[عمر]: إني أشهدكم معشر المسلمين على حكيمٍ أني أعرض عليه حقهُ من هذا الفيء فيأبى أن يأخذه، فلم يرزأ حكيمٌ أحداً من الناس بعد رسول الله [ ﷺ ] حتى توفي)) (١).
الحديث السادس: حديث عوف بن مالك ﵁ قال: كنا عند رسول الله ﷺ : تسعة أو ثمانية، أو سبعة فقال: ((ألا تبايعون رسول الله؟)) -وكنا حديثَ عهدٍ ببيعة - قلنا: قد بايعناك يا رسول الله، ثم قال: ((ألا تبايعون رسول الله؟)) فقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، ثم قال: ((ألا تبايعون رسول الله؟)) قال: فبسطنا أيدينا, وقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، فعلامَ نبايعك؟ قال: ((على أن
تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً, والصلوات الخمس، [وتسمعوا] وتطيعوا)) وأسر كلمة خفية، ((ولا تسألوا الناس شيئاً)) , فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فما يسأل أحداً [أن] يناوله إيَّاه)) (٢).
الحديث السابع: حديث ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من يكفل لي أن لا يسأل الناس شيئاً وأتكفَّلُ له بالجنة؟)) فقال ثوبان: أنا؛ فكان لا يسأل أحداً شيئاً)) (٣).
الحديث الثامن: حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم تسدّ فاقته، ومن أنزلها بالله أوشك الله له
стр. 107
بالغنى، إما بموت عاجل، أو غنى عاجل)) (١).
٢ - المسألة الجائز وردت في أحاديث منها:
الحديث الأول: حديث قبيصة بن مخارق الهلالي ﵁ قال: تحملتُ حمالة (٢)، فأتيتُ رسول الله ﷺ أسأله فيها، فقال: ((أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها)) ثم قال: ((يا قبيصة إن المسألة لا تحلُّ إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمَّل حمالةً فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له
المسألة حتى يصيب قواماً (٣) من عيش - أو قال - سداداً من عيش، ورجل أصابته فاقة (٤) حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجا (٥) من قومه: لقد أصابت فلاناً فاقة, فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش - أو قال - سداداً من عيش، فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحتاً (٦) يأكلها صاحبها سحتاً)) (٧).
الحديث الثاني: حديث سمرة ﵁ وفيه: (( ... إلا أن يسأل الرجل ذا سلطانٍ، أو في أمر لا يجد منه بُدًّا)) (٨).
стр. 108
٣ - لا يسأل بوجه الله إلا الجنة ؛ لحديث أبي موسى الأشعري ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ((ملعون من سأل بوجه الله، وملعون من سُئل بوجه الله ثم منع سائله، ما لم يسأل هجراً (١))) (٢). وعن رفاعة ﵁ أن
رسول الله ﷺ قال: ((ملعون من سأل بوجه الله وملعون من سُئل بوجه الله فمنع سائله)) (٣).
وعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : ((من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سأل بالله فأعطوه، ومن دعاكم فأجيبوه، ومن صنع إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له، حتى تروا أنكم قد كافأتموه)) (٤). وفي حديث معاوية بن حيدة ﵁: ((وإني أسألك بوجه الله بما بعثك ربك إلينا؟ قال: ((بالإسلام)) الحديث (٥).
стр. 109
وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: ((وهذا لا بأس به، والسؤال بوجه الله لا يسأل به إلا الجنة، أو ما يقرب إليها، وهذا مما يقرب إليها)) (١).
وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((ألا أخبركم بخير الناس منزلاً؟)) قلنا: بلى يا رسول الله، قال: ((رجل آخذ برأس فرسه في سبيل الله حتى يموت أو يقتل، وأخبركم بالذي يليه؟)) قلنا: نعم يا رسول الله، قال: ((رجل معتزل في شعب يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويعتزل شرور الناس، وأخبركم بشر الناس؟)) قلنا: نعم يا رسول الله، قال: ((الذي
يُسأل بالله ولا يعطى به)) (٢).
وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يذكر أن هذا فيمن سأل حقاً له؛ كأن يقول: أسألك بالله أن تقضيني ديني الذي عندك، أو يقول: أسألك بالله أن لا تؤذيني، أو غير ذلك، أما من سأل بالله بغير حق فلا تجب إجابته, كأن يقول: أسألك بالله أن تعطيني أموالك، أو غير ذلك فيما لا حق له فيه.
