فقال: ((إن الله قد أوجب لها بها الجنة، أو أعتقها بها من النار)) (١).
الحديث السابع: حديث جرير بن عبد الله ﵁ قال: كنا عند رسول الله ﷺ في صدر النهار، قال: فجاء قومٌ حفاةٌ، عراةٌ مجتابي النمار (٢) أو العباءَ، متقلدي السيوف، عامتهم من مُضَر، فتمعَّر وجهُ رسول الله ﷺ ؛ لما رأى ما
بهم من الفاقة، فدخل ثم خرج، فأمر بلالاً فأذَّن وأقام، فصلى ثم خطب فقال: ((﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ إلى آخر الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾)) (٣).
والآية التي في سورة الحشر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ (٤). تصدَّق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاعِ بُرِّه، من صاع تمره، حتى قال: ((ولو بشق تمرة)) قال فجاء رجل من الأنصار بصُرَّةٍ كادت كفُّهُ تعجزُ عنها، بل قد عجزت، قال: ثم تتابع الناس حتى رأيت كَوْمين من طعام، وثياب، حتى رأيت وجْهَ رسول الله ﷺ يتهلَّلُ كأنهُ مُذْهَبَةٌ (٥)، فقال رسول الله ﷺ : ((من سنَّ في الإسلام سُنَّة حسنةً فله أجرُهَا، وأجرُ من عمل بها بعده، من غير أن يَنْقُصَ من
стр. 37
أجورهم شيءٌ، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وِزْرُها وَوِزْرُ من عَمِلَ بها من بعده، من غير أن ينقُصَ من أوزارهِمْ شيء)) (١).
وفيه من الفوائد: جمع الناس للأمور المهمة، ووعظهم، وحثهم على مصالحهم, وتحذيرهم من القبائح، وفيه سرور النبي ﷺ بمبادرة المسلمين إلى طاعة الله تعالى، وبذل أموالهم لله، وامتثال أمر رسول الله ﷺ ولدفع حاجة هؤلاء المحتاجين، وشفقة المسلمين بعضهم على بعض، وتعاونهم
على البر والتقوى، وفيه الحث على الابتداء بالخيرات، وسن السنن الحسنات، والتحذير من اختراع الأباطيل والمستقبحات، وسبب هذا الكلام في آخر الحديث أنه قال في أوله: فجاء رجل بصرة كادت يده أن تعجز عنها، فتتابع الناس وكان الفضل العظيم للبادئ بهذا الخير، والفاتح لباب هذا الإحسان (٢).
الحديث الثامن: حديث أبي مسعود ﵁ قال: لما نزلت آية الصدقات كنا نُحامِلُ، فجاء رجل فتصدق بشيء كثير، فقالوا: مرائي، وجاء رجل فتصدق بصاع فقالوا: إن الله لغني عن صدقة هذا، فنزلت:
﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ (٣). وفي رواية: ((لما أمرنا بالصدقة كنا نتحامل (٤) فجاء أبو عقيل [فتصدق] بنصف صاع، وجاء إنسان بأكثر منه فقال
стр. 38
المنافقون: إن الله لغني عن صدقة هذا، وما فعل هذا الآخر إلا رياءً، فنزلت: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ (١). وفي هذا الحديث من الفوائد: التحريض على الاعتناء بالصدقة، وأن المسلم إذا لم يكن له مال يتوصل
إلى تحصيل ما يتصدق به: من حملٍ، أو غيره من الأسباب (٢)، وفيه أنه لا ينبغي أن تحتقر الصدقة بالقليل، ولا يعاب على من تصدق بما يستطيع ولو كان قليلاً، وأن من عاب عليه يتصف بصفة من صفات المنافقين، وفيه فضل الصحابة ﵃، وحرصهم على الخير، حتى بالحمل على ظهورهم؛ ليتصدقوا بذلك.
٤ - المسارعة والمسابقة في إخراج الصدقة؛ للأحاديث الآتية:
الحديث الأول: حديث عتبة بن الحارث ﵁، قال: صليت وراء النبي ﷺ بالمدينة العصر، فسلم، ثم قام مسرعاً، فتخطى رقاب الناس إلى بعض حُجر نسائه، ففزِعَ الناسُ من سرعته، فخرج عليهم، فرأى أنهم عجبوا من سرعته، فقال: ((ذكرت [وأنا في الصلاة] شيئاً من تِبْرٍ (٣) عندنا، فكرهت أن يحبسني [وفي رواية]: أن يمسي أو يبيت عندنا، فأمرت
стр. 39
بقسمته)) (١).
وفي هذا الحديث من الفوائد: أن الخير ينبغي أن يُبادر به، فإن الآفات تعرض، والموانع تمنع، والموت لا يؤمن، والتسويف غير محمود، والإسراع: أبرأ للذمة، وأنفى للحاجة، وأبعد من المطل المذموم، وأرضى للرب، وأمحى للذنب (٢)، وأعظم للأجر.
الحديث الثاني: حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لو كان لي مثل أُحدٍ ذهباً ما يسرني ألا يمرُّ عليَّ ثلاث وعندي منه شيء، إلا شيء أرصده لدين)) (٣).
الحديث الثالث: حديث أبي ذر ﵁: أن النبي ﷺ قال: ((ما أحب أن أُحداً ذاك عندي ذهبٌ أمسي ثالثة عندي منه دينار, إلا ديناراً أرصده لدين، إلا أن أقول به في عباد الله: هكذا)) حثا بين يديه ((وهكذا)) عن يمينه ((وهكذا)) عن شماله، ... ((إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة، إلا من قال: هكذا، وهكذا، وهكذا)) مثل ما صنع في المرة الأولى ... )) (٤).
