← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 96498

صدقة التطوع في الإسلام

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (119 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

((فليعمل بيده فينفع نفسه ويتصدق)) قالوا: فإن لم يستطع أو لم يفعل؟ قال: ((يعين ذا الحاجة الملهوف)) قالوا: فإن لم يجد؟ قال: ((فليأمر بالخير)) أو قال: ((بالمعروف))، قال: فإن لم يفعل؟ قال: ((فليمسك عن الشر فإنه له صدقة)) (١). ٦ - العدل بين الناس، وإعانتهم، والكلمة الطيبة، صدقات ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((كل سلامى (٢) من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس: تعدل بين اثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة تخطوها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة)) (٣). ٧ - صلاة الضحى تُجزيء عن ثلاثمائة وستين صدقة ؛ عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((يصبح على كل سلامى (٤) من أحدكم صدقة: فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة،

стр. 72

وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويُجزىءُ عن ذلك ركعتان يركعهما من الضحى)) (١). وعن بريدة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((في الإنسان ثلاثمائة وستون مفصلاً، فعليه أن يتصدق عن كل مفصل بصدقة)). قالوا: ومن يطيق ذلك يا نبي الله؟ قال: ((النخاعةُ في المسجد تدفنها، والشيء تُنحّيه عن الطريق؛ فإن لم تجد فركعتا الضحى تُجزئك)) (٢). ٨ - التسبيح والتكبير، والتحميد في دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين مرة يجزئ عن الصدقات بأموال كثيرة، لمن لم يجد المال؛ لحديث أبي هريرة في قصة فقراء المهاجرين وأنهم أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: ذهب أهل الدثور (٣) من الأموال بالدرجات العلى، والنعيم المقيم [فقال: ((وما ذاك؟)) قالوا:] يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضل أموال يحجون بها، ويعتمرون، ويجاهدون، ويتصدقون، فقال: ((أفلا أعلمكم شيئاً تدركون به من سبقكم، وتسبقون به من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم؟)) قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ((تسبحون، وتكبرون، وتحمدون في دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين مرة)) فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله ﷺ فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله، فقال رسول الله ﷺ : ((ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء)) (٤).

стр. 73

٩ - الدلالة على فعل الصدقات صدقات مثلها ؛ لحديث أبي مسعود ﵁، عن النبي ﷺ قال: ((من دل على خير فله مثل أجر فاعله)) (١). ١٠ - لا يترك الله تعالى من العمل شيئاً ؛ لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ : (( ... فاعمل من وراء البحار, فإن الله لن يترك من عملك شيئاً)) (٢). الرابع عشر: مبطلات الصدقات على النحو الآتي: ١ - الرياء يبطل الصدقة إذا قارنها ؛ فقد ذم الله تعالى من فعل ذلك, فقال: ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا * وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ (٤). وقال سبحانه: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ

стр. 74

ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ (١). ولحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه)) (٢). ٢ - المن والأذى يبطل الصدقات ؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ (٣). وقد مدح الله الذين ينفقون أموالهم إخلاصاً لله، ولا يتبعون ذلك بأي أذى فقال: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ (٤). وعن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم)) قال: فقرأها رسول الله ﷺ ثلاث مرات، قال: أبو ذرٍّ: خابوا وخسروا، مَن هم يا رسول الله؟ قال: ((المسبل إزاره، والمنَّان، والمنفِّق سلعته بالحلف الكاذب)) (٥).

стр. 75

٣ - الغلول لا تقبل الصدقة منه ؛ لحديث عبد الله ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((لا تقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول)) (١). الخامس عشر: موضوعات متنوعة في الصدقات ، منها: ١ - المبادرة بالصدقة واغتنام إمكانها قبل أن يحال بين المسلم وبينها ؛ لحديث حارثة بن وهب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((تصدقوا فيوشك الرجل يمشي بصدقته فيقول الذي أعطيها لو جئتنا بها بالأمس قبلناها، فأما الآن فلا حاجة لي بها فلا يجد من يقبلها)) (٢). وعن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((ليأتين على الناس زمان يطوف الرجل فيه بصدقته من الذهب ثم لا يجد أحداً يأخذها منه، ويُرى الرجل الواحد يتبعه أربعون امرأة يلذن به (٣) من قلة الرجال وكثرة النساء)) (٤). وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لا تقوم الساعة حتى يكثر المال ويفيض، حتى يخرج الرجل بزكاة ماله فلا يجد أحداً يقبلها منه، وحتى تعود أرض العرب مروجاً وأنهاراً)) (٥).

стр. 76

قال النووي ﵀: ((حتى تعود أرض العرب مروجاً وأنهاراً)) معناه والله أعلم: ((أنهم يتركونها ويعرضون عنها فتبقى مهملة لا تزرع ولا تسقى من مياهها؛ وذلك لقلة الرجال وكثرة الحروب، وتراكم الفتن، وقرب الساعة، وقلة الآمال، وعدم الفراغ لذلك، والاهتمام به)) (١). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((تقيء الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان من الذهب والفضة فيجيء القاتل فيقول: في هذا قتلت، ويجيء القاطع فيقول: في هذا قطعت رحمي، ويجيء السارق فيقول: في هذا قُطعت يدي، ثم يدعونه ولا يأخذون منه شيئاً)) (٢). قال النووي ﵀: ((ومعنى الحديث: التشبيه: أي تخرج ما في جوفها من القطع المدفونة فيها، والأسطوان بضم الهمزة، وهي جمع أسطوانة، وهي السارية والعمود، وشبهه بالأسطوان؛ لعظمه وكثرته)) (٣). ٢ - ضرب المثل للمنفق والبخيل ، يرغب في الصدقة ويحذر عن البخل؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ((مثل البخيل والمنفق [وفي رواية البخيل والمتصدق] كمثل رجلين عليهما جُبَّتان [وفي رواية: جنتان] من حديد [قد اضطرت أيديهما] من ثُديهما إلى تراقيهما، فأما المنفق فلا ينفق إلا سبغت أو وفَرَتْ على جلده حتى تخفي بنانه، وتعفو أثره، وأما البخيل فلا يريد أن ينفق شيئاً إلا لزقت كلُّ حلقة مكانها [وانضمت يداه إلى تراقيه] فهو [يجتهد أن] يوسعها ولا تتسع))