٤ - قبول العطاء من غير مسألة ولا إشراف ؛ لحديث عمر بن الخطاب ﵁، قال: قد كان رسول الله ﷺ يعطيني العطاء، فأقول: أعطه أفقر إليه منِّي، حتى أعطاني مرة مالاً، فقلت: أعطه أفقر إليه مني، فقال رسول الله ﷺ : ((ما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف (٣) ولا سائل،
стр. 110
فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك)) وفي لفظ: ((خذه فتموَّله أو تصدق به، وما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه، وما لا (١) فلا تتبعه نفسك)) قال سالم: فمن أجل ذلك كان ابن عمر لا يسأل أحداً شيئاً، ولا يردُّ شيئاً أُعطيه)) (٢).
الحادي والعشرون: الزهد و الورع:
الورع: هو الكف عما لا ينبغي، ثم استعير للكف عن المباح والحلال (٣).
ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أن الزهد: ترك ما لا ينفع في الآخرة، والورع: ترك ما يُخاف ضرره في الآخرة (٤). قال ابن القيم رحمه الله تعالى: ((وهذه العبارة من أحسن ما قيل: في الزهد، والورع، وأجمعها)) (٥).
وقال الإمام أحمد ﵀: ((الزهد على ثلاثة أوجه:
стр. 111
الأول: ترك الحرام، وهو زهد العوام .
والثاني: ترك الفضول من الحلال، وهو زهد الخواص .
الثالث: ترك ما يشغل عن الله، وهو زهد العارفين (١).
ولا يُعلِّقُ المؤمن قلبه بالدنيا؛ فإنه ﷺ قال في حديث أبي هريرة ﵁: ((الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر)) (٢).
قال الإمام النووي ﵀: ((ومعناه أن كل مؤمن مسجون ممنوع في الدنيا: من الشهوات المحرمة، والمكروهة، مكلف بفعل الطاعات
الشاقة، فإذا مات استراح من هذا، وانقلب إلى ما أعد الله تعالى له، من النعيم الدائم، والراحة الخاصة، من النقصان، وأما الكافر فإنما له من ذلك ما حصل في الدنيا مع قلته، وتكديره بالمنغصات، فإذا مات صار إلى العذاب الدائم، وشقاء الأبد)) (٣).
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((رُبَّ أشعث مدفوع بالأبواب، لو أقسم على الله لأبره)) (٤).
وعن عائشة ﵂ قالت: ((توفي رسول الله ﷺ وما في رفي من شيء يأكله ذو كبدٍ إلا شطر شعير (٥) في رفٍّ لي، فأكلت منه حتى طال عليَّ،
стр. 112
فكلته، ففني)) (١).
وعن النعمان بن بشير ﵁ قال: ((ألستم في طعام وشراب ما شئتم، لقد رأيت نبيكم ﷺ ما يجد من الدَّقل (٢) ما يملأ به بطنه)) (٣). وفي لفظ عن عمر: ((لقد رأيت رسول الله ﷺ يظل اليوم يلتوي ما يجد دقلاً يملأ به بطنه)) (٤).
وينبغي للعبد المسلم أن يعلم بأن الدنيا فانية وزائلة, وكل ما فيها يتغير ويزول؛ لأنها إلى الآخرة طريق، وهي مزرعة للآخرة على
التحقيق، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة على النحو الآتي:
أما الأدلة من الكتاب الكريم العزيز:
١ - فقال الله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ*وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٥).
٢ - وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ
٩ - وقال الله : ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (١).
١٠ - وقال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (٢).
١١ - وقال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو
الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (٣).
١٢ - وقال تعالى عن مؤمن آل فرعون: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآَخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ (٤).
وأما الأدلة من السنة المطهرة ، فقد زهَّد النبي ﷺ الناس في الدنيا، ورغَّبهم في الآخرة، بفعله وقوله ﷺ .
١ - أما فعله فمنه حديث عائشة ﵂ قالت: ((خرج النبي ﷺ ولم يشبع من خبز الشعير)) (٥).
стр. 115
٢ - وقالت: ((ما أكل آل محمد أكلتين في يوم إلا إحداهما تمر)) (١).
٣ - وقالت: ((إنا كنا لننظر إلى الهلال ثلاثة أهلَّة في شهرين وما أوقدت في أبيات رسول الله ﷺ نار، فقال عروة: ما كان يقيتكم؟ قالت: الأسودان: التمر والماء)) (٢).
٤ - وقال ﷺ : ((لو كان لي مثل أُحد ذهباً ما يسرني أن لا يمر عليَّ ثلاث وعندي منه شيء إلا شيء أرصُدُهُ لدَيْن)) (٣).
٥ - وقد ثبت عنه ﷺ أنه اضطجع على حصير فأثَّر في جنبه ، فدخل
عليه عمر بن الخطاب ﵁، ولما استيقظ جعل يمسح جنبه فقال: يا رسول الله لو أخذت فراشاً أوثر من هذا؟ فقال ﷺ : ((ما لي وللدنيا، ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار ثم راح وتركها)) (٤).
٦ - وقال أبو هريرة ﵁: ((ما شبع آل محمد من طعام ثلاثة أيام حتى قبض)) (٥). والمقصود أنهم لم يشبعوا ثلاثة أيام متوالية، والظاهر أن سبب عدم شبعهم غالباً كان بسبب قلة الشيء عندهم، على أنهم قد
стр. 116
يجدون, ولكن يؤثرون على أنفسهم (١).
٧ - وعن عائشة ﵂ قالت: ((كان فراش رسول الله ﷺ من أدَم وحشوُهُ ليف)) (٢).
٨ - ومع هذا كله يقول ﷺ : ((اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً)) (٣).
٩ - وقال ﷺ : ((قد أفلح من أسلم، ورُزِق كفافاً, وقنَّعَه الله بما آتاه)) (٤).
وأما قوله في التزهيد في الدنيا والتحذير من الاغترار بها، فكثير، ومنه:
١٠ - دخل النبي ﷺ السوق يوماً فمرَّ بجدي صغير الأذنين ميت ، فأخذه بأذنه ثم قال: ((أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟)) قالوا: ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟ قال: ((أتحبون أنه لكم؟)) قالوا: والله لو كان حيًّا كان عيباً فيه؛ لأنه أسكٌّ (٥) فكيف وهو ميت؟ فقال: ((فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم)) (٦).
١١ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه؛ جعل الله فقره بين عينيه، وفرَّق عليه
стр. 117
شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له)) (١).
١٢ - عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((من أحب دنياه أضرَّ بآخرته ، ومن أحب آخرته أضر بدنياه، فآثروا ما يبقى على ما يفنى)) (٢).
١٣ - عن أبي موسى الأشعري ﵁ أنه لما حضرته الوفاة قال: يا معشر الأشعريين، ليبلغ الشاهد الغائب، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((حلاوة الدنيا مرةُ الآخرة، ومرةُ الدنيا حلاوة الآخرة)) (٣)(٤).
١٤ - أول من يدخل الجنة: الأتقى الأزهد في الدنيا:
على المسلم أن يعلم أن الداخلين إلى الجنة يكون أسبقهم إليها دخولاً أتقاهم لله تعالى، وأعلمهم به ، وأزهدهم في الدنيا على النحو الآتي:
١ - أول من يدخل الجنة: محمد ﷺ -.
عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((آتي باب الجنة يوم القيامة، فأستفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول محمد، فيقول: بك أُمِرتُ لا أفتحُ لأحدٍ قبلك)) (٥).
стр. 118
وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أنا أكثر الأنبياء تبعاً يوم القيامة، وأنا أول من يقرع باب الجنة)) (١).
٢ - أمة محمد ﷺ -.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، ونحن أول من يدخل الجنة، بيد أنهم أُوتوا الكتاب من قبلنا وأُوتيناه من بعدهم فاختلفوا فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق، فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه، هدانا الله له (قال: يوم الجمعة) فاليوم لنا، وغداً لليهود، وبعد غد للنصارى)) (٢).
٣ - الفقراء:
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام، نصف يوم)) (٣). وفي لفظ للترمذي: ((يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم وهو خمسمائة عام)) (٤).
وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((يدخل فقراء المسلمين قبل أغنيائهم بأربعين خريفاً)) (٥).
стр. 119
وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة إلى الجنة بأربعين خريفاً)) (١).
والجمع بين الحديثين والله أعلم: أن الفقراء منهم من يسبق الأغنياء بخمسمائة عام، ومنهم من يسبق بأربعين عاماً، بحسب أحوال الفقراء والأغنياء, كما يتأخر مكث العصاة الموحدين بسبب أحوالهم. ولا يلزم من سبق الفقراء في الدخول ارتفاع منازلهم عليهم؛ بل قد يكون المتأخر أعلى منزلة وإن سبقه غيره في الدخول، فالغني إذا حوسب على غناه فوُجِدَ قد شكر الله تعالى فيه، وتقرب إليه بأنواع البر، والخير، والصدقة، والمعروف كان أعلى درجة من الفقير الذي سبقه في الدخول، ولم يكن له تلك الأعمال،
ولاسيما إذا شاركه الغني في أعماله وزاد عليه فيها، والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً. فالمزية مزيتان: السبق، والرفعة، وقد يجتمعان وينفردان، فيحصل لواحد السبق والرفعة، ويعدمهما آخر، ويحصل لآخر السبق دون الرفعة، ولآخر الرفعة دون السبق، وهذا بحسب المقتضى للأمرين أو لأحدهما وعدمه وبالله التوفيق (٢).
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.