٥ - الإنفاق سرًّا وعلانية رجاء الأجر الكبير من الله تعالى ، وينوي
يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (١).
الآية السادسة: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ (٢).
فهذه الآيات فيها الثناء على من أنفق حيث دعت الحاجة سرًّا وعلانية، من النفقات الواجبة، والمستحبة، والزكاة الواجبة، والصدقات المستحبة،
والله تعالى أعلم (٣).
وأما الأحاديث في الإنفاق في السر والعلانية وفي الليل والنهار، فهي كثيرة، ومنها، الأحاديث الآتية:
الحديث الأول: حديث جرير بن عبد الله ﵁، وفيه: أن قوماً أتوا إلى النبي ﷺ : حفاة عراة، فتمعَّر وجه رسول الله ﷺ ؛ لما رأى ما بهم من الحاجة، ثم أمر بالأذان والإقامة، وصلَّى، ثم خطب الناس، وأمرهم بالصدقة على حسب طاقتهم، فتصدق كل إنسان على حسب قدرته، وتصدق رجل بصرِّة عظيمة كادت أن تعجز عنها يده، فتتابع الناس في الصدقة، بعدما رأوا هذا الرجل وصدقته، فقال النبي ﷺ : ((من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء ... )) (٤).
стр. 42
الحديث الثاني: حديث عبد الله بن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال: ((لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار)) (١).
الحديث الثالث: حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله
ﷺ : ((لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلَّطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها)) (٢).
الحديث الرابع: حديث أبي هريرة ﵁ في السبعة الذين يظلهم الله في ظله، وفيه:: ((ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه)) (٣).
الحديث الخامس: حديث معاوية بن حيدة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال:: ((إن صدقة السر تطفئ غضب الرب)) (٤).
الحديث السادس: حديث عقبة بن عامر ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: ((الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمسرّ بالقرآن كالمسرِّ بالصدقة)) (٥).
стр. 43
٦ - الإنفاق مما يحب المتصدق؛ للأدلة الآتية:
الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (١).
الدليل الثاني: قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ
مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ (٢).
الدليل الثالث: حديث عوف بن مالك ﵁، قال: دخل علينا رسول الله ﷺ المسجد وبيده عصا وقد علَّق رجل قِنو حشفٍ، فجعل يطعن بالعصا في ذلك القنو وقال: ((لو شاء رب هذه الصدقة تصدَّق بأطيب منها)) وقال: ((إن رب هذه الصدقة يأكل حشفاً يوم القيامة)) (٣).
الدليل الرابع: حديث وائل بن حجر، وفيه أن رجلاً أعطى في الصدقة بعيراً مهزولاً، فقال النبي ﷺ : (( ... اللهم لا تبارك فيه ولا في إبله)) فبلغ ذلك الرجل فجاء بناقة حسناء، فقال: أتوب إلى الله وإلى نبيه ﷺ ، فقال النبي ﷺ : ((اللهم بارك فيه وفي إبله)) (٤). وهذا الحديث وإن كان في زكاة الفريضة، ولكن
стр. 44
ينبغي الإنفاق من الطيب.
الدليل الخامس: قصة أبي طلحة ﵁، وأنه تصدق بأحب أمواله إليه، وهي بيرحاء، فقال النبي ﷺ : ((بخ ذلك مال رابح, ذلك مال رابح)) (١).
٧ - عدم الإيكاء، لمنع الصدقة ، ولا يعدها، فيستكثرها، وعدم الجمع للأموال بدون نفقة؛ لحديث أسماء بنت أبي بكر ﵂، قالت:
قال لي النبي ﷺ : ((لا توكي فيُوكى عليك)) (٢). وفي رواية: ((لا تحصي فيحصي الله عليك)) (٣). وفي رواية: ((لا توعي فيوعي الله عليك، ارضخي ما استطعتِ)) (٤). وفي رواية أنها قالت: يا رسول الله! ما لي مالٌ إلا ما أدخل علي الزبير فأتصدق؟ قال: ((تصدقي، ولا توعي فيوعي الله عليك)) (٥).
وفي رواية: ((أنفقي، ولا تحصي فيحصي الله عليك، ولا توعي فيوعي الله عليك)) (٦). وفي رواية لمسلم: ((انفحي، أو انضحي، أو أنفقي، ولا تحصي فيُحصي الله عليك، ولا توعي فيوعي الله عليك)) (٧)(٨).
стр. 45
وقوله ﷺ : ((لا توكي فيوكى عليك)) الإيكاء: شد رأس الوعاء بالوكاء، وهو الرباط الذي يربط به.
وقوله ﷺ : ((لا تحصي)) الإحصاء معرفة قدر الشيء: وزناً, أو عدًّا، وهو من باب المقابلة, والمعنى النهي عن منع الصدقة خشية النفاد؛ فإن ذلك أعظم لأسباب قطع مادة البركة؛ لأن الله يثيب على العطاء بغير حساب, ومن لا يحسب عند الجزاء لا يحسب عليه عند العطاء، ومن علم أن الله يرزقه من حيث لا يحتسب فحقه أن يُعطي ولا يحسب، وقيل: المراد
بالإحصاء عدّ الشيء؛ لأن يدخر ولا ينفق منه، وأحصاه الله: قطع البركة عنه، أو حبس مادة الرزق أو المحاسبة عليه في الآخرة (١).
قوله ﷺ : ((ولا توعي فيوعي الله عليك)) والمعنى: لا تجمعي في الوعاء وتبخلي بالنفقة فتجازي بمثل ذلك (٢).
قوله: ﷺ : ((ارضخي ما استطعت)) الرضخ: العطاء اليسير، فالمعنى: أنفقي بغير إجحاف، مادمت قادرة مستطيعة (٣).
قوله في رواية مسلم: ((انفحي)) النفح الضرب والرمي بالعطاء (٤).
