٥٠
رسائل سعيد بن علي بن وهف القحطاني
صدقة التطوع
في الإسلام
مفهوم, وفضائل، وآداب، وأنواع
في ضوء الكتاب والسنة
تأليف الفقير إلى الله تعالى
د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً, أما بعد:
فهذه رسالة مختصرة في ((صدقة التطوع في الإسلام)) بيَّنت فيها: مفهوم صدقة التطوع، وفضائلها العظيمة، وأفضل صدقات التطوع، والإخلاص شرط في قبول التطوع، وآداب الصدقة، وإطعام الطعام، وثواب الصدقة به، والصدقة على الحيوان، وصدقة القرض الحسن، والصدقة الجارية والوقف، وأن الصدقات من صفات المؤمنين، وصدقة الوصية بعد الموت، وأنّ الهدية، والعطية، والهبة تكون صدقات بالنية، ثم بيَّنت أنواع صدقات التطوع على حسب أنواعها، وذكرت مبطلات الصدقات، وبيَّنت موضوعات متنوعة في الصدقات، وذكرت فضل صدقة إعتاق الرقاب المسلمة، وبيّنت وصول ثواب الصدقات المهداة إلى أموات المسلمين، ثم ذكرت القناعة والعفّة، ثم أنواع المسألة الجائزة والممنوعة, وذكرت الزهد والورع.
وقد استفدت كثيراً من تقريرات وترجيحات شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ وغفر له -.
стр. 3
وكذلك استفدت كثيراً من تخريجات العلاّمة المحدّث ناصر الدين الألباني للأحاديث ﵀, وغفر له.
واللهَ أسأل أن يجعل هذا العمل مباركاً, نافعاً، خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفعني به في حياتي، وبعد مماتي، وأن ينفع به كل من انتهى إليه؛ فإنه خير مسؤول، وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، وخيرته من خلقه، وأمينه على وحيه، نبيّنا محمد وعلى آله وأصحابه، وأتباعهم بإحسان إلى يوم الدين.
المؤلف/ أبو عبد الرحمن
الفقير إلى الله تعالى سعيد بن علي بن وهف القحطاني
حرر قُبيل مغرب يوم الخميس ٢٥/ ٤/١٤٢٦هـ الرياض
стр. 4
صدقة التطوع في الإسلام
أولاً: مفهوم صدقة التطوع: لغة واصطلاحاً .
الصدقة لغة: جمع صدقات، وتَصَدَّقتُ: أعطيتُهُ صدقةً، والفاعل مُتصَدِّقٌ، [وهو الذي يُعطي الصدقة]، ومنهم من يخفف بالبدل والإدغام فيقال: مُصَّدِّقٌ، والمتصدِّقُ: المُعطي، وفي التنزيل: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ (١).
وقد جاء المتصدِّقُ والمصَّدِّقُ في القرآن العظيم: ﴿وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ﴾ (٢). و ﴿الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ﴾ (٣). وأما المُصَدِّق بتخفيف الصاد: فهو الذي يأخذ صدقات النَّعَم)) (٤).
والذي يُصدِّقك في حديثك (٥) فالصدقة: العطية.
والصدقة اصطلاحاً: العطية التي يُبتغى بها الثواب عند الله تعالى (٦).
قال العلامة الأصفهاني: ((الصدقة ما يخرجه الإنسان من ماله على وجه القربة، كالزكاة، لكن الصدقة في الأصل تقال للمتطوَّع به، والزكاة للواجب, وقد يُسمَّى الواجب صدقةً إذا تحرَّى صاحبها الصدق في فعله)) (٧).
стр. 5
والعطية: الشيء المُعطى، والجمع: العطايا، ويقال: رجل مِعطاءٌ: كثير العطاء، والمعاطاة: المناولة، والإعطاء: الإنالة (١).
والعطية اصطلاحاً: ما أعطاه الإنسان من ماله لغيره، سواء كان يريد بذلك وجه الله تعالى، أو يريد التودُّد، أو غير ذلك، فهي أعمّ من الزكاة، والصدقة، والهبة، ونحو ذلك (٢).
التطوع لغة: التنفُّل، والنافلة، وكل متنفِّل خير متطوع، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ (٣).
وقد تدغم التاء في الطاء فيقال: المطوِّع: أي المتطوع (٤).
والتطوع اصطلاحاً: ما تبرع به المسلم من ذات نفسه، مما لا يلزمه فرضه (٥).
وقيل: المتطوع هو الذي يفعل الشيء تبرعاً من نفسه، وهو تفعلٌ من الطاعة (٦)، والتعريف الأول أشمل.
ثانياً: فضل صدقة التطوع، لها فضائل كثيرة جداً، منها ما يأتي:
١ - صدقة التطوع تكمِّل زكاة الفريضة وتجبر نقصها ؛ لحديث تميم
стр. 6
الداري ﵁ مرفوعاً: ((أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته، فإن كان أتمَّها كتبت له تامة، وإن لم يكن أتمها قال الله لملائكته: انظروا هل تجدون لعبدي من تطوِّعٍ فتكملون بها فريضته، ثم الزكاة كذلك، ثم تؤخذ الأعمال على حسب ذلك)) (١).
٢ - تُطفئ الخطايا وتكفرها ؛ لحديث معاذ ﵁ مرفوعاً إلى النبي ﷺ ، وفيه: ((والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار)) (٢).
وفي حديث حذيفة ﵁: ((فتنة الرجل: في أهله، وولده، وجاره، تكفرها الصلاة، والصوم، والصدقة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)) (٣).