стр. 77

قال [أبو هريرة ﵁: فأنا رأيت رسول الله ﷺ يقول بإصبعه: هكذا في جيبه، فلو رأيته يوسعها ولا تتسع))] (١). قيل: هو تمثيل لنماء المال بالصدقة والإنفاق، والبخل بضد ذلك. وقيل: هو تمثيل لكثرة الجود والبخل، وأن المعطي إذا أعطى انبسطت يداه بالعطاء وتعوّد ذلك، وإذا أمسك صار ذلك عادة له. وقيل: معنى يمحو أثره: أي يذهب بخطاياه ويمحوها, والحديث جاء على التمثيل لا على الخبر عن كائن. وقيل: ضرب المثل بهما؛ لأن المنفق يستره الله تعالى بنفقته، ويستر عوراته في الدنيا والآخرة، كستر هذه الجنة لابسها، والبخيل كمن لبس جبة إلى ثدييه، فيبقى مكشوفاً بادي العورة مفتضحاً في الدنيا والآخرة (٢). وقيل: هذا مثل ضربه النبي ﷺ للبخيل والمتصدق، فشبههما برجلين أراد كل واحد منهما أن يلبس درعاً يستتر به من سلاح عدوِّه، فصبها على رأسه ليلبسها، والدرع أول ما تقع على الصدر والثديين إلى أن يدخل الإنسان يديه في كميها، فجعل المنفق كمن لبس درعاً سابغة فاسترسلت عليه حتى سترت جميع بدنه، وهو معنى قوله: ((حتى تعفوَ أثره)) أي تستر جميع بدنه. وجعل البخيل كمثل رجل غُلَّت يداه إلى عنقه, كلما أراد لبسها اجتمعت في عنقه فلزمت ترقوته، وهو معنى قوله: ((قلصت)) أي: تضامت واجتمعت، والمراد أن الجواد إذا هم بالصدقة

стр. 78

انفسح لها صدره وطابت نفسه، فتوسعت في الإنفاق، والبخيل إذا حدَّث نفسه بالصدقة شحت نفسه فضاق صدره وانقبضت يداه ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١) (٢). وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: ((هذا مثل عظيم لانشراح نفس المنفق ومحبته [للنفقة] ومثل لضيق صدر البخيل الممسك، والعلاج: أن يذكر أن الله الذي أعطاه المال، ويسأل ربه أن يشرح صدره)) (٣). وسمعته في موضع آخر يقول: ((البخيل كلما أراد أن يتصدق ضاق صدره ومنعه الشحّ، وخوفه من المستقبل، والكريم كلما أراد أن يتصدق انشرح صدره، وزاده ثقة بالله)) (٤). ٣ - ثبوت أجر المتصدق وإن وقعت الصدقة في يد غير أهلها ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((قال رجل: لأتصدقن الليلة بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية، فأصبحوا يتحدثون: تُصُدِّق الليلة على زانية، قال: اللهم لك الحمد على زانية، لأتصدقن بصدقة فخرج بصدقته فوضعها في يد غنيٍّ، فأصبحوا يتحدثون، تُصُدِّق على غني، قال: اللهم لك الحمد على غني، لأتصدقن بصدقة فخرج بصدقته فوضعها في يد سارق، فأصبحوا يتحدثون: تُصدِّق على سارق، فقال: اللهم لك الحمد: على زانية،

стр. 79

وعلى غني، وعلى سارق، فأُتي فقيل له: أما صدقتك فقد قبلت: أما الزانية فلعلها تستعفف بها عن زناها، ولعل الغني يعتبر فينفق مما أعطاه الله، ولعل السارق يستعفف بها عن سرقته)) (١). قال النووي ﵀: (( ... فيه ثبوت الثواب في الصدقة وإن كان الآخذ فاسقاً وغنياً ... وهذا في صدقة التطوع، وأما الزكاة فلا يُجزىء دفعها إلى غني)) (٢). وقال الحافظ ابن حجر ﵀: ((واختلف الفقهاء في الإجزاء إذا كان ذلك في زكاة الفرض، ولا دلالة في الحديث على الإجزاء ولا على المنع)) (٣). وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: ((والظاهر أن صدقته تجزئ عن الفرض؛ لأنه لم يتعمد مخالفة الشرع؛ ولأن الله قبل صدقته، والزانية والسارق إذا كانا فقيرين تدفع لهما الزكاة)) (٤). ٤ - إذا تصدَّق على ابنه وهو لا يشعر ، فعن معن بن يزيد ﵁ قال: بايعت رسول الله ﷺ ، أنا، وأبي، وجدي، وخطب عليَّ فأنكحني (٥) وخاصمت إليه (٦) وكان أبي يزيد أخرج دنانير يتصدق بها، فوضعها عند

стр. 80

رجل في المسجد، فجئتُ فأخذتها فأتيته بها، فقال: والله ما إيَّاك أردت. فخاصمته إلى رسول الله ﷺ فقال: ((لك ما نويتَ يا يزيد، ولك ما أخذتَ يا معن)) (١). وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: ((هذه صدقة تطوع، ولعل ابنه كان فقيراً، ولا تلزم والده نفقته؛ لأنه لا يستطيع الإنفاق عليه؛ لأنه معطل عن الكسب)) (٢). ٥ - صدقة الخازن إذا تصدق بأمر صاحب المال ؛ لحديث أبي موسى عن النبي ﷺ قال: ((الخازن المسلم، الأمين الذي ينفذ - وربما قال: يعطي - ما أُمر به كاملاً، موفَّراً طيباً به, فيدفعه إلى الذي أُمر له به أحد المتصدقين)) (٣). ٦ - أجر الخادم إذا تصدق بأمر صاحبه غير مفسدٍ ؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: قال النبي ﷺ : ((إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها غير مفسدة كان لها أجرها بما أنفقت, ولزوجها أجره بما كسب، وللخازن مثل ذلك لا ينقص بعضهم أجر بعضٍ شيئاً)) (٤).