قال النووي ﵀: ((ولا تحصي فيحصي الله عليك ويوعي عليك)) ومعناه: يمنعك كما منعتِ، ويقتر عليك كما قترتِ، ويمسك
стр. 46
فضله عليك كما أمسكتيه، وقيل: معنى ((لا تحصي)) أي: لا تعديه فتستكثريه فيكون سبباً لانقطاع إنفاقك (١). وفيه: الحث على النفقة في العطاء، والنهي عن الإمساك والبخل، وعن ادخار المال في الوعاء، وعن الإحصاء لمقدار الصدقة وعدها (٢).
وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: ((الإحصاء هو عدّ ما أظهره من الصدقة)) (٣).
٨ - عدم الحرص على المال، وحطام الدنيا الزائلة؛ للأحاديث الآتية:
الحديث الأول: حديث أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: ((قلب الشيخ شاب على حبِّ اثنتين: طول الحياة، وحب المال)) (٤).
الحديث الثاني: حديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((يهرم ابن آدم وتشبُّ منه اثنتان: الحرص على المال، والحرص على العمر)). ولفظ البخاري: ((يكبر ابن آدم ويكبر معه اثنتان: حب المال وطول العمر)) (٥).
الحديث الثالث: حديث أنس ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: ((لو كان لابن آدم وادياً من ذهب أحب أن يكون له واديان، ولن يملأ فاه إلا التراب، ويتوب الله على من تاب)). وفي لفظ لمسلم: ((لو كان لابن آدم
стр. 47
واديان من مال لابتغى وادياً ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب)) (١).
الحديث الرابع: حديث ابن عباس ﵄ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: ((لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب)).وفي لفظ للبخاري: ((ولا يملأ عين ابن آدم إلا التراب ... )).ولفظ عند مسلم: ((ولا يملأ نفس ابن آدم إلا التراب ... )) (٢).
في الأحاديث السابقة من الفوائد: أن قلب الشيخ الكبير كامل الحب للمال محتكم في ذلك كاحتكام قوة الشباب في شبابه، وفيها ذم الحرص على الدنيا وحب المكاثرة بها، والرغبة فيها، ولايزال حريصاً على الدنيا حتى يموت (٣). فإذا مات كان من شأنه أن يدفن، فإذا دفن صُبَّ عليه التراب، فملأ تراب قبره جوفه، وفاه، وعينيه، ولم يبق منه موضع يحتاج إلى تراب، والله المستعان (٤).
وسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول في تقريره على هذه الأحاديث: ((والمقصود من هذا كله: الحذر من الانشغال بالمال، والفتنة بالمال، وأن المؤمن ينبغي أن يكون أكبر همه العمل للآخرة، وألا يُشغل
стр. 48
بالدنيا وشهواتها؛ فهو لم يخلق لها، [إنما] خلق، ليعمل فيها للآخرة، فلا ينبغي أن يُشغل بها عمَّا خلق له)) (١).
الحديث الخامس: حديث عمرو بن عوف الأنصارى أن رسول الله ﷺ بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين يأتي بجزيتها، وكان رسول الله ﷺ صالح أهل البحرين وأمَّر عليهم العلاء بن الحضرمي فقدم أبو عبيدة بمالٍ من البحرين، فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة فوافت (٢) صلاة الصبح مع النبي
ﷺ ، فلما صلى بهم الفجر انصرف، فتعرَّضوا له، فتبسم رسول الله ﷺ حين رآهم, وقال: ((أظنُّكم قد سمعتم أن أبا عبيدة قد جاء بشيء)) قالوا: أجل يا رسول الله، قال: ((فأبشروا وأمِّلُوا (٣) ما يسركم، فوالله لا الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها (٤) كما تنافَسُوها، وتُهلككم كما أهلكتهم)) (٥).
وفي رواية للبخاري: ((وتُلهيكم كما ألهتهم)) (٦).
стр. 49
ظهر في مفهوم هذا الحديث التحذير من التنافس في الدنيا؛ لأن النبي ﷺ قال: ((فوالله لا الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم))، قال الحافظ ابن حجر ﵀ في فوائد هذا الحديث: ((وفيه أن المنافسة في الدنيا قد تجر إلى هلاك الدين)) (١)، ((لأن المال مرغوب فيه فترتاح النفس لطلبه، فتمنع منه، فتقع العداوة المقتضية للمقاتلة، المفضية إلى الهلاك)) (٢).
وقوله ﷺ : ((وتلهيكم كما ألهتهم))، دليل على أن الانشغال بالدنيا فتنة، قال الإمام القرطبي ﵀: ((تلهيكم)) أي تشغلكم عن أمور دينكم وعن الاستعداد لآخرتكم (٣)، كما قال الله : ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ*حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ (٤).
وهذا يؤكد للمسلم أن التنافس في الدنيا والانشغال بها شرٌّ وخطرٌ؛ ولهذا قال ﷺ : ((إن أكثر ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من بركات الأرض))، قيل: وما بركات الأرض؟ قال: ((زهرة الدنيا))، ثم قال: ((إن هذا المال خَضِرةٌ حُلوةٌ ... من أخذه بحقه ووضعه في حقه فنعم المعونة هو، ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع)) وفي لفظ لمسلم: (( ... إن هذا المال خضِرٌ حلوٌ، ونعم صاحب المسلم هو, لمن أعطى منه المسكين واليتيم، وابن السبيل))، أو كما قال رسول الله ﷺ ، ((وإنه من
стр. 50
يأخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع, [ويكون عليه شهيداً يوم القيامة])) (١).
وعن عمرو بن العاص ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((نعم المال الصالح للمرء الصالح)) (٢).