٣ - من أسباب دخول الجنة والعتق من النار ؛ لحديث عائشة ﵂ أنها قالت: جاءتنى مسكينة تحمل ابنتين لها، فأطعمتها ثلاث تمرات، فأعطت كل واحدة منهما تمرة، ورفعت إلى فيها تمرة؛ لتأكلها، فاستطعمتها ابنتاها، فشقت التمرة التي كانت تريد أن تأكلها بينهما، فأعجبني شأنها، فذكرت الذي صنعت
стр. 7
لرسول الله ﷺ فقال: ((إن الله قد أوجب لها بها الجنة، أو أعتقها بها من النار)) (١).
٤ - الصدقة تدخل الجنة ولو بشق تمرة ، فعن عائشة ﵂ قالت: دخلت عليَّ امرأة معها ابنتان لها تسأل؟ فلم تجد عندي شيئاً غير تمرةٍ، فأعطيتها إيَّاها، فقَسَمَتْها بين ابنتيها، ولم تأكل منها، ثم قامت وخرجت، فدخل النبي ﷺ فأخبرته فقال: ((من ابتُلي من هذه البنات بشيء فأحسن إليهن كنَّ له ستراً من النار)) (٢).
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في الجمع بين الحديثين السابقين: ((ويمكن الجمع بأن مرادها بقولها في حديث عروة: فلم تجد عندي غير تمرة واحدة: أي أخصها بها، ويحتمل أنها لم تكن عندها في أول الحال سوى واحدة, فأعطتها, ثم وجدت ثنتين، ويحتمل تعدد القصة)) (٣).
٥ - من أسباب النجاة من حرِّ يوم القيامة ؛ لحديث عقبة بن عامر ﵁، عن النبي ﷺ قال: ((كل امرئ في ظل صدقته حتى يفصل بين الناس)). أو قال: ((يحكم بين الناس)) (٤). وفي لفظ: ((إن ظل المؤمن يوم القيامة صدقته)) (٥). قال يزيد- أحد رواة الحديث: ((وكان أبو الخير-
стр. 8
راوي الحديث عن عقبة لا يخطئه يوم إلا تصدق فيه بشيء، ولو كعكة،
أو بصلة، أو كذا)) (١). وقال النبي ﷺ في أحد السبعة الذين يظلُّهم الله في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلا ظله: (( ... ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه)) (٢).
٦ - الصدقة من أسباب النصر، والرزق ؛ لحديث سعد ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم)) (٣). قال ابن بطال ﵀: ((تأويل الحديث: أن الضعفاء أشد إخلاصاً في الدعاء، وأكثر خشوعاً في العبادة؛ لخلاء قلوبهم عن التعلق بزخرف الدنيا)) (٤).
وعن أنس ﵁ قال: كان أخوان على عهد النبي ﷺ ، فكان أحدهما يأتي النبي ﷺ ، والآخر يحترف، فشكى المحترفُ أخاه إلى النبي ﷺ فقال: ((لعلك تُرزق به)) (٥).
٧ - الصدقة تعوِّد المسلم على صفة الجود والكرم ، والعطف على ذوي الحاجات، والرحمة للفقراء.
٨ - الصدقة تحفظ النفس عن الشُّح ، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٦).
стр. 9
٩ - الصدقة تجلب البركة والزيادة والخلف من الله تعالى ، قال الله
سبحانه: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ (١).
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((قال الله تعالى: أنفق يا ابن آدم، أنفق عليك)). وقال: ((يد الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاءُ الليلَ والنهار)). وقال: ((أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض؟؛ فإنه لم يغض ما في يده، وكان عرشه على الماء، وبيده الميزان، يخفض ويرفع)). ولفظ مسلم: ((يمين الله ملأى ... )) (٢).
وعن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: ((ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزًّا، وما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه)) (٣).
ومما يدل على فضل الصدقة، وفضل الإحسان إلى المساكين وأبناء السبيل، وفضل أكل الإنسان من كسبه والإنفاق على العيال (٤) وأن من فعل ذلك يبارك الله له في ماله ويحصل له الأجر العظيم، حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: ((بينما رجل بفلاة من الأرض فسمع صوتاً في سحابة: أسقِ حديقة فلان، فتنحى ذلك السحاب فأفرغ ماءه في حرَّة (٥)
стр. 10
فإذا شَرْجَة من تلك الشِّراج (١) قد استوعبت ذلك الماء كله، فتتبَّع الماء,
فإذا رجل قائم في حديقته يُحوِّل الماء بمسحاته فقال له: يا عبد الله ما اسمك؟ قال: فلان، للاسم الذي سمع في السحابة، فقال له: يا عبد الله: لم تسألني عن اسمي؟ قال: إني سمعت صوتاً في السحاب الذي هذا ماؤه يقول: اسقِ حديقة فلانٍ لاسمك، فما تصنع فيها؟ قال: أمَّا إذا قلت: هذا فإني أنظر إلى ما يخرج منها فأتصدق بثُلثه، وآكل أنا وعيالي ثلثاً، وأردُّ فيها ثلثه)) وفي لفظ: ((وأجعل ثلثه في المساكين، والسائلين، وابن السبيل)) (٢).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من يوم يصبح العباد فيه إلا مَلَكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً)) (٣).
١٠ - تشرح الصدر وتدخل السرور على المنفق المتصدق ، فالمتصدق إذا أحسن إلى الخلق، ونفعهم بما يملكه من المال، وأنواع الإحسان، انشرح صدره؛ فالكريم المحسن أشرح الناس صدراً، وأطيبهم نفساً، وأنعمهم قلباً، والبخيل الذي لا يحسن أضيق الناس صدراً، وأنكدهم عيشاً، وأكثرهم همّاً وغمّاً، لكن لا بد من العطاء بطيب نفس، ويخرج المال من قلبه قبل أن يخرج من يده (٤).
