← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 96496

شروط الدعاء وموانع الإجابة في ضوء الكتاب والسنة

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (108 стр.). Показаны 71–108 · переход к 76.

стр. 71

الفصل الخامس: اهتمام الرسل بالدعاء واستجابة اللَّه لهم اهتمّ الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم من عباد اللَّه الصالحين بالدعاء، فاستجاب اللَّه دعاءهم، وهذا كثير في القرآن والسنة، وأنا أذكر نماذج من باب الأمثلة، لا من باب الحصر، ومن ذلك ما يأتي: ١ - آدم ﷺ -: قال تعالى: ﴿قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١)، فغفر اللَّه لهما كما قال سبحانه: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (٢)، ثم أكرمه اللَّه بالاصطفاء فقال : ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (٣)، وخصَّه بالاجتباء، فقال تعالى: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ (٤). ٢ - نوح ﷺ -: قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ* وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ (٥)، وقال: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ * وَنَصَرْنَاهُ مِنَ

стр. 72

الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ * فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ * فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ * وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلاّ فَاجِرًا كَفَّارًا * رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاّ تَبَارًا﴾ (٣). ٣ - إبراهيم ﷺ -: قال اللَّه تعالى عن دعائه: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ * وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ * وَاجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ (٤)، فاستجاب اللَّه له فقال في طلبه الأول: ﴿فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا﴾ (٥). وقال في قوله: ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾، ﴿وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٦)، وقال في قوله: ﴿وَاجْعَل لِّي لِسَانَ

стр. 73

صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ * سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ* إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ* إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١). ٤ - أيوب ﷺ -: قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ* فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ (٢). ٥ - يونس ﷺ -: قال اللَّه تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لا إِلَهَ إِلا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ* فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣). ٦ - زكريا ﷺ -: قال اللَّه تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ* فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾ (، وقال تعالى: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ* فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ

стр. 74

فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ (١). ٧ - يعقوب ﷺ -: قال اللَّه في قصة يعقوب مع أبنائه: ﴿وَجَآؤُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ (٢)، وقال اللَّه تعالى عنه: ﴿قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِن قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (٣)، وقال يعقوب: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ* وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ* قَالُواْ تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ* قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ* يَا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٤). ثم استجاب اللَّه دعاءه، وردَّ عليه يوسف وأخاه قال اللَّه: ﴿قَالُواْ أَإِنَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ* قَالُواْ تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ

стр. 75

اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ* قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ* اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ* وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ* قَالُواْ تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ الْقَدِيمِ* فَلَمَّا أَن جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ* قَالُواْ يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ* قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيَ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (١). ٨ - يوسف ﷺ -: قال اللَّه تعالى عنه وعن النسوة: ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ* قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ* فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٢). ٩ - موسى ﷺ -: قال اللَّه عن دعائه: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي* وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي* وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي* يَفْقَهُوا قَوْلِي* وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي* هَارُونَ أَخِي* اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي* وَأَشْرِكْهُ

стр. 76

فِي أَمْرِي* كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا* وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا* إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا* قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾ (١)، وقال اللَّه تعالى عن موسى وهارون: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ* قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ (٢)، وقال تعالى عن موسى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ* قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ﴾ (٣). ١٠ - محمد ﷺ وأصحابه: قال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ* وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ* إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُنزَلِينَ* بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ

стр. 77

الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ* وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ* فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ (٢). والأدعية التي دعا بها رسول اللَّه ﷺ ، وشوهدت إجابتها كالشمس في رابعة النهار كثيرة جدَّاً لا تُحصر، ولكن منها على سبيل المثال: أ - دعاؤه ﷺ لأنس بن مالك ﵁ - قال ﷺ : ((اللَّهم أكثر ماله، وولده، وبارك له فيما أعطيته (٣)، [وأطل حياته، واغفر له] (٤)، قال أنس: فواللَّه إن مالي لكثير، وإن ولدي وولد ولدي ليتعادون نحو المائة اليوم (٥)، [وحدثتني ابنتي أمينة أنه دفن لصلبي مقدم الحجاج البصرة بضع وعشرون ومائة] (٦)، وطالت حياتي حتى استحييت من