وعن قيس بن حازم قال: دخلنا على خباب ﵁ نعوده ... فقال:
((إن أصحابنا الذين سلفوا مضوا ولم تنقصهم الدنيا، وإنا أصبنا ما لا نجد له موضعاً إلا التراب، ولولا أن النبي ﷺ نهانا أن ندعو بالموت لدعوتُ به))، ثم أتيناه مرة أخرى وهو يبني حائطاً له فقال: ((إن المسلم يؤجر في كل شيء ينفقه إلا في شيء يجعله في هذا التراب)) (٣).
قال الحافظ ابن حجر ﵀: ((أي الذي يوضع في البنيان، وهو محمول على ما زاد على الحاجة)) (٤)، وذكر ﵀ آثاراً كثيرة في ذم البنيان ثم قال: ((وهذا كله محمول على ما لا تمس الحاجة إليه مما لا بد منه للتوطن وما يقي البرد والحر)) (٥).
стр. 51
وقد بين الله حقيقة الدنيا:
فقال : ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١).
وقال : ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ
وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (٢).
وقال : ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا* الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ (٣).
ولا شك أن الإنسان إذا لم يجعل الدنيا أكبر همه وفقه الله وأعانه، فعن معقل بن يسار ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((يقول ربكم ﵎: يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ قلبك غِنىً وأملأ يديك رزقاً، يا ابن آدم لا تباعد عني فأملأ قلبك فقراً وأملأ يديك شغلاً)) (٤).
стр. 52
وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((إن الله تعالى يقول: يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنىً وأسد فقرك، وإن لم تفعل ملأت يديك شغلاً ولم أسد فقرك)) (١). قال ذلك عندما تلا: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ﴾ (٢).
ولا شك أن كل عمل صالح يُبتغى به وجه الله فهو عبادة.
وعن زيد بن ثابت ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من كانت
الدنيا همه فَرَّق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كُتِبَ له، ومن كانت الآخرة نيته، جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة)) (٣).
وقد ذم الله الدنيا إذا لم تستخدم في طاعة الله ، فعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ألا إن الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكرُ الله، وما والاهُ، وعالمٌ، أو متعلمٌ)) (٤)، وهذا يؤكد أن الدنيا مذمومة مبغوضة من الله وما فيها، مبعدة من رحمة الله إلا ما كان طاعة لله (٥)؛
стр. 53
ولهوانها على الله لم يبلِّغ رسوله ﷺ فيها وهو أحب الخلق إليه، فقد مات ﷺ ودرعه مرهونة عند يهودي في ثلاثين صاعاً من شعير (١)، ومما يزيد ذلك وضوحاً وبياناً حديث سهل بن سعد ﵁ يرفعه: ((لو كانت الدنيا تعدل
عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء)) (٢). فينبغي للداعية أن لا ينافس في الدنيا، ولا يحزن عليها، وإذا رأى الناس يتنافسون في الدنيا، فعليه تحذيرهم، وعليه مع ذلك أن ينافسهم في الآخرة. والله المستعان.
الحديث السادس: حديث مطرف عن أبيه ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ وهو يقرأ ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ قال: ((يقول ابن آدم: مالي، مالي، وهل لك من مالك يا ابن آدم إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت)) (٣).
الحديث السابع: حديث أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: ((يقول العبد: مالي، مالي، إنما له من ماله ثلاثة: ما أكل فأفنى، أو لبس
стр. 54
فأبلى، أو أعطى فأقنى، وما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس)) (١).
الحديث الثامن: حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((أيكم مال وارثه أحبُّ إليه من ماله؟)) قالوا: يا رسول الله! ما منا أحد إلا ماله أحبُّ إليه، قال: ((فإن ماله ما قدَّم، ومال وارثه ما أخَّر)) (٢).
الحديث التاسع: حديث عائشة ﵂: أنهم ذبحوا شاةً فقال النبي ﷺ : ((مَا بَقيَ منها؟)) قالت: ما بقيَ منها إلا كَتِفُهَا, قال ﷺ : ((بَقِيَ كُلُّها غَيرَ كَتِفِهَا)) (٣).
٩ - التوسط في الصدقة: فلا إسراف، ولا تقتير ؛ لقول الله :
﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ (٤).
فإذا أنفقوا النفقات الواجبة، أو المستحبة، لم يسرفوا بأن يزيدوا على الحد فيدخلوا في قسم التبذير، وإهمال الحقوق الواجبة، ولم يقتروا فيدخلوا في باب البخل والشح، ولكن إنفاقهم بين الإسراف والتقتير، يبذلون في الواجبات، من الزكوات، والكفارات، والنفقات الواجبة والمستحبة، وفيما ينبغي على الوجه الذي ينبغي، من غير ضرر ولا ضرار، وهذا من عدلهم واقتصادهم (٥).
стр. 55
وقال تعالى: ﴿وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا* وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا * وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا * إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ
وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ (١).
سادساً: صدقة إطعام الطعام ثوابها عظيم: وهي على النحو الآتي:
١ - الإطعام لوجه الله تعالى ثوابه كبير ، قال الله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ (٢).
٢ - اقتحام العقبة من أسبابه إطعام المساكين ، قال تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ *وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ *فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ (٣).
٣ - إطعام الجائع فيه الثواب العظيم ، عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((فكُّوا العاني - يعني الأسير - وأطعموا الجائع، وعودوا المريض)) (٤).
٤ - إطعام الطعام من أسباب دخول الجنة ، عن عبد الله بن سلام ﵁ قال: لما قدم النبي ﷺ المدينة انجفل الناس قِبَلَه، وقيل: قدم رسول
стр. 56
الله ﷺ ، قدم رسول الله ﷺ ، قدم رسول الله ﷺ ، ثلاثاً، فجئت في الناس؛ لأنظر، فلما تبيَّنتُ وجهه عرفتُ أن وجه ليس بوجه كذاب، فكان أول شيء سمعته أن قال: ((يا أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلُّوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام)) (١).