١١ - الصدقة تُلحق المسلم بالمؤمن الكامل ؛ لحديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ
стр. 11
قال: ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه - أو قال - لجاره ما يحب لنفسه)) (١). فكما
أن المسلم يحب أن يُبذل له المال الذي يسد به حاجته، فهو يحب أن يحصل لأخيه المحتاج مثل ذلك، فيكون بذلك كامل الإيمان.
١٢ - الصدقة يحصل بها قضاء الحاجات، وتفريج الكربات ، والستر في الدنيا ويوم القيامة؛ لما فيها من قضاء حاجات المحتاجين، وتفريج كربات المكروبين، والستر على المعسرين؛ لأن الجزاء من جنس العمل؛ لحديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من نفَّس عن مؤمن كُربَة من كُرب الدنيا نفَّس الله عنه كُربةً من كُربِ يوم القيامة، ومن يسَّر على معسرٍ يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ... )) (٢)؛ ولحديث ابن عمر ﵄، وفيه: ((ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرَّج عن مسلم كربة فرَّج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة)) (٣).
١٣ - الصدقة من أسباب رحمة الله تعالى للعبد ؛ لقوله ﷺ : ((لا يرحم الله من لا يرحم الناس)) (٤).
стр. 12
١٤ - الصدقة من الإحسان، والله يحب المحسنين ؛ لقوله تعالى:
﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ (٢).وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣).
١٥ - يترتب على الصدقة الأجر العظيم الذي يربيه الله تعالى ويضاعفه لصاحبه ؛ لقول الله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ (٤). وقال : ﴿وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ (٥)؛ ولقوله تعالى: ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ (٦)؛ ولحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من تصدَّق بعدل (٧) تمرة، من كسب طيب (٨) ولا يقبل الله إلا الطيب، فإن الله يتقبَّلها بيمينه ثم يربيها
стр. 13
لصاحبها كما يربي أحدكم فلوّه (١)، حتى تكون مثل الجبل)) وفي لفظ مسلم: ((حتى تكون أعظم من الجبل كما يربي أحدكم فلوّه أو فصيله)) (٢).
وفي رواية لمسلم: ((لا يتصدق أحد بتمرة من كسب طيب ... )) (٣).
١٦ - المتصدِّق ابتغاء مرضاة الله تعالى، يفوز بثناء الله عليه ، وما وعد به المتصدقين من الأجر العظيم، وانتفاء الخوف والحزن؛ لقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٤).
١٧ - المتصدق يحصل على مضاعفة الأجر على حسب إخلاصه لله تعالى ؛ لقول الله : ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٥)؛ ولحديث أبي مسعود الأنصاري قال: جاء رجل بناقة مخطومة، فقال: هذه في سبيل الله، فقال رسول الله ﷺ : ((لك
стр. 14
بها يوم القيامة سَبْعمائة ناقةٍ كلها مخطومة)) (١).
١٨ - الصدقة تجعل المجتمع المسلم كالأسرة الواحدة، يرحم القوي الضعيف ، ويعطف القادر على العاجز، ويحسن الغني إلى المعسر، فيشعر صاحب المال بالرغبة في الإحسان؛ لأن الله أحسن إليه، قال الله تعالى:
﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ (٢).
١٩ - بذل المال خير للمتصدق إذا كان زائداً عن كفايته ؛ لحديث أبي أمامة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((يا ابن آدم إنك أن تبذل الفضل خير لك، وأن تُمسكه شرٌّ لك، ولا تُلامُ على كفاف (٣)، وابدأ بمن تعول، واليد العليا خير من اليد السفلى)) (٤).
٢٠ - صدقة السر تطفئ غضب الرب، وصنائع المعروف تنجي من مصارع السوء ؛ لحديث معاوية بن حيدة ﵁ , عن النبي ﷺ ، أنه قال: ((إن صدقة السر تطفئ غضب الرب)) (٥)؛ ولحديث أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((صنائع المعروف تقي مصارع السوء، وصدقة السر تطفئ غضب الرب، وصلة الرحم تزيد في العمر)) (٦).
стр. 15
٢١ - الصدقة دواء للأمراض (١).
ثالثاً: أفضل صدقات التطوع على النحو الآتي:
١ - من أفضل الصدقات التصدق بسقي الماء ؛ لحديث سعد بن عبادة ﵁، قال: قلت: يا رسول الله، إن أمي ماتت أفأتصدق عنها؟ قال: ((نعم)). قلت: فأي الصدقة أفضل؟ قال: ((سقي الماء)) فتلك سقاية سعدٍ بالمدينة)). وفي لفظ لأبي داود: ((فحفر بئراً وقال: هذه لأم سعدٍ)) (٢). ولكن يتحرى المتصدق حاجة الناس فيتصدق بما تدعو إليه الحاجة، سواء كانت في الماء أو في غيره (٣).
٢ - الصدقة على ذي الرحم الذي يضمر العداوة في باطنه من أفضل الصدقات ؛ لحديث حكيم بن حزام ﵁، أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ عن الصدقات أيُّها أفضل؟ قال: ((على ذي الرحم الكاشِح)) (٤)(٥). وعن أم كلثوم
стр. 16
بنت عقبة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح)) (١).
٣ - أفضل الصدقة صدقة الصحيح الشحيح، فيغتنم حياته قبل موته ، وصحته قبل مرضه، فينفق ولا يبخل، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَال﴾ (٢)، ومعنى ((خلال)) لا خلة ولا صداقة (٣).
قال العلامة السعدي ﵀: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ﴾ أي لا ينفع فيه شيء، ولا سبيل إلى استدراك ما فات، لا بمعاوضة ببيع وشراء، ولا بهبة خليل وصديق، فكل امرئ له شأن يغنيه، فليقدِّم العبد لنفسه، ولينظر ما قدمه لغدٍ؛ وليتفقَّد أعماله، ويحاسب نفسه قبل الحساب الأكبر)) (٤).
وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ
стр. 17
الظَّالِمُونَ﴾ (١). وهذا من فضل الله ولطفه بعباده أن أمرهم بتقديم شيء مما رزقهم؛ ليكون لهم ذخراً وأجراً في يوم يحتاج فيه العاملون إلى مثقال
ذرة من الخير، فلا بيع فيه، ولو افتدى الإنسان نفسه بملء الأرض ذهباً ليفتدي به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منه، ولم ينفعه خليل ولا صديق: لا بوجاهة, ولا بشفاعة (٢).
وقال : ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٣).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! أي الصدقة أعظم أجراً؟ قال: ((أن تصدَّق وأنت صحيح شحيح, تخشى الفقر، وتأمل الغنى، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلانٍ كذا, ولفلانٍ كذا، وقد كان لفلان)) (٤).
الشح عام غالب في حال الصحة، فإذا سمح فيها وتصدق كان أصدق في نيته وأعظم لأجره، بخلاف من أشرف على الموت وأيس من الحياة، ورأى مصير المال لغيره؛ فإن صدقته حينئذ ناقصة بالنسبة إلى حالة الصحة والشح رجاء البقاء وخوف الفقر، وهو يطمع في الغنى (٥)،
стр. 18
وهو في حال الصحة يصعب عليه إخراج المال غالباً؛ لما يخوفه به الشيطان، ويزين له من إمكان طول العمر والحاجة إلى المال؛ ولهذا قال بعض السلف عن بعض أهل الترف: يعصون الله في أموالهم مرتين:
يبخلون بها وهي في أيديهم - يعني في الحياة - ويسرفون فيها إذا خرجت عن أيديهم - يعني بعد الموت (١).
وذُكِرَ في الخبر عن أبي الدرداء مرفوعاً: ((مثل الذي يعتق أو يتصدق عند موته مثل الذي يهدي بعدما يشبع)) (٢). وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀ يقول عن الصدقة في حال الصحة والشح: ((وهذا يدل على أن الصدقة في حال الصحة والشح أفضل، وهذا يدل على قوة الرغبة فيما عند الله، أما المريض فإنه يجود في حال مرضه؛ لأنه أيس من حياته، وصدقته مقبولة، لكن الأفضل أن تكون في حال الصحة)) (٣).
٤ - ومن أفضل الصدقة جهد المقل الذي هو قدر ما يحتمله حال قليل المال ، فيكون من أفضل الصدقات؛ لحديث عبد الله بن حبشي الخثعمي أن النبي ﷺ سُئل أي الأعمال أفضل؟ قال: ((إيمان لا شك فيه،
стр. 19
وجهاد لا غلول فيه، وحجة مبرورة)). قيل: فأيُّ الصلاة أفضل؟ قال: ((طول القنوت)). قيل: فأيُّ الصدقة أفضل؟ قال: ((جهد المقلِّ)) (١). قيل:
فأيُّ الهجرة أفضل؟ قال: ((من هجر ما حرم الله )). قيل: فأي الجهاد أفضل؟ قال: ((من جاهد المشركين بماله ونفسه)). قيل: فأيُّ القتل أشرف؟ قال: ((من أهريق دمه وعُقِر جواده)) (٢).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((سبق درهم مائة ألف [درهم])) قالوا: يا رسول الله وكيف؟ قال: ((رجل له درهمان فأخذ أحدهما فتصدق به، ورجل له مالٌ كثير فأخذ من عُرضِ ماله مائة ألف [درهم] فتصدق بها)) (٣). وظاهر الأحاديث أن الأجر على قدر حال المعطي لا على قدر المال المعطى، فصاحب الدرهمين أعطى نصف ماله، في حال لا يعطي فيها إلا الأقوياء, يكون أجره على قدر همته بخلاف الغني؛ فإنه ما أعطى نصف ماله، ولا في حال لا يعطي فيها عادة)) (٤).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: يا رسول الله! أيُّ الصدقة أفضل؟ قال: ((جُهْدُ المقلِّ، وابدأ بمن تعول)) (٥).
стр. 20
٥ - من أفضل الصدقة ما كان عن ظهر غنى ؛ لحديث حكيم بن حزام ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن
تعول، وخير الصدقة عن ظهر غنى، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغني يغنه الله)). ولفظ مسلم: ((أفضل الصدقة أو خير الصدقة عن ظهر غنىً، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول)) (١).
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى: وابدأ بمن تعول)) (٢). ومعنى قوله ﷺ : ((خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى)) أفضل الصدقة ما بقي صاحبها بعدها مستغنياً بما بقي معه، وتقدير: أفضل الصدقة ما أبقت بعدها غنىً يعتمده صاحبها, ويستظهر به على مصالحه، وحوائجه، وإنما كانت هذه أفضل الصدقة بالنسبة إلى من تصدق بجميع ماله؛ لأن من تصدق بالجميع يندم غالباً، أو قد يندم إذا احتاج، ويودُّ أنه لم يتصدق بخلاف من بقي بعدها مستغنياً، فإنه لا يندم عليها بل يُسرُّ بها (٣) وقال الحافظ ابن حجر ﵀: ((والمعنى أفضل الصدقة ما أخرجه الإنسان من ماله بعد أن يستبقي منه قدر الكفاية)) (٤)(٥).
стр. 21
٦ - ومن أفضل الصدقة ما يعطى الأقارب ؛ لحديث سلمان بن عامر ﵁، عن النبي ﷺ قال: ((إن الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان: صدقة, وصلة)) (١).