стр. 78

الناس، وأرجو المغفرة)) (١). وكان له ﵁ بستان يحمل في السنة الفاكهة مرتين، وكان فيها ريحان يجيء منها ريح المسك (٢). ب - دعاؤه ﷺ لأم أبي هريرة ، فأسلمت فوراً، قال أبو هريرة ﵁: كنت أدعو أمي إلى الإسلام وهي مشركة، فدعوتها يوماً فأسمعتني في رسول اللَّه ﷺ ما أكره، فأتيت رسول اللَّه ﷺ وأنا أبكي. قلت: يا رسول اللَّه، إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام فتأبى عليَّ، فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره، فادعُ اللَّه أن يهدي أمَّ أبي هريرة، فقال رسول اللَّه ﷺ : ((اللَّهم اهد أمَّ أبي هريرة))، فخرجت مستبشراً بدعوة نبي اللَّه ﷺ ، فلما جئت فصرت إلى الباب فإذا هو مجاف (٣)، فسمعت أمي خشف قدميَّ (٤)، فقالت: مكانك يا أبا هريرة، وسمعتُ خضخضة الماء (٥)، قال: فاغتسلت ولبست درعها، وعجلت عن خمارها، ففتحت الباب ثم قالت: يا أبا هريرة: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، قال: فرجعت إلى رسول اللَّه ﷺ ، وأتيته وأنا أبكي من الفرح، قال قلت: يا رسول اللَّه،

стр. 79

أبشر قد استجاب اللَّه دعوتك، وهدى أمَّ أبي هريرة، فحمد اللَّه وأثنى عليه، وقال خيراً، قال: قلت يا رسول اللَّه! ادعُ اللَّه أن يحببني أنا وأمي إلى عباده المؤمنين، ويحببهم إلينا. قال: فقال رسول اللَّه ﷺ : ((اللَّهم حبب عُبيدك هذا وأمَّه إلى عبادك المؤمنين وحبب إليهم المؤمنين))، فما خُلِقَ مُؤمِنٌ يسمع بي ولا يراني إلا أحبني (١). جـ - دعاؤه ﷺ لعروة بن أبي الجعد البارقي ، وذلك أن النبي ﷺ أعطاه ديناراً يشتري له به شاة، فاشترى له به شاتين، فباع إحداهما بدينار، فجاء بدينار وشاة، فدعا له بالبركة في بيعه، وكان لو اشترى التراب لربح فيه (٢)، وفي مسند الإمام أحمد أنه قال له: ((اللَّهم بارك له في صفقة يمينه))، فكان يقف في الكوفة، ويربح أربعين ألفاً قبل أن يرجع إلى أهله (٣). د- دعاؤه ﷺ على بعض أعدائه فلم تتخلف الإجابة، ومن ذلك أن المشركين آذوا رسول اللَّه ﷺ في مكة، وأمر أبو جهل بعض القوم أن يضع سلا الجزور بين كتفي النبي ﷺ وهو ساجد، ففعل ذلك عقبة بن أبي معيط، فلما قضى النبي ﷺ صلاته رفع صوته ثم دعا عليهم: ((اللَّهم عليك بقريش)) ثلاث مرات، فلما سمعوا صوته

стр. 80

ذهب عنهم الضحك، وخافوا دعوته، ثم قال: ((اللَّهم عليك بأبي جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط)). قال ابن مسعود: فوالذي بعث محمداً ﷺ بالحق لقد رأيت الذي سمّى صرعى يوم بدر، ثم سُحِبوا إلى القليب، قليب (١) بدر)) (٢)، وفي رواية: <فأقسم باللَّه لقد رأيتهم صرعى على بدر قد غيرتهم الشمس، وكان يوماً حارّاً)) (٣). هـ - دعاؤه ﷺ على سراقة بن مالك ﵁ -، لحق سراقة النبي ﷺ يريد أن يقتله وأبا بكر، لكي يحصل على دية كل واحدٍ منهما؛ لأن قريشاً جعلوا لمن يقتل رسول اللَّه ﷺ وأبا بكر أو أسرهما دية كل واحد منهما، فلحق سراقة النبي ﷺ وعندما رآه أبو بكر قال: يا رسول اللَّه! هذا فارسٌ قد لحق بنا، فالتفت إليه رسول اللَّه ﷺ فقال: ((اللَّهم اصرعه))، وساخت يدا فرس سراقة في الأرض حتى بلغت الركبتين، فقال سراقة: يا رسول اللَّه! ادع اللَّه لي، فدعا له رسول اللَّه ﷺ ، ونجت فرسه، ورجع يخفي عنهما، فكان أول النهار جاهداً على النبي ﷺ ، وكان آخر النهار مسلحة (٤) له يخفي عنه (٥).

стр. 81

ودعاؤه ﷺ يوم بدر، عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: لما كان يوم بدر نظر رسول اللَّه ﷺ إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلاً، فاستقبل نبي اللَّه ﷺ القبلة، ثم مد يديه فجعل يهتف (١) بربه: ((اللَّهم أنجز لي ما وعدتني، اللَّهم آتِ ما وعدتني، اللَّهم إن تُهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض))، فما زال يهتف بربه، مادَّاً يديه مستقبل القبلة، حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه، وقال: يا نبي اللَّه كذاك (٢) مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك. فأنزل اللَّه : ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ (٣)، فأمده اللَّه بالملائكة (٤)، قال ابن عباس: بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم، فنظر إلى المشرك أمامه فخر مستلقياً، فنظر إليه فإذا هو قد خطم أنفه، وشق وجهه كضربة السوط، فاخضرَّ ذلك أجمع، فجاء الأنصاري فحدث بذلك رسول