٥ - أعد الله الغرف العاليات، لمن أطعم الطعام، وأفشى السلام ، وألان الكلام، وتابع الصيام المشروع، وصلى بالليل؛ لحديث أبي مالك الأشعري عن النبي ﷺ أنه قال: ((إن في الجنة غُرفاً يُرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدَّها الله لمن: أطعم الطعام، [وأفشى السلام]، وألان الكلام، وتابع الصيام، وصلى بالليل والناس نيام))] (٢)، وهذا الحديث العظيم فيه حث على هذه الخصال الكريمة، منها: إطعام الطعام: للأضياف، والعيال، والفقراء، ونحوهم (٣).
٦ - خير الإسلام إطعام الطعام وإفشاء السلام على من عرفت ومن لم تعرف ؛ لحديث عبد الله بن عمرو، أن رجلاً سأل النبي ﷺ : أي الإسلام خير؟ قال: ((تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم
стр. 57
تعرف)) (١).
٧ - ثواب إطعام الطعام عند الله تعالى يوم القيامة ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله يقول يوم القيامة: يا ابن آدم، مرضت فلم تعدني، قال: يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟! قال: أما
علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده، أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟ يا ابن آدم، استطعمتك فلم تطعمني، قال: يا ربِّ كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟! قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه؟ أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي، يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقني، قال: يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟! قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه، أما إنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي)) (٢).
٨ - خصال دخول الجنة في يومٍ، منها إطعام المسكين ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أصبح اليوم منكم صائماً؟)) قال أبو بكر: أنا. قال: ((فمن اتبع منكم اليوم جنازة؟)) قال أبو بكر: أنا. قال: ((فمن أطعم منكم اليوم مسكيناً؟)) قال أبو بكر: أنا. قال: ((فمن عاد منكم اليوم مريضاً؟)) قال أبو بكر: أنا. فقال رسول الله ﷺ : ((ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة)) (٣).
ولفظ البخاري في الأدب المفرد: ((ما اجتمعت هذه الخصال في رجل في يوم إلا دخل الجنة)) (٤).
стр. 58
٩ - إطعام الجائع وإسقاء الظمآن من أسباب دخول الجنة ؛ لحديث البراء بن عازب ﵁ قال: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! علمني عملاً يدخلني الجنة, قال: ((إن كنت أقْصَرْتَ الخطبة لقد أعْرضت المسألة: أعتق النّسمة، وفُكَّ الرقبة، فإن لم تُطِق ذلك، فأطعم الجائع، وأسْقِ الظمآن)) الحديث (١).
١٠ - إدخال السرور على المؤمن المسكين بإطعامه سبب لدخول الجنة ؛ لحديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ : أي الأعمال أفضل؟ قال: ((إدخالك السرور على مؤمن؛ أشبعت جوعته، أو كسوت عورته، أو قضيت له حاجة)) (٢). وغير ذلك كثير في فضل إطعام الطعام.
سابعاً: الصدقة على الحيوان، بالسقي والإطعام، والإحسان ، فيه أحاديث منها ما يلي:
١ - دخل رجل الجنة بسقي كلب ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((بينما رجل يمشي فاشتد عليه العطش فوجد بئراً فنزل فيها فشرب ثم خرج، فإذا هو بكلب يلهث (٣) يأكل الثرى من العطش، فقال: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي بلغ بي، فنزل البئر فملأ خُفَّهُ ماءً ثم أمسكه بفيه ثم رَقِيَ فسقى الكلب فشكر الله له، فغفر له)) قالوا: يا
стр. 59
رسول الله! وإن لنا في البهائم أجراً؟ قال: ((في كلِّ كَبِدٍ رطبةٍ أجر)) (١). وفي لفظ للبخاري: ((فشكر الله له فأدخله الجنة)) (٢).
٢ - دخلت امرأة بغي الجنة بسقي كلب ؛ لحديث أبي هريرة ﵁، قال النبي ﷺ : ((إن امرأة بغيًّا رأت كلباً في يوم حارٍّ يُطيف ببئرٍ قد أدلع
لسانه من العطش, فنزعت له بموقها، فغفر لها)) (٣).
وفي لفظ البخاري: ((غُفِر لامرأةٍ مومِسَةٍ مرت بكلب على رأس رَكيٍّ كاد يقتله العطش، فنزعت خفها فأوثقته بخمارها، فنزعت له من الماء فَغُفِر لها بذلك)) (٤).
٣ - دخلت امرأة النار بحبس هرة ؛ لحديث أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: ((عُذِّبت امرأة في هرة لم تطعهما ولم تسقها، ولم تتركها تأكل من خشاش الأرض)) (٥).
ومن حديث عبد الله بن عمر ﵄: ((عُذبت امرأة في هرة حبستها حتى ماتت فدخلت فيها النار لا هي أطعمتها وسقتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خُشاش الأرض)) (٦).
стр. 60
٤ - ثواب كبير لمن غرس غرساً فأُكل منه ؛ لحديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من مسلم يغرس غرساً أو زرعاً، فيأكل منه طير أو إنسان، أو بهيمة إلا كان له به صدقة)) (١).
ثامناً: صدقة القرض الحسن والعارية والمنيحة: على النحو الآتي:
١ - أجر القرض مثل إعتاق الرقبة ؛ لحديث البراء بن عازب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من مَنحَ منيحةَ لبنٍ (٢) أو وَرِق (٣)، أو هَدَى زُقاقاً (٤) كان له مِثل عِتقِ رقبةٍ)) (٥).