стр. 22
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالاً من نخل، وكان أحب أمواله إليه بَيْرُحاء وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله ﷺ يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، قال أنس: فلما
نزلت هذه الآية: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (١)، قام أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إن الله ﵎ يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وإن أحبَّ أموالي إليَّ
بَيرُحاء (٢) وإنها صدقة لله أرجو برَّها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، فقال رسول الله ﷺ : ((بَخٍ (٣)، ذلك مال رابح (٤) ذلك مال رابح، وقد سمعتُ ما قلت وإني أرى أن تجعلها في الأقربين)). فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه)). وفي لفظ: ((فجعلها في حسان بن ثابت وأبي بن كعب)) (٥).
قال الإمام النووي ﵀: ((وفي هذا الحديث من الفوائد ... أن الصدقة على الأقارب أفضل من الأجانب إذا كانوا محتاجين، وفيه أن القرابة يرعى
стр. 23
حقها في صلة الأرحام, وإن لم يجتمعوا إلا في أبٍ بعيد؛ لأن النبي ﷺ أمر أبا طلحة أن يجعل صدقته في الأقربين, فجعلها في أبي بن كعب وحسان ابن ثابت، وإنما يجتمعان معه في الجد السابع)) (١).
وعن ميمونة بنت الحارث ﵂ أنها أعتقت وليدة في زمان رسول الله
ﷺ ، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: ((لو أعطيتيها أخوالك كان أعظم لأجرك)) (٢).
قال الإمام النووي ﵀: ((فيه فضيلة صلة الرحم، والإحسان إلى الأقارب، وأنه أفضل من العتق ... وفيه الاعتناء بأقارب الأم إكراماً بحقها، وهو زيادة في برها، وفيه جواز تبرع المرأة بمالها بغير إذن زوجها)) (٣).
وعن أبي سعيد ﵁ في قصة زينب امرأة ابن مسعود: أنها قالت: يا نبي الله إنك أمرت اليوم بالصدقة وكان عندي حلي لي فأردت أن أتصدق بها، فزعم ابن مسعود أنه وولده أحقُّ من تصدقت به عليهم، فقال النبي ﷺ : ((صدق ابن مسعود: زوجك وولدك أحقّ من تصدقت به عليهم)) (٤)؛ ولحديث زينب الآخر, وفيه: أنها أرسلت بلالاً يسأل النبي ﷺ :
стр. 24
أيجزئ عني أن أنفق على زوجي، وأيتام في حجري؟ فسأله فقال: ((نعم، ولها أجران: أجر القرابة وأجر الصدقة)). وفي لفظ مسلم: ((لهما أجران: أجر القرابة وأجر الصدقة))؛ لأنها كان معها امرأة من الأنصار حاجتها حاجتها (١).
قال الإمام النووي ﵀: ((فيه الحث على الصدقة على الأقارب وصلة الأرحام، وأن فيها أجرين)) (٢).
٧ - أفضل النفقات النفقة على العيال والأهل والأقربين: قال الله سبحانه: ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (٣). فأولى الناس بالإنفاق من الخير وأحقهم بالتقديم أعظمهم حقًّا عليك، وهم الوالدان الواجب برهما، والمحرم عقوقهما، ومن أعظم برهما النفقة عليهما، ومن أعظم العقوق ترك الإنفاق عليهما؛ ولهذا كانت النفقة عليهما واجبة على الولد الموسر، ومن بعد الوالدين: الأقربون على اختلاف طبقاتهم: الأقرب، فالأقرب، على حسب القرب والحاجة، فالإنفاق عليهم صدقة وصلة (٤).
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ
стр. 25
وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ (١).
وقال سبحانه: ﴿وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ﴾ (٢).
وقال تعالى: ﴿وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا
تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ (٣).
وقال تعالى: ﴿فَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون﴾ (٤). وقال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ (٥).
وعن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أفضل دينارٍ ينفقه الرجل: دينار ينفقه على عياله، ودينار ينفقه الرجل على دابته في سبيل الله، ودينار ينفقه على أصحابه في سبيل الله)). قال أبو قلابة: وبدأ بالعيال، ثم قال: أبو قلابة: وأيُّ رجل أعظم أجراً من رجلٍ ينفق على عيالٍ صغارٍ، يعفُّهم أو ينفعهم الله به، ويغنيهم)) (٦).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته
стр. 26
على أهلك، أعظمها أجراً الذي أنفقته على أهلك)) (١).
وعن عبد الله بن عمرو أنه قال لخازنه: أعطيت الرقيق قوتهم؟ قال: لا, قال: فانطلق فأعطهم، قال: قال رسول الله ﷺ : ((كفى بالمرء إثماً أن يحبس عمن يملك قوته)) (٢).
ولفظ أبي داود: ((كفى بالمرء إثماً أن يضيِّع من يقوت)) (٣).
وعن جابر ﵁ قال: أعتق رجل من بني عُذْرة - من الأنصار - عبداً له عن دُبرٍ، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فقال: ((ألك مال غيره؟)) فقال: لا، فقال: ((من يشتريه مني؟)) فاشتراه نعيم بن عبد الله بثمانمائة درهم، فجاء بها رسول الله ﷺ فدفعها إليه، ثم قال: ((ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فَضَلَ شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا، وهكذا)) يقول: فبين يديك، وعن يمينك، وعن شمالك)) (٤).
قال الإمام النووي ﵀: ((في هذا الحديث فوائد منها:
الابتداء بالنفقة بالمذكور على هذا الترتيب، منها: أن الحقوق والفضائل إذا تزاحمت قدم الأوكد فالأوكد، ومنها أن الأفضل في صدقة التطوع أن ينوعها في جهات الخير، ووجوه البر بحسب المصلحة، ولا ينحصر في جهة بعينها ... )) (٥).
