تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ (١).
الموضع الخامس عشر: في آخر سورة العلق عند قوله تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ (٢). وسجدتي سورة الحج جاء فيهما خبر خالد بن معدان ﵁ قال: ((فضلت سورة الحج بسجدتين)) (٣)، وجاء في خبر عقبة بن عامر، وزاد: ((فمن لم يسجدهما فلا يقرأهما)) (٤).
стр. 177
٥ - سجود التلاوة في الصلاة الجهرية ثابت؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أنه صلى بأصحابه صلاة العشاء فقرأ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾ فسجد، فقيل له: ما هذه؟ قال: ((سجدت فيها خلف أبي القاسم ﷺ ، فلا أزال أسجد فيها حتى ألقاه)) (١).
٦ - صفة سجود التلاوة ، من قرأ آية سجدة أو كان يستمع لها، فإنه يستحب له أن يستقبل القبلة ويكبر، ويسجد ثم يقول دعاء السجود، ثم يرفع من السجود بدون تكبير، ولا تشهد، ولا سلام (٢)؛ لحديث عبد الله بن
стр. 178
عمر ﵄ قال: ((كان رسول الله ﷺ يقرأ علينا القرآن، فإذا مرَّ بالسجدة كبَّر وسجد وسجدنا معه)) (١). وإذا كان
стр. 179
سجود التلاوة في الصلاة، فإنه يكبر حين يسجد وحين ينهض من السجود؛ لأن النبي ﷺ كان يكبر في الصلاة في كل خفض ورفع (١)، وقد قال ﷺ : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) (٢)، وإذا قرأ السجدة في الصلاة في آخر السورة، فإن شاء ركع، وإن شاء سجد ثم قام فقرأ شيئاً من القرآن ثم ركع، وإن شاء سجد ثم قام فركع من غير قراءة)) (٣).
٧ - الدعاء في سجود التلاوة ، يدعو بمثل دعائه في سجود الصلاة، وقد ثبت عن عائشة ﵂ أنها قالت: كان رسول الله ﷺ يقول في سجود القرآن بالليل [يقول في السجدة مراراً] (٤): ((سجد وجهي للذي خلقه [وصوَّره] (٥) وشقَّ سمعَه وبصرَه، بحوله وقوته [فتبارك
стр. 180
الله أحسن الخالقين] (١)) (٢).
وعن ابن عباس ﵄ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني رأيت البارحة فيما يرى النائم كأني أصلي إلى أصل شجرة، فقرأت السجدة فسجدْتُ، فسَجَدَتِ الشجرةُ لسجودي، فسمعتها تقول: ((اللهم اكتب لي بها عندك أجراً، وضع عني بها وزراً، واجعلها لي عندك ذخراً، [وتقبَّلْها مني كما تقبَّلْتها من عبدك داود])). قال ابن عباس ﵄: ((فرأيت النبي ﷺ قرأ سجدة ثم سجد، فسمعته يقول في سجوده مثل ما أخبره الرجل عن قول الشجرة)) (٣).
стр. 181
ويشرع في سجود التلاوة ما يشرع في سجود الصلاة (١).
والصواب أن سجود التلاوة يجوز في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها؛ لأنه من ذوات الأسباب (٢).
سابعاً: سجود الشكر مستحب عند تجدد النعم، واندفاع النقم التي وجد سببها فَسَلِمَ منها المسلم (٣)؛ لحديث أبي بكرة ﵁ ((عن النبي ﷺ أنه كان إذا أتاه أمر يَسُرُّه أو يُسَرُّ به خرَّ ساجداً شكراً لله ﵎) (٤).
стр. 182
وعن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: سجد النبي فأطال السجود ثم رفع رأسه فقال: ((إن جبريل ﵇ أتاني فبشرني فقال: إن الله يقول: ((من صلى عليك صليت عليه، ومن سلم عليك سلمت عليه، فسجدت لله شكراً)) (١).
وعن البراء بن عازب ﵁ أن النبي ﷺ بعث عليَّاً إلى اليمن - فذكر الحديث - قال: فكتب عليٌّ بإسلامهم، فلما قرأ رسول الله ﷺ الكتاب خرَّ ساجداً شكراً لله تعالى على ذلك (٢).
وقد سجد كعب بن مالك ﵁ لما سمع صوت البشير بتوبة الله عليه (٣). وسجد علي بن أبي طالب ﵁ شكراً لله حينما وجد ذا الثدية في قتلى الخوارج (٤).
والصواب أنه كسجود التلاوة فلا يشترط له ما
стр. 183
يشترط للصلاة، وليس في الأحاديث ما يدل على التكبير في سجود الشكر (١).
القسم الخامس: أوقات النهي عن صلاة التطوع:
أولاً: أوقات النهي عن صلاة التطوع المطلق خمسة بالبسط وثلاثة بالاختصار، فأما بالبسط: فمن صلاة الصبح إلى طلوع الشمس، ومن طلوعها حتى ترتفع قدر رمح، وعند قيامها في وسط السماء حتى تزول، ومن صلاة العصر إلى غروب الشمس، وإذا شرعت في الغروب حتى يتم غروبها.