стр. 81

٧ - أجر المرأة إذا تصدقت أو أطعمت من بيت زوجها غير مفسدة ؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: قال النبي ﷺ : ((إذا أطعمت المرأة من بيت زوجها غير مفسدة، لها أجرها، وله مثله، وللخازن مثل ذلك، له بما كسب ولها بما أنفقت)) (١). قال الإمام النووي ﵀: ((واعلم أنه لا بد للعامل وهو الخازن، وللزوجة، والمملوك من إذن المالك في ذلك، فإن لم يكن أذِنَ أصلاً فلا أجر لأحد من هؤلاء الثلاثة, بل عليهم وزر بتصرفهم في مال غيرهم بغير إذنه، والإذن ضربان: أحدهما: الإذن الصريح في النفقة والصدقة، والثاني: الإذن المفهوم من اطراد العرف، والعادة، كإعطاء السائل كسرة ونحوها مما جرت العادة به، واطرد العرف فيه، وعُلِمَ بالعرف رضاء الزوج والمالك به، فإذنه في ذلك حاصل وإن لم يتكلم، وهذا إذا علم رضاه، لاطراد العرف، وعلم أن نفسه كنفوس غالب الناس في السماحة بذلك والرضا به، فإن اضطرب العرف وشك في رضاه أو كان شخصاً يشح بذلك، وعلم من حاله ذلك أو شك فيه لم يجز للمرأة وغيرها التصدق من ماله إلا بصريح إذنه)) (٢). ٨ - صدقة العبد بإذن مواليه ؛ لحديث عمير مولى أبي اللخم قال: كنت مملوكاً فسألت رسول الله ﷺ : أأتصدق من مال مواليِّ بشيء؟ قال: ((نعم، والأجر بينكما نصفان)) (٣).

стр. 82

قال الإمام النووي ﵀: ((هذا محمول على ما سبق أنه استأذن في الصدقة بقدر يعلم رضا سيده به)) (١). قال النووي ﵀: ((والأجر بينكما نصفان أي لكل منكما أجر, وليس المراد أن أجر نفس المال يتقاسمانه)) (٢). وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تصم المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه، ولا تأذن في بيته وهو شاهد إلا بإذنه، وما أنفقت من كسبه من غير أمره فإن نصف أجره له)) (٣). قال الإمام النووي ﵀: ((معناه من غير إذنه الصريح في ذلك القدر المعين, ويكون معها إذن عام سابق متناول لهذا القدر وغيره ... )) (٤). وسمعت شيخنا ﵀ يقول في قوله ﷺ : ((إذا تصدقت المرأة من طعام زوجها ... الحديث)): ((هذا إذا أمر الزوج [بذلك] أو كان عليه العرف، وإذا علم لم يمنع)) (٥). ٩ - من أنفق زوجين في سبيل الله دُعي من أبواب الجنة ؛ لحديث أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: ((من أنفق زوجين في سبيل الله نودي من أبواب الجنة: يا عبد الله هذا خير: فمن كان من أهل الصلاة دُعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل

стр. 83

الصيام دعي من باب الريان، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة)) قال أبو بكر ﵁ عنه: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! ما على من دُعي من تلك الأبواب من ضرورة؟ فهل يُدعى أحدٌ من تلك الأبواب كلِّها؟ قال: ((نعم، وأرجو أن تكون منهم)) (١). قال الحافظ ابن حجر ﵀: ((والمراد بالزوجين: إنفاق شيئين من أي صنف من أصناف المال من نوع واحد)) (٢). وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يذكر أن الزوجين: كثوبين، أو درهمين، أو شاتين، والمراد نوعين من المال، والظاهر أنه زوجين من مال واحد، ولعل الأقرب من المراد بقوله ((في سبيل الله)) أنه طاعة الله، وإذا كان في الجهاد فهو أولى، وقُرئ عليه وأنا أسمع: قال العيني في شرح البخاري: ((الزوجان: إن كان صاحب إبل فبعيرين، وإن كان صاحب بقر فبقرتين، وإن كان صاحب خيل ففرسين))، فقال شيخنا: ((والمقصود أن فضل الله واسع)) (٣). ١٠ - صدقة كفالة اليتيم ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((كافل اليتيم له أو لغيره أنا وهو كهاتين في الجنة)) وأشار مالك بالسبابة والوسطى (٤).

стр. 84

وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((اللهم إني أُحرِّج (١) حق الضعيفين: اليتيم والمرأة)) (٢). ١١ - الساعي على الأرملة والمسكين، له الأجر العظيم ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((الساعي على الأرملة والمسكين، كالمجاهد في سبيل الله، أو القائم الليل الصائم النهار)). وفي لفظ للبخاري: ((وأحسبه قال - يشك القعنبيُّ: ((كالقائم لا يفتر، والصائم لا يفطر))، وفي لفظ للبخاري: ((أو كالذي يصوم النهار ويقوم الليل)). ولفظ مسلم: ((الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله - وأحسبه قال: وكالقائم لا يفتر والصائم لا يفطر)) (٣). ١٢ - الصدقة الخالصة سماها الله قرضاً حسناً ؛ لقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ (٥). وقال تعالى: ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ

стр. 85

لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ (١). قال العلامة السعدي ﵀ في القرض الحسن: ((وهي النفقة الطيبة، التي تكون خالصة لوجه الله، موافقة لمرضاة الله، من مال حلال طيب، طَيِّبةً به نفسه، وهذا من كرم الله تعالى حيث سماه قرضاً، والمال ماله، والعبد عبده، ووعد بالمضاعفة عليه أضعافاً كثيرة، وهو الكريم الوهاب، وتلك المضاعفة محلها وموضعها يوم القيامة، يوم كلّ يتبيَّن فقره ويحتاج إلى أقل شيء من الجزاء الحسن)) (٢). وقال في موضع آخر عن القرض الحسن: ((كل نفقة كانت من الحلال إذا قصد بها العبد وجه الله تعالى، وطلب مرضاته ووضعها في موضعها)) (٣). قال الله تعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاء﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ (٥). وقال تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (٦). ١٣ - لا يشتري المسلم صدقته ؛ لحديث عمر ابن الخطاب ﵁ قال:

стр. 86

حملت (١) على فرس عتيقٍ في سبيل الله فأضاعه صاحبه (٢)، فظننت أنه بائعه برُخصٍ، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: ((لا تبتعه ولا تعد في صدقتك؛ [وإن أعطاكه بدرهم] فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه)) (٣). وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: ((الحاصل أن النهي عن شراء الصدقة عام, فلا يجوز شراء الصدقة التي تصدق بها مطلقاً: لا بنية الصدقة, [بها] , ولا غيرها؛ لأن البائع يتسامح مع المتصدق، والنهي يعم الصدقة والهبة جميعاً)) (٤). ١٤ - الشفاعة في الصدقة ؛ لحديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا جاءه السائل أو طُلبت إليه حاجته قال: ((اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء)) (٥). قال النووي ﵀: ((فيه استحباب الشفاعة لأصحاب الحوائج المباحة، سواء كانت الشفاعة إلى سلطان ووالٍ ونحوهما, أم إلى واحد من الناس، وسواء كانت الشفاعة إلى سلطان في كفِّ ظلم، أو إسقاط تعزير، أو في تخليص عطاءٍ لمحتاج، أو نحو ذلك، وأما الشفاعة في الحدود

стр. 87

فحرام، وكذلك الشفاعة في تتميم باطل أو إبطال حق, ونحو ذلك فهي حرام)) (١). قال الله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ (٢). قال البخاري ﵀: ﴿كِفْلٌ﴾ نصيب، قال أبو موسى ﴿(كِفْلَيْنِ﴾ (٣): أي: أجرين بالحبشية)) (٤). قال الحافظ ابن حجر ﵀: (( ... أراد المصنف أن الكفل يُطلق ويراد به النصيب، ويُطلق ويراد به الأجر، وأنه في آية النساء بمعنى الجزاء، وفي آية الحديد بمعنى الأجر)) (٥). ١٥ - صدقة الكافر يثاب عليها إذا أسلم ومات على الإسلام ؛ لحديث حكيم بن حزام ﵁ قال: قلت يا رسول الله! أرأيت أموراً كنت أتحنَّث (٦) بها في الجاهلية: من صدقةٍ، أو عتاقةٍ، أو صلة رحم، فهل فيها من أجر؟ فقال رسول الله ﷺ : ((أسلمت على ما أسلفت من خير)). وفي لفظ: ((أسلمت على ما سلف من خير)) (٧). ١٦ - الصدقة على السائل ولو أفحش في المسألة ؛ لحديث عمر بن

стр. 88

الخطاب ﵁، قال: قسم رسول الله ﷺ قسماً، فقلت: والله يا رسول الله لغير هؤلاء كان أحقَّ به منهم؛ قال: ((إنهم خيَّروني بين أن يسألوني بالفحش أو يبخِّلوني فلست بباخل)) (١). وعن أنس بن مالك ﵁ قال: كنت أمشي مع رسول الله ﷺ وعليه رداءٌ نجراني غليظ الحاشية فأدركه أعرابي فجبذه بردائه جبذة شديدة نظرت إلى صفحة عنق رسول الله ﷺ وقد أثرت بها حاشية الرداء من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد! مُرْ لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه رسول الله ﷺ ، فضحك ثم أمر له بعطاء)) (٢). ١٧ - الصدقة إذا بلغت محلها جازت لمن حُرِّمت عليه ؛ لحديث أم عطية ﵂، قالت: بعث إليَّ رسول الله ﷺ بشاة من الصدقة فبعثتُ إلى عائشة منها بشيء، فلما جاء رسول الله ﷺ إلى عائشة قال: ((هل عندكم شيء؟)) قالت: لا، إلا أن نُسيبَةَ بعثتْ إلينا من الشاة التي بعثتم بها إليها قال: ((إنها قد بلغت محِلَّها)). وفي لفظ للبخاري: ((هل عندكم شيء؟)) فقالت: لا، إلا شيء بعثت به إلينا نسيبة من الشاة التي بعَثْتَ بها من الصدقة، فقال: ((إنها قد بلغت محلَّها)) (٣).

стр. 89

وعن أنس ﵁ قال: أهدت بريرة إلى النبي ﷺ لحماً تُصدِّق به عليها، فقال: ((هو لها صدقة، ولنا هدية)) (١). ١٨ - الصدقة في عشر ذي الحجة ؛ لحديث ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من أيام العمل الصالح فيها أحبُّ إلى الله من هذه الأيام - يعني أيام العشر -)) قالوا: يا رسول الله! ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ((ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء)) (٢). ١٩ - الصدقة في رمضان ؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: كان النبي ﷺ أجود الناس [بالخير] و [كان] أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل ﵇ يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة (٣))) (٤). ٢٠ - الصدقة على الجيران ؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: سمعت

стр. 90

رسول الله ﷺ يقول: ((مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه ليورثنَّه)) (١). وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننتُ أنه سيورِّثه)) (٢). ٢١ - فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره . فكل صدقة يقدمها المسلم لله تعالى يثاب عليها, ولو كانت وزن ذرة من الخير؛ ولهذا جاء في حديث أبي هريرة ﵁ يرفعه إلى النبي ﷺ : ((ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صُفِّحت له صفائح من نار ... )) الحديث وفيه: قيل: يا رسول الله! فالحُمْر؟ قال: ((ما أنزل عليَّ في الحُمُر شيء, إلا هذه الآية الفاذَّة الجامعة: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (٣) (٤))). ٢٢ - مصارف صدقة التطوع مصارف عامة ، تشمل أصناف أهل الزكاة الثمانية، والأصناف التي لا يصح دفع الزكاة إليهم: من الكفار غير الحربيين، وآل النبي محمد ﷺ : وهم بنو هاشم ومواليهم، والمماليك، والأغنياء، والمرأة الفقيرة التي تحت غني منفق، ومن تلزم نفقتهم: من الأصول وإن علوا، والفروع وإن نزلوا، والزوجة والزوج، وأصحاب