стр. 27
وعن أم سلمة ﵂ أنها قالت: يا رسول الله! هل لي أجر في بني أبي سلمة، أنفق عليهم ولست بتاركتهم، هكذا وهكذا، إنما هم بني؟ فقال: ((نعم لك فيهم أجر ما أنفقت عليهم)) (١).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((تصدقوا)) فقال رجل: يا
رسول الله! عندي دينار، قال: ((تصدق به على نفسك)) قال: عندي آخر، قال: ((تصدق به على زوجتك))، قال: عندي آخر، قال: ((تصدق به على ولدك))، قال: عندي آخر، قال: ((تصدق به على خادمك))، قال: عندي آخر: قال: ((أنت أبصرُ به)) (٢).
وعن بهز بن حكيم قال: حدثني أبي عن جدي، قال: قلت يا رسول الله، من أبرُّ؟ قال: ((أمك))، قال: قلت: ثم مَن؟ قال: ((أمك))، قال: قلت: ثم مَنْ؟ قال: ((أمك))، قلت: ثم مَنْ؟ قال: ((أباك))، قال: قلت: ثم مَنْ؟ قال: ((ثم الأقرب فالأقرب)) (٣).
وعن أبي هريرة ﵁، قال: يا رسول الله! من أحقّ الناس بحسن صحابتي؟ قال: ((أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أبوك، ثم أدناك أدناك)) (٤).
стр. 28
وعن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: قدمت عليَّ أمي وهي مشركة في عهد رسول الله ﷺ ، فاستفتيت رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله! قدمت عليَّ أمي وهي راغبة، أفأصل أمي؟ قال: ((نعم، صلي أمَّكِ)) (١).
رابعاً: الإخلاص شرط في قبول الصدقات:
فلا تقبل الصدقة إلا إذا أريد بها وجه الله والدار الآخرة للأدلة المذكورة على النحو الآتي:
١ - الإخلاص أعظم ما أمر الله به ، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ﴾ (٢).
٢ - الإخلاص شامل لأنواع العبادات ، قال : ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٣).
٣ - إسلام الوجه لله: هو الإخلاص ، قال الله سبحانه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ (٤).فإسلام الوجه إخلاص القصد والعمل لله، والإحسان فيه متابعة رسول الله ﷺ وسنته (٥).
٤ - الإخلاص يحصل به الأجر العظيم ، قال تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ
стр. 29
مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١).
٥ - الإخلاص تجارة رابحة ، قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ (٢).
٦ - الإخلاص تُوفَّى به الأجور ، قال سبحانه: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ (٣).
٧ - مضاعفة الحسنات للمنفقين المخلصين ، قال تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآَتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٤).
٨ - الجزاء بأحسن من العمل ، قال فيمن ينفقون النفقات إخلاصاً لله تعالى: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٥).
٩ - إنما الأعمال بالنيات ، عن عمر بن الخطاب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ... )) (٦).
стр. 30
١٠ - احتساب الرجل نفقة أهله صدقة ، عن أبي مسعود ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: ((إذا أنفق الرجل على أهله يحتسبها فهو له صدقة)) (١).
١١ - بالإخلاص يحصل الأجر على فعل المباح ، قال النبي ﷺ لسعد بن أبي وقاص ﵁: ((إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها، حتى ما تجعل في في امرأتك)) (٢).
١٢ - إنما الدنيا لأربعة ، عن أبي كبشة الأنماري ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ((ثلاث أقسم عليهن، وأحدثكم حديثاً فاحفظوه)) قال: ((ما نقص مالُ عبدٍ من صدقةٍ، ولا ظُلِمَ عبدٌ مظلمةً فصبر عليها إلا زاده الله عزًّا، ولا فتح عبدٌ باب مسألةٍ إلا فتح الله عليه باب فقرٍ)) أو كلمة نحوها ((وأحدثكم حديثاً فاحفظوه))، قال: ((إنما الدنيا لأربعة نفرٍ: عبدٍ رزقه الله مالاً وعلماً، فهو يتقي فيه ربه، ويصل فيه رحمه، ويعلم لله فيه حقًّا، فهو بأفضل المنازل، وعبدٍ رزقه الله علماً ولم يرزقه مالاً، فهو صادق النية يقول: لو أن لي مالاً لعملت بعمل فلانٍ، فهو بنيَّته، فأجرهما سواءٌ، وعبدٍ رزقه الله مالاً ولم يرزقه علماً، فهو يخبط في ماله بغير علم، لا يتقي فيه ربه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم لله فيه حقًّا، فهذا بأخبث المنازل, وعبدٍ لم يرزقه الله مالاً ولا علماً، فهو يقول: لو أن لي مالاً، لعملت فيه
стр. 31
بعمل فلانٍ، فهو بنيَّته، فَوِزْرُهما سواء)) (١).
١٣ - يكتب للعبد المسلم ما نوى ، من فضل الله على عبده المؤمن أنه يكتب له ما نوى من الصدقات وغيرها إذا أخلص في النية؛ ولهذا قال النبي ﷺ في غزوة تبوك: ((لقد تركتم بالمدينة أقواماً ما سرتم مسيراً، ولا
أنفقتم من نفقة، ولا قطعتم من وادٍ، إلا وهم معكم فيه))، قالوا: يا رسول الله! كيف يكونون معنا وهم بالمدينة؟ فقال: ((حبَسَهُمُ العذر)) (٢).
١٤ - إحسان الله العظيم إلى عباده المؤمنين ؛ فإنه يكتب لهم الحسنات بمجرد العزيمة والهم الصادق حتى ولو لم يعمل المسلم؛ قال ﷺ فيما يرويه عن ربه: ((إن الله كتب الحسنات والسيئات، ثم بيَّن ذلك فمن همَّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة ... )) (٣).