стр. 82

اللَّه ﷺ فقال: ((صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة)) فقتلوا يومئذ سبعين، وأسروا سبعين (١). ز- دعاؤه ﷺ يوم الأحزاب ، كان المحاربون لرسول اللَّه ﷺ في غزوة الأحزاب خمسة أصناف، هم: المشركون من أهل مكة، والمشركون من قبائل العرب، واليهود من خارج المدينة، وبنو قريظة، والمنافقون، وكان من حضر الخندق من الكفار عشرة آلاف، والمسلمون مع النبي ﷺ ثلاثة آلاف، وقد حاصروا النبي ﷺ شهراً، ولم يكن بينهم قتال إلا ما كان من عمرو بن وُدٍّ العامري مع علي بن أبي طالب، فقتله علي ﵁، وكان ذلك في السنة الرابعة من الهجرة (٢)، ودعا رسول اللَّه ﷺ عليهم فقال: ((اللَّهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللَّهم اهزمهم وزلزلهم)) (٣)، وأرسل اللَّه على الأحزاب جنداً من الريح، فجعلت تقوِّض خيامهم، ولا تدع لهم قِدراً إلا كفأته، ولا طنباً إلا قلعته، ولا يقرّ لهم قرار، وجند اللَّه من الملائكة يزلزلونهم ويلقون في قلوبهم الرعب والخوف (٤). قال اللَّه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا

стр. 83

تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا* هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيدًا﴾ (١). ح - دعاؤه ﷺ يوم حنين: عن سلمة بن الأكوع ﵁ في حديثه عن قتال النبي ﷺ في غزوة حنين قال: ((فلما غشوا رسول اللَّه ﷺ نزل عن البغلة، ثم قبض من ترابٍ من الأرض، ثم استقبل به وجوههم فقال: ((شاهت الوجوه)) (٢)، فما خلق اللَّه منهم إنساناً إلا ملأ عينيه تراباً بتلك القبضة، فولوا مدبرين، فهزمهم اللَّه ، وقسم رسول اللَّه ﷺ غنائمهم بين المسلمين)) (٣).

стр. 84

الفصل السادس: الدعوات المستجابات كل من عمل بالشروط، وابتعد عن الموانع، وعمل بالآداب، وتحرّى أوقات الإجابة، والأماكن الفاضلة، فهو ممن يستجيب اللَّه دعاءه، وقد بيَّنت السنة أنواعاً وأصنافاً ممن طبَّق هذه الشروط، واستجاب اللَّه دعاءهم، ومنهم: ١ - دعوة المسلم لأخيه المسلم بظهر الغيب: عن أم الدرداء ﵂ أنها قالت لصفوان: أتريد الحج العام؟ قال: فقلت: نعم، قالت: فادعُ اللَّه لنا بخير؛ فإن النبي ﷺ كان يقول: ((دعوةُ المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملك كلما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكل به: آمين، ولك بمثل)) (١). وعن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((ما من عبد مسلم يدعو لأخيه بظهر الغيب إلا قال المَلَكُ ولكَ بِمِثلٍ)) (٢). ٢ - دعوة المظلوم: عن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ بعث معاذاً إلى اليمن، وساق الحديث وقال فيه: ((واتقِ دعوة المظلوم، فإنها ليس بينها وبين اللَّه حجاب)) (٣)، ومن هذه الإجابة قصة سعد ﵁ مع أبي سعدة عندما

стр. 85

قال لمن سأله عن سعد: ((أما إذا نشدتنا فإن سعداً كان لا يسير بالسرية، ولا يقسم بالسوية، ولا يعدل في القضية، قال سعد: أَمَا واللَّه لأدعونَّ بثلاث: اللَّهم إن كان عبدك هذا كاذباً، قام رياء وسمعة، فأطل عمره، وأطل فقره، وعرّضه بالفتن، وكان بعد إذا سئل يقول: شيخ كبير مفتون، أصابتني دعوة سعد، قال عبد الملك: فأنا رأيته بعد قد سقط حاجباه على عينيه من الكِبَر، وإنه ليتعرض للجواري في الطريق يغمزُهُن)) (١). وخاصمت أروى بنت أويس سعيد بن زيد ﵁ عند مروان بن الحكم وادعت عليه أنه أخذ من أرضها، فقال: أنا كنت آخذ من أرضها شيئاً بعد الذي سمعته من رسول اللَّه ﷺ ؟ قال: وما سمعت من رسول اللَّه ﷺ ؟ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: ((من أخذ شبراً من الأرض بغير حقِّه طُوِّقه إلى سبع أرضين))، ثم قال: اللَّهم إن كانت كاذبة فأعمِ بصرها، واجعل قبرها في دارها، قال: فرأيتها عمياء تتلمس الجدر، تقول: أصابتني دعوة سعيد بن زيد، فبينما هي تمشي في الدار مرت على بئر في الدار، فوقعت فيها فكانت قبرها (٢). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : ((دعوة المظلوم