стр. 91

المعاصي الذين يستخدمونها في طاعة الله، والجهات الخيرية. كبناء المساجد، وإصلاح الطرق، وتجهيز الأموات، والإنفاق على دور وحلقات تحفيظ القرآن الكريم، وطباعة المصاحف، والكتب العلمية النافعة، وغير ذلك من جهات الخير. فصدقة التطوع لا تحصر في أشخاص بعينهم، ولا في جهات محددة، إنما تصرف في كل ما يحبه الله تعالى من وجوه الخير، حتى في الإحسان إلى الحيوانات، والطيور. وغير ذلك. والله تعالى الموفق للصواب. السادس عشر: صدقة إعتاق الرقاب: قال الإمام ابن كثير ﵀: ((وقد ورد في ثواب الإعتاق، وفك الرقبة أحاديث كثيرة، وأن الله يعتق بكل عضوٍ عضواً من معتقها، حتى الفرج بالفرج، وما ذاك إلا؛ لأن الجزاء من جنس العمل ﴿وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (١) (٢) ومن الأدلة التي ترغب في الإعتاق وفضله ما يأتي: ١ - قال الله تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ (٣). ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ فهلا أنفق ماله فيما يجوز به العقبة: من فك الرقاب وإطعام السغبان، فيكون خيراً له من عداوة محمد ﷺ ، هذا قول ابن زيد وجماعة، وقيل: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ أي لم يقتحمها ولا جاوزها،

стр. 92

والاقتحام الدخول في الأمر الشديد، وذكر العقبة هنا مثل ضربه الله لمجاهدة: النفس، والهوى، والشيطان في أعمال البر، فجعله كالذي يتكلف صعود العقبة، تقول: لم يحمل على نفسه المشقة, بعتق الرقبة والإطعام، وهذا معنى قول قتادة، وقيل: إنه شبه ثقل الذنوب على مرتكبها بعقبة، فإذا أعتق رقبة, وأطعم كان كمن اقتحم العقبة، وجاوزها، وقيل غير ذلك (١) قال العلامة السعدي ﵀: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ أي لم يقتحمها ويعبر عليها؛ لأنه متبع لشهواته، وهذه العقبة شديدة عليه، ثم فسر [هذه] العقبة بقوله: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ أي فكها من الرق, بعتقها, أو مساعدتها على أداء كتابتها، ومن باب أولى فكاك الأسير المسلم عند الكفار) (٢) وقال قتادة: إنها عقبة شديدة فاقتحموها بطاعة الله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾ ثم أخبر تعالى عن اقتحامها, فقال: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ (٣). ٢ - لعظيم أجر عتق الرقاب جعل الله تعالى إعتاقها من: كفارة القتل (٤) وكفارة اليمين (٥) وكفارة الظهار (٦). وجعلها النبي ﷺ من كفارة الوطء في نهار رمضان (٧). ٣ - جعلها الله تعالى من أعمال البر والتقوى (٨).

стр. 93

٤ - جاءت فيها الأحاديث الكثيرة جدًّا منها ما يأتي: الحديث الأول: عن البراء بن عازب ﵁، قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: دلني على عمل يقربني من الجنة ويباعدني من النار، قال: ((لئن أقصرت الخطبة، لقد أعرضت المسألة: أعتق النسمة، وفك الرقبة)) فقال: يا رسول الله! أو ليستا واحدة؟ فقال: ((لا، عتق النسمة أن تفرد بعتقها، وفك الرقبة أن تعين في ثمنها ... )) (١). الحديث الثاني: عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ثلاثة حق على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف)) (٢). الحديث الثالث: عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: ((من أعتق رقبة مسلمة أعتق الله بكل عضوٍ منه عُضْواً من النار، حتى فرجه بفرجه)). قال سعيد بن مرجانة: فانطلقت به إلى علي بن الحسين فعمد علي بن الحسين ﵄ إلى عبدٍ له قد أعطاه به عبد الله بن جعفر عشرة آلاف درهم، أو ألف دينار فأعتقه)) (٣).

стр. 94

الحديث الرابع: عن أبي أمامة وغيره من أصحاب النبي ﷺ قال: ((أيما امرئ مسلمٍ أعتق امرأً مسلماً كان فكاكه من النار، يجزىء كل عضوٍ منه عضواً منه، وأيما امرئ مسلم أعتق امرأتين مسلمتين كانتا فكاكه من النار، يجزىء كل عضوٍ منهما عضواً منه، وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة كانت فكاكها من النار، يجزىء كل عضوٍ منها عضواً منها)) (١). الحديث الخامس: عن أبي ذر ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ : أي العمل أفضل؟ قال: ((إيمان بالله وجهاد في سبيله)) قلت: فأي الرقاب أفضل؟ قال: ((أغلاها ثمناً، وأنفسها عند أهلها)) قلت: فإن لم أفعل؟ قال: ((تعين صانعاً أو تصنع لأخرق)) قال: فإن لم أفعل؟ قال: ((تدع الناس من شرك؛ فإنها صدقة تصدَّق بها على نفسك)) (٢). السابع عشر: المنافسة العظيمة في الصدقات: ١ - صدقات أبي بكر ﵁ -، عندما أسلم أبو بكر ﵁ كان من أثرى أثرياء قريش، فكانت عنده أموال كثيرة، وقد كان في منزلهِ يوم أسلم أربعون ألف درهم أو دينار، فاستخدم أمواله كلها في طاعة الله، ومن ذلك ما يأتي:

стр. 95

الصدقة الأولى: إنفاق ماله في إعتاق الرقاب: أعتق ﵁ رقاباً كثيرة، حُفِظَ منها سبع رقاب: بلال، وعامر بن فهيرة، وزنيرة، والهندية, وبنتها، وكانتا لامرأة من بني عبد الدار، وجارية بني مؤمل، وأم عبيس، رضي الله عن الجميع. وقد كانت هذه الرقاب يُعذّب معظمها على إسلامها، فأنقذها الله بأبي بكر الصديق ﵁ , وأخذ ﵁ ينفق أمواله في خدمة الإسلام والمسلمين (١). الصدقة الثانية: إنفاق جميع ماله في الهجرة مع رسول الله ﷺ -. حمل الباقي من ماله عندما هاجر مع النبي ﷺ إلى المدينة، ولم يبق لأهله شيئاً، فعن أسماء بنت أبي بكر ﵂ قالت: لما خرج رسول الله ﷺ وخرج أبو بكر معه، احتمل أبو بكر معه ماله كله، خمسة آلاف درهم أو ستة آلاف درهم، فانطلق بها معه، قالت: فدخل علينا جدي أبو قحافة، وقد ذهب بصره، فقال: والله إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه، قالت: قلت: كلا يا أبت، قد ترك لنا خيراً كثيراً، قالت: فأخذت أحجاراً فجعلتها في كوة (٢) في البيت - كان أبي يجعل فيها ماله - ثم جعلت عليها ثوباً، ثم أخذت بيده فقلت: ضع يا أبت يدك على هذا المال، قالت: فوضع يده عليه، فقال: لا بأس، إن ترك لكم هذا فقد أحسن، وفي هذا لكم بلاغ، قالت: ولا والله ما ترك لنا شيئاً، ولكن أردت أن أسكِّن الشيخ بذلك)) (٣).

стр. 96

الصدقة الثالثة: تصدُّقه بماله كله وعمر بالنصف في غزوة تبوك: عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نتصدق، فوافق ذلك مالاً عندي، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوماً، فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله ﷺ : ((ما أبقيت لأهلك؟)) قلت: مثله. قال: وأتى أبو بكر ﵁ بكل ما عنده، فقال له رسول الله ﷺ : ((ما أبقيت لأهلك؟)) قال: أبقيت لهم الله ورسوله، قلت: والله لا أسبقه إلى شيء أبداً)) (١). وأبو بكر ره أولى الأمة بقوله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ (٢). ٢ - صدقات عثمان ﵁ -: كان عثمان ﵁ من الأغنياء الذين أغناهم الله ، وكان صاحب تجارة وأموال طائلة؛ ولكنه استخدم هذه الأموال في طاعة الله ابتغاء مرضاته وما عنده، وصار سبَّاقاً لكل خير، ينفق ولا يخشى الفقر. ومما أنفقه ﵁ من نفقاته الكثيرة على سبيل المثال ما يأتي:

стр. 97

الصدقة الأولى: عندما قدم النبي ﷺ المدينة المنورة وجد أن الماء العذب قليل ، وليس بالمدينة ما يستعذب غير بئر رومة، فقال رسول الله ﷺ : ((من يشتري بئر رومة فيجعل دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة)) (١). وقال ﷺ : ((من حفر بئر رومة فله الجنة)) (٢). وقد كانت رومة قبل قدوم النبي ﷺ المدينة لا يشرب منها أحد إلا بثمن، فلما قدم المهاجرون المدينة استنكروا الماء، وكانت لرجل من بني غفار عين يقال لها رومة، وكان يبيع منها القربة بمد، فقال له النبي ﷺ : ((تبيعنيها بعين في الجنة؟)) فقال: يا رسول الله! ليس لي ولا لعيالي غيرها، فبلغ ذلك عثمان ﵁ فاشتراها بخمسة وثلاثين ألف درهم، ثم أتى النبي ﷺ فقال: أتجعل لي فيها ما جعلت له؟ قال: ((نعم))، قال: قد جعلتها للمسلمين (٣). وقيل: كانت رومة ركيَّة ليهودي يبيع المسلمين ماءها، فاشتراها عثمان بن عفان من اليهودي بعشرين ألف درهم، فجعلها للغني والفقير وابن السبيل (٤). الصدقة الثانية: توسعته لمسجد رسول الله ﷺ -: بعد أن بنى رسول الله ﷺ مسجده في المدينة فصار المسلمون يجتمعون فيه، ليصلوا

стр. 98

الصلوات الخمس، ويحضروا خطب النبي ﷺ التي يُصدر إليهم فيها أوامره ونواهيه، ويتعلمون في المسجد أمور دينهم، وينطلقون منه إلى الغزوات ثم يعودون بعدها؛ ولذلك ضاق المسجد بالناس، فرغب النبي ﷺ من بعض الصحابة أن يشتري بقعة بجانب المسجد؛ لكي تزاد في المسجد حتى يتسع لأهله، فقال ﷺ : ((من يشتري بقعة آل فلان فيزيدها في المسجد بخير له منها في الجنة))، فاشتراها عثمان بن عفان ﵁ من صلب ماله (١) بخمسة وعشرين ألف درهم، أو بعشرين ألف، ثم أضيفت للمسجد (٢). ووسع على المسلمين ﵁ وأرضاه (٣). الصدقة الثالثة: الصدقة العظيمة الكثيرة في غزوة تبوك عندما أراد رسول الله ﷺ الرحيل إلى غزوة تبوك حث الصحابة الأغنياء على البذل؛ لتجهيز جيش العسرة، الذي أعده رسول الله ﷺ لغزو الروم، فأنفق أهل الأموال من صحابة رسول الله ﷺ كلٌّ على حسب طاقته وجهده. أما عثمان بن عفان فقد أنفق نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها، فقد ثبت أنه أنفق في هذه الغزوة ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها، وجاء بألف دينار فنثرها في حجر النبي ﷺ ، فأخذ النبي ﷺ يُقلّبها في حجره، ويقول: ((ما ضر عثمان ما عمل بعد هذا اليوم؟)) قالها مراراً (٤).

стр. 99

وهذه نفقة عظيمة جداً تدل على صدق عثمان وقوة إيمانه، ورغبته فيما عند الله تعالى وإيثار الآخرة على الدنيا، فرضي الله عنه وأرضاه، فقد حصل على الثواب العظيم والجزاء الذي ليس بعده جزاء: ((من جهز جيش العسرة فله الجنة)) (١). الثامن عشر: وصول ثواب الصدقات عن الأموات إليهم لما يأتي: ١ - ما يفعله الولد الصالح من الأعمال الصالحة ، فإن لوالديه مثل أجره دون أن ينقص من أجره شيء؛ لأن الولد من سعيهما وكسبهما، والله يقول: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (٢). وقال رسول الله ﷺ : ((إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه)) (٣). ٢ - عن عائشة ﵂: ((أن رجلاً قال: إن أمي افتلتت (٤) نفسها [ولم تُوصِ]، وأظنها لو تكلمت تصدقت، فهل لها أجرٌ إن تصدقتُ عنها

стр. 100

[ولي أجر]؟ قال: ((نعم))، [فتصدَّق عنها])) (١). ٣ - عن ابن عباس ﵄: ((أن سعد بن عبادة - أخا بني ساعدة - توفيت أمه وهو غائب عنها ، فقال: يا رسول الله إن أمي توفيت، وأنا غائب عنها، فهل ينفعها إن تصدقت بشيء عنها؟ قال: ((نعم))، قال: فإني أشهدك أن حائطي المخراف (٢) صدقةٌ عليها)) (٣). ٤ - عن سعد بن عبادة قال: قلت: يا رسول الله: إن أمي ماتت، أفأتصدق عنها ؟ قال: ((نعم)) قلت: فأي صدقة أفضل؟ قال: ((سقي الماء)) فتلك سقاية سعد بالمدينة (٤).

стр. 101

٥ - عن أبي هريرة ﵁: أن رجلاً قال للنبي ﷺ : إن أبي مات وترك مالاً ولم يُوصِ فهل يُكفِّر عنه أن أتصدق عنه؟ قال: ((نعم)) (١) (٢). التاسع عشر: القناعة والعفة: ١ - مفهوم القناعة: هي الرضا بما قسم الله تعالى وراحة القلب بذلك (٣). ٢ - مدح القناعة والعفة جاء في ذلك أحاديث منها ما يأتي: الحديث الأول: حديث عبد الله بن محصن الخطمي عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أصبح منكم آمناً في سربه (٤) معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما أحيزت (٥) له الدنيا)) [بحذافيرها (٦)] (٧).

стр. 102

الحديث الثاني: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: ((قد أفلح من أسلم، ورزق كفافاً، وقنعه الله بما آتاه)) (١). الحديث الثالث: حديث أبي سعيد الخدري ﵁، أن ناساً من الأنصار سألوا رسول الله ﷺ فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، حتى إذا نفد ما عنده قال: ((ما يكن عندي من خير فلن أدخره عنكم، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغنِ يغنه الله، ومن يتصبَّر يصبره الله، وما أُعطيَ أحدٌ عطاءً خيراً وأوسع من الصبر)) (٢). الحديث الرابع: حديث عمر بن الخطاب ﵁ عنه أن رسول الله ﷺ قال: ((لو أنكم كنتم توكلون على الله حقَّ توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً (٣)، وتروح بطاناً (٤)) (٥). الحديث الخامس: حديث أنس ﵁ قال: قال رجل يا رسول الله! أعقلها وأتوكل، أو أطلقها وأتوكل؟ قال: ((اعقلها وتوكل)) (٦).

стр. 103

قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١). وقال : ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (٢). ٣ - غنى النفس ؛ لحديث أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: ((ليس الغنى عن كثرة العَرَض (٣)، ولكن الغنى غنى النفس)) (٤). وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((ليس المسكين الذي يطوف على الناس فترده اللقمة واللقمتان)). وفي رواية: ((الأكلةُ والأكلتان (٥) والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنىً يغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه [ويستحي، أو] لا يقوم فيسأل الناس [إلحافاً] وفي لفظ: ((إنما المسكين الذي يتعفف))، واقرَؤُا إن شئتم: يعني قوله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ (٦) (٧). ٤ - الرضى بالقليل ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((انظروا إلى من هو أسفل منكم, ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فهو أجدر

стр. 104

أن لا تزدروا (١) نعمة الله عليكم)). وفي لفظ: ((إذا نظر أحدكم إلى من فُضِّل عليه في المال والخَلْقِ، فلينظر إلى من هو أسفل منه ممن فُضِّل عليه)) (٢). العشرون: أنواع المسألة: الجائزة والممنوعة: على النحو الآتي: ١ - المسألة المذمومة وردت في أحاديث منها: الحديث الأول: حديث عبد الله بن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قال: ((ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مُزعة لحم)) (٣). الحديث الثاني: حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من سأل الناس أموالهم تكثراً، فإنما يسأل جمراً، فليستقل أو يستكثر)) (٤). الحديث الثالث: حديث سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن المسألة كدٌّ يكدُّ بها الرجل وجهه, إلا أن يسأل الرجل سُلطاناً، أو في أمر لا بد منه)) (٥). ولفظ أبي داود والنسائي: ((المسائل كدوح (٦) (٧) يكدح بها الرجل وجهه، فمن شاء أبقى على وجهه ومن شاء ترك، إلا أن

стр. 105

يسأل الرجل ذا سلطان، أو في أمر لا يجد منه بُدًّا)) (١). وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: ((هذا يدل على أن مسائل السلطان لا بأس بها؛ لأنه ولي بيت مال المسلمين، ولكن التعفف أفضل: ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغنِ يغنه الله)) (٢). الحديث الرابع: حديث الزبير بن العوام ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة حطب على ظهره، فيبيعها، فيكف الله بها وجهه خيرٌ له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه)) (٣). الحديث الخامس: حديث حكيم بن حزام ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال: ((يا حكيم إنَّ هذا خَضِرَةٌ (٤) حُلوةٌ فمن أخذه بسخاوة نفس بُورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفسٍ لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، اليدُ العليا خير من اليد السفلى)) فقال حكيم: فقلت: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق لا أرزأ (٥) أحداً بعدك شيئاً حتى أفارق الدنيا. فكان أبو بكر ﵁ يدعو حكيماً إلى العطاء فيأبى أن يقبله منه، ثم إن عمر ﵁ دعاه ليعطيه فأبى أن يقبل منه شيئاً فقال

стр. 106

[عمر]: إني أشهدكم معشر المسلمين على حكيمٍ أني أعرض عليه حقهُ من هذا الفيء فيأبى أن يأخذه، فلم يرزأ حكيمٌ أحداً من الناس بعد رسول الله [ ﷺ ] حتى توفي)) (١). الحديث السادس: حديث عوف بن مالك ﵁ قال: كنا عند رسول الله ﷺ : تسعة أو ثمانية، أو سبعة فقال: ((ألا تبايعون رسول الله؟)) -وكنا حديثَ عهدٍ ببيعة - قلنا: قد بايعناك يا رسول الله، ثم قال: ((ألا تبايعون رسول الله؟)) فقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، ثم قال: ((ألا تبايعون رسول الله؟)) قال: فبسطنا أيدينا, وقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، فعلامَ نبايعك؟ قال: ((على أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً, والصلوات الخمس، [وتسمعوا] وتطيعوا)) وأسر كلمة خفية، ((ولا تسألوا الناس شيئاً)) , فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فما يسأل أحداً [أن] يناوله إيَّاه)) (٢). الحديث السابع: حديث ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من يكفل لي أن لا يسأل الناس شيئاً وأتكفَّلُ له بالجنة؟)) فقال ثوبان: أنا؛ فكان لا يسأل أحداً شيئاً)) (٣). الحديث الثامن: حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم تسدّ فاقته، ومن أنزلها بالله أوشك الله له

стр. 107

بالغنى، إما بموت عاجل، أو غنى عاجل)) (١). ٢ - المسألة الجائز وردت في أحاديث منها: الحديث الأول: حديث قبيصة بن مخارق الهلالي ﵁ قال: تحملتُ حمالة (٢)، فأتيتُ رسول الله ﷺ أسأله فيها، فقال: ((أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها)) ثم قال: ((يا قبيصة إن المسألة لا تحلُّ إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمَّل حمالةً فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً (٣) من عيش - أو قال - سداداً من عيش، ورجل أصابته فاقة (٤) حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجا (٥) من قومه: لقد أصابت فلاناً فاقة, فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش - أو قال - سداداً من عيش، فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحتاً (٦) يأكلها صاحبها سحتاً)) (٧). الحديث الثاني: حديث سمرة ﵁ وفيه: (( ... إلا أن يسأل الرجل ذا سلطانٍ، أو في أمر لا يجد منه بُدًّا)) (٨).

стр. 108

٣ - لا يسأل بوجه الله إلا الجنة ؛ لحديث أبي موسى الأشعري ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ((ملعون من سأل بوجه الله، وملعون من سُئل بوجه الله ثم منع سائله، ما لم يسأل هجراً (١))) (٢). وعن رفاعة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((ملعون من سأل بوجه الله وملعون من سُئل بوجه الله فمنع سائله)) (٣). وعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : ((من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سأل بالله فأعطوه، ومن دعاكم فأجيبوه، ومن صنع إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له، حتى تروا أنكم قد كافأتموه)) (٤). وفي حديث معاوية بن حيدة ﵁: ((وإني أسألك بوجه الله بما بعثك ربك إلينا؟ قال: ((بالإسلام)) الحديث (٥).

стр. 109

وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: ((وهذا لا بأس به، والسؤال بوجه الله لا يسأل به إلا الجنة، أو ما يقرب إليها، وهذا مما يقرب إليها)) (١). وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((ألا أخبركم بخير الناس منزلاً؟)) قلنا: بلى يا رسول الله، قال: ((رجل آخذ برأس فرسه في سبيل الله حتى يموت أو يقتل، وأخبركم بالذي يليه؟)) قلنا: نعم يا رسول الله، قال: ((رجل معتزل في شعب يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويعتزل شرور الناس، وأخبركم بشر الناس؟)) قلنا: نعم يا رسول الله، قال: ((الذي يُسأل بالله ولا يعطى به)) (٢). وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يذكر أن هذا فيمن سأل حقاً له؛ كأن يقول: أسألك بالله أن تقضيني ديني الذي عندك، أو يقول: أسألك بالله أن لا تؤذيني، أو غير ذلك، أما من سأل بالله بغير حق فلا تجب إجابته, كأن يقول: أسألك بالله أن تعطيني أموالك، أو غير ذلك فيما لا حق له فيه. ٤ - قبول العطاء من غير مسألة ولا إشراف ؛ لحديث عمر بن الخطاب ﵁، قال: قد كان رسول الله ﷺ يعطيني العطاء، فأقول: أعطه أفقر إليه منِّي، حتى أعطاني مرة مالاً، فقلت: أعطه أفقر إليه مني، فقال رسول الله ﷺ : ((ما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف (٣) ولا سائل،

стр. 110

فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك)) وفي لفظ: ((خذه فتموَّله أو تصدق به، وما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه، وما لا (١) فلا تتبعه نفسك)) قال سالم: فمن أجل ذلك كان ابن عمر لا يسأل أحداً شيئاً، ولا يردُّ شيئاً أُعطيه)) (٢). الحادي والعشرون: الزهد و الورع: الورع: هو الكف عما لا ينبغي، ثم استعير للكف عن المباح والحلال (٣). ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أن الزهد: ترك ما لا ينفع في الآخرة، والورع: ترك ما يُخاف ضرره في الآخرة (٤). قال ابن القيم رحمه الله تعالى: ((وهذه العبارة من أحسن ما قيل: في الزهد، والورع، وأجمعها)) (٥). وقال الإمام أحمد ﵀: ((الزهد على ثلاثة أوجه:
следующие страницы →