفراغ والعافية؛ لأن من شيمة المؤمن أن يلجأ إلى اللَّه تعالى، ويكون دائم الصلة به، ويلتجئ إليه قبل الاضطرار (٢)، قال اللَّه تعالى في يونس ﵊ حينما دعاه فأنجاه، واستجاب له: ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (٣). ٣ - لا يدعو على أهله، أو ماله، أو ولده، أو نفسه: عن جابر ﵁ في الرجل الذي لعن بعيره، فقال رسول اللَّه ﷺ : ((من هذا اللاعِنُ بعيرَهُ))؟ قال: أنا يا رسول اللَّه! قال: ((انزل عنهُ، فلا تصحبنا بملعونٍ، لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقُوا من اللَّه ساعةً يُسألُ فيها عطاء

стр. 36

فيستجيبُ لكم (((١). ٤ - يخفِضُ صوته في الدعاء بين المخافتة والجهر: أ- قال اللَّه تعالى: ﴿ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٢). ب- وقال سبحانه: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ﴾ (٣). جـ- وعن أبي موسى ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر، فجعل الناس يجهرون بالتكبير، فقال النبي ﷺ : ((أيها الناس اربعوا على أنفسكم، إنكم [لا تدعون] أصمَّ ولا غائباً، إنكم تدعون سميعاً قريباً، وهو معكم)) (٤)، والمعنى وهو معكم بعلمه واطلاعه؛ لأن المعية معيتان: معية عامة ومعية خاصة، فالعامة: معية العلم والاطلاع، وهو مستوٍ على عرشه، كما يليق بجلاله، ويعلم ما في نفوس عباده، لا تخفى عليه خافية. والمعية الخاصة: معية النصر، والتأييد والتوفيق، والإلهام لعباده المؤمنين.

стр. 37

٥ - يتضرع إلى اللَّه في دعائه: الضراعة: الذل، والخضوع والابتهال، يقال: ضَرَعَ، يَضْرَعُ ضراعةً: خضع، وذلَّ، واستكان، وتضرع إلى اللَّه: ابتهل (١). أ- قال اللَّه تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (٢). ب- وقال سبحانه: ﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (٣). جـ - وقال تعالى: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً﴾ (٤). ٦ - يلحُّ على ربه في دعائه: الإلحاح: الإقبال على الشيء، ولزوم المواظبة عليه، يقال: ألحَّ السحابُ: دام مطره، وألحَّت الناقة: لزمت مكانها، وألحَّ الجمل: لزم مكانه وحَرَن، وألحَّ فلان على الشيء: واظب عليه، وأقبل عليه (٥)، وعن أنس ﵁ يرفعه: ((ألظُّوا بياذا الجلالِ

стр. 38

والإكرام)) (١). فالعبد يكثر من الدعاء، ويكرره، ويلحُّ على اللَّه بتكرير ربوبيته وإلهيته، وأسمائه وصفاته، وذلك من أعظم ما يطلب به إجابة الدعاء، كما ذكر النبي ﷺ (٢): ((الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا ربِّ يا ربِّ)). الحديث (٣)، وهذا يدل على الإلحاح في الدعاء؛ ولهذا قال ﷺ : ((يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، فيقول: قد دعوت فلم يُستجب لي)) (٤). ٧ - يتوسل إلى اللَّه تعالى بأنواع التوسل المشروعة: والوسيلة: لغة: القربة، والطاعة، وما يتوصل به إلى الشيء، ويتقرب به إليه، يقال: وسَّل فلان إلى اللَّه تعالى توسيلاً: عمل عملاً تقرَّب به إليه، ويقال: وسَلَ فلان إلى اللَّه تعالى بالعمل، يَسِلُ وَسْلاً، وتوسُّلاً، وتوسيلاً: رغب وتقرّب إليه. أي: عمل عملاً تقرّب به إليه (٥). قال الراغب الأصفهاني: الوسيلة: التوصّل إلى الشيء برغبة،

стр. 39

وهي أخصُّ من الوصيلة؛ لتضمُّنها معنى الرغبة، قال تعالى: ﴿وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ﴾ (١)، وحقيقة الوسيلة إلى اللَّه تعالى مراعاة سبيله بالعلم، والعبادة، وتحرّي مكارم الشريعة، وهي كالقربة، والواسِلُ: الراغب إلى اللَّه تعالى (٢). ومعنى قوله تعالى: ﴿وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ﴾ أي تقرَّبوا إليه بطاعته، والعمل بما يرضيه (٣). وأنواع التوسل المشروع ثلاثة: النوع الأول: التوسّل في الدعاء باسم من أسماء اللَّه تعالى، أو صفة من صفاته، كأن يقول الداعي في دعائه: اللَّهم إني أسألك بأنك أنت الرحمن الرحيم، اللطيف الخبير، أن تعافيني، أو يقول: أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن ترحمني، وتغفر لي؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (٤)، ومن دعاء سليمان ﵊ ما قال اللَّه تعالى: ﴿وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا

стр. 40

تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ (١). وعن عبد اللَّه بن بريدة، عن أبيه أن رسول ﷺ سمع رجلاً يقول: ((اللَّهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت اللَّه، لا إله إلا أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد))، قال: فقال: ((والذي نفسي بيده، لقد سأل اللَّه باسمه الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب، وإذا سُئل به أعطى)) (٢)، وفي رواية: ((لقد سألت اللَّه باسمه الأعظم)). وعن أنس بن مالك ﵁ أنه كان مع رسول اللَّه ﷺ جالساً ورجل يصلي ثم دعا: ((اللَّهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت المنان، بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي، يا قيوم))، فقال النبي ﷺ : ((لقد دعا اللَّه باسمه العظيم، الذي إذا دُعي به أجاب وإذا سُئل به أعطى)) (٣). وعن محجن بن الأدرع أن رسول اللَّه ﷺ دخل المسجد، فإذا هو
следующие страницы →