стр. 86

مستجابة، وإن كان فاجراً ففجوره على نفسه)) (١). وأنشد بعضهم فقال: لا تظلمنَّ إذا ما كُنتَ مُقتدِراً ... فالظلمُ آخرُه يأتيك بالندمِ نامت عيونُك والمظلوم منتبهٌ ... يدعو عليك، وعين اللَّه لم تنمِ ٣ - دعوة الوالد لولده . ٤ - دعوة الوالد على ولده . ٥ - دعوة المسافر: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : ((ثلاث دعوات يُستجاب لهن لا شك فيهن: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد لولده)) (٢) وفي رواية أحمد والترمذي: ((على ولده)) (٣). فينبغي الحذر من دعوة هؤلاء، فإن دعوتهم مستجابة. ٦ - دعوة الصائم: عن أبي هريرة ﵁ يرفعه: ((ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حتى

стр. 87

يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم يرفعها اللَّه فوق الغمام، ويَفتَحُ لها أبواب السماء، ويقول الرب: وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين)) (١). ٧ - دعوة الصائم حين يفطر . ٨ - الإمام العادل: عن أبي هريرة ﵁ في حديثه الطويل عن النبي ﷺ في صفة الجنة ونعيمها، قال في آخره: (( ... ثلاثة لا تُردُّ دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حين يفطر، ودعوة المظلوم يرفعها فوق الغمام، وتُفَتَّحُ لها أبواب السماء، ويقول الربُّ : وعزتي لأنصُرنَّك ولو بعدَ حين)) (٢). وعن عبد اللَّه بن عمرو ﵃ يرفعه: ((إن للصائم عند فطره لدعوةً ما تُردّ)) (٣). وعن أبي هريرة ﵁ يرفعه: ((ثلاثة لا يُردُّ دعاؤُهم: الذاكر للَّه

стр. 88

كثيراً، ودعوة المظلوم، والإمام المُقسِط)) (١). ٩ - دعوة الولد الصالح: لحديث أبي هريرة ﵁ يرفعه: ((إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: إلا من صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ يُنتفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له)) (٢). ١٠ - دعوة المستيقظ من النوم إذا دعا بالمأثور: عن عبادة بن الصامت ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((من تعارَّ من الليل فقال: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، وسبحان اللَّه، والحمد للَّه، ولا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه، ثم قال: اللَّهم اغفر لي، أو دعا استُجيب [له]، [فإن عزم فتوضأ ثم صلَّى قُبلت صلاته])) (٣). ١١ - دعوة المضطرِّ: قال اللَّه تعالى: ﴿أمَّن يُجيبُ المضطَرَّ إذا دعَاهُ ويكشِفَ

стр. 89

السُّوءَ﴾ (١). ومما يدل على أن من أقوى أسباب الإجابة الاضطرار حديث الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى غار، فانحطت على فم الغار صخرة من الجبل أغلقت الغار عليهم، فقال بعضهم لبعض: انظروا أعمالاً عملتموها صالحة للَّه تعالى واسألوا اللَّه بها لعله يفرجها عنكم، فدعوا اللَّه تعالى بصالح أعمالهم، فارتفعت الصخرة، فخرجوا يمشون (٢). وعن عائشة ’ أن وليدة كانت سوداء (٣) لحيٍّ من العرب فأعتقوها، فكانت معهم. قالت: فخرجت صبية لهم عليها وشاح أحمر من سيور، قالت فوضعته، أو وقع منها، فمرت به حُديّاة (٤)، وهو ملقى، فحسبته لحماً فخطفته، قالت: فطفقوا يفتشوا، حتى فتشوا قُبُلها، قالت: واللَّه إني لقائمة معهم إذ مرت الحديّاةُ فألقته، قالت: فوقع بينهم. قالت: فقلت هذا الذي اتهمتموني به زعمتم وأنا منه بريئة، وهوذا، قالت فجاءت إلى رسول اللَّه ﷺ فأسلمت، قالت

стр. 90

عائشة فكانت لها خباء في المسجد أو حفش (١)، قالت: فكانت تأتيني فتحدث عندي، قالت: لا تجلس عندي مجلساً إلا قالت: ويوم الوشاحِ من تعاجيبِ ربِّنا ... ألا إنه من بلدةِ الكفر أنجاني قالت عائشة: فقلت لها: ما شأنك لا تقعدين معي مقعداً إلا قلت: هذا؟ قالت: فحدثنتي بهذا الحديث (٢)، وهذا سبب إسلامها، فرُبَّ ضارّةٍ نافعة. ١٢ - دعوة من بات طاهراً على ذكر اللَّه: عن معاذ بن جبل ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((ما من مسلم يبيتُ على ذكر اللَّه طاهراً فيتعارَّ من الليل فيسأل اللَّه خيراً من الدنيا والآخرة إلا أعطاه اللَّه إياه)) (٣). ١٣ - دعوة من دعا بدعوة ذي النون: قال اللَّه تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لا إِلَهَ إِلا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤).