وأما أوقات النهي بالاختصار: فمن صلاة الصبح حتى ترتفع الشمس قدر رمح، وعند قيام الشمس في وسط السماء حتى تزول، ومن صلاة العصر حتى تغيب الشمس، وقد دلت الأحاديث الصحيحة على ذلك،
стр. 184
فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس)). وفي رواية البخاري: (( ... لا صلاة بعد صلاتين: بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الصبح حتى تطلع الشمس))، ولفظ مسلم: ((لا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس)) (١)، وعن عمرو بن عبسة ﵁ أنه قال: للنبي ﷺ : أخبرني عن الصلاة؟ قال: ((صلِّ صلاة الصبح ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس، حتى ترتفع فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار، ثم صلِّ فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى يستقل الظل بالرمح، ثم أقصر عن الصلاة فإنَّه حينئذ تسجر جهنم، فإذا أقبل الفيء فصلِّ فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى
стр. 185
تصلي العصر، ثم أقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس، فإنها تغرب بين قرني شيطان وحينئذ يسجد لها الكفار)) (١).
وعن عقبة بن عامر الجهني ﵁ قال: ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن أو نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة (٢) حتى تميل الشمس، وحين تضيَّفُ (٣) الشمس للغروب حتى تغرب)) (٤).
وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا بدا حاجب الشمس فأخِّروا الصلاة حتى تبرز، وإذا غاب حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تغيب)) (٥).
стр. 186
فدلت هذه الأحاديث على النهي عن صلاة التطوع في هذه الأوقات (١).
ويضاف إلى هذه الأوقات الخمسة: النهي عن صلاة النافلة بعد طلوع الفجر الثاني؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((لا صلاة بعد الفجر إلا سجدتين)) (٢)، ويفسر ذلك لفظ أبي داود، عن يسار مولى
стр. 187
ابن عمر قال: رآني ابن عمر وأنا أصلي بعد طلوع الفجر، فقال: يا يسار إن رسول الله ﷺ خرج علينا ونحن نصلي هذه الصلاة فقال: ((ليبلغ شاهدكم غائبكم لا تصلوا بعد الفجر إلا سجدتين)) (١).
ثانياً: الصلوات ذوات الأسباب في أوقات النهي:
الصلوات ذوات الأسباب في أوقات النهي، اختلف العلماء - يرحمهم الله - هل تؤدى في الأوقات التي نهى النبي ﷺ عن الصلاة فيها أم لا تفعل؟ والصواب من ذلك أنها مخصوصة بالاستثناء في أوقات النهي، قال الإمام النووي ﵀ بعد أن ذكر أحاديث النهي: ((في أحاديث الباب نهيه ﷺ عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الصبح حتى تطلع الشمس، وبعد طلوعها حتى ترتفع، وعند استوائها حتى تزول، وعند
стр. 188
اصفرارها حتى تغرب، وأجمعت الأمة على كراهة صلاة لا سبب لها في هذه الأوقات، واتفقوا على جواز الفرائض المؤداة فيها، واختلفوا في النوافل التي لها سبب كصلاة: تحية المسجد، وسجود التلاوة، والشكر، وصلاة العيد، والكسوف، وفي صلاة الجنازة، وقضاء الفوائت. ومذهب الشافعي وطائفة جواز ذلك كله بلا كراهة، ومذهب أبي حنيفة وآخرين أنه داخل في النهي لعموم الأحاديث، واحتج الشافعي وموافقوه بأنه ثبت أن النبي ﷺ قضى سنة الظهر بعد العصر، وهذا صريح في قضاء السنة الفائتة فالحاضرة أولى، والفريضة المقضيَّة أولى وكذا الجنازة)) (١). واختار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن ذوات الأسباب تفعل في أوقات النهي، وقال: (( ... وهذا أصح قولي العلماء وهو مذهب الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنه)) (٢).
стр. 189
وقال سماحة الإمام ابن باز ﵀ على قول من قال: ((يُحْمَل النهي على ما لا سبب له ويخص منه ما له سبب جمعاً بين الأدلة)) (١): ((وهذا القول هو أصح الأقوال، وهو مذهب الشافعي وإحدى الروايتين عن أحمد، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم، وبه تجتمع الأخبار والله أعلم)) (٢).
ومما يدل على استثناء الصلوات ذوات الأسباب حديث جبير بن مطعم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((يا بني عبد منافٍ لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلى، أيةَ ساعةٍ شاء من ليلٍ أو نهار)) (٣).
стр. 190
وحديث يزيد بن الأسود ﵁ قال: شهدت مع النبي ﷺ حجته، فصليت معه صلاة الصبح في مسجد الخَيف، فلما قضى صلاته انحرف فإذا هو برجلين في أُخْرى القوم لم يصليا معه فقال: ((عليَّ بهما)) فجيء بهما ترعد فرائصُهُما (١) فقال: ((ما منعكما أن تصليا معنا؟)) فقالا: يا رسول الله، إنا كنا قد صلينا في رحالنا، قال: ((فلا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصلِّيا معهم، فإنها لكما نافلة)) (٢). وفي لفظ لأبي داود: ((إذا صلى أحدكم في رحله ثم أدرك الإمام ولم يصل فليصل معه؛ فإنها له نافلة)) (٣).