خامساً: آداب الصدقة: للصدقة آداب عظيمة منها ما يأتي:
١ - الاحتساب في كل ما ينفقه المسلم ؛ لحديث أبي سعيد ﵁ مرفوعاً إلى النبي ﷺ : ((إذا أنفق المسلم نفقة على أهله وهو يحتسبها كانت له صدقة)) (٤).
стр. 32
قال الإمام النووي ﵀: ((فيه بيان أن المراد بالصدقة والنفقة المطلقة في باقي الأحاديث إذا احتسبها، ومعناه إذا أراد بها وجه الله تعالى، فلا يدخل فيه من أنفقها ذاهلاً، ولكن يدخل المحتسب)) (١).
وطريقة الاحتساب: أن ينفق بنية أداء ما أمره الله به من الإحسان إليهم، وبنية القيام بالواجب الذي أمره الله تعالى به، ابتغاء مرضاة الله، يرجو ثوابه
عند مولاه الكريم، الذي أمدَّه بالمال، ثم يثيبه إذا أنفقه في طاعته، بنية صالحة.
٢ - الإنفاق من المال الحلال الطيب ؛ فإن الله طيب لا يقبل إلا طيباً؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((يا أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال:
﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾. وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾. ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث، أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يُستجاب لذلك)) (٢).
قال الإمام النووي ﵀: (( ... فيه الحث على الإنفاق من الحلال، والنهي عن الإنفاق من غيره، وفيه: أن المأكول, والمشروب, والملبوس، ينبغي أن يكون حلالاً خالصاً لا شبهة فيه، وأن من أراد الدعاء كان أولى بالاعتناء بذلك من غيره)) (٣).
стр. 33
٣ - لا يحقرن من الصدقة شيئاً ، ولو شق تمرة، ولو فرسن شاة، وجاء في ذلك أحاديث، منها ما يأتي:
الحديث الأول: حديث عدي بن حاتم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربُّهُ، ليس بينه وبينه ترجمان [ولا حجاب يحجبه] فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو
بشق تمرة [ولو بكلمة طيبة])) (١).
وفي لفظ: ذكر لنا رسول الله ﷺ النار، فأعرض، [وأشاح بوجهه] ثم قال: ((اتقوا النار))، ثم أعرض وأشاح [بوجهه] حتى ظننا أنه كأنما ينظر إليها، ثم قال: ((اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة)). وفي لفظ للبخاري: ذكر النبي ﷺ النار، فتعوذ منها وأشاح بوجهه، ثم ذكر النار، فتعوذ منها وأشاح بوجهه [ثلاثاً] ثم قال: ((اتقوا النار ولو بشق تمرة، فإن لم يكن فبكلمة طيبة)) (٢).
وذكر النووي ﵀: أن شق تمرة: نصفها، وجانبها، وفيه الحث على الصدقة، وأنه لا يُمتنع منها لقلتها، وأن قليلها سبب للنجاة من النار، وأن الكلمة الطيبة سبب للنجاة من النار، وهي الكلمة التي فيها تطييب قلب
стр. 34
الإنسان إذا كانت مباحة أو طاعة (١)(٢).
قال الحافظ ابن حجر ﵀: ((وفيه الحث على الصدقة، وقبول الصدقة، ولو
قلَّت, وقد قُيِّدَت في الحديث بالكسب الطيب، وفيه إشارة إلى ترك احتقار القليل من الصدقة وغيرها)) (٣).
الحديث الثاني: حديث أم بجيد ﵂، وكانت ممن بايع رسول الله ﷺ ، أنها قالت: يا رسول الله! صلى الله عليك، إن المسكين ليقوم على بابي فما أجد له شيئاً أعطيه إيَّاه؟ فقال لها رسول الله ﷺ : ((إن لم تجدي له شيئاً تعطينه إيَّاه إلا ظلفاً (٤) محرقاً فادفعيه إليه في يده)) (٥).
الحديث الثالث: حديث أبي ذر ﵁، قال: قال لي النبي ﷺ : ((لا تحقرن من المعروف شيئاً، ولو أن تلقى أخاك بوجه طَلْقٍ)) (٦).
стр. 35
الحديث الرابع: حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يقول: ((يا نساء المسلمات! لا تحقرن جارةٌ لجارتها ولو فِرسِنِ (١) شاةٍ)) (٢). قال الحافظ ابن حجر ﵀: ((وأشير بذلك إلى المبالغة في إهداء الشيء اليسير، وقبوله، لا إلى حقيقة الفرسن؛ لأنه لم تجرِ العادة بإهدائه، أي لا
تمنع جارة من الهدية لجارتها الموجود عندها؛ لاستقلاله، بل ينبغي أن تجود لها بما تيسر، وإن كان قليلاً، وفي الحديث الحض على التهادي ولو باليسير؛ لأن الكثير قد لا يتيسر كل وقت)) (٣).
الحديث الخامس: حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: ((لو دعيت إلى كُراعٍ لأجبت، ولو أُهدي إليَّ كُراعٌ لقبلت)) (٤).
الحديث السادس: حديث عائشة ﵂ أنها قالت: جاءتني مسكينة تحمل ابنتين لها فأطعمتها ثلاث تمرات، فأعطت كل واحدة منهما تمرة ورفعت إلى فيها تمرة لتأكلها فاستطعمتها ابنتاها، فشقت التمرة التي كانت تريد أن تأكلها بينهما، فأعجبني شأنها، فذكرت الذي صنعت لرسول الله ﷺ
стр. 36
فقال: ((إن الله قد أوجب لها بها الجنة، أو أعتقها بها من النار)) (١).
الحديث السابع: حديث جرير بن عبد الله ﵁ قال: كنا عند رسول الله ﷺ في صدر النهار، قال: فجاء قومٌ حفاةٌ، عراةٌ مجتابي النمار (٢) أو العباءَ، متقلدي السيوف، عامتهم من مُضَر، فتمعَّر وجهُ رسول الله ﷺ ؛ لما رأى ما
بهم من الفاقة، فدخل ثم خرج، فأمر بلالاً فأذَّن وأقام، فصلى ثم خطب فقال: ((﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ إلى آخر الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾)) (٣).
والآية التي في سورة الحشر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ (٤). تصدَّق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاعِ بُرِّه، من صاع تمره، حتى قال: ((ولو بشق تمرة)) قال فجاء رجل من الأنصار بصُرَّةٍ كادت كفُّهُ تعجزُ عنها، بل قد عجزت، قال: ثم تتابع الناس حتى رأيت كَوْمين من طعام، وثياب، حتى رأيت وجْهَ رسول الله ﷺ يتهلَّلُ كأنهُ مُذْهَبَةٌ (٥)، فقال رسول الله ﷺ : ((من سنَّ في الإسلام سُنَّة حسنةً فله أجرُهَا، وأجرُ من عمل بها بعده، من غير أن يَنْقُصَ من
стр. 37
أجورهم شيءٌ، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وِزْرُها وَوِزْرُ من عَمِلَ بها من بعده، من غير أن ينقُصَ من أوزارهِمْ شيء)) (١).
وفيه من الفوائد: جمع الناس للأمور المهمة، ووعظهم، وحثهم على مصالحهم, وتحذيرهم من القبائح، وفيه سرور النبي ﷺ بمبادرة المسلمين إلى طاعة الله تعالى، وبذل أموالهم لله، وامتثال أمر رسول الله ﷺ ولدفع حاجة هؤلاء المحتاجين، وشفقة المسلمين بعضهم على بعض، وتعاونهم
على البر والتقوى، وفيه الحث على الابتداء بالخيرات، وسن السنن الحسنات، والتحذير من اختراع الأباطيل والمستقبحات، وسبب هذا الكلام في آخر الحديث أنه قال في أوله: فجاء رجل بصرة كادت يده أن تعجز عنها، فتتابع الناس وكان الفضل العظيم للبادئ بهذا الخير، والفاتح لباب هذا الإحسان (٢).
الحديث الثامن: حديث أبي مسعود ﵁ قال: لما نزلت آية الصدقات كنا نُحامِلُ، فجاء رجل فتصدق بشيء كثير، فقالوا: مرائي، وجاء رجل فتصدق بصاع فقالوا: إن الله لغني عن صدقة هذا، فنزلت:
﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ (٣). وفي رواية: ((لما أمرنا بالصدقة كنا نتحامل (٤) فجاء أبو عقيل [فتصدق] بنصف صاع، وجاء إنسان بأكثر منه فقال
стр. 38
المنافقون: إن الله لغني عن صدقة هذا، وما فعل هذا الآخر إلا رياءً، فنزلت: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ (١). وفي هذا الحديث من الفوائد: التحريض على الاعتناء بالصدقة، وأن المسلم إذا لم يكن له مال يتوصل
إلى تحصيل ما يتصدق به: من حملٍ، أو غيره من الأسباب (٢)، وفيه أنه لا ينبغي أن تحتقر الصدقة بالقليل، ولا يعاب على من تصدق بما يستطيع ولو كان قليلاً، وأن من عاب عليه يتصف بصفة من صفات المنافقين، وفيه فضل الصحابة ﵃، وحرصهم على الخير، حتى بالحمل على ظهورهم؛ ليتصدقوا بذلك.
٤ - المسارعة والمسابقة في إخراج الصدقة؛ للأحاديث الآتية:
الحديث الأول: حديث عتبة بن الحارث ﵁، قال: صليت وراء النبي ﷺ بالمدينة العصر، فسلم، ثم قام مسرعاً، فتخطى رقاب الناس إلى بعض حُجر نسائه، ففزِعَ الناسُ من سرعته، فخرج عليهم، فرأى أنهم عجبوا من سرعته، فقال: ((ذكرت [وأنا في الصلاة] شيئاً من تِبْرٍ (٣) عندنا، فكرهت أن يحبسني [وفي رواية]: أن يمسي أو يبيت عندنا، فأمرت
стр. 39
بقسمته)) (١).
وفي هذا الحديث من الفوائد: أن الخير ينبغي أن يُبادر به، فإن الآفات تعرض، والموانع تمنع، والموت لا يؤمن، والتسويف غير محمود، والإسراع: أبرأ للذمة، وأنفى للحاجة، وأبعد من المطل المذموم، وأرضى للرب، وأمحى للذنب (٢)، وأعظم للأجر.
الحديث الثاني: حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لو كان لي مثل أُحدٍ ذهباً ما يسرني ألا يمرُّ عليَّ ثلاث وعندي منه شيء، إلا شيء أرصده لدين)) (٣).
الحديث الثالث: حديث أبي ذر ﵁: أن النبي ﷺ قال: ((ما أحب أن أُحداً ذاك عندي ذهبٌ أمسي ثالثة عندي منه دينار, إلا ديناراً أرصده لدين، إلا أن أقول به في عباد الله: هكذا)) حثا بين يديه ((وهكذا)) عن يمينه ((وهكذا)) عن شماله، ... ((إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة، إلا من قال: هكذا، وهكذا، وهكذا)) مثل ما صنع في المرة الأولى ... )) (٤).
٥ - الإنفاق سرًّا وعلانية رجاء الأجر الكبير من الله تعالى ، وينوي