стр. 91

عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : ((دعوة ذِي النون إذ دعا بها وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فإنه لم يدع بها رجلٌ مسلمٌ في شيء قط إلا استجاب اللَّه له)) (١). ١٤ - دعوة من أصيب بمصيبة إذا دعا بالمأثور: عن أم سلمة ﵂ قالت: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: ((ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: إنا للَّه وإنا إليه راجعون، اللَّهم أْجُرني في مصيبتي، وأَخْلِف لي خيراً منها، إلا آجره اللَّه في مصيبته، وأخلف له خيراً منها))، قالت: فلما توفي أبو سلمة قلت كما أمرني رسول اللَّه ﷺ ، فأخلف لي خيراً منه: رسول اللَّه ﷺ (٢). ١٥ - دعوة من دعا بالاسم الأعظم: عن عبد اللَّه بن بريدة، عن أبيه قال: سمع النبي ﷺ رجلاً يدعو وهو يقول: اللَّهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت اللَّه لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، قال فقال: ((والذي نفسي بيده لقد سأل اللَّه باسمه الأعظم الذي إذا دُعي

стр. 92

به أجاب، وإذا سُئل به أعْطى)) (١). وعن أنس ﵁ أنه كان مع رسول اللَّه ﷺ جالساً ورجل يصلي ثم دعا: اللَّهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت، المنان، بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم. فقال النبي ﷺ : ((لقد دعا اللَّه باسمه العظيم الذي إذا دُعي به أجاب وإذا سُئل به أعطى)) (٢). ١٦ - دعوة الولد البار بوالديه: عن مالك عن يحيى بن سعيد أن سعيد بن المسيب كان يقول: إن الرجل ليرفع بدعاء ولده من بعده، وقال بيده نحو السماء فرفعهما (٣). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : ((إن اللَّه ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة فيقول: يا ربِّ أنَّى لي هذه؟ فيقول باستغفار ولدك لك)) (٤).

стр. 93

وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: ((إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)) (١). ومن ذلك حديث الثلاثة الذين انحدرت عليهم الصخرة؛ فإن منهم رجلاً كان برَّاً بوالديه، فتوسل بذلك العمل الصالح، فاستجاب اللَّه دعاءه (٢). ومن ذلك إخبار النبي ﷺ عن أفضل التابعين، وأنه لو أقسم على اللَّه لأبره، والسبب أن له والدة هو بها برٌ. فعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: ((يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن، من مراد، ثم من قرن، كان به برص فبرأ منه إلا موضع درهم، له والدة هو بها بر، لو أقسم على اللَّه لأبره، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل)) (٣). ١٧ - دعوة الحاج . ١٨ - دعوة المعتمر . ١٩ - دعوة الغازي في سبيل اللَّه:

стр. 94

لحديث ابن عمر عن النبي ﷺ قال: ((الغازي في سبيل اللَّه، والحاج، والمعتمر وفد اللَّه: دعاهم فأجابوه، وسألوه فأعطاهم)) (١). ٢٠ - دعوة الذاكر للَّه كثيراً: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((ثلاثة لا يُردُّ دُعاؤُهم: الذاكر للَّه كثيراً، ودعوة المظلوم، والإمام المقسط)) (٢). ٢١ - دعوة من أحبه اللَّه ورضي عنه: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : ((إن اللَّه تعالى قال: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحبّ إليَّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينّه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره المؤت وأنا أكره مساءَتهُ)) (٣). وهذا المحبوب المقرّب الذي له عند اللَّه منزلة عظيمة إذا سأل اللَّه شيئاً أعطاه، وإن استعاذ به من شيء أعاذه، وإن دعاه أجابه،

стр. 95

فيصير مجاب الدعوة لكرامته على ربه ، وقد كان كثير من السلف الصالح معروفاً بإجابة الدعوة (١)، وفي الصحيحين أن الرُّبيِّع بنت النضر كسرت ثنية جارية، فعرضوا عليهم الأرش فأبوا، فطلبوا منهم العفو فأبوا، فقضى بينهم رسول اللَّه ﷺ : بالقصاص، فقال أنس بن النضر: أتُكسر ثنية الرُّبيِّع؟ والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها، فرضي القوم، وأخذوا الأرش، فقال رسول اللَّه ﷺ : ((إن من عباد اللَّه من لو أقسم على اللَّه لأبره)) (٢)، وعن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((كم من ضعيف متضعَّف (٣) ذي طمرين لو أقسم على اللَّه لأبره منهم البراء بن مالك)) (٤)، ولفظه عند الترمذي: ((كم من أشعث أغبر ذي طمرين (٥) لا يُؤْبَهُ لهُ (٦) لو أقسم على اللَّه لأبرَّه، منهم البراء بن مالك)) (٧)، وكان الحرب إذا اشتدت على المسلمين في الجهاد يقولون: يا براء، أقسم على ربك، فيقول: يا رب أقسمت عليك لما منحتنا أكتافهم، فَيُهزم العدو، فلما كان يوم تُستر قال: أقسمت عليك