٢ - كل قرض صدقة؛ لحديث عبد الله بن مسعود ﵁، أن النبي ﷺ قال: ((كلُّ قرض صدقة)) (٦).
стр. 61
٣ - القرض يضاعف أضعافاً في الأجر ؛ لحديث أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((دخل رجل الجنة فرأى على بابها مكتوباً: الصدقة بعشر أمثالها، والقرض بثمانية عشر)) (١).
٤ - من أقرض مسلماً مرتين كان كصدقة بهذا المال مرة ؛ لحديث عبد الله بن مسعود ﵁، أن النبي ﷺ قال: ((ما من مسلم يقرض مسلماً
قرضاً مرتين إلا كان كصدقتها مرة)) (٢).
٥ - الأجر العظيم لمن منح منيحة ابتغاء وجه الله تعالى ؛ لحديث أبي هريرة ﵁: ((ألا رجل يمنع أهل بيت ناقة تغدو بعسٍّ وتروح بعسٍّ (٣)، إن أجرها لعظيم)) (٤).
وعنه ﵁ يرفعه: ((من منح منيحة غدت بصدقة, وراحت بصدقة: صبوحها (٥) وغبوقها)) (٦).
وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أربعون خصلة أعلاها منيحة العنز، ما من عامل يعمل بخصلة منها رجاء ثوابها
стр. 62
وتصديق موعودها إلا أدخله الله بها الجنة)) قال حسان - أحد رواة الحديث - فعددنا ما دون منيحة العنز من: رد السلام، وتشميت العاطس، وإماطة الأذى عن الطريق، ونحوه، فما استطعنا أن نبلغ خمس عشرة خصلة)) (١).
وعن أبي سعيد ﵁ قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فسأله عن الهجرة؟ فقال: ((ويحك إن الهجرة شأنها شديد، فهل لك من إبل؟)) قال: نعم، قال: ((فتعطي صدقتها؟)) قال: نعم، قال: ((فهل تمنح منها شيئاً؟)) قال: نعم، قال:
((فتحلبها يوم وردها؟)) قال: نعم، قال: ((فاعمل من وراء البحار؛ فإن الله لن يترك من عملك شيئاً)) (٢).
وعن ابن عباس ﵄، أن النبي ﷺ خرج إلى أرضٍ تهتزُّ زرعاً فقال: ((لمن هذه؟)) فقالوا: اكتراها فلان، فقال: ((أما إنه لو منحها إيَّاه كان خيراً له من أن يأخذ عليها أجراً معلوماً)) (٣).
٦ - التنفيس عن المعسر أو الوضع عنه ينجي الله به من كرب يوم القيامة ؛ لحديث أبي قتادة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((من سرَّه أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفِّس عن معسر، أو يضع عنه)) (٤)؛ ولحديث حذيفة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((تلقت الملائكة روح رجل ممن كان قبلكم، فقالوا:
стр. 63
أعملت من الخير شيئاً؟ قال: كنت آمر فتياني أن ينظروا، ويتجاوزوا عن الموسر, قال: ((فتجاوزوا عنه)) وفي لفظ: ((أُنظِر الموسر وأتجاوز عن المعسر)). وفي لفظ: ((فكنت أقبل الميسور وأتجاوز عن المعسور))، قال: ((تجاوزوا عن عبدي)) وفي لفظ: ((أنا أحق بذلك منك, تجاوزوا عن عبدي)). وفي لفظ: (( ... فأنظر الموسر وأتجاوز عن المعسر، فأدخله الله الجنة)) (١).
٧ - إنظار المعسر أو الوضع عنه يُظِلُّ الله به في ظل عرشه ؛ لحديث
أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أنظر معسراً أو وضع عنه، أظله الله يوم القيامة في ظلِّ عرشه يوم لا ظلَّ إلا ظِلُّه)) (٢).
وعن بريدة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((من أنظر معسراً فله كل يوم صدقة قبل أن يحلَّ الدين، فإذا حل الدين فأنظره بعد ذلك فله كل يوم مثليه صدقة)) (٣).
تاسعاً: الصدقة الجارية والوقف لله تعالى:
عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: أصاب عمر بخيبر أرضاً، فأتى النبي ﷺ فقال: أصبت أرضاً لم أصب مالاً قط أنفس منه، فكيف تأمرني به؟ قال: ((إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها)) فتصدق عمر أنه لا
стр. 64
يباع أصلها، ولا يوهب، ولا يورث [ولكن ينفق ثمره] في الفقراء، والمساكين، والقربى, والرقاب، وفي سبيل الله، والضيف، وابن السبيل، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، أو يطعم صديقاً غير متموّل فيه)) (١). ومعنى أنفس: النفيس: الكريم على أهله العزيز عندهم، وحبس: الحبس: الوقف، يريد أن يقف أصل الملك، وسبَّل يسبِّل الثمرة: أي
يجعلها مباحة لمن وقفها عليه (٢).
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاث: من صدقةٍ جارية، أو علمٍ ينتفع به، أو ولدٍ صالح يدعو له)) (٣).
عاشراً: الصدقة من صفات المؤمنين المتقين المحسنين على النحو الآتي:
١ - قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ *أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ (٤).
٢ - وقال سبحانه: ﴿(الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ
стр. 65
وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١).
٣ - وقال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ*الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (٢).
٤ - وقال تعالى: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (٣).
٥ - وقال سبحانه: ﴿تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا
يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ (٤).
٦ - وقال تعالى: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (٥).
٧ - وقال سبحانه: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (٦).
٨ - وقال تعالى: ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ (٧).
الحادي عشر: صدقة الوصية بعد الموت: للأحاديث الآتية:
الحديث الأول: حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((ما حقُّ امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه، يبيت لليلتين إلا ووصيته
стр. 66
مكتوبة عنده)) (١).