وعن أبي ذر ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : ((كيف أنت
стр. 191
إذا كانت عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها، أو يميتون الصلاة عن وقتها؟)) (١) قال، قلت: فما تأمرني؟ قال: ((صلِّ الصلاة لوقتها فإن أدركتها معهم فصلِّ فإنها لك نافلة [ولا تقل إني قد صليت فلا أصلي])) (٢).
قال الإمام النووي ﵀: ((وفي هذا الحديث أنه لا بأس بإعادة الصبح والعصر والمغرب كباقي الصلوات؛ لأن النبي ﷺ أطلق الأمر بإعادة الصلاة ولم يفرق بين صلاة وصلاة وهذا هو الصحيح)) (٣).
وعن محجن أنه كان في مجلس مع رسول الله ﷺ ، فأذن بالصلاة، فقام رسول الله ﷺ ، ثم رجع ومحجن في مجلسه، فقال رسول ﷺ : ((ما منعك أن تصلي؟ ألست برجل مسلم؟)) قال: بلى ولكني كنت قد صليت في أهلي، فقال
стр. 192
رسول الله ﷺ : ((إذا جئت فصلِّ مع الناس وإن كنت قد صليت)) (١).
وهذه الأحاديث وما في معناها تدل على مشروعية الدخول مع الجماعة بنية التطوع لمن كان قد صلى تلك الصلاة، وإن كان الوقت وقت كراهة، للتصريح في حديث يزيد بن الأسود بأن ذلك كان في صلاة الصبح؛ ولأن النبي ﷺ أطلق الأمر بإعادة الصلاة في حديث أبي ذر وحديث محجن، ولم يفرق ﷺ بين صلاة وصلاة، فتكون هذه الأحاديث مخصصة لعموم الأحاديث القاضية بكراهة الصلاة في أوقات النهي (٢).
وأما حديث أم سلمة ﵂ الذي قالت فيه: ((صلى رسول الله ﷺ ثم دخل بيتي فصلى ركعتين، فقلت: يا رسول الله، صليت صلاة لم تكن تصليها؟ فقال: ((قدم
стр. 193
عليَّ مال فشغلني عن الركعتين كنت أركعهما بعد الظهر فصليتهما الآن)) فقلت: يا رسول الله، أنقضيهما إذا فاتتا؟ قال: ((لا)) (١)، فهذا من خصائص النبي ﷺ ، قال الصنعاني ﵀: ((والحديث دليل على ما سلف من أن القضاء في ذلك الوقت كان من خصائصه ﷺ )) (٢).
وسمعت الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀ يقول عن هذا الحديث: ((سنده جيد ويدل على أنه من خصائصه ﷺ ، وهناك من أهل العلم من يقول: تقضى، والصحيح أنها من خصائصه ﷺ )) (٣).
ويجوز قضاء الفرائض في أوقات النهي؛ لحديث أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((من نسي صلاة فليصلِّها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك)). وفي رواية لمسلم: ((من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها)) (٤).
стр. 194
والذي اتضح من الأحاديث التي مضت جواز صلاة ذوات الأسباب في أوقات النهي ومنها:
قضاء الفوائت، والصلاة المعادة مع الجماعة، وتحية المسجد، وسجود التلاوة وسجود الشكر، وصلاة الكسوف، وصلاة الطواف بالبيت، وصلاة الجنازة بعد العصر وبعد الفجر، وصلاة نصف النهار في المسجد يوم الجمعة للمأمومين حتى يخرج الإمام، وسنة الوضوء، وصلاة الاستخارة إذا كان الذي يستخير له يفوت إذا أخره، وصلاة التوبة، وقضاء سنة الفجر بعدها (١)، ولكن لا يُصلي على الجنائز ولا يقبر الموتى في أوقات النهي المضيَّقة: عند الغروب، وعند الشروق، وعندما تكون الشمس في وسط السماء؛ لحديث عقبة بن عامر ﵁ قال: ((ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن أو نقبر فيها موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين
стр. 195
تضيَّف الشمس للغروب حتى تغرب)) (١).
وعن أبي سعيد ﵁ أن رسول الله ﷺ أبصر رجلاً يصلي وحده، فقال: ((ألا رجل يتصدَّق على هذا فيصلي معه)) (٢). وذكر ابن تيمية ﵀: أن هذا الحديث مما جاء في الإعادة لسبب، ثم قال: ((فهنا هذا المتصدق قد أعاد الصلاة ليحصل لذلك المصلي فضيلة الجماعة، ثم الإعادة المأمور بها مشروعة عند الشافعي، وأحمد، ومالك وقت النهي، وعند أبي حنيفة لا تشرع وقت النهي)) (٣)، والله أعلم (٤).