стр. 96

يا رب لما منحتنا أكتافهم، وجعلتني أول شهيد، فمنحوا أكتافهم، وقتل البراء شهيداً (١). وقد ذكر ابن رجب ‘ في جامع العلوم والحكم أمثلة كثيرة على استجابة اللَّه تعالى لكثير من عباده المؤمنين (٢)، وشيخ الإسلام ذكر أموراً عظيمة من ذلك في كتابه الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (٣)، وأبو بكر بن أبي الدنيا ذكر في كتابه ((كتاب مجابي الدعوة)) أموراً عظيمة (٤).

стр. 97

الفصل السابع: أهمية الدعاء ومكانته في الحياة المبحث الأول: افتقار العباد وحاجتهم إلى ربهم جميع الخلق مفتقرون إلى اللَّه تعالى في جلب مصالحهم ودفع مضارهم، في أمور دينهم ودنياهم، قال تعالى: ﴿يا أيها النَّاسُ أنتُمُ الفُقراءُ إلى اللَّه واللهُ هوَ الغنيُّ الحَميدُ﴾ (١)، ومما يوضح ذلك ويُبَيِّنُهُ حديث أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه أنه قال: ((يا عبادي، إني حرَّمت الظلم نفسي، وجعلته بينكم محرَّماً، فلا تظالموا، يا عبادي، كلُّكم ضالٌّ إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم، يا عبادي، كلُّكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي، كلُّكم عارٍ إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم، يا عبادي، إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعاً، فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي، إنّكم لن تبلغوا ضرّي فتضرّوني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنَّكم، كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي، لو أنّ أوّلكم وآخركم وإنسكم وجنّكم، كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئاً، يا عبادي، لو أنّ أوّلكم وآخركم وإنسكم وجنّكم، قاموا في صعيدٍ واحدٍ،

стр. 98

فسألوني، فأعطيت كل واحد مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي، إنّما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد اللَّه، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه)) (١). وهذا يقتضي أن جميع الخلق مفتقرون إلى اللَّه تعالى في جلب مصالحهم، ودفع مضارهم في أمور دينهم ودنياهم، وأن العباد لا يملكون لأنفسهم شيئاً من ذلك كله، وأن من لم يتفضل اللَّه عليه بالهدى والرزق، فإنه يحرمها في الدنيا، ومن لم يتفضل اللَّه عليه بمغفرة ذنوبه أوْبَقَتْه خطاياه في الآخرة (٢). المبحث الثاني: أهمُّ ما يسأل العبد ربه العبد يسأل ربه كل شيء يحتاجه في أمر دينه ودنياه؛ لأن الخزائن كلها بيده ، قال سبحانه: ﴿وإنْ من شيءٍ إلا عندَنا خزائِنُهُ وما نُنَزِّلهُ إلا بقدَرٍ مَّعلومٍ﴾ (٣)، وهو سبحانه لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، كما كان النبي ﷺ يقول: ((اللَّهمَّ لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجدِّ منك الجدُّ)) (٤)، أي لا ينفع

стр. 99

ذا الغنى منك غناه وإنما ينفعه الإيمان والطاعة (١). واللَّه تعالى يحب أن يسأله العباد جميع مصالح دينهم ودنياهم، من المطاعم والمشارب، كما يسألونه الهداية، والمغفرة، والعفو والعافية (٢) في الدنيا والآخرة، قال اللَّه تعالى: ﴿وسئَلُوا اللهَ من فضلِهِ إنَّ اللهَ كانَ بكلِّ شيءٍ عليماً﴾ (٣)، وعن أبي مسعود البدري ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : ((سلوا اللَّه من فضله فإن اللَّه يحب أن يُسأل، وأفضل العبادة انتظار الفرج)) (٤)، وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : ((ليسأل أحدكم ربَّه حاجتهُ كلَّها، حتى يسأل شِسْعَ نعْلِهِ إذا انقطع)) (٥). ولكن العبد يهتم اهتماماً عظيماً بالأمور المهمة العظيمة التي فيها السعادة الحقيقية ومن أهم ذلك ما يأتي: ١ - سؤال اللَّه الهداية ، لقوله تعالى: ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ

стр. 100

وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا﴾ (١)، والهداية نوعان: هداية مجملة، وهي الهداية للإيمان والإسلام، وهي حاصلة للمؤمن، وهداية مفصلة، وهي هدايته إلى معرفة تفاصيل أجزاء الإيمان والإسلام، وإعانته على فعل ذلك، وهذا يحتاج إليه كل مؤمن ليلاً ونهاراً، ولهذا أمر اللَّه عباده أن يقرأوا في كل ركعة من صلاتهم قوله تعالى: ﴿إيَّاكَ نعبُدُ وإيَّاكَ نستَعينُ﴾ (٢)، وكان النبي ﷺ يقول في دعائه الذي يستفتح به صلاته بالليل: (( ... اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم)) (٣)، وأوصى معاذ بن جبل ﵁ أن يقول دبر كل صلاة: ((اللَّهمَّ أعنِّي على ذكرك وشكرك، وحسن عبادتك)) (٤)، ومن دعائه ﷺ في استفتاح صلاة الليل: (( ... اهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيِّئها، لا يصرف عني سيئها إلا أنت)) (٥)، وقد أمر النبي ﷺ علي بن أبي طالب ﵁ أن يسأل اللَّه الهُدى والسداد: ((اللَّهم إني أسألك الهُدى والسداد)) (٦)، وعلَّم الحسن بن علي ﵁ أن يقول في قنوت

стр. 101

الوتر: ((اللَّهم اهدني فيمن هديت)) (١). ٢ - سؤال اللَّه مغفرة الذنوب ، لأن من أهم ما يسأل العبد ربه مغفرة ذنوبه، أو ما يستلزم ذلك كالنجاة من النار، ودخول الجنة (٢). والعبد محتاج إلى الاستغفار من الذنوب، وطلب مغفرة ذنوبه من اللَّه تعالى؛ لأنه يخطئ بالليل والنهار، واللَّه يغفر الذنوب جميعاً؛ ولعظم هذا الأمر قال ﵊: ((يا أيها الناس توبوا إلى اللَّه فإني أتوب في اليوم إليه مائة مرة)) (٣)، ولفظ النسائي: <يا أيها الناس، توبوا إلى اللَّه واستغفروه، فإني أتوب إلى اللَّه، وأستغفره كلّ يومٍ مائة مرّة، أو أكثر من مائة مرّة> (٤)، وعن ابن عمر ﵁ قال: إن كنَّا لنعدُّ لرسول اللَّه ﷺ في المجلس الواحد مائة مرة يقول: ((ربِّ اغفر لي وتب عليَّ إنك أنت التوابُ الرحيم)) (٥). ولفظ الترمذي ورواية عند الإمام أحمد: ((رب اغفر لي وتب عليَّ إنك أنت التواب

стр. 102

الغفور)) (١). وقال ﷺ : ((من قال أستغفر اللَّه العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه غفر اللَّه له وإن كان فرَّ من الزحف)) (٢). واللَّه يقول: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ (٤). وعن أنس ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: ((قال اللَّه تعالى: يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عَنَانَ السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً، لأتيتك بقرابها مغفرة)) (٥).

стр. 103

وكثيراً ما يُقْرَنُ الاستغفار بذكر التوبة، فيكون الاستغفار حينئذ عبارة عن طلب المغفرة باللسان، والتوبة عبارة عن الإقلاع عن الذنوب بالقلوب والجوارح، وقد وعد اللَّه في سورة آل عمران (١) بالمغفرة لمن استغفر من ذنوبه، ولم يصرَّ على ما فعله، فتحمل النصوص المطلقة في الاستغفار كلها على هذا المقيد، وأما استغفار اللسان مع إصرار القلب على الذنب، فهو دعاء مجرَّد، إن شاء اللَّه أجابه، وإن شاء ردَّه، وقد يكون الإصرار مانعاً من الإجابة (٢)، فعن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((ارحموا تُرحموا، واغفروا يغفر اللَّه لكم، ويل لأقماع القول (٣)، ويل للمصرين الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون)) (٤). وإن قال أستغفر اللَّه وأتوب إليه فله حالتان:

стр. 104

الحالة الأولى: أن يقول ذلك وهو مصر بقلبه على المعصية، فهذا كاذب في قوله: وأتوب إليه؛ لأنه غير تائب، فهو يخبر عن نفسه بأنه تائب وهو غير تائب. والثانية: أن يكون مقلعاً عن المعصية بقلبه، ويسأله توبة نصوحاً ويعاهد ربه على أن لا يعود إلى المعصية، فإن العزم على ذلك واجب عليه، فقوله: ((وأتوب إليه)) يخبر بما عزم عليه في الحال (١). ٣ - سؤال اللَّه الجنة والاستعاذة به من النار؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ لرجلٍ: ((ما تقول في الصلاة))؟ قال: أتشهد ثم أسأل اللَّه الجنة، وأعوذ به من النار. أما واللَّه ما أحسن دندنتك، ولا دندنة مُعاذ. فقال: ((حولها ندندنُ)) (٢)، يعني حول سؤال الجنة والنجاة من النار، وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : ((من سأل اللَّه الجنة ثلاث مرات قالت الجنة: اللَّهم أدخله الجنة، ومن استجار من النار ثلاث مرات قالت النار: اللَّهم أجره من النار)) (٣).

стр. 105

وعن ربيعة بن كعب الأسلمي ﵁ قال: كنت أبيت مع رسول اللَّه ﷺ فأتَيْتُهُ بِوَضُوئهِ وحاجته فقال لي: ((سَلْ)) فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة. قال: ((أو غير ذلك))؟ قلت: هو ذاك. قال: ((فأعني على نفسك بكثرة السجود)) (١)، وهذا يدل على كمال عقل ربيعة ﵁، ورغبة في أعظم المطالب العالية الباقية، وقد دلَّه ﷺ على كثرة السجود؛ لحديث ثوبان أنه قال للنبي ﷺ : أخبرني بعمل أعمله يدخلني اللَّه به الجنة، أو قال: بأحب الأعمال إلى اللَّه فقال: ((عليك بكثرة السجود، فإنك لا تسجد للَّه سجدة إلا رفعك اللَّه بها درجة، وحطَّ عنك بها خطيئة)) (٢). ٤ - سؤال اللَّه العفو والعافية في الدنيا والآخرة؛ لحديث العباس بن عبد المطلب قال: قلت: يا رسول اللَّه علمني شيئاً أسأله اللَّه؟ قال: ((سل اللَّه العافية)) فمكثت أياماً ثم جئت فقلت يا رسول اللَّه علمني شيئاً أسأله اللَّه؟ فقال لي: ((يا عباسُ، يا عمَّ رسول اللَّه: سل اللَّه العافية في الدنيا والآخرة)) (٣). ولحديث أبي بكر الصديق ﵁ أن النبي ﷺ قال على المنبر: ((سلوا اللَّه العفو والعافية؛ فإن أحداً لم يُعْطَ بعد اليقين خيراً من

стр. 106

العافية)) (١). ٥ - سؤال اللَّه تعالى الثبات على دينه ، وحسن العاقبة في الأمور كلها، لحديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵁ سمع رسول اللَّه ﷺ يقول: ((إنَّ قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد، يصرِّفه حيث شاء)) ثم قال رسول اللَّه ﷺ : ((اللَّهم مُصرِّف القلوب صرِّف قلوبنا على طاعتك)) (٢). وحديث أم سلمة ﵂ عندما سُئِلت عن أكثر دعائه إذا كان عندها، قالت: كان أكثر دعائه: ((يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك)). قالت: قلت: يا رسول اللَّه مالِ أكثر دعائك: ((يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك))؟ قال: ((يا أم سلمة، إنه ليس آدمي إلا وقلبه بين إصبعين من أصابع اللَّه، فمن شاء أقام، ومن شاء أزاغ)) (٣). ولحديث بسر بن أرطأة ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يدعو: ((اللَّهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها وأجرنا من خزي الدنيا

стр. 107

وعذاب الآخرة)) (١). ٦ - سؤال اللَّه تعالى دوام النعمة ، والاستعاذة به من زوالها، وأعظم النعم نعمة الدين؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول اللَّه ﷺ يقول: ((اللَّهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي، واجعل الحياة زيادةً لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر)) (٢). وعن عبد اللَّه بن عمر ﵁ قال: كان من دعاء رسول اللَّه ﷺ : ((اللَّهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحوّل عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك)) (٣). ٧ - الاستعاذة باللَّه من جهد البلاء ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ : ((كان يتعوَّذ من سوء القضاء، ومن درك الشقاء، ومن شماتة الأعداء، ومن جهد البلاء)) (٤). ٨ - سؤال الله الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد ؛

стр. 108

لحديث شداد بن أوس ﵁ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول: ((إِذَا كَنَزَ النَّاسُ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ، فَاكْنِزُوا هَؤُلاَءِ الْكَلِمَاتِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الأَمْرِ، وَالْعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ، وَأَسْأَلُكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ، وَحُسْنَ عِبَادَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ قَلْبًا سَلِيمًا، وَلِسَانًا صَادِقًا، وَأَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا تَعْلَمُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا تَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا تَعْلَمُ، إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ)) (١)، في لفظ: ((وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا كَلِمَاتٍ نَدْعُو بِهِنَّ فِي صَلاَتِنَا، أَوْ قَالَ فِي دُبُرِ صَلاَتِنَا، وذكره)) (٢)، وفي لفظ: ((أن رسول اللَّه ﷺ كان يقول في صلاته، وذكره)) (٣). هذه نماذج من أهم المطالب التي ينبغي للعبد أن لا يُغْفِلها، وعليه ألا يغفل الدعاء بالمغفرة له ولوالديه، وبالصلاح له ولذريته ولجميع المسلمين. وصلى اللَّه وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.