الحديث الثاني: حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله تصدق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم زيادة في أعمالكم)) (٢).
الحديث الثالث: حديث سعد، لا يزيد على الثلث؛ لقول النبي ﷺ لسعد بن أبي وقاص ﵁: (( ... الثلث والثلث كثير، إنك إن تذر ورثتك
أغنياء خيرٌ من أن تذرهم عالة يتكففون الناس)). وفي لفظ: ((الثلث والثلث كثير: إن صدقتك من مالك صدقة، وإن نفقتك على عيالك صدقة، وإن ما تأكل امرأتك من مالك صدقة، وإنك إن تدع أهلك بخير - أو قال بعيش - خير من أن تدعهم يتكففون الناس)) وقال: ((بيده)) (٣).
الثاني عشر: الهدية، و العطية ، و الهبة صدقات بالنية ، فإذا احتسبها المسلم يرجو ثوابها عند الله تعالى كانت صدقات تطوع.
العطيَّة: جمع عطايا وعطيات: وهي ما يُعطى بغير عوضٍ: سواء: كانت هبة، أو هدية، أو صدقة (٤).
الهبة: مصدر وهب يهب هبة؛ والجمع هبات، وهي: تمليك في الحياة
стр. 67
بغير عوض (١).
وقال ابن الأثير: العطية الخالية عن الأعواض والأغراض (٢).
الهدية: مصدر: أهدى، يهدي، هدية، وهي العطية بغير عوضٍ: تقرباً إلى المهدى إليه، أو صلة أو إكراماً (٣).
فعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: ((تهادوا تحابوا)) (٤).
الوصية: جمع وصايا، الوصل: وهي تمليك للغير مضاف لما بعد الموت (٥).
الصدقة: العطية التي يبتغى بها المثوبة عند الله تعالى (٦).
وهذه التبرعات تكون صدقة بالنية، فإذا أعطاها المسلم بنية التقرب لله تعالى كانت صدقة تطوع يثاب عليها.
وهناك فروق بين هذه التبرعات على النحو الآتي:
١ - العطية: تشمل هذه الأسماء كلها إلا الوصية ، فالعطية: ما يُعطى في الحياة بغير عوض، سواء كانت: هبة، أو هدية، أو صدقة.
٢ - كل ما جاز عقد البيع عليه، جازت هبته والوصية به .
٣ - الهبة أو العطية أو الهدية: التبرع بماله حال الحياة والصحة،
стр. 68
والوصية التبرع به بعد الوفاة.
٤ - الهبة والعطية والهدية يعتبر لها القبول حال الحياة ، أما الوصية فمحل قبولها وردها بعد الموت.
٥ - الوصية تكون من الثلث فأقل لغير وارث ، أما العطية وما يدخل تحت مسماها من الهدية والهبة فتجوز بجميع ماله إلا أنه يجب عليه أن يسوِّي في عطيته بين أولاده بقدر إرثهم؛ لقوله ﷺ : ((اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم)) (١).
٦ - صحة وصية الصغير المميز دون هبته ؛ لأن الهبة امتنعت منه لحفظ ماله، أما الوصية فإنما تثبت بعد موته وفيه مصلحة محضة له.
٧ - العطية في مرض الموت المخوِّف تشارك الوصية في أكثر
الأحكام ، وإنما تفارقها بأمر يعود إلى نفس العقد، من اشتراط قبولها حينها، ومن تقديم الأوَّل على الثاني عند المزاحمة.
٨ - أحكام الهدية، والهبة، والصدقة، والعطية متفقة إلا إذا كانت في مرض الموت فكما تقدم، ويفرق بينها بفروق لطيفة: فما قصد به إكرام المُعطى ومحبته فهو الهدية، وما قصد به ثواب الآخرة المجرد فهو الصدقة، والغالب فيها: أن المُعطى يكون محتاجاً، بخلاف: الهدية، والهبة، والعطية، والله أعلم (٢).
ولا يجوز أن يعود في الصدقة، أو الهدية، أو الهبة، أو العطية؛ لحديث ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : ((العائد في هبته كالكلب يقيءُ ثم يعود في قَيْئهِ)). ولفظ للبخاري: ((ليس لنا مثل السَّوء
стр. 69
الذي يعود في هبته، كالكلب يقيء ثم يرجع في قَيْئه)). وفي لفظ لمسلم: ((إن مثل الذي يتصدق بصدقة ثم يعود في صدقته كمثل الكلب يقيء ثم يأكل قَيْئه)) (١).
أما الأولاد فيجوز الرجوع فيما يعطيهم الوالد؛ لحديث عبد الله بن عمر وابن عباس ﵃ عن النبي ﷺ قال: ((لا يحل لرجل مسلم أن يعطي العطية أو يهب الهبة ثم يرجع فيها, إلا الوالد فيما يعطي ولده, كمثل الكلب يأكل فإذا شبع قاء، ثم عاد في قَيْئه)) (٢).
الثالث عشر: أنواع صدقات التطوع: كثيرة على النحو الآتي:
١ - الصدقة بالمال على حسب أنواعه، والحاجة إليه ، وما يحتسبه الإنسان من النفقات، والهبات يرجو ثوابها عند الله ، وتقدمت الأحاديث الكثيرة في ذلك.
٢ - جميع أنواع المعروف تكون صدقة ؛ لحديث حذيفة ﵁، قال: قال نبيكم ﷺ : ((كل معروف صدقة)) (٣)، كل معروف له حكم الصدقة في الثواب، فلا يحتقر شيئاً من المعروف، ولا يبخل به (٤).
стр. 70
٣ - التسبيح، والتهليل، والتكبير، والتحميد، من الصدقات ؛ لحديث أبي ذر ﵁ أن ناساً من أصحاب النبي ﷺ قالوا للنبي ﷺ : يا رسول الله، ذهب أهل الدثور (١) بالأجور يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم، قال: ((أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون به؟ إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة، وفي بِضع أحدكم صدقة)) قالوا: يا رسول الله! أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: ((أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه
فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر)) (٢).
٤ - خُلِقَ الإنسانُ على ثلاثمائة وستين مفصلٍ على كل مفصل صدقة ؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: إن رسول الله ﷺ قال: ((إنه خلق كل إنسان من بني آدم على ستين وثلاثمائة مفصل، فمن كبر الله، وحمد الله، وهلل الله، وسبح الله، واستغفر الله ، وعزل حجراً عن طريق الناس، أو شوكة، أو عظماً عن طريق الناس، وأمر بمعروفِ، أو نهى عن منكر، عدد تلك الستين والثلاثمائة السلامى فإنه يمشي يومئذ وقد زحزح نفسه عن النار)) (٣).
٥ - الإمساك عن الشر صدقة ؛ لحديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((على كل مسلم صدقة)) قالوا: فإن لم يجد؟ قال:
стр. 71
((فليعمل بيده فينفع نفسه ويتصدق)) قالوا: فإن لم يستطع أو لم يفعل؟ قال: ((يعين ذا الحاجة الملهوف)) قالوا: فإن لم يجد؟ قال: ((فليأمر بالخير)) أو قال: ((بالمعروف))، قال: فإن لم يفعل؟ قال: ((فليمسك عن الشر فإنه له صدقة)) (١).
٦ - العدل بين الناس، وإعانتهم، والكلمة الطيبة، صدقات ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((كل سلامى (٢) من الناس
عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس: تعدل بين اثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة تخطوها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة)) (٣).
٧ - صلاة الضحى تُجزيء عن ثلاثمائة وستين صدقة ؛ عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((يصبح على كل سلامى (٤) من أحدكم صدقة: فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة،
стр. 72
وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويُجزىءُ عن ذلك ركعتان يركعهما من الضحى)) (١).
وعن بريدة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((في الإنسان ثلاثمائة وستون مفصلاً، فعليه أن يتصدق عن كل مفصل بصدقة)). قالوا: ومن يطيق ذلك يا نبي الله؟ قال: ((النخاعةُ في المسجد تدفنها، والشيء تُنحّيه عن الطريق؛ فإن لم تجد فركعتا الضحى تُجزئك)) (٢).
٨ - التسبيح والتكبير، والتحميد في دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين مرة يجزئ عن الصدقات بأموال كثيرة، لمن لم يجد المال؛ لحديث أبي هريرة في قصة فقراء المهاجرين وأنهم أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: ذهب أهل الدثور (٣) من الأموال بالدرجات العلى، والنعيم المقيم [فقال: ((وما ذاك؟)) قالوا:] يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضل أموال يحجون بها، ويعتمرون، ويجاهدون، ويتصدقون، فقال: ((أفلا أعلمكم شيئاً تدركون به من سبقكم، وتسبقون به من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم؟)) قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ((تسبحون، وتكبرون، وتحمدون في دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين مرة)) فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله ﷺ فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله، فقال رسول الله ﷺ : ((ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء)) (٤).
стр. 73
٩ - الدلالة على فعل الصدقات صدقات مثلها ؛ لحديث أبي مسعود ﵁، عن النبي ﷺ قال: ((من دل على خير فله مثل أجر فاعله)) (١).
١٠ - لا يترك الله تعالى من العمل شيئاً ؛ لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ : (( ... فاعمل من وراء البحار, فإن الله لن يترك من عملك شيئاً)) (٢).
الرابع عشر: مبطلات الصدقات على النحو الآتي:
١ - الرياء يبطل الصدقة إذا قارنها ؛ فقد ذم الله تعالى من فعل ذلك, فقال: ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا * وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ (٤).
وقال سبحانه: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ
стр. 74
ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ (١). ولحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه)) (٢).
٢ - المن والأذى يبطل الصدقات ؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ
وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ (٣).
وقد مدح الله الذين ينفقون أموالهم إخلاصاً لله، ولا يتبعون ذلك بأي أذى فقال: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ (٤).
وعن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم)) قال: فقرأها رسول الله ﷺ ثلاث مرات، قال: أبو ذرٍّ: خابوا وخسروا، مَن هم يا رسول الله؟ قال: ((المسبل إزاره، والمنَّان، والمنفِّق سلعته بالحلف الكاذب)) (٥).
стр. 75
٣ - الغلول لا تقبل الصدقة منه ؛ لحديث عبد الله ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((لا تقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول)) (١).
الخامس عشر: موضوعات متنوعة في الصدقات ، منها:
١ - المبادرة بالصدقة واغتنام إمكانها قبل أن يحال بين المسلم وبينها ؛ لحديث حارثة بن وهب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((تصدقوا فيوشك الرجل يمشي بصدقته فيقول الذي أعطيها لو جئتنا بها
بالأمس قبلناها، فأما الآن فلا حاجة لي بها فلا يجد من يقبلها)) (٢).
وعن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((ليأتين على الناس زمان يطوف الرجل فيه بصدقته من الذهب ثم لا يجد أحداً يأخذها منه، ويُرى الرجل الواحد يتبعه أربعون امرأة يلذن به (٣) من قلة الرجال وكثرة النساء)) (٤).
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لا تقوم الساعة حتى يكثر المال ويفيض، حتى يخرج الرجل بزكاة ماله فلا يجد أحداً يقبلها منه، وحتى تعود أرض العرب مروجاً وأنهاراً)